← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وكانت سوداء صالحةً، وتُعرفُ أيضًا بأمِّ الظِّباء، هاجرت الهجرتين إلى الحبشةِ والمدينةِ جميعًا. وكان رسولُ اللَّه ﷺ يقول لها: "يا أُمَّاه، وهذه أُمي بقيَّةُ أهلِ بيتي". قال الواقدي: ولمّا سمع زيد بنُ حارثة رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن سَرَّه أن يَتزوَّج امرأةً من أَهلِ الجنةِ فليتزوج أُمَّ أيمن"، فتزوَّجها فوَلدت له أُسامة. وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُمازِحُها، قال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن قيس قال: جاءت أُمُّ أيمن إلى النبي ﷺ فقالت: احمِلْني، فقال: "أحملُكِ على وَلَدِ الناقةِ"، فقالت: إنَّه لا يُطيقُني، فقال: "لا أحمِلُك إلّا على ولدِ الناقةِ"، أشار ﷺ إلى الجملِ، والإبلُ كلُّها ولدُ النُّوقِ. وقال ابن سعد بإسناده عن جَريرِ بن حازم قال: سمعتُ عثمان بنَ القاسم يُحدِّث قال: لما هاجَرَتْ أُمُّ أيمن أَمْسَتْ بالمُنْصَرَفِ دون الرَّوْحاءِ فعَطِشت، فدُلِّي عليها من السماء دلوٌ فيه ماءٌ برِشاء أبيض، فشربت حتى رَوِيتْ، فكانت تقول: ما عَطِشتُ بعدها، ولقد تعرَّضْتُ للعطشِ بالصومِ في الهواجرِ، فما أعطشُ (١). وذكر القِصَّةَ أبو نُعيم عن عثمان بن القاسِمِ، وقال إنها (٢) خرجت من مكَّةَ ماشِيةً مهاجِرةً إلى اللَّه ورسولِه، وليس معها زادٌ، وهي صائمة في يومٍ شديد الحَرِّ، فأَصابها عطشٌ شديدٌ حتى كادت تموتُ، وهي بالرَّوحاءِ، فلما غابت الشمسُ سمعت على رأسِها حفيفًا، فرفعته فإذا هي بدَلْوٍ من السماء مُدَلّى، وذكره. وقال الواقدي: كان رسولُ اللَّه ﷺ يزورُها، وكذلك أبو بكر وعمر من بعده. وقال أبو نُعيم بإسناده عن أنسٍ قال: ذهبتُ مع النبي ﷺ إلى أُمِّ أيمن نزورُها، فقرَّبتْ إليه طعامًا وشرابًا، فأبى لأنَّه كان صائمًا، فجعلت تُخاصِمه؛ أي: كُلْ، فلما تُوفي رسولُ اللَّه ﷺ قال أبو بكرٍ لعمر: قُمْ بنا، أو مُرَّ بنا إلى أُمِّ أيمن نزورُها كما كان رسولُ اللَّه ﷺ يزورُها، فأتيا إليها، فلما رأتهما بَكتْ، فقالا: ما يُبْكيك؟ فقالت: إني

стр. 2417

لأعلمُ أن رسولَ اللَّه صار إلى خيرٍ مما كان فيه، وإنَّما أبكي خبرَ السماء كيف انقطع عنا، فجعلا يَبكيان معها، فهيَّجَتْهما على البكاء (١). وقال الواقدي: كانت أُمُّ أيمن عَسِرَةَ اللسانِ، فكانت إذا دخلت على رسولِ اللَّه ﷺ قالت: سلام لا عليكم، فرخَّص لها رسولُ اللَّه أن تقول: سلام، أو السلام. وقال الواقدي: قالت أُمُّ أيمن يومَ حُنَيْن: سبَّتَ اللَّه أقدامَكم، فقال لها رسولُ اللَّهِ: "اسكتي يا أُمَّ أيمن، فإنَّك عَسِرَةُ اللسان" (٢). وروت عمرةُ عن عائشة قالت: شربَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا ماءً وأُم أيمن عنده، فقالت: يا رسول اللَّهِ، اسقِني، قالت: فقلتُ لها: ألرسولِ اللَّه تَقولين هذا؟ قالت: ما خَدَمتُه أكثرُ، فقال النبي ﷺ : "صدقَتْ" فسقاها. وقال الواقدي: ولمّا قُتِل عمر بكتْ أُم أيمن وقالت: اليوم وَهَى الإسلام. واختلفوا في وفاتها، فقال الواقدي: حضرتْ أُمُّ أيمن أُحدًا، وكانت تَسقي الماءَ وتُداوي الجَرْحى، وشهدتْ خيبر، وتُوفّيت في أولِ خلافة عثمان، وقيل: تُوفّيتْ بعد رسول اللَّهِ بخمسة أشهر، والأوَّل أصحُّ (٣). سراقة بن مالك ابن جُعْشم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تميم بن مُدْلِج بن مُرّة بن عبد مَناة بن كنانة المُدْلِجي، من الطبقة الرابعة ممّن أسلم من قبائل العرب، ورجع إلى بلاد قومه، وكُنيته أبو سفيان، وهو الذي لحق رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر رضوان اللَّه عليه في طريق المدينة، وجرى له معهما ما جرى، وله صُحبة ورواية، ﵀ (٤).

стр. 2418

فصل وفيها توفّي عثمان بن قيس بن أبي العاص السَّهْمي، صحابي شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص، وهو أوَّل من وَليَ القضاء بمصر، وكان جوادًا شريفًا صاحبَ ضِيافةٍ، وهو أوَّلُ مَن بنى بمصر دار ضيافةٍ للناسِ. وقال يزيد بن [أبي] حبيب: كتب عمرُ بنُ الخطاب إلى عمرو بن العاص: أن افرِض لمَن قِبَلَك ممَّن بايع تحت الشجرةِ في مئتين من العطاء، وافرِضْ لخارجة بن حُذافةَ في الشوفِ لشجاعته، وافرِضْ لعثمان بن قيس لضيافته (١). وليس في الصحابةِ مَن اسمُه عثمان بن قيس غيرُه، وله صُحْبةٌ وليس له رِواية. عمرو بن عُتبة بن فَرْقَد بن حَبيب السُّلَمي من الطبقة الأولى من التابعين، وأبوه عُتبة من الصحابة، كان يتولى الولايات، وكان يَسألُ ابنَه عمرو أن يُولّيه شيئًا منها فلا يَفعل، زُهدًا ووَرعًا، وكان يقول: يا بُنيّ، ألا تُساعدني على ما أنا فيه من العمل؟! فيقول: يا أبه، إنما أَعمل في فِكاك رَقَبتي، فبكى أبوه وقال: يا بني، إني أحبك حُبَّين: حبًا للَّه وحبَّ الوالد للولد، وكان قد أعطاه أبوه سبعين ألفًا فأنفقها في سبيل اللَّه، فلم يُبق منها درهمًا. وقال مولى لعمرو بن عُتبة: رآني عمرو وأنا مع رجل، وهو يقع في آخر، فقال لي: وَيْحك، نَزّه سَمعَك عن استماع الخَنا، كما تُنزِّه لسانَك عن القول؛ فإن المُستَمع شريكُ القائل، وإنما نظر إلى شرِّ ما في وِعائه فأفرغه في وِعائك، ولو رُدَّت كلمةُ سَفيهٍ في فيه لسَعد بها رادُّها، كما يَشقى بها قائِلُها. وكان يَخرج على فَرسه ليلًا، فيَقِفُ على القبور فيقول: يا أهلَ القبور، طُويت الصُّحف، ورُفعت الأقلام، ثم يَنزل فيَصِفُّ قدَميه، ويبكي ويُصلّي، حتى يَطلع الفجر، ثم يَرجع فيَشهد صلاةَ الصُّبح.

стр. 2419

وكان يُصلّي يومًا في جبل، فجاء الأسد، فهرب مَن كان عنده، وهو قائم يُصلّي لم يَنصرف، ومضى الأسد، فقيل له: أما تَخافُ الأسد؟ فقال: إني لأستحي من اللَّه أن أخافَ سواه. استشهد في هذه السنة بأذربيجان. قال عبد الرحمن بن يزيد: خرجنا في جيشٍ فيهم عمرو بن عُتبة، وعليه جُبّةٌ بيضاء جديدة، فقال: ما أحسنَ الدَّمَ يتحدَّرُ على هذه، فأصابه حَجرٌ فتحدَّر الدَّمُ عليها، فمات فدفَنّاه. وقال ابن عمٍّ لعمرو بن عُتبة: نَزلْنا في مَرْجٍ حَسَنٍ، فقال عمرو: ما أحسن لو أن مُناديًا يُنادي: يا خيلَ اللَّه اركبي، فنادى المنادي، فخرج عمرو في سَرَعان الناس، فأُخبِر أبوه -وكان على الناس- فقال: عليَّ عَمْرًا، فأرسل في طَلبه، فما أُدرك حتى أُصيب، فما أُراه دُفن إلا في مَرْكز رُمحه، رحمه اللَّه تعالى (١). فصل وفيها تُوفّيت أمُّ الفضل وهي لُبابَةُ الكُبرى بنتُ الحارث بن حَزْن بن البُجَيْر بن الهُزَم بن رُويبَة بن عبد اللَّه ابن هلال بن عامر بن صَعْصعة بن مُعاوية بن بكر بن هَوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عَيْلان بن مُضَر، وأُمُّها هند، وهي خولةُ بنت عَوْف بن زهير بن الحارث. وكانت أُمُّ الفضل أوَّلَ امرأةٍ أسلمت بمكَّةَ بعد خديجة بنت خُويلد، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يَزورُها، ويَقيلُ في بيتِها. قال: وأخوات أُمِّ الفضل: مَيمونةُ بنت الحارث بن حَزْن، زوجةُ رسول اللَّه، وهي لأبيها وأُمِّها، ولُبابةُ الصُّغرى، وهي العَصْماء بنت الحارث بن حَزْن، وهي أُمُّ خالد بن الوليد، [وكانت أختها] لأبيها (٢). [فتزوج أم الفضل العباسُ بن عبد المطلب]، فولدت

стр. 2420

للعباس: الفضل، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومَعْبدًا، وقُثم، وعبد الرحمن، وأمَّ حبيب، فقال عبد اللَّه بن يزيد الهلالي: [من الرجز]: ما وَلدتْ نَجيبةٌ من فَحْلِ كسِتَّةٍ من بطنِ أمِّ الفَضْل أكرِمْ بها من كَهْلَةٍ وكَهْلِ عمِّ النبيِّ المصطفى ذي الفضلِ وخاتم الرسْلِ وخيرِ الرُّسْلِ (١) وحكى ابن سعد عن الواقدي أن أُمَّ الفَضْلِ كانت تصومُ الاثنين والخميس، وحكى الواقدي أنَّها هاجرت إلى المدينة بعد إسلامِ العباس. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن الأَجْلحِ قال: سمعتُ زيد بنَ علي بن حُسين يقول: ما وضَعَ رسولُ اللَّه ﷺ رأسَه في حِجْرِ امرأةٍ لا تِحَلُّ له بعد النُّبَّوة إلا أُمّ الفضلِ، فإنَّها كانت تُفَلِّيه وتُكحّله، فبينما هي ذات يوم تُكحله إذ قَطرت قَطرةٌ من عَينِها على خَدِّه، فرفع رأسَه إليها وقال: "مالكِ؟ " فقالت: إنَّ اللَّه نَعاكَ لنا، فلو أوصيتَ بنا مَن يكونُ بعدك إن كان الأمرُ فينا أو في غيرِنا، فقال: "إنكم مَقْهورون مُستَضعَفون بعدي". وأُمُّ الفَضْلِ هي التي رأت في المنام كأن عُضْوًا من أعضاء النبي ﷺ سقط في بيتِها، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "تَلِدُ فاطمةُ غُلامًا، فتُرضعينه بلبن ابنكِ قُثَم" فولدت الحُسين، فكَفِلَتْه أُمُّ الفَضْل وأرضعَتْه، وقد ذكرنا الحديث فيما تقدَّم. وأُمُّ الفضلِ هي التي بعثتْ إلى النبي ﷺ بقَدَح لبنٍ، وهو واقفٌ بعَرَفةَ على بعيرٍ، فشربه، وقد ذكرناه أيْضًا (٢). * * *

стр. 2421

السنة الخامسة والعشرون وفيها عزل عثمانُ ولاةَ عمر عن الأمصار من غير جِنايةٍ ولا خِيانةٍ، وولّى مُعاويةَ حمص وقِنسرين والعواصم وفلسطين، فجمع له عثمان الشامَ بأسرِه في هذه السنة مُضافًا إلى دمشق. وفيها نَقض أهلُ الإسكندرية العهد، فسار إليهم عمرو بن العاص فقاتلهم، فعادوا إلى الصُّلح. وفيها عزل عثمان عمرو بنَ العاصِ عن مصر وولّاها عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح، وأمره بغزو إفريقية، وجهَّز معه عشرين ألفًا، وهذا ثالث أمرٍ نُقمَ على عثمان، لأن عبد اللَّه بن سعدٍ هو الذي كان يكتب لرسولِ اللَّه ﷺ وارتدّ، وأباح رسولُ اللَّه دَمَهُ، وقد ذكرناه. وكان معه عبد اللَّه بن الزّبير في غزاة إفريقية، قال عبد اللَّه بن الزبير: فهجم علينا جرجير؛ في مئة ألف وعشرين ألفًا، فاختلطوا بنا في كلِّ مكان، وسُقط في أيدي المسلمين، واختلف الناسُ على عبد اللَّه بن سعد، فدخل سُرْداقَه، ورأيتُ غُرّةً من جرجير بَصرتُ به خلف عساكره على بِرذَوْن أَشهب، معه جاريتان تُظلان عليه برِيش الطَّواويس، وبينه وبين جُنده أرضٌ بيضاء ليس فيها أحد. فجِئتُ إلى عبد اللَّه بن سعد أطلبُه في فُسْطاطه، فمنعني الحاجبُ، فدُرتُ من خلف الفُسطاط، فدخلتُ عليه فقال: ما الذي أدخَلك عليَّ يا ابن الزبير؟ فقلتُ: قد رأيتُ عَوْرةً من جرجير، فاندُب معي الناس. فخرج فقال: أيها الناس، انتدبوا مع ابن الزُّبير، فاخترتُ ثلاثين فارسًا، وقلتُ للناس: اثبتوا (١) على مَصافّكم، وحملتُ في الوَجْه الذي رأيتُ فيه جرجيرًا، فقلتُ لأصحابي: احموا ظَهري، فواللَّه ما نَشبتُ أن خَرقتُ الصّفوفَ إليه، وما يَحسِب هو

стр. 2422

وأصحابُه إلا أني رسولٌ إليه، حتى دنوتُ منه، فعرف الشرَّ، فثنى بِرذَونَه مُوَلِّيًا، فأدركتُه فطعنتُه فسقط، وسقطت الجاريتان عليه، وأَهْوَيْتُ إليه مُبادرًا، فدَفَفْتُ عليه بالسيف حتى قتلتُه، واحتَزَزْتُ رأسَه، فنصبتُه في رُمْحي، وقطعتُ يدَ إحدى الجاريتين، وكبَّرتُ، وأَقبلتُ وأنا أكبِّر، فكبَّر المسلمون، وارفَضَّ العدوُّ من كلِّ وَجْه، ومنح اللَّه المسلمين أكتافَهم. فلما أراد عبد اللَّه بن سعد [أن يوجّه] بشيرًا إلى عثمان قال: أنت أولى بذلك، فانطلقْ إلى أمير المؤمنين فأخبرْه الخبر، فقدمتُ عليه فأخبرتُه، فقال: اخرُجْ فاصعد المنبر وأخبر الناس، ففعلتُ وقلتُ: إن أبي الزبير قال: سمعتُ أبا بكر الصديق يقول: مَن أراد أن يتزوَّج امرأةً فلينظر إلى أبيها وأخيها، فإنما تأتيه بأحدهما. وجاءت غنائمُ أفريقية، فدفع عثمان رضوان اللَّه عليه الخُمسَ إلى مروان بن الحكم، وكان خمس مئة ألف دينار، فضجَّ المسلمون فقالوا: تُعطي ابن لعينِ رسول اللَّه ﷺ وطريدَه أموالَ المسلمين، فكان هذا رابع أمر أُخذ عليه. ولما عَزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص عن مصر ووَلّاها عبد اللَّه بن سعد؛ كان ذلك بَدْءُ الشرِّ بين عثمان رضوان اللَّه عليه وعمرو، وقيل: في سنة سبع وعشرين. وفيها وُلد يزيد بنُ معاوية وعبد الملك بن مروان، وقيل قبل ذلك (١). وحجَّ بالناسِ في هذه السنة عثمان بن عفان من غير خِلافٍ. وفيها تُوفّي ابنُ أُم مَكتوم واختلفوا في اسمه، فقال ابن سعد: أمَّا أهلُ المدينةِ فيقولون: اسمُه عبد اللَّه، وأما أهلُ العراق وهشام بن محمد بن السَّائب فيقولون: اسمُه عمرو. وأُمُّه عاتكة، وهي أُمُّ مَكتوم بنت عبد اللَّه. وكان من الطبقة الأُولى من المهاجرين، قال ابن سعد: أسلم قديمًا بمكة، وذهبت

стр. 2423

عيناهُ وهو غُلامٌ، وقَدِمَ المدينةَ مُهاجِرًا بعد بَدْرٍ بيسيرٍ، فنزل دار القُرَّاء، وهي دار مَخْرَمةَ بنِ نوفل. وروى عن الشعبي قال: غزا رسولُ اللَّه ثلاثَ عشرة غزوةً، ما منها غَزوةٌ إلّا استخلف ابنَ أُمِّ مكتوم على المدينةِ، فكان يُصَلِّي بهم وهو أعمى. وكان يُؤذِّن مع بلالٍ بالمدينة. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن بلالًا يُنادي بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابنُ أُمِّ مَكتوم". قال: وكان ابن أُمِّ مكتومٍ رجُلًا أعمى لا يُنادي حتى يُقال له: أصبَحْتَ أصبَحْتَ. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عبدِ اللَّه بن جابر الأنصاري قال (١): جاء ابنُ أُمّ مكتوم إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن مَنزلي شاسِعٌ، وأنا مَكفوف البصرِ، وأنا أسمعُ الأذان، قال: "فإن سمعتَ الأذانَ فأجِبْ ولو زَحْفًا" أو قال: "ولو حَبْوًا". وفي روايةٍ: تَشكّى ابنُ أُمِّ مكتوم قائدَه إلى رسولِ اللَّه ﷺ وقال: بيني وبين المسجدِ شجر، قال: "تَسْمَعُ الأذان؟ " قال: نعم، فلم يُرَخص له. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن الضحاكِ في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢] قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ تصدَّى لرجلٍ من قريشٍ يَدعوه إلى الإسلام، فأقبل عبد اللَّه بنُ أُمِّ مكتوم، فجعل يسألُ رسول اللَّه ﷺ ، ورسولُ اللَّه يُعْرِضُ عنه وَيعبسُ في وَجهه، ويُقبِل على الآخر، وكُلَّما سأله عَبس في وَجهه وأعرضَ عنه، فعيَّر اللَّه رسولَه، وأنزل السورة إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ [عبس: ١٠]. فلما (٢) نزلت هذه الآيةُ دعاه رسولُ اللَّه فأكرمه، واستَخْلَفه على المدينة مرَّتين. وقال الواقدي: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَستخلفُه على المدينةِ، وكان يَجمعُ بهم، ويَخطبُ إلى جَنْبِ المنبرِ، يَجعلُ المِنبرَ عن يساره.

стр. 2424

وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، قال ابنُ أم مكتوم: يا ربِّ، ابتَلَيتَني، فكيف أَصنعُ؟ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وفي روايةِ ابن سعد: فكان ابنُ أُمِّ مكتوم بعد ذلك يَغزو ويقول: ادفَعوا إليَّ اللواءَ، وأقيموني بين الصَّفَّين. وفي روايةِ ابن سعدِ عن البراء: لمّا نزلت هذه الآيةُ دعا رسولُ اللَّه زيدًا، وأمره أن يَكتُبها في كَتِفٍ فكتبها، فجاء ابنُ أُمِّ مكتوم فشكا ضَرارته إلى رسولِ اللَّه ﷺ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أنسٍ: أن ابنَ أُمِّ مكتوم شهد القادسيَّةَ ومعه الراية، وعليه دِرْعٌ سابغة. قال الواقدي: ثم رجع إلى المدينةِ فمات بها، ولم يُسْمَعْ له بذِكْرٍ بعد عمر بن الخطّابِ (٢). وقال هشام: كان يقول: ادفعوا إليّ اللواءَ، وأقيموني بين الصفوفِ فإني لا أستطيعُ أن أهربَ، وليس له رواية ﵁. فصل وفيها توفي عُروة بنُ حِزام ابن مُهاصِر بن مالك، الشاعرُ، العُذْريُّ، أحدُ المُتيَّمين الذين قَتلهم الهوى. وصاحبتُه عَفراء بنت مالك، وقيل: بنتِ عِقال بن مُهاصِر بن مالك. فأخبرنا عبد الوهاب بإسناده أن عروةَ بن حِزامٍ وعَفراءَ ابنةَ مالكٍ العُذرِيَّيْن، وهما بطنٌ من عُذْرة، يقال لهم: بنو هند بن حِزام بن ضِنَّة بن [عبد] بُكير بن عُذْرة (٣)،

стр. 2425

ويُقال: إنَّهما نشآ جميعًا، فعَلِقا عِلاقةَ الصِّبا، وكان عُروةُ يتيمًا في حِجْرِ عمِّه حتى بَلَغَ، وكان يَسألُ عمَّه يُزوِّجه عَفراء فيُسَوِّفُه، إلى أن خَرَجَت عِيرٌ لأهله إلى الشام؛ وخرج عروةُ معها، ووفَدَ على عمِّه ابنُ عمٍّ له من البلقاءِ يُريدُ الحجَّ، فخطبها فزوَّجه إياها. وأقبل عروةُ في عِيرِهِ تلك، حتى إذا كان بتَبوك نَظر إلى رِفْقَةٍ مُقبِلةٍ، فيهم امرأةٌ على جمَلٍ أحمرَ، فقال لأصحابهِ: واللَّه لكأنَّها شمائلُ عَفراء، فقالوا: أما تَتركُ ذِكْرَ عفراء؟ فلما قَربوا وتبيَّنَ الأمر، أبلس قائمًا لا يَحيرُ جوابًا حتى بَعُد القومُ، فذلك حين يقول: [من الطويل] وإني لتَعروني لذِكراكِ رَوْعَةٌ … لها بين جلدي والعِظامِ دَبيبُ [وما] هو إلّا أن أَراها فُجاءةً … فأُبْهَتَ حتى ما أكادُ أُجيبُ وقلتُ لعرَّافِ اليَمامةِ داوِني … فإنَّك إن داوَيْتَني لَطَبيبُ وما بيَ من حُمَّى وما بيَ جِنَّةٌ … ولكن عمِّي الحِميريَّ كَذوبُ فواللَّهِ ما أنساكِ ما هبَّتِ الصَّبا … وما أَعْقَبَتْها في الرياحِ جَنوبُ وانصرف عروةُ إلى أهلهِ باكيًا والِهًا، فنَحِلَ ولم يَبْقَ منه شيءٌ، فقال بعضُ الناسِ: هو مسحورٌ، وقال بعضُهم: هو مجنون، وقال آخرون: مُوَسْوس. وكان باليَمامة طبيبٌ له تابعٌ من الجنِّ يَأتيه، وكان أطبَّ الناسِ، فقالوا: لو خَرجتُم إليه، فخرجوا به إليه، فجعل يَزداد سُقْمًا، فقال له عروةُ: يا هَناه، هل عندكَ للحبِّ دواءٌ أو رُقْيَةٌ؟ فقال: لا واللَّهِ، فانصرفوا من عنده، ومرُّوا بطبيب بحَجْر بنَجْدٍ، فصَنع به مثلَ ذلك، فلم يَنجح، فقال له عُروةُ: واللَّه ما دَوائي إلا عند شَخْصٍ بالبَلْقاء فهي دائي ودوائي، فانصرفوا به، فأنشأ يقول عند انصِرافهم به من عند الطّبيبِ: [من الطويل] جعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حُكْمَهُ … وعرَّافِ نَجْدٍ إنْ هُما شَفَياني فقالا نعم نَشْفي من الدّاءِ كلِّه … وقاما مع العُوَّادِ يَبْتَدِراني فما تَركا من رُقْيةٍ يَعلمانِها … ولا سَلْوَةٍ إلّا وقد سَقَياني

стр. 2426

فقالا شَفاك اللَّهُ واللَّهِ ما لنا … بما ضُمِّنَتْ منك الضُّلوعُ يَدانِ قال: فلما قَدِم على أهلهِ -وكان له والدةٌ وخالةٌ وأربعُ أخواتٍ- فمرَّضْنَهُ دَهرًا، فقال لهنَّ يومًا: لو نظرتُ إلى عَفراءَ نَظرةً ذهبَ وجعي، فذهبوا حتى نَزلوا البَلقاءَ مُسْتَخْفِين، وكان لا يَزالُ يَنظُرُ إلى عَفراءَ ويُلِمُّ بها، وكانت عند رجلٍ كريمٍ كثيرِ المال والغاشية. فبينما عُروةُ يومًا بسُوقِ البَلقاء لَقِيه رجلٌ من عُذْرَةَ، فسأله عن حالهِ ومَقْدَمهِ فأخبره، فجاء العُذْريُّ إلى زَوج عَفْراء، فقال له: متى قَدِم هذا الكلبُ الذي قد فَضَحكم؟ فقال زوجُ عَفراء: أيُّ كَلبٍ هو؟ قال: عُروةُ، [قال:] وقد قَدِم؟ [قال: نعم]، قال: أنتَ أولى بها [منه] أن تكون كلبًا، واللَّه ما علمتُ بقُدومهِ، ولو علمتُ لضَمَمْتُه إليَّ. فلما أصبح غَدا يَستدلُّ عليه حتى عَرفَ مَوضعه، فجاءه فقال: قَدِمتَ هذا البلدَ ولم تَنزِل بنا؟ ولم نَرَ مَن يُعْلِمنُا بمكانكَ فيكون منزلُكَ عندنا؟ عليَّ وعَليَّ إن كان لك مَنزلٌ إلا عندي. قال: نعم، نتحوَّلُ إليك الليلةَ أو في غَدٍ، فلما ولَّى قال عروةُ لأهله: قد كان ما تَرَوْنَ، وإن أنتم لم تخرجوا معي، لأركبَنَّ رأسي، فارتَحلوا معه، ونُكِسَ عُرْوَةُ فلم يَزَلْ مُدْنَفًا حتى نزلوا بوادي القُرى (١). وفي روايةٍ أُخرى أن حِزامًا هلك، وترك ابنَه عُروةَ صغيرًا في حِجْرِ عمِّه عِقال بن مُهاصِر، وكانت عفراءُ تِرْبًا لعُروَةَ يَلعبانِ جميعًا ويكونان معًا، حتى ألِفَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه إِلْفًا شديدًا، وكان عِقال يقول لعُروة: أَبشِرْ، فإنَّ عفراءَ امرأتُك إن شاءَ اللَّه؛ لما يَرى من إلْفِهِما، فكانا كذلك حتى بَلغا، فشكا عُروةُ إلى عَمّته هند بنت مُهاصر ما يَجِدُ من حبّ عفراءَ، وطلب نَجازَ وَعْدِ عمِّه، فجاءت هندُ إلى أخيها عِقال وقالت: قد أتيتُك في حاجةٍ أُحبُّ أن تُحْسِنَ قضاءَها، وإنَّ اللَّه يؤجرك على صلة رحمكَ، فقال: اسألي، قالت: تُزوِّج عروة ابنَ أخيك عفراء، فقال: ما عنه مَذْهَبٌ، ولا بنا عنه رَغْبَةٌ، ولكنَّه ليس بذي مال، وليست عليه عجَلَةٌ. وكانت أُمُّها لا تُريدُ إلّا ذا مال، وعَلِمَ عروةُ أن رَجُلًا ذا مالٍ خَطبها، فجاء إلى

стр. 2427

عمَّه وقال: يا عمّ، اتَقِ اللَّه فيَّ، وقد عرفتَ قَرابتي ورَحِمي، فإن زوَّجتَها غيري قَتلتَني وسَفَكْتَ دَمي، فأَنشُدُك اللَّه ورَحِمي، فرقَّ له وقال: يا بُنيَّ، أنت مُعْدَم، وقد أبَتْ أُمُّها أن تُخْرِجَها إلّا بمَهْرٍ غالٍ، فاذهب فاستَرزِق اللَّه في البلادِ واكتَسِبْ، فجاء إلى أُمَّها ولاطفَها وسألَها، فأبتْ إلّا بما تَحتكمُ من المهر، فعَزم على قَصْدِ ابنِ عم له باليمن مُوسِرٍ، فأَخبر عمَّه وامرأتَه بذلك، وأخذ عليهما العُهودَ أنهما لا يُحْدِثا حَدَثًا حتى يعود، وسافر، فلما قَدِمَ على ابن عمِّه عرَّفه حاله، فوَصله وكساه، وأعطاه مئةً من الإبلِ، فانصرف بها. وكان قد نزل حيَّ عفراء رجلٌ من أهلِ الشامِ مُوسِرٌ، فرأى عَفراء فأعجبَتْه، فخطبها إلى أبيها، فاعتذر وقال: قد سمَّيتُها على ابنِ أخي، فأرغبه في المالِ فقال: لا حاجَةَ لي فيه، فعَدَل إلى أُمَّها، وأرغَبها بالمال فأجابَتْه، وقالت لزوجِها: أيُّ خيرٍ في عُروة حتى تَحبِسَ بنتي عليه؟ واللَّهِ ما نَدري أحيٌّ هو أم ميَّت؟ وهل يَنقلبُ إلينا بخيرٍ أم لا؟ ولم تزل به حتى أجاب، وزوَّجه إيّاها، وحوَّلها إليه، فقالت عفراءُ عند ذلك: [من مجزوء الكامل] يا عُرْوَ إن الحيَّ قد نَقضوا … عَهْدَ الإله وحاولوا الغَدْرا ودخل بها الرجلُ، وأقام عندهم ثلاثًا ثم ارتحل إلى الشامِ. وعمد أبوها إلى قبرٍ عَتيقٍ، فجدَّده وسوَّاه، وسأل الحيَّ كِتمانَ أمرِها. وقَدِم عروةُ بعد أيامٍ، فنعاها أبوها إليه، وذهب إلى ذلك القبرِ، وكان يَختلفُ إليه أيامًا حتى أخبرته جارِيةٌ من الحيِّ الخبرَ، فخرج إلى الشامٍ، فنزل على زوجِها وهو لا يعرِفُه، فأكرمه وأحسنَ إليه، فقال عروةُ لجاريةٍ لهم: هل لكِ في يَدٍ تُولينيها؟ قالت: وما هي؟ قال: تَدفعين خاتَمي هذا إلى عَفراء، فقالت: سَوْءةً لك، أما تَستحي من هذا القولِ؟ فأمسك عنها، ثم خاطبها مرارًا وهي تَردُّ عليه، فقال: وَيحك، واللَّه إنَّها ابنةُ عمي، فاطرحي هذا الخاتَمَ في صَبوحِها، فإن أنكَرَتْ عليك، فقولي: اصطَبَح ضَيْفُنا قبلَكِ، ولعلَّه سَقط منه، فرقَّت له الأَمَةُ وفعلت، فلما رأتْ عَفراءُ الخاتَمَ عَرفَتْه فقالت: اصدُقيني، فأخبرَتْها. فلما جاء زوجُها قالت له: هل تَدْري مَن ضَيْفُكَ؟ قال: لا. قالت: إنَّه عُرْوَةُ، وقد

стр. 2428

كَتَمَ نَفسَه حياءً منك، فبعث إليه ودعاه، وعاتَبه على كِتمانهِ نَفسَهُ وقال له: بالرَّحْبِ والسَّعَةِ، نَشدتُك اللَّه إن رُمْتَ هذا المكان أبدًا. وخرج وتركه مع عفراء يتحدَّثان، وأوصى خادمًا له بالاستماعِ عليهما، وإعادةِ ما يَسمعُه منهما. فلما خليا تشاكيا ما وَجَدا بعد الفِراقِ، وطالتِ الشّكوى وهو يَبكي أحرَّ بكاءٍ، ثم أَتَتْه بشرابٍ، وسألته أن يَشربَه فقال: واللَّهِ ما دخل جوفي حرامٌ قَطّ، ولا ارتكبتُه منذ كنتُ طِفلًا، ولو استحللتُ حرامًا لكنتُ استَحللتُه منكِ، وأنتِ حَظّي من الدنيا، وقد ذهبتِ مني وذهبتُ منك، وما أعيشُ بعدكِ، وقد أجمل هذا الرجلُ الكريمُ وأحسنَ، واللَّهِ إني لمسْتَحي منه، وواللَّه إني لا أُقيمُ بعد علمه بمكاني، وإني أعلمُ أني راحلٌ إلى مَنيَّتي، وبكت وبكى وأنصرف. فلما جاء زوجُها أخبره الخادم بما جرى بينهما، فدعاه وقال: يا أخي، اتَّقِ اللَّه في نَفسك، فقد عرفتُ خبركَ، وإنَّك إن رحلتَ تَلِفْتَ، وواللَّه ما أَمنَعُكَ من الاجتماعِ بها أبدًا، وإن شئتَ نزلتُ لك عنها، وقال: يا عفراءُ، امنَعي ابنَ عمكِ من الخروجِ، فقالت: هو واللَّه أكرمُ وأشدُّ حياء من أن يُقيمَ بعدما قد علمتَ به. وقال عروةُ: جُزِيتَ خيرًا، ووُقيتَ شَرًّا، ولابُدَّ من الرجوعِ إلى أهلي، وإن عِشْتُ، رَجَعْتُ إليكم، فأعطته عفراءُ خِمارَها، وزوَّده زوجُها، وخرج، فكان كلما غُشي عليه أُلقي الخِمارَ على وَجهه [فيفيق]، فبينما هو يسيرُ لقيه ابنُ مَكحول عَرّافُ اليمامةِ، فسأله عمّا به، وهل به خَبَلٌ؟ فقال: [من الطويل]: وما بي من خَبْلٍ وما بي جِنَّةٌ … ولكنَ عمّي يا أُخيَّ كَذوبُ أرى كَبدي أمستْ رُفاتًا كأنَّما … يُلَذّعُها بالموقِداتِ لَهيبُ عشيَّةَ لا عَفراءُ منك بَعيدةٌ … فتَسلو ولا عَفْراءُ منك قَريبُ وأَصدِفُ عن رأيي الذي كنتُ أرتئي … وأَنسى الذي أَزمعتُ حين تَغيبُ ويُظهرُ قلبي عُذرَها ويُعينها … عليَّ فمالي في الفؤاد نصيبُ وقد علمتْ نفسي مكانَ شِفائها … قريبًا وهل ما لا يُنالُ قَريبُ حلفتُ بربِّ السّاجدِين لربَّهم … خُشوعًا وربُّ الساجِدِين رَقيبُ

стр. 2429

لئن كان بردُ الماءِ حَرّانَ صاديًا … إليَّ حَبيبًا إنَّها لَحبيبُ (١) وقد ذكر أبو الفَرج الأصفهاني بمعناه وقال: وهو أحدُ المُتيَّمِين الذين قَتلهم الهوى، ولا يُعْرَف له شعرٌ إلا في ابنةِ عمّه عَفراء، ومازال به الحبُّ حتى مات. وقال ابن الكلبي: كان إذا اشتد به الهيامُ أَلصق خَدَّه بحِياضِ النَعَمِ التي كانت تَرِدُ عليها إبلُ عفراءَ، فقيل له: ارفُق بنفسكَ، فقال: [من الطويل] بي اليأسُ أوداءُ الهُيامِ أصابَني … فإياكَ عني لا يكنْ بك ما بيا فما زادَني النَّاهونَ إلا صَبابَةً … ولا كثرةُ الواشين إلا تمادِيا واختلفوا في وفاته، ذكر هشام بن الكلبي عن أبيه قال: لمّا عاد عروةُ من البَلقاءِ إلى أهلهِ وقد ضَنيَ، وكان له أخَواتٌ وخالة قد كانوا يُعلَّلونه، وهو لا يَزدادُ (٢) إلا سُقْمًا حتى مات. وأنبانا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضلِ محمد بن ناصرٍ بإسناده، عن النعمان بن بشير قال: استعملني عمر بن الخطاب -أو عثمان بن عفّان، شكَّ الهيثم- على صدقات سعد بن هُذَيْم وهم: عُذْرةَ، وسلامان، والحارث، وهم من قُضاعة، فلما قَبضتُ الصَّدقةَ وقَسمتُها بين أهلها، وأقبلتُ بالسَّهْمَيْنِ الباقِيَيْن إلى عمر أو عثمان، فلما كنتُ ببلادِ عُذرةَ في حيًّ يقال له: حيُّ بني هند، إذا ببيتٍ خارج عن الحيَّ، فملتُ إليه، وإذا بعجوزٍ جالسةٍ عند كسْرِ البيتِ، وإذا شابٌّ نائم في ظلِّ البيتِ، فسلَّمتُ عليه، فترنَّم بصَوتٍ له ضَعيفٍ، وقال: جعلتُ لعرَّافِ اليَمامةِ حُكْمَهُ … وعرَّافِ نَجْدٍ إنْ هُما شَفَياني فذكر الأبيات، ثم شَهق شَهقةً خفيفةً، فإذا به قد مات، فقلتُ للعجوزِ: ما أظنُّ هذا النائمَ بفِناء بيتكِ إلا قد مات، فقامت فنظرتْ إليه وقالت: فاض وربِّ محمدٍ، فقُلتُ: يا أمةَ اللَّهِ، مَن هذا؟ قالت: عروةُ بن حِزامٍ العُذرِيُّ، وأنا أُمُّه، قلتُ: فما صيَّره إلى هذا؟ قالت: العِشقُ، وواللَّه ما سمعتُ له أنَّةً منذ سنةٍ إلّا في صَدره، وفي يومنا هذا

стр. 2430

سمعتُه يقول: [من البسيط] مَن كان من أُمّهاتي باكيًا أبدًا … فاليومَ إني أُراني اليوم مَقبُوضا يُسْمِعْنَنِيهِ فإنّي غيرُ سامعِه … إذا علوتُ رقابَ القومِ مَعروضًا قال النعمان: فأقمتُ واللَّه حتى غُسِّلَ وكُفِّنَ وحُنّطَ، وصُلِّيَ عليه ودُفِنَ، قال: فقلتُ للنعمانِ: ما دعاكَ إلى ذلك؟ قال: احتسابُ الأجرِ فيه. وذكر أبو بكرٍ بن داود في كتاب "الزهرة" أن عروةَ لمّا مات مرَّ به رَكْبٌ فعرفوه، فلما انتهَوْا إلى منزلِ عَفراءَ صاحَ بعضُهم وقال: [من الطويل] ألا أتُّها الميتُ المحجَّبُ أهلُه (١) … بحقَّ نَعَيْنا عُروةَ بنَ حِزامِ فأجابتْه عفراءُ وقالت: ألا أيّها الرَّكْبُ المُخِبّونَ وَيحكم … بحقَّ نَعيتُم عُروةَ بن حِزامِ فأجابها بعضهم وقال: نعم قد تَركناه بأرضٍ بعيدةٍ … مقيمًا بها في دَكْدَكٍ ورُخامِ فقالت: فإن كان حقًّا ما تقولون فاعلموا … بأنْ قد نَعيتُم بَدْرَ كلِّ تَمامِ فلا لَقي الرّكبانُ بعدك لَذَّةً … ولا رَجعوا من غَيْبةٍ بِسَلامِ ولا وَضَعتْ أُنثى تمامًا بمِثْلِهِ … ولا فَرِحَتْ من بعدهِ بغُلامِ ولا لا بلغتُم حيث وُجِّهْتُمُ له … ونُغِّصْتُمُ لذَّاتِ كلِّ طَعامِ ثم قالت: فأين دُفِنَ؟ فأخبروها، فسارت إلى قبرِه، فلما قَرُبت من قبرهِ قالت: إني أُريد قضاءَ حاجةٍ، فأنزلوها، فانسَلَّت إلى قبرِه، فانكبَّت عليه، فما راعهم إلا صوتُها، فلما سمعوها با دروا إليها، فإذا هي ممدودةٌ على القبرِ، قد خرجت نفسُها، فدفنوها إلى جانبهِ. وروى أبو بكرٍ الخطيبُ بإسنادهِ عن معاذ بن يحيى الصَّنعاني قال: خرجتُ من مكة أُريد صنعاءَ، فلما كان بيننا وبينها خمسًا رأيتُ الناسَ يَنزلون عن مَحامِلهم، ويَركبونَ

стр. 2431

دوابّهم، فقلتُ: أين تُريدون؟ قالوا: نُريدُ أن ننظرَ إلى قبر عُروة وعفراء، فنزلتُ عن مَحملي وركبتُ حِماري، واتَّصلتُ بهم، فانتهيتُ إلى قبرَيْنِ مُتلاصِقَيْنِ، وقد خَرَج من هذا القبرِ ساقُ شجرة، ومن هذا ساقُ شجرة، حتى إذا صارا على قامةٍ التقيا، وكان الناسُ يقولون: تآلفا في الحياةِ وفي الموتِ. ورُوِي أن هذه القصَّة كانت في زمنِ عمر بن الخطاب، وقال عمر: لو أدركتُ عُروةَ وعفراء لجمعتُ بينهما. وروي عن مُعاوية أنه قال: لو علمتُ بهذين الشريفَيْنِ لجَمعتُ بينهما (١). وروي (٢) أن عروة مات بعرفات، فذكر محمد بن حبيب الهاشمي، عن هشام بن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباسٍ، قال أبو صالح: كنتُ مع ابن عباسٍ في عرفاتٍ، فأتاه فِتْيانٌ يَحملون فتىً لم يَبقَ منه إلّا خيالُه، فقالوا: يا ابنَ عمِّ رسولِ اللَّه، ادْعُ اللَّه لهذا الفتى، فقال: وما الذي به؟ فقال الفتى: [من الطويل]: بنا من جَوى الأحزانِ والحبِّ لَوعةٌ … تكادُ لها نَفْسُ الشَّفيق تَذوبُ ولكنَّما أبقى حُشاشةَ مُعْوِلٍ … على ما بهِ عُودٌ هناك صَليبُ ثم خَفَتَ على أيديهم فمات، فقال ابن عباس: قَتيلُ الحبِّ لا قَودَ فيه ولا دِيَة، ثم سأل الفِتيان عنه فقالوا: هذا عُروةُ بن حِزام العُذري، ثم كان ابن عباسٍ يَسأل اللَّه العافية بعد ذلك. وقال أبو سعيد النُّميري (٣): لقي مجنونُ ليلى الأَحْوصَ بنَ محمد الأنصاري، فقال له: حدِّثني حديثَ عُروةَ، فحدَّثه، فلما فَرَغَ قال المجنون: [من الوافر]: عَجبتُ لعُروةَ العُذْريِّ أمسى … أحاديثًا لقومٍ بعد قَوْمِ وعُروةُ مات مَوتًا مُسْتَرِيحًا … وها أنا ذا أموتُ بكلِّ يومِ انتهى حديث عروة بن حزام.

стр. 2432

فصل وفيها تُوفّي عُمير بن وَهب ابن خَلَف بن وَهب بن حُذافة السَّهْمي، كان قد شهد بدرًا مع الكفار، وبعثوه طَليعةً ليَحْزُرَ لهم الصحابةَ ففعل، وأُسِرَ ابنُه وهب بن عُمَيْرٍ، أسره رِفاعةُ بن رافعٍ، فلما قدم عُمير مكة جلس في الحِجْرِ وقال: لولا عيالي ودَيْني لاغتلتُ محمّدًا وقتلتُه، فقال له صفوانُ بن أُمية: عليَّ دَيْنُك، وعِيالُكَ عِيالي. فخرج إلى المدينةِ، فدخل على رسول اللَّه ﷺ فقال: ما الذي أَقْدَمَك؟ قال: قَدِمتُ في فكاكِ ابني، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : كُنْتَ قاعِدًا في الحِجْرِ، وقلتَ لصفوان كذا، وقال لك كذا، فقال: واللَّهِ ما كان معنا ثالث، فأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه، وأنَّك رسولُه (١)، وأسلم وحَسُنَ إسلامُه، وشَهِد أُحُدًا مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد ذكرنا قِصّته مع صفوان بن أُمية عقيب غزاة بدر، وبقي إلى هذه السنةِ، فتوفّي بالمدينةِ، وليس له رواية، ﵀. انتهت ترجمته (٢). قُطبة بن عامر ابن حَديدة بن عمرو بن سواد الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، وكُنيته أبو زيد، من الستة الذين أَتَوا رسول اللَّه ﷺ بمكة فأسلموا قبل الناس. شهد العَقَبَتَيْن وبدرًا وأُحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان من الرُّماة المشهورين المذكورين، وجُرح يوم أُحد تسعَ جِراحات، وكانت معه يوم الفتح راية بني سلمة من الأنصار، وألقى يوم بدر حَجَرًا بين الصَّفَين وقال: لا أَفِرُّ حتى يفرّ هذا الحَجَر، وبعثه رسول اللَّه ﷺ إلى تبَالَة إلى حيٍّ من خَثْعَم، فاستاق الغنم وسبى، سنةَ سبعٍ من الهجرة، وليس له عَقِبٌ، والعقب من أخيه لأبويه:

стр. 2433

يزيد بن عامر بن حديدة وكنيته أبو المنذر، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها، وكان له من الولد عبد الرحمن والمنذر، ومن ولده الإمام أبو العباس أحمد النّاصري ﵀ (١). * * *

стр. 2434

السنةُ السادسةُ والعِشْرون وفيها أمر عثمانُ بتَجديد أنصابِ الحرم، ووسَّع في المسجدِ الحرامِ، وابتاعَ من قومٍ دُورَهم وامتنع آخَرون، فهدمها عليهم، ونزَّل أثمانَها في بيت المال، فاستغاث أصحابُها، فحبسهم وقال: ما جَرَّأكم عليَّ إلا حِلْمي، قد فعل بكم هذا عمرُ فلم تَستغيثوا به، ثم كلَّمه فيهم خالد بن أُسَيْد فأطلقهم. وفيها عزل عثمان سعدًا عن الكوفةِ لأمرٍ جوى بينه وبين ابن مسعود، وقال الزهري: وهذا خامِسُ أمرٍ أخذَ الناسُ على عثمان؛ توليةُ الفاسقِ الوليد بنِ عُقْبَةَ، وعزلُ سعد بن أبي وقّاصٍ صاحب رسولِ اللَّه ﷺ ، وأحدِ العشرة الذين بشَّرهم رسولُ اللَّه بالجنَةِ، وأحدِ أصحابِ الشّورى (١). وذلك أن سعد بن أبي وقاص استَقرض (٢) من عبد اللَّه بن مسعود من بيت المال مالًا، فأقرضه، فلما تقاضاه لم يَتيسَّر عليه قضاؤه، فأتى ابنُ مسعود فقال لسعد: أدّ المال الذي قِبَلك، فقال له: هل أنت إلا عبدٌ من هُذَيل، قال: وأنت ابنُ حُمينة، فطرح سعد عُودًا في يده، وكانت فيه حِدّة، ورفع يده وقال: اللهمَّ رب السماوات والأرض، فقال له عبد اللَّه: قُل خيرًا ولا تَلعن، فقال سعد ﵁: أما واللَّه لولا اتّقاءُ اللَّه لدعوتُ عليك دعوةً لا تُخطِئك، فولّى ابنُ مسعود خارجًا مُسرعًا، فعُزل سعد، وأُقِرَّ ابنُ مسعود على بيت المال. وقال هشام: وكان الوليد بن عُقبة قد ولّاه عمرُ الجزيرةَ على عربِها، فنقله عثمان إلى الكوفةِ فتلطَّفَ بالناسِ، وأقامَ خمسَ سنين ليس على دارِه بابٌ، وقد ذكرنا أنَّه أخو عثمان لأُمِّه، واستردَّ عثمانُ ما أخذَ سعدٌ من بيتِ المال، وحجّ عثمان ﵁ بالناس.

стр. 2435

فصل وفيها توفي عمرو بن سُراقة [بن] المعتمر بن أنس [بن أداة] بن رياح العَدَوي، من الطّبقة الأولى من المهاجرين، وأمه آمنة بنت عبد اللَّه بن عُمير، جُمحيّة، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وليس له رواية (١). * * *

стр. 2436

السنة السابعةُ والعِشْرون وفيها فُتحت الأندلسُ، قال سيف عن أشياخهِ: أرسل عثمانُ عبدَ اللَّه بنَ الحُصَيْنِ وعبدَ اللَّه بن عبد القيس إلى الأندلس، فأتياها من قِبَلِ البحرِ، وكتب إليهما: إن القسطنطينية إنَّما تُفْتَحُ من قِبل الأندلس، فإن فتحتُم الأندلسَ، كنتم شُركاءَ مَن يَفتح القسطنطينية في الأجرِ، فسارا إليها، فقاتلاها في البحر والبر، ففتحها اللَّه تعالى. وقال يزيد بن أبي حبيب: نزع عثمان رضوان اللَّه عليه عمرو بنَ العاص عن خراج مصر، واستعمل عليها عبد اللَّه بدتَ سعد بن أبي سَرْح، فكتب إلى عثمان رضوان اللَّه عليه يَشكو عَمرًا ويقول: كسر الخراج. وقال الواقدي: وكان عثمان رضوان اللَّه عليه لا يَعزل أحدًا إلا عن جناية أو شِكاية أو استعفاء، فكتب إلى عمرو بالقُدوم عليه، فقَدم مُغضَبًا، وعليه جُبَّةٌ مَحشُوَّةٌ قُطنًا، فقال له عثمان رضوان اللَّه عليه: ما حَشْوُ جُبَّتك؟ قال: حَشْوُها عمرو، قال له عثمان رضوان اللَّه عليه: لم أُردْ هذا، إنما سألتُ: أقُطْنٌ هو أم غيره؟ وأقام عمرو بالمدينة يَطعن في عثمان رضوان اللَّه عليه، ويُؤلِّب الناسَ عليه، وسعى في فساد أمره، وبعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان ﵁ من مصر بمالٍ كثير، فقال لعمرو: يا عمرو، هل علمتَ أن تلك اللِّقاح بعدك دَرَّت؟! فقال له عمرو: هل علمتَ أن فُصلانَها هَلكتْ. وفيها غزا معاويةُ قبرس، وقيل: إنما غزاها في السنة الثامنة والعشرين، والذي غزاها في هذه السنة أبو الأعور السُّلمي، وحجّ بالناس عثمان رضوان اللَّه عليه. عبد اللَّه بن كعب ابن عَمرو بن عَوف بن مَبْذول، وكُنيتُه أبو يحيى، وقيل أبو الحارث، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها، وكان عاملَ رسول اللَّه ﷺ على مغانم بدر، وله عَقب، وليس له رواية (١).

стр. 2437

السنة الثامنة والعشرون وفيها فُتِحت قُبرس على يد معاوية بن أبي سفيان في قولِ الواقدي، وقال أبو معشر: كان ذلك في سنة سبعٍ وعشرين. وقال الواقدي: كان عمر قد منع المسلمين من الغَزْوِ في البحرِ شفقةً عليهم، واستأذنه معاويةُ في ذلك فلم يأذن له، فلما وَليَ عثمانُ استأذنه فأذِنَ له وقال: لا تُكْرِه أحدًا، مَن غزا طائعًا فاحمِلْه، ولا تُكرِه أحدًا، فسار في جماعةٍ من الصحابةِ منهم: أبو ذَرّ وعُبادة بن الصامت، ومعه زوجته أُمُّ حَرام بنت مِلْحان، خالةُ أنس بن مالك، أُخت أُمَّ سُلَيم، وشدَّاد بن أوسٍ وأبو الدرداءِ في آخرين. وهو أوَّل من غزا الجزائِرَ في البحرِ، وقيل: كان ذلك في سنة ستٍّ وثلاثين، يعني غزاة الصحابة معه. وقال الواقدي: صالحه أهلُها على مالٍ، والأصحُّ أنَّها فُتِحت عَنْوةً. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن (١) جبير بن نُفَير قال: لمّا افتتح المسلمون قُبرس فرَّقوا بين أهلِها، فجعل بعضُهم يَبكي إلى بعضٍ، فبكى أبو الدرداءِ، فقلتُ له: ما يُبكيكَ في يومٍ أعزَّ اللَّهُ فيه الإسلامَ، وأذلَّ الشِّركَ وأهله؟ فقال: دَعْنا منك يا جُبَيْرُ، ما أهونَ الخَلْقَ على اللَّه إذا تركوا أمره! بينما هي أُمَّةٌ قادِرةٌ قاهرة، تركوا أمر اللَّه، فصاروا إلى ما ترى، وفي روايةٍ: فسلَّط اللَّه عليهم السَّبْيَ، وإذا سُلِّطَ على قومٍ فليس له فيهم حاجَةٌ (٢). وفيها التقى عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح بمعاوية على قُبرس. فصل: وفيها تزوَّج عثمان بن عفان نائلة بنت الفَرافِصة. واختلفت الروايةُ في سبب تَزويج عثمان نائلة، فقال هشام: كان الفَرافصةُ يسكنُ السَّماوَةَ -سَماوَةَ كَلْبٍ- وكان نصرانيًا وابنتُه نصرانيّة، وكانت بارِعةَ الجَمالِ، فبلغ

стр. 2438

عثمانَ فخطبها، فحُملِت إليه، فتَحَنّفت قبل أن يَدخُلَ بها. وقيل: إنَّ عثمان استعمل الوليد بنَ عُقبة على صَدَقاتِ كَلبٍ فزوَّجه نائلة. وروى الهيثم بن عَدي أن سعيد بن العاص تزوَّج هند ابنةَ الفَرافِصةَ، وبلغ عثمان، فكتب إليه: زَوِّجني أُخْتَها نائلة فقد بلغني جَمالُها، فزوَّجه إيّاها، وبعث بها إليه. وفي روايةٍ أُخرى قالوا: لمّا جهَّزَ الفَرافِصَةُ ابنتَه من السَّماوةِ بعث معها أخاها ضَبًّا، وكان مُسلمًا، وهو الذي زوَّجها من عثمان، وكان أبوها على دِينه، أوصاها وقال: يا بُنَيَّةُ، إنَّكِ تَقْدُمينَ على نساءِ قريشٍ، وهُنَّ أقْدَرُ على الطّيبِ منكِ، فعليك بالماءِ والكُحْلِ. قال هشام: وكانت نَصرانيةً، وقال ابن عساكر في تاريخه: إنما أسلمتْ على يد عثمان، فلما فارقَتْ أهلَها استَوحَشَتْ وجَزِعت لفراقِ أهلها وبلادِها، فقالت تُخاطبُ أخاها: [من الطويل] ألستَ ترى باللَّهِ يا ضَبُّ أنَّني … مُصاحبةٌ نحو المدينةِ أَركُبا أما كان في فِتيانِ حِصْنِ بن ضَمْضَمٍ … لك الويلُ ما يُغني الخِباءَ المُحَجَّبا قضى اللَّه إلّا أن تموتي غريبةً … بيَثربَ لا تَلْقَيْنَ أُمًّا ولا أبا وكتب الوليدُ إلى عثمان يُخْبِرُه، فلما قَدِمَت عليه قام عثمان فصلّى ركعتين ثم قال: يا هذه، أتَأتينا أم نَأتيك؟ فقالت: قد تَجَشَّمْنا إليكَ المسيرَ من السماوة، وهي أبعدُ ممّا بيننا من مسافةِ البيتِ، وقامت فجلست إليه فقال لها: لعلَّكِ تَرَيْنَ شَيْبًا وتعلّيًا في السِّنِّ، وإنَّ وراء ذلك بقيَّة من عُلالةٍ من الشبابِ. فقالت: إنَ أحبَّ الخُلطاء إليَّ من ذهبت عنه مَيْعَةُ الشبابِ، واجتمع حِلْمُهُ، ووَثق رَأْيُهُ، فكان عثمانُ يقول: ما رأيتُ أعقَلَ منها. وفي روايةٍ أنَّ الوليد بنَ عُقبة قَدِمَ على عثمان فقال: قد زوَّجتُك نائلةَ، فقال له عثمان: زوَّجتَني نَصرانيةً؟ فقال: إذا دخلت عليك أسلمتْ، فلما قَدِمَتْ عليه وضع عِمامتَه، فبدا الصَّلَعُ فقال: لا يهولنَّكِ ما تَرَيْنَ من صَلَعي؛ فإنَّ وراءَه ما تُحبِّين، وقال: إمّا أن تَقومي إليَّ أو أقومَ إليك. وفي روايةِ ابن الكلبي أن امرأةَ عبد الرحمن بن عوف قالت لعثمان: هل لكَ في

стр. 2439

بِكْرٍ جميلةٍ، ممتلئةِ الخَلْقِ، أسيلةِ الخَدَّ، أصيلةِ الرأي؟ قال: نعم، فذكرتْ له نائلةَ، فتزوَّجها، فلما قَدِمت عليه وَضع القَلَنْسوة عن رأسهِ، فبدا الصَّلَعُ فقال: لا يهولنَّكِ ما تَرَيْنَ من صَلَعي؛ فإنَّ وراءه ما تُحبّين، فقالت: إني امرأةٌ من نسوةٍ أحبُّ أزواجِهنَّ إليهن الصُّلْع الكهول. فقال: قد جاوزتُ حدَّ الكهول، وأنا شيخٌ، فقالت: أذهبت شبابَكَ مع رسولِ اللَّه في خير ما ذَهَبَتْ فيه الأعمارُ، فقال: إمَّا تتحولين إليَّ أو أتحوَّل إليك، فقالت: ما قطعتُ من عرضِ السماوة -أو جَنباتِ السماوةِ- أبعدُ مما بيننا، ثم قامت فتحولَّت إليه، فقال: انزعي دِرعَك، فألقَتْه، قال: وخماركِ، فطرحتْه، قال: وإِزارَكِ، قالت: ذاكَ إليكَ، فحلَّه فكانت أحظى نسائهِ عنده. وقال هشام: أقامت عند عثمان حتى قُتِل، وهي التي أرسلت بقميصِ عثمان وأصابِعها الخمسِ إلى مُعاوية، فعلَّقه على مِنْبر دمشق سنةً، وخطبها مُعاويةُ فقالت: واللَّهِ لا قعَدَ موضعَ عثمانَ مني أحدٌ. ودعت يومًا بمرآةٍ فنظرت فيها، وكانت من أحسنِ الناس ثَغرًا، فأخَذَت فِهْرًا فدقَّت به أسنانَها، فهَتَمتْ ثناياها، فسال الدَّمُ على صَدْرِها، فبكين جواريها وقُلنَ لها: ما صَنَعْتِ بنفسكِ؟ فقالت: إنَ الحُزْن يَبلى كما يَبلى الثوبُ، وإني خِفْتُ أن يَبلى حُزْني على عثمان فأتزوَّج غيره، فيطَّلعَ مني رجلٌ على ما اطَّلعَ عليه عثمان، وواللَّه لا يَجتلي ثغري أحدٌ بعد عثمان (١). وسنذكرها في زوجاتِ عثمان بن عفان ﵁. فصل وفيها توفيت أُمُّ حَرام بنت مِلْحان بن خالد بن زيد وذكرها ابنُ سُمَيعٍ في الطبقةِ الأولى من الصحابياتِ. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ كان يزورُها ويَقيلُ في بيتِها، وأنَّها أسلمتْ وبايعتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، وكانت صالحةً، وتزوَّجها عبادةُ بن الصامت. واختلفوا في وفاتِها:

стр. 2440

قال أحمد بإسناده عن أنسِ بن مالك عن أُمِّ حَرام أنها (١) قالت: بينما رسولُ اللَّه ﷺ قائلًا في بيتي، إذا استيقظ وهو يضحكُ، فقلتُ: بأبي أنت وأُمّي، ما يُضْحِككَ؟ فقالت: "عُرِضَ عليَّ ناسٌ من أُمتي يركبون ظهرَ هذا البحرِ كالملوكِ على الأَسِرَّة"، فقلتُ: ادعُ اللَّه أن يَجعلني منهم، فقال: "اللهمَّ اجعلها منهم"، ثم نام أيضًا واستيقظ وهو يضحك، فقلتُ: بأبي أنْت وأُمي، ما يُضحكك؟ فقال: "عُرِضَ عليَّ ناسٌ من أُمَّتي يركبون هذا البحرَ، كالملوكِ على الأسِرَّة"، فقلتُ: ادعُ اللَّه أن يَجعلني منهم، قال: "أنتِ من الأَوَّلِين"، فغزتْ مع عُبادةَ بنِ الصامتِ، وكان زوجَها، فوَقَصَتْها بغلةٌ لها شَهباءُ، فوقعت فماتت، ذكره (٢) جَدّي في "جامع المسانيد" وقال: أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وذكره ابنُ عساكر وقال: أخرجه مسلم وفيه: يركبون البحر الأخْضَرَ، قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامتِ أوَّلَ ما ركبَ المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرفوا قافلين من غَزاتهم قَدِموا الشام، فقُدِّمتْ إليها دابَّتُها لتَركَبها؛ فصَرعتْها فماتت (٤). ومعنى قولِه ﵇: أنتِ من الأوَّلين، أي: لا تركَبين البحر ثانيًا، ولم يُذْكَر في هذه الرواياتِ مكانُ وفاتِها، وقال أبو نعيم: هو مكان يقال له: قاقيس. قال أبو نعيم بإسناده عن خالد بن مَعْدان، عن عُمير بن الأسود العَنْسي أنَّه حدَّثه، أنه أتى عُبادة بنَ الصامتِ وهو بساحلِ حمص، وهو في بناءٍ له، ومعه امرأتُه أُمُّ حَرامٍ، قال عمير: فحدَّثتْنا أُمُّ حَرامٍ أنَّها سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "أوَّل جيشٍ من أُمتي يَغزون البحر قد أوجبوا"، قالت أُمُّ حَرام: يا رسول اللَّه، أنا منهم؟ قال: "أنتِ منهم". قال هشام بن عمار راوي الحديث: فأنا رأيتُ قبرها، ووقفتُ عليه بالساحلِ بقاقيس، وذكر أبو نُعيم أن قبرها بقُبرس، فقال أبو نُعيم بإسناده عن هشام بن الغاز قال: قبرُ أُمَّ

стр. 2441

حَرام بنت مِلحان بقُبرس، وهم يقولون: هذا قبرُ المرأةِ الصالحةِ (١). وكذا قال ابن مَنْدَه وأبو سليمان بن زَبْرِ، حكى عنهما ذلك ابنُ عساكر، وكان أميرهم معاوية بن أبي سفيان. وقال ابن سُمَيْعٍ: قبرُها برُودِس، مكانٌ بالساحلِ، قال: غزت مع زَوْجِها عُبادة بن الصّامتِ، وكان معهم أبو ذر وأبو الدّرداءِ، فسقطت من دابّتها فماتت ودُفنت بالساحل (٢). واللَّه أعلم. * * *

стр. 2442

السنةُ التاسعة والعشرون قال الواقدي: وفيها عزل عثمانُ أبا موسى عن البصرة، وولّاها عبد اللَّه بن عامرِ ابن كُرَيْز، ابن خال عثمان، وهو يومئذٍ ابنُ خمسٍ وعشرين سنةً، وكان في وصيَّةِ عمر الخليفةَ بعده أن يُقرَّ أبا موسى الأشعري على وِلايته ولا يَعزله. وقال سيف: وهذا سادسُ أمرٍ أُخِذَ على عثمان، لمّا ولي عثمان أقرَّ أبا موسى على البصرةِ ثلاث سنين، وعزله في الرابعة. وقال ابن مَنده: إنَّما عزل عثمانُ أبا موسى عن البصرةِ لأنَّه حثَّ الناسَ على الجهاد إلى كابُل، فقالى الناسُ: لنا أُسوةٌ بك، إذا خَرَجْتَ خرجنا، فخرجَ ثَقَلُهُ من القصرِ على أربعين بَغلًا، فتعلَّقوا بها وقالوا: احمِلْنا على بعضها، فقَنَّع بعضَهم بالسَّوطِ فاستغاثوا، وبلغ عثمانَ فعزله. وفي روايةٍ: أن الأكراد أفسدوا وكفروا، وكذا أهلُ إيذَج، فقام أبو موسى خَطيبًا، وزهَّد في الدنيا ورغَّب في الآخِرة، فقالوا: واللَّهِ ما نخرجُ معه حتى نَنظُرَ هل يُوافِقُ قولُه فِعلَه أم لا؟ فلما خَرَج في المغالىِ وعليها الأثقالُ تَعلَّقوا بها، وكتبوا إلى عثمان فعزله، وأمَّر عبد اللَّه بن عامرٍ (١). وفيها ولّى عثمان على خُراسان عُمير بنَ عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبد اللَّه ابن عُمير الليثي، فسيّر عُمير إلى فَرغانة، وشنّ الغارات، فصالحه أهلُ الكُوَر، وكذا عبد اللَّه بن عُمير أثخن في البلاد حتى بلغ النهر. وفيها انتقضَتْ خُراسان وسجستان، فأمر عثمان عبدَ اللَّه بنَ عامر، فسار إليها في جنود العراق، وكان عُبيد اللَّه بن مَعمر قد تقدَّم عبد اللَّه بن عامر في جيشه، فالتقى به العدوّ على باب اصطَخْر، فقتلوا عبيد اللَّه بن مَعمر، وهزموا جيشَه، وبلغ الخبر عبد اللَّه

стр. 2443

ابن عامر، فقَدَّم بين يديه عثمان بن أبي العاص الثقفي، فالتَقَوا، فقتل منهم مقتلةً عظيمة، واستقامت البلادُ وفتح اصطَخْر، وعاد إلى البصرة، وبعث إلى عثمان رضوان اللَّه عليه بالفتح والغنائم (١). وفي هذه السنةِ رجم عثمان بن عفان امرأةً من جُهينةَ دخل بها زوجُها، فولدت لستّة أشهر، قال محمد بن حبيب الهاشمي: فدخل عليه عليٌّ ﵇ فقال: ما فعلتَ؟ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأقلُّ مُدَّةِ الحملِ ستَّةُ أشهُر، فأرسل عثمان في أثرِها وقد فات الأمر، وهذا سابعُ أمرٍ أُخِذَ على عثمان. وقال الواقدي: وفي هذه السنةِ وسَّع عثمانُ مسجدَ رسول اللَّه ﷺ ، وابتدأ في بنائهِ في شهرِ ربيعٍ الأوّلِ، وبناه بالحجارةِ المنقوشةِ، وزَخْرَفَه بالذهبِ والفضَّة، وسَقَفه بالسّاجِ، وجعل طُولَه ستين ومئةَ ذِراعٍ، وعرضَه خمسين ومئةَ ذِراعٍ، وجعل له ستَّة أبوابٍ، قال: وإنَّما وسَّعه لأنه ضاق بالناسِ. وذكر جدّي في "المنتظم" وقال: رأيتُ لأبي الوفاءِ بن عَقيل كلامًا حسنًا في قوله ﷺ : "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ في غيرهِ إلا المسجد الحرام"، قال: هذا الفضل يتعلَّقُ بمسجدِ النبي ﷺ الذي كان في زمانهِ، لا بما زِيدَ فيه بعده (٢). وقد عَلَّمَ أهلُ المدينةِ مكانَ المسجدِ القديمِ بالحبالِ، وهو مُعَلَّم إلى هَلُمَّ جَرًّا. قلتُ: وقد ضَيَّق ابنُ عَقيلٍ على الزوّارِ أماكنَ الصلاةِ، وقد يَحتمل أن يَحجَّ خَلْقٌ كثيرٌ فلا يَصِلون إلى ذلك المكان المُعَيَّنِ، وقد قال ﷺ : "جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا"، وما قصد إلّا دَفعَ الحَرَجِ، والظاهر أنْ ليس في المدينةِ مكانٌ إلّا قد وَطِئه بقَدِمهِ،

стр. 2444

فصارت كلّها مسجدًا، فيحتمل أن معنى قوله ﷺ "صلاةٌ في مسجدي"؛ تَرغيبٌ في الصلاة فيه، فأما إذا زِيَد فيه، فإنَّ الزائدَ يَصير تبَعًا، فيكون له حُكْمُ الكُلَّ؛ لأن بَركتَه ﷺ تعمُّ الدنيا بأسرِها، ألا ترى أن عمر وسَّع في المسجدِ الحرامِ، والصلاةُ فيه في الفضيلةِ سواءٌ (١). فصل: وحجَّ بالناس عثمان، وأتمَّ الصلاةَ بمكَّةَ وعَرفة، وضرب بمنًى فُسْطاطًا، وصلّى أربعًا. وقال الواقدي: صلّى عثمان بمنى ومكَّةَ وعرفة أوَّل خلافته ركعتين ركعتين، حتى إذا كانت السنة السادسة من خلافتهِ صلّى أربعًا، فعاب الناسُ عليه ذلك، وهذا ثامنُ أمرٍ عابوه عليه، قال: وجاءه عليٌّ فقال: ما هذا؟ ما حَدَث أمرٌ ولا قَدُم عَهدٌ، وقد صلَّينا هاهُنا مع النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر ركعتين، وفعلتَه صَدرًا من خلافتك، فلمَ أحدثتَ هذا؟ فقال: رأيٌ رأيتُه، فقال: بئس ما رأيتَ. وجاءه عبد الرحمن بنُ عوف فأغلظ له، فقال: إني اتَّخذتُ بمكة أهلًا، ولي بالطائف مالٌ، وربما أقمتُ بعد الصَّدَرِ، فقد صرتُ من أهلها، وإن حُجّاجَ اليمنِ قالوا في العام الماضي: الصلاةُ للمقيمِ ركعتان، وهذا إمامكم يُصَلِّي ركعتين وهو مقيمٌ، فقال له عبد الرحمن: لا عُذْرَ لك فيما ذكرتَ. وأما أهلُ اليمنِ فقد ضرب الإسلام بجِرانِه، وفعل رسول اللَّه ﷺ ذلك، وكان الناس حينئذٍ قليلًا، ولم يَفهموا ما قال رسولُ اللَّه ﷺ حتى بيَّنه بفعلهِ وقولهِ: "أتِمُّوا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ" (٢). وأما قولُك: إنك صِرتَ من أهلِ مكَّةَ، فلست من أهل مكة، زوجتك بالمدينة،

стр. 2445

تَقدم بها إذا شئتَ، وتَخرجُ بها إذا شئتَ، فهي تَسكُنُ بسُكْناك. وأما مالُك بالطائف؛ فبينك وبين الطائفِ ثلاثُ ليالٍ، فلستَ من أهلِ الطائف. ثم خرج عبد الرحمن فلَقي ابنَ مسعودٍ، فعرَّفه ما قال عثمان فقال: الصلاة ركعتان واتفقت الصحابةُ على ذلك (١). وقال الهيثم: اعتذر عثمانُ بكثرةِ الخَلْقِ، وأن فيهم الأعجميَّ الذي لا يفهم، فخاف أن يعتقدوا أن صلاةَ الظهرِ ركعتان. فلم يقبلوا عُذْرَه وقالوا: خالَفتَ رسول اللَّه والخليفتين. وأخرج أحمد في "المسند" بمعناه، بإسناده إلى محمد، عن القاسم بن عوف الشيباني (٢)، عن رجلٍ قال: كُنّا قد حَملْنا لأبي ذَرٍّ شيئًا نُريدُ أن نُعطيَه إيّاه، فأتينا الرَّبَذةَ، فسألنا عنه فلم نَجِدْه، وقيل: استأذن في الحجِّ فأُذِنَ له، فأتيناه وهو في مِنًى بمكانٍ يُقال له: البلدة، فبينما نحنُ عنده إذ قيل: صلّى عثمان أربعًا، فاشتدّ ذلك على أبي ذَرٍّ وقال: صلَّيْتُ مع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكرٍ وعمر ركعتين، ثم قام أبو ذَرٍّ فصلّى أربعًا، فقيل له: عِبتَ على أمير المؤمنين شيئًا ثم صَنعْتَه؟! فقال: الخلافُ أشدُّ، إن رسول اللَّه ﷺ خطبنا فقال: "إنَّه سيكون بعدي سُلطانٌ فلا تُذِلُّوه، فمَن أذلَّه فقد خلع رِبْقَةَ الإسلام من عُنُقِه، وليس بمقبولٍ منه [توبةٌ] حتى يَسُدَّ ثُلْمتَه التي ثَلَم، وليس بفاعلٍ، ثمَّ يعود فيكون فيمن يُعِزُّه". ثم أمرنا رسولُ اللَّه ﷺ أن لا يَغلبونا على ثلاثٍ: أن نَأمُرَ بالمعروفِ، ونَنهى عن المنكرِ، ونُعلِّمَ الناسَ السُّنَنُ. وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ أبا ذَرّ إنَّما قال ذلك بعدما نفاه عثمان إلى الرَّبَذَةِ.

стр. 2446

فصل وفيها تُوفي سلمان بن ربيعة ابن يزيد، أبو عبد اللَّه الباهلي، وذكره ابنُ سعد في الطبقةِ الأولى من أهل الكوفةِ ممن يروي عن عمر بن الخطاب، ولم يَرْوِ عن عليٍّ وابن مسعود، قال: وولّاه عمرُ القضاءَ على الكوفةِ (١). وحكى أبو بكر الخطيبُ، عن أبي وائلٍ قال: رأيتُ سلمان بن ربيعةَ جالسًا بالمدائنِ على قضائِها لما استقضاه عمر أربعين يومًا، فما رأيتُ بين يديه رَجُلَيْن يَختصمان، فقيل لأبي وائل: فممَّ ذلك؟ فقال: من انتصافِ الناسِ فيما بينهم (٢). وقال هشام بن محمد، عن أبيه (٣): شهد سلمانُ فُتوحَ الشامِ والعراقِ، ثم سكن الكوفةَ فنُسِبَ إليها. وولّاه عمر القضاء على الكوفةِ، وهو أوَّلُ من وَليَ القضاءَ بها. ثم ولي غَزْوَ أرمينية في خلافة عثمان. وقال الواقدي: كان يحجُّ سنةً ويغزو سنةً، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة، وسلمانُ يقضي في المسجدِ، وقد ذكرنا أنَّه قُتِل ببَلَنْجَر، قال أبو وائل: ولاه عثمانُ غَزْوَ أرمينية (٤) فاستُشهد هناك، وقبرُه ظاهِرٌ يُتبارَك به، وجعلوا عِظامَه في تابوتٍ، فإذا احتبَس عنهم القَطْرُ أخرجوه، فاستسقوا به فيُمطرون، فقال الباهلي الشاعر: وإنَّ لنا قَبرين قبرُ بَلَنْجَرٍ … وقبرٌ بأعلى الصّين يا لكَ من قَبرِ فهذا الذي بالصينِ عمَّتْ صِلاتُه … وهذا الذي بالتُّرْكِ يأتيكَ بالقَطْرِ وأراد بالذي بالصين: قبرَ قُتيبة بن مُسلم، وهو بفَرْغانة، فجعله بالصين، وببَلَنْجَر قبر سلمان (٥).

стр. 2447

عُبيد اللَّه (١) بن مَعمر بن عثمان التّيمي أبو معاذ، رأى رسول اللَّه ﷺ ، وفي صُحبته وروايته خلاف، وَفَد على معاوية فأنشده: [من طويل] إذا أنتَ لا تُرخِ الإزارَ تَكَرُّمًا … على الكِلمةِ العَوراءِ من كلِّ جانبِ فمَن ذا الذي نَرجو لحقنِ دمائنا … ومَن ذا الذي نَرجو لحَمْلِ النّوائب وقال يزيد بن هارون: كان عُبيد اللَّه (٢) أميرًا على فارس، كتب إلى عبد اللَّه بن عمر وهو أمير عليها (٣): أما بعد، فإنا قد استقررنا فلا يُخاف علينا العدو، وقد أتتْ علينا سبعُ سنين، وولد لنا الأولاد، فكم صَلاتُنا؟ فكتب إليه ابنُ عمر: ركعتان. غزا عبد اللَّه بنُ عامر اصْطَخْر سنة تسعٍ وعشرين، وعلى مُقدّمته عبيد اللَّه بن معمر، فقتل وسبى، وقاتلوه قتالًا شديدًا، وقُتل ابنُ معمر، فأقسم ابن عامر لئن افتتحها عَنوةً ليَقتُلَنّ بها حتى يَسيلَ الدّمُ من باب البلد، ففتحها عَنوةً، فوضع السيف فيها، فقتل خلقًا كثيرًا، ولم يَسل الدّم، فقيل له: أفنيتَ الناس، فأمر بصبّ الماء على الدّم، حتى خرج من أبواب المدينة. وكان له من الولد: عمر ومعاذ وعثمان وموسى. فأما عمر فأحدُ أجواد العرب، وأنجادها وسادتها وفُرسانها، كان يلي الولايات، وهو الذي قتل أبا فُدَيْك الحَروري وهزم جيشه، ووَلي قتالَ الأزارقة، وضرب أميرَهم قَطَري بن الفُجاءة ففَلق جَبينه، فقيل لقطري: المفَلَّق، قال الشاعر: [من الطويل] وشَدُّوا وِثاقي ثم أَلْجَوْا خُصومَتي … إلى قَطَريِّ ذي الجَبينِ المُفَلَّقِ وشهد عمر مع عبد الرحمن بن سَمُرة فتحَ كابُل، وهو صاحبُ الثُّغرة، قاتل عليها

стр. 2448

حتى أصبح. واشترى جاريةً بمئةِ ألفٍ، فقال مولاها وهو يُودِّعها: [من الطويل] سلامٌ عليكم لا زيارةَ بيننا … ولا وَصْلَ إلا أن يَشاءَ ابنُ مَعْمَرِ فقال: قد شِئتُ، خذها وثَمنَها. ومات بضُمَيْر على خمسةَ عشر ميلًا من دمشق، وسببُ موته أن ابنَ أخيه خَرج مع ابن الأشعث فأخذه الحجّاج، وبلغ عُمر وهو بالمدينة، فخرج إلى عبد الملك يَسأله فيه، فلما بلغ ضُمَيْر وصله خبرُ ابنِ أخيه أن الحجّاج قتله، فماتَ عُمر كَمدًا، فقال الفرزدق: [من البسيط] يا أيّها النّاس لا تَبكُوا على أحَدٍ … بعد الذي بضُمَيرٍ وافق القدرا وذلك سنة اثنتين وثمانين (١). * * *

стр. 2449

السنة الثلاثون (١) وفيها عزل عثمانُ الوليدَ بن عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطِ عن الكوفة، وولّاها سعيد بن العاص، وكان الوليد قد شَرب الخمرَ، وأمر عثمان به فجُلِدَ، يعني أخذ الحدَّ منه (٢). واسم أبي مُعَيط: أيان، قتل رسول اللَّه ﷺ عُقبة بعد غزاة بدرٍ صَبْرًا، وأبو مُعَيط هو ابن أبي عَمرو بن أُمية بن عبد شمس، وكان أبو عَمرو قد سمى نفسه ذكوان، وكان عبدًا، فاستلحقه أُميّة، وكنّاه أبا عمرو، فخلف على امرأة أمية، وهي بنتُ أبان أمُّ الأعْياص. وكان خرج أُميةُ بن عبد شمس إلى الشام، فأقام بها عشرَ سنين، فوقع على أَمةٍ للخم يهوديّة من أهل صَفّورية، فولدت ذكوان بن أمية، وهي على فراش اليهودي، فاستلحقه أمية، ثم قدم به مكة؛ ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ لعُقبةَ بن أبي مُعَيْط يوم قتله بالصفراء لما قال له: يا محمد، ناشدتُك اللَّهَ والرَّحِم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "هل أنت إلا يهوديٌّ من أهل صَفُّورية". وأم الوليد بن عُقبة: أروى بنتُ كُرَيْز بن ربيعة أم عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه. وكان الوليد يدعى الأشعر (٣)، وأسلم يوم الفتح، وبعثه رسول اللَّه ﷺ على الصدقات فخاف. وفيه نزل: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وكان يُدعى الفاسق. ولما عَزل عثمان رضوان اللَّه عليه سعدَ بن أبي وقاص ﵁ عن الكوفة، وولّى الوليد قال الناس: بئس ما فعل، عَزل أبا إسحاق الهيِّن اللّيّن، الديّن الوَرع المستجاب، وولّى أخاه الخائن الفاسق.

стр. 2450

وأقام الوليد على الكوفة خمسَ سنين لم يُغلق له باب، وكان أحبَّ الناس إليه فُسَّاقهم وسفاؤهم، لرفقه بهم (١). وكان عمر رضوان اللَّه عليه قد وَلّى الوليد على عرب الجزيرة، وكانوا أخوالَه، وفيهم أبو زُبَيْد النَّصراني، فنادمه الوليد على الخمر، وقطعه إليه، وكان شاعرًا. وكان سببُ شهادة أهل الكوفة على الوليد بُشرب الخمر: أنه كان بالكوفة رجلٌ يقال له: ابن الحَيْسُمان الخُزاعي (٢)، ذو مال، وإلى جانبه أبو شُرَيح الخُزاعي من الصحابة، فاجتمع شبابٌ من أهل الكوفة، فنقبوا دار [ابن] الحَيسُمان، فخرج عليهم وبيده السيف، وصاح فأشرف عليه أبو شُريح وعلم بهم، وقاتلهم ابنُ الحيسمان فقتلوه، وكَثُر الناس عليهم، فأخذوهم، وفي الناس زهير بن جُندب الأزديّ ومُوَرعّ بن أبي مُوَرّع الأَسَدي، وشُبَيل بن أُبَيّ الأزدي وغيرهم، وشهد عليهم أبو شُريح الخزاعي وابنُه أنهم دخلوا على ابن الحيسمان فقتلوه. وكتب الوليد إلى عثمان رضوان اللَّه عليه يُخبره، فكتب إليه: اقتلهم، فقتلهم. وارتحل أبو شُريح الخزاعي إلى المدينة، وأقام أولاد المقتولين (٣) يتربّصون بالوليد بن عُقبة الدّوائر، ويَحفرون له الحفائر، ويَضعون عليه [العيون]، فرصدوه ليلةً وهو يُنادِمُ أبا زُبَيد النصراني على الخمر، فاقتُحم عليه داره، ولم يكن لها باب، والوليد بين يديه طَبقٌ فيه عِنَب، فأدخل النّصرانيّ تحت السرير، فاستحيى منهم فخرجوا. وطوى الوليد ذلك عن عثمان رضوان اللَّه عليه، وجاء جماعةٌ منهم: جُندب بن زهير الأزدي إلى ابن مسعود، فقال له: الوليد يَعكِف على شرب الخمر، فقال: مَن استَتَر عنّا لم نَتْبَعْه، وبلغ الوليد فعتب على ابن مسعود في استماعه كلامهم، فتلاحَيا وافترقا عن تغاضُب.

стр. 2451

وأُتي الوليد بساحر يهودي من أهل بابل، وكان يَصنع ضُروبًا من السِّحر، دخل يومًا على الوليد، فأراه فيلًا يَركض على فرسٍ في المسجد، ثم أراه حمارًا دخل في فِيه وخرج من دُبره، ثم ضرب عُنقَ رَجُلٍ وفرَّق بين رأسه وجسده، ثم أحياه، وكان أعيان أهل الكوفة حاضرين عند الوليد، فاخترط جُندب الخير السيفَ وقال: جاء الحقُّ وزهق الباطل، وضرب رأسَ السَّاحر فأبانه، فحبسه الوليد، وأراد قتلَه، فأطلقه السَّجَّان، وهرب جُندب إلى المدينة، فقتل الوليد السَّجَّان، وصَلبه بالكُناسَة، فثار الناس بالوليد. قال عُبيد بن لاحق: كان رسول اللَّه ﷺ في سفر، فنزل رجلٌ من القوم فساق بهم ورجز، ثم نزل آخر، ثم بدا لرسول اللَّه ﷺ أن يُواسي أصحابَه، فنزل، فجعل يقول: "جندب وما جندب، والأقطع زيد الخير" فقال له أصحابه: ما هذا؟ قال: "رجلان يكونان في هذه الأمة، يَضرب أحدُهما ضَربةً يُفرِّقُ بها بين الحقّ والباطل، والآخر تُقطَع يدُه في سبيل اللَّه، ثم يُتبع اللَّه آخرَ جسده أَوَّلَه". فجُندب بن زهير العامريّ الأزديّ هو المذكور، وزيد الخير هو زيد بن صُوحان، شهد جَلولاء وقُطعتْ يدُه، وشهد الجَمل وقُتل يومئذ زيد أخو صَعْصَعة بن صُوحان (١). ولما فعل الوليد بجُندب ما فعل غضب الأزد، وقدم أعيانُهم على عثمان رضوان اللَّه عليه، وفيهم جَثّامة بن الصَّعْب، وطلبوا عَزْلَ الوليد، فغضب عثمان رضوان اللَّه عليه وقال: خرجتُم بغير إذن وَاليكُم، فقال جَثّامة: أبعد اللَّهُ والينا، وخرجوا غضابًا على عثمان رضوان اللَّه عليه، فقَدِموا الكوفة، ولم يلتفتوا إلى الوليد، وأقاموا يَطلبون غِرَّتَه، حتى سَكِر ليلةً، فدخل عليه جُندب بن زُهَير، وزهير بن عَوْف، وأبو مُوَرّع، وكلُّهم من الأزد، وأبو خُشَّة الغِفاري (٢)، فقدموا المدينة، فشهدوا عليه عند عثمان رضوان اللَّه عليه. وقال سيف: كان عند الوليد امرأتان: ابنةُ ذي الخِمار وابنةُ أبي عَقيل، فدخل عليه

стр. 2452

أبو مُوَرِّع وأبو زينب وهو نائم سَكران، قأكبّا عليه، وأخذوا خاتمه، وانتبه الوليد، فسأل الوليد عن الخاتم فقالا: ما رأيناه. وقال ابن عيّاش: كان الوليد مُدمنًا على شُربِ الخمر، فشرب ليلةً مع نُدَمائه من أول الليل إلى الفجر، فلما أَذَّن المؤذّن لصلاة الفَجر خرج إلى المسجد، فصلّى بالناس أربع ركعات، وهو في غِلالة، وجعل يقول في سجوده وركوعه: اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب وهو في الصلاة، فلما سَلَّم من الرابعة قال: أَزيدُكم، ولا يَدري أين هو، فقال له ابنُ مَسعود: مازِلْنا منك في زيادةٍ منذ اليوم، لا زادك اللَّه خيرًا، ولا مَن بَعثَك إلينا، وأخذ فَردَةَ خُفٍّ فضرب بها وَجه الوليد، وحَصبه الناس، فدخل القَصْرَ والحَصْباءُ تأخذه، وهو يَترنَّح ويقول أبيات تأبَّط شرًّا: [من الطويل] ولستُ بعبدٍ غير خمرٍ وقَيْنةٍ … وإني عن الدِّين الحنيف بمَعْزِلِ ولكنني أَروي من الخمر هامتي … وأمشي مَشْيَ السَّاحبِ المتَسَلْسِل ثم خرجوا إلى عثمان رضوان اللَّه عليه فشهدوا عليه، فقال لجندب: أنتَ رأيتَ أخي يَشربُ الخمر؟ قال: نعم، رأيتُه سكران يَقلِسُها في المحراب من جَوْفه، وصلّى بنا الفجر أربعًا، وشهد الجماعة بذلك، فقال: ومن أين علمتُم أنها خمر؟! فقالوا: شرب الخمرَ التي كنا نَشربها في الجاهلية، فكتب إليه بالقُدوم عليه، فلما قَدِم قال له: ويحك، فقالْ اتّقِ اللَّه فيَّ فإنهم خُصوم، فقال: قد شهدوا عليك أنك كنتَ تَقيءُ الخمر، وما يقيئُها إلا شاربُها. قال المِسْوَرُ بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن أبي الأسود لعُبيد اللَّه بن عَديّ بن الخيار: ما يمنعُك أن تُكلِّم أمير المؤمنين في شأن الوليد بن عُقبة، فقد أكثر الناسُ فيه، قال عبيد اللَّه: فقصدتُه حين خرج إلى الصلاة، فقلتُ: إن لي إليك حاجَة، وهي نصيحة، فقال: أيها المرء، أعوذُ باللَّه منك، فلما انصرف من الصلاة دعاني فقال: ما حاجتُك، ما نصيحتُك؟! فقلتُ: إن اللَّه بعث محمدًا بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، وكنتَ فيمن استجاب للَّه وللرسول، فهاجرتَ الهجرتَين، وصحبتَ رسول اللَّه ﷺ ، ورأيتَ هَدْيَه، وقد أكثر الناسُ في شأن الوليد، فقال لي: أدركتَ رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: لا ولكن

стр. 2453

خلص إليَّ من علمه ما يَخلُص إلى العذراء في سِترها، فقال: إن اللَّه بَعث محمدًا بالحق، فكنتُ فيمن آمن بما بُعث به، واستَجبتُ اللَّه ولرسوله، وهاجرتُ الهجرتَين كما قلتَ، ونِلتُ صِهرَ رسول اللَّه ﷺ ، وبايعتُه، فواللَّه ما غضبتُه (١) ولا غَشَشْتُه حتى توفاه اللَّه، وصحبتُ أبا بكرٍ وعمر مثله، ثم استُخلفتُ، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى، قال: فما هذه الأحاديث التي تَبلغُني عنكم، أمَّا ما أحدث من شأن الوليد فسآخذُ فيه بالحقِّ إن شاء اللَّه تعالى، ثم دعا عليًّا فجلده، وفيه يقول الحُطيئة: [من الكامل] شهد الحُطيئةُ يومَ يَلقى ربَّه … أنّ الوليد أحقُّ بالعُذْرِ نادى وقد تَمَّتْ صَلاتُهم … أأزيدُكم ثَمِلًا ولا يدري ليزيدَهم أخرى ولو قبلوا … لأتَتْ صَلاتُهم على العَشْرِ فأبَوْا أبا وَهْب ولو قَبلوا … لَقَرَنْتَ بين الشَّفْعِ والوِتْر حَبَسوا عِنَانَك إذ جَمَحْتَ ولو … خَلّوا عِنانَك لم تَزل تجري (٢) فصل وقد حُدَّ في الخمر في صدر الإسلام جماعةٌ منهم: عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه، وقيل: عبد الرحمن أخوه، وقُدامة بن مَظْعُون، حدَّه عمر رضوان اللَّه عليه ولم يُحدَّ من أهل بدر في شُرب الخمر سواه، وعاصم بن عمر بن الخطاب، حدَّه على ما قيل بعضُ ولاة المدينة، وأَبو مِحْجَن الثقفي، حدَّه سعد بن أبي وقاص ﵁، وعبد اللَّه بن عروة بن الزبير، حدَّه هشام بن إسماعيل المخزومي، وعبد العزيز بن مروان، حَدّه عمرو بن سعيد الأَشْدَق في آخرِين. وقال الواقدي: ولما ولَّى عثمانُ سعيدَ بنَ العاصِ الكوفةَ وقَدِمها قال: لا أصعَدُ

стр. 2454

المنبرَ حتى تَغْسِلوه من آثار الوليد بن عُقبةَ الفاسق، فإنه نَجِسٌ، فغسلوه. ثم ظهرت بعد ذلك من سعيد بن العاصِ هَناتٌ. وفيها غزا سعيد بنُ العاصِ طَبَرِسْتان، خَرَج من الكوفة في جُيوشِها، وكان فيهم جماعةٌ من الصحابةِ، منهم الحسنُ والحسين وحُذيفةُ بنُ اليمانِ والعبادِلَةُ: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، وخرج عبد اللَّه بنُ عامرٍ في جُيوشهِ من البصرةِ يُريد خُراسان، فسبق سعيدُ بن العاص فنزل قُومِس، ونزل ابنُ عامر أبْرَ شهْر (١)، وقتلوا وسَبَوا. وسار سعيد إلى جُرْجان، ثم أتى طَمِيسة -وهي من طَبَرِسْتان، وهي مدينةٌ على لمعاحلِ البحرِ- فقاتلهُ أهلُها، حتى صلَّى المسلمون صلاةَ الخوف، ثم طلبوا منه الأمان، فصالحهم على مئتي ألف درهم، وقيل: إنَّه فتحها بالأمان على أن لا يَقتل منهم رجلًا واحدًا، وكانوا قد قتلوا في المسلمين، فلما دخلها قتلهم كُلَّهم إلا رجلًا واحدًا، واحتوى على ما كان فيها، وصالح أهلَ جُرجان على مالٍ، وعاد سعيد إلى الكوفةِ، وابنُ عامر إلى البصرة. ثم إنَّ أهلَ جُرْجان نَقضوا العهدَ، ومنعوا الطُّرُقَ التي فتحها سعيد، حتى فتحها قُتيبةُ بنُ مُسلم. وفيها سقط خاتَمُ رسولِ اللَّه ﷺ من يَدِ عثمان في بئرِ أَريس، وهي على ميلين من المدينة. قال الواقدي: جلس عثمان على جانبِ البئرِ، فجعل، يَعبَثُ بالخاتم في إصبعه، فسقط فيها، وكانت أقلَّ الآبارِ ماءً وطينًا وحَمأة، فغرم عثمان أموالًا كثيرةً على نَزْحِها، فلم يُوجَدْ، وكان من فِضَّةٍ ونَقْشُه: محمد رسولُ اللَّه، وكان عثمان قد زاد على الكتابةِ: آمنتُ بالذي خلق فسَوَّى، ولمّا لم يَقْدِروا عليه قال عبدُ اللَّه بن سلام: إنّا للَّه وإنّا إليه راجِعون، ستضطربُ الأُمور بعد اليومِ، فكان كما قال. وقيل: إنَّما سقط من يدِ مُعَيْقيب، تَخَتَّم به بأمرِ عثمان. والأوَّلُ أصحُّ.

стр. 2455

وفيها زاد عثمان النّداءَ على الزَّوراءِ، وهي دارُه التي بناها، وكان أذانًا واحدًا يومَ الجُمعةِ، فلما كَثُر الناسُ زاد هذا النداء الثاني، ويُسَمّى ثالثًا، وإنَّما صار ثالثًا بإضافته إلى الإقامة (١). وفيها أشْخَصَ معاوية ﵁ أبا ذر إلى المدينة من الشام بأمر عثمان؛ وذلك أنهما اختلفا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. قال أبو ذر: نزلت فينا، وقال معاوية: في أهل الكتاب، وجعل أبو ذر يقول: يا معشر الأغنياء، واسُوا الفقراء، ويتلو الآية، وكان معاوية يقول: المال مال اللَّه، فقال أبو ذر: لا تقل كذا، ولكن قل: مال المسلمين. ورُوي عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "إذا بلغ البِناءُ سَلْعًا فاخرُج منها، ونَحَا بيده نحو الشام، قال: ولا أرى أُمراءَك يَدَعونك"، قال: يا رسول اللَّه، أفلا أُقاتل مَن يحول بيني وبين دارك (٢)؟ قال: لا، قال: فما تأمُرني؟ قال: "اسمَع وأطِعْ ولو لعبدٍ حَبَشيٍّ". قال: فلما كان ذلك خرج إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: أبا ذرّ، قد أفسد الناس بالشام، فبعث إليه عثمان، فقَدِم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا عندهم كيسًا، أو شيئًا، فظنُّوا بها دراهم، فقالوا: ما شاء اللَّه، فإذا هي فلوس. فلما قدم المدينة قال له عثمان: كُن عندي، تَغدو عليك وتَروح اللّقاح، قال: لا حاجةَ لي في دُنْياكم، ثم قال: ائذَن لي حتى أخرجَ إلى الرَّبذة، فأذن له، فخرج إلى الرَّبَذة وقد أُقيمت الصّلاة، وعليها عبدٌ لعثمان حَبَشي، فتأخَّر، فقال له أبو ذرّ: تَقدَّم فَصَلِّ، فقد أُمِرتُ أن أسمعَ وأُطِيعَ ولو لعبدٍ حَبَشيٍّ، فأنتَ عبدٌ حَبَشيّ. ورُوي عن شيخٍ وامرأتِه من بني ثعلبة قالا: نزلْنا الرَّبَذَة، فمرَّ بنا شيخٌ أشعثُ أبيض الرأس واللّحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذنّاه أن نَغسِل رأسَه، فأذِن لنا، واستأنَس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفرٌ من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذرّ، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً، فنُمَلّكك برجالٍ ما شئتَ؟
следующие страницы →