← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويده اليمنى فوق رأسه، وبيده اليسرى رأس مشوَّه الخلق مقطوع، يسمَّى: رأس الغول. ومنها ممسك العَنان: أربعة عشر كوكبًا، وصورته صورة رجل قائم بإحدى يديه سوط، ويده الأخرى قابضة على عنان خلف العَيُّوق. ومنها الحوَّاء: وهي أربعة وعشرون كوكبًا، والخارج عن الصمورة خمسة كواكب، وصورته صورة رجل قائم قد قبض بيديه جميعًا على حية. ومنها حيَّة الحوَّاء: ثمانية عشر كوكبًا قد قبضها الحوَّاء وقد رفعت رأسها وذنبها حتى عليا رأسه. ومنها السَّهم: خمسة كواكب بين منقار الدجاجة والنسر الواقع. ومنها العُقاب: تسعة كواكب، والخارج عن الصورة ستة، ومن كواكبه النَّسر الطائر لأن جناحيه مبسوطان. ومنها الدُّلْفِين: عشرة كواكب مجتمعة خلف النَّسر الطائر، وصورته صورة حيوان بحري يشبه الزِّق المنفوخ، ولم يذكره الجوهري في النجوم، وإنما قال: الدلفين -بالضم- دابَّة في البحر تنجي الغريق (١). ومنها قطعة الفرس: أربعة كواكب، ويقال لها: مقَدَّم الفرس، خلف كواكب الدُّلفين. ومنها الفرس الأكبر: وهو ذو الجناح، عشرون كوكبًا، صورة فرس له رأس ويدان وليس له رجلان ولا كِفل. ومنها أندروميدا: ويقال لها: المرأة المسلسلة، اثنان وعشرون كوكبًا، وصورتها: امرأة قائمة ممدودة اليدين، في يديها سلسلة كأنها معلَّقة بها، ويقال: السِّلسلة في رجليها. ومنها المثلث: أربعة كواكب بين كواكب السمكة وبين النِّير الذي على رأس الغول. قال الخَرَقي: فجملة هذه الصور الشمالية ثلاث مئة وستون كوكبًا. فأما الصور

стр. 247

الجنوبية فثلاث مئة وستة عشر كوكبًا: منها قيطس: اثنان وعشرون كوكبًا، وصورته صورة حيوان بحريٍّ، ذو رجلين وذنب كذنب الحوت. ومنها الجبَّار: ثمانية وثلاثون كوكبًا، وصورته صورة رجل على كرسيٍّ بيده عصا، وفي وسطه مِنطَقة وسيف، ومن كواكبه يد الجوزاء، وهو كوكب أحمر نيِّر. ومنها النَّهر: أربعة وثلاثون كوكبًا، وشكله شكل جدول كثير العطفات. ومنها الأرنب: اثنا عشر كوكبًا مجتمعة تحت رِجل الجبَّار مشبَّهة بأرنب، ووجهه إلى المغرب ومؤخره إلى المشرق. ومنها الكلب الأكبر: ثمانية عشر كوكبًا، والخارج عن الصورة أحد عشر كوكبًا خلف كواكب الجوزاء أمام السَّفينة، ومن كواكبه الشِّعرى العَبُور، كوكب نيِّر، ويسمَّى الثاني المِرْزَم. قال الجوهري: والشِّعْرى الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدَّة الحرِّ، وهما الشِّعريان العَبُور التي في الجوزاء، والشعرى الغُمَيصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل (١). وقال الجوهري: والمِرْزَمان مِرْزَما الشِّعْرَيَين، وهما نجمان أحدهما في الشعرى، والآخر في الذِّراع (٢). ومنها الكلب الأصغر: وهما كوكبان يسمَّى أحدهما الشِّعرى الشامية والغُمَيصاء، كوكبان نيِّران. ومنها السَّفينة: خمسة وأربعون كوكبًا مجتمعة في ناحية الجنوب تطلع في أثر الكلب الأكبر، من جملتها سُهيل النَّجم الأحمر. ومنها الشُّجاع: خمسة وعشرون كوكبًا، والخارج عن الصورة كوكبان، وصورته صورة حيَّة طويلة كثيرة العطفات، ورأسه على خلقة وجه الفرس من أربعة كواكب،

стр. 248

يبتدئ من زُبانى السَّرطان، وهو بين الشِّعرى الشامية وقلب الأسد. ومنها الكأس: سبعة كواكب على شكل مستدير عند ظهر الشُّجاع، ويسمَّى الباطِيَة. ومنها الغراب: سبعة كواكب، ويسمَّى: عرش السِّماك الأعزل، ويسمَّى أيضًا: الخِباء. ومنها قنطورس: سبعة وثلاثون كوكبًا، وصورته صورة حيوان مركَّب من إنسان وفرس، مقدَّمه مقدَّم الإنسان من رأسه إلى ظهره، ومؤخَّره مؤخر فرس من منشأ ظهره إلى ذنبه، قد أخذ بيديه رجلي سبع، وتسمِّيه العرب شماريخ. ومنها السَّبُع: تسعة عشر كوكبًا مجتمعة خلف كواكب قنطورس على جنوب العقرب. ومنها الإكليل الجنوبي: ثلاثة عشر كوكبًا (١) وشكلها شكل صنوبري، وتسمّيها العرب: قبَّة. ومنها الحوت الجنوبي: أحد عشر كوكبًا، والخارج عن الصورة ستة كواكب، وصورته صورة سمكة عظيمة كواكبها على جنوب كواكب الدَّلو، ورأسها إلى المشرق، وذنبها إلى المغرب. ومنها المجمّرة (٢): على جنوب خرزات العقرب. قال الخَرَقي: فهذه جملة الكواكب الشمالية والجنوبية. قلت: وهذا الذي ذكره يختص بالكواكب التي هي غير مشهورة، وأمَّا الكواكب السبعة وما كان في معناها فنذكرها. فصل في أجرامها واختلفوا فيها: ذكر النُّوبختي وأبو مَعشر أن جِرم الشمس بمقدار الدنيا مئة وستة وستين (٣) مرَّة ونصفًا. وجرم القمر بمقدار الدنيا تسعًا وثلاثين مرَّة، وكذا الزُّهرة

стр. 249

وعُطارد والمِريخ، وجِرم المشتري بمقدار الدنيا اثنتين وثمانين (١) مرة. قال الجوهري: ويسمَّى المُشتري الأحور (٢). وزحل أعظم من الدنيا بتسع وتسعين مرّة. وروي عن النُّوبختي أنه قال: جِرم الشمس خمس عشرة درجة أمامها، وكذا خلفها، وجِرم القمر اثنتا عشرة درجة أمامه، وكذا خلفه، وجِرم المشتري تسع درجات أمامه، وكذا خلفه، وكذا جِرم زحل، وجِرم المِرِّيخ ثمان درجات أمامه وكذا خلفه، وجرم الزهرة سبع درجات أمامها وكذا خلفها، وكذا عطارد. وذكر هارون بن المأمون في تاريخه المسمّى بـ "منهاج الطالبين": أن أصغر كوكب في السماء بمقدار الدنيا مرَّات كثيرة، قال: إلا القمر، فإنه أصغر من الأرض. قلت: أما "قوله أصغر كوكب في السماء بمقدار الدنيا" فنعم، وما ذكر في القمر فلم يوافقه عليه أحد. قال أبو معشر: فأمَّا الكواكب العظام الثابتة كالشِّعرى العَبُور، والسِّماك، والنَّسر الواقع، والطائر، وقلب الأسد، ونحوها، وهي خمسة عشر كوكبًا، فكل كوكب منها بمقدار الأرض أربعًا وتسعين مرّة ونصفًا. وقال ابن قتيبة: النَّسر الواقع ثلاثة أنجم [كأنها أثافي، وبإزائه النسر الطائر وهو ثلاثة أنجم] مصطفَّة: [رسم توضيحي] [وإنما قيل للأول]: الواقع كأنَّهم جعلوا اثنين منها جناحيه قد ضمَّهما إليه كأنه طائر وقع، وكذا الطائر ثلاثة أنجم مصطفَّة يجعلون اثنين منها جناحيه كأنه طائر قد بسطهما (٣). قال أبو معشر: ويقطع كل واحد منهما الفلك في ستّة وثلاثين ألف سنة.

стр. 250

فصل في قطع النجوم السبعة الأفلاك ذكر أبو حنيفة الدِّينوري: أنَّ القمر يقطع الفلك في تسعة وعشرين يومًا وأقل من ثلث يوم. وقال النُّوبختي: في تسعة وعشرين يومًا. وعُطارد يقطعه في أقل من ثمانية وعشرين يومًا، والزُّهَرة تقطعه في مئتين وأربعة وعشرين يومًا وأشف من ثلثي يوم، والشمس تقطعه في ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا وأشف من ربع يوم، والمِرِّيخ يقطعه في ست مئة وثلاثين يومًا، والمُشتري يقطعه في إحدى عشرة سنة وثلاث مئة وسبعة وعشرين يومًا، وزُحل يقطعه في تسع وعشرين سنة فارسيَّة ومئة وستَّة وسبعين يومًا. فصل في مقامات الكواكب في البروج قالوا: مقام القمر في كل برج ليلتان وثلث ليلة، ومقام عطارد في كل برج خمسة عشر يومًا، ومقام الزُّهرة في كل برج خمسة وعشرون يومًا، ومقام الشمس في كل برج شهر، ومقام المِرِّيخ خمسة وأربعون يومًا، ومقام المُشتري سنة، ومقام زُحل في كل برج ثلاثون شهرًا. فصل في شرف الكواكب شرف القمر الثور، شرف عُطارد السُّنبلة، شرف الزُّهَرة الحوت، شرف الشمس الحَمَل، شرف المِرِّيخ الجدي، شرف المُشتري السَّرطان، شرف زُحل الميزان. فصل في المجرة واختلفوا فيها، قال: هي شرج السَّماء، كأنها مجمع النجوم، كشرج القبَّة. وقيل: هي باب السمعاء، وتسمِّيها العرب: أمَّ النجوم، لأنه ليس في السماء بقعة أكثر عددًا من الكواكب فيها.

стр. 251

وقد روى أبو بكر الخطيب حديثًا في المجرّة فقال: أخبرني علي بن محمد بن الحسن المالكي بإسناده عن معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: "إنْ هُم سَأَلوكَ عن المجرَّةِ فقل: إنَّها من عَرَق الأَفْعى الذي تحتَ العَرْشِ" (١). قال جدّي في "الموضوعات": هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وفي إسناده الشَّاذَكُوني، اسمه سليمان بن داود، كان يضع الحديث ويكذب (٢). فصل فيما لكل كوكب من الأيام السبعة قالوا: يوم الأحد للشمس، والإثنين للقمر، والثلاثاء للمِرِّيخ، والأربعاء لعُطارد، والخميس للمُشتري، والجمعة للزُّهرة، والسبت لزُحل. فصل في اقتران الكواكب معنى القِران أن يجتمع الكوكبان في برج واحد، فيؤثران بأمر الله تعالى. قالوا: إذا قارن زحل المشتري عمت (٣) الحروب في الأقاليم ويموت ملك، وكذا إذا قارن المِرِّيخ زُحل، وكذا إذا قارنت الشمس زحل. وإذا قارنت الزُّهَرة زحل دلَّ على غلاء الأسعار والقحط. وإذا قارن زحل عطارد دلَّ على صلاح حال الكتَّاب. وإذا قارن زحل القمر دلَّ على ظهور الجَوْر. وإذا قارن المشتري المِرِّيخ لقي العالم شدائد عظيمة. * * * فصل

стр. 252

في طبائع الكواكب قال أبو معشر وغيره: القمر أنثى بارد رطبٌ بلغميٌّ، وفيه حرارة عرضيَّة، لأن ضوءه من ضوء الشمس، وسلطانه على الطِّحال والرئة، وهو سعد. عطارد يتذكَّر ويتأنَّث، وهو مرَّة سعد ومرَّة نحس، ويستوي في طبيعته الحرُّ والبرد. وسلطانه النطق والكتابة. الزُّهَرة: أنثى ممزوجة، وهي سعد، باردة رطبة لها البلغم، وسلطانها على الفرج والمفاصل، ولها الشهوة ونظم الأكاليل وتأليف الألحان والغناء، واللعب واللهو والضحك. الشمس: ذكر حارَّة يابسة لها المِرَّة الصفراء، وهي سعد بالنظر، نحسٌ بالمقابلة، جوهرها الذهب، وسلطانها على الفؤاد، ولها الشرف والعلوُّ، والفرح والسرور والملك. المِرِّيخ: مؤنَّث ناريٌّ حارٌّ يابس نحس، له المِرَّة الصفراء، وجوهره النحاس، ومذاقته مُرَّة، وسلطانه على الرأس والمعدة، وله الدَّاء القاتل والقتل، وفساد النساء في الحبل. المُشتري: ذكرٌ معتدل روحاني هوائي سعد، وله الدم، وجوهره الرَّصاص، ومذاقته طيِّبة، ولونه أبيض، وسلطانه على الريح الساكنة في القلب، وله العطاء والعبادة والعلوُّ والرياسة. زُحل: ذكرٌ بارد يابس مظلم، له المِرَّة السوداء، وجوهره الحديد، ومذاقته مُرَّة، ولونه أسود، وسلطانه على المذاكير، وله الجسارة والتؤدة والوحدة والقهر والجبريَّة. قلت: وزعم قوم أن هذه البروجَ والأفلاك والكواكب السيَّارة تفعل في العالم التأثير، وأنَّها هي المدبِّرة للعالم، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥] ونحو ذلك. ونحن نقول: قد ورد أن إدريس ﵇ لما صعد السَّماء أُخبر بالبروج والنجوم وغيرها، فما جاء عنه في هذا الباب فمقبول، وما نهى عنه الشرع فلا يُلتَفَت إليه، بل قد

стр. 253

قامت البراهين والأدلة على أن الباري اخترعها وأنشأها وابتدعها. وأمَّا قولهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ فقد قال ابن عباس: هم الملائكة، بعضهم مُوكَّلٌ بالأرزاق، وبعضهم بالرِّياح لما نذكر في خلق الملائكة، ولو كانت مدبِّراتٍ فبإذن الباري ، لأنه القادر العليم القاهر الحكيم. * * *

стр. 254

فصل في ذكر البيت المعمور وما ورد فيه من النَّص والحديث المشهور (١) قال الله تعالى ﴿وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ٤]. روى عطاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: [اسمه] الضُّراح. وقد ضبطه الجوهري فقال: والضراح -بضمِّ الضاد المعجمة والحاء المهملة- بيت في السَّماء (٢)، وهو البيت المعمور، عن ابن عباس (٣). واختلفوا في أيِّ سماء هو على أقوال: أحدها: في السماء الدنيا، وهو قول ابن عباس ومجاهد والربيع، واحتجوا بحديث عائشة. قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي الزبير عن عائشة: أن النبي ﷺ قدمَ مكَّة فأرادَتْ عائشةُ أن تدخل البيتَ -يعني ليلًا- فقال لها بنو شيبة: إنَّ أحدًا لا يدخله ليلًا ولكن نُخليه لكِ نهارًا، فشكَت إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنَّه ليسَ لأحَدٍ أن يدخُلَه ليلًا إنه بحِيال البيتِ المَعْمُور الذي في السَّماء، لو وَقَع حَجرٌ منه لوَقَع على ظهرِ الكعبةِ، وإنَّه يدخله كلَّ يومٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ لا يعودونَ فيه إلى يوم القيامةِ، ولكنِ انطَلِقي أنتِ وصواحِبك فصَلِّينَ في الحِجْرِ" ففعلت، فأصبحت وهي تقول: قد دخلت البيتَ على رغم من رغم (٤). وروى عكرمة عن ابن عبّاس عن رسول الله ﷺ بمعناه، وقال: "حُرمتُه في السَّماءِ

стр. 255

كحُرمةِ الكعبةِ في الأرضِ، فهو مَعمورٌ بكثرةِ الغاشِيَة والأهلِ والعبادةِ، يُصلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعونَ ألف مَلَكٍ، لا يعودونَ فيه، وخادِمُه يُقال له: رَزين (١). وروي عن ابن عباس أنّه كان من الجنَّة، فلمّا أُهبط آدم إلى الأرض حمل إليه ليستأنس به ثم رفع في أيّام الطوفان. القول الثاني: أنه في السماء السادسة عند شجرة طُوبى. وروي عن عليٍّ ﵇ (٢). والثالث: أنه في السماء السابعة، قاله مجاهد والضحاك (٣). وقد روى البخاري في حديث المعراج عن النبي ﷺ أنه قال: "ورَأيتُ البَيتَ المَعْمُور في السَّماءِ السابعةِ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه (٤) ". قلت: ولا تنافي بين هذه الأقوال، لأنه يحتمل أن الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبي ﷺ حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا. وذكر الثعلبي عن الحسن البصري أنه قال: ﴿وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ أنه الكعبة الحرام يعمره الله كلّ سنة بالناس، وهو أوَّل بيت عُمِّر للعبادة. والقول الأوَّل أظهر لما روينا عن عائشة ﵄، ولأنَّ الكعبة تعمر بالنَّاس في السنة مرة، والبيت المعمور يعمر كلَّ يوم بالملائكة. * * *

стр. 256

فصل في سدرة المنتهى التي يسير الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها (١) قال الجوهري: السِّدر شجر النَّبْق، الواحدة: سِدرة (٢). واختلفوا لم سمِّيت بهذا الاسم على أقوال: أحدها: لأنّه ينتهي إليها أعمال بني آدم التي تعرج بها الكتبة إلى السماء ثم تُقبض منها، وإليها ينتهي ما يقبض من فوقها فينقبض منها، قاله كعب الأحبار، وذكر أنه في التوراة. كذلك فإنَّ العوفي روى عن ابن عباس قال: سألت كعبًا عن سدرة المنتهى، فقال: هي سدرة في أصل العرش، إليها ينتهي عمل الخلائق فترفع منها، تعرج به الملائكة إليها فتقف عندها، ثم ينزل إليها أمر الله تعالى (٣). وبه قال ابن مسعود وابن عبَّاس وجماعة من الصحابة. والثاني: أنه ينتهي إليها علم كل عالم، قاله مقاتل. والثالث: أن كل شيء من أوامر الله تعالى يصل إليها فينتهي عندها، ولا يعدوها شيء، قاله الربيع بن أنس. والرابع: لأنَّ الملائكة المقرَّبين تنتهي إليها، فلا يتجاسرون أن يتجاوزوها من مخافة الله تعالى، قاله الضحاك. والخامس: لأنه ينتهي إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، حكاه سفيان الثوري. واختلفوا في أيِّ سماء هي على أقوال: أحدها: في السماء السادسة، قاله ابن مسعود (٤).

стр. 257

والثاني: في السماء السابعة، وقد ذكرها النبي ﷺ في المتفق عليه من حديث المعراج أنها فيها (١). والثالث: أنها بعد السماء السابعة، قاله أبو هريرة، قال: وقال لي النبي ﷺ : "رَأيتُها بعد السَّماءِ السابعةِ، فقيل لي: هذِه سِدرَة المُنتَهى، فإذا شَجَرة يخرجُ من أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهرٌ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، ونهر من لَبَنٍ، ونهرٌ من عَسَل مُصفَّى، ونهرٌ من الكافُورِ، والورقةُ منها تُغطِّي أُمَّة مِن الأُمَمِ (٢) ". وقال البخاري بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئةَ عامٍ لا يَقطَعُها، واقرَأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] متفق عليه (٣)، ورواه أبو سعيد (٤) وأبو هريرة (٥). وقال ابن عباس: ليس في الجنة قصر ولا بيت إلا وفيه غصن من أغصانها. وسئل علي ﵁ عنها فقال: هي كالشمس في الدنيا. وسمَّاها عبد الله بن سَلام: شجرة طوبى، قال: وكذا هي في التوراة. وفي القرآن ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر الصّدِّيق ﵄، قالت سمعت النبي ﷺ يذكر سدرة المنتهى فقال: "يسير الراكب في ظلّ الفَنَن مئة عام، ويستظلّ بالفنن منها مئة ألف راكب، فيها فراش من ذهب كأنّ ثمرها القلال". وسنذكرها في المعراج إن شاء الله تعالى. حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسيّ رحمه الله تعالى بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: سألَ رجل رسولَ الله ﷺ عن شجرة طوبى فقال: "غَرَسَها اللهُ

стр. 258

تعالى بيدِه، ونَفَخَ فيها من رُوحِه، تُنْبِتُ حُليَّ أهلِ الجنَةِ وحُلَلَهم، وأنَّ أغصانَها لَتُرى من وراءِ سُورِ الجنَّة" (١). وقال مقاتل: لو أن ورقة منها وقعت في الأرض لأضاءت لأهلها، وهي طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد. فصل في ذكر الكرسي والعرش ومقدار ما بينهما وبين الفرش (٢) قال الجوهري: الكرسيُّ واحد الكراسي المعروفة (٣). واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه الكرسي، وقد فسّر ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] بهذا، قال: ومعنى وَسِعَ أي ملأهما وأحاط بهما. والثاني: أنَّ الكرسيَّ علم الله، ومنه قيل للصَّحيفة فيها العلم: كرَّاسة، ويقال للعلماء: الكراسيُّ، قاله الضحَّاك وروي عن ابن عبَّاس أيضًا. والثالث: قدرة الله وسلطانه وملكه، والعرب تسمِّي المُلك القديم: كرسيًّا، قاله مقاتل. والرابع: سرّه، قال الشاعر: ما لي بأمرك من سرّ أكاتمه … ولا بكرسيِّ علمِ اللهِ مخلوقُ قاله الحسن. والخامس: أهله، قاله أبو جعفر الطبري، قال: ومعناه وسع عباده أهل السماء والأرض. والسادس: أنَّ الكرسيَّ هو العرش، قاله الحسن (٤).

стр. 259

والسابع: أنَّه ملك عظيم أضافه إلى نفسه تخصيصًا لينبّه به على عظمته وقدرته، قاله مقاتل بن حيَّان، قال: ومعناه أن خلقًا من خلقي يملأ السَّماوات والأرض فكيف تُقدر قدرتي وتُنال عظمتي. قلت: والأصح أنَّه الكرسيُّ بعينه، وباقي الأقوال مجاز وعدولٌ عن الحقيقة، لأنَّ الأخبار والآثار دالَّة عليه. قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي ذرٍّ، قال قلت: يا رسول الله، أيُّما أُنزل عليك أعظم؟ قال: "آيةُ الكُرسيِّ" ثم قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذرِّ، ما السَّماواتُ السَّبعُ في الكُرسيِّ إلّا كحَلْقةٍ ملقاةٍ في أرضٍ فلاةٍ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة" (١). وروي عن علي (٢) ﵇ أنه قال: الكرسيُّ من لؤلؤة بيضاء، وهو فوق السماء السابعة بمسيرة خمس مئة عام، وطول كلِّ قائمة منه مثل السماوات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسيَّ أربعة أملاك، أقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة. وأمَّا ما ذكروه من معنى العلم والقدرة ونحو ذلك، فالعرب لا تعرف الكرسيَّ بمعنى العلم والقدرة والمُلك والأهل، وما استشهدوا به فشاذٌّ لا يعرَّج عليه. وأمَّا العرش، فقال الجوهري: العرش سرير الملِك (٣). وقال الزجَّاج: سرير الملك يسمّى عرشًا، وأنشد قول أميَّة بنِ أبي الصَّلت (٤): مجِّدوا الله فَهْو للمجدِ أهلٌ … ربُّنا في السماء أمسى كَبيرا بالبناء الأعلى الذي لسَبَق النَّا … س وسوَّى فوقَ السَّماء سَريرا أي: عرشًا.

стр. 260

وقال الحسن البصري: العرش هو الكرسي بعينه (١). وليس كما ذكر، لأنّ الله تعالى فرَّق بينهما فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وذكر العرش في عدَّة مواضع. وروى مجاهد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: العرش بعد الكرسي، والعرش من ياقوتة حمراء، وتحته بحر تنزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق، وبين حملة العرش وحملة الكرسيِّ لسبعون حجابًا من نور، غلظ كلِّ حجابٍ مسيرة خمس مئة سمنة، ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور [حَمَلةِ] العرش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: للعرش ثلاث مئة وستون ألف برج، في كل برج ثلاث مئة ألف صف من الملائكة، لا يعلم محددهم إلا الله تعالى، يسبِّح كل واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر. فإن قيل: فما الحكمة من خلق العرش، والله أعظم من كل عظيم؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه موضعُ خدمة الملائكة، فهم حافُّون به إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] فهو كبابِ الملِك. والثاني: لأنَّ الله جعله قبلةَ الدَّاعين، وملجأ المكروبين، ومفزع الخائفين، وحرم القاصدين، وجناب اللائذين. والثالث: لأنه سقف الجنان، وتأوي إليه أرواح الشهداء في قناديل من ذهب معلَّقةٍ فيه، على ما ورد به الحديث الصحيح (٢). والرابع: لأنَّ الله جعله معدن الستر واللطف، فروى عطاء عن ابن عباس قال:

стр. 261

حدثني كعب الأحبار قال: قرأت في بعض الكتب: أن ما في الدنيا مؤمن إلا وله تمثال على هيئته تحت العرش، فإذا ركع المؤمن وسجد في الصلاة فعل ذلك التمثال مثل فعله، فتنظر إليه الملائكة فيستغفرون له، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، فإذا ارتكب المؤمنُ خطيئةً أرخى الله على ذلك التمثال سترًا لئلا يتطلع عليه الملائكة، فذلك معنى قولهم في الدعاء (١): يا مَنْ أظهر الجميل وستر القبيح (٢). فصل في حَمَلَته أنبأنا جدي بإسناده عن محمّد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أُذِنَ لي أن أُحدِّث عن مَلَك من مَلائكةِ الله من حَمَلَة العَرْشِ، ما بَين شَحْمةِ أُذنِه إلى عاتقِه مسيرةُ سبع مئة سَنة". ذكر جدي هذا الحديث في كتاب "تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي" (٣) في الوعظ. وروى مقاتل عن عليٍّ وابن عباس: أن حملة العرش أعظم الملائكة خِلقةً، وهم اليوم أربعة: أحدهم وجهه وجه رجل يسأل الله الرزقَ لبني آدم، والثاني وجهه وجه نسر يسأل الله الرزق للطيور، والثالث: وجهه وجه ثور يسأل الله الرزق للبهائم، والرابع وجهه وجه أسد يسأل الله الرزق للوحوش. فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] وقيل: ثمانية أصناف. وذكر جدي ﵀ في كتاب "التبصرة" هذا وقال: من أعظم الملائكة خلقة حملة العرش، أحدهم على صورة البشر قد وكِّل (٤) بالدعاء للنسل الآدمي، وذكر الباقي على هذا.

стр. 262

فإن قيل: فما الحكمة فيه؟ فالجواب أنه قد جاء الحديث أنه إذا نوقش الجبابرة والعصاة الحساب (١) يشتدُّ غضبُ الله عليهم فزيد في الحَمَلة لهذا المعنى. وقال بعضهم: هذا ضربُ مَثل لينزجر العصاة عن المعاصي. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خلق الله العرش خلق له ملائكةً عظامَ الخلقِ: أحدهم من النور، والثاني من النار، والثالث من الماء، والرابع من الرحمة، وأعطاهم قوة جميع الخلائق، وأمرهم بحمل العرش فحملوه فلم يطيقوا حمله، فقال لهم الله تعالى: قولوا سبحان الله، فقالوها، فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم وضعفوا، فقال الله : قولوا الحمد لله، فقالوها، فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا، فقال لهم: وقولوا لا إله إلا الله، فقالوها، فحملوه إلى أكتافهم ووقفوا، فقال لهم: قولوا الله أكبر، فقالوها، فرفعوه على رؤوسهم، فرؤوسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى. قلت: وقد جاءت في العرش والكرسيِّ أخبار وآثار: فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن وكيع بن عُدَس عن عمه أبي رَزِين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: "كان في عَمَاء ما تَحتَه هَوَاءٌ، [وما فَوقَه هَواءٌ] ثم خَلَقَ عَرشَه على الماء" (٢). وقال الجوهري: عُدَسُ -بفتح الدال- اسم رجل، مثال قُثَمَ (٣). قال: والعَمَاء -بالمدِّ- سحاب رقيق شبه الدخان يركب رؤوس الحيطان (٤). وذِكرُ الفوقِ والتحت والهواء عائدٌ إلى السحاب لا إلى الله تعالى، لأنه لا يعلوه شيء ولا يحلُّ في شيء. وحكى أبو جعