واختلفوا في مسانيد عبد الله بن مسعود، فقيل: روى عن النَّبيِّ ﷺ ثمان مئة حديث وثمانيةٍ وأربعين حديثًا، وقيل: نيِّفًا وثلاث مئة، وقيل غير ذلك.
وروى عنه جماعةٌ من الصّحابة، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبو موسى، وعمران بن حُصين، وأنس بن مالك، وابن الزُّبير، وجابر بنُ عبد الله، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأبو رافع مولى النبيّ ﷺ ، وأبو أُمامةَ الباهلي، وأبو جُحَيفة، ووَابِصة بن مَعْبد، وأبو واقد اللّيثي، وأبو شُرَيح الخُزاعي، وعَمرو بن حُرَيث، وقُرَّة بن إياس، والبراء بن عازب، وأبو الطُّفَيل عامر بن واثلة، في خلقٍ كثير.
وأمَّا من التّابعين فالجَمُّ الغَفير، منهم: الأسود بن يزيد، وعَلقَمة بن قيس، والرَّبيع بن خُثَيم، وأبو وائل شَقيق بن سَلَمة، وزِرُّ بن حُبَيش وغيرهم.
ولما دخل علي رضوان الله عليه الكوفة ورأى هؤلاء قال: لقد تَركَ ابنُ مسعود هؤلاء سُرُجَ هذه القرية.
وروى ابن مسعود ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه خطَّ خطًّا مُربَّعًا، وخطَّ خطًّا وَسَط الخطِّ المربَّع، وخُطوطًا صِغارًا إلى جنب الخطِّ الذي وَسَط الخطِّ المربَّع، وخطًّا خارجًا من الخطِّ المربّع، وقال: "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا الإنسان، الخطُّ الأوسط، وهذه الخُطوط التي إلى جَنبِه الأعْراضُ؛ تَنْهَشُه من كلِّ مكان، إن أخطأه هذا أصابَه هذا، والخطُّ المربَّعُ: الأَجَلُ المحيطُ به، والخطُّ الخارجُ الأَمَلُ". انفرد بإخراجه البُخاريّ (١).
وفيها تُوفيّ.
عبد الرحمن بنُ عَوف
ابن عبد [عَوف بن عبد بن] الحارث بن زُهْرة بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب، يلتقي مع رسول الله ﷺ في النَّسب عند مُرَّة بن كعب، وقُتل أبوه عوفٌ بالغُميصاء في الجاهلية، قتله بنو جَذيمة.
وأمه الشِّفاء بنت عَوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة، وقيل: صفية بنت عبد مَناف بن زُهرة، والشّفاء لَقَبٌ لها، وهي ابنةُ عمّ أبيه، أسلمتْ وبايعتْ رسولَ الله ﷺ ، وأمُّها سلمى
стр. 2522
بنت عامر بن بَياضة، من خُزاعة، تَزوَّجها عَوف بن عبد عَوف، فولدت له: عبدَ الرحمن والأسود، أسلم وهاجر قبل الفتح، وعاتكة وأمة بني عوف، وأسلمتْ عاتكة وبايَعَتْ.
وكانت الشّفاء أمُّ عبد الرحمن من المهاجرات، وتُوفّيت في حياة رسول الله ﷺ ، فقال عبد الرحمن ﵁: يا رسول الله، أَعتِق عن أمّي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فأَعتَقَ عنها.
وكان اسمُ عبد الرحمن ﵁ في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، وقيل: عبد هُبَل، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن.
ذكرُ صِفته:
كان رجلًا طويلًا، حسنَ الوَجْه، رقيقَ البَشَرة، فيه جَنأ، أبيضَ مُشربًا حُمرة، لا يُغَيِّر شَيبَه، ضَخمَ الكفَّين، أَقنى الأنفِ، أَهتَم ساقط الثنيتين، أعرج، أُصيب يوم أُحد فُهتِم، وجُرح عشرين جِراحة أو أكثر، أصابه بعضُها في رجله فخَمَعَ منها.
ذكر إسلامه:
أسلم قديمًا على يد أبي بكر رضوان الله عليه، وكان خرج في الجاهلية إلى اليمن في تجارة، فاجتمع بشيخٍ كبيرٍ من مشايخ حِمْيَر، فسأله عن رسول الله ﷺ وقال: أتعرف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قال: نعم، هو فينا وَسيط، فقال: إنه قد بُعث فيكم، فاحذرْ أن تُخالفَه فإنَّه نبيُّ الأمة. فرجع عبد الرحمن ﵁ إلى مكّة وقد بُعث النَّبيُّ ﷺ ، فأخبر أبا بكر رضوان الله عليه بقول الشَّيخ فقال: صَدق، هذا رسول الله ﷺ قد بُعث، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه، وأخذ بيد عبد الرحمن ﵁، فأدخله على النَّبيِّ ﷺ فأسلم، وكان في بيت خديجة رضوان الله عليها، فقال عبد الرحمن ﵁: [من الطَّويل]
أجبتُ منادي الله لما سمِعْتُه … يُنادي إلى الدين الحَنيفِ المكرَّمِ
فقلتُ [له] لبّيك لبّيك داعيًا … إليك مَثَابي بل إليك تَيَمُّمي
ألا إن خيرَ النَّاس في الأرض كلِّهم … نبيٌّ جَلا عنّا شكوكَ التَّرجُّمِ
نبيٌّ أتى والنَّاسُ في أعجميَّةٍ … وفي سَدَفٍ من ظُلمةِ الكفرِ مُعْتِم
فأقْشَعَ بالنُّور المضيءِ ظَلامَه … وساعده في أمرِه كُلُّ مُسلِم
وخالفه الأَشقَون من كلِّ فرقةٍ … فسُحْقًا لهم في قعرِ مَثوى جَهنَّمِ (١)
стр. 2523
وعبد الرحمن ﵁ من الطبقة الأولى من المهاجرين الأوَّلين، وأحدُ العشرة المبشَّرين، وأحدُ الستّة المنصوص عليهم في الشُّورى، وأخرج نفسَه من الأمر لعَقله ووَرعه، واجتهد للمسلمين، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر رضوان الله عليه.
ولد بعد الفيل بعشرِ سنين، وأسلم قبل أن يَدخل رسول الله ﷺ دارَ الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتَين جميعًا، وقدم من الحبشة إلى مكّة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وثبت معه يوم حُنَين لما انهزمَ النَّاس عنه (١)، وفَداه بنفسه، وصلى رسول الله ﷺ خلفَه في غزاةِ تبوك، وقال رسول الله ﷺ حين صلّى خلفَ عبد الرحمن: "ما قُبضَ نبي قط حتَّى يُصلِّي خلف رجلٍ صالحٍ من أمته"، وبعثه في سرايا، وعَمَّمه بيده.
وقال ابن عمر ﵄: بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بنَ عَوف في سبع مئة إلى دُومَةِ الجَندل، وذلك في شعبان سنةَ ستٍّ من الهجرة، فنقَض عِمامته بيده، ثم عَمَّمه بعِمامة سوداء، فأرخى بين كَتفيه منها، فقَدِم دُومةَ الجَندل، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم الأَصبْغ بن عمرو الكلبي -وكان نصرانيًّا، وكان رأسَهم فبعث عبدُ الرحمن فأخبرَ رسولَ الله ﷺ بذلك، فكتب إليه أن: "تزوَّجْ تُماضر بنت الأصبغ" فتزوَّجها عبد الرحمن، وبنى بها، وأقبل بها، فهي أمُّ ولده أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع، ولما هاجر من مكّة إلى المدينة نزل عليه في بَلْحارث بن الخَزْرج، وقيل: آخى بينه وبين سعد بن أبي وقاص ﵁، وقيل بينه وبين عثمان بن عفَّان ﵁.
قال أنس: لما قدم عبد الرحمن المدينة آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع، فقال له سعد: أقاسمُك مالي نِصفَين، ولي امرأتان، أُطلق إحداهما، فإذا انقضَتْ عِدَّتُها تزوجْتَها، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق، فدَلَّه على سوق بني قينُقاع، فانطلق فما رجع إلَّا ومعه شيءٌ من أَقِطٍ وسَمْن قد
стр. 2524
استَفْضله، ثم تابع الغُدُوَّ، فرآه رسول الله ﷺ بعد ذلك وعليه أَثَرُ صُفْرَة، فقال: "مَهْيَمْ؟ " قال: تزوَّجتُ امرأةً من الأنصار، قال: "ما أصدَقْتَها؟ " قال: وَزنَ نَواةٍ من ذَهَب، قال: "أَوْلم ولو بشاة" (١).
قال ابن سعد، رفعه إلى أنس بن مَالِكٌ: أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين سعد بن الرَّبيع الأنصاري فقال له سعد: أخي، أنا أكثرُ أهلِ المدينة مالًا، فانظُرْ شطرَ مالي فخُذْه، وتحتي امرأتان، فانظُرْ أيتهما أعجبُ إليك حتَّى أُطلقَها لك، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّوني على السوق، فاشترى وباع، فربح، فجاء بشيء من أَقِط وسَمْنٍ، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه رَدْعٌ من زَعْفَران، فقال: يا رسول الله، تزوَّجتُ امرأةً، قال: "ما أصدَقْتَها؟ "، قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذهب، قال: "أَوْلمْ ولو بشاة"، قال عبد الرحمن ﵁: فلقد رأيتُني ولو رفعتُ حَجَرًا رجوتُ أن أصيبَ تحته ذهبًا أو فِضة (٢).
وكان عبد الرحمن ﵁ مَجدودًا في التجارة.
قال المسور بن مَخرمة: بينما أنا أسير في رَكْبٍ بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف؛ وعبد الرحمن قُدّامي عليه خَميصةٌ سَوداء، قال عثمان: مَن صاحبُ الخَميصةِ السَّوداء؟ قالوا: عبد الرحمن بن عوف، فناداني عثمان: يا مِسْوَر، فقلتُ: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: مَن زَعم أنَّه خيرٌ من خالك في الهجرة الأولى وفي الهجرة الأخيرة فقد كَذب.
قال حَبيب بن أبي مَرزوق: قَدِمَت عِير لعبد الرحمن بن عوف، فكان لأهل المدينة يومئذٍ رَجَّةٌ، فقالت عائشة: ما هذا؟ قيل لها: هذه عِيرُ عبد الرحمن قَدِمتْ، فقالت عائشة: أما إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصّراط يَميل [به مرَّة] ويَستقيمُ أُخرى، حتَّى يُفلِت ولم يَكَدْ"، قال: فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: هي وما عليها صَدَقة، قال: وما كان عليها أفضلُ منها، وهي يومئذٍ خمس مئة راحِلة.
стр. 2525
وأخرج ابنُ سعدٍ حديثًا يَرفعه ويرويه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ابنَ عوف، إنك من الأغنياء، ولن تَدخُلَ الجنّةَ إلَّا زَحْفًا، فأقِرضِ الله يُطلِقْ لك قَدميك"، قال ابنُ عوف: وما الذي أُقرض يا رسول الله؟ قال: "تبَرَّأ ممَّا أَمسيتَ فيه"، قال: أمن كُلِّه أجمع؟ قال: "نعم"، فخرج ابنُ عوفٍ وهو يَهُمُّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: "إن جبريل قال: مُرِ ابنَ عوفٍ فليُضِفِ الضَّيفَ، وليُطعِم المسكين، وليُعطي السَّائل، ويبدأ بمَن يَعول، فإنَّه إذا فعل ذلك كان تَزْكيةَ ما هو فيه" (١).
قال المِسور بنُ مَخْرَمَة: باع عبد الرحمن بنُ عَوف أرضًا له من عثمان بأربعينَ ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زُهْرَة وفُقراء المسلمين وأُمّهات المؤمنين، وبعث إلى عائشةَ معي بمالٍ من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لن يَحنُوَ بعدي علَيكُنَّ إلَّا الصالحون الصابرون"، سقى الله ابنَ عوفٍ من سَلْسبيل الجنة.
قالت أمُّ سلمة ﵄: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لأزواجه: "إن الذي يُحافظُ عليكنَّ بعدي لَهو الصَّادقُ البارّ"، اللَّهم اسقِ عبد الرحمن بنَ عوفٍ من سَلْسبيل الجنَّة.
وباع عبد الرحمن ﵁ أمواله من كَيدَمة، وهو سَهْمُه من بني النَّضِير بأربعين ألف دينار، فقسمها على أزواج رسول الله ﷺ .
