عبد الرحمن بن حسَّان فيَنتصِفُ منه ويُقاومه، وهو القائلُ لمروان: [من الطَّويل]
تجبَّرتَ واستكبرتَ حتَّى كأنما … نَرى بك فإنا قيصرًا وابنَ قيصرا
فذا العرش لا تغفِر لمروانَ إنني … أراه بأخلاق المكارم أَعْسرا (١)
أراد العُسرة لا من اليد، ومن شعره: [من الوافر]
ألا [مَن] مُبلغٌ مروانَ عنّي … رسولًا والرسولُ من البَيانِ
فإنَّك لن ترى طَردًا لحُرٍّ … كإلصاقٍ به طرفَ الهَوانِ
وهل حُدِّثتَ قبلي عن كريمٍ … مُعينٍ في الحوادث أو مُعانِ
يُقيمُ بدارِ مَضْيَعةٍ إذا لم … يَكن حَيرانَ أو خَفِقَ الجَنانِ
فلو أنّا بمَنزلةٍ جميعًا … جريت وأنتَ مُضطرِبُ العِنانِ
ولولا أن أُمَّ أبيك أُمِّي … وأنْ مَن قد هَجاك فقد هجاني
لقد جاهَرْتُ بالبَغضاءِ إني … إلى أمر الجهارة والعلان (٢)
وأدرك عبد الرحمن يوم الدّار مع إخوته مروان والحارث، وعثمان الأكبر بن الحكم.
وكانت ابنةُ عبد الرحمن تحت يَحْيَى بن سعيد بن العاص فطلّقها البتَّة، فانتقلها عبد الرحمن إليه، فأرسلت عائشة رضوان الله عليها إلى مروان: اتَّقِ الله ورُدَّ المرأةَ إلى بيتها (٣).
ولما عزل معاويةُ مروانَ عن المدينة بعث مروان أخاه عبد الرحمن إلى معاوية ليَستَصلحَه، وكان معاوية ولَّى سعيد بنَ العاص المدينة، فقال عبد الرحمن لمعاوية: [من الوافر]
أتتْكَ العِيسُ تَنفُخُ في بُراها … تكَشَّفُ عن مَناكبها القُطوعُ
بأبيضَ من أُميَّةَ مِضرَحِيٍّ … كأنّ جبينَه سيفٌ صَنيعُ
فقال له معاوية: أزائرًا جئتَ أم مُفاخِرًا مَكاثرًا؟ فقال له: على أيّ ذلك شئتَ،
стр. 2487
فقال معاوية: ما أشاءُ من ذلك شيئًا، وأراد معاوية أن يَقطَعَه عن الكلام الذي عَنَّ له، ثم قال له معاوية: على أيِّ فَرسٍ أتيتَ؟ قال: على فرس أَجَشَّ هَزِيمِ، وأراد قولَ النَّجاشِيّ لمعاوية: [من الطَّويل]
ونجَّى ابنَ حَرْبٍ سابِحٌ ذو عُلالةٍ … أجَشُّ هَزيمٌ والرِّماحُ دَواني
إذا خِلتَ أطرافَ الرَّمَّاح تَنالُه … مَرَتْه به السَّاقانِ والقَدَمانِ
فغضب معاوية وقال: أما إنه لا يَركبه [صاحبه] في الظُّلَم إلى الرِّيَب، ولا هو ممّن يتسَوَّر على جاراته، ولا يَتوثَّبُ على كنائِنه بعد هجعة النَّاس، وكان عبد الرحمن يُتَّهم بذلك في كنائنه، فخجل عبد الرحمن (١).
وكان مروان يطوف بالبيت ويقول: اللَّهمَّ أذهب عني قولَ الشعر، وأخوه عبد الرحمن يقول: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك ما استعاذ منه، فذهب الشعر عن مروان وقاله عبد الرحمن (٢).
وقال معاوية لعبد الرحمن: أراك تُعجَبُ بالشّعر، فإن قُلتَه فإياك والتَّشبيب بالنساء، فإنَّك تَعُرُّ به الشريفة، وتَرمي به العَفيفة، وتُقِرُّ على نفسك بالفَضيحة، وإياك والهجاء؛ فإنَّك تُحنِقُ به كريمًا، وتَستَثير لئيمًا، وإياك والمدح؛ فإنَّه كَسب الوَقاح، ولكن افخَرْ بمفاخِر قومِك، وقُلْ من الأمثال ما تَزينُ به نَفسَك، وتَتوَدَّدُ به إلى غيرك، فإن الشِّعرَ أدنى مُروءَةِ السَّرِيّ، وأفضلُ مروءةِ الدَّنيّ.
وعبد الرحمن هو القائل لما ضرب يزيد بنُ معاوية رأسَ الحسين بن علي ﵄ بالقضيب؛ بكى وصاح وقال: [من الطَّويل]
لَهَامٌ بجنبِ الطَّفِّ أدنى قَرابة … من ابنِ زياد العبدِ ذي النسَّبِ الوَغْلِ
سُميَّةُ أمسى نَسلُها عددَ الحَصى … وبنتُ رسول الله أمستْ بلا نَسْلِ
فضرب يزيدُ صَدرَه بيده وقال: يا ابن الحَمقاء، ما لك ولهذا (٣).
стр. 2488
وهو القائل أيضًا: [من الوافر]
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا
وأما أبان بنُ الحكم فتزوج أم عثمان بنت خالد بن عُقبة بن أبي مُعَيط (١).
وأمَّا عثمان الأصغر بن الحكم فولاه عبد الملك المدينة.
وأمَّا عبيد الله بن الحكم فقتله الحنتفُ يوم الرَّبَذة.
وأمَّا يَحْيَى بنُ الحكم -كُنيته أبو مروان- فولاه عبد الملك المدينة، وكان خائنًا بخيلًا، وفيه يقول [أيمن بن] خُرَيم بن فاتِك الأسدي: [من الطَّويل]
ترَكتُ بني مروان تَنْدى أكفُّهم … وصاحبتُ يَحْيَى ضَلَّةً من ضَلاليا
لقد كان في ظلِّ الخليفةِ وابنِه … وظلِّ ابنِ ليلى ما يَسُدُّ اختِلاليا
أميرًا إذا ما جئتُ طالبَ حاجةٍ … تَهيَّا لشَتْمي أو أراد قِتاليا
فإنَّك لو أَشْبهتَ مروانَ لم تَقُلْ … لقوميَ هُجرًا إذ أَتَوك ولاليا
وتزوَّج يَحْيَى بنُ الحكم زينبَ بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال عبد الملك: أدرِكوا بيتَ المال، يعني أنَّه خائن، وولاه عبدُ الملك حمص.
وكان يَحْيَى أحمق، وَفَد على عبد الملك بغَير إذنه، فقال له: ما الذي أقْدَمَك بغير إذني، ومَن استَعملتَ على المدينة؟! فقال: أبانَ بنَ عثمان، فقال: لا جَرَم، لا تعودُ إليها أبدًا، وأقرَّ عبدُ الملك أبانًا عليها، فأقام واليًا تِسعَ سنين، وحج فيها بالنَّاس سنتين، وفي ولايته تُوفّي محمد بن الحنفية وجابر بنُ عبد الله بالمدينة، فصلّى عليهما.
وكان شُخوص يَحْيَى إلى الشام في سنة خمس وسبعين، وقدم عبد الملك حمص؛ فقتل إسحاق بنَ الأشعَثِ صَبْرًا، فتكلّم أهلُ حمص، فبلغه، فصَعِد المنبر وقال: ما حديثٌ بلغني عنكم يا أهل الكُوَيفة الصُّغرى؟! فقام إليه عبد الرحمن بن ذي الكلاع فقال: لسنا أهل الكُوَيفة، وإنَّما نحن أهل الكوفة الذين قاتلنا معك مصعبَ بن الزُّبير، وأنت القائلُ يومئذٍ: والله يا أهلَ حمص لأُواسينَّكم ولو بما ترك مروان، وعليك يومئذٍ قَباؤك الأصغر، فسكت عبد الملك.
стр. 2489
وقال له رجلٌ من أهل حمص: اعزِلْ سَفيهك عنا، فالتفتَ عبد الملك إلى يحيى بن الحكم وقال له: ارتحلْ عن جِوار القوم.
وكان يحيى بن الحكم حَسَنَ المَحْضَرِ للناس عند عبد الملك، وهو القائل حين قَتل عبد الملك عمرو بنَ سعيد الأشْدَق فقال: [من الطَّويل]
أعينَيَّ جُودا بالدُّموعِ على عَمرِو … عشيّةَ تُبْتَزُّ الخلافةُ بالغَدْرِ
كأنّ بني مروانَ إذ يَقتلونه … بُغاثٌ من الطّيرِ اجتمعْنَ على صَقْرِ
غَدرتُم على عمرو بني خَيطِ باطِلٍ … وأنتم ذَوو قُرْبى به وذَوُو صِهْرِ
فرُحْنا وراح الشَّامِتون عشيَّةً … كأن على أكتافنا فلَقُ الصَّخرِ
لحى الله دُنْيا تُدخِل النارَ أهلَها … وتَهتِكُ ما دون المحارمِ من سِتْرِ (١)
وأمَّا يوسف فأمُّه أمُّ يوسف بنت هاشم بن عُتبة.
وأمَّا خالد بن الحكم فكان مع عبد الملك يوم قَتل عمرو بنَ سعيد، وانتدب قومٌ يُقاتلون مع عمرو، فبعث عبد الملك خالدًا إليهم، فهَزمهم.
وأما بناتُ الحكم؛ فتزوَّج أمَّ البنين سعيد بنُ العاص، وتزوّج زينبَ أسيدُ بن الأَخْنَس الثَّقفيُّ، وتزوَّجَ أُمَّ يحيى عُروةُ بنُ الزُّبَير، وكانت أصغرَ وَلَد الحكم، وتزوّج أمَّ أبان عبد الله بنُ المطَّلب بن حَنْطب المخزومي، ثم خلف على أُختها أمِّ الحكم، وتزوَّج أُمامةَ بنت الحكم عبدُ الرحمن بنُ الحارث بن أبي ذِئب، من بني عامر بن لُؤيّ (٢).
سلمان الفارسي
كُنيته أبو عبد الله، ويُقال له: سلمان الخير، وكان يقول: أنا ابنُ الإسلام، وهو من الطبقة الثَّانية من الصّحابة، قال: أنا من رَامَ هُرْمُز، تَداوَلَني بِضعةٌ وعشرون من ربّ إلى ربّ، وقيل: أصلُه من اِصْطَخْر، وقيل: من أهل أَصبهان، من قرية يُقال لها: جيّ، وقال: كان أهلُ قريتنا يَعبدون الخيلَ البُلْق.
стр. 2490
أسلم سلمان عند قدوم رسول الله ﷺ المدينة، ومنعه الرّق من شهود بدرٍ وأُحدٍ، وشهد الخندق، وهي أوّلُ غزواته مع رسول الله ﷺ ، وكان قد سافر يَطلبُ الدِّين مع قومٍ، فغَدروا به وباعوه، وتقلَّبتْ به أحوالٌ عجيبة، وأهوالُ غريبة، وولاه عمر رضوان الله عليه المدائن.
وحكى الواقدي عن أشياخه، عن سلمان الفارسيِّ قال: كنتُ أنطلقُ مع غِلمان من قريتنا إلى جبلٍ فيه كَهفٌ، فانطلقتُ وَحدي يومًا، فإذا في الكهف رجل طويل، عليه ثيابٌ من الشَّعر، فأشار إليَّ، فدنَوتُ منه فقال: يا غُلام، أتعرفُ عيسى بنَ مريم؟ قلتُ: لا، قال: بلى هو رسول الله، فآمِنْ بالله ورسوله، وبرسول يأتي من بعده اسمُه أحمد، يُخرجُه (١) الله من غَمِّ الدُّنيا إلى رَوح الآخرة ونعيمها، قلت: وما نَعيمُ الآخرة؟ قال: نعيمٌ لا يَفنى.
فرأيتُ النُّورَ يَخرج من شَفته، فعَلِقَه فؤادي، فكان أوَّل ما علَّمني الشَّهادة، فقال: قل أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن عيسى روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم، ورسولُه، ومحمّدٌ رسولُه بعده، وأن الإيمانَ بالبَعْثِ حقُّ، وكذا الجنة والنار، ثم قال: إن أدركتَ محمدًا - فإنَّه يَخرجُ من جبال تِهامة- فأقرِئْه مني السَّلامَ، وقل: وصيُّ عيسى يُسلِّم عليك.
وقال رسول الله ﷺ : سلمانُ سابِقُ الفُرس، وخطّ رسول الله ﷺ الخندقَ، وقطع لكل عشرةٍ أربعين ذِراعًا، فاحتجَّ المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلًا قويًّا، فقال المهاجرون: سلمانُ منّا، وقال الأنصار: لا بل منّا، فقال رسول الله ﷺ : "سلمانُ منّا أهل البيت".
وآخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، وقيل: بينه وبين حُذيفة.
وذهب أبو الدرداء مع سلمان يَخطُب عليه امرأةً من بني ليث، فدخل فذكر فضلَ سلمان، وسابقتَه وإسلامَه، وأنه يَحْطب إليهم فتاتهم فلانة، فقالوا: أما سلمان فلا نُزَوِّجه، ولكنا نُزَوِّجُك، فتزوَّجها، ثم خرج فقال: إنه قد كان شيءٌ، وإني أستحيي أن أذكره، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فقال سلمان: فأنا أحقُّ أن أستحيي منك، أن أخطُبَها وكان الله تعالى قد قضاها لك.
стр. 2491
وسئل علي رضوان الله عليه عن سلمان فقال: أُوتي العلمَ الأوّلَ والعلمَ الآخر، لا يُدرَك ما عنده.
وسئل عنه أيضًا فقال: ذاك امرؤٌ منّا وإلينا أهل البيت، ثم قال: مَن لكم بمثل لُقمانَ الحكيم، قرأ الكتاب الأولَ والكتابَ الآخر، وكان بحرًا لا ينزَف.
وكان عطاءُ سلمان خمسةَ آلاف، وكان على ثلاثين ألفًا من النَّاس، وكان يَخطب النَّاسَ في عباءة، يَفترشُ بعضَها ويَلبَس بعضَها، وكان إذا خرج عَطاؤه أمضاه، ويَأكلُ من سَفيف يده، وكان يتصدَّقُ بعطائه، ويَحمل الخُوصَ، وكان يستظلُ بالفَيءِ حيث ما دار، ولم يكن له بيت، فقال له رجلٌ: ألا نَبني لك بيتًا تَستظلُ به من الحَرِّ، وتَسكنُ فيه من البَرد؟ فقال له سلمان: نعم، فلما أدبرَ صاح به سلمان فسأله: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن أقمتَ فيه أصابَ رأسَك، وإن اضطجعتَ فيه أصابَ رجليك، قال سلمان: نعم.
وتزوَّج امرأة من كِندة، فلما كانت ليلةُ البِناء مشى معه أصحابُه، فلما بلغ بابَ امرأته قال: ارجعوا جزاكم الله خيرًا، ولم يُدخِلْهم، ودخل وحده، فلما نظر إلى البيت وهو مُنَجَّدٌ قال: أمَحمومٌ بيتُكم؟! أم تحوَّلَت الكعبةُ في كِندة؟! فلم يَدخل حتى نَزعَ كلَّ سترٍ في البيت، فلما دخل رأى مَتاعًا كثيرًا، قال: لمن هذا؟ قالوا: لك ولامرأتك، فقال: ما بهذا أوصاني خليلي ﷺ ، أوصاني ألا يكون متاعي من الدُّنيا إلَّا كَزَادِ الرَّاكب، ثم رأى خدمًا فقال: لمن هؤلاء؟ فقالوا: لك ولامرأتك، فقال: ما بهذا أوصاني خليلي، [أوصاني] أن لا أُمسِك إلَّا ما أنكح أو أُنكح، فإن فعلتُ فعليَّ مثلُ أوزارهنّ، ثم قام فصلّى وصلَّت المرأةُ معه، ثم قضى حاجتَه.
فلما أصبح غدًا عليه أصحابُه فقالوا: كيف وَجَدَت أهلك؟ فأعرض عنهم، فألَحُّوا عليه فقال: إنَّما جعل الله السُّتورَ والأبوابَ والجُدُرَ ليُوارى ما فيها، حسبُ امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له، أما ما غاب عنه فليس له أن يَسأل عنه، سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: "المتحدِّثُ في ذلك كالحمارَيْن يتسافَدان في الطَّريق".
ودخل عليه رجل وهو يَعجِن فقال: ما هذا؟ فقال: بعثنا الخادم في عمل، فكرهنا أن نَجمع عليه عَمَلين، ثم قال له: إن فلانًا يُقرِئُك السلامَ، فقال له سلمان: منذ كم
стр. 2492
قَدِمتَ؟ قال: ثلاثة أيَّام، قال: أما إنك لو لم تُؤَدِّها كانت أمانةً لم تُؤَدِّها.
قال النُّعمان بن حُمَيد: دخلتُ مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يَعمل الخُوص، فسمعتُه يقول: أشتري خُوصًا بدرهم، فأبيعه بثلاثة دارهم، فأُعيدُ درهمًا فيه، وأنفق درهمًا على عيالي، وأتصدَّقُ بدرهم، ولو نهاني عنه عمر بن الخطاب ما انتَهيتُ.
قال ثابت: كان سلمان أميرًا على المدائن، فجاء رجلٌ من أهل الشام معه حِملُ تين، وعلى سلمان أنْدَرْوَرْد وعباءة، فقال لسلمان: تعال احمِلْ هذا، وهو لا يَعرفُه، فحمله سلمان، فرآه الناسُ فعرفوه، فقالوا: هذا الأمير، فقال الرجل: لم أعرفه، فقال سلمان: لا حتَّى أبلُغ منزلَك.
وقال شيخٌ من بني عَبْس: أتيتُ السُّوقَ فاشتريتُ عَلَفًا بدرهم، فرأيتُ سلمانَ ولا أَعرفُه، فسَخَّرتُه فحَملتُ عليه العَلَفَ، فمرّ بقومٍ فقالوا: أنحمل عنك يا أبا عبد الله؟ فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: سلمانُ صاحبُ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: ضَعْه عافاك الله، فأبى حتَّى أتى به مَنزلي وقال: قد نَويتُ فيه نيَّة، فلا أَضعُه حتَّى أبلُغَ مَنزِلَك.
وكان إذا أصابَ الشَّيءَ اشترى به لحمًا، ثم دعا المجَذَّمِين فأكلوا معه.
وقال عمرو بن أبي قرَّةَ الكندي: عرض أبي على سلمان أُختَه فأبى، وتزوّج مَولاةً له يُقال لها بُقَيرة، فبلغ أبا قُرَّة أنَّه كان بين سلمان وبين حذيفةَ شيءٌ، فأتاه يَطلُبه، فأُخبِر أنَّه في مَبْقَلَةٍ، فتَوَجَّه إليه، فلقيه معه زِنْبيل فيه بَقْل؛ قد أدخل عصاه في عُروة الزِّنْبيل وهو على عاتقه، فقال: يا أبا عبد الله، ما كان بينك وبين حُذَيفة؟ قال: يقول سلمان: وكان الإنسان عَجولا، فانطلقا حتَّى أتيا دار سلمان، فدخل سلمان الدّار، فقال: السَّلام عليكم، ثم أَذِن، فإذا نَمطٌ موضوع على باب، وعند رأسه لَبِنات، وإذا قرطان فقال: اجلس على فِراش مولاتك التي تُمهِّد لنفسها.
ثم أنشأ يُحدِّث أن حُذيفة كان يُحدِّث بأشياءَ كان رسول الله ﷺ يقولُها في غَضبه لأقوام، فأُسألُ عنها فأقول: حُذيفةُ أعلمُ بما يقول، وأكره أن تكون ضَغائنُ بين أقوام، فأُتي حُذيفةُ فقيل له: إن سلمان لا يُصدّقك ولا يُكَذِّبُك بما تقول، فجاءني حُذيفةُ فقال: يا سلمان يا ابن أمِّ سلمان، فقلتُ: يا حُذَيفة يا ابن أمِّ حُذيفةَ، لتنتَهينَّ أو لأكتُبنَّ
стр. 2493
إلى عمر، فلما خَوَّفتُه بعمر تركني، وقد قال رسول الله ﷺ : "من ولد آدم أنا، فأيُّما عبدٍ مؤمنٍ لَعَنْتُه [لَعنةً] أو سببتُه سَبَّةً في غير كُنْهه، فاجعلْه صلاةً له" (١).
وقال رجلٌ من عبد القَيس: رأيتُ سلمان في سريَّةٍ وهو أميرُها على حمارٍ، عليه سَراويل، وخَدَمَتاه تُذَبْذِبان، والجندُ يقولون: قد جاء الأمير، فقال سلمان: إنَّما الخيرُ والشّرُّ بعد اليوم.
وافتخرت قريش عنده فقال سلمان: لكني خُلقتُ من نُطفةٍ قذرة، ثم أعودُ جِيفةً مُنتنة، ثم يؤتى بي إلى الميزان، فإن ثَقُل فأنا كريم، وإن خَفَّ فأنا لئيم.
وروى خليفةُ بنُ سعيد المراديّ عن عمِّه قال: رأيتُ سلمان الفارسي بالمدائن في بعض طُرُقها يمشي، فزَحَمتْه حملة من قَصَبٍ فأوجَعَتْه، فتأخَّر إلى صاحبها الذي يَسُوقها، فأخذ بعَضُدِه فحرَّكه ثم قال: لامِتَّ حتَّى تُدرِك إمارة الشباب.
قال رجل من عبد القَيْس: مرَّ سلمان بصبيان من فِتيان الجُند، فضحكوا وقالوا: هذا أميرُكم؟ فقلتُ: ألا تسمع؟ فقال: إن استطعتَ أن تأكلَ من التّراب فكُلْ، ولا تكونَنَّ أميرًا على اثنين، واتَّقِ دعوةَ المظلومِ والمضطرّ فإنَّها لا تُحجَب.
وكان خِباؤه من عَباءة وهو أمير النَّاس.
وسُرق عَلَفُ دابَّته فقال لجاريته أو غُلامه: لولا أني أخاف القِصاص لضَرَبْتُك.
وقدم المدينة فقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: اخرجوا بنا نتلقَّى سلمان.
وقال سلمان لحذيفة: أخا بني عَبْس: إن العلم كثير، والعُمر قصير، فخُذْ من العلم ما تحتاجُ إليه في أمرِ دِينك، ودَعْ ما سواه فلا تُعانِه.
وقال: إنَّما مثل المؤمن في الدُّنيا كمريض معه طَبيبُه الذي يَعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى شيئًا يَضُرُّه منعه وقال له: لا تَقرَبْه؛ فإنَّك إن أتيتَه أهلكك، فلا يزالُ يَمنعُه حتَّى يَبرأَ من وَجَعه، وكذا المؤمن؛ يَشتهي أشياءَ كثيرة ممَّا قد فُضّل به غيرُه من العَيش، فيَمنعه الله إياه، ويَحجُزه حتَّى يتوفّاه فيُدخله الجنة.
قال جرير: قال سلمان: يا جرير، تواضَعْ لله، فإنَّه مَن تواضَعَ لله رَفَعه الله يوم
стр. 2494
القيامة، يا جرير، هل تَدري ما الظُّلُمات يوم القيامة؟ قلتُ: لا، قال: ظُلمُ النَّاس فيما بينهم في الدُّنيا، ثم أخذ عُودًا لا أكاد أراه بين أُصبعَيه وقال: يا جرير، لو طَلبتَ في الجنة مثلَ هذا العُود لم تجدْه، قلت: أبا عبد الله، فأين النَّخلُ والشَّجَرُ؟ قال: أُصولُها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثَّمر.
دخل سعد بنُ أبي وَقَّاص على سلمان يَعودُه، فبكى سلمان، فقال له سعد ﵁: ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟ تُوفّي رسولُ الله ﷺ وهو عنك راضٍ، وتَرِدُ عليه الحوضَ، قال سلمان: والله ما أبكي جَزَعًا من الموت، ولا حِرْصًا على الدُّنيا، ولكنّ رسول الله ﷺ عَهِد إلينا عَهْدًا فقال: "لتَكُنْ بُلْغةُ أحدكم من الدُّنيا مثل زادِ الرّاكب"، وحَولي هذه الأساوِد، وإنّما حوله جَفنةٌ أو مَطهرة أو إجّانة، فقال له سعد: يا أبا عبد الله، اعهَدْ إلينا بعهد نأخُذُ به بعدك، فقال: يا سعد، اذكُر الله عند هَمِّك إذا هَمَمتَ، وعند حُكمك إذا حَكَمْتَ وعند يدك إذا قَسمتَ، والأمير يومئذٍ سع ﵁، فلما مات نظروا في بيته فلم يَرَوا فيه إلَّا إكافًا ووطِاءً، ومَتَاعًا قُوِّمَ نحوًا من خمسةَ عشر دِرهمًا.
ولما حضرت سلمانَ الوَفاةُ قال لصاحبةِ منزله: هَلُمِّي خَبيئك الذي استَخبأتُك، فجاءت بصُرَّة مِسْك، فقال: ائتيني بقَدَحٍ فيه ماء، فنثر المسك فيه، ثم ماثَه بيده، ثم قال: انضَحِيه حَولي فإنَّه يَحضُرني خَلْقٌ من خَلْق الله تعالى، يَجدون الريحَ ولا يأكلون الطَّعام، ثم اجْفَئي عليَّ الباب وانزلي، ففعلت وجلست هنيهة، ثم صعِدت فإذا هو قد مات.
وعاش مئتين وخمسين سنة، لا يَشكُّون في هذا، ويقول بعضهم: ثلاث مئة وخمسين سنة.
ومات بالمدائن في عِلِّيّةٍ لأبي قرَّةَ الكِندي.
قال سلمان لعبد الله بن سلام: يا أخي؛ أيّنا مات قبل صاحبه فليَتَراءى له، قال ابن سلام: أوَ يكون ذلك؟ قال: نعم، إن نَسَمةَ المؤمن مُخَلّاة تذهب في الأرض حيث شاءت، ونَسَمةُ الكافر في سجّين. فمات سلمان، قال عبد الله بن سلام: فبينا أنا ذات يوم قائل نصفَ النهار على سرير لي، فأغفيتُ إغفاءةً، إذ جاء سلمان فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله، فقلتُ: أبا عبد الله، كيف وَجَدتَ مَنزلك؟ قال: خيرًا، وعليك
стр. 2495
بالتّوكُّل؛ فنِعْم الشيء التوكل، وجدتُ التوكل شيئًا عجيبًا، وردّده ثلاث مرات.
ولم يكن لسلمان ﵁ ولدٌ ذكر، وكان له ابنتان بمصر وواحدة بأصبهان.
أسند سلمان ﵁ عن رسول الله ﷺ ستين حديثًا، وروى عنه جماعة من الصّحابة، منهم: ابن عباس وسعد بن مالك وأنس وعُقبة بن عامر وأبو سعيد الخُدري وكعب بن عُجرة وأبو الطُّفيل عامر بن واثلة في آخرين، ومن التّابعين أبو عثمان النهدي، وعبد الله بن أبي زكريا وغيرهما (١).
سِنان بن أبي سِنان
ابن مِحْصَن الأسدي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ (٢).
أبو سفيان
صَخْرُ بنُ حَرْب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قصيّ، وأمه صفيَّة بنت حَزْن بن قيس عَيلان، لم يزل في عَداوة رسول الله ﷺ ، مُقيمًا على كُفره، يُحاربُه في كلِّ موطن إلى عام الفتح، فأسلم، وكان الإيمانُ في قلبه مُتَزلْزلًا، يُعدُّ في المؤلَّفةِ قُلوبُهم، ثم استقرَّ إيمانُه، وقوي يَقينه، وكان قد كفَّ عن القتال بعد الخندق، وبعث إليه رسولُ الله ﷺ هديَّة من تمر عَجوة، وكتب إليه يَستهديه أدمًا، فقَبل هديَّتَه وأهدى إليه.
وقال الشَّيخ موفّق الدين ﵁ في "الأنساب": كان حَرْبُ بن أميَّة رئيسَ بني عبد شمس ومُقَدَّمها في حروب الفِجار وغيرها، وكان ابنه أبو سفيان من أشراف قريش، وكانت إليه رايةُ الرُّؤساء المعروفة بالعُقاب، لا يَحملها في الحرب إلَّا هو أو رئيسٌ مثلُه، وكان ذا رأيٍ وحلمٍ ودهاءٍ؛ إلَّا أنَّه كان جاهدًا في عداوة رسول الله ﷺ
стр. 2496
ومُحاربتِه، وكان قائدَ قريش يومَ أحد والأحزاب.
ويقال: كان أفضل قريش في الجاهلية ثلاثة: عُتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو سفيان، فلما جاء الإسلام أدبروا في الرأي. وفُقئت عينُه يومَ الطَّائف، فلم يزل أعور حتَّى شهد اليرموك (١).
قال مُبشّر بن الحُوَيرث: فُقِدت الأصواتُ يومَ اليرموك إلّا صوتَ رجلٍ واحد يقول: يا معاشرَ المسلمين، يومٌ من أيَّام الله، أبلُوا فيه بلاءً حَسَنًا، يا نصرَ الله اقترب، والقتال يعمل، وإذا به أبو سفيان تحتَ راية ابنه يزيد.
ومات بالمدينة وله ثلاثٌ وثمانون سنة، وقيل: بِضعٌ وتسعون، وصلّى عليه ابنُه معاوية، وقيل: بل صَلَّى عليه عثمان رضوان الله عليه.
خرج أبو سفيان تاجرًا إلى الشام ببضائعَ فيها بضاعةٌ لرسول الله ﷺ ؛ فلما عاد وَجد رسول الله ﷺ يدعو إلى الله، فلم يُعطِه بِضاعتَه، ولقي رسول الله ﷺ -فقال له: يا ابنَ عبد الله، أما تُريد بِضاعتَك؟ فقال: "أنت صاحبُ أمانة، ذاك إليك" فبعث بها إليه.
أقبلَ أبو سفيان من الشام ومعه هند ومعاوية على حمار، فلما دَنَوا من مكّة لقوا رسول الله ﷺ خارجَ مكّة؛ وذلك أوَّل الإسلام، فقال أبو سفيان: انزلا ليَركبَ محمد، فقالت هند: أتُنزِلُنا لأجلِ هذا الصابئ؟! فقال لها: هو والله خيرٌ منك ومن ابنك ومني.
لطم فاطمةَ أبو جهل، فلَقيتْ أبا سفيان وشكَتْ إليه، فرجع معها إليه وقال: الطِميه لَعنه الله، فلَطمتْه، فقال أبو جهل: أَدْرَكَتْك المنافِيَّةُ؟! قال: نعم، وجاءت فاطمةُ سلام الله عليها فأَخبرتْ رسولَ الله ﷺ ، فرفع يديه وقال: "اللَّهمَّ لا تَنسَها لأبي سفيان".
ورماه سعيد بنُ عُبيد الثَّقفي من حِصن الطائف بحَجَرٍ فقلع عينَه، فجاء إلى رسول الله ﷺ وعينُه في يده، فقال له رسول الله ﷺ : "أيما أحبُّ إليك؟ أن أسألَ الله فيَردّها عليك، أو يُعَوِّضك عَينًا في الجنة؟ " فقال: لا، بل عينًا في الجنة.
ولما أعطاه رسول الله ﷺ الإبل يوم الجِعرانة والوَرِق -أعطى ابنَيه- قال له: والله
стр. 2497
إنك لكريم، فداك أبي وأمي، لقد حاربْتُك فلَنِعْمَ المحارَب كنتَ، وسالمتُك فلَنعم المسالم كنت، فجزاك الله خيرًا.
وأهدى مَلكُ اليمن إلى الكعبة سبعةَ جَزَائرَ أو عشرة، وأمر أن لا يَنْحرها إلَّا سيِّدُ قريش، وكان أبو سفيان قد عَرَّس بهند بنت عُتْبة، وكان من عادتهم أن يُقيموا عند العَروس سبعةَ أيَّام، فقالت هند: أيها الرَّجل، لا يَشغلنّك النساء عن هذه المكرُمَة، وربما فاتت، فقال لها: دعي عنك هذا، فوالله لا يَنْحَرُها غيري، فأقامت في عُقُلها؛ حتَّى خرج في اليوم السابع فنحرها.
ولم يكن في قُريش أشَحّ من أبي سفيان، وشكَتْه هند إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله ﷺ ، إن أبا سفيان رجلٌ شَحيحٌ، وليس لي إلَّا ما يدخل بيتي، فقال: "خُذي ما يَكفيك وولدك بالمعروف".
ولما اعتَمر أبو بكر رضوان الله عليه شكى إليه ناسٌ أبا سفيان، فانتَهره، فقال له أبو قُحافة: يا عَتيق، أتَرفع صوتَك على ابنِ حَرْبٍ؟ فقال: يا أبتِ، إن الإسلام هدم بُيوتًا منها بيتُه، وعمر بُيوتًا منها بيتُك.
وقف أبو سفيان بباب عثمان رضوان الله عليه وهو خليفة فحَجَبه، فقيل له: ما كُنَّا نظنُّ أنك تقفُ بباب مَن يَحجُبُك؟! فقال: لا عَدِمتُ من قومي مَن أقفُ ببابه فيَحْجُبُني.
ومات أبو سفيان أعمى، وكان له قائدٌ يقودُه.
زار أبو سفيان ابنَه معاوية بالشام وهو أمير، ومعه ابنُه عُتبة وعَنْبَسة، فَكَتَبَتْ هند إلى ابنها معاوية: احمل أباك على فَرس وأعطِه أربعةَ آلاف درهم، واحمل عُتبة على بَغل وأعطه ألفَي درهم، واحمل عَنْبسة على حمار وأعطه ألف درهم، ففعل معاوية، فقال أبو سفيان: أشهد بالله إن هذا عن رأي هند.
وبعث معاويةُ إلى عمر رضوان الله عليه من الشام بأَدَاهِمَ، وهي القيود، وقال: هذه وَجَدْناها في بعض حُصون الرُّوم، وبعث معها بمال، وقال للرسول: أَوصِلْها إلى أبي سفيان ليُوصِلَها إلى عمر، فبعث أبو سفيان بالقُيود إلى عمر رضوان الله عليه وحبس المال، فلما قرأ عمر رضوان الله عليه الكتاب وفيه ذِكرُ المال استَدعى أبا سفيان،
стр. 2498
وقال: أين المال؟ قال: أنفقتُه، فأمر عمر رضوان الله عليه بوَضعِ الأَداهم في رجله، وقال: والله لا يَخرج إلَّا بالمال، فأحضر المال، وبلغ معاوية ذلك فقال للرسول: أَعجَبَتْ أميرَ المؤمنين الأَداهِمُ؟ فقال: نعم، وأول ما طرح أباك فيها، فقال: لو فعل الخطَّابُ ذلك لفَعَل به مثلَ ما فعل بأبي سفيان.
بنى أبو سفيان دُكّانًا بمكة، فكان يَسْمُر عليه، فلما حجَّ عمر رضوان الله عليه شكاه أهلُ مكّة، فجاء فوقف عليه وقال: أخرِبْ هذا الدّكان، فأبى، فضربه بالدّرّة فصاح، فضربه ثانيًا وثالثًا وهو يَستغيث، وعمر رضوان الله عليه يقول: الحمد لله الذي أذل أبا سفيان؛ فأصبح يَستغيثُ بمكة فلا يُغاث، ثم قال: والله لتَنقُلَنَّ الحِجارةَ على ظهرك أو على عُنقك، ففعل.
وحجّ عمر رضوان الله عليه، فاستعدى رجل من بني مَخزوم على أبي سفيان في أرض غصبه إياها، فقال له عمر رضوان الله عليه: ادفع إليه أرضه، فقال: لا أفعل، فضربه بالدرة، فصاح: يا آل قُصيّ، فخفَقَه ثانيًا وقال: يا ملعون (١)، أدعوى الجاهلية، فقالت له هند: يا عمر، أتضرب ابنَ حَرب بالدرة؟! أما لرُبّما رُمتَ ذلك فاقشعَرَّت منه بُطونُ البَطحاء، فقال عمر رضوان الله عليه: الحمد لله الذي أذلّكم بهذا اليوم.
ذكر أولاده: كان له من الذّكور سبعة: حَنْظلة، ويزيد، ومعاوية، وعمرو، ومحمد، وعُتبة، وعَنبَسَة، ومن البنات عشرة: أمُّ حَبيبة، وهي رَمْلَةُ الكبرى ﵂، وعَزة، وأمُّ الحكم، وجُوَيرية، وصَخْرة، وهند، وميمونة، ورَمْلَةُ الصغرى، وأُميمة، وأمُّ حَبيب (٢).
فحَنظلة أخو أمِّ حَبيبة ﵂ لأبيها وأمّها [أمهما] صفيّة بنت أبي العاص.
ومعاوية وعُتبة وجُويرية وأمُّ الحكم أمُّهم هند بنت عُتبة.
فأمَّا حَنظلةُ فقتله عليّ رضوان الله عليه يوم بدر كافرًا، وبه كان يُكنى أبو سفيان.
وأمَّا يزيد فتقدَّم ذِكره (٣).
стр. 2499
وأمَّا عمر فهو الذي أُسر يوم بدر.
وأمَّا عُتبة فكُنيته أبو الوليد، وُلد على عهد النبي ﷺ ، وولاه عمر رضوان الله عليه الطائف، ثم وَلاه معاويةُ مصر، وولاه المدينة والموسم، وشهد يوم الدّار، وشهد الجَمل، ثم هرب فعيّره عبد الرحمن بن الحكم.
وكان من فُصحاء قريش، ولم يكن في بني أميَّة أَخطَبُ منه، خطب بمصر وهو والٍ عليها فقال: يا أهل مصر، خفّ على ألسنتكم مَدْحُ الحقِّ فلا تأتونه، وذمُّ الباطل وأنتم تَفعلونَه، كالحمار يحمل أسفارًا، يُثقله حملُها، ولا يَنفعُه علمُها، وإني لا أُداوي داءَكم إلَّا بالسيف، ولا أَبلُغُ بالسيف ما كفاني السَّوط، ولا أبلغُ بالسوط ما صَلح بالدرّة، فالزموا ما ألزَمَكم الله لنا تَستوجبوا ما فرض الله لكم علينا، وهذا يوم ليس فيه عقاب، ولا بعده عِتاب.
وولدُه عَمرو بن عُتبة كان من رجالات قُريش، قدم على عمه معاوية، وسمع منه الحديث ومن جماعةٍ من الصّحابة، وسكن البصرة، وقدم على يزيد بن معاوية فأقطعه الزاوية ونهر مَعْقِل، وقدم على عبد الملك فأقطعه قَطيعة، وذكره ابن عَيّاش في الحُوْل من الأشراف، ومدحه الفرزدقُ فقال: [من البسيط]
لولا ابنُ عُتبةَ [عمرو] والرَّجاءُ له … ما كانت البصرةُ الحمقاءُ لي وَطَنا (١)
وأمَّا محمد وعَنْبَسَة فأمُّهما عاتكة بنت أبي أُزَيهر، أَزديّة، وقيل: دَوسِيَّة، ولمحمد بن أبي سفيان ولدٌ اسمُه عثمان بن محمد، كان عاملَ يزيد بن معاوية على المدينة سنةَ الحَرَّة.
وعَنْبَسة كُنيتُه أبو عامر، روى عن أمّ حبيبة زوجِ النَّبيِّ ﷺ ورضي عنها أنَّه ﷺ قال: "مَن حافظ على أربعٍ قبل الظُّهر وأربعٍ بعدها حَرَّمه الله على النَّار"، قال: فما تَركتُهنّ منذ سمعتُ أمَّ حبيبة تقول ذلك.
واستعمله معاوية على الصَّائفة سنة اثنتين وأربعين، فبلغ مَرج الشّحم، وولاه الموسم بمكة، وروى عنه مَكحول وشَهْرُ بن حَوْشَب وغيرهما، وابنُه عثمان بن عَنْبَسة
стр. 2500
الذي صَلَّى على معاوية بن يزيد (١).
الطُّفَيل بن الحارث
ابن المطلب بن عبد مَنَاف بن قُصيّ، من الطبقة الأولى من المهاجرين، واسم أمه سُخَيلة بنت خُزاعي، ثقفيّة، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين المنذر بن عُقبة بن أُحَيحة بن الجُلاح، وقيل بينه وبين سفيان بن نَسْر بن زيد بن الحارث الأنصاري.
والطفيل أخو عُبيدة بن الحارث لأبيهما وأمّهما، والحُصَين من المهاجرين الأوَّلين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وتوفي أيضًا في هذه السنة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين رافع بن عَنْجَدَة (٢)، وكان للحُصين من الولد عبد الله الشاعر.
وأمَّا عُبيدة فإنَّه جُرح يوم بدر، ثم مات في جِراحه شهيدًا ﵃.
وللطُّفيل والحُصين ﵄ صُحبة، وليس لهما رواية (٣).
العباس بن عبد المطلب بن هاشم ﵁ -
عمُّ رسول الله ﷺ ، وأمه نُتَيلة بنت جَناب بن كُلَيب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مَناة بن عامر، وهو الضَّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط بن هِنْب بن أَفْصى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، كُنيتُه أبو الفضل، من الطبقة الثَّانية من المهاجرين، فيمن لم يشهد بدرًا مع النَّبيِّ ﷺ .
ولد قبل الفيل بثلاث سنين، وكان أسنَّ من رسول الله ﷺ بثلاث سنين، وكان أبيضَ، بَضًّا، رَجِلَ الشَّعر، حَسنَ اللحية، تامَّ القامَة، رَحْبَ الجبهة، أهدبَ الأشْفَار،
стр. 2501
أقْنَى الأنف، عظيم [العرنين، سهل] الخدَّين، بادِنًا، ربقًا، جميلًا، عاقلًا، مَهيبًا، جوادًا.
وكان يَتّجر في الجاهلية إلى خُراسان وغيرها، وكان رئيسًا في الجاهلية، إليه السِّقايةُ وعمارةُ المسجد الحرام، ولا يمكّن أحدًا يتكلّم في المسجد الحرام بهُجْر.
أسلم بمكة قبل بدر، وقيل: قبل أن يُهاجر رسول الله ﷺ ، وأسلمتْ أمُّ الفضل معه، وكان مُقامُه بمكة عينًا ومُعينًا لرسول الله ﷺ ؛ يكتب إليه بالأخبار، وكان مَن كان بمكة من المؤمنين يَتَقَوَّوْنَ به، ولقد كان يَطلبُ أن يَقدُمَ على رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسولُ الله ﷺ : "مقامُك بمكة مُجاهدًا أحسنُ" فأقام بأمر رسول الله ﷺ ، وكان يَكتُم إسلامه.
وقال رسول الله ﷺ يومَ بدر: "مَن لَقي العبّاسَ منكم فلا يَقْتُلْه؛ فإنَّه خرج مُستكرَهًا"، فلَقيه أبو اليَسَر، فقال له: أتُقاتل ابنَ أخيك وقد نهى عن قَتلك؟ فقال: ليس ذلك بأوَّلِ صِلتِه وبرِّه، فأسره أبو اليَسَر.
وقال سهل بن سعد: استأذن العبّاسُ رسول الله ﷺ في الهجرة، فقال: "اطمئنَّ يا عمّ؛ فإنَّك خاتَم المهاجرين كما أنا خاتم النبيّين".
وفادى العباسُ نوفلًا، وعَقيلًا ابنَ أخيه، ثم رجعوا إلى مكّة ثم أقبلوا إلى المدينة مُهاجِرين.
قال عَقيل بن أبي طالب للنبي ﷺ يوم بدر: مَن قتلْتَ من أشرافهم، أنحن فيهم؟ فقال له: "قُتل أبو جهل" فقال: الآن صفا لك الوادي، وقال له عَقيل: إنه لم يَبقَ من أهل بيتك أحدٌ إلَّا وقد أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "فقُلْ لهم فلْيَلْحقوا بي"، فلما أتاهم عَقيل بهذه المقالة خرجوا فقوموا المدينة بأولادهم وأهاليهم.
وكان قُدومُ العبّاس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب من مكّة على رسول الله ﷺ في أيَّام الخندق، وشيَّعهما ربيعةُ بن الحارث بن عبد المطَّلب في مَخرجهما إلى الأبواء، ثم أراد الرجوع إلى مكّة، فقال له عمّه العباس وأخوه نَوفل بن الحارث: إلى أين تَرجع؟ إلى دار الشِّرك، يُقاتلون رسول الله ﷺ ويُكذّبونه؛ وقد عز رسول الله ﷺ
стр. 2502
وكثف أصحابُه، امضِ معنا، فسار معهما حتَّى قدموا على رسول الله ﷺ مُسلمين مهاجرين.
وشهد العبّاس ليلةَ العَقَبة، وأخذ البَيعةَ لرسول الله ﷺ على الأنصار، واستوثق له، وشهد معه فتح مكّة ويوم حُنَين، وثبت معه، وفَداه بنفسه، وشهد الطائف وما بعده.
وكان رسول الله ﷺ يُكرمُه ويُجلُّه ويُعظِّمُه، وكان وَصولًا للرَّحم، يقومُ بأمر الحَجيج، يسقي ويُطعم، وكان عظيمًا عند الخُلفاء والصحابة، وكانت منزلتُه أن مَن لَقيَه من الخلفاء: أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما مُدَّةَ ولايتهما وهما راكبان؛ إلَّا نزلا، وقال كلُّ واحدٍ منهما دابته، ومشى مع العباس إلى داره.
قال الزُّهري: لقد جاء الإسلام وإن جَفْنةَ العباس لتدورُ على فقراء بني هاشم، وإن سَوطه وسيفَه لمُعَدٌّ لسُفهائهم.
وقال رجلٌ: هذا العباس، ما أسلم حتَّى لم يبقَ كافر، فشكى العبّاس إلى رسول الله ﷺ ، فخرج مُغْضَبًا فقال: "إن العبّاسَ عمي، وعمُّ الرَّجل صِنْوُ أبيه".
قال ابن عباس: إن رجلًا من الأنصار وقع في أبٍ كان للعبّاس في الجاهلية،
فلَطَمه العبّاس، فليس قومُ الرجلِ السّلاح وقالوا. والله لنَلْطِمنّه كما لطمه، وبلغ رسول الله ﷺ ، فصعد المنبر وقال: "أيها النَّاس؛ أيُّ أهلٍ أكرمَ على الله؟ " قالوا: أنت، قال: "فإن العبّاس مني وأنا منه، لا تَسبُّوا مَوتانا فتُؤذوا أحياءَنا"، فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله، نَعوذ بالله من سَخطك.
قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: دخل العبّاس على النَّبيِّ ﷺ مُغضَبًا، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أغضبك؟ "، فقال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش؟ إذا تَلاقَوا بينهم تلاقوا بقُلوبٍ مُنشرحة، وإذا لَقونا لقونا بغير ذلك؟! فغضب رسول الله ﷺ حتَّى احمرَّ وَجهُه، واستَدَرَّ عِرْقٌ بين عينيه، وكان إذا غَضب استَدرّ، فلما سُرِّي عنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يَدخل قلبَ رجلٍ الإيمانُ حتَّى يُحبّكم لله ولرسوله"، ثم قال: "أيّها النَّاس، مَن آذى العبّاس فقد آذاني، إنَّما عمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه".
جاء أسقفُّ غزَّة إلى رسول الله ﷺ وهو بتبوك، فقال: يا رسول الله هلك عندي
стр. 2503
هاشم وعبد شمس، وهما تاجران، وهذه أموالهما، فدعا رسول الله ﷺ عباسًا فقال: "اقسم مال هاشم على كُبَراء بني هاشم"، ودعا أبا سفيان بن حَرْب فقال: "اقسم مال عبد شمس على كُبراء ولد عبد شمس".
ولما قدم العباسُ ونَوفل ﵄ مُهاجِرَين آخى رسول الله ﷺ بينهما، وأقطعهما بالمدينة في موضعٍ واحد، وفَرَع بينهما بحائط، فكانا مُتَجاورَين، وكانا شريكَين في الجاهليَّة مُتحابّين مُتَصافِيَين وكانت دارُ نوفل التي أقطعه إياها رسولُ الله ﷺ في موضع رَحْبة القضاء وما يليها إلى مسجدِ رسول الله ﷺ ، وهي اليوم رَحْبَةُ القضاء، وهي تُقابل دارَ الإمارة التي يُقال لها دار مروان، وكانت دار العباس حديدها، وهي التي في دار مروان إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وهي دار الإمارة، وأقطع العَبَّاسَ دارَه الأخرى التي بالسوق؛ في الموضع الذي يُسمَّى مَجزرة ابن عباس.
ولما كَثُر المسلمون في عهد عمر رضوان الله عليه ضاقَ بهم المسجد، فاشترى عمر رضوان الله عليه ما حول المسجد من الدُّور؛ إلَّا دارَ العبَّاس وحُجَرَ أمهات المؤمنين، فقال عمر رضوان الله عليه للعباس: يا أبا الفضل، إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعتُ ما حولَه من المنازل، نُوسِّع به على المسلمين في مسجدهم، إلَّا دارك وحُجَر أمَّهات المؤمنين فلا سبيلَ إليها، وأمّا دارُك فبعنيها بما شئتَ من بيتِ المال، فقال العباس: ما كنتُ لأفعلَ ذلك، فقال عمر رضوان الله عليه: اختَرْ منّي إحدى ثلاث: إما أن تبيعها بما شئتَ من بيت المال، وإما أن أُخَطِّطَك حيث شئتَ من المدينة، وأبنيها لك من بيت المال، وإما أن تتصدَّق بها على المسلمين، فقال: لا واحدة منها، فقال عمر رضوان الله عليه: اجعل بيني وبينك مَن شئتَ، فقال: أُبيّ بن كعب.
فانطلقا إلى أبيّ، وقصّا عليه القصة، فقال أبي: إن شئتُما حَدَّثتُكما بحديثٍ سمعتُه من رسول الله ﷺ قالا: حدِّثنا، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أوحى الله إلى داود: ابنِ لي بيتًا أُذكَر فيه، فَخَطّ له هذه الخِطّة؛ خطبة بيت المقدس، فإذا تَربيعُها يُزَوِّيه بيت رجلٍ من بني إسرائيل، فسأله داودُ أن يبيعه إياه فأبى، فحدَّث داود نفسه أن يَأخذَه منه، فأوحى الله إليه يا داود، أمرتُك أن تبنيَ لي بيتًا أُذكَرُ فيه، فأردتَ أن تُدخِلَ في بيتي
стр. 2504
الغَصْبَ، وليس من شأني الغَصْب، وإن عُقوبتَك أن لا تَبنيَه، فقال: يا رب، مَن يَبنيه؟ قال: يَبنيه مِن ولدك".
فأخذ عمر رضوان الله عليه بمجامع ثياب أبيّ بن كعب فقال: جئتُك بشيءٍ فجئتَ بما هو أشدُّ منه، لتَخرُجَنَّ ممَّا قلتَ، فجاء به يَقودُه، حتَّى أدخلَه المسجد، فأوقفَه على حلقةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو ذر، فقال أبيّ: نَشدتُ اللهَ رجلًا سمع رسول الله ﷺ يَذكر حديثَ بيت المقدس، حيث أمر الله داودَ أن يبنيه إلَّا ذكره، فقال أبو ذرّ: أنا سمعتُه من رسول الله ﷺ ، وقال آخر: أنا سمعتُه من رسول الله ﷺ ، وقال آخر: أنا سمعتُه يعني من رسول الله ﷺ ، فأرسل أبيًّا فأقبل أبيٌّ على عمر ﵄ وقال له: يا عمر، أتَتَّهمني على حديث رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا أتهمك عليه، ولكن كرهتُ أن يكون الحديثُ عن رسول الله ﷺ ظاهرًا، وقال عمر للعباس: اذهب فلا أَعرض لك في دارِك، فقال العباس ﵁: أما إذا فعلتَ هذا فإني قد تصدَّقتُ بها على المسلمين، أُوسِّع بها عليهم في مسجدهم، فأمّا وأنت تُخاصمني فلا، فخطَّ له عمر رضوان الله عليه دارَه التي هي دارُه اليوم، وبناها له من بيت مال المسلمين.
ولما قدم صفوان بن أُميَّة الجُمَحي المدينة قال له رسول الله ﷺ : "على مَن نَزلتَ يا أبا وَهْب؟ " قال: على العباس، قال: "نزلتَ على أشدِّ قريشٍ لقريش حبًّا".
قال العباس ﵁: يا رسول الله، ألا تُؤَمِّرني؟ فقال: "نَفْسٌ تُنجيها خيرٌ من إمارةٍ لا تُحصيها".
وبقي في بيت المال بَقية، فجاء العباس بعدما قسم عمر رضوان الله عليه بين النَّاس، فقال العباسُ لعمر ﵄ والنّاس: أرأيتم لو كان فيكم عمُّ موسى أكنتم تُكرمونه؟ قالوا: نعم، قال: فأنا عمُّ نبيِّكم، فكلَّم عمر رضوان الله عليه النَّاس؛ فأَعطَوه تلك البقيَّة التي في بيت المال.
وقال ابن عباس ﵄: أعتق أبي عند مَوته سبعين مملوكًا.
وأوَّلُ مَن أشار بالعَوْل في مسألةِ الفرائض العباس ﵁، وهي أولُ مسألةٍ حدثت في زمن عمر رضوان الله عليه، وهي: امرأةٌ ماتت وخَلَّفت زوجَها وأختَها وأمَّها، وهي
стр. 2505
مسألة المباهلة، فجمع لها عمر رضوان الله عليه الصّحابة ﵃، ثم قال: أشيروا عليَّ فيها، فقال العبّاس ﵁: أرى أن يُقسم المالُ بينهم على قَدْر فُروضِهم، وتابعه مَن حضر، وعمل عمر ﵁ بقوله.
وكُفَّ بَصرُه قبل مَوته بخمسِ سنين، وكان قد خَضَب وترك، وكان يقول: اللَّهمَّ اسبق بي أمرًا ما أحبُّ أن أُدرِكَه، يُشير إلى فتنة عثمان رضوان الله عليه.
وتوفّي العباس رضوان الله عليه يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، سنة اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان رضوان الله عليه، وهو ابنُ ثمان وثمانين سنة، ودُفن بالبقيع في مَقبرة بني هاشم، وقيل: كانت وفاتُه في رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنةَ تسعٍ وعشرين، أو أربع وعشرين، والأوّلُ أصحُّ.
ولما توفيَّ بعث بنو هاشم إلى أهل العَوالي مُؤذّنًا يؤذنهم ويقول: رحم الله مَن شهد العباس، فحشد النَّاس، ونزلوا من العَوالي، فلما أُتي به إلى موضع الجنائز تضايق، فتقدَّموا به إلى البقيع؛ فلم يَقدر أحدٌ يَدنو منه ومن سريره لكثرة الزِّحام، وبعث عثمان رضوان الله عليه الشُّرَط يَضربون النَّاس، وعلى سريره بُرْدُ حِبَرَة قد تَقطّع من الزِّحام.
ولما مات أرسل عثمان رضوان الله عليه يقول: إن رأيتُم أن أَحضُرَ غَسلَه فعلتُ، فأذِنُوا له، فجاء فجلس ناحيةَ البيت، وغَسله علي وعبد الله وعبيد الله وقُثَم بنو العباس ﵁، وحَدَّتْ نساءُ بني هاشم عليه سنة، وصلّى عليه عثمان رضوان الله عليه بالبقيع، ودُفن بالبقيع في مَقبرة بني هاشم، واجتمع في جنازته خَلْقٌ لم يجتمع لغيره، ونزل في قبره عليّ وابناه الحسن والحسين، وعبد الله وعبيد الله وقُثَم بنو العباس ﵃، وقيل: إن عثمان رضوان الله عليه نزل في قبره، وقيل: جلس على شَفير قبره ﵁.
ذكر أولاده: كان له عشرةٌ من الذُّكور، وخمس من البنات، فالذكور: الفضل، وعبد الله، وعُبيد الله، ومَعبد، وقُثَم، وعبد الرحمن، وتَمّام، وعَون، وكَثير، والحارث، والإناث: أمُّ حَبيب، ويقال: إنَّها أمُّ حبيبة، وصفيَّة، وأُميمة، وأمّ كلثوم، وآمِنة.
فأمَّا الفضلُ فكان أكبرَ وَلَده، وبه كان يُكنى، ومات بطاعون عَمَواس، ولم يُعقِب.
وأمَّا عبد الله فهو الحَبْر أبو الخُلَفاء، توفي سنة ثمان وستين.
стр. 2506
وأمَّا عُبيد الله فهو الجواد، توفي سنة سبعٍ وخمسين.
وأمَّا عبد الرحمن فمات بالشام، وقيل: استُشهد باليرموك.
وأمَّا قُثم فكان أشبهَ النَّاس برسول الله ﷺ ؛ لأنَّه آخر مَن خرج من قبره، وولاه عليّ رضوان الله عليه مكّة، فلم يَزل عليها إلى أن مات (١)، وقيل: المدينة، وليس له عَقِب، وغزا خُراسان وعليها سعيد بنُ عثمان بن عفّان، فقال له: يا ابن عمّ، أضربُ لك بألف سهم؟ فقال: يَكفيني سهمٌ واحد، وكان ذلك في أيَّام مُعاوية.
وكان قُثَم ورعًا فاضلًا، مات بسَمَرقند، وكان رَضيع الحسين ﵁، أرضعتْه لُبابَة بلبانها.
وأمَّا مَعْبَد بن العباس فكان من أصاغر وَلَدِ العباس، ووَلَد مَعْبد عبدَ الله والعباس وميمونة، أمُّهم أمُّ جَميل بنت السَّائب، هلاليّة، وعمر وآيبة وحفصة لأمّهات الأولاد، ولمعبد بقيّةٌ وعَقبٌ كثير.
وكان مَعبد شخص في خلافة عثمان رضوان الله عليه إلى إفريقية غازيًا مع عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح فاستُشهد بها، وكُنيتُه أبو عبد الرحمن.
ومن ولده عبد الله الأكبر بن مَعْبد، رُوي [عنه] الحديث، وولدُه العباس بن عبد الله بن مَعْبد، وَلّاه أبو جعفر مكّة والطائف، وهو أوّلُ مَن أظهر السَّوادَ بالحجاز.
فهؤلاء الستة، وهم: الفضل وعبد الله وعُبيد الله وعبد الرحمن وقُثَم ومعبد من أمِّ الفضل لُبابَة الكُبرى، وفيهم يقول عبد الله بنُ يزيد الهِلالي، وقيل: يزيد بن عبد الله: [من الرجز]
ما وَلَدتْ نَجيبَةٌ من فَحْلِ
كسِتَّةٍ من بطنِ أمِّ الفَضْلِ
وفيهم يقول أيضًا: [من الطَّويل]
ونحن وَلَدْنا الفَضْلَ والحَبْرَ بعده … عَنَيتُ أبا العبَّاسِ ذا الفَضْل والنَّدى
стр. 2507
ألا وعُبيدَ الله ثمَّ ابنَ أمِّه … ألا قُثَمًا أعني وذا البدع مَعْبَدا
غُيوثٌ على العافِين خُرسٌ عن الخَنَا … لُيوث إذا ما مُوقِدُ الحربِ أوقَدا
وكان يُقال: ما رأينا بني أمَّ وأبٍ قطُّ أبعدَ قُبورًا من بني العباس ﵁، فالفضلُ بالشام، وعبد الله بالطائف، وعُبيد الله بالمدينة، وقُثَم بسَمَرْقَند، ومَعبد بإفريقية، وعبد الرحمن باليرموك، وأختُهم لأبيهم وأمِّهم أمُّ حَبيب.
وأمَّا تَمّام بن العباس فأمُّه أمَّ ولد رومية، وتُسمّى سَبَا، وقيل: حِميريّة تُسمّى سيا بالياء، وهي أمُّ كَثير بن العباس.
وكان تَمّام أصغر وَلدِ العباس، وكان من أشدِّ [أهلِ] زَمانه بَطشًا.
فوَلَد تمّام جعفرًا، رُوي عن جعفر بن تَمّام الحديث، وولد أمَّ حبيب بنت تمام، أمُّها العالية بنت نَهيك بن قيس، من بني صَعْصَعة، ووَلَدَ تَمّام أيضًا: العباس وقُثمًا والعالية وكثيرة وصفيّة، وأمُّهم أمُّ حازم بنت نَهيك بن قيس أيضًا، خلف عليها تمام بعد أُختها، ونفيسة بنت تمام أمُّها أم كلثوم بنت عبد الله بن عقيل بن أبي طالب، وكان لتمام أولاد وأولاد أولاد انقرضوا، وكان آخر مَن بقي منهم يَحْيَى بن جعفر بن تمام، فهلك في خلافة أبي جعفر المنصور، فوَرِثه سليمان وعيسى وصالح وعبد الصمد وإسماعيل بنو علي بن عبد الله بن عباس بالقُعْدُد، فوهبوا حقَّهم لعبد الصمد بن علي، فصار مِيراثُه كلُّه إليه.
وكانت ابنةُ أبي جعفر المنصور عند [ابن] قُثَم بن تمام بن العباس، وقيل: إنَّما كانت عند يحيى بن جعفر بن تمام.
روى تمام الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، فقال أحمد ﵁: حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله ﷺ يَصُفُّ عبد الله وعُبيد الله وكَثيرًا بَني العباس ثم يقول: "مَن سبق إليّ فله كذا وكذا" قال: فيستَبِقون إليه، فيَقَعون على ظهره، فيَلزمُهم ويُقَبّلُهم (١).
وأمَّا عَون بن العباس فوُلد على عهد رسول الله ﷺ ، ولا روايةَ له، ولم يُعرف اسمُ أُمِّه.
стр. 2508
وأمّا كَثير بن العبَّاس فروى عن أبيه وغيره، وكان فقيهًا صالحًا قليلَ الحديث، وليس له عَقِب، روى عنه الزُّهريّ وأبو حازم الأعرج، وكان يَسكن على فراسخ من المدينة بالمعرَّس، ثم يأتي يوم الجمعة إلى المدينة، فيَنزل دار أبيه العباس ﵁، فيُصلّي الجمعة ثم يَنصرف، وكانت وفاتُه بيَنْبُع.
ولما احتُضر كتب على كَفَنه: كَثير بن العباس يشهد أن لا إله إلّا الله. وولد كَثير: يَحْيَى بنَ كَثير، وأمُّه أمُّ كلثوم بنت علي ﵇، وهي الصغرى، دَرَج، ووَلدَ الحسنَ بنَ كثير، دَرَج.
وأمَّا الحارث بن العبَّاس فأمُّه حُجيلة بنت جُنْدب بن الرَّبيع بن عامر، هُذَليَّة، وقيل: لأمِّ وَلَد، ويُلَقَّب أبا عَضَل، وكان العباس ﵁ قد وَجَد عليه، فلحق بالزُّبير بن العوَّام ﵁ وهو في بعض مَغازيه بمصر، فكلَّمه فيه فرضي عنه، وذهب بصرُ الحارث بعدما ذهب بصرُ العباس، فقال: أنتم زعمتُم أنَّه ليس أبي؟! ها قد ضَعفتُ وقد عَميتُ كما عَمي.
ووَلَد الحارث عبدَ الله، وولد عبدُ الله السَّرِيَّ بنَ عبد الله، ووَلّاه أبو جعفر مكّة، وقيل: المدينة واليمامة، وكان جَوادًا مُمَدَّحًا، وأمُّ السَّرِيّ جمال بنتُ النُّعمان بن عمرو بن مَبذول، وقد مَدح السَّرِيَّ الفرزدقُ وابنُ هَرْمَة وحبيبُ بن شَوْذب وغيرهم، ولما عُزل عن اليمامة قال حَبيب بن شَوْذب: [من البسيط]
راح السَّرِيُّ وراح الجودُ يَتبعُهُ … وإنَّما النَّاسُ مَذْمُومٌ ومَحمودُ
لقد يَروحُ إذا راحتْ ركائبُه … عن أرضِ حَجْرٍ وربِّ الكعبةِ الجُودُ
مَن كان يَضمن للسُّؤَّال حاجتَهم … ومَن يَقولُ إذا أعطاهم عُودوا
وأما بنات العباس ﵁: فأمُّ حَبيب من أمِّ الفضل، وهي لُبابَةُ الكُبرى، وليس للعباس ﵁ من أمّ الفضل ابنة غيرها.
قالت أمُّ الفضل: قال رسول الله ﷺ : "لو بلغتْ أمُّ حبيب وأنا حيٌّ لتزَوَّجتُها"، وتزوَّجها الأسود بنُ سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وولدت له رزق ولُبَابَة.
وأمَّا صفية وآمنة فلأمّ ولد، وشقيقهما كَثير وتَمّام، تزوَّج صفيّة محمد بن عبد الله
стр. 2509
ابن مَسروح من بني سعد بن بكر، وآمنة بنت العباس كانت عند العباس بن عُتبة بن أبي لهب، فوَلَدت له الفضلَ بنَ العباس الشاعر، وأمها أمُّ ولد، وأم كلثوم بنت العباس لأمِّ ولد.
أسند العباس الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، والمشهور عنه أنَّه روى عنه خمسةً وثلاثين حديثًا (١).
عبد الله بن حُذافة
ابن قيس بن عديّ بن سعد بن سَهْمٌ بن عَمرو بن هُصَيص الهاشمي، وكُنيته أبو حُذافة، وأمُّه تميمة بنت حُرْثان، من بني الحارث بن عبد مَنَاة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وبعثه بكتابه إلى كسرى، وأمّره رسول الله ﷺ على سريّة، فأمرهم أن يَجمعوا حطبًا ويَقتَحموا النّارَ، [فأبوا، فصوَّبَ رسولُ الله ﷺ فعلَهم]، وأَسَرَتْه الروم في سنة تسع عشرة.
قال أنس: خطب رسول الله ﷺ خُطبةً ما سمعتُ مثلَها قط، فقال: "لو تَعلمون ما أعلم لضَحكتُم قليلًا ولبَكيتُم كَثيرًا"، فغطَّى أصحابُ رسول الله ﷺ وجوهَهم ولهم حَنين، فقال عبد الله بنُ حُذافَة: مَن أبي؟ فقال: "حُذافَة"، فبرك عُمر على رُكبتَيه وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، قال ابنُ شهاب: فقالت أمُّ عبد الله بن حُذافَة لابنها: ما رأيتُ ولا سمعتُ بأعقّ منك أأمِنْتَ أن تكون أمُّك قد قَارفَتْ بعضَ ما يُقارِفُ أهلُ الجاهلية، فتفضَحها على أعيُنِ النَّاس؟ فقال عبد الله: والله لو أَلحَقَني بعبدٍ أسود للَحِقْتُ به (٢).
وتوفي بمصر ودُفِن بمَقبرتها، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ فنادى في الموسم:
стр. 2510
إنَّها أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله تعالى، وله رواية ﵁ (١).
عبد الله بن زيد
ابن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخَزْرج الأنصاري، وهو صاحبُ الأذان، كُنيته أبو محمد، من الطبقة الأولى من الأنصار، لقي رسول الله ﷺ في النّفر الستّة الذين أسلموا، وشهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه رايةُ بني الحارث بن الخزرج يوم الفتح.
وكان عبد الله بن زيد يكتب في الجاهلية بالعربية تُوفّي بالمدينة في هذه السنة وهو ابنُ أربعٍ وستين سنة، وصلّى عليه عثمان رضوان الله عليه، ودُفن بالبقيع.
وله عَقب بالمدينة منهم: محمد وأمّه سَعدة بنت كُلَيب بن يساف، وأمُّ حُميد بنت عبد الله، أمُّها من أهل اليمن، وكان له إخوة: حُرَيث بن زيد بن عبد ربه، شهد بدرًا وأحدًا، وله عَقِب (٢).
* * *
стр. 2511
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء السادس
[٣٣ - ٤٠ هـ]
حقق هذا الجزء وعلق عليه
عمار ريحاوي
стр. 2512
عبد الله بن مسعود
ابن غافل بن حَبيب بن شَمْخ بن فار بن مَخزوم بن صاهِلة [بن كاهل] بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيل بن مُدرِكة، واسمه عمرو بن إلياس بن مُضر، وأمُّه أمُّ عبد بنت عبد ودّ بن سُويّ بن قُرَيْم بن صاهِلة، هُذَليّة، وأمها هند بنت عبد الحارث بن زُهرة بن كِلاب.
وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين الأوَّلين، أسلم قديمًا بمكة قبل دخول رسول الذي ﷺ دارَ الأرقم، ويُقال: كان سادِسًا في الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ وشهد اليرموك، وهو الذي ضرب عُنُق أبي جهل يوم بدر بعد أن أَثْبَته ابنا عَفراء.
وكان صاحبَ سرِّ رسول الله ﷺ ووسادِه وسِواكِه ونَعلَيه وطهورِه في السَّفر، وكان يُلبسُه نَعلَيه، ويَمشي أمامَه بالعصا، فإذا جلس رسول الله ﷺ نزع نعلَيه وجعلهما بين أصابعه. وكان يُشبه رسولَ الله ﷺ في هَدْيه وسَمْتِه كلِّه، وكان أجودَ النَّاسِ، وأطيبَهم ريحًا، وأحسنَهم ثوبًا، وولاه عمر رضوان الله عليه القضاءَ على الكوفة وبيتَ المال، وأقام عليهما صَدرًا من خلافة عثمان رضوان الله عليه، ثم رجع إلى المدينة فمات بها.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين الزُّبير بن العوام ﵁، وقيل: بينه وبين مُعاذِ بن جبل ﵁.
صفته:
كان خفيفَ اللحم، شديدَ الأدمة، دحداحًا، يكاد الجالسُ يُواريه من قِصره، وشَعرُه يَبلغ تَرقُوته، فإذا صلّى تركه وراء أذنيه، له ضفرتان، عليه مِسحَةُ أهلِ البادية، لا يُغيِّر شيبه، ويَتختّم بالحديد.
ذكر إسلامه: قال عبد الله بن مسعود ﵁: كنتُ أرعى غنمًا لعُقبة بن أبي مُعَيط، فمرَّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: "يا غُلام، هل من لَبَن؟ " قلتُ: نعم ولكني مُؤتَمن، قال: "فهل من شاةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحل"، فأتيتُه بشاة، فمسح على ضَرعها، فنزل لَبن، فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضَّرع: "اقلِص" فقَلص، ثم أتيتُه بعد هذا فقلت: يا رسول الله، علِّمني من هذا القول، فمسح على رأسي وقال: "يرحمك الله فإنَّك غُلَيِّمٌ مُعَلَّم" (١).
стр. 2513
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد أخذتُ من في رسولِ الله ﷺ بِضعًا وسبعين سورةً، وزيدُ بن ثابت غُلام، له ذُؤابتان، يَلعب مع الصّبيان.
وقال: "لقد رأيتُني سادسَ سِتَّةٍ ما على وجهِ الأرض مُسلمٌ غيرنا.
قال أبو موسى الأشعري: لقد أتيتُ النَّبيُّ ﷺ ولا أُرى إلَّا ابن مسعود من أهله.
وقال: قدمتُ أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نَرى ابنَ مسعودٍ وأمَّه إلَّا من أهل بيت رسول الله ﷺ ؛ لما نَرى من كَثرة دُخوله وخُروجِه، ودُخول أمِّه عليه، وملازمتهما إياه.
وقال أبو المليح: كان ابنُ مسعود يُوقظ رسول الله ﷺ إذا نام، ويَستُره إذا اغتسل.
وأخرج البُخاريّ عن حُذيفة بن اليَمان وسئل فقيل له: أخبِرنا برجلٍ قريبِ السَّمتِ والدَّلِّ والهَدْيِ من رسول الله ﷺ نأخذ عنه، فقال: ما نَعلم أقربَ سَمْتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسول الله ﷺ من ابنِ أمِّ عبد حتَّى يَتوارى بجُدران بيته، ولقد عَلم المحفوظون من أصحاب رسول الله ﷺ -أو أصحاب محمد- أن ابنَ أمّ عبد من أقربهم إلى الله وسيلة، وفي رواية: من أقربهم إلى الله زُلْفى (١).
قال علقمة: جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه وهو بعرَفَة فقال: جئتُ يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركتُ بها رجلًا يُملي المصاحفَ عن ظَهر قلبه، فغضبَ وانتفخ حتَّى كاد أن يَملأ ما بين شُعبَتَي الرَّحل، ثم قال: ويحك مَن هو؟ قال: ابن مسعود، فما زال ينطفئ ويُسرَّى عنه الغضب حتَّى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلم بقي من النَّاس أحد هو أحق بذلك منه وسأحدّثك عن ذلك: كان رسول الله ﷺ لا يزال يَسمُر عند أبي بكر -الليلَ كلَّه في أمور المسلمين -أو في الأمر من أمور المسلمين- فإنَّه سَمَر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسولُ الله ﷺ وخرجنا معه، فإذا رجلٌ قائمٌ يُصلِّي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يَستمع قراءتَه، فلما كِدنا نعرفه قال رسول الله ﷺ : "من سَرَّه أن يَقرأ القرآن رَطبًا كما أُنزل فلْيقرأه على قراءةِ ابنِ أمِّ عبد"، ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "سلْ تُعْطَه،
стр. 2514
سلْ تُعْطَه"، فقال عمر ﵁. فقلتُ: والله لأَغدُونَّ عليه ولأُبَشِّرنّه، قال فغدوتُ إليه، فإذا أبو بكر قد سَبقني إليه فبَشَّره، لا والله، ما سابَقتُه إلى خيرٍ قط إلَّا سَبقني إليه (١).
وأقبل ابنُ مسعود ذات يومٍ وعمر رضوان الله عليه جالس، فقال: كُنَيفٌ مُلِئ عِلمًا.
قال الشعبي: ذكروا أن عمر بن الخطاب لَقي رَكبًا في سَفر له، فيهم عبد الله بنُ مسعود، فأمر عمر رجلًا يُناديهم: من أين القوم؟ فأجابه عبد الله: أقبلْنا من الفَجِّ العَميق، قال: فأين تُريدون؟ قال عبد الله: البيتَ العَتيق، فقال عمر: إن فيهم عالمًا، ثم أمر رجلًا فناداهم: أيُّ القرآن أعظم؟ فأجابه عبد الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتَّى ختم الآية، قال: فناداهم: أيُّ القرآن أحكم؟ فقال ابن مسعود: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، فقال عمر: نادِهم، أيُّ القرآن أجمع؟ فقال ابن مسعود: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧)﴾ الآية [الزلزلة: ٧]، فقال عمر: نادهم؛ أيُّ القرآن أخوف؟ فقال ابن مسعود: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ١٢٣]، فقال عمر: نادهم؛ أيُّ القرآن أرجى؟ فقال ابن مسعود: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، فقال عمر: نادهم، أفيكم ابنُ مسعود؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم.
سُئل علي رضوان الله عليه عن ابن مسعود ﵁، فقال: انتهى إليه علمُ القُرآن والسُّنَّة.
قال أبو الأحوص: شهدتُ أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود أحدُهما يقول لصاحبه: أتُراه تَرك مثلَه؟ قال: إن قلتَ ذلك، إن كان لَيُؤذَن له إذا حُجِبنا، وَيشهَدُ إذا غِبْنا.
كان أبو موسى يقول: لا تَسألوني عن شيءٍ ما دام هذا الحَبْر فيكم، يعني ابنَ مسعود.
قال مَسروق: انتهى عِلم الصّحابة إلى ستَّةِ نَفر: عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي بن كعب، وأبي الدَّرداء، يزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء إلى رجلين: علي وعبد الله.
стр. 2515
قال عبد الله بن مسعود ﵁: قال لي النَّبيُّ ﷺ : "اقرأ عليَّ"، فقلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: "نعم، إنِّي أُحبُّ أن أسمعَه من غيري"، قال: فقرأتُ سورةَ النساء، حتَّى أتيتُ هذه الآية ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، قال: "حَسْبُك الآن"، فالتفتُّ فإذا عيناه تَذرِفان (١).
قال شقيق بن سَلَمة: خَطَبنا ابنُ مسعود فقال: على قراءةِ مَن تأمرونني أن أقرأ؟! والله لقد أخذتُ من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، ولقد علم أصحابُ محمد ﷺ أني من أعلمِهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، ولو أَعلمُ أن أحدًا أعلمُ مني لرحلتُ إليه، قال شقيق: فجلستُ في حِلَقٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم أسمع أحدًا يَردُّ ذلك ولا يَعيبه.
قال مَسروق: قال عبد الله: والله الذي لا إله إلَّا هو، ما نزلتْ آية في كتاب الله إلَّا وأنا أعلم أين نَزلتْ، وفيم نَزلتْ، ولو أعلم أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني تَنالُه المَطِي لأتيتُه.
كان عبد الله بن مسعود ﵁ يصوم الاثنين والخميس، وكان يقول: إنِّي أختارُ الصلاةَ على الصوم؛ لأني إذا صُمتُ ضَعفتُ عن الصَّلاة.
قال عمرو بن مَيمون: اختلفتُ إلى ابن مسعود سنة ما سمعتُه يُحدِّثُ فيها عن رسول الله ﷺ ، ولا يقولُ فيها: قال رسول الله ﷺ ، إلَّا أنَّه حَدَّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله ﷺ ، فعَلاه الكَربُ وأُرعِد، حتَّى رأيتُ العَرَقَ يَتَحدَّرُ عن جبهته، ثم قال: إن شاء الله تعالى.
قال مَسروق: قال رجل لعبد الله بن مسعود: ما أحبُّ أن أكونَ من أصحاب اليَمين، أحبُّ أن أكونَ من المقَرَّبين، فقال عبد الله: لكن ها هنا رجلٌ ودَّ أنَّه إذا مات لا يُبعَث، يعني نفسَه.
وقال: لو وقفتُ بين الجنة والنار، وقيل لي: اختر لاخترتُ أن أكونَ رَمادًا.
قال زيد بن وَهب: بكى عبد الله بن مسعود، حتَّى رأيتُه أخذ بكفّه من دُموعه فقال به هكذا.
стр. 2516
قال حبيب بن ثابت: خرج ابنُ مسعود ذات يوم فاتّبعه ناسٌ، فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نَمشي معك، قال: فارجعوا فإنه ذِلّةٌ للتابع، وفِتنةٌ للمَتبوع.
قال عبد الله بن مسعود: لو تعلمون ما أعلم من نَفسي لحَثيتُم على رأسي التُّراب.
قال أبو الأحوص الجُشَمي: دخلنا على ابن مسعود وعنده بَنُون له، ثلاثة غِلمان، كأنهم الدَّنانيرُ حُسْنًا، فجعلْنا نتعجَّبُ من حُسنِهم، فقال لنا: كأنكم تَغبِطوني بهم؟! قلنا: إي والله، بمثل هؤلاء يُغبَطُ المرءُ المسلم، فرفع رأسه إلى سقفِ بيتٍ له صغير؛ قد عَشَشَ فيه خُطَّافٌ وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأنَّ أهونَ نَفَضْتُ يَدي من تُراب قُبورِهم أحبُّ إليَّ من أن يَسقُطَ عِشقُ هذا الخُطَّاف ويَنكسرَ بيضُه.
وكان يقول: ما أُبالي إذا رجعتُ إلى أهلي على أيِّ حالٍ أَراهم؛ بسَرَّاء أم بضَرَّاء، وما أصبحتُ على حالٍ فتمنَّيتُ أني على سواها.
وكان يقول: أكرَه المكروهات الموتُ والفقرُ، والله لا أبالي بأيِّهما بُليت.
ذكر جملة من كلامه ومواعظه ﵁:
كان يقول: إنكم في مَمَرِّ الليل والنهار، في آجالٍ مَنقوصَة، وأعمالٍ مَحفوظَة، والموتُ يأتي بَغْتَةً؛ فمَن زرع خيرًا فيوشِك أن يَحصدَ رَغْبةً، ومَن زرع شرًّا فيوشك أن يَحصِدَ نَدامةً، ولكل زارعٍ مثل ما زرع، لا يَسبق بطيءٌ بحظِّه، ولا يُدركُ حَريصٌ ما لم يُقَدَّر له، فمَن أُعطي خيرًا فالله أعطاه، ومَن وُقِيَ شرًّا فالله وَقاه، المتَّقون سادَة، والعلماءُ قادَة، ومَجالسُهم زيادة. قال أبو الأحوص: إن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يَقوم يوم الخميس قائمًا ويقول: إنَّما هما اثنان: الهَديُ والكلام، فأفضلُ الكلامِ كلامُ الله، وأفضلُ الهَديِ هَدْيُ محمد ﷺ ، وشرُّ الأمور مُحدثاتُها، وكلُّ مُحدَثَةٍ بِدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، فلا يَطولَنَّ عليكم الأَمَد، ولا يُلهِيَنّكم الأمَل، فإن كل ما هو آتٍ قريبٌ، ألا وإن بعيدًا ما ليس بآتٍ، ألا وإن الشَّقي مَن شَقي في بطن أُمِّه، ألا وإن السَّعيدَ مَن وُعِظَ بغيره، ألا وإن قتال المسلم كُفر، وسبابَه فُسوق، ولا يَحِل لمسلمٍ أن يَهجُرَ أخاه فوق ثلاثة أيَّام حتَّى يُسَلِّم عليه إذا لَقِيَه، ويُجيبه إذا دعاه، وَيعوده إذا مَرِض، ألا وإن شَرَّ الرَّوايا [روايا] الكَذِب، ألا وإن
стр. 2517
الكَذب لا يَصلُح منه جِدٌّ ولا هَزْلٌ، ولا يَعِدِ الرَّجلُ صَبيَّه شيئًا ثم لا يُنجِزُ له، ألا وإن الكَذبَ يَهدي إلى الفُجور، وإن الفُجورَ يَهدي إلى النَّار، وإن الصّدقَ يَهدي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يَهدي إلى الجنَة، ألا وإنه يُقال للصّادق: صَدقَ وبَرَّ، ويُقال للفاجر: فَجر وكَذب، وإن محمدًا ﷺ حدَّثنا أن الرجل يَصْدُق حتَّى يُكتبَ عند الله صِدِّيقًا، ويَكذب حتَّى يُكتبَ عند الله كذابًا، ألا وهل أُنَّبِّئكم بالعَضْهِ؟ قالوا: وما العَضْه؟ قال: النَّميمة، وهي تُفسِدُ ما بين النَّاس.
وقال ابنُ مسعود ﵁: إن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأوثقَ العُرى كلمةُ التَّقوى، وخيرَ المِلَل ملَّةُ إبراهيم، وأحسنَ السِّيرة سيرةُ محمد ﷺ ، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ الأنبياء، وأشرفَ الحديثِ ذكرُ الله، وخيرَ القصص القرآنُ، وخيرَ الأمورِ عواقبُها، وشرَّ الأمور مُحدَثاتُها، وما قَلَّ وكفى خيرٌ ممَّا كَثُر وأَلهى، ونَفْسٌ تُنْجيها خيرٌ من إمارةٍ لا تُحصيها، وشَرّ النَّدامة ندامةُ يوم القيامة، وشرّ الضَّلالِ الضلالةُ بعد الهُدى، وخير الغِنى غِنى النَّفس، وخير الزَّاد التَّقوى، وخير ما أُلقِي في القلب اليقينُ، والرّيبُ من الكُفر، وشرّ العَمي عَمى القَلب، والخَمرُ جِماعُ الإثم، والنساء حَبائلُ الشَّيطان، والشّبابُ شُعبةٌ من الجُنون، والنَّوحُ من عمل الجاهلية، ومن النَّاس مَن لا يَأتي الجمعةَ إلَّا دَبْرا، ولا يَذكر الله إلَّا هَجرا، وحُرمَةُ مالِ المسلمِ كحُرمَةِ دَمِه، ومَن يَعْفُ يَعفُ الله عنه، ومَن كَظَم الغَيظَ يَأجُره الله، ومَن صَبر على الرَّزِيَّة أَعقَبَه حُسنَ الأجر، وشَرُّ المكاسبِ كَسْبُ الرِّبا، وشَرُّ المآكِل [أكلُ] مالِ اليتيم، وإنَّما يَكفي أحدَكم ما قنعتْ به نَفْسُه، وإنَّما يَصيرُ إلى أربعةِ أَذْرُعٍ في ذِراعين، ومِلاكُ الأمرِ خَواتيمُه، وأشرفُ الموتِ قَتْلُ الشُّهداء، ومَن يَعرف البلاء يَصبر عليه، ومَن يَستكبر يَضَعْه الله، ومَن يُطِع الشَّيطان يَعصِ الله، ومَن يَعصِ الله يُعَذّبْه.
وقال عبد الله بن مسعود: يَنبغي لحاملِ القرآن أن يُعرَفَ بليله إذ النَّاسُ نائمون، وبنهاره إذ النَّاسُ مُفطرون، وبحُزنه إذا النَّاسُ يَفرحون، وببكائه إذا النَّاس يَضحكون، وبصَمْته إذا الناسُ يَخلُطون، وبخُشوعه إذا النَّاس يَختالون، ويَنبغي لحامل القرآنِ أن يكون باكيًا مَحزونًا، حكيمًا حليمًا سكينًا، ولا يَنبغي له أن يكون جافيًا، ولا غافلًا، ولا صخَّابًا، ولا صَيَّاحًا، ولا حَديدًا.
стр. 2518
وقال: إنِّي لأُبغِضُ الرجلَ أن أراه فارغًا، ليس في شيءٍ من عمل الدُّنيا ولا عمل الآخرة.
وقال: من اليقين أن لا تُرضي النَّاسَ بسَخَطِ الله، ولا تَحمدَنَّ أحدًا على رزق الله، ولا تلومَنَّ أحدًا على ما لم يُؤتِك الله؛ فإن رزقَ الله لا يَسوقُه حِرصُ الحَريص، ولا يَردُّه كُره الكاره، والله تعالى بحُكمه وعِلمه جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرِّضا، وجعل الهَمَّ والحزنَ في الشكِّ والسَّخط.
وقال: ما دمتَ في صلاةٍ فأنت تَقرع باب الملك، ومَن يقرع باب الملك يوشك أن يُفتَح له.
وقال: كونوا يَنابيعَ العلم، مَصابيحَ الهُدى، أحْلاسَ البيوت، سُرُجَ الليل، جُددَ القلوب، خُلْقان الثياب، تُعرفون في أهل السماء، وتَخْفَون على أهل الأرض.
وقال: إن للقُلوب شَهوةً وإقبالًا، وإن لها فَترةً وإدبارًا، فاغتنموها عند شَهوتها وإقبالها، ودعوها عند فَترتها وإدبارها.
وقال: ليس العلم بكَثرة الرِّواية، لكنّ العلمَ الخَشيَةُ.
وقال: إن الرجل لَيَخرجُ من بيته ومعه دِينُه، فيَرجع وما معه شيءٌ، يَلقي الرجلَ لا يَملك له ولا لنفسِه ضُرًّا ولا نفعًا، فيُقسِم له بالله إنك لَذَيتَ وذَيت، فيَرجع وما ظَفِر من حاجته بشيءٍ، وقد أسخطَ الله عليه.
وقال: مع كلِّ فَرحة تَرْحَة، وما مُلئ بيتٌ حَبْرةً إلَّا مُلئ عَبرة.
وقال: ما منكم إلَّا ضَيف ومالُه عارِيّة، فالضيف مُرتَحِل، والعارِيّة مُؤداة إلى أهلها.
وقال: مَن جاءك بالحقّ فاقبلْ منه وإن كان بَعيدًا بَغيضًا، ومَن جاءك بالباطل فاردُدْه وإن كان حبيبًا قريبًا.
وقال: الحقُّ ثَقيل مَريء، والباطلُ خَفيفٌ وَبيء، وربَّ شَهوة أورثتْ حُزنًا طويلًا.
وقال: واللهِ الذي لا إله إلَّا هو، والله ما على وَجْهِ الأرض أحْوَج إلى طُولِ سَجْنٍ من لسان.
وقال: إذا ظهر الرِّبا والزنا في قرية أُذِنَ بهَلاكها، ومَن استطاع أن يَجعل كَنْزَه في السماء حيث لا يَأكُلُه السُّوس، ولا يَناله السُّرَّاق فليفعل، فإن قَلبَ الرجلِ مع كَنْزِه.
стр. 2519
وقال له رجل: أوصِني، قال: ليَسَعْك بيتُك، واكفُفْ لِسانَك، وابْكِ على خَطيئتك. وقال: لا تكونَنَّ إِمَّعَة، قالوا: وما الإِمَّعَة؟ قال: تقول: أنا مع النَّاس، إنْ اهتَدوا اهتَدَيتُ، وإن ضَلُّوا ضَلَلْت.
وقال: مَن لم تَأمرْه صَلاتُه بالمعروف وتَنهاه عن المنكر؛ لم يَزدَدْ بها من الله إلَّا بُعْدا.
ذكر وصيّته ووفاته:
أوصى الزبيرَ بنَ العوام ﵁ في ماله ووَلدِه، ثم إلى عبد الله بن الزبير ﵁ من بعد أبيه، وكتب في وصيّته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به عبد الله بنُ مسعود إن حَدَثَ به حَدَثٌ في مرضه هذا؛ أن مَرجعَ وَصيّته إلى الله وإلى الزُّبير بن العوّام وابنه عبد الله بن الزُّبير؛ أنهما في حِلٍّ وبِلٍّ ممَّا وَييا، وأنه لا يُزَوَّجُ أحدْ من بناتِ عبد الله إلَّا بإذنهما.
وفي رواية: أنَّه لا حَرَج فيما وَليا من ذلك، ولا تُزوَّجُ امرأةٌ من بناتِه إلَّا بعلمهما، ولا يُحْجَزُ [ذلك] عن امرأته زينب بنت عبد الله الثقفيّة، وأن يُكفَّن في حُلَّةٍ بمئتَي دِرهم، وأن يُدفَنَ عند قبر عثمان بن مَظْعُون.
واختلفوا في وفاته، فقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وهو [ابن] بِضْعٍ وستّين سنة، وقيل: سنة ثمان وعشرين، أو سنة وثلاثين، أو إحدى وثلاثين، والأول أصحُّ، وصلى عليه عمار بن ياسر بوصيَّةٍ منه، فلما علم عثمان رضوان الله عليه غضب وقال: سَبقتموني به، فقال له الزُّبير ﵁: [من البسيط]
لا ألفَينّك بعد الموتِ تَندُبني … وفي حياتي ما زَوَّدتني زادي
وذلك لأنَّ عثمان رضوان الله عليه كان غَرّبه إلى الكوفة، وحَرمَه العطاء سنتين لإنكاره على الوليد بن عُقبة، وقيل: صَلَّى عليه عثمان رضوان الله عليه، واستغفر كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه قبل موت ابن مسعود ﵁، وهو أثبت.
وقيل: صَلَّى عليه الزُّبير ﵁ وترك تسعين ألف درهم.
ودخل الزُّبير ﵁ على عثمان أنَّه بعد وَفاةِ ابن مسعود ﵁ فقال: أعطِني عطاءَ عبد الله، فأهلُ عبد الله أحقُّ به من بيت المال، فأعطاه خمسةَ عشر ألفَ دِرهم، وقيل:
стр. 2520
عشرين ألفًا، أو خمسة وعشرين ألفًا (١).
ذكر أولاده:
كان له من الولد عبد الرحمن وعُتبة وأبو عُبيدة، وبنات عِدّة.
فأمَّا عبد الرحمن فكان على قضاء الكوفة، وابنُه معن بن عبد الرحمن والد القاسم بن معن، وَلي قضاءَ الكوفة (٢)، ولم يَرتزِق على القضاء شيئًا حتَّى مات، وكان عالمًا بالقرآن والحديث والفقه والشعر وأنساب العرب وأيام النَّاس، وكان يُقال له: شَعبيّ زمانه.
وأمَّا عُتبة بن عبد الله فله عَقِبٌ، منهم: أبو عُمَيس عُتْبة بن عبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود، مات ببغداد، وهو المسعوديّ الأكبر، فأمَّا المسعوديّ الأصغر فهو عبد الله بنُ عبد الملك بن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود. وزوجةُ عبد الله بن مسعود ﵁ زينب بنتُ أبي معاوية الثقفيّة، روت الحديث عن النَّبيِّ ﷺ ، من ذلك ما رواه عَمرو بنُ الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ للنّساء: "تَصدَّقْنَ ولو من حُلِيِّكُنَّ"، قالت: وكان عبد الله خفيفَ ذاتِ اليد، فقلتُ له: يا عبد الله؛ أيَسعُني أن أضعَ صَدقتي فيك وفي بني أخ لي يتامى؟ فقال عبد الله: سَلي عن ذلك رسولَ الله ﷺ . قالت: فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فإذا على بابه امرأةٌ من الأنصار يُقال لها: زينب، تَسألُ عما أسألُ عنه، فخرج إلينا بلال، فقلنا: انطلق إلى رسول الله ﷺ . فاسأله عن ذلك، ولا تُخبره مَن نحن. فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال: "مَن هما؟ " قال: زينب، قال: "أيُّ الزَّيانِب؟! قال: زينب امرأةُ عبد الله، وزينب الأنصارية، فقال: "نعم، لهما أجران: أجرُ القَرابة، وأجرُ الصّدقة" (٣).
стр. 2521
واختلفوا في مسانيد عبد الله بن مسعود، فقيل: روى عن النَّبيِّ ﷺ ثمان مئة حديث وثمانيةٍ وأربعين حديثًا، وقيل: نيِّفًا وثلاث مئة، وقيل غير ذلك.
وروى عنه جماعةٌ من الصّحابة، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبو موسى، وعمران بن حُصين، وأنس بن مالك، وابن الزُّبير، وجابر بنُ عبد الله، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأبو رافع مولى النبيّ ﷺ ، وأبو أُمامةَ الباهلي، وأبو جُحَيفة، ووَابِصة بن مَعْبد، وأبو واقد اللّيثي، وأبو شُرَيح الخُزاعي، وعَمرو بن حُرَيث، وقُرَّة بن إياس، والبراء بن عازب، وأبو الطُّفَيل عامر بن واثلة، في خلقٍ كثير.
وأمَّا من التّابعين فالجَمُّ الغَفير، منهم: الأسود بن يزيد، وعَلقَمة بن قيس، والرَّبيع بن خُثَيم، وأبو وائل شَقيق بن سَلَمة، وزِرُّ بن حُبَيش وغيرهم.
ولما دخل علي رضوان الله عليه الكوفة ورأى هؤلاء قال: لقد تَركَ ابنُ مسعود هؤلاء سُرُجَ هذه القرية.
وروى ابن مسعود ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه خطَّ خطًّا مُربَّعًا، وخطَّ خطًّا وَسَط الخطِّ المربَّع، وخُطوطًا صِغارًا إلى جنب الخطِّ الذي وَسَط الخطِّ المربَّع، وخطًّا خارجًا من الخطِّ المربّع، وقال: "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا الإنسان، الخطُّ الأوسط، وهذه الخُطوط التي إلى جَنبِه الأعْراضُ؛ تَنْهَشُه من كلِّ مكان، إن أخطأه هذا أصابَه هذا، والخطُّ المربَّعُ: الأَجَلُ المحيطُ به، والخطُّ الخارجُ الأَمَلُ". انفرد بإخراجه البُخاريّ (١).
وفيها تُوفيّ.
عبد الرحمن بنُ عَوف
ابن عبد [عَوف بن عبد بن] الحارث بن زُهْرة بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب، يلتقي مع رسول الله ﷺ في النَّسب عند مُرَّة بن كعب، وقُتل أبوه عوفٌ بالغُميصاء في الجاهلية، قتله بنو جَذيمة.
وأمه الشِّفاء بنت عَوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة، وقيل: صفية بنت عبد مَناف بن زُهرة، والشّفاء لَقَبٌ لها، وهي ابنةُ عمّ أبيه، أسلمتْ وبايعتْ رسولَ الله ﷺ ، وأمُّها سلمى
стр. 2522
بنت عامر بن بَياضة، من خُزاعة، تَزوَّجها عَوف بن عبد عَوف، فولدت له: عبدَ الرحمن والأسود، أسلم وهاجر قبل الفتح، وعاتكة وأمة بني عوف، وأسلمتْ عاتكة وبايَعَتْ.
وكانت الشّفاء أمُّ عبد الرحمن من المهاجرات، وتُوفّيت في حياة رسول الله ﷺ ، فقال عبد الرحمن ﵁: يا رسول الله، أَعتِق عن أمّي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فأَعتَقَ عنها.
وكان اسمُ عبد الرحمن ﵁ في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، وقيل: عبد هُبَل، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن.
ذكرُ صِفته:
كان رجلًا طويلًا، حسنَ الوَجْه، رقيقَ البَشَرة، فيه جَنأ، أبيضَ مُشربًا حُمرة، لا يُغَيِّر شَيبَه، ضَخمَ الكفَّين، أَقنى الأنفِ، أَهتَم ساقط الثنيتين، أعرج، أُصيب يوم أُحد فُهتِم، وجُرح عشرين جِراحة أو أكثر، أصابه بعضُها في رجله فخَمَعَ منها.
ذكر إسلامه:
أسلم قديمًا على يد أبي بكر رضوان الله عليه، وكان خرج في الجاهلية إلى اليمن في تجارة، فاجتمع بشيخٍ كبيرٍ من مشايخ حِمْيَر، فسأله عن رسول الله ﷺ وقال: أتعرف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قال: نعم، هو فينا وَسيط، فقال: إنه قد بُعث فيكم، فاحذرْ أن تُخالفَه فإنَّه نبيُّ الأمة. فرجع عبد الرحمن ﵁ إلى مكّة وقد بُعث النَّبيُّ ﷺ ، فأخبر أبا بكر رضوان الله عليه بقول الشَّيخ فقال: صَدق، هذا رسول الله ﷺ قد بُعث، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه، وأخذ بيد عبد الرحمن ﵁، فأدخله على النَّبيِّ ﷺ فأسلم، وكان في بيت خديجة رضوان الله عليها، فقال عبد الرحمن ﵁: [من الطَّويل]
أجبتُ منادي الله لما سمِعْتُه … يُنادي إلى الدين الحَنيفِ المكرَّمِ
فقلتُ [له] لبّيك لبّيك داعيًا … إليك مَثَابي بل إليك تَيَمُّمي
ألا إن خيرَ النَّاس في الأرض كلِّهم … نبيٌّ جَلا عنّا شكوكَ التَّرجُّمِ
نبيٌّ أتى والنَّاسُ في أعجميَّةٍ … وفي سَدَفٍ من ظُلمةِ الكفرِ مُعْتِم
فأقْشَعَ بالنُّور المضيءِ ظَلامَه … وساعده في أمرِه كُلُّ مُسلِم
وخالفه الأَشقَون من كلِّ فرقةٍ … فسُحْقًا لهم في قعرِ مَثوى جَهنَّمِ (١)
стр. 2523
وعبد الرحمن ﵁ من الطبقة الأولى من المهاجرين الأوَّلين، وأحدُ العشرة المبشَّرين، وأحدُ الستّة المنصوص عليهم في الشُّورى، وأخرج نفسَه من الأمر لعَقله ووَرعه، واجتهد للمسلمين، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر رضوان الله عليه.
ولد بعد الفيل بعشرِ سنين، وأسلم قبل أن يَدخل رسول الله ﷺ دارَ الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتَين جميعًا، وقدم من الحبشة إلى مكّة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وثبت معه يوم حُنَين لما انهزمَ النَّاس عنه (١)، وفَداه بنفسه، وصلى رسول الله ﷺ خلفَه في غزاةِ تبوك، وقال رسول الله ﷺ حين صلّى خلفَ عبد الرحمن: "ما قُبضَ نبي قط حتَّى يُصلِّي خلف رجلٍ صالحٍ من أمته"، وبعثه في سرايا، وعَمَّمه بيده.
وقال ابن عمر ﵄: بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بنَ عَوف في سبع مئة إلى دُومَةِ الجَندل، وذلك في شعبان سنةَ ستٍّ من الهجرة، فنقَض عِمامته بيده، ثم عَمَّمه بعِمامة سوداء، فأرخى بين كَتفيه منها، فقَدِم دُومةَ الجَندل، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم الأَصبْغ بن عمرو الكلبي -وكان نصرانيًّا، وكان رأسَهم فبعث عبدُ الرحمن فأخبرَ رسولَ الله ﷺ بذلك، فكتب إليه أن: "تزوَّجْ تُماضر بنت الأصبغ" فتزوَّجها عبد الرحمن، وبنى بها، وأقبل بها، فهي أمُّ ولده أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع، ولما هاجر من مكّة إلى المدينة نزل عليه في بَلْحارث بن الخَزْرج، وقيل: آخى بينه وبين سعد بن أبي وقاص ﵁، وقيل بينه وبين عثمان بن عفَّان ﵁.
قال أنس: لما قدم عبد الرحمن المدينة آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع، فقال له سعد: أقاسمُك مالي نِصفَين، ولي امرأتان، أُطلق إحداهما، فإذا انقضَتْ عِدَّتُها تزوجْتَها، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق، فدَلَّه على سوق بني قينُقاع، فانطلق فما رجع إلَّا ومعه شيءٌ من أَقِطٍ وسَمْن قد
стр. 2524
استَفْضله، ثم تابع الغُدُوَّ، فرآه رسول الله ﷺ بعد ذلك وعليه أَثَرُ صُفْرَة، فقال: "مَهْيَمْ؟ " قال: تزوَّجتُ امرأةً من الأنصار، قال: "ما أصدَقْتَها؟ " قال: وَزنَ نَواةٍ من ذَهَب، قال: "أَوْلم ولو بشاة" (١).
قال ابن سعد، رفعه إلى أنس بن مَالِكٌ: أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع الأنصاري فقال له سعد: أخي، أنا أكثرُ أهلِ المدينة مالًا، فانظُرْ شطرَ مالي فخُذْه، وتحتي امرأتان، فانظُرْ أيتهما أعجبُ إليك حتَّى أُطلقَها لك، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّوني على السوق، فاشترى وباع، فربح، فجاء بشيء من أَقِط وسَمْنٍ، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه رَدْعٌ من زَعْفَران، فقال: يا رسول الله، تزوَّجتُ امرأةً، قال: "ما أصدَقْتَها؟ "، قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذهب، قال: "أَوْلمْ ولو بشاة"، قال عبد الرحمن ﵁: فلقد رأيتُني ولو رفعتُ حَجَرًا رجوتُ أن أصيبَ تحته ذهبًا أو فِضة (٢).
وكان عبد الرحمن ﵁ مَجدودًا في التجارة.
قال المسور بن مَخرمة: بينما أنا أسير في رَكْبٍ بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف؛ وعبد الرحمن قُدّامي عليه خَميصةٌ سَوداء، قال عثمان: مَن صاحبُ الخَميصةِ السَّوداء؟ قالوا: عبد الرحمن بن عوف، فناداني عثمان: يا مِسْوَر، فقلتُ: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: مَن زَعم أنَّه خيرٌ من خالك في الهجرة الأولى وفي الهجرة الأخيرة فقد كَذب.
قال حَبيب بن أبي مَرزوق: قَدِمَت عِير لعبد الرحمن بن عوف، فكان لأهل المدينة يومئذٍ رَجَّةٌ، فقالت عائشة: ما هذا؟ قيل لها: هذه عِيرُ عبد الرحمن قَدِمتْ، فقالت عائشة: أما إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصّراط يَميل [به مرَّة] ويَستقيمُ أُخرى، حتَّى يُفلِت ولم يَكَدْ"، قال: فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: هي وما عليها صَدَقة، قال: وما كان عليها أفضلُ منها، وهي يومئذٍ خمس مئة راحِلة.
стр. 2525
وأخرج ابنُ سعدٍ حديثًا يَرفعه ويرويه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ابنَ عوف، إنك من الأغنياء، ولن تَدخُلَ الجنّةَ إلَّا زَحْفًا، فأقِرضِ الله يُطلِقْ لك قَدميك"، قال ابنُ عوف: وما الذي أُقرض يا رسول الله؟ قال: "تبَرَّأ ممَّا أَمسيتَ فيه"، قال: أمن كُلِّه أجمع؟ قال: "نعم"، فخرج ابنُ عوفٍ وهو يَهُمُّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: "إن جبريل قال: مُرِ ابنَ عوفٍ فليُضِفِ الضَّيفَ، وليُطعِم المسكين، وليُعطي السَّائل، ويبدأ بمَن يَعول، فإنَّه إذا فعل ذلك كان تَزْكيةَ ما هو فيه" (١).
قال المِسور بنُ مَخْرَمَة: باع عبد الرحمن بنُ عَوف أرضًا له من عثمان بأربعينَ ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زُهْرَة وفُقراء المسلمين وأُمّهات المؤمنين، وبعث إلى عائشةَ معي بمالٍ من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لن يَحنُوَ بعدي علَيكُنَّ إلَّا الصالحون الصابرون"، سقى الله ابنَ عوفٍ من سَلْسبيل الجنة.
قالت أمُّ سلمة ﵄: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لأزواجه: "إن الذي يُحافظُ عليكنَّ بعدي لَهو الصَّادقُ البارّ"، اللَّهم اسقِ عبد الرحمن بنَ عوفٍ من سَلْسبيل الجنَّة.
وباع عبد الرحمن ﵁ أمواله من كَيدَمة، وهو سَهْمُه من بني النَّضِير بأربعين ألف دينار، فقسمها على أزواج رسول الله ﷺ .
وقال الزُّهريّ: تصدَّق عبد الرحمن بنُ عوف على عهد رسول الله ﷺ بشَطْرِ ماله أربعة آلاف، ثم تصدّق بأربعين ألفًا، ثم تصدقَ بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مئةِ فرسٍ في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمس مئةِ راحلة في سبيل الله، وكان عامّةُ أمواله من التجارة، وأعتق ثلاثين ألف بيت.
وأُتي بطعامٍ، وكان صائمًا فقال: قُتل مُصعبُ بنُ عُمَير وهو خيرٌ منّي، وكُفِّن في بُرْدة؛ إن غُطِّي رأسُه بَدتْ رجلاه، وإن غُطِّي رجلاه بدا رأسُه، وقُتل حمزة وهو خيرٌ مني، فلم يُوجَد له ما يُكَفَّن فيه إلَّا بُرْدة، ثم بُسِط لنا من الدُّنيا ما بُسِط، وقد خشينا أن تكونَ حَسناتُنا عُجّلَتْ لنا، ثم جعل يبكي وترك الطَّعام (٢).