← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وأُتي الوليد بساحر يهودي من أهل بابل، وكان يَصنع ضُروبًا من السِّحر، دخل يومًا على الوليد، فأراه فيلًا يَركض على فرسٍ في المسجد، ثم أراه حمارًا دخل في فِيه وخرج من دُبره، ثم ضرب عُنقَ رَجُلٍ وفرَّق بين رأسه وجسده، ثم أحياه، وكان أعيان أهل الكوفة حاضرين عند الوليد، فاخترط جُندب الخير السيفَ وقال: جاء الحقُّ وزهق الباطل، وضرب رأسَ السَّاحر فأبانه، فحبسه الوليد، وأراد قتلَه، فأطلقه السَّجَّان، وهرب جُندب إلى المدينة، فقتل الوليد السَّجَّان، وصَلبه بالكُناسَة، فثار الناس بالوليد. قال عُبيد بن لاحق: كان رسول اللَّه ﷺ في سفر، فنزل رجلٌ من القوم فساق بهم ورجز، ثم نزل آخر، ثم بدا لرسول اللَّه ﷺ أن يُواسي أصحابَه، فنزل، فجعل يقول: "جندب وما جندب، والأقطع زيد الخير" فقال له أصحابه: ما هذا؟ قال: "رجلان يكونان في هذه الأمة، يَضرب أحدُهما ضَربةً يُفرِّقُ بها بين الحقّ والباطل، والآخر تُقطَع يدُه في سبيل اللَّه، ثم يُتبع اللَّه آخرَ جسده أَوَّلَه". فجُندب بن زهير العامريّ الأزديّ هو المذكور، وزيد الخير هو زيد بن صُوحان، شهد جَلولاء وقُطعتْ يدُه، وشهد الجَمل وقُتل يومئذ زيد أخو صَعْصَعة بن صُوحان (١). ولما فعل الوليد بجُندب ما فعل غضب الأزد، وقدم أعيانُهم على عثمان رضوان اللَّه عليه، وفيهم جَثّامة بن الصَّعْب، وطلبوا عَزْلَ الوليد، فغضب عثمان رضوان اللَّه عليه وقال: خرجتُم بغير إذن وَاليكُم، فقال جَثّامة: أبعد اللَّهُ والينا، وخرجوا غضابًا على عثمان رضوان اللَّه عليه، فقَدِموا الكوفة، ولم يلتفتوا إلى الوليد، وأقاموا يَطلبون غِرَّتَه، حتى سَكِر ليلةً، فدخل عليه جُندب بن زُهَير، وزهير بن عَوْف، وأبو مُوَرّع، وكلُّهم من الأزد، وأبو خُشَّة الغِفاري (٢)، فقدموا المدينة، فشهدوا عليه عند عثمان رضوان اللَّه عليه. وقال سيف: كان عند الوليد امرأتان: ابنةُ ذي الخِمار وابنةُ أبي عَقيل، فدخل عليه

стр. 2452

أبو مُوَرِّع وأبو زينب وهو نائم سَكران، قأكبّا عليه، وأخذوا خاتمه، وانتبه الوليد، فسأل الوليد عن الخاتم فقالا: ما رأيناه. وقال ابن عيّاش: كان الوليد مُدمنًا على شُربِ الخمر، فشرب ليلةً مع نُدَمائه من أول الليل إلى الفجر، فلما أَذَّن المؤذّن لصلاة الفَجر خرج إلى المسجد، فصلّى بالناس أربع ركعات، وهو في غِلالة، وجعل يقول في سجوده وركوعه: اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب وهو في الصلاة، فلما سَلَّم من الرابعة قال: أَزيدُكم، ولا يَدري أين هو، فقال له ابنُ مَسعود: مازِلْنا منك في زيادةٍ منذ اليوم، لا زادك اللَّه خيرًا، ولا مَن بَعثَك إلينا، وأخذ فَردَةَ خُفٍّ فضرب بها وَجه الوليد، وحَصبه الناس، فدخل القَصْرَ والحَصْباءُ تأخذه، وهو يَترنَّح ويقول أبيات تأبَّط شرًّا: [من الطويل] ولستُ بعبدٍ غير خمرٍ وقَيْنةٍ … وإني عن الدِّين الحنيف بمَعْزِلِ ولكنني أَروي من الخمر هامتي … وأمشي مَشْيَ السَّاحبِ المتَسَلْسِل ثم خرجوا إلى عثمان رضوان اللَّه عليه فشهدوا عليه، فقال لجندب: أنتَ رأيتَ أخي يَشربُ الخمر؟ قال: نعم، رأيتُه سكران يَقلِسُها في المحراب من جَوْفه، وصلّى بنا الفجر أربعًا، وشهد الجماعة بذلك، فقال: ومن أين علمتُم أنها خمر؟! فقالوا: شرب الخمرَ التي كنا نَشربها في الجاهلية، فكتب إليه بالقُدوم عليه، فلما قَدِم قال له: ويحك، فقالْ اتّقِ اللَّه فيَّ فإنهم خُصوم، فقال: قد شهدوا عليك أنك كنتَ تَقيءُ الخمر، وما يقيئُها إلا شاربُها. قال المِسْوَرُ بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن أبي الأسود لعُبيد اللَّه بن عَديّ بن الخيار: ما يمنعُك أن تُكلِّم أمير المؤمنين في شأن الوليد بن عُقبة، فقد أكثر الناسُ فيه، قال عبيد اللَّه: فقصدتُه حين خرج إلى الصلاة، فقلتُ: إن لي إليك حاجَة، وهي نصيحة، فقال: أيها المرء، أعوذُ باللَّه منك، فلما انصرف من الصلاة دعاني فقال: ما حاجتُك، ما نصيحتُك؟! فقلتُ: إن اللَّه بعث محمدًا بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، وكنتَ فيمن استجاب للَّه وللرسول، فهاجرتَ الهجرتَين، وصحبتَ رسول اللَّه ﷺ ، ورأيتَ هَدْيَه، وقد أكثر الناسُ في شأن الوليد، فقال لي: أدركتَ رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: لا ولكن

стр. 2453

خلص إليَّ من علمه ما يَخلُص إلى العذراء في سِترها، فقال: إن اللَّه بَعث محمدًا بالحق، فكنتُ فيمن آمن بما بُعث به، واستَجبتُ اللَّه ولرسوله، وهاجرتُ الهجرتَين كما قلتَ، ونِلتُ صِهرَ رسول اللَّه ﷺ ، وبايعتُه، فواللَّه ما غضبتُه (١) ولا غَشَشْتُه حتى توفاه اللَّه، وصحبتُ أبا بكرٍ وعمر مثله، ثم استُخلفتُ، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى، قال: فما هذه الأحاديث التي تَبلغُني عنكم، أمَّا ما أحدث من شأن الوليد فسآخذُ فيه بالحقِّ إن شاء اللَّه تعالى، ثم دعا عليًّا فجلده، وفيه يقول الحُطيئة: [من الكامل] شهد الحُطيئةُ يومَ يَلقى ربَّه … أنّ الوليد أحقُّ بالعُذْرِ نادى وقد تَمَّتْ صَلاتُهم … أأزيدُكم ثَمِلًا ولا يدري ليزيدَهم أخرى ولو قبلوا … لأتَتْ صَلاتُهم على العَشْرِ فأبَوْا أبا وَهْب ولو قَبلوا … لَقَرَنْتَ بين الشَّفْعِ والوِتْر حَبَسوا عِنَانَك إذ جَمَحْتَ ولو … خَلّوا عِنانَك لم تَزل تجري (٢) فصل وقد حُدَّ في الخمر في صدر الإسلام جماعةٌ منهم: عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه، وقيل: عبد الرحمن أخوه، وقُدامة بن مَظْعُون، حدَّه عمر رضوان اللَّه عليه ولم يُحدَّ من أهل بدر في شُرب الخمر سواه، وعاصم بن عمر بن الخطاب، حدَّه على ما قيل بعضُ ولاة المدينة، وأَبو مِحْجَن الثقفي، حدَّه سعد بن أبي وقاص ﵁، وعبد اللَّه بن عروة بن الزبير، حدَّه هشام بن إسماعيل المخزومي، وعبد العزيز بن مروان، حَدّه عمرو بن سعيد الأَشْدَق في آخرِين. وقال الواقدي: ولما ولَّى عثمانُ سعيدَ بنَ العاصِ الكوفةَ وقَدِمها قال: لا أصعَدُ

стр. 2454

المنبرَ حتى تَغْسِلوه من آثار الوليد بن عُقبةَ الفاسق، فإنه نَجِسٌ، فغسلوه. ثم ظهرت بعد ذلك من سعيد بن العاصِ هَناتٌ. وفيها غزا سعيد بنُ العاصِ طَبَرِسْتان، خَرَج من الكوفة في جُيوشِها، وكان فيهم جماعةٌ من الصحابةِ، منهم الحسنُ والحسين وحُذيفةُ بنُ اليمانِ والعبادِلَةُ: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، وخرج عبد اللَّه بنُ عامرٍ في جُيوشهِ من البصرةِ يُريد خُراسان، فسبق سعيدُ بن العاص فنزل قُومِس، ونزل ابنُ عامر أبْرَ شهْر (١)، وقتلوا وسَبَوا. وسار سعيد إلى جُرْجان، ثم أتى طَمِيسة -وهي من طَبَرِسْتان، وهي مدينةٌ على لمعاحلِ البحرِ- فقاتلهُ أهلُها، حتى صلَّى المسلمون صلاةَ الخوف، ثم طلبوا منه الأمان، فصالحهم على مئتي ألف درهم، وقيل: إنَّه فتحها بالأمان على أن لا يَقتل منهم رجلًا واحدًا، وكانوا قد قتلوا في المسلمين، فلما دخلها قتلهم كُلَّهم إلا رجلًا واحدًا، واحتوى على ما كان فيها، وصالح أهلَ جُرجان على مالٍ، وعاد سعيد إلى الكوفةِ، وابنُ عامر إلى البصرة. ثم إنَّ أهلَ جُرْجان نَقضوا العهدَ، ومنعوا الطُّرُقَ التي فتحها سعيد، حتى فتحها قُتيبةُ بنُ مُسلم. وفيها سقط خاتَمُ رسولِ اللَّه ﷺ من يَدِ عثمان في بئرِ أَريس، وهي على ميلين من المدينة. قال الواقدي: جلس عثمان على جانبِ البئرِ، فجعل، يَعبَثُ بالخاتم في إصبعه، فسقط فيها، وكانت أقلَّ الآبارِ ماءً وطينًا وحَمأة، فغرم عثمان أموالًا كثيرةً على نَزْحِها، فلم يُوجَدْ، وكان من فِضَّةٍ ونَقْشُه: محمد رسولُ اللَّه، وكان عثمان قد زاد على الكتابةِ: آمنتُ بالذي خلق فسَوَّى، ولمّا لم يَقْدِروا عليه قال عبدُ اللَّه بن سلام: إنّا للَّه وإنّا إليه راجِعون، ستضطربُ الأُمور بعد اليومِ، فكان كما قال. وقيل: إنَّما سقط من يدِ مُعَيْقيب، تَخَتَّم به بأمرِ عثمان. والأوَّلُ أصحُّ.

стр. 2455

وفيها زاد عثمان النّداءَ على الزَّوراءِ، وهي دارُه التي بناها، وكان أذانًا واحدًا يومَ الجُمعةِ، فلما كَثُر الناسُ زاد هذا النداء الثاني، ويُسَمّى ثالثًا، وإنَّما صار ثالثًا بإضافته إلى الإقامة (١). وفيها أشْخَصَ معاوية ﵁ أبا ذر إلى المدينة من الشام بأمر عثمان؛ وذلك أنهما اختلفا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. قال أبو ذر: نزلت فينا، وقال معاوية: في أهل الكتاب، وجعل أبو ذر يقول: يا معشر الأغنياء، واسُوا الفقراء، ويتلو الآية، وكان معاوية يقول: المال مال اللَّه، فقال أبو ذر: لا تقل كذا، ولكن قل: مال المسلمين. ورُوي عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "إذا بلغ البِناءُ سَلْعًا فاخرُج منها، ونَحَا بيده نحو الشام، قال: ولا أرى أُمراءَك يَدَعونك"، قال: يا رسول اللَّه، أفلا أُقاتل مَن يحول بيني وبين دارك (٢)؟ قال: لا، قال: فما تأمُرني؟ قال: "اسمَع وأطِعْ ولو لعبدٍ حَبَشيٍّ". قال: فلما كان ذلك خرج إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: أبا ذرّ، قد أفسد الناس بالشام، فبعث إليه عثمان، فقَدِم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا عندهم كيسًا، أو شيئًا، فظنُّوا بها دراهم، فقالوا: ما شاء اللَّه، فإذا هي فلوس. فلما قدم المدينة قال له عثمان: كُن عندي، تَغدو عليك وتَروح اللّقاح، قال: لا حاجةَ لي في دُنْياكم، ثم قال: ائذَن لي حتى أخرجَ إلى الرَّبذة، فأذن له، فخرج إلى الرَّبَذة وقد أُقيمت الصّلاة، وعليها عبدٌ لعثمان حَبَشي، فتأخَّر، فقال له أبو ذرّ: تَقدَّم فَصَلِّ، فقد أُمِرتُ أن أسمعَ وأُطِيعَ ولو لعبدٍ حَبَشيٍّ، فأنتَ عبدٌ حَبَشيّ. ورُوي عن شيخٍ وامرأتِه من بني ثعلبة قالا: نزلْنا الرَّبَذَة، فمرَّ بنا شيخٌ أشعثُ أبيض الرأس واللّحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذنّاه أن نَغسِل رأسَه، فأذِن لنا، واستأنَس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفرٌ من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذرّ، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً، فنُمَلّكك برجالٍ ما شئتَ؟

стр. 2456

فقال: يا أهلَ الإسلام، لا تَعرضوا عليّ ذاكم، ولا تُذِلُّوا السُّلطان، فإنه مَن أَذَلَّ السُّلطان فلا تَوبةَ له، واللَّه لو أن عثمان صَلَبني على أطول خَشبةٍ لسَمعت وأَطعتُ واحتسبتُ، ورأيتُ أن ذلك خيرًا لي، ولو سَيَّرني ما بين المشرق والمغرب لسمعتُ وأطعتُ، وصبرتُ واحتسبتُ، ورأيتُ أن ذلك خيرًا لي، ولو رَدَّني إلى منزلي لسَمِعتُ وأطعتُ واحتسبتُ، ورأيتُ أن ذلك خيرًا لي. وقال عبد اللَّه بن سيدان: تناجى أبو ذَرّ وعثمان حتى ارتفعت أصواتُهما، ثم انصرف أبو ذرّ مُبتسِمًا، فقيل له: مالك ولأمير المؤمنين؟ فقال: سامعٌ مُطيع، ولو أمرني أن آتيَ صَنْعاء أو عَدَن، ثم استطعتُ أن أفعل ذلك لفَعلتُ. ولما سَيَّر عثمان رضوان اللَّه عليه أبا ذرّ إلى الرَّبَذَة خرج معه عليٌّ وابناه الحسن والحسين، وأخوه عَقيل، وابنُ أخيه عبد اللَّه بن جعفر، وعمار رضوان اللَّه عليهم، فاعترضهم مروان بن الحَكَم وقال: يا عليّ، إن أمير المؤمنين نهى الناس أن يُشيِّعوا جُندبًا، فإن كنتَ لم لّعلم فقد أعلمتُك، فقال له: يا ابن الملعون، وحمل عليه بالسَّوط، وضربه على وَجهه، فحاد عنه فوقع بين أُذُنَي راحلته، فانهزم، ومضى عليّ رضوان اللَّه عليه يودع أبا ذرّ، فبكى أبو ذر وقال: رحمةُ اللَّه عليكم أهلَ البيت، إذا رأيتُك ورأيتُ وَلَدَيْك فكأني رأيتُ رسول اللَّه ﷺ . ونَفيُ أبي ذر ﵁ تاسِعُ أمرٍ أُخِذَ على عثمان رضوان اللَّه عليه. وفيها سار ابنُ عامر حْلفَ يَزدجرد إلى فارس، فهرب إلى كَرْمان، فبعث ابنُ عامر خَلْفه مُجاشِع بن مسعود السُّلَمي، فسقط الثَّلجُ عليه وعلى من معه، فمات مُعظمُ أصحابه، فنزل قصرًا على خمسة فراسخ من السِّيرَجان، فهو يُسمّى قصرَ مُجاشع إلى اليوم. وحجَّ بالناس عثمان رضوان اللَّه عليه. فصل وفيها تُوفي أُبيّ بن كعب ابن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وأمُّه صُهيلة بنت

стр. 2457

الأسود بن حرام. وهو أحدُ بني حُدَيْلة. واختلفوا فيها: فقال ابنُ مَنْدَه: حُدَيْلَةُ اسمُ أبيهم معاوية بن عمرو. وكُنيةُ أُبيّ: أبو المنذرِ، كنَّاه بها رسولُ اللَّه ﷺ . وكنّاه عمر بن الخطاب أبا الطُّفَيْلِ. وقال ابنُ مَنْدَه: سمَّاه رسولُ اللَّه ﷺ سيَّدَ الأنصارِ وأوحدَ القُرَّاء. وأُبيّ من الطبقة الأولى من الأنصارِ، وشهد العَقَبةَ مع السبْعِين، وبدرًا وأُحدًا والمشاهِدَ كُلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ . وكان يُسَمّى الكامل في الجاهليةِ؛ لأنه كان يُحسِنُ الكتابةَ والرَّميَ والسّباحةَ، وهو كاتِبُ الوحي، وأحدُ القُرَّاءِ الذين جمعوا القُرآن على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ حِفْظًا، وأحدُ أربابِ الفتوى على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأَمَرَ اللَّهُ رسولَه أن يقرأ عليه القُرآن. ذِكرُ صفته: حكى ابنُ سعد عن الواقدي، عن أشياخهِ قال: كان أُبيٌّ رجلًا دَحْداحًا، ليس بالقصير ولا بالطويلِ، أبيضَ الرأسِ واللحيةِ، لا يُغيِّرُ شَيْبَه. وقال ابن سعدِ بإسناده عن أبي نَضْرةَ قال: قال رجلٌ منّا يقال له جابر أو جُوَيبر: طلبتُ حاجةً إلى عمر في خلافتِه، وإلى جَنْبهِ رجلٌ أبيضُ الشّعر أبيضُ الثيابِ، فقال: إنَّ الدنيا فيها بلاغُنا وزادُنا إلى الآخِرةِ، وفيها أعمالُنا التي نُجْزى بها في الآخِرَةِ، فقلتُ: مَن هذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: هذا سيَّدُ المسلمين أُبيُّ بن كعب (١). وفي روايةٍ: إن الدنيا فيها بلاغُنا، وهي زادُنا إلى الآخرةِ. ذِكرُ بعض فضائله: قال أحمد بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ لأُبيّ بن كعب: "إنَّ اللَّه أمرني أن أقرأَ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، قال أُبيّ: أوَسمَّاني اللَّه لك؟ قال: "نعم"، فبكى. أخرجاه في "الصحيحين"، وللبخاري: أوَذُكِرْتُ عند ربّ العالمين؟ قال: نعم فذَرَفَتْ عيناه (٢). وإنما خصَّ سورة "لم يكن" لما فيها من التوحيدِ والرسالة والمعاد وغير ذلك.

стр. 2458

وقال أبو نُعيم بإسناده عن معاذ بن محمد بن أُبيّ بن كعب، عن أبيه، عن جدِّه، عن أُبيّ قال: قال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "يا أُبيّ، إني أُمرتُ أن أعرِضَ عليك القُرآن" قال: فقلت: يا رسولَ اللَّه، باللَّه آمنتُ، وعلى يَدِكَ أسلمتُ، ومنك تعلَّمتُ، فردَّ عليه رسولُ اللَّه القولَ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أوَذُكِرْتُ هناك؟ قال: "نعم باسمِكَ ونَسبِك في الملأ الأعلى"، قال: فاقرأ إذن يا رسولَ اللَّه (١). وعن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيّ بن كعب قال: قال لي النبيّ ﷺ : "إني أمرتُ أن أقرأ عليك القرآن"، قلتُ: يا رسول اللَّه، وقد ذُكرتُ هناك؟ قال: "نعم"، فقلتُ له: يا أبا المنذر، ففرحتَ بذلك، قال: وما يَمنعنُي أن أفرح واللَّه تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية [يونس: ٥٨] (٢). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أنسِ بن مالك قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أقرأ أُمتي أُبيُّ ابن كعب" (٣). وقال مسلم بإسناده عن أُبيّ بن كعب قال: قال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "يا أبا المنذر، أتدري أيّ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ معك أَعظَمُ؟ " قال: فقلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال: فضرب في صَدْري وقال: "ليَهْنِكَ العلم أبا المُنْذِر". انفرد بإخراجه مسلم (٤). وقال ابن سعدِ بإسناده عن عمران بن عبد اللَّه قال (٥): قال أُبيّ بن كعب لعمر بن الخطاب: مالَكَ لا تستعملني؟ قال: أكره أن يَدْنَسَ دِينُك (٦). قال مسروق: سألتُ أبيَّ بن كعب عن مسألة، فقال: يا ابن أخي، أكان هذا؟

стр. 2459

قلت: لا، قال: فأجمَّنا حتى تكون، فإذا كانت اجتهدنا رأيَنا (١). وقال ابن سعدِ بإسناده عن أبي المهلب، عن أُبيّ بن كعب أنَّه كان يَختم القُرآن في ثماني ليالٍ، وكان تَميم الدّاريّ يَختمه في سبعٍ (٢). وقال الواقدي (٣): شهد أُبيٌّ الجابيةَ مع عمر بن الخطاب، وكتب كِتابَ الصُّلْحِ لأهل بيتِ المَقْدِس. وقال الهيثم بن عَديّ: تقاضى العباسُ وعمر إلى أُبيّ في شيءٍ، فحكم على عمر، فقال له عمر: ما من أحدٍ من أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ أجرأُ عليَّ منك، فقال أُبيٌّ: لا، بل ما فيهم أنصحُ لك مني (٤). وقال أبو نُعيم بإسناده عن أُبيّ بن كعب أنَّه سأل رسولَ اللَّه ﷺ : ما جزاءُ الحُمّى؟ قال: "تُجري الحسنات على صاحبها ما اختَلَج عليه قَدَمٌ، أو ضَرَبَ عليه عِرْق"، فقال أُبيٌّ: اللهمَّ إني أسألُكَ حُمَّى لا تَمنعُني خُروجًا في سبيلك، ولا خُروجًا إلى بيتكِ، ولا مسجد نبيّك ﷺ ، قال: فلم يُمْسِ أُبيٌّ قط إلا وبه الحُمّى حتى مات (٥). وكان يَحجُّ ويَعتمر ويَصوم ويُصلّي ويُجاهدُ في سبيلِ اللَّه إلى أن ماتَ. ذِكْرُ وفاته ﵁ -: واختلفوا فيها، زعم قومٌ أنَّه مات في سنة اثنتين وعشرين، واحتجّوا بأنَّ عمر قال: اليوم مات سيَّدُ المسلمين، والذي قال: اليوم مات سيِّدُ المسلمين غيرُ عمر. قال ابنُ سعدٍ بإسناده (٦) عن عُتَيّ بن ضَمْرة السَّعدي قال: قَدِمتُ المدينة في يومِ ريحٍ وغُبْرة، وإذا الناسُ يَموجُ بعضُهم في بعضٍ، فقلتُ: ما بالُ الناسِ؟ فقالوا: ما

стр. 2460

أنت من أهل هذا البلد؟ قلتُ: لا، قالوا: مات اليومَ سيَّدُ المسلمين أُبيُّ بن كعب. وقال الواقدي فيما حكاه عنه ابنُ سعدٍ: إنَّ أهل أُبيٍّ وغيرَ واحدٍ من أصحابنا يقولون: إنَّه مات في خلافة عمر بن الخطاب، سنة اثنتين وعشرين بالمدينة. قال: وسمعتُ مَن يقول: ماتَ في خلافةِ عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبتُ الأقاويل عندنا، وصلى عليه عثمانُ، ودُفِنَ بالبقيعِ؛ وذلك لأن عثمانَ أمره أن يجمعَ القُرآن (١). قلتُ: والدليل عليه ما روى البُخاري (٢) عن عبد الرحمن بن أَبْزى قال: قلتُ لأُبيّ ابن كعب لمّا وقع الناسُ في أمر عثمان: يا أبا المنذِرِ، كيف المَخْرَجُ من هذا الأمرِ؟ قال: كتابُ اللَّه، ما استبانَ فاعمل به، وما اشتبه فكِلْهُ إلى عامله. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن سيرين: أن عثمان جمع اثنَيْ عشر رجُلًا من قُريشٍ والأنصار، فيهم أُبيُّ بن كعب وزيد بن ثابت في جمع القُرآن (٣)، وكذا ذكر جدي في "التّلقيح" (٤) أنَّه مات في سنة ثلاثين، وروى أن الصُّحُفَ التي جُمع فيها القُرآن كانت عند أبي بكرٍ حتى توفّاه اللَّه، ثم عند عمر حتى توفّاه اللَّه، ثم عند حفصة بنت عمر. زاد البخاري، عن ابن شهابٍ، عن أنسٍ: أنَّ حُذيفةَ بن اليمان قَدِمَ على عثمان وهو يُغازي أهلَ الشامِ في فَتْح إرْمِينية وأَذْرَبيجان مع أهل العراقِ، فأفْزَعَ حذيفةَ اختلافُهم في القِراءةِ، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، أَدْرِكْ هذه الأُمَّةَ قبل أن يَختلفوا اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر: أن أرسلي إلينا بالصُّحفِ نَنْسَخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيدَ بنَ ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاصِ، وعبد اللَّه بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحفِ، وقال عثمان للرَّهط القُرشِيّين: إذا اختَلفتم أنتم وزيدٌ في شيءٍ فاكتبوه بلسانِ قُريش؛ فإنَّما أُنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا المصاحِفَ ردَّ عثمان الصُّحُفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كلَّ أُفُقٍ بمُصْحفٍ مما نَسخوا، وأمر بما سِوى ذلك

стр. 2461

من القُرآنِ فأُحرِقَ، فحرقوا ما كان في صحيفةٍ أو مصحف. قال زيدٌ: فَقَدْتُ آيةً من سورةِ الأحزابِ حين نَسَختُ الصحفَ، وكنتُ أسمعُ النبيَّ ﷺ يقرأُ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خُزيمة بن ثابت الذي جعل رسولُ اللَّه ﷺ شهادتَه شهادة رَجُلين، وهي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سُورتها (١). رَجَعْنا إلى الحديثِ (٢)، فعامَّةُ العلماء على أن أُبيًّا تُوفّي بالمدينةِ. وبباب شَرقي من دمشق قبرٌ يقال إنَّه قبرُه، واللَّه أعلم بالصوابِ. وكان له ﵁ من الولد الطُّفيل، ومحمد، وعبد اللَّه، وأم عمر. وأسند عن رسول اللَّه ﷺ مئة حديث وأربعة وستين حديثًا، وروى عنه جماعةٌ من الصحابة والتابعين، ﵃ أجمعين (٣). أوس بن ثابت ابن المنذر بن حرام، من بني النجَّار، أخو حسان بن ثابت، وهو أبو شَدّاد بن أوس، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وآخَى بينه وبين عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه، وكانت وفاتُه بالمدينة، وصلّى عليه عثمان رضوان اللَّه عليه، وأُمّه سُخطى بنت حارثة، وكان ثابت خَلَف عليها بعد أبيْه، وكانت العرب لا ترى بذلك بَأسًا، ولأوس ﵁ رواية (٤). أوس بن خَوْليّ ابن عبد اللَّه بن الحارث بن عُبيد بن مالك بن سالم الحُبْلي، من الطبقة الأولى من

стр. 2462

الأنصار، وأمُّه جَميلة بنت أبي مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك ابن سالم الحُبْلي، أختُ عبد اللَّه بن أُبيّ بن سَلول، وكان يُسمَّى الكامل في الجاهلية وأوّل الإسلام، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وخَلَّفه على السلاح حين دخل مكة لعُمرة القَضيّة ومعه مئتا رجل، وهو الذي نادى عند باب رسول اللَّه ﷺ لما تُوفّي: يا عَليّ، أنشدك اللَّه حَظَّنا من رسول اللَّه ﷺ ، فأدخلوه معهم، وآخى رسولُ اللَّه ﷺ بينه وبين شُجاع بن وهب، وكنيتُه أبو ليلى، وليس له رواية (١). جَبَّار بن صخر ابن أُميّة بن خَنْساء، من الطبقة الأولى من الأنصار، أحد بني سَلمة، وأمه عتيكة بنت خَرَشة، من بني بَياضة، شهد العَقَبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والخندق، والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وآخى بينه وبين المقداد بن عمرو، وكُنيته أبو عبد اللَّه، وحرس رسول اللَّه ﷺ يوم بدر، وبعثه خارِصًا إلى خَيبر وغيرِها (٢). حاطب بن أبى بَلْتَعة ابن عَمرو بن عُمَير اللَّخمي، أحد بني راشدة، من ولد قَحطان، حَليف لبني أسد ابن عبد العُزَّى، وكُنيته أبو محمد، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها، وهاجر إلى المدينة قديمًا، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين رُخيلة بن خالد. وهو الذي كتب إلى أهل مكة يُخبرهم أن رسول اللَّه ﷺ قاصِدُهم في فتح مكة. وبعثه رسول اللَّه ﷺ بكتابه إلى المقَوْقِس صاحب الإسكندرية، فأقام عنده أيامًا ثم استدعاه فقال: إني سائلُك عن شيءٍ فأخبرني، قال: اسأل، قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيٌّ؟ قال: بلى، قال: فما له لم يَدْعُ على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيره؟ قال (٣): ما تقول في عيسى، أنبيٌّ هو؟ قال: نعم، قال: فما بالُه حين أخَذه قومُه فأرادوا أن يَصلبوه؛ لم يَدْعُ عليهم فيهلكوا حتى رفعه اللَّه إليه؟ فقال: أنت

стр. 2463

حَكيمٌ، جاء من عند حكيم، وإني مُرسلٌ معك بهدايا إلى صاحبك، وأرسل معك بَذْرَقَةً يُبَذْرِقُونك (١) إلى مكانك، ثم بعث معه بهدايا: منها مارية القبطية، وأختها سيرين، والدُّلْدُل وغير ذلك. وكان حاطب من الرماة المذكورين، وكانت وفاتُه بالمدينة في سنة ثلاثين، وصلّى عليه عثمان رضوان اللَّه عليه، ودُفن بالبَقيع، وهو ابن خمسٍ وستين سنة، وكان له من الولد: عبد الرحمن ومحمد، وترك يوم مات أربعةَ آلاف دينار، ودراهم وغير ذلك، وكان يتّجر في الطعام وغيره، وله بقيَّةٌ بالمدينة. ومولاه سعد بن خَوْليّ من قُضاعة، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا مع مولاه وأحدًا، وقتل يوم أُحد شهيدًا ﵀ (٢). عبد اللَّه بن مَظْعون ابن حَبيب الجُمحي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وكُنيته أبو محمد، وأمه سُخَيلة بنت العَنْبَس (٣)، أسلم قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وقيل الثانية بغير خلاف، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وآخى بينه وبين سهل بن عُبيد بن المعَلَّى الأنصاري، وتُوفّي بالمدينة وهو ابن ستين سنة، وقيل ثلاث وستين، وليس له رواية ﵁ (٤). عمرو بن أبي عمرو ابن ضَبَّة الفِهري، كُنيته أبو شَدّاد، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وهو ابنُ ثلاثين سنة، وأحدًا والمشاهد كلَّها، وليس له رواية ﵁ (٥).

стр. 2464

عِياض بن زهير ابن أبي شَدّاد الفِهوي، كُنيته أبو سعد، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمُّه سَلمى بنت عامر فِهريّة، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ (١). مسعود بن الرَّبيع القاري من القارة، من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، وآخى بينه وبين عُبيد بن التَّيِّهان، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها، وكنيته أبو عمير، تُوفي بالمدينة وقد زاد على الستين سنة، وليس له رواية (٢). مَعْمَر (٣) بن أبي سَرْح ابن ربيعة بن هلال الفِهوي، كنيته أبو سعد، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمُّه زينب بنت ربيعة، من بني لؤي، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحَبَشة الهجرةَ الثانية، وقيل الهجرتين معًا، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكانت عنده بنت الجَرَّاح أختُ أبي عبيدة ﵁، وأولدها عُميرًا، وكان له ولدٌ آخر اسمُه عبد اللَّه، أمُّه أُمامة بنت عامر بن ربيعة، فِهريّة، واللَّه أعلم (٤). * * *

стр. 2465

السنةُ الحاديةُ والثلاثون (١) وفيها كانت غزاةُ ذاتِ الصَّواري في قولِ الواقدي، وقال أبو معشر: كانت فى سنة أربعٍ وثلاثين. قال الواقدي: وسببُها أن المسلمين لمّا فتحوا إفريقية، وقتلوا مَن قتلوه بها، وسَبَوْا وغَنموا الغنائمَ، وكان خُمسُها خمسَ مئة ألف دينار، ومن السَّبْي والخُيولِ والمتاعِ والكُراعِ والسلاح وغيره ما لا يُحَدُّ، وهلك خلق من عظماء الروم، فَتَّ ذلك في عَضُدِ الرومِ وقالوا: ما بعد هذا الأمر إلّا مركزُ عِزِّنا، ودارُ مُلْكِنا، وهي القُسْطنطينيةُ، فحشدوا وجمعوا، وخرجوا من القسطنطينية في خمسِ مئة مركبٍ، وجُموعٍ وأموالٍ وعُدَدٍ لم يُرَ مثلُها، عليهم قُسطنطين بن هِرَقْل. وبلغ عبد اللَّه بنَ سعد بن أبي سَرْحٍ، فسار إليهم في مراكبَ كثيرةٍ، وجمعٍ عظيمٍ، وتَوافَوْا على جزيرةٍ في البحرِ، واجتمعت السُّفنُ، وقامت الصواري، فسُمِّيت غزاة ذات الصَّواري، وقيل: اسمُ ذلك المكان: ذاتُ الصَّواري. وأرسل المسلمونَ إليهم: إن شئتُم اللقاءَ على الجزيرةِ، أو في البحرِ، فقالوا: في البَحْرِ، فربطوا السُّفُنَ بعضها إلى بعضٍ، وبات المسلمون يَقرؤن القُرآن ويُصَلّون ويَدْعون، وبات الروُّمُ يَضربون بالنَواقيسِ، وَيشربون الخمورَ، فلما طلع الصباحُ التَقَوْا، فاقتتلوا قِتالًا لم يُرَ مثلُه في الإسلامِ، حتى صار البحرُ دَمًا عبيطًا، لا يظهر فيه لونُ الماء، وبقيت الدِّماءُ تَضربُها الأمواج إلى السواحلِ، وصارت أجسادُ الرجال على السواحل أمثالَ الجبالِ، وتقاتلوا بالخناجرِ والسيوفِ، وقُتِلَ من الفريقين مَقتَلَةٌ لا يُقتل مثلها، بحيث إنَّ دوابَّ البحرِ شَبعت من لحومهم. ثم إنَّ اللَّه بعث على مراكب الرومِ ريحًا فنكس مُعظمها، وانهزم القومُ،

стр. 2466

وهرب ابنُ هرقل بعدما جُرِحَ جِراحاتٍ كثيرةً، وغنمهم المسلمون، ومات ابنُ هرقل في طريقهِ، وأقام ابن سعدٍ أيامًا، ثمَّ قَفَلَ راجعًا إلى مصر منصورًا بعد كَسْرِه الرُّومَ. فصل: وفيها تكلَّم الناسُ في عثمان ظاهرًا، وقالوا: خالف سيرةَ الشَّيخَيْنِ، حتى قال محمد بنُ أبي حُذيفة: لو كُنّا جاهدنا في عثمان كان أولى من جهادِنا في غَزاةِ ذات الصَّواري، فأفسد قلوبَ الناس على عثمان، وتكلّم معه محمد بن أبي بكر، وبالغ وقال: قد خالف سيرةَ الشيخَيْن، أو السنَّةَ وسيرةَ الخليفتين، وولَّى عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرحٍ على المسلمين، وقد أباح رسول اللَّه ﷺ دَمَه، وعزل عُمّالَ رسولِ اللَّه ﷺ ، ومَن أوصى به عمر ﵁، وولّى الوليد بن عُقبةَ الفاسقَ، وعبد اللَّه بن عامرٍ، وبني أُميَّة. وبلغ ذلك عبد اللَّه بنَ سعدٍ وهم بغزاةِ ذات الصواري، فقال لهما: لا تركبا معنا في هذه الغَزاةِ، فركبا مركبًا ناحيةً، واعتزلا ولم يُقاتِلا، وقالا: لا يحلُّ لنا القِتالُ مع نائبِ عثمان، فأفسدا قُلوبَ الناسِ، فبعث إليهما عبد اللَّه بن سعدٍ يقول: لو علمتُ أن فعلي يُوافقُ أمير المؤمنين لحبَسْتُكما وعاقبتُكما، وأقاما بمصر على حالهما. فصل: وفيها هلك يَزْدَجِرد، وسنذكره في آخر السنة. وفيها سار عبد اللَّه بن عامر في جُيوشِ البصرة إلى خُراسان، ففتح أبْرَشَهر وطُوس ونَسا، وبلغ سَرْخَس ومَرو، وصالح أهلها على ألفَيْ ألف ومئتي ألف دينار، كذا ذكر جدي في "المنتظم" (١)، وهذا مالٌ عظيم. والذي رواه هشام: على مئتي ألف دينار. وسار سعيد بن العاص إلى نيسابور فافتتحها، وكان كنار صاحب نيسابور كتب إلى سعيد بن العاص وهو والي الكوفة، وإلى عبد اللَّه بن عامر وهو والي البصرة في خلافة عثمان رضوان اللَّه عليه، يَدعوهما إلى خُراسان، ويُخبوهما أن أهل مرو قتلوا يَزْدَجِرد، فانتدب عبد اللَّه بن عامر وسعيد بن العاص أيهما يسبق إليها، وفي جُند سعيد بن العاص الحسن بن علي رضوان اللَّه علمهما وعبد اللَّه بن الزبير ﵄. وكتب عثمان رضوان اللَّه عليه إلى عبد اللَّه وسعيد: أيّكما سبق إلى خُراسان فهو أميرٌ عليها، فقَدِم ابنُ عامر نَيسابور، وجاء سعيد حتى بلغ الرّيّ، وكانت فتوح خراسان

стр. 2467

على يَدَيْ عبد اللَّه بن عامر، فقال له الناس: ما فتح اللَّه تعالى لأحدٍ بمثل ما فتح عليك: فارس وكرمان إلى سجستان (١) وعامة خراسان، فقال: لا جَرَم، لأجعَلَنّ شُكري للَّه تعالى أن أخرجَ من مَوضعي هذا مُحرِمًا، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عُثمان رضوان اللَّه عليه لامَه على ما صَنَع، وقال: ليتك تَضبط من الوقت الذي يُحرم فيه الناس. وكنار المذكور كان ملِك تلك الدّيار في زمن كسرى، وكان مجوسيًا يَعبد النار، وكأنه أحسَّ بانقراص دولة الفُرس وغَلَبةِ المسلمين، فلما غَلبوا تَقَبَّل أهلُ البلدة منهم. فصل: وحجَّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضوان اللَّه عليه (٢). فصل وفيها توفي أبو الدرداء واسمه عُوَيمر بن زيد بن قيس بن عائِشة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج، وقيل غير ذلك، وأمه محبَّة بنت واقد بن عمرو بن الإطْنابة، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، وكان آخِرَ أهل داره إسلامًا، وكان عبد اللَّه بن رواحة أخًا له في الجاهلية، وكان يدعوه إلى الإسلام وهو يأبى عليه، فرَصَده يومًا، فخرج من بيته، فجاء ابن رواحة، فدخل بيتَه وامرأتُه جالسة تَمشُط رأسها، فقال: أين أخي؟ قالت: قد خرج، فدخل بيت الصَّنَم ومعه قَدُوم، فكسره أفلاذًا وقال: [من الطويل] تَبَرَّأْتُ من أسما الشَّياطين كلِّها … ألا كلُّ ما يُدعى مع اللَّه باطلُ فلما سمعت المرأةُ صوتَه قالت: ما فعلتَ يا ابن رواحة؟! أهلكْتَني. وجاء أبو الدرداء فرأى الصنمَ أفلاذًا، فقال: مَن فعل هذا؟ قالت امرأتُه وهي تبكي

стр. 2468

خوفًا منه: أخوك ابنُ رواحة، فغضب غضبًا شديدًا، فقالت له أمُّ الدرداء: لو كانت له قُدرةٌ لمنع، فقام أبو الدرداء، فاغتسل ولَبس حُلَّةَّ، وأتى رسول اللَّه ﷺ وابنُ رواحةَ عنده، فلما نظر إليه ابنُ رواحة مُقبلًا قال: يا رسول اللَّه، هذا أبو الدرداء جاء في طَلبي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جاء ليسلم، أخبرني ربي بذلك" وأسلم. وفي شهوده بدرًا وأُحدًا خِلافٌ، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين عوف بن مالك الأشجعي، وقيل بينه وبين سلمان الفارسي. وكان من عِلية الصحابة ﵃، وأهل البَيِّنةِ فيهم، وقد حدَّث عن رسول اللَّه ﷺ أحاديثَ كثيرة، وشهد معه مشاهدَ كثيرة. وكان زاهدًا عالمًا واعظًا فاضلًا قانِعًا، ولاه عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه قضاءَ دمشق، فأصبح الناس يُهنِّئونه فقال: أتُهَنِّئوني بالقضاء وقد جُعلتُ على رأس مَهْواةٍ مَزَلَّتُها أبعدُ من عَدَن أَبْيَنَ، ولو علم الناسُ ما في القضاء لأخذوه بالدُّوَل، رغبةً عنه وكراهيةً له، ولو يَعلم الناسُ ما في الأذان لأخذوه بالدّوَل، رغبةً فيه وحِرصًا عليه. شَهد اليرموك، وكان قاضي أهلِه، وكان عمر رضوان اللَّه عليه نقله إلى قضاء حمص، ثم أعاده إلى دمشق. وكانت له دارٌ بدمشق تُعرف بدار البريد، وتُعرف اليوم بدار الغَزّي، فقالت أم الدرداء: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مئة خليلٍ في اللَّه، يدعو لهم في الصلاة، فقلتُ له في ذلك فقال: يا أمّ الدرداء، إنه ليس رجلٌ يَدعو لأخيه في ظَهر الغيب إلا وَكّل اللَّه به مَلَكين يقولان: ولك بمثل ذلك، أفلا أرغَبُ أن تَدعوَ لي الملائكة. وقال: تَفكُّرُ ساعة خيرٌ من قيام ليلة. وكان أفضلُ عمله التّفكُّر والاعتبار. وكان يشتري العصافير من الصِّبيان فيُرسِلُهُنّ ويقول: اذهبْنَ فعِشنَ. وقال: مَن يَزدَدْ عِلمًا يزدد وَجَعًا. وقال: إن أخوفَ ما أخافُ أن يُقال لي يوم القيامة: علمتَ؟ فأقول: نعم، فيقال: فما عملتَ فيما عَلِمتَه؟

стр. 2469

قالت أمُّ الدَّرداء: قلتُ لأبي الدرداء: ألستُ زوجتَك في الجنة؟ قال: نعم ما لم تتزوَّجي بعدي. وقيل له: كم تُسبَّح كل يوم؟ قال: مئة ألف، إلا أن تُخطئ الأصابعُ. وقالت أتمُّ الدَّرداء: قلتُ لأبي الدرداء: إن احتجتُ بعدك أكلَ الصَّدقةِ آكُلُها؟ قال: لا، اعملي وكُلي، قلتُ: فإن ضَعُفتُ عن العمل؟ قال: التقطي السُّنبُلَ، ولا تأكلي الصَّدقة. وقال: أُحبُّ الفقراء تواضُعًا، وأحبُّ الموتَ اشتياقًا إلى ربّي، وأحبُّ المرضَ تكفيرًا لخطيئتي. وكان يقول: لولا ثلاث لم أبال متى متُّ، لولا أن أظمأَ بالهَواجر، ولولا أن أُعفِّرَ وَجهي بالتُّراب، ولولا أن آمُرَ بمعروف أو أنهى عن مُنكر. وقال: كنتُ تاجرًا قبل أن يُبعثَ محمد ﷺ ، فلما بُعث زاولتُ التجارةَ والعبادةَ فلم يجتمعا، فأخذتُ العبادة، وتركتُ التّجارة. وقالت أمُّ الدرداء: قدم علينا سلمان الفارسي، فقال: أين أخي؟ قلتُ: هو في المسجد، قال: كيف أخي؟ قلتُ: يَصوم النهار، ويَقوم الليل، وما يريد النساء، فأتاه في المسجد، فلما رآه أبو الدرداء قام إليه فالتزمه. ومرض أبو الدرداء، ففَزع إلى نفقةٍ كانت عنده، فوجدها خمسةَ عشرَ درهمًا، فقال: ما كانت هذه مُبقيةً مني شيئًا، إن كانت لَمُحْرِقَة ما بين عانَتي إلى ذَقَني. وكان يقول: أعوذُ باللَّه من علمٍ لا ينفع، ونفسٍ لا تَشبع، ودُعاءٍ لا يُسمَع. قالت أم الدرداء: دخل علينا أبو الدرداء يومًا مُغضَبًا، فقلت: مالك؟ فقال: واللَّه ما أعرفُ فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يُصلُّون الخَمْس. وقال أبو الدرداء: مُعاتَبةُ الأخِ خيرٌ من فَقْدِه، ومَن لك بأخيك كُلَّه، أعطِ أخاك، ولِنْ له، ولا تُطعْ فيه حاسدًا فتكون مثله، غدًا يأتيه الموت فيكفيك موتُه، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة قد تركتَ وَصْلَه. وقال: إن ناقدتَ الناسَ ناقدوك، وإن تركتَهم لم يَتركوك، وإن هربتَ منهم

стр. 2470

أدركوك، هَبْ عِرضَك ليوم فَقرِك. وقال: ما تَجرَّع مؤمنٌ جَرعةً قط أحبّ إلى اللَّه من غَيظٍ كَظَمه، فاعفوا يُعزّكم اللَّه. وقال: إياكم ودَمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تَسري بالليل والناسُ نيام. وخطب يزيد بنُ معاوية إلى أبي الدرداء ابنتَه فردَّه، وخطبها رجلٌ من الفُقراء فزوَّجه إياها، فقيل له في ذلك فقال: ما ظنكم بالدَّرداء إذا قام على رأسها الخِصيان، ونظرت في بيوت يَلتمع فيها بَصرُها، أين دِينها منها يومئذٍ. وقال: لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت ما أكلتُم طعامًا على شَهوة، ولا شربتُم شرابًا على شهوة، ولا دخلتُم بيتًا تستَظلُّون فيه، ولخرجتُم إلى الصُّعُدات تَضربون صُدورَكم، وتَبكون على أنفُسكم، لَوَدِدتُ واللَّه أني شجرةٌ تُعضَدُ ثم تُؤكَل. وقال: ذُروة الإيمان الصبرُ للحكم، والرِّضى بالقَدَر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للربّ . وقال: تَبنون مشيدًا، وتأملون بعيدًا، وتموتون قريبًا. وقيل له: مالك لا تَشعُر، فإنه ليس رجلٌ له بيتٌ في الأنصار إلا وقد قال شِعرًا، فقال: وأنا قد قلتُ فاسمعوه: [من الوافر] يُريد المرءُ أن يُعطى مُناه … ويَأبى اللَّه إلا ما أرادا يقولُ المرءُ فائدتي ومالي … وتَقوى اللَّه أفضلُ ما استَفادا قال محمد بن كعب: إن ناسًا نزلوا على أبي الدرداء في ليلةٍ قَرَّة، فأرسل إليهم بطعام سُخن، ولم يُرسل إليهم بلُحُف، فأنكروا ذلك، فجاء واحد منهم فقام على الباب، فرآه جالسًا وليس على امرأته من الثياب إلا ما يُذكر، فقال له: ما أراك إلا بتَّ بنحو ما بِتنا به! فقال: إن لنا دارًا نَنتَقِلُ إليها قَدَّمنا لُحفنا وفُرشنا إليها، وإن بين أيدينا عَقَبةً كَؤودًا، المُخِفُّ فيها خيرٌ من المثْقِل، أفهمت ما قلت لك؟ قال: نعم. وقال: نعمَ صومعةُ المرءِ المسلم بيتُه، يكفُّ لسانَه وفَرجَه وبَصرَه، وإياكم ومجالسَ الأسواق، فإنها تُلهي وتُلغي. وقال: إياكم ودَعوةَ المظلوم، فإنها تَسري بالليل والناسُ نيام.

стр. 2471

وقال: أدركتُ الناس وَرَقًا لا شوكَ فيه، فقد أصبحوا شوكًا لا وَرقَ فيه. وقال: ما من أحدٍ إلا وفي عقله نَقْصٌ؛ لأنه متى جاءتْه الدنيا ظلَّ فرحًا بها، والليل والنهار دائبان في هَدْم عُمره، ولا يُحْزِنُه ذلك، وما نَفْعُه بعُمرٍ يَنقص، ومالٍ يزيد. ذكر وفاته: قال معاوية بن قُرَّة: إن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابُه فقالوا: ما تَشتكي؟ قال: ذُنوبي، قالوا: ما تَشتهي؟ قال: الجنة، قالوا: أفلا نَدعو لك طبيبًا؟ فقال: هو الذي أَضجَعَني. وقالت أمُّ الدرداء: اللهمَّ إن أبا الدرداء خَطبني فتزوَّجني في الدنيا، اللهمَّ فأنا أَخطبُه إليك، فأسألك أن تُزوَّجنيه في الجنة، فقال لها أبو الدرداء: إن أردتِ ذلك وكنتُ أنا الأوَّلَ، فلا تَزوَّجي بعدي، فمات أبو الدرداء، وكان لها جَمالٌ وحُسنٌ، فخطبها معاوية، فقالت: لا واللَّه، لا أتزوَّجُ زوجًا في الدنيا حتى أتزوّجَ أبا الدرداء إن شاء اللَّه تعالى في الجنة. وقالت أم الدرداء: إن أبا الدرداء لما احتُضر جعل يقول: مَن يَعمل لمثل يومي هذا؟ مَن يعمل لمثل ساعتي هذه؟ مَن يَعمل لمثل مَضجَعي هذا؟ ثم يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ثم قُبض ﵀ ورضي عنه. وتوفي بدمشق في خلافة عثمان رضوان اللَّه عليه، وله عَقِبٌ بالشام، وقَبرُه بالباب الصغير، في الحومة التي فيها قبورُ الصحابة ﵃. قال عَوف بن مالك الأشجعي: رأيتُ في المنام كأني أَتيتُ مَرْجًا أخضر، فيه قُبَّةٌ من أَدَم، حولها غَنمٌ رُبوض، تَجترُّ وتَبعَرُ العَجوة، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: لعبد الرحمن بن عوف، فانتظرتُه حتى خرج من القُبَّة، فقال: يا ابن مالك، هذا ما أعطانا اللَّه تعالى بالقرآن، ولو أشرفتَ على ما في هذه الثنيَّة لرأيتَ ما لم تر عينُك، ولسمعتَ ما لم تَسمع أُذنُك، ولم يَخطر على قلبك، أعدّه اللَّه لأبي الدرداء؛ لأنه كان يدفع الدنيا بالرَّاحَتَين والنَّحر. وكان لأبي الدرداء من الولد: بلال، وأمُّه أم محمد بنت أبي حَدْرَد الأسلمي،

стр. 2472

ويزيد لا عَقِبَ له، والدرداء وبها كان يُكنى، ونَسيبة، وأمهم محبَّة بنت الربيع بن عمرو، أختُ سعد بن الربيع. فأما الدرداء فتزوَّجها عبد اللَّه بن سعد بن خَيثمة من الأوس، فولدت له. وأما نَسيبة فتزوجها سعيد بن سَعد بن عُبادة بن دُلَيم، فولدت له، ولهم بقيَّةٌ بالشام. وكان له زوجتان، وكلاهما يُقال لها أم الدرداء، أدركتْ إحداهما رسول اللَّه ﷺ ، واسمها خيرة بنتُ أبي حَدْرَد الأسلمي، لها صُحبة ورواية. والثانية تزوّجها بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وهي التي تَروي عنه، واسمها هُجَيمة بنت حيي، وهي التي خطبها معاوية بعد موت أبي الدرداء، فأبت أن تتزوَّجَه. أسند أبو الدرداء عن رسول اللَّه ﷺ مئةً وتسعةً وتسعين حديثًا، وروى عنه جماعةٌ من الصحابة ﵃ أجمعين (١). نُعيم بن مسعود ابن عامر الأشجعي، وكُنيته أبو سلمة، وهو الذي خَذّل الأحزاب حتى تَفرَّقوا في غزاة الخندق، وهاجر إلى المدينة بعد غزاة الأحزاب، وحَسُنَ إسلامُه، وبعثه رسول اللَّه ﷺ إلى قومه يستَنْفِرهم لما خرج إلى تبوك، وله صُحبة ورواية (٢). يَزدَجرد بن شَهريار ابن أبرويز ملك فارس، وسببُ هلاكه أنه هرب من كرمان إلى مرو في جماعةٍ من أصحابه، فسأل مَرزُبانَها مالًا فمنعه، وأرسل المرزبان إلى الترك يَستنصرهم عليه فأَبَوا، فبَيَّتوه ليلًا، وقتلوا أصحابَه، وهرب وَحده، فأتى منزلَ رجل يَنقُر الأَرْحاء على شطِّ المَرْغاب ليلًا، فأوى إليه، فقتله وأخذ ما عليه من الجواهر والسلاح، وألقى جسدَه في المرغاب.

стр. 2473

وأصبح أهل مَرو، فقَصُّوا أثره، حتى خَفي عليهم عند منزل النقَّار، فقرَّروه فأقرَّ بقتله، فقالوا: هات ما كان عليه، فاخرجه لهم، فأخذوه، وقتلوا النَّقَّارَ وأهلَ بيته، وأخذوا متاعهم، ومَضَوا إلى المرغاب، فأخرجوا جسده، وجعلوه في تابوت، وحملوه إلى إصطَخر فدفنوه بها. وكان مُلكه عشرين سنة، منها أربع سنين في دَعَة، وستة عشر في الحروب والهرب من مكان إلى مكان، وانتهى بموته مُلك الأكاسرة، واستقام بعده الملك للعرب. * * *

стр. 2474

السنة الثانية والثلاثون فيها غزا معاوية من مضيق القسطنطينية في عشرة آلاف من المسلمين، ومعه جماعةٌ من الصحابة ﵃، فوصل الخليج، ومعه زوجتُه فاختة بنت قرظة، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وتَحضَن الروُم منهم بالحصون، وعاد إلى دمشق. وفيها غزا عبد الرحمن بن ربيعة بَلَنْجَر، وكان نازلًا قريبًا من باب الأبواب، وطلب من سعيد بن العاص المدد، فأمدّه بحَبيب بن مسلمة الفِهري، وأبطأ على عبد الرحمن ابن ربيعة المدد، فسار نحو بَلَنْجَر، فحصرها، ونصب عليها المناجيق، وبلغ التُّرك فقصدوه، وقتلوه ومعظمَ أصحابِه، فيقال: إن القوم أخذوا جسد عبد الرحمن فجعلوه في سَفَط من رُخام، وحملوه معهم، فكانوا يستسقون به. وفيها سار عبد اللَّه بن عامر من البصرة إلى المشرق، فافتتح بلادًا كثيرة: الطَّالَقان وجُوزَجان وبَلْخ وطَخارِسْتان، وكان على مقدّمته الأحنفُ بنُ قيس، وقيل: إنما جَهَّز ابنُ عامر الأحنف، وأقام هو بالبصرة يُمدُّه بالمال والرجال، فنازل الأحنف مَرْورُوذ وضايقها، وإذا بفارس قد برز، فوقف بين الضَفَّين -وبيده كتاب- وقال: أنا رسول، فجاؤوا به إلى الأحنف، فأخذ الكتاب فقرأه، وإذا فيه: من باذان مَرزبان مَرْو إلى أمير المؤمنين: إنّا نحمد اللَّه الذي بيده تغييرُ الدُّوَل، يَرفع مَن يشاء بعد الذُّل، وَيضع مَن يشاء بعد العزّ، إن الذي دعاني إلى مُوادَعَتك ما كان من إسلام جَدّي الهرمزان، وما كان من رأي صاحبكم فيه وإكرامه إياه، وقد دعوتكم إلى الصُّلح، وأن أُؤدّي إليكم في كل سنة ستين ألفَ ألفِ درهم خراجًا (١)، وتُقرُّوا بيدي ما كان مَلك الملوك كِسرى أقصعه جدّي الهرمزان. فأجابه الأحنف إلى ذلك، وسار إلى بَلْخ، فصالحوه على أربع مئة ألف درهم، ثم عبر النهر، ووصل إلى خُوارِزْم، وهجم الشتاء، فقال لأصحابه: ما تَرون؟ فقال بعضُهم: قال عُمرو بن مَعدي كرِب: [من الوافر]

стр. 2475

إذا لم تَستَطعْ أمرًا فدَعْه … وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ (١) فعاد إلى البصرة بالأموال والغنائم. وحجَّ بالناس عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه. فصل وفيها توفي أبو ذرّ الغِفاري ﵃ - (٢) واسمُه جُندُب بن جُنادة بن كعب بن صُعَير بن الوَقْعَة بن حَرَام بن سفيان بن عُبيد بن حرَام بن غِفار بن مُلَيل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكان آدَم طُوالًا، أبيضَ الرأس واللّحية، لا يُغيِّر شيبَه، وكان شُجاعًا فاتكًا، يقطع الطريق وحده، ويُغير على الصّرم كأنه أسد، ثم قذف اللَّه الإسلام في قلبه، فقدم مكة، وسمع من رسول اللَّه ﷺ ، وكان يتعبّد قبل مبعث رسول اللَّه ﷺ وإسلامه قديمًا بمكة، قال: كنتُ في الإسلام رابعًا أو خامسًا، ورجع إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، وقدم المدينة بعد ذلك. ذكر إسلامه: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، واعلم لي علمَ هذا الرجل الذي يَزعم أنه نبيٌّ يأتيه الخبرُ من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلقَ حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال: رأيتُه يَأمرُ بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو الشعر، فقال: ما شَفَيتَني مما أردتُ، فتزوّد، وحمل معه شنَّة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ولا يَعرِفُه، وكره أن يَسأل عنه، حتى أدركه الليل، فاضطجع، فرآه علي رضوان اللَّه عليه، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يَسأل واحدٌ منهما صاحبهَ عن شيء حتى أصبح. ثم احتمل قِربتَه وزادَه إلى المسجد، فظلَّ ذلك اليوم ولا يرى رسول اللَّه ﷺ ، حتى أمسى، فعاد إلى مَضجعه، فمرَّ به عليٌّ رضوان اللَّه عليه، فقال: ما أنى للرجل أن يَعلم

стр. 2476

منزلَه؟ فأقامه علي رضوان الله عليه، فذهب معه ولا يسأل واحدٌ منهما صاحبَه عن شيء. حتَّى إذا كان اليوم الثالث أقامه علي رضوان الله عليه معه، ثم قال له: ألا تُحدِّثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتَني عهدًا وميثاقًا لَتُرشِدَني، فأعطاه العهد والميثاق، فأخبره، وقال: إنه رسول الله حقًّا، فإذا أصبحتَ فاتْبَعني، فإن رأيتُ شيئًا أخافُه عليك قُمتُ مكاني [كأني] أُهريق الماء، فإن مضيتُ فاتبعني حتَّى تدخل مَنزلي، ففعل، فانطلق يَقفوه حتَّى دخل على النَّبيِّ ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانَه، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتَّى يأتيك أمري"، فقال: والذي نفسي بيده لأَصرخنَّ بها بين ظَهرانيهم. فخرج حتَّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله، فثار القوم، فضربوه حتَّى أضجعوه، فأتى العباسُ فأكبَّ عليه وقال: ويلكم، ألستُم تعلمون أنَّه من غِفار، وأن طريقَ تجارتكم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه فأنقذه العباسُ منهم. قال خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة: كان أبو ذر رجلًا يُصيب الطَّريق، وكان شجاعًا يتفرَّد وَحدَه، يَقطع الطَّريق، ويغير على الصِّرم في عَمايَة الصُّبح على ظهر فرسه أو على قَدميه، كأنه أسد، وَيطرق الحيَّ، وَيأخذ ما أخذ، ثم إن الله قَذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبي ﷺ وهو يومئذٍ بمكة يَدعو مُختفيًا، فأقبل يَسأل عنه، حتَّى أتاه في منزله، وكان قبلَ ذلك قد طلب مَن يُوصله إليه فلم يجد، فانتهى إلى الباب، فاستأذن ودخل، وعنده أبو بكر رضوان الله عليه، وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومَين، وهو يقول: يا رسول الله، والله لا نَستَسرّ بالإسلام وَلنظْهِرَنّه، ورسول الله ﷺ لا يَردُّ عليه شيئًا. قال أبو ذر: فقلتُ: يا محمد، إلام تَدعو؟ فقال: إلى الله وحده لا شَريك له، وخَلعِ الأوثان، وتَشهدُ أني رسول الله، فقلت: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم قال أبو ذر: يا رسول الله، إنِّي مُنصرفٌ إلى أهلي وناظرٌ متى تَأمر بالقتال فألحق بك، فإني أرى قومَك عليك جميعًا، قال: أصبتَ فانصرف.

стр. 2477

فكان بأسفلِ ثنيَّةِ غزال يَتَعرض لعِيرات قريش، فيقطعها ويقول: لا أردُّ إليكم شيئًا حتَّى تشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن فعلوا ردَّ عليهم ما أخذَ منهم، وإن أَبَوْا لم يَردَّ عليهم شيئًا، فكان على ذلك حتَّى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضت بدرٌ وأحد، ثم قدم فأقام بالمدينة مع النَّبيِّ ﷺ . ذكر بعض مَناقب أبي ذر وأخباره ﵁ -: قال رسول الله ﷺ : "ما أقَلَّت الغَبْراء، ولا أظَلَّت الخَضْراء على رَجل أَصدَقَ من أبي ذر". وقال ﷺ : "مَن سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى تَواضُع عيسى بن مريم، فليَنْظُر إلى أبي ذَرّ" (١). وقال رسول الله ﷺ : "أيُّكم يَلقاني على الحال التي أُفارقُه عليها؟ "، فقال أبو ذر: أنا، فقال له رسول الله ﷺ : "صَدقتَ". قال عِراك بن مالك: قال أبو ذرّ: إنِّي لأقربُكم مَجلسًا من رسول الله ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعتُه يقول: "أقربُكم مني مَجلسًا يوم القيامة مَن خَرج من الدُّنيا كهَيئةِ ما تركتُه فيها"، وإنه والله ما منكم من أحدٍ إلا وقد تَشبَّثَ منها بشيءٍ غيري (٢). وآخى رسول الله ﷺ بين أبي ذرّ وبين المنذر بن عمرو، أحد بني ساعدة. وقال أبو ذرّ: أوصاني خليلي بسبع: "أمرني أن أُحبَّ المساكين، والدّنوّ (٣) منهم، وأمرني أن أنظرَ إلى مَن هو دوني ولا انظر إلى مَن هو فَوقي، وأمرني أن لا أسألَ أحدًا شيئًا، وأمرني أن أَصِلَ الرَّحم وإن أَدبرتْ، وأمرني أن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وأمرني أن لا أخافَ في الله لَومةَ لائم، وأمرني أن أكْثِرَ من: لا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيم، فإنهن من كنزٍ تحت العرش". ولما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر، فجعل يَلزمُه ويقول: مَرحَبًا بأخي، وأبو ذر يَدفعُه ويقول إليك عنّي، لستُ بأخيك، إنَّما كنتُ أخاك قبل أن تُستَعْمَل.

стр. 2478

ثم لقي أبا هريرة، فالتزمه وقال: مرحبًا بأخي، فقال له أبو ذر: هل كنتَ عملتَ لهؤلاء؟ قال: نعم، قال: هل تطاولتَ في البناء أو اتَّخذت زرعًا وماشية؟ قال: لا، قال: فأنت أخي، أنت أخي (١). وقال أبو ذر: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، إنِّي أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تَأمَّرَن على اثنين، ولا تَوَلَّيَنّ على مال يتيم" (٢). وقال عليٌّ رضوان الله عليه: لم يبق اليوم أحدٌ لا يُبالي في الله لومةَ لائم غير أبي ذر ولا نَفسي، ثم ضرب بيده على صَدره (٣). وقال سفيان الثوري: قام أبو ذر عند الكعبة فقال: أيها الناس، أنا جُندب الغِفاري، هلمّوا إلى الأخ النّاصح الشَّفيق، فاكتَنَفه الناس فقال: أرأيتم لو أن أحدَكم أراد سفرًا، أليس يَتَّخذُ من الزَّاد ما يُصلحُه ويُبَلِّغُه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعدُ ما تُريدون، فخذوا ما يُصلحكم، قالوا: وما يُصلحنا؟ قال: صوموا يومًا شديدَ الحرّ لحرِّ يوم النُّشور، وصَلُّوا ركعتين في ظلام الليل لوَحْشَةِ القبور، وحُجُّوا حجَّةً لعَظائم الأمور. كلمةُ خيرٍ تَقولُها، أو كلمةُ شرٍّ تَسكُتُ عنها، ذخيرةٌ لوقوف يومٍ عظيمٍ، اجعل الدُّنيا مَجلسَين: مجلسًا في طَلب الحلال، ومَجلسًا في طلب الآخرة، والثالث يَضرُّك ولا يَنفَعُك، اجعل الدُّنيا درْهَمَين: درهم تُنفقُه على عيالك، ودِرهم تُقدِّمُه لآخرتك، الثالث يَضرُّك ولا يَنفعُك ولا تُرِدْه، ثم نادى بأعلى صوته: يا أيّها الناس، قد قَتلكم حِرصٌ لا تُدركونه أبدًا (٤). قال عبد الله بنُ خِراش الكعبي: وجدتُ أبا ذرّ في مظلَّةِ شعر بالرَّبَذة، تحته امرأةٌ سَحْماء، فقلت له في ذلك فقال: أتزوَّجُ مَن تَضَعُني أحبّ إليَّ ممن تَرفَعُني، مازال بي

стр. 2479

الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر حتَّى ما ترك لي الحقُّ صديقًا (١). وبعث إليه حَبيب بن مَسلمة وهو أمير الشام بثلاث مئة دينار، وقال: استَعِن بها على حاجتك، فقال أبو ذرّ لرسوله: ارجع بها إليه، أما وَجَد أحدًا أغرَّ بالله منا، ما لنا إلَّا ظلٌّ نتوارى به، وثَلَّةٌ من غَنَم تَروح وتغدو علينا، ومولاة لنا تصدَّقتْ علينا بخِدمَتِها، ثم إنِّي لأَتَخَوَّفُ الفَضْلَ (٢). ودخل رجل على أبي ذر، فجعل يُقَلِّبُ بَصَرَه في بيته، فلم يَرَ فيه شيئًا، فقال: يا أبا ذرّ؛ أين مَتاعُكم؟ فقال: إن لنا بيتًا آخر، نُوجّه إليه صالِحَ متاعنا، قال: إنه لابُدَّ لك من متاع ما دُمتَ ها هنا، فقال: إن صاحبَ المنزل لا يَدَعُنا فيه. وكان يقول: الجليسُ الصّالح خيرٌ من الوَحدة، والوَحدة خيرٌ من جَليس السُّوء، ومُمْلي الخير خيرٌ من الصَّامت، والصَّامتُ خيرٌ من مُملي الشَرّ، والأمانةُ خيرٌ من الخيانة، والخائن خيرٌ من ظنِّ السُّوء (٣). قال أبو ذر ﵁: كنتُ أخْدُمُ رسول الله ﷺ ، ثم آتي المسجدَ إذا أنا فرغتُ من عَملي، فأَضْطَجع فيه، فأتاني رسول الله ﷺ يومًا وأنا مُضطجعٌ، فغَمَزني برِجله، فاستويتُ جالسًا، فقال لي: "يا أبا ذر، كيف تَصنع إذا أُخرجتَ منها؟ "، قلتُ: أنطلقُ إلى السَّعةِ والدَّعة، فأكون حَمامًا من حمام مكّة، قال: "فكيف تَصنعُ إذا أُخرجتَ من مكّة؟ "، قلت: "إلى، السَّعةِ والدَّعة، أنطلقُ إلى الأرض المقدَّسة والشام، قال: "فكيف تَصنَعُ إذا أُخرجتَ من الشام؟ "، قال: إذا أَضَع سيفي على عاتِقي، قال: "أَوَخيرٌ من ذلك؟ تسمعُ وتُطيعُ وإنْ كان عبدًا حَبَشيًّا" (٤). قالت أمُّ ذرّ: لما حضرت الوفاةُ أبا ذرّ بكيتُ، فقال: ما يُبكيكِ؟ قلتُ: وما لي لا أبكي وأنتَ تموتُ بفَلاةٍ من الأرض، ولا يَدان لي بتَغييبك، وليس معنا ما يَسعُك كَفَنًا، فقال: لا تبكي وأَبشِري، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لنفَرٍ أنا فيهم:

стр. 2480

"لَيَموتَنَّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ من الأرض، يَشهده عصابةٌ من المؤمنين"، وليس من أولئك النَّفَرِ أحدٌ إلَّا وقد مات في قريةٍ، أو في جماعة غيري، وأنا الذي أموتُ بالفَلاة، والله ما كَذبْتُ ولا كُذِبتُ، أبصري الطَّريق، فقلتُ: أنّى وقد ذهب الحاجُّ، وانقطعت الطُّرق؟ فقال: انظري. فكنتُ أشتدُّ إلى الكَثيب، فأقومُ عليه وأعود، وإذا برجال على رَواحلهم، كأنهم الرَّخَمُ، فألحتُ بثوبي، فأسرعوا، ووَضعوا السِّياطَ في نُحورها يَستَبقون إليّ، فقالوا: يا أمةَ الله مالك؟ قلتُ: امرؤٌ من المسلمين يَموتُ، تَحضرونه فتُكفِّنونه، قالوا: ومَن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحبُ رسول الله ﷺ ؟ قلتُ: نعم، ففَدَوْه بآبائهم وأمّهاتهم، فأسرعوا إليه، فدخلوا وسَلَّموا عليه، فرحَّب بهم وقال: أبشروا، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لنَفَرٍ أنا فيهم: "لَيَموتَنَّ رجل منكم بفَلاةٍ من الأرض … " وذكر الحديث، وقال: وما بقي من القوم غيري، وأنتم عِصابة من المؤمنين، وليس لي كفنٌ إلَّا ثوبٌ هو لي ولأمِّ ذر. وإني أَنشدكم الله، لا يُكفنّي منكم رجلٌ كان أميرًا ولا عَريفًا، ولا بَريدًا أو نَقيبًا، وقالت: وليس في القوم إلّا من قارَفَ من ذلك شيئًا، إلَّا فتىً من الأنصار، قال: أنا أكَفِّنُك في رداءٍ من غَزلِ أمي، قال: فأنت تُكفّني، فكَفَّنَه الأنصاري، ودَفَنه في النَّفر الذين كانوا معه، وكان الرَّهطُ منهم: مالك بن الحارث الأشتر، وحُجْر بن عَديّ، وجرير بن عبد الله البَجلي، والأسود بن قيس النَّخعي وغيرهم. وقال جرير: هذه غنيمة نادرةٌ ساقها الله إلينا، فتولّى أمرَه (١). وروى محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نَفى عثمان رضوان الله عليه أبا ذر إلى الرَّبَذة، لم يكن معه إلَّا امرأتُه وغلامُه، فأوصاهما: إذا متُّ فغَسلاني وكفّناني، وضعاني على قارعة الطَّريق، فأوّلُ رَكْبٍ يَمرُّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحبُ رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلًا ذلك به، ووضعوه على قارعةِ الطَّريق، وأقبل عبد الله بنُ مسعود في رهط من أهل العراق عُمَّارًا، فلم يَرُعْهم

стр. 2481

إلَّا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل أن تَطأَها، فقام إليهم الغلام وقال: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دَفْنه، فاستهلَّ عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ : "تمشي وَحدَك، وتموتُ وحدَك، وتُبعَثُ وحدك"، ثم نزل هو وأصحابُه فوَارَوْه، ثم حَدَّثهم ابنُ مسعود حديثه، وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك، ثم قدم عبد الله بن مسعود ﵁ المدينة، فمات بعد عشرة أيَّام (١). وأسند أبو ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ مئتي حديث وأَحَدًا وثمانين حديثًا، وشهد فتح بيت المقدس والجابية مع عمر رضوان الله عليه، وليس له عَقِب، ويقال: كانت له ابنةٌ. وحكى ابن سعد قال: وتبعتْه جُوَيرية سوداء، قيل له: هذه ابنتُك؟ قال: تَزعمُ أمُّها ذلك (٢). وعبادة بن الصَّامت ابنُ أخي أبي ذر. الحارث بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه ظُرَيبة من بني دُهْمان من الأزد، من الطبقة الثَّانية من المهاجرين، كان رجلًا على عهد رسول الله ﷺ ، وأسلم عند إسلام أبيه نَوفل، وصحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه الحديث، واستعمله رسول الله ﷺ على بعض أعمال مكّة، ثم ولّاه أبو بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم مكّة، ثم انتقل إلى البصرة، واختطَّ بها دارًا، ونزلها في أيَّام عبد الله [بن عامر بن كريز]، ومات بالبصرة في خلافة عثمان رضوان الله عليه. وكان له من الولد عبد الله الملقَّب بَبَّة، وهو الذي اصطلح عليه أهلُ البصرة أيَّام ابن الزُّبير، وولد في زمن رسول الله ﷺ ، وحَنّكه ودعا له، ومحمد الأكبر، ورَبيعة وعبد الرحمن ورَمْلة وأمُّ الزُّبير وظُرَيبة، وأمّهم هند بنتُ أبي سفيان صخر بن حرب بن

стр. 2482

أميَّة بن عبد شمس، وعُتبة ومحمد الأصغر والحارث ورَيْطة وأمُّ الحارث، وأمهم أمُّ عمرو بنت المطَّلب بن أبي وَدَاعةَ السَّهمي، وسعيد لأمّ وَلَد. وأخرج له ابنُ سعد حديثًا رفعه إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه أن رسول الله ﷺ عَلَّمهم الصلاةَ على الميِّت فقال: "اللَّهمَّ اغفِرْ لحيِّنا ومَيِّتنا -أو لأحيائنا وأمواتنا- وأصلح ذاتَ بيننا، وألِّفْ بين قلوبنا، اللَّهمَّ عبدك فلان بن فلان، لا نعلم إلَّا خيرًا، وأنت أعلمُ، فأغفر لنا وله"، قال: فقلتُ وأنا أصغرُ القوم: يا رسول الله، فإن لم نعلم خيرًا؟ [فقال:] "فلا تقُلْ إلَّا ما تَعلم" (١). الحكم بن أبي العاص ابن أميّة بن عبد شمس، عمُّ عثمان رضوان الله عليه، وأمه رُقَيَّة بنت الحارث، مَخزوميّة، ويسمّى طَريَد رسول الله ﷺ ولَعينَه. أظهر الإسلام يوم الفتح خوفًا من القتل، ولم يَحسُن إسلامُه، ولما انتقل من مكّة إلى المدينة نزل على ابن أخيه عثمان رضوان الله عليه، فكان عينًا على رسول الله ﷺ ، يُطالع الإعراب والكفار بأخباره، فنفاه إلى الطائف. بينا رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم، مشى الحكمُ خَلفَه، فجعل يَخلج بأنفه وفيه، أي: يُحاكي رسول الله ﷺ ، ويتكفَّأُ ويَتمايل، فالتفت رسول الله ﷺ فرآه، فقال له: "كن كذلك"، فما زال عُمرَه على ذلك. وقد لَعنَه رسول الله ﷺ وما وَلَد، ولهذا قالت عائشةُ رضوان الله عليها لمروان: أشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صُلْبِه. وهجا عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت مروانَ بنَ الحكم فقال: [من الكامل] إن اللعينَ أباك فارْمِ عظامَه … إن تَرْمِ تَرْمِ مُخَلَّجًا مجنونا يُضْحي خميصَ البَطْنِ من عمل التُّقى … ويظلُّ من عَملِ الخبيث بَطينا (٢)

стр. 2483

وما زال مَطرودًا مَنْفيًّا بأرض الطائف حتَّى تُوفّي رسول الله ﷺ . فلما ولي أبو بكر رضوان الله عليه كلَّمه عثمان فيه فقال: عَمّي، فقال: عمك إلى النَّار، هيهات هيهات يا ابن أبي العاص أن أُغَيِّر شيئًا فعله رسول الله ﷺ ، لا رَدَدْتُه أبدًا، فلما توفّي أبو بكر رضوان الله عليه كَلَّم فيه عمر رضوان الله عليه، فأغلظ له وقال: وَيحك يا عثمان، تتكلَّمُ في لعين رسول الله ﷺ وطريدِه، وعدوِّ الله وعدوِّ رسوله. فلما مات عمر رضوان الله عليه وولي عثمان رضوان الله عليه كان أوَّل ما أحدث من الأحداث رَدّ الحكم إلى المدينة، فاشتد ذلك على المهاجرين والأنصار وأعيان الصحابة، وأنكروا عليه، وكان ذلك أوَّل ما أنكروا. وأقام من سنة أربع وعشرين إلى سنة اثنتين وثلاثين مُكَرَّمًا عند عثمان رضوان الله عليه؛ يُعطيه الأموال، ويُكرم بنيه، ويَرفعهم على رؤوس الصّحابة، فلما توفّي الحكم غَسّله وكَفَّنه وصَلّى عليه، ومشى في جنازته، وضرب عليه فُسطاطًا، ولم يَشْهده أحد من المهاجرين والأنصار، سوى عثمان رضوان الله عليه وبني أميَّة، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وأظهروا سبَّ عثمان رضوان الله عليه والوقيعةَ فيه، وناداه الأشتر النَّخعي وهو على المنبر: يا عثمان، تَذبَح حمامَ المدينة، وتُؤوي طَريدَ رسولِ الله ﷺ ولَعينَه، وتَضرب على قبره فُسطاطًا؟! ستَعلم. وكتبوا إلى الأطراف بإباحةِ دمه، فكان ذلك من أكبر الأسباب لقتل عثمان رضوان الله عليه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: كُنَّا جلوسًا عند النَّبيِّ ﷺ وقد ذهب عمرو بنُ العاص يَلبَسُ ثيابَه ليَلحقني، فقال رسول الله ﷺ : "يَدخُلُ عليكم الساعةَ رجلٌ لَعين"، فوالله ما زلتُ وَجِلًا، أَتَشَوَّفُ داخلًا وخارجًا حتَّى دخل فلان، يعني الحكم (١). وقال الشَّيخ موفق الدين رضوان الله عليه في "الأنساب": كان الحكم من مُسلمة الفتح، وقدم المدينة، فأخرجه رسول الله ﷺ إلى الطائف؛ لأنَّه كان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وكان يُؤذيه، ولعلّ النَّبيَّ ﷺ كان يَمقُته لما أطلعه الله عليه ممَّا يكون

стр. 2484

من ذُرِّيته، فقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتّخذوا دين الله دَخَلًا، وعَبيد الله خَوَلًا، وماله دُوَلًا" (١). وكان له من الولد عشرون ذكرًا وإحدى عشرة أنثى، وهم: عثمان الأكبر، والحارث، ومروان، وعبد الرحمن، وصالح، وأمّ البنين، وزينب الكبرى، وأمّهم آمنة بنت عَلقمة بن صَفوان، وقيل: أمُّهم صَفيّة بنت أبي طلحة، من بني عبد الدّار، وأمُّها مارية بنت مَوهَب الكِندي، وهي الزّرقاء التي كانوا يُعيَّرون بها. وعثمان الأصغر، وأبان، ويحيى، وحَبيب، وعَمرو، وأمُّ يَحْيَى، وزينب الصغرى، وأم شيبة، وأمُّ عثمان، وأمُّهم مَليكة بنت أَوفى، من بني ذُبيان. وعمرو، وأوس، والنعمان، وأمُّ أبان، وأمُّ عَمرو، وأُمامة، وأمُّهم أمُّ النعمان، من بني جُشَم. وعُبيد الله، وداود، والحارث الأصغر، والحكم، وعبد الله، وأمُّ الحكم، وأمُّهم [ابنة] مُنبِّه من بني عجلان. ويوسف وأمه أم هاشم بنت عُتبة، وقيل: بنت أبي هاشم بن عُتبة. وخالد وأم مُسلم لأم ولد. فأمَّا عثمان فيُسمّى الأزرق. وأمَّا الحارث بن الحكم فتزوج مفداة بنت الزّبرقان بن بدر، فولَدَت له، ومن ولده خالد بن عبد الملك بن الحارث، ولّاه هشام المدينة، وكان مَذْمومَ السيرة، يُلقَّب فَرقَدًا. وسعيد بن عبد العزيز بن الحارث، كان صهرَ مسلمة بن عبد الملك على ابنته، وولاه مَسلمة خُراسان في أيَّام يزيد بن عبد الملك، فلَقي التُّركَ من وراء النهر، فهزمهم ولم يَتبعهم خورًا منه وجُبنًا، ثم التقاهم ثانيًا، فقتلوا مُعظَمَ أصحابه وهزموه، وهو الذي ولّى نصر بن سيار طَخارستان.

стр. 2485

وكان سعيد يُلقّب خُدَينة، وهي الدّهقانة بلسان فارس، وسببُه أنَّه دخل عليه دِهقانٌ من وراء نهر بلخ، فوجده قد رَجَّل شعرَه، ولبس ثوبًا مُعَصْفرًا، فقال: ما هذا إلَّا خُدَينة، شبّهه بالمرأة. وكان يقول: إنَّما سُمِّيتُ خُديْنة لأني لم أوافق على قتلِ اليَمانية فضَعَّفوني، وكلَّم رجلٌ من أسد خُدَينَة في شيءٍ فأغلظ له، فقال للرجل: يا مِلْط، فقال الرجل: [من الكامل] زعمتْ خُدَينةُ أنني مِلْطٌ … ولخدْنَة المِقراضُ والمِشطُ ومَكاحِلٌ ومَجامِرٌ ولها … من دَلِّها في خَدِّها نَقْطُ (١) ودخل الحارث بن الحكم على أبي هريرة فجلس معه على وسادته، ودخل رجل فجلس بين يدي أبي هريرة، وقال: على عليَّ الحارث، فقال له أبو هريرة: قُم يا حارث، فبكى الحارث، فقال له: قم يا حارث فاجلس مع خَصمِك؛ فإن رسول الله ﷺ أمر بمساواة الخَصمين بين يدي الحاكم، ومَضت السنةُ بذلك، فقام الحارث فجلس مع خصمه (٢). وأمَّا مروان بن الحكم فوُلد على عهد رسول الله ﷺ ، قال مالك بن أنس: وُلد يوم أُحد بالطائف، فلما تُوفِّي أبوه ضَمَّه عثمان رضوان الله عليه إليه، واستَكتَبه فاستولى عليه، وكان يُقال له: خيط باطل. ونظر إليه عليّ رضوان الله عليه يومًا فقال له: ويلك، وويلٌ لأمة محمد ﷺ منك ومن بَنيك إذا شابت ذراعاك. وكان لا يُتَّهم في الحديث، روى عنه جماعة من التّابعين؛ منهم عروة بن الزُّبير ﵄ وعلي بن الحسين ﵄ (٣). وأمَّا عبد الرحمن بن الحكم فيُكنَى أبا مُطرِّف، ويُقال: أبا الحارث، وكان يُهاجي

стр. 2486

عبد الرحمن بن حسَّان فيَنتصِفُ منه ويُقاومه، وهو القائلُ لمروان: [من الطَّويل] تجبَّرتَ واستكبرتَ حتَّى كأنما … نَرى بك فإنا قيصرًا وابنَ قيصرا فذا العرش لا تغفِر لمروانَ إنني … أراه بأخلاق المكارم أَعْسرا (١) أراد العُسرة لا من اليد، ومن شعره: [من الوافر] ألا [مَن] مُبلغٌ مروانَ عنّي … رسولًا والرسولُ من البَيانِ فإنَّك لن ترى طَردًا لحُرٍّ … كإلصاقٍ به طرفَ الهَوانِ وهل حُدِّثتَ قبلي عن كريمٍ … مُعينٍ في الحوادث أو مُعانِ يُقيمُ بدارِ مَضْيَعةٍ إذا لم … يَكن حَيرانَ أو خَفِقَ الجَنانِ فلو أنّا بمَنزلةٍ جميعًا … جريت وأنتَ مُضطرِبُ العِنانِ ولولا أن أُمَّ أبيك أُمِّي … وأنْ مَن قد هَجاك فقد هجاني لقد جاهَرْتُ بالبَغضاءِ إني … إلى أمر الجهارة والعلان (٢) وأدرك عبد الرحمن يوم الدّار مع إخوته مروان والحارث، وعثمان الأكبر بن الحكم. وكانت ابنةُ عبد الرحمن تحت يَحْيَى بن سعيد بن العاص فطلّقها البتَّة، فانتقلها عبد الرحمن إليه، فأرسلت عائشة رضوان الله عليها إلى مروان: اتَّقِ الله ورُدَّ المرأةَ إلى بيتها (٣). ولما عزل معاويةُ مروانَ عن المدينة بعث مروان أخاه عبد الرحمن إلى معاوية ليَستَصلحَه، وكان معاوية ولَّى سعيد بنَ العاص المدينة، فقال عبد الرحمن لمعاوية: [من الوافر] أتتْكَ العِيسُ تَنفُخُ في بُراها … تكَشَّفُ عن مَناكبها القُطوعُ بأبيضَ من أُميَّةَ مِضرَحِيٍّ … كأنّ جبينَه سيفٌ صَنيعُ فقال له معاوية: أزائرًا جئتَ أم مُفاخِرًا مَكاثرًا؟ فقال له: على أيّ ذلك شئتَ،

стр. 2487

فقال معاوية: ما أشاءُ من ذلك شيئًا، وأراد معاوية أن يَقطَعَه عن الكلام الذي عَنَّ له، ثم قال له معاوية: على أيِّ فَرسٍ أتيتَ؟ قال: على فرس أَجَشَّ هَزِيمِ، وأراد قولَ النَّجاشِيّ لمعاوية: [من الطَّويل] ونجَّى ابنَ حَرْبٍ سابِحٌ ذو عُلالةٍ … أجَشُّ هَزيمٌ والرِّماحُ دَواني إذا خِلتَ أطرافَ الرَّمَّاح تَنالُه … مَرَتْه به السَّاقانِ والقَدَمانِ فغضب معاوية وقال: أما إنه لا يَركبه [صاحبه] في الظُّلَم إلى الرِّيَب، ولا هو ممّن يتسَوَّر على جاراته، ولا يَتوثَّبُ على كنائِنه بعد هجعة النَّاس، وكان عبد الرحمن يُتَّهم بذلك في كنائنه، فخجل عبد الرحمن (١). وكان مروان يطوف بالبيت ويقول: اللَّهمَّ أذهب عني قولَ الشعر، وأخوه عبد الرحمن يقول: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك ما استعاذ منه، فذهب الشعر عن مروان وقاله عبد الرحمن (٢). وقال معاوية لعبد الرحمن: أراك تُعجَبُ بالشّعر، فإن قُلتَه فإياك والتَّشبيب بالنساء، فإنَّك تَعُرُّ به الشريفة، وتَرمي به العَفيفة، وتُقِرُّ على نفسك بالفَضيحة، وإياك والهجاء؛ فإنَّك تُحنِقُ به كريمًا، وتَستَثير لئيمًا، وإياك والمدح؛ فإنَّه كَسب الوَقاح، ولكن افخَرْ بمفاخِر قومِك، وقُلْ من الأمثال ما تَزينُ به نَفسَك، وتَتوَدَّدُ به إلى غيرك، فإن الشِّعرَ أدنى مُروءَةِ السَّرِيّ، وأفضلُ مروءةِ الدَّنيّ. وعبد الرحمن هو القائل لما ضرب يزيد بنُ معاوية رأسَ الحسين بن علي ﵄ بالقضيب؛ بكى وصاح وقال: [من الطَّويل] لَهَامٌ بجنبِ الطَّفِّ أدنى قَرابة … من ابنِ زياد العبدِ ذي النسَّبِ الوَغْلِ سُميَّةُ أمسى نَسلُها عددَ الحَصى … وبنتُ رسول الله أمستْ بلا نَسْلِ فضرب يزيدُ صَدرَه بيده وقال: يا ابن الحَمقاء، ما لك ولهذا (٣).

стр. 2488

وهو القائل أيضًا: [من الوافر] لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا وأما أبان بنُ الحكم فتزوج أم عثمان بنت خالد بن عُقبة بن أبي مُعَيط (١). وأمَّا عثمان الأصغر بن الحكم فولاه عبد الملك المدينة. وأمَّا عبيد الله بن الحكم فقتله الحنتفُ يوم الرَّبَذة. وأمَّا يَحْيَى بنُ الحكم -كُنيته أبو مروان- فولاه عبد الملك المدينة، وكان خائنًا بخيلًا، وفيه يقول [أيمن بن] خُرَيم بن فاتِك الأسدي: [من الطَّويل] ترَكتُ بني مروان تَنْدى أكفُّهم … وصاحبتُ يَحْيَى ضَلَّةً من ضَلاليا لقد كان في ظلِّ الخليفةِ وابنِه … وظلِّ ابنِ ليلى ما يَسُدُّ اختِلاليا أميرًا إذا ما جئتُ طالبَ حاجةٍ … تَهيَّا لشَتْمي أو أراد قِتاليا فإنَّك لو أَشْبهتَ مروانَ لم تَقُلْ … لقوميَ هُجرًا إذ أَتَوك ولاليا وتزوَّج يَحْيَى بنُ الحكم زينبَ بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال عبد الملك: أدرِكوا بيتَ المال، يعني أنَّه خائن، وولاه عبدُ الملك حمص. وكان يَحْيَى أحمق، وَفَد على عبد الملك بغَير إذنه، فقال له: ما الذي أقْدَمَك بغير إذني، ومَن استَعملتَ على المدينة؟! فقال: أبانَ بنَ عثمان، فقال: لا جَرَم، لا تعودُ إليها أبدًا، وأقرَّ عبدُ الملك أبانًا عليها، فأقام واليًا تِسعَ سنين، وحج فيها بالنَّاس سنتين، وفي ولايته تُوفّي محمد بن الحنفية وجابر بنُ عبد الله بالمدينة، فصلّى عليهما. وكان شُخوص يَحْيَى إلى الشام في سنة خمس وسبعين، وقدم عبد الملك حمص؛ فقتل إسحاق بنَ الأشعَثِ صَبْرًا، فتكلّم أهلُ حمص، فبلغه، فصَعِد المنبر وقال: ما حديثٌ بلغني عنكم يا أهل الكُوَيفة الصُّغرى؟! فقام إليه عبد الرحمن بن ذي الكلاع فقال: لسنا أهل الكُوَيفة، وإنَّما نحن أهل الكوفة الذين قاتلنا معك مصعبَ بن الزُّبير، وأنت القائلُ يومئذٍ: والله يا أهلَ حمص لأُواسينَّكم ولو بما ترك مروان، وعليك يومئذٍ قَباؤك الأصغر، فسكت عبد الملك.

стр. 2489

وقال له رجلٌ من أهل حمص: اعزِلْ سَفيهك عنا، فالتفتَ عبد الملك إلى يحيى بن الحكم وقال له: ارتحلْ عن جِوار القوم. وكان يحيى بن الحكم حَسَنَ المَحْضَرِ للناس عند عبد الملك، وهو القائل حين قَتل عبد الملك عمرو بنَ سعيد الأشْدَق فقال: [من الطَّويل] أعينَيَّ جُودا بالدُّموعِ على عَمرِو … عشيّةَ تُبْتَزُّ الخلافةُ بالغَدْرِ كأنّ بني مروانَ إذ يَقتلونه … بُغاثٌ من الطّيرِ اجتمعْنَ على صَقْرِ غَدرتُم على عمرو بني خَيطِ باطِلٍ … وأنتم ذَوو قُرْبى به وذَوُو صِهْرِ فرُحْنا وراح الشَّامِتون عشيَّةً … كأن على أكتافنا فلَقُ الصَّخرِ لحى الله دُنْيا تُدخِل النارَ أهلَها … وتَهتِكُ ما دون المحارمِ من سِتْرِ (١) وأمَّا يوسف فأمُّه أمُّ يوسف بنت هاشم بن عُتبة. وأمَّا خالد بن الحكم فكان مع عبد الملك يوم قَتل عمرو بنَ سعيد، وانتدب قومٌ يُقاتلون مع عمرو، فبعث عبد الملك خالدًا إليهم، فهَزمهم. وأما بناتُ الحكم؛ فتزوَّج أمَّ البنين سعيد بنُ العاص، وتزوّج زينبَ أسيدُ بن الأَخْنَس الثَّقفيُّ، وتزوَّجَ أُمَّ يحيى عُروةُ بنُ الزُّبَير، وكانت أصغرَ وَلَد الحكم، وتزوّج أمَّ أبان عبد الله بنُ المطَّلب بن حَنْطب المخزومي، ثم خلف على أُختها أمِّ الحكم، وتزوَّج أُمامةَ بنت الحكم عبدُ الرحمن بنُ الحارث بن أبي ذِئب، من بني عامر بن لُؤيّ (٢). سلمان الفارسي كُنيته أبو عبد الله، ويُقال له: سلمان الخير، وكان يقول: أنا ابنُ الإسلام، وهو من الطبقة الثَّانية من الصّحابة، قال: أنا من رَامَ هُرْمُز، تَداوَلَني بِضعةٌ وعشرون من ربّ إلى ربّ، وقيل: أصلُه من اِصْطَخْر، وقيل: من أهل أَصبهان، من قرية يُقال لها: جيّ، وقال: كان أهلُ قريتنا يَعبدون الخيلَ البُلْق.

стр. 2490

أسلم سلمان عند قدوم رسول الله ﷺ المدينة، ومنعه الرّق من شهود بدرٍ وأُحدٍ، وشهد الخندق، وهي أوّلُ غزواته مع رسول الله ﷺ ، وكان قد سافر يَطلبُ الدِّين مع قومٍ، فغَدروا به وباعوه، وتقلَّبتْ به أحوالٌ عجيبة، وأهوالُ غريبة، وولاه عمر رضوان الله عليه المدائن. وحكى الواقدي عن أشياخه، عن سلمان الفارسيِّ قال: كنتُ أنطلقُ مع غِلمان من قريتنا إلى جبلٍ فيه كَهفٌ، فانطلقتُ وَحدي يومًا، فإذا في الكهف رجل طويل، عليه ثيابٌ من الشَّعر، فأشار إليَّ، فدنَوتُ منه فقال: يا غُلام، أتعرفُ عيسى بنَ مريم؟ قلتُ: لا، قال: بلى هو رسول الله، فآمِنْ بالله ورسوله، وبرسول يأتي من بعده اسمُه أحمد، يُخرجُه (١) الله من غَمِّ الدُّنيا إلى رَوح الآخرة ونعيمها، قلت: وما نَعيمُ الآخرة؟ قال: نعيمٌ لا يَفنى. فرأيتُ النُّورَ يَخرج من شَفته، فعَلِقَه فؤادي، فكان أوَّل ما علَّمني الشَّهادة، فقال: قل أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن عيسى روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم، ورسولُه، ومحمّدٌ رسولُه بعده، وأن الإيمانَ بالبَعْثِ حقُّ، وكذا الجنة والنار، ثم قال: إن أدركتَ محمدًا - فإنَّه يَخرجُ من جبال تِهامة- فأقرِئْه مني السَّلامَ، وقل: وصيُّ عيسى يُسلِّم عليك. وقال رسول الله ﷺ : سلمانُ سابِقُ الفُرس، وخطّ رسول الله ﷺ الخندقَ، وقطع لكل عشرةٍ أربعين ذِراعًا، فاحتجَّ المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلًا قويًّا، فقال المهاجرون: سلمانُ منّا، وقال الأنصار: لا بل منّا، فقال رسول الله ﷺ : "سلمانُ منّا أهل البيت". وآخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، وقيل: بينه وبين حُذيفة. وذهب أبو الدرداء مع سلمان يَخطُب عليه امرأةً من بني ليث، فدخل فذكر فضلَ سلمان، وسابقتَه وإسلامَه، وأنه يَحْطب إليهم فتاتهم فلانة، فقالوا: أما سلمان فلا نُزَوِّجه، ولكنا نُزَوِّجُك، فتزوَّجها، ثم خرج فقال: إنه قد كان شيءٌ، وإني أستحيي أن أذكره، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فقال سلمان: فأنا أحقُّ أن أستحيي منك، أن أخطُبَها وكان الله تعالى قد قضاها لك.
следующие страницы →