وقال الزُّهريّ: تصدَّق عبد الرحمن بنُ عوف على عهد رسول الله ﷺ بشَطْرِ ماله أربعة آلاف، ثم تصدّق بأربعين ألفًا، ثم تصدقَ بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مئةِ فرسٍ في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمس مئةِ راحلة في سبيل الله، وكان عامّةُ أمواله من التجارة، وأعتق ثلاثين ألف بيت.
وأُتي بطعامٍ، وكان صائمًا فقال: قُتل مُصعبُ بنُ عُمَير وهو خيرٌ منّي، وكُفِّن في بُرْدة؛ إن غُطِّي رأسُه بَدتْ رجلاه، وإن غُطِّي رجلاه بدا رأسُه، وقُتل حمزة وهو خيرٌ مني، فلم يُوجَد له ما يُكَفَّن فيه إلَّا بُرْدة، ثم بُسِط لنا من الدُّنيا ما بُسِط، وقد خشينا أن تكونَ حَسناتُنا عُجّلَتْ لنا، ثم جعل يبكي وترك الطَّعام (٢).
стр. 2526
قال نَوفل بن إياس الهُذَليّ: كان عبدُ الرحمن لنا جليسًا، وكان نِعمَ الجليس، وإنه انقلب بنا يومًا إلى بيته، وأتانا بصَحْفَة فيها خُبز ولحم، فلما وُضعت بكى، فقلنا له: يا أبا محمد، ما يُبكيك؟ فقال: قُبِض رسول الله ﷺ ولم يَشبع هو وأهلُه من خُبزِ الشّعير، ولا أُرانا أُخِّرنا لما هو خيرٌ لنا.
وكان عبد الرحمن ﵁ لا يُعرف [من بين] عبيده.
قال الحسن: كان عبد الرحمن بن عوف رجلًا شَرِيًّا، فاستأذن رسول الله ﷺ في قميص من حرير، فأذِن له.
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: شكا عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ كثرةَ القَملِ وقال: يا رسول الله، تأذنُ لي أن ألبسَ قميصًا من حرير؟ فأذِن له، فلما تُوفِّي رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وقام عمر أقبل بابنه أبي سلمة وعليه قميص من حرير، فقال عمر: ما هذا؟ ثم أدخل يده في جيب القَميص فشَقَّه إلى أسفله، فقال له عبد الرحمن: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ أحَلَّه؟ فقال: إنما أحلَّه لك؛ لأنك شكوتَ إليه القَمل، أمّا لغيرك فلا.
وكان عبد الرحمن ﵁ يَلبَسُ البُرْدَ أو الحُلَّةَ تُساوي خمسَ مئة أو أربعَ مئة.
قال المِسوَر: لما وَلي عبد الرحمن الشُّورى كان أحبُّ النَّاس إليَّ أن يَليَه، فإن تركه فسعد بنُ أبي وقّاص، فلحِقَني عمرو بن العاص، فقال: ما ظنُّ خالك بالله إن وَلّى هذا الأمرَ أحدًا وهو يعلم أنَّه خيرٌ منه؟ ققال لي ما أحبُّ، فأتيتُ عبد الرحمن، فذكرتُ له ذلك فقال: مَن قال لك ذلك؟ قلتُ: لا أُخبرك، قال: لئن لم تُخبِرني لا أُكلّمك أبدًا، فقلت: عمرو بنَ العاص، فقال عبد الرحمن: والله لأنَّ تُؤخَذَ مُدْيَةٌ، فتُوضَعَ في حَلْقي، ثم يُنفَذَ بها إلى الجانب الآخر؛ أحبّ إليَّ من ذلك.
ذكر وفاته: قال إبراهيم بن عبد الرحمن: أُغمِيَ على عبد الرحمن، ثم أفاق فقال: أغُشِي عليَّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنَّه أتاني مَلَكان أو رجُلان [فيهما فَظاظةٌ وغِلظة، فانطلقا بي، ثم أتاني رجلان أو مَلكان] لم أر أرأفَ منهما وأرحم فقالا: أين تُريدان به؟ قالا: إلى العزيز الأمين، قالا: خَليا عنه؛ فإنَّه ممّن كُتبت له السعادة وهو في بطن أمه.
стр. 2527
ومات سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وهو ابنُ ثمان وسبعين سنة، والأوّل أَثبت، وصلى عليه عثمان رضوان الله عليه، ومشى في جنازته إلى البقيع، وقيل: سعد بن أبي وَقاص، وقيل: علي، وقيل: الزُّبير ﵃.
لما أحدث عثمان ﵁ ما أحدث من تَأمير الأحداث من أهل بيته على الجِلَّة من الصّحابة ﵃؛ قيل لعبد الرحمن: هذا فِعلُك، فدخل على عثمان رضوان الله عليه، فعاتبه ولامه، وقال: إنّما قَدمتُك لتَسيرَ بسِيرة الشيخَين، وقد خالفتَهما وحابَيتَ أهلَ بيتك وأوطَأتَهم رقابَ المسلمين، فقال عثمان رضوان الله عليه: إن عمر كان قطع أقاربه في الله، وأنا أصلُ قرابَتي في الله، فقال له عبد الرحمن ﵁: على أن لا أكلّمَك أبدًا، فلم يُكلمه حتَّى مات.
ودخل عليه عثمان رضوان الله عليه عائدًا في مرضه، فحوَّل وَجهه إلى الحائط، ولم يُكلمه حتَّى مات.
قال إبراهيم: رأيتُ سعدَ بنَ مالك عند قائمتَي سريرِ عبد الرحمن وهو يقول: واجبَلاه.
قال [إبراهيم بن] سعد، عن أبيه: أنَّه سمع عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول يوم مات عبد الرحمن: اذْهَب ابنَ عَوف فقد أدركتَ صَفوَها، وسَبَقْتَ رَنْقَها.
قال أبو الأسود: أوصى عبد الرحمن في السبيل بخمسين ألف دينار. وترك ألف بعير، وثلاثة آلاف شاةٍ بالنَقيع، ومئة فَرسٍ تُرعى بالنَقيع، وكان يَزرع بالجُرُف على عشرين ناضِحًا، فكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة.
قال محمد بن عبد الرحمن بن عَوف: تُوفِّي عبدُ الرحمن، فكان فيما ترك ذَهَب قُطِع بالفؤوس؛ حتَّى مَجِلَتْ أيدي الرجال منه، وترك أربعَ نِسْوة، فأخرجت امرأة من ثُمنها ثمانين ألفًا.
قال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن: أصابتْ تُماضر بنت الأصبغ الكلبي رُبُع الثمن، فأخرجتْ بمئةِ ألف، وهي إحدى الأربع.
стр. 2528
ذكر أولاده:
كان له من الولد: سالم، مات قبل الإسلام، وأمه أمُّ كلثوم بنت عُتبة بن ربيعة، ومحمد، وبه كان يُكنى، وإبراهيم، وحُمَيد، وإسماعيل، وحَميدة، وأَمَةُ الرحمن، وأمهم أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط، ومَعْن، وعمر وزيد، وأمَةُ الرحمن الصغرى، وأمهم سَهْلَة بنت عاصم بن عديّ الأنصارية، وعُروة الأكبر، قُتل يوم إفريقية، وأمه بحرِيّه بنت هانئ بن قَبيصة، من بني شيبان، وسالم الأصغر قُتل يوم فتح إفريقية، وأمه سَهلة بنت سُهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ، وأبو بكر، وأمه أمُّ حكيم بنت قارظ بن خالد بن عُبيد، حليفٌ لهم، وعبد الله قُتل بإفريقية يوم فُتحت، وأمه ابنة أبي الخَشْخاش (١) أنصارية، وأبو سلمة وهو عبد الله الأصغر، أمه تُماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حِصن بن ضمضم بن عديّ بن جَناب من كلب، وهي أوّل كلبّية نكحها قُرشيّ، وعبد الرحمن، وأمّه أسماء بنت سلامة بن مُخَربة بن جندل بن نَهْشَل بن دارم، ومصعب وآمنة ومريم، وأمُّهم أمُّ حُرَيث من سَبْي بَهْراء، وسُهيل وهو أبو الأبيض، وأمه مَجْد بنت يزيد بن سلامة ذي فائش الحميرية، وعثمان، وأمّه غزال بنت كِسرى، أمَّ وَلَد، من سَبْي سعد بن أبي وقاص ﵁ يوم المدائن، وعُروة دَرَج، ويحيى وبلال لأمَّهات أولاد دَرجوا، وأم يَحْيَى وأمُّها زينب بنت الصبّاح بن ثعلبة بن عوف بن شبيب بن مازن، من سَبْي بَهراء أيضًا، وجُوَيرية بنت عبد الرحمن، وأمها بادية بنت غيلان بن سلمة بن مُعَتب الثَّقفيُّ، وتزوَّج جويرية المِسور بنُ مَخْرَمَة.
فالحاصل أنَّه كان له ثمانية وعشرين ولدًا.
فمن أعيانهم محمد، كان شديدَ الغَيرة، وله عقِب بالمدينة.
ومنهم إبراهيم، كان سيد القوم، تزوَّج سُكينة بنت الحسين ﵁، ولم يُرضِ ذلك بنو هاشم، فاختلعَت منه، كنيته أبو إسحاق، مات سنة سبعٍ وتسعين وهو ابنُ خمس وسبعين سنة.
وأبو سلمة بن عبد الرحمن الفقيه الإمام، وابنه سلمة وَلي قضاء المدينة.
стр. 2529
ومصعبُ بن عبد الرحمن كان شجاعًا، وكان على شُرطة مروان بن الحكم، فأمره مروان أن يهدم دورَ بني هاشم، و [مَن] في حَيّزهم، فقال: أيها الأمير، إنه لا ذَنْب لهؤلاء ولستُ أفعل، فقال مروان: انتفخ سَحْرُك، ألْقِ سيفَنا، فألقاه ثم خرج إلى عبد الله بن الزُّبير ﵄ فكان معه.
وأمَّا سُهيل بن عبد الرحمن فكان تزوَّج امرأةً من بني أميَّة يُقال لها: الثريّا، وهي التي كان يُشَبّب بها عمر بن أبي ربيعة، وفيها يقول: [من الخفيف]
أيُّها المُنكِحُ الثريّا سُهيلًا … عَمرك الله كيف يَجتمعانِ
هي شاميَّةٌ إذا ما استقلت … وسُهيلٌ إذا استقلَّ يَماني
ولسُهيل عَقب بالمدينة، منهم عُتَير بن سُهيل، وكان صاحبَ شراب، وفيه يقول الشاعر: [من الطَّويل]
إذا أنت نادمتَ العُتَيْرَ وذا النّدى … جُبيرًا وعاطَيتَ الزّجاجةَ خالدا
وجُبير هذا هو ابنُ أمِّ أيمن حاضنةِ رسول الله ﷺ ، وخالد ابنُ أبي أيوب الأنصاري.
وأمَّا عمر بن عبد الرحمن فكان من دُهاة قريش، وهو أحدُ مَن عَمل في عزل الحجّاج عن المدينة حتَّى عَزله عبدُ الملك، ومن ولده محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان على قضاء المدينة وبيتِ مالها زمن أبي جعفر المنصور، وكان عالمًا فقيهًا.
وأمَّا مَعن بن عبد الرحمن فله عَقِب، منهم هارون بن عبد الله بن كَثير بن مَعن، كان فقيهًا على مذهب أهل المدينة، ولاه المأمون قضاءَ المَصِّيصَة ثم صرفه، وولاه قضاءَ الرقة ثم صرفه، وولاه قضاءَ عسكر المهدي، ثم ولاه قضاءَ مصر.
ذكر نساء عبد الرحمن ﵁:
أمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مَناف، أمها أروى بنتُ كُريز بن ربيعة بن حَبيب بن عبد شمس، أسلمت قبل الهجرة، وبايعت رسول الله ﷺ ، وهي أوَّلُ امرأةٍ هاجرت من النساء بعدما هاجر رسول الله ﷺ -إلى المدينة، لا نعلم قرشيةً خرجتْ من بيت أبويها مُسلمةً مهاجرةً إلى الله ورسوله إلّا هي، خرجت من مكّة وَحدَها وصاحبتْ رجلًا من خُزاعة، فقدمت المدينة في هُدنة الحُدَيبية، وخرج في طَلبها أخواها: الوليد وعُمارة ابنا عُقبة، فقَدِما المدينة، فقالا: يا
стр. 2530
محمد، فِ لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآيات [الممتحنة: ١٠] فقال لهما رسول الله ﷺ : "إن الله قد نقض العهد في النساء، فارجعا فلا سبيلَ لكما عليها" فرجعا.
ولم يكن لأم كلثوم بمكة زوجٌ، فتزوّجها بالمدينة زيد بن حارثة بقول النَّبيِّ ﷺ ، فوَلدت له، فقُتِل عنها يوم مُؤتة، فتزوَّجها الزُّبير بن العوّام ﵁، فولدت له زينب، وكان في الزُّبير ﵁ شِدَّة على النساء، وكانت تكرهه، فكانت تَسألُه الطلاق فيأبى عليها، فضربها الطَّلْقُ ولم يعلم، فألحَّت عليه وهو يتوضّأ للصلاة فطلَّقها تَطليقة، فخرجت فوضعت، فأخبر بوَضعها فقال: خدعَتْني خدعها الله، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بوَضْعها، فقال: "سبق فيها كتابُ الله فاخطُبها" فقال: لا ترجع إليَّ أبدًا.
فتزوّجها عبد الرحمن بن عوف ﵁، فولدت له إبراهيم وحُميدًا، ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص، فماتت عنده.
وأمّا أمُّ كُلثوم بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس زوجة عبد الرحمن ﵁ فأمها ابنةُ حارثة بن الأَوْقَص، ولَدت لعبد الرحمن سالمًا الأكبر، أسلمت وبايعت.
وأمَّا سَهْلة بنت سهيل بن عمرو فأمّها فاطمة بنت عبد العُزَّى، من بني عامر بن لؤي، أسلمت سَهلة قديمًا، وهاجرت إلى الحبشة الهجرتين مع زوجها أبي حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة، وولدت هناك محمدًا، وتزوّجها بعد أبي حُذيفة عبد الله بنُ الأسود بن عمرو، من بني مالك بن حِسْل، فوَلدت له سَليطَ بنَ عبد الله، ثم خَلَف عليها شَمّاخ بن سعيد، من بني سُليم بن منصور، فوَلدت له عامر بن شماخ، ثم خَلف عليها عبدُ الرحمن بنُ عَوف ﵁، فوَلدت له سالمًا الأصغر.
وسهلة هي التي قال لها رسول الله ﷺ : أرضعي سالمًا مولى أبي حُذيفة خمسَ رضعات يَدخل عليك.
وأمَّا تُماضر بنت الأصبغ -أمّها جُويرية بنت وَبْرة بن رُومانس، من كلب- فوَلدت له أبا سلمة لا غير، وهي التي طلَّقها عبد الرحمن ﵁ في مرضه ثلاثًا، فوَرَّثها عثمان ﵁.
وقال: نُؤمن بكتاب الله، ونحمي حمى الله.
стр. 2531
وكان في تُماضر سُوءُ خُلُق، وكانت على تطليقتين، فلما مرض عبد الرحمن ﵁ جرى بينه وبينها شيءٌ فقال لها: والله لئن سألتِني الطَّلاقَ لأُطَلِّقنَّك، فقالت: والله لأسألنَّك، فقال: أمّا إذًا، فاعلميني إذا حِضْتِ وطَهُرتِ، فلما طَهُرت أرسلت إليه تُعلِمه، فمرَّ رسولُها ببعض أهله، فظنّ أنَّه لذلك، فدعاه وسأله، فأخبره، فقال له: ارجع إليها فقل لها: لا تفعلي، فوالله ما كان ليَرُدَّ قَسَمه، فرجع فأخبرها فقالت: وأنا والله لا أردّ قَسَمي أبدًا، اذهبي إليه فأعلميه، فذهبت فأعلمتْه فطلّقها.
ثم تزوج تُماضر بعد عبد الرحمن ﵁ الزبيرُ بنُ العوام ﵁، فأقامت عنده سبعَ ليالٍ ثم طلّقها، فكانت تقول للنساء: إذا تزوَّجتْ إحداكن فلا يَعُرَّنَّكنّ السَّبع بعدما صَنع بي الزُّبير.
وكان لعبد الرحمن ﵁ إخوة، منهم:
الأسود بن عَوف، له صُحبة، وليس له رواية، هاجر قبل الفتح، وجابر بن الأسود، وَلي لابن الزُّبير ﵄، ومحمد وعباس ابنا الأسود، قُتلا مع ابنِ الأشعث.
وحَمْنَن بنُ عوف لم يُهاجر، وعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وليس له رواية، ومن ولده القاسم بن محمد بن المعتمر بن عِياض بن حمنن، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل]
إن المكارمَ أحرزَتْ أسبابَها … للقاسم بن محمد بن المعتَمِرْ
إن الفتى الزُّهريَّ سَيْبُ بَنانِه … كالنيل أو فَيضِ الفُرات إذا زَخَرْ
ما يُعرَفُ المعروفُ إلَّا فيهم … وهم الأُلى حازوا السَّماحَ على البَشَر
وعبد الله بن عَوف لم يُهاجر أيضًا، وابنُه طلحةُ الندى بن عبد الله، كان من سَرَوات قريش، كُنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وأمه بنت مُطيع بن الأسود، رُوي عنه الحديث، وكان هو وخارجة بن زيد من أرباب الفَتْوى بالمدينة، ويَقسمان المواريث، ويكتبان الوَثائق للناس بغير جُعْلٍ، وفي طلحة يقول الفرزدق: [من الكامل]
يا طلحُ أنت أخو النَّدى وعَقيدُه … إن النَّدى إنْ مات طلحةُ ماتا
أعطى السلطانُ طلحة بنَ عبد الله بن عوف سبعةَ آلاف درهم، فخرج بها مع غلامٍ يَحملها، فلقيَه أعرابيٌّ حديثُ عهدٍ بعِلّة، فقال له: أعدني على الفقر وأعنّي عليه، فقال للغُلام: انثُر ما معك في كساء الأعرابيّ، فذهب الأعرابي يُقلُّها فلم يَقدر وعَجز عنها،
стр. 2532
فقعد يبكي، فقال: لعلك استَقْلَلْتَها؟ قال: لا والله، ولكن نظرتُ في يَسير ما سألتُك، مع جَزيلِ ما أعطيتَني، وتفكَّرتُ فيما تأكُلُ الأرض من كَرمِك فبكيتُ.
وقدم الفرزدقُ المدينةَ زائرًا، فوجد رجلًا خارجًا منها، فسأله عن أخبار النَّاس فقال: تُوفّي طلحة بن عبد الله، فقال: بفِيك الحَجَر، ودخل من رأس الثَّنيّة يُولولُ ويقول: يا أهلَ المدينة، كيف تركتُم طلحة يموت؟!
روى طلحةُ عن عثمان بن عفَّان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي بَكرة، وعائشة وغيرهم ﵃، وروى عنه الزّهري، وسعد بن إبراهيم، وأبو عُبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في آخرين.
وولي المدينة لابن الزُّبير ﵄، وفيه يقول حُرَيث بن عنَّاب الطَّائي: [من الطَّويل]
أَبي طلحةَ الفَيَّاضِ أعملتُ نَصَّها … تَخبُّ برَحْلِي ساعةً ثم تُرقِلُ
إلى ماجدِ الجدَّين رَحْبٍ فناؤه … له في قديم الدّهر مجدٌ مُؤثَّلُ
وعمُّ عبد الرحمن ﵁ أزهر بنُ عبد عوف، هو أحد الذين بعثهم عمر رضوان الله عليه فنصبوا أنصابَ الحَرَم، وابنُه عبد الرحمن بن أزهر من الصّحابة، شهد حُنينًا، وأروى النَّاسِ عنه الزّهري.
أسند عبد الرحمن بنُ عوف ﵁ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، روى خمسة وستين حديثًا، روى عنه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وبنو عبد الرحمن: إبراهيم، وحُميد، وأبو سلمة، ومُصعب، وعمرو بن العاص في آخرين.
وقدم مع عمر رضوان الله عليه الجابية، وشهد في كتاب الصُّلح الذي لأهل بيت المقدس، وكان على مَيمنة عمر رضوان الله عليه في أوَّلِ خَرْجة خَرجها إلى الشام، وفي الثَّانية التي رجع فيها من سَرْغ على الميسرة (١).
стр. 2533
أبو بَرزة الأسلمي
واسمه نَضْلَة بن عُبيد وفيه خلاف، أسلم قديمًا، وشهد فتح مكّة، وهو الذي قتل عبد الله بنَ خَطَل لما كان مُتعلّقًا بأستار الكعبة، [ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ حتَّى قُبض، فتحوّل] فنزل البصرة، وبنى بها دارًا، وله بها عقب، وغزا خُراسان فمات بمَرْو، وأسند الحديث عن رسول الله ﷺ (١).
أبو سَبْرَة
ابن أبي رُهْم ابن عبد العُزّى، من بني عامر بن لُؤيّ، وأمُّه بَرَّة بنتُ عبد المطلب بن هاشم عمَّةُ رسول الله ﷺ ، من الطبقة الأولى من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرتين، وكانت معه في الهجرة الثَّانية أمُّ كلثوم بنت سُهيل بن عمرو، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين [سَلَمة بن] سَلامة بن وَقْش، ولما هاجر إلى المدينة نزل على المنذر بن محمد بن عُقبة بن أُحَيحة بن الجُلاح.
وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ورجع إلى مكّة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فكره المسلمون له ذلك، ووَلَدُه يُنكرون رُجوعه (٢).
كعب الأحبار بن ماتع الحِميريّ
من مُسلمةِ أهل الكتاب، قدم في خلافة أبي بكر رضوان الله عليه فأسلم على يده، وقيل: على يد عمر رضوان الله عليه، وهو من الطبقة الأولى من التّابعين، كُنيتُه أبو إسحاق، كان على دين يَهود فأسلم، وقدم المدينة، ثم نزح إلى الشام فسكن حمص.
وكان أبو الدرداء يقول: إن عند ابنِ الحميَرِيَّة لعِلمًا كثيرًا، وتُوفّي بحمص، على خلاف فيه، وأسند عن عمر رضوان الله عليه، وصُهيب، وعائشة، وروى عنه ابنُ عمر، وابنُ عباس، وأبو هُريرة، وعبد الله بن الزُّبير ﵃، وقال: لا يَصعد طيرٌ في
стр. 2534
السماء أكثر من اثني عشر ميلًا، ومُعظم رواياته عن التوراة (١).
أبو مُسْلم
الجَليلي -بالجيم- وهو جبل صيدا بساحل دمشق، أدرك رسول الله ﷺ ولم يُسْلم، وأسلم على عهد أبي بكر رضوان الله عليه، وقيل بعد ذلك، وهو من الطبقة الأولى من التّابعين، وأسند عن معاوية، وروى عنه أبو مُسلم الخولاني، وأبو قِلابة، وأبو مَيسرة، وسعيد بن عبد العزيز وغيرُهم (٢).
نَوف وتُبَيْع
ابنا امرأةِ كعب الأحبار، فنَوف بن فَضالة الحميريّ، كُنيتُه أبو يَزيد، من الطبقة الثَّانية من تابعي أهلِ الشام، كان قاضيًا بحمص، ثم انتقل إلى الكوفة في إمرة مصعب بن الزُّبير، وكان من العلماء الفُضَلاء، إمامَ أهل دمشق، واستشهد مع محمد بن مروان، وقتل [في] غزاة الطُّوانة (٣).
قال نَوف: ذبح نبيٌّ أو صدِّيقٌ عِجلًا بين يدي أمِّه فخبل، فبينما هو كذلك ذات يوم تحت شجرة فيها طائر؛ إذ وقع فَرخُ ذلك على الأرض في التُّراب، فجاء الطائر فجعل يُرفرف على رأس فَرخِه، فأخذه النبيُّ أو الصدِّيق، فمسح التُّرابَ عنه، وأعاده إلى وَكْره، فردّ الله عليه عَقْلَه.
أسند نوف عن علي ﵁، وأبي أيوب الأنصاري، وثوبان، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنها أبو عمران الجَوْني، وأبو إسحاق الهَمْداني، وشَهْر من حَوْشَب في آخرين (٤).
стр. 2535
وأمَّا تُبَيْع فذكره ابن سعد في الطبقة الثَّانية من التّابعين من أهل الشام، وكان عالمًا، قرأ الكُتب، وسمع من كعب كثيرًا، وكُنيته أبو عُبيد، وقيل: أبو عامر (١).
مُعَيْقيب
ابن أبي فاطمة الدَّوْسيّ الأزْديّ، حليفُ بني عبد شمس بن عبد مَناف، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، وقيل: رجع إلى بلاد قومه، ثم قَدم مع وَفْد الأشعريّين ورسول الله ﷺ بخيبر، فشهدها، وعاش إلى خلافة عثمان رضوان الله عليه، وهو من الطبقة الثَّانية من المهاجرين، وكان قد أسرع إليه الجُذام.
قال محمود بن لَبيد: أمَّرني يَحْيَى بن الحكم على جُرَش، فقَدمتُها، فحدّثوني أن عبد الله بن جعفر حَدَّثهم، أن رسول الله ﷺ قال لصاحب هذا الوَجع -يعني الجُذام: "اتَّقوه كما يُتَّقى السَّبُعُ، إذا هبط واديًا فاهبطوا غيرَه"، فقلتُ لهم: والله لئن كان ابنُ جعفر حدَّثكم هذا ما كَذبكم، فلما عَزلني يَحْيَى عن جُرَش، قدمتُ المدينة، فلَقيتُ عبد الله بن جعفر، فقلتُ ما حديثٌ بَلَّغني عنك أهلُ جُرَش، وذكرته له، فقال: كذبوا، والله ما حدَّثتُهم هذا، ولقد رأيتُ عمر بن الخطاب يُؤتى بالإناء فيه الماء فيُعطيه مُعَيقيبًا، وكان رجلًا قد أسرع فيه ذلك الوجع- فيشرب منه، ثم يتناوله منه فيضع فيه مَوضعَ فمه فيَشرب منه، فعرفتُ أنما صنع عمر ذلك فرارًا أن يَدخُلَ شيءٌ من العَدْوى.
وكان يَطلُب له من الطِّبِّ من كل مَن سمع له بطبّ، حتَّى قدم عليه رجلان من أهل اليمن، فقال: هل عندكما من طِبٍّ لهذا الرجل؟ فإن الوَجع قد أسرع فيه، فقالا: أمّا شي: يُذهبُه فلا، أو فإنا لا نقدر، ولكنا سنداويه دواءً يَقِفُه ولا يَزيد، فقالا له: هل تُنبتُ أرضُك الحنظلَ؟ قال: نعم، قالا: فاجمع لنا منه، فأمر فجُمع منه مِكتَلَين عظيمين، فعمدا إلى كلِّ حَنظلة فشَقّاها نِصفَين أو ثِنتين، ثم اضطجعا مُعيقيبًا، ثم أخذ كلُّ واحدٍ منهما بإحدى قدمَيه، ثم جَعلا يَدلُكان بطون قدميه بالحنظلة، حتَّى إذا امَّحَقَتْ أخذا الأخرى، حتَّى رأيا مُعَيقيبًا يَتنخّم أخضرَ مُرًّا، ثم أرسلاه، فقط لا لعمر: لا يَزيد وَجعه بعد هذا، فوالله ما زال مُعَيقيب متماسكًا، [لا يزيد] وجعه حتَّى مات.
стр. 2536
قال خارجة بن زيد: إن عمر قال لمعيقيب لما أكل معه: خُذْ ممَّا يليك، فلو كان غيرك ما يأكل معي في صَحْفة، ولكان بيني وبينه قِيدُ رُمْحٍ.
وكانت وفاةُ مُعيقيب ﵁ في هذه السنة بالمدينة.
أسند الحديثَ عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد أخرج البُخاريّ تعليقًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد" (١).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُديموا النَّظرَ إلى المجذوم" (٢).
وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "كَلِّم المجذومَ وبينك وبينه قِيدُ رُمْحٍ أو رُمحَين" (٣).
وفي حديث عمرو بن الشَريد: أن مجذومًا أتى رسول الله ﷺ ليُبايعَه، فذكرتُ ذلك له فقال: "ائتِه فأعلمه أني قد بايعتُه" (٤).
وقيل: إنه قد يَسْقَمُ مُقارِبُ المجذومِ وصاحبِ السِّلِّ بالرّائحة لا بالعَدوى، وقد رُوي أن نَباتَ الشعرِ في الأنف أمانٌ من الجُذَام (٥).
* * *
стр. 2537
السنة الثالثة والثلاثون
فيها غزا معاويةُ بلادَ الرُّوم، ووصل إلى حصن المرأة، من أعمال مَلَطْية فافتتحه.
وفيها غزا عبد الله بن [سعد بن] أبي سَرْح إفريقية، وكانوا قد نَقضوا العَهْدَ، فقتل وسبى، واستشهد في هذه الغزاة جماعة، منهم: معبد بن العباس بن عبد المطّلب.
وفيها بعث عبد الله بنُ عامر بن كُريز الأحنفَ بنَ قيس إلى خُراسان، وكانوا قد نَقضوا العَهدَ، فقاتلهم فظَفِر بهم، ولحقه ابنُ عامر فهَدَمَها.
وفيها نَفى عثمانُ جماعةً من أهل الكوفة إلى الشام؛ كانوا يُعيبون عليه ويَطعنون فيه، وَيسبُّون سعيد بن العاص والي الكوفة، فكتب إلى عثمان رضوان الله عليه يَشكوهم، فكتب إليه: سَيِّرهم إلى الشام، فسيَّرهم؛ منهم: عُروةُ بن الجَعْد البارِقيّ، ومالك بن الحارث الأشْتَر، وجُندب بن زهير، وعمرو بن الحَمِق، وكُمَيل بن زياد، يزيد بن صُوحان، وابن الكَوّاء وغيرهم، فلما قَدموا على معاوية أكرمهم، وأنزلهم، وأحسنَ إليهم، وأجرى عليهم الضيافات ثم قارضهم فتَسمّحوا في عثمان رضوان الله عليه ونالوا من سعيد بن العاص، فقال: لا خيرَ فيكم، فنفاهم إلى حمص وكان بها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عاملًا من معاوية، فلما دخلوا عليه قال: لا مرحبًا ولا أهلًا، يا آلةَ الشَّيطان، الجوَّالين في الفتن، فنفاهم إلى فلسطين ثم عادوا إلى الكوفة، وهم أعيانُ أهل الكوفة.
أما عُروة بن الجَعْد البارِقيّ فكان من الأشراف، وهو من الصّحابة، ورُوي الحديث عنه قال: عَرضَ للنبي ﷺ جَلَبٌ، فأعطاني دينارًا وقال: "أَي عُروة، ائت الجَلَبَ، فاشترِ لنا شاةً" فأتيتُ الجَلَبَ، فساومتُ صاحبَه، فاشتريتُ منه شاتَين بدينار، فجئتُ أسوقهما فلَقيني رجلٌ، فساوَمَني فأبيعُه شاةً بدينار، وجئتُ بالدينار والشاة، فقلتُ: يا رسول الله، هذا دينارُكم، وهذه شاتُكم، قال: "فكيف صنعتَ؟ " فحدَّثتُه الحديث فقال: "اللَّهمَّ بارك له في صَفقةِ يَمينه"، فلقد رأيتُني أقفُ بكُناسَةِ الكوفة، فأربح أربعين ألفًا قبل أن أَصِل إلى أهلي (١).
стр. 2538
وكان عُروة نزل الكوفة، ووَلي القضاءَ بها، ثم نزل المدائن، وانتقل إلى بَراز الرُّوز على مرحلة من النَّهْرَوان، وأقام بها مُرابطًا، وكان في داره سبعون فَرسًا مربوطةً للغَزاة في سبيل الله، منها فرسٌ واحد أخذه بعشرة آلاف دِرهم (١).
وأمَّا جُندب بن زهير بن الحارث بن كَثير الأزديّ، يُقال إن له صُحبة، وكان على رجَّالةِ عليّ ﵇ يومَ صِفّين، وقُتل معه (٢).
وفيها نفى عثمان رضوان الله عليه حُمران مولاه إلى البَصرة بسبب امرأةٍ تَزوَّجها في عِدَّتها، ففَرَّق بينهما وجَلده، فأقام بالبصرة، ثم عاد إلى المدينة.
وفيها سَيَّر عثمان رضوان الله عليه عامر بنَ عبد الله ويُعرف بابن عبد القيس التَّميمي من البَصرة إلى الشام، وسببُه لما قَدم حُمران المدينة قدم معه قومٌ من أهل البصرة، فسَعَوا بعامر، وقالوا: لا يَرى التَّزويج، ولا يَأكلُ اللحم، ولا يَشهدُ الجمعة، فكتب عثمان رضوان الله عليه إلى عبد الله بن عامر أن يُسيِّرَه إلى الشام، فلما قدم على معاوية وافقه وبين يديه ثَريدةٌ في قَصْعة وعليها لَحم، فأكل معه أكلًا غريبًا، فعرف أن الرجل مَكذوب عليه، فأخبره بما قيل عنه، فقال عامر: أما اللحم فقد أكلتُ معك، وما امتنعتُ منه إلّا لأن الذَّبَّاحين بالبصرة ذبائحُهم مَيتة؛ لأنهم لا يذكرون اسمَ الله عليها، وأمَّا النكاح فلأني رجلٌ كبيرٌ لا طاقةَ لي بالنساء، وأمَّا الجمعة فإني أشهدُها في آخرهم، وأخرجُ في أولهم خوفَ الفتنة، فقال له معاوية: فارجع إلى بلدك، فقال: لا والله، لا أرجع إلى بلدٍ استحلَّ مني أهله ما استحلُّوا، ولكني أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي، فكان يكون بالسَّواحل، وكان يلقاه معاوية فيقول له: هل من حاجة؟ فيقول: لا، فلما كثر عليه قال: تَردُّ عليَّ من حَرِّ البصرة لعل الصوم يشتدُّ علي شيئًا، فإنَّه يَخِفُّ في بلادكم.
وفيها وُلد عليّ بن الحسين زين العابدين ﵁.
وفيها خرج محمد بنُ أبي حُذَيفة إلى مصر، وكان رَبيبَ عثمان رضوان الله عليه، وخرج معه محمد بن أبي بكر فحرَّضا النَّاسَ على عثمان رضوان الله عليه، فكتب
стр. 2539
عبد الله بن سعد إلى عثمان رضوان الله عليه يُخبره، فلم يُجِبْه بشيء وحج عثمان رضوان الله عليه بالنَّاس.
فصل وفيها تُوفِّي.
المقداد بنُ عَمرو
ابن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثُمامة الكندي، ونسبه ابنُ سعد إلى بَهراء بن [عمرو بن] الحاف بن قُضاعة، وكُنيته أبو مَعبد، ويقال له: ابن الأسود؛ لأنَّه كان حالف الأسود بنَ عبد يَغوث بن وَهْب بن عبد مناف بن زُهرة في الجاهلية، فتبنّاه، وإنَّما قيل له الكِنديّ لأنَّ أباه حالف كِندة.
وكان شجاعًا، آدم، ذا بطن، كثيرَ الشَّعر، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين الأوّلين، هاجر الهجرةَ الثَّانية إلى الحبشة، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ .
وكانت أمُّه عند الأسود بن عبد يَغوث في الجاهلية، فخلف عليها بعده ابنُه عمرو، ولم يكن ذلك عيبًا عندهم.
وكان المقداد من الرُّماة المذكورين، ويُقال له: فارس الإسلام، واسمُ فرسه يوم بدر: سَبْحَة، وهو القائل يوم بدر: لو ضربتَ بُطونها إلى بَرْكِ الغِماد لتابعناك، وهو أولُ مَن عدا به فَرسُه في سبيل الله.
وعن أنس أن المقداد خطب إلى رجلٍ من قريش، فأبى أن يُزوِّجه، وبلغ رسولَ الله ﷺ فقال له: "ولكني أُزوّجك ضُباعة بنت الزُّبير بن عبد المطلب، جنتُ عمِّ رسول الله" فزوَّجه إياها، وأطعمه رسولُ الله ﷺ بخيبر خمسة وعشرين وَسْقًا [شعيرًا] طُعمةً، فاشتراها معاوية من أهله بمئة ألف درهم (١).
ولما هاجر إلى المدينة نزل على كُلثوم بن الهِدْم، وآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين جَبار بن صَخْر.
стр. 2540
قال أنس: بعث رسولُ الله ﷺ المقدادَ على سَرِيَّة، فلما قدم قال له: "يا أبا مَعْبَد، كيف وجدتَ الإمارة؟ قال: كنتُ أُحْمَل وأُوضَع، حتَّى رأيتُ أن لي على القوم فَضْلًا، قال: "هو ذاك، فخُذْ أو دَعْ"، فقال: والذي بعثك بالحق، لا أتأمَّر على اثنين أبدًا.
وشهد المقداد مع عمر رضوان الله عليه الجابية، وكان على ربع أهل اليمن، وخرج معه في خَرْجته التي رجع فيها من سَرْغ أميرًا على رُبْع اليمن.
وشهد اليرموك، وهو القارئ لآيات الجهاد من سورة الأنفال؛ التي سنَّها رسول الله ﷺ عند لقاء العدو، وشهد فتحَ مصر، وغزا إفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح سنة سبعٍ وعشرين.
وقالت كريمة بنت المقداد: أوصى المقداد لكلِّ واحدٍ من الحسن والحسين بثمانية عشر ألف درهم، وأوصى لكل واحدة من أزواج رسول الله ﷺ بسبعة آلاف درهم، فقبلوا وصيَّتَه.
قال أبو فائد: مرض المقداد، فسُقي دُهنَ الخِرْوَعِ فمات، وكان بالجُرُف على ثلاثة أميالٍ من المدينة، فحُمل على أعناق الرجال، حتَّى دُفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان رضوان الله عليه، وهو ابنُ سبعين سنة أو نحوها، وجعل عثمان ﵁ يُثني عليه بعد وفاته، فقال له الزبير ﵁: [من البسيط]
لا أَلفيَنَّك بعد الموتِ تَنْدُبُني (١)
وذلك لأنَّ عثمان رضوان الله عليه كان قَصَّرَ في حقّه.
أسند المقداد ﵁ الحديث عن رسول الله ﷺ ، واختلفوا في عددها، والمشهور اثنان وأربعون حديثًا.
روى عنه علي، وابن مسعود، وابن عباس، وطارق بن شهاب، والمستورد بن شداد، وسعيد بن العاص، والسائب بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجُبير بن نُفَير، وعبيد الله بن عدي بن الخِيار وغيرهم (٢).
стр. 2541
السنة الرابعة والثلاثون
فيها تكلم النَّاس في عثمان رضوان الله عليه مُجاهرةً، وطلبوا أن يُناظِروه على الأشياء التي نقموها عليه، منها: رَدُّ عمّه الحكم بن أبي العاصي إلى المدينة وإعطاؤه الأموال، وعزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة، وولايته إياها للوليد بن عُقبة، وتوليته إفريقية ومصر لعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإعطاؤه لمروان خمس إفريقية، ولتَسليطِه أحداثَ بني أميَّة على رقاب المسلمين، ونحو ذلك من الأحداث المتقدّمة.
قال الزُّهريّ: لما وَلي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرًا، يعمل ستّ سنين لا يَنقم النَّاسُ عليه شيئًا، وإنه لأحبُّ إليهم من عمر بن الخطاب؛ لأنَّ عمر كان شديدًا عليهم، فلما وَليَهم عثمان وإن لهم ووَصَلهم، ثم توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهلَ بيته في الستِّ الأواخر، وكتب لمروان بخُمس [إفريقية]، وأعطى أقرباءه المال، وتأوَّلَ في ذلك الصِّلَةَ التي أمر الله بها، واتَّخذ الأموال، واستسلف من بيت المال وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من المال ما هو لهما، وإني أخذتُه فقسمتُه في أقربائي، فأنكر النَّاسُ عليه ذلك.
وقال البلاذري: لما وَلي عثمان رضوان الله عليه كره ولايتَه نفرٌ من الصّحابة لأنَّه كان يُحبُّ قومَه، وكان كثيرًا ما يُولّي بني أميَّة ممن لم يكن له مع رسول الله ﷺ صُحبة، فكان يجيءُ من أُمرائه ما يُنكرُه الصّحابة، وكان يُستَعْتَبُ أفيهم، فلا يَعزِلُهم، فلما كان في الستّ سنين الأواخر استأثر ببني عمّه وأهله فولاهم، وقدم عليه أهلُ مصر يَتَظلّمون من عبد الله، فلم يرفع مَظالمهم.
وكان من عثمان رضوان الله عليه قبل ذلك هَناتٌ إلى أبي ذرّ وابن مسعود وعمار ﵃؛ فإنَّه غَرَّبهم، وكان في قلوب هُذيل وبني زُهرة وبني غِفار وبني مَخزوم لأجل هؤلاء ما فيها.
وقدم عليه سبعُ مئةٍ من المِصريين يَتظلَّمون من عبد الله بن سعد، وما صنع في أوقات الصَّلاة وتأخيرها فلم يُنصفْهم، فدخل عليه طلحة ﵁ فكلمه بكلام شديد، وأرسلت
стр. 2542
إليه عائشة ﵂ تأمُره أن يُنْصِفَهم، ودخل عليّ فنهاه وقال له: اعزِله عنهم، وأقده منهم، فقال: اختاروا رجلًا أَوَلّيه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فكتب له عَهده، وبعث معهم جماعةً من المهاجرين والأنصار يَنظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح.
ومن الأحداث المتجدّدة أنَّه قَدمت إبلُ الصَّدقة؛ نحو ثلاث مئة، فطلبها منه عمُّه الحكم فأعطاه إياها.
وقَدم عليه بثلاث مئة ألف درهم من صدقات قُضاعة، فطلبها الحكمُ فأعطاه إياها.
وحمى نَقيع الخَضمات لخيله، فأنكر عليه المسلمون.
وبعث إليه أبو موسى من البصرة بألفِ درهم ففرّقها في أهله وأقربائه.
وأقطع مروان فَدَكًا، وكانت صدقةَ رسول الله ﷺ .
وكان في بيت المال سَفَطٌ فيه جَوهر وحُلي، فأخذ منه مروان ما حلّى به نساءه، فأنكر عليه المسلمون، فقام عثمان رضوان الله عليه على المنبر وقال: لَنأخُذَنَّ حاجتَنا من هذا المال وإن رَغمتْ أُنوف، فناداه علي رضوان الله عليه: إذا يُحال بينك وبين بيت مال المسلمين، وقال عمار: أشهد بالله أن أنفي أول راغم، فقال له عثمان: أعليَّ تَجترئ؟ وضربه، فقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان عمار حليفًا لهم، فقال: يا عثمان، أمّا علي بن أبي طالب فاتقيتَه وبني أبيه، وأمَّا نحن فاجتَرأتَ علينا، وضربتَ أخانا أبا يَحْيَى حتَّى أشفيتَ به على التَّلف، أما والله لئن مات لأقتلنَّ به رجلًا قَبيح السِّيرة من بني أميَّة، فقال له عثمان رضوان الله عليه: وإنك ها هنا يا ابن القَسْرِيّة، فقال: يا عثمان، فإنهما قَسْرِيّتان.
قوله هشام: هما قَسْرِيّتان، يشير إلى أم عثمان وجدَّته، فإنهما كانتا قَسْرِيّتَين من بَجيلة.
وغضبت أم سلمة وعائشة ﵄ لذلك، واجتمع أعيانُ الصّحابة، منهم طلحة والزبير ﵄ وغيرهما، فكتبوا كتابًا، وعدَّدوا فيه أحداث عثمان، وأعلموه أنهم مُواثِبوه إن لم يُقلع عما هو عليه (١).
وعثمان رضوان الله عليه أولُ خليفةٍ نُخل له الدقيق بمناخل الشّعر، ووُضع بين يديه
стр. 2543
الحُملان الصِّغار، والدَّرْمَك والحلوى، وأول مَن لبس الثياب الطِّوال، والعمائم الكِبار، والسراويلات، وضُربت له الطُّبول والبُوقات، واتَّخذ الحُجَّاب والبَوّابين، وصفَّ بين يديه المُؤَذِّنين، وأول من فوَّض الزكاة إلى أربابها في الأموال الباطنة، إلى غير ذلك.
ذكر قيام النَّاس عليه
مرَّ عثمان رضوان الله عليه بجَبَلة بن عمرو السَّاعديّ وهو على باب داره، فناداه جَبَلة: يا نَعْثَل، والله لأحمِلَنَّك على قَلُوصٍ أجرب (١)، ولأُخرِجَنَّك إلى حَرَّة النَّار، ثم أتاه يومًا آخر بجامعةٍ وهو على المنبر فقال: والله لتَنزِعَنَّ عن بِطانتِك من آل أبي مُعَيط أو لأَطرَحَنَّها في عُنُقك، ويحك يا نَعْثَل، أطعمتَ أسواقَ المدينة بُنيّ الحكم الملعون، طَريد رسول الله ﷺ ، يَشتري الجَلَبَ ويَبيعُه، ويجيءُ مَقاعد المتسوِّقين، وكان عثمان رضوان الله عليه قد أقطع الحارث بنَ الحكم في سوق المدينة مكانًا يُقال له: مَهْزور، وكان رسول الله ﷺ تَصدَّق به على المسلمين.
وجَبَلة أولُ من اجترأ على عثمان رضوان الله عليه، وكان في مَنَعَةٍ من قومه وساعده المسلمون، واجتمع النَّاس إلى عامر بن عبد قيس، وكلَّموه ليدخلَ على عثمان رضوان الله عليه، فيُعَدِّد عليه أحْداثَه، ويُناظِره فيما نَقَموا عليه، فدخل وقال: إن ناسًا من المسلمين قد اجتمعوا ونَظروا في أعمالك، فوَجَدوك قد ركبتَ أمورًا عِظامًا، فاتَقِ الله، وتُبْ إليه، وانزع عنها.
فقال عثمان رضوان الله عليه: انظروا إلى هذا، يَزعم أنَّه قارئ، ثم يُكلّمني في المحقرات، فوالله ما يَدري أين الله، فقال له عامر: والله إنني لأدري أين الله، إنه لك لبالمرصاد.
ولما رأى عثمان رضوان الله عليه ضَجيجَ النَّاس عليه كتب إلى أُمرائه فاستَقدمهم، فقَدم عليه معاوية من الشام، وابن أبي سَرْح من مصر، وسعيد بن العاص من الكوفة، وعبد الله بن عامر من البصرة، ودعا بعمرو بن العاص، فلما اجتمعوا عنده قال لهم:
стр. 2544
إن لكلِّ أميرٍ وُزراء، وقد طلبوا مني عَزْل عُمّالي، والرّجوع عما يكرهون إلى ما يُحبُّون، فأشيروا عليّ.
فقال له ابنُ عامر: أرى أنك تَأمُرُهم بالجهاد لتَشغَلَهم عنك، وقد نَقَموا عليك مَنعَ المال، فأعطهم إياه، فقال سعيد بن العاص: إن كنتَ على رأينا فاحسم عنك الداء، [واعمل برأيي تُصِبْ] قال: وما هو؟ قال: لكلّ قومٍ قادة، فمتى يَهلكوا تفرّقوا، فلم يجتمع لهم رأي ولا أمر.
وقال معاوية: أرى أن تَخرج إلى الشام، فقال: لا أخرج من مُهاجَر رسول الله ﷺ وجِواره، قال: فأبعثُ إليك جيشًا يُقيم عندك، قال: لا أكون أول مَن وَطِئ أصحابَ رسول الله ﷺ وأنصارَه بجيش.
وقال ابن أبي سَرْح: اشْغَلِ القوم بالعَطاء تَستعطِفْ قلوبَهم.
وقال عمرو بن العاص: إنك قد ركبتَ النَّاس بما يكرهون، فإما اعتدَلْتَ وإما اعتزلتَ، فقال له: قد قَمِلَ فَرْوُك، يعني من عَزْلِه إياه عن مصر، فقال له عَمرو: ستَعلم، فردّ عثمان رضوان الله عليه عُمَّاله إلى أمصارهم على تَجمِير النَّاس في البُعوث، وقيل رَدَّهم على غير شيء.
قال أبو اليَقظان: لما اجتمع عند عثمان رضوان الله عليه عُمَّالُه هؤلاء اتفقوا على نَفْيِ المشنِّعين عليه في الأمصار، وتَجميرهم في البعوث، ومنع أعطيتهم، والتَّضييق عليهم.
وكان الأشتَر ورؤساءُ الكوفة قد قدِموا على عثمان رضوان الله عليه يَشكون سعيد بنَ العاص، وسألوه عَزلَه عنهم فامتنع، وكان الأشتر حينئذ بالمدينة، فجاء هو وأصحابُه إلى طلحة والزبير ﵄، وكان عندهما عمرو بنُ العاص وقد حضر المشورة، فقال له الأشتر: ما وراءه؟ فقال: ما ترك شيئًا من الشرِّ إلَّا وأمر به أمراءه، إنه قد أمرهم بتَجميركم في البُعوث، ومَنعِ أعطيتكم، والتّضييق عليكم، فقال الأشتر: لو كان معي نَفَقة لسبقتُ سعيد بنَ العاص إلى الكوفة، فمنعتُه من دُخولها، فأقرضه طلحة مئةَ ألف درهم، والزبير كذلك، فقسم المال في أصحابه، وسبق سعيدًا إلى الكوفة، فصعد المنبر وقال: إن عاملكم الذي شكوتُم سُوءَ سيرته قد رُدَّ إليكم، وقد اتَّفق عثمان وعُمَّالُه
стр. 2545
على كذا وكذا، فبايعوني على أن لا يَدخُلها ابنُ العاص، فبايعه منهم عشرةُ آلاف.
وخرج سعيد من المدينة طالبًا الكوفة، فخرجوا إليه فرَدُّوه، وقالوا: والله لا وليتَنا ما حَملْنا سيوفَنَا، وتقدَّمهم الأشتر وقد تَقلد سيفَه، وعلى وجهه الغُبار وهو يقول: والله لا يَدخلها علينا، وقتلوا غُلامَه، ونهبوا مَتاعَه، وكاد يُقتل، فرجع إلى عثمان رضوان الله عليه خائفًا طريدًا، فشقَّ ذلك على عثمان رضوان الله عليه.
ولما عاد سعيد إلى المدينة قال عثمان رضوان الله عليه: ليت شِعري ما يُريدون؟ قال سعيد: الاستبدال، وكتب أهل الكوفة إلى عثمان رضوان الله عليه: إنّا ما مَنَعْنا عاملَك دخولَ مِصرنا مُخالفةً لك؛ وإنَّما مَنعناه لسُوءِ سِيرته، فابعَثْ إلى عملك مَن تُريد، فكتب إليهم: اختاروا، فاختاروا أبا موسى وقالوا: إنه كان عامِلَنا في أيَّام عمر، فبعث به إليهم.
وقال: لما قدم أبو موسى الكوفة خطب وقال: أيها النَّاس، لا تعودوا لمثلها، وعليكم بالطّاعة، ولُزوم الجماعة، وإياكم والعَجلة فإنَّها من الشَّيطان.
ولما دخلت سنةُ أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله ﷺ بعضُهم إلى بعض: إن أردْتُم الجهادَ الأكبر فاقدموا علينا فإنَّه عندنا، فإن عثمان قد بدَّل وغيَّر.
وكثر النَّاس على عثمان رضوان الله عليه، ونالوا منه أقبحَ مَنال، والصحابةُ يَرون ويَسمعون، وليس أحدٌ منهم يَنهى عن ذلك، إلَّا نفرٌ منهم زيد بن ثابت، وأبو أسَيد السَّاعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع النَّاس إلى علي رضوان الله عليه، فسألوه أن يُكلِّمَه، فدخل عليه فقال له: النَّاسُ قد كثروا عليك، وإنهم ورائي، ووالله ما أدري ما أقول، وما أعرفُ شيئًا تَجهلُه، ولا أدُلُّك على أمر [لا] تَعرِفُه، وقد صَحِبتَ رسولَ الله ﷺ ونِلتَ صِهرَه، وما ابنُ أبي قُحافة وابن الخطاب بأولى بعملِ الحقِّ منك، وأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ رَحِمًا منهما، ونلتَ من صهره ما لم يَنالا، وما سَبَقاك إلى شيءٍ، فاللهَ اللهَ في نفسك، فإنَّك لا تُبصَّر من عَمَى، ولا تُعلَّم من جَهل، وإن الطَّريق لَوَاضِحٌ، وإن أعلامَ الدِّين لَقَائمةٌ، وأفضلُ عباد الله عند الله إمامٌ عادل؛ أقام سُنَّة وأمات بِدعة، وإن شرَّ النَّاس عند الله إمام جائر، أمات سُنَّة وأحيا بِدعة.
فقال له عثمان رضوان الله عليه: قد والله كنتُ أظنّ أنك لَتَقولَنَّ ما قُلتَ، ولو كنتَ
стр. 2546
مكاني لما عَنَّفتُك ولا عِبتُ عليك، ثم قال: أَنشُدُك الله، هل تعلم أن عُمر وَلّى المغيرة بنَ شُعبة البَصرة وليس هناك؟ قال: نعم، قال: فلِمَ أُلام أن وَلَّيتُ ابنَ عامر في شرفه وجُوده وقرابته؟ فقال عليّ رضوان الله عليه: إن عُمر كان إذا ولى واليًا فإنما يطأُ على صِماخِه إنْ بَلَغه عنه [حرف] وأنت لا تَفعلُ ذلك رِقَّة على أقربائك.
فقال عثمان رضوان الله عليه: ألست تَعلم أن عُمر وَلّى مُعاويةَ الشامَ خلافتَه كلّها؟ قال: نعم، [قال علي:] ألستَ تعلم أن مُعاوية كان أخوفَ لعمر من غُلامه يَرفَأ؟ قال: نعم، قال: فإن مُعاوية يَقتَطِع الأمورَ دونك، وَيبلُغُك فلا تُغَيِّر عليه ولا تُنكره، ويقول النَّاس: هذا أمرُ عثمان.
ثم قام عليّ رضوان الله عليه فخرج، وقام عثمان رضوان الله عليه فصَعِد المنبر وقال: إن لكلِّ شيءٍ آفة، وإن لكلِّ أمرٍ عاهة، وإن افةَ هذه الأمة عَيَّابون طَعَّانون، يُرونكم ما تُحبّون، ويُسِرُّون عنكم ما تكرهون، ألا وإنكم عِبْتُم عليَّ ما أقررتُم ابنَ الخطاب على مِثله، وإني أعزُّ ناصرًا منه، وأكثرُ عَددًا، وأمنعُ عَشيرةً، ولكنه وَطِئكم برِجله، وضربكم بيده، وقَمعَكم بلسانه، فَدِنْتُم له على ما أحبَبْتُم وكَرِهتُم، ووَليتُكم فأوْطَأتكم كَنَفي، وكفَفْتُ يدي ولساني عنكم فاجترأتُم عليّ، فإن كنتُ إمامًا فلِمَ يُعتَرضُ عليّ، أفعلُ ما أُريد في المال وغيره، فكُفّوا عني ألسنتنكم وطَعنكم على وُلاتكم.
فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتُم حَكَّمْنا بيننا وبينكم السيف، ونحن وإياكم كما قال القائل: [من الطَّويل]
فَرَشْنا لكم أَعْراضَنا فنَبَتْ بكم … مَعارِسُكم تَبْنُون في دِمَنِ الثَّرى
فقال له عثمان رضوان الله عليه: اسكُت لا سكتَّ، دَعني وأصحابي، ما كلامُك في هذا، ألم أتقدَّمْ إليك أنك لا تَنطق بحَرف، فسكت مروان، ونزل عثمان رضوان الله عليه.
وحجّ عثمان رضوان الله عليه في هذه السنة، وحجّ معه أزواجُ رسول الله ﷺ -كما فعل عمر رضوان الله عليه، وجعل في مُقدّمة القطار عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وفي مؤخرته سعيد بن زيد ﵁، وهي آخر حجَّة حَجّها عثمان رضوان الله عليه.
стр. 2547
فصل وفيها تُوفّي.
أبو طلحة
زيد بن سهل بن الأسود بن حرَام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النّجار الأنصاري، وأمُّه عُبادة بنت مالك بن عديّ، نَجَّارية أيضًا.
وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العَقَبة مع السّبعين، وبدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي.
وكان راميًا، ورمى يومَ أُحد بين يدي رسول الله ﷺ ، والنبيّ ﷺ خلفَه، وهو يقول له: بأبي أنت وأمي، لا يُصيبُك سَهم، نَحري دون نَحرك، وثبت معه يومئذٍ، ووقاه بنفسه.
وكان صَيِّتًا، قال رسول الله ﷺ : "لَصوتُ أبي طَلحة في الجيش أشدُّ على الكفّار من فئة".
وكان فارسًا راميًا، ويَخْطُر (١)، ويقول: [من الرجز]
أنا أبو طلحةَ واسمي زَيدُ … وكلّ يومٍ في سلاحي صَيدُ
وهو أولُ من أُنزل عليه النُّعاس يوم أحد، فسقط السيفُ من يده مِرارًا.
قال أنس: لما حلق رسول الله ﷺ رأسَه في حِجَّته بدأ بشِقّه الأيمن، وقال هكذا، فوَزّعه بين النَّاس، فأصابهم الشعرةُ والشعرتان وأقلّ من ذلك وأكثر، ثم قال بشِقِّه الآخر كذا، وقال: "أين أبو طلحة"، فدفعه إليه، الحديث.
وقال أنس: قتل أبو طلحة يوم حُنَين عشرين رجلًا، ولم يُفطر بعد رسول الله ﷺ إلَّا في مَرضٍ أو سَفَر حتَّى لَقي الله تعالى.
ومات بالمدينة في سنة أربع وثلاثين، وصلّى عليه عثمان رضوان الله عليه، وهو يومئذٍ ابنُ سبعين سنة، ودُفن بالبقيع، وقيل: مات بالشام سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: مات بالبحر غازيًا.
стр. 2548
وقيل: قرأ أبو طلحة ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية [التوبة: ٤١] فقال: أرى ربّي يَستنفِرُنا شُيوخًا وشُبّانًا، جَهزوني أي بَنيَّ، فقالوا: قد غزوتَ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، ونحن نغزو عنك، فقال: جَهِّزوني فجهزوه، فمات في البحر، فلم يجدوا جزيرةً إلَّا بعد سبعةِ أيَّام، فدفنوه بها ولم يَتغيَّر ﵁.
وكان له من الولد: عبد الله وأبو عُمَير، أمّهما أمُّ سُلَيم بنت مِلْحان، وأبو عمير هو الذي قال له رسول الله ﷺ : "أبا عمير ما فعل النُّغَيْر".
وعبد الله وُلد على عهد رسول الله ﷺ وحَنّكه بيده، استُشهد بفارس.
أسند أبو طلحة ﵁ الحديثَ عن رسول الله ﷺ (١).
سُوَيد بن شُعبة
اليَربوعي التَّميمي، من الطبقة الأولى من التّابعين المجتهدين، من أصحاب الخِطَط الذين اختطُّوا بالكوفة في أيَّام عمر رضوان الله عليه، ولم يُروَ عنه شيءٌ.
روى أبو حيان التَّيميُّ عن أبيه قال: دخلتُ على سويد بن شُعبة وعليه ثوب، فلولا أني سمعتُ امرأتَه تقول: أهلي فِداؤك، ما نُطعمك، ما نَسقيك؟ ما شعرت أنّ تحت الثوب شيئًا، وكان قد ضَني على فِراشه، فقال: يا أخي، دَبِرت الحَراقِفُ والصُّلْب، فما من ضَجعَةٍ غير ما ترى، وكان مُتكئًا على وَجهه، قال: والله ما أحبُّ أني نُقصتُ منه قُلامَةَ ظُفْر (٢).
عُبادة بن الصَّامت
ابن قيس بن أصْرَم بن فِهر بن ثعلبة بن غَنْم بن عَوف بن عمرو بن عَوف بن الخَزْرج الأنصاري، من الطبقة الأولى من القَواقِلة، وكَناه النَّبيُّ ﷺ أبا الوليد، وأمُّه قُرَّة العَين
стр. 2549
بنت عُبادة بن نَضْلة بن مالك خزرجية، وأمها عميرة بنت ثعلبة بن سنان خزرجيّة.
تزوج قُرَّةَ العين الصامت، فولدت له عُبادة وأُويسًا ابنَيْ الصَّامت، أسلمت قُرَّة وبايعت النَّبيَّ ﷺ .
شهد عُبادة العَقَبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول ﷺ ، وهو أحدُ النُّقَباء الاثني عشر.
وكان طُوالًا حسنًا جميلًا، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مَرْثَد الغَنَوي، وكان قد بايع رسول الله ﷺ أن لا تأخُذَه في الله لومَةُ لائم.
ذكر معاويةُ الطاعون في خطبته فحذَّر منه، فقال له عُبادة: أمُّك هند أعلمُ منك،
فلما نزل معاوية أرسل إليه فجاء، فقال: أما استَحْييت إمامك؟ فقال: أليس قد علمتَ أني بايعتُ رسول الله ﷺ [ليلة] العَقَبة أني لا أخافُ في الله لَومةَ لائم؟ ثم خرج معاوية فقال: أيها النَّاس، إنِّي حدَّثتُكم حديثًا، ثم دخلتُ البيت فإذا الحديثُ كما حدثَني عبادة، فاقتبسوا منه فإنَّه أفقَهُ مني.
وأنكر عبادة على معاوية شيئًا فقال: لا أُساكِنُك بأرض، فرحل عبادة إلى المدينة، فرآه عمر رضوان الله عليه فقال: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك، فقبَّح الله أرضًا لست فيها وأمثالك، ارجع فلا إمرةَ لمعاوية عليك، فرجع.
وكان ممَّا أنكر على معاوية أن بعض الخطباء مدحه، فقام عبادة فحثى في وَجهه التُّراب، فغضب معاوية، فقال له عُبادة: أما سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "احثوا في وُجوه المدَّاحِين التُّراب".
وجرى بينه وبين معاوية كلامٌ، فقال له: يا معاوية، أنت والله أحقَرُ في عيني من أن أخافَك في الله تعالى.
ولما أكثر النَّاسُ على عثمان رضوان الله عليه قال عُبادة: والله لا أقمتُ بهذا البلد، فخرج من المدينة ولحق بالساحل، فأقام بعَسْقلان حتَّى جرى في أمر عثمان رضوان الله عليه ما جرى.
وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية
стр. 2550
[المائدة: ٥١] وذلك [لما حاربت بنو قَينُقاع رسول الله ﷺ تشبَّث عبد الله بن أُبيّ وقام دونهم، فمشى عبادة بن الصَّامت إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلْفهم] (١)، فنزلت هذه الآية.
شهد عُبادة فتح مصر، وكان أميرًا على رُبع المدَد، وكان ممن جمع القرآن على عهد النَّبيُّ ﷺ .
واختلفوا في وفاته، فقيل: مات بالرَّمْلَة سنةَ أربع وثلاثين، وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنة وله عَقِب، وقيل: تُوفّي في خلافة معاوية بالشام.
قال عبد الحميد بن يزيد الجُذامي: شهدتُ جنازة ببيت المقدس مع رجاء بن حَيوة، فقال لي: يا أبا عَمرو، ها هنا قبرُ أخيك عُبادة بن الصَّامت، إلى جانب الحائط الشرقي.
وكان له من الولد: الوليد، وأمه جَميلة بنت أبي صَعصعة، ومحمد، وأمّه أم حرام بنت مِلْحان الأنصارية، وكان له عُبيد الله وداود وأمّ محمد، والكلّ من أمِّ حرام.
دخل معاوية المدينةَ حاجًّا فلم يَخرجوا للقائه، فلقي بعض الأنصار فقال: أين نَواضِحُكم هلا لَقيتموني عليها؟ فقال له [أبو] الوليد عُبادة (٢): أنضيناها في طلب أبيك يوم بدر.
أسند عبادة عن رسول الله ﷺ مئةً وثمانين حديثًا، فمن مسانيده:
عن عبادة بن الصَّامت عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الأبدال في هذه الأُمَّة ثلاثون مثلُ إبراهيم الخليل، كما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلًا" (٣).
روى عن عبادة أنس بن مالك، وأبو أُمامة الباهِليّ، ومحمود بن الرَّبيع وغيرهم، ومن التّابعين أبو مسلم وأبو إدريس الخولانيّان، وخالد بن مَعدان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعُبيد الله وداود والوليد بنو عُبادة.
стр. 2551
وأخوه أوس بن الصّامت لأبيه وأمه، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وأدرك زمنَ عثمان رضوان الله عليه، وهو الذي ظاهر من امرأته خَولة بنت مالك، وهي المجادلة التي نَزل فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وهو أول ظهار كان في الإسلام.
وكان لأوس ولد اسمه الرَّبيع بن أوس من خولة (١).
أبو عبس بن جبر
ابن عمرو بن زيد بن جُشَم بن حارثة الأنصاري، واسمه عبد الرحمن وقيل عبد الله، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه ليلى بنت رافع حارثية.
وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، وكان هو وأبو بُردة الأسلمي يَكسران أصنامَ بني حارثة.
شهد أبو عبس بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين خُنَيس بن حُذافة السهمي زوجِ حفصة بنت عمر رضوان الله عليها.
وكان في الذين قتلوا كعب بن الأشرف، وكان يَخضِب بالحِنَّاء، ويبعثه عمر وعثمان رضوان الله عليهما على الصدقات.
وتوفي بالمدينة في هذه السنة وهو ابن سبعين سنة، وصلّى عليه عثمان رضوان الله عليه ودُفن بالبقيع، ونزل في قبره أبو بُرْدَة بن نيار، وقتادة بن النُّعمان، ومحمد بن مَسْلَمة، وسلمة بن سَلامة بن وَقْش، وكلُّهم شهد بدرًا، وله صحبة ورواية.
وكان له من الولد محمد ومحمود، أمهما أم عيسى بنت مَسلمة، أخت محمد ومحمود ابنَي مَسلمة لأبيها وأمها، أسلمتْ وبايعَتْ رسولَ الله ﷺ ، وعُبيد الله بن أبي عَبْس، أمُّه أمُّ الحارث بنت محمد بن مَسْلمة، وزيد وحُميدة، ولأبي عَبْس عَقِب كثير بالمدينة وبغداد (٢).
стр. 2552
عوف بن أُثاثَة
ابن عُبادة (١) بن المطلب بن عبد مناف، ويُلقّب مِسطَحًا، كنيته أبو عبَّاد، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين.
شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين زيد بن المزَيَّن، وأطعمه رسول الله ﷺ خمسين وَسْقًا [بخيبر]، وهاجر مع عَبيدة بن الحارث.
وكانت أمُّه بنت أبي رُهْم بن المطّلب بن عبد مَناف، ابنة خالة أبي بكر الصِّديق رضوان الله عليه، وكانت من المبايعات، وهي التي كانت تقوم بأمر عائشة ﵂.
وكان أبو بكر ﵁ يُنفق على مِسْطَح حتَّى تكلّم في الإفك، فقطع عنه نفقتَه ثم أعادها، وأمُّ مِسْطَح التي أخبرت عائشة رضوان الله عليها بقول أهلِ الإفك، وكان من أشدّ النَّاس مِسْطَح حين تكلم في عائشة.
وتُوفّي مِسطَح سنة أربع وثلاثين بالمدينة، وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل سنة سبع وثلاثين، وقيل إنه شهد صِفّين، والأوّل أصحّ، وليس له رواية رحمة الله عليه، وأخته لأبويه هند بنت أُثاثَة، كانت تَمدح رسول الله ﷺ (٢).
كلثوم بن حُصَين
أبو رُهْم الغِفاري، أسلم بعد قُدوم رسول الله ﷺ المدينة، وشهد معه أُحدًا، فرُمي يومئذٍ بسَهم في نَحْره، فجاء إلى رسول الله ﷺ فبصَق عليه، فكان يُسمّى المنحور.
قال محمد بن عُمر: بينا رسول الله ﷺ يسير من الطائف إلى الجِعرانة، وأبو رُهْم إلى جنبه على ناقةٍ له، وفي قَدَمَيه نَعلان غَليظان، ازدحمت ناقتُه مع ناقة رسول الله ﷺ ، قال أبو رُهْم: فوقع حَرْفُ نَعْلِي على ساقه فأوجَعه، فقال: "أوجَعْتَني، أخِّر رجلَك"، ثم قَرع رجلي بالسَّوط، فأخذني ما قَدُم وما حَدث، وخشيتُ أن يَنزل فيَّ
стр. 2553
قرآن، فلما أصبحنا بالجِعرانة خرجتُ أرعى الظَهر وما هو يَومي، فَرَقًا أن يأتي لرسول الله ﷺ رسولٌ يَطلُبني، فلما رَوَّحتُ الرّكاب سألتُ فقالوا: طَلبَك رسولُ الله ﷺ ، فجئتُه وأنا أرتَقِب، فقال: "إنني قَرَعْتُك بالسَّوط فأوجَعتُك، فخُذْ هذه الغنم عوضًا من ضربتي" قال: فرِضاه عني كان أحب إليَّ من الدُّنيا وما فيها.
وبعثه رسول الله ﷺ إلي قومه يَستنفِرهم إلى تبوك.
ولكلثوم بن الحُصين رواية (١).
* * *
стр. 2554
السنة الخامسة والثلاثون
وفيها قُتل عثمان ﵁، وحجَّ بالنَّاس عبد الله بن عباس، وولي أمير المؤمنين علي ﵇ الخلافة، وسنذكر سيرة عثمان في ترجمته إن شاء الله تعالى.
فصل في ذكر خلافته
وكُنيته أبو الحسن وأبو تُراب؛ قال البُخاريّ بإسناده عن سهل بن سعد وجاءه رجل فقال: هذا فلان عند المِنبر يَذكر عليَّ بن أبي طالب أو يَسبُّه، قال: وماذا يقول؟ قال: يقول: أبو تُراب، فغضب سهل وقال: والله ما كَناه به إلّا رسول الله ﷺ ، وما كان اسمٌ أحبَّ إليه منه؛ دخل علي يومًا على فاطمة، فأغضبتْه في شيء فخرج إلى المسجد، فنام على التُّراب، فخَلَص إلى ظَهره، فجاءه رسول الله ﷺ فمسح التّراب عن ظهره وقال له: "اجلس أبا تُراب" قالها مرتين. متّفق عليه (١).
وقد أخرجه الحُميدي وفيه: فدخل رسول الله ﷺ بيتَ فاطمة وقال: "أين ابنُ عمّك؟ " فقالت: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضبني وخرج إلى المسجد، ولم يَقِل عندي، فخرج إليه رسول الله ﷺ وهو مُضطجِعٌ على التّراب فجعل يقول: "قم أبا تراب" (٢).
وفي نسخة الحميديّ أيضًا عن سهل وفيه: استُعمل رجلٌ من آل مروان على المدينة فقال: لعن الله أبا تُراب، أو يلعن عليًّا، فقال سهل بن سعد، وذكره.
وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: دخل سعد بن أبي وَقّاص على معاوية فقال له: ما مَنَعك أن تَسُبَّ أبا تُراب (٣)، وسنذكر الحديث.
قال الحميدي: كان بنو أميَّة يَعيبون عليًّا بهذا، قال سهل: ووالله ما كَناه به إلَّا رسول الله ﷺ .
وقيل: إن الذي سَبَّه مروان بن الحكم.
стр. 2555
وقال هشام: كان يُكنى أبا قَصْم، وذكره جدِّي في "التّلقيح" (١) ولم يُفسِّره، وقال الفراء: القَصْم: الكَسْر، وكان عليّ يَكسرُ أعداءَ الله ورسولِه ويُبيدُهم.
وقال الواقدي: لما وضعته أمّه سمَّته باسم أبيها أسدًا، وكان أبوه غائبًا، فلما قَدم سمَّاه عليًّا.
وقال ابنُ الكلبي: لما وضَعتْه أمُّه سَقَته حَيدرة، وهو من أسامي الأسد، وسُمِّي به لغِلَظِ عُنُقه وذراعيه، وهذه من أوصاف عليّ، قال: والدّليل عليه أنَّه ارتَجز يومَ خيبر:
أنا الذي سَمَّتْني أُمّي حَيدَرَهْ (٢)
ثم سمَّاه أبوه عليًّا.
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وقد ذكرناها.
ذكر صفته:
قال ابن سعد: حدَّثنا يزيد بن هارون قال: حدَّثنا إسماعيل بن [أبي] خالد، عن الشعبي قال: رأيتُ عليًّا ﵇، وكان عريضَ اللحية قد أخذت ما بين مَنْكِبَيه، أصلع، على رأسه زُغَيبات.
قال: وقال أبو إسحاق: رأيت عليًّا أبيضَ الرّأس واللّحية، أصلع أجْلَح.
وروى ابن سعد عن أبي جعفر محمد بن علي، وسُئل عن صفة علي، فقال: كان آدم شديدَ الأُدمة، عظيمَ العينين، ليس بالطويل ولا بالقصير، عظيمَ اللحية، أصلع، أبيضَ الرأس واللحية، ذا بَطن.
لم يَصفه بالخضاب سوى سَوادة بن حَنظلة فإنَّه قال: رأيتُه خَضَب.
وقال ابن سعد: قال سَوادة بن حَنْظلة القُشَيري: رأيت عليًّا أصفَرَ اللحية.
وروى ابن سعد أيضًا عن محمد ابن الحَنَفيّة قال: خضب عليّ بالحنّاء مرةً ثم ترك (٣).
وسنذكر ما يتعلَّق به في سنة أربعين إن شاء الله تعالى.
стр. 2556
ذكر خلافته:
اتّفق علماءُ السِّيَر على أنَّه وَلي الخلافة في ذي الحجَّة سنةَ خمسٍ وثلاثين في الأصح، وإنَّما اختلفوا في أيِّ يوم بُويع فيه على أقوال؛ أحدها: يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحِجَّة، قاله ابن الكلبي، وحكاه الطبري عن سيف بن عمر عن أشياخه.
والثاني: يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، رواه أبو بكر بن أبي الدُّنيا عن أشياخه.
والثالث: يوم السبت صَبيحةَ اليوم الذي قتل فيه عثمان، قاله الواقدي.
والرابع: يوم الأحد لثلاث عشرة أو ثمان عشرة بقين من ذي الحجة.
والأصح ما ذكره الواقدي، فإن ابن سعد قال في "الطبقات" (١): قُتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة ليلةً من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وبُويع لعلي في الغد من اليوم الذي قُتل فيه عثمان.
وروى سيف عن أشياخه: محمد بن عبد الله بن سَواد، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة قالوا: بقيت المدينةُ شاغِرةً خمسةَ أيَّام من إمام، وأميرُها الغافقي بن حرب، وهم يلتمسون مَن يُجيبُهم إلى القيام بالأمر فلا يَجدونه، فأتى المصريون عليًّا، فاختبأ منهم، وخرج إلى ظاهر المدينة، ولاذ بحيطانها، وتبرَّأ منهم، وتبعه المصريّون فلم يَقدروا عليه. وطلب الكوفيون الزّبير فتباعد منهم، وطلب البصريّون طلحة فتبرَّأ منهم، فعدلوا عن الثلاثة، وبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: أنت من أهل الشُّورى، فأقبلْ نُبايعك، فرأيُنا قد اجتمع عليك، فبعث إليهم: قد خرجتُ أنا وابنُ عمي منها فلا حاجة لي فيها، ثم تمثَّل وقال: [من البسيط]
لا تخلِطنَّ خبيثاتٍ بطيِّبةٍ … واخلع ثيابَك منها وانجُ عُريانا
قال سيف: ولما عرضوها على طلحة قال: [من الطَّويل]
ومن عَجَبِ الأيَّام والدهرِ أنني … بَقيتُ وحيدًا لا أُمِرُّ ولا أُحلي
стр. 2557
فتركوه وقالوا: إنك لتُوعِدنا، ثم لقوا الزُّبير فعرضوها عليه فأنشد: [من الطَّويل]
متى أنت عن دار بفَيحانَ راحلٌ … وباحتِها تَخنو عليك الكتائبُ
فقالوا: إنك لتُوعِدنا، فلقوا عليًّا، فعرضوها عليه فتمثل: [من الطَّويل]
ولو أن قومي طاوَعَتْني سَراتُهم … أمرتُهمُ أمرًا يُديخُ الأعاديا
فقالوا: إنك تُوعدنا، ووالله لئن لم تفعل لنُلحقَنَّك بعثمان.
وقال سيف: لَقوا عبد الله بن عمر فعرضوها عليه، فقال: إن لهذا الأمر انتقاضًا، فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يَدرون ما يَصنعون، فقالوا: يا أهل المدينة، قد أجَّلناكم يومَكم هذا، فوالله لئن لم تتَفقوا اليوم على أحدٍ لنقتُلَنَّ عليًّا وطلحة والزبير وأُناسًا كثيرًا، فأقبل النَّاسُ على عليٍّ وقالوا: قد ترى ما نزل بالإسلام، فهلُمَّ لنُبايعك، فامتنع.
وقال الطبري (١): اجتمعت الصحابةُ إلى علي، وسألوه أن يَليَ أمرَهم، فأبى وقال: لأنَّ أكونَ وزيرًا خيرٌ من أن أكونَ أميرًا، ولا حاجةَ لي في أمركم، أنا معكم، مَن اخترتُم رضيتُ به، ثم دخل حائط عمرو بن مَبْذول، وأغلق الباب، فتسوَّروا عليه الحائط، وبايعوه وقالوا: لا نُريد سواك.
وحكى داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: لما قُتل عثمان أتى النَّاسُ عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا: ابسُطْ يدَك نُبايعْك، فقال: لا تَعجَلوا، فإن عمر كان رجلًا مُبارَكًا، وقد أوصى بها شُورى، فأمهِلوا حتَّى يجتمع النَّاسُ عليّ ويتشاورون، فرجع النَّاس عنه، ثم قال بعضُهم لبعض: إن رجع النَّاسُ إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يَقُمْ إمام، لم نَأمَن اختلافَ الأمَّةِ وفسادَها، فعادوا إلى على، فقبض الأشترُ على يده، فقبضها عليٌّ وقال: أبعد ثلاثة! فقال له: والله لئن تركتَها اليوم لتعْصِرنَّ عينيك عليها حينًا، فبايعه العامّة، قال: وأهل الكوفة يقولون: أوَّلُ مَن بايعه الأشتر.
وروى سيف بن عمر عن أشياخه: محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما
стр. 2558
كان يوم الخميس على خمسة أيَّام من مقتل عثمان؛ هرب من بني أميَّة مَن أطاق الهرب إلى مكّة، فيهم مروان وسعيد وغيرهما، فقالوا أهلُ مصر لأهل المدينة: أنتم أهل الشورى، وأنتم تَعقدون الإمامة، وأمرُكم جائز على الأمة، فانظروا رجلًا تُنصّبونه، ونحن لكم تَبع، فقال الجمهور: نحن بعليٍّ راضون، فبايعوه.
وقال هشام: وقد قيل إن الزُّبير لم يُبايع، وليس كما زعموا بل بايع.
وقال سيف: حدثني محمد بن قيس، عن الحارث الوالِبيّ قال: جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتَّى بايع؛ فكان الزُّبير يقول: جاءني لُصوص عبد القيس فبايعتُ واللّجُّ على عُنقي، يعني السيف.
وحكى الطبري أيضًا عن عمر بن شَبَّة بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنتُ مع أبي حين قُتل عثمان، فأتاه أصحابُ النَّبيِّ ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بدَّ للناس من إمام، ولا نَجدُ أحدًا اليوم أحقَّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدمَ سابقةٌ، ولا أقربَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: لا تفعلوا، فقالوا: والله ما نحن بفاعِلين حتى نُبايعَك، قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون إلَّا عن رِضى المسلمين، فدخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم تتابع النَّاس (١).
وقال في "نهج البلاغة": إن عليًّا كرّم الله وَجهه قال لهم: دَعوني والتمسوا غيري، فإنا مُستقبلون أمرًا له وجوه، وأسبابًا لا تقوم لها القلوب، ولا تثبتُ علها [العقول]، إن الآفاق قد أغامت، والمحجَّة قد تنكَّرتْ، وإني [إن] أحببتُكم ركبتُ بكم ما أعلم، ولم أُصغِ إلى قولِ قائلٍ، وعيبِ عائب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعُكم وأطوعُكم لمن تُولُّونه أمرَكم، وأنا لكم وزيرٌ خيرٌ مني لكم أمير (٢).
قال الجوهري: يقال غامت السماء وأغامت؛ أي: تغيَّمت (٣)، ومعناه: أن الآفاق قد أظلمت بالفِتَن.
واختلفوا في أول من بايعه؛ فقال الواقدي: أول مَن بايعه طلحة بن عُبيد الله
стр. 2559
التَّيميُّ، وكان أشلّ، شلَّت يدُه يومَ أُحد، فنظر إليه حَبيب بن ذُؤيب، وقيل قَبيصة بن ذؤيب فقال: إنا لله، يدٌ شَلاء، أمرٌ لا يَتمّ.
وقال ابن أبي الدنيا: بايعه النَّاس في دار عمَرو بن مِحصن الأنصاري ثم بويع البيعةَ العامة في المسجد.
وقال الهيثم عن الشعبي: لما جاء النَّاسُ أرسالًا إلى عليّ امتنع من البيعة، فأخذ الأَشتر بيده وقال: اقبل، قال علي: أبعد ثلاثة!؟ لا حاجةَ لي فيها، فقال الأشتر: والله لئن تركتَها اليوم لتَعصِرَنّ عليها عينيك غدًا، ثم بايعه فهو أول مَن بايع وبايعه النَّاس.
وروي أن عمارًا أوّلُ مَن بايَعه، فقال البلاذري: قُتل عثمان وعلي بأرضٍ يقال لها البُغَيبغة؛ فوق المدينة بأربعة فَراسخ، فلما أُخبر أقبل نحو المدينة، فلقيه عمار بن ياسر فقال: مُدَّ يدك، فهو أول من بايعه.
ذكر من تخلَّف عن بيعته:
قال هشام: بايعه أعيانُ المهاجرين والأنصار، وعامّة الصّحابة: طلحة، والزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وعمار بن ياسر، وسَهْل بن حُنَيف، وأبو أيّوب الأنصاري، وخُزَيمة بن ثابت، ومعظم أهل بدر وبيعة الرضوان، وامتنع من بيعته: حسَّان بن ثابت الشاعر، وكان عثمان قد أعطاه مالًا طائلًا، يزيد بن ثابت، وكان عثمان قد أعطاه مئة ألف درهم، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وصُهَيب، ورافع بن خَديج، وعبد الله بن سلام، والنعمان بن بشير، وقُدامة بن مَظعون، وكعب بن مالك، وفَضالة بن عُبيد، وكعب بن عُجرة، قال: وكانوا خمسة عشر، ولم يمتنع من البيعة غيرهم، وهؤلاء يُسمّون العثمانية.
قلت: وذكر ابن سعد في "الطبقات" (١) مَن سَمَّينا وقال: بايعه سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مَسلمة، يزيد بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم.
стр. 2560
وقال هشام وسيف وغيرهما: لما جيء يهؤلاء إلى المسجد ليُبايعوا بدؤوا بطلحة والزبير، فقيل لهما: بايعا، فقالا: نحن أول مَن بايع طوعًا.
وقال الطبري عن الزُّهريّ: تَلَكَّأا، فسَلَّ الأشترُ سيفَه وقال: بايعا وإلا ضربتُ عُنقكما، فقال طلحة: وأين المذهب عنه؟! فقال لهما علي: إذ أحببتُما بايعتُكما، قالا: لا بل أنت أولى، فبايعاه، ثم طلبا منه أن يكونا على بيت المال فامتنع علي، فقالا: ما لنا في هذا الأمر إلَّا كلَحْسَةِ الكنبِ أنفَه، وكانا لما قُتل عثمان أخذا مفتاح بيت المال، فلما لم يولّهما علي إياه قالا: بايعناه خشيةً على أنفُسِنا (١).
وقيل إن طلحة قال لعلي: أمِّرني على البصرة، وقال الزُّبير: أمِّرني على الكوفة، فقال: لا بل أَقيما عندي أتحمَّل بكما.
قال هشام -وقد حكاه الطبري- وجيء بسعد بن أبي وقاص فقالوا له: بايع، فقال: إذا بايع كافّة النَّاس بايعتُ، وفي رواية الطبري: فقال علي لسعد: بايع، فقال: لا حتَّى يبايع النَّاس فما عليك مني بَأسٌ، فقال الأشتر لعلي: دَعْني أضرب عُنُقَه، فقال له علي: دَعْه فأنا حَميلُه أي: كفيلُه، وقال علي لسعد: إنك ما علمت سيِّء الخُلُق صغيرًا وكبيرًا (٢).
وجيءَ بعبد الله بن عمر، فقيل له: بايع فامتنع، فلبَّبه الأشتر وأراد قتلَه، فمنعه علي.
قال الزُّهريّ: والعجب لابن عمر: تَمنّع من بيعة علي ويُبايع ليزيد بن معاوية ولعبد الملك بن مروان.
قال: وجيءَ بأسامة بن زيد، فقيل له: بايع فاعتذر بقتل الرجل الذي قتله في السّرية وقال: لا أقاتُل من قال لا إله إلَّا الله على الدُّنيا، وإن ممَّا عَهد إليّ رسول الله ﷺ أن أُجاهدَ معكم الكفار، أما إذا قاتل بعضكم بعضًا كسرتُ سيفي، واتخذتُ سيفًا من خَشَب.
وقيل لزيد بن ثابت: بايع، فقال: قد كان بيننا مَودَّة، ولكن لا مُواساةَ في النَّار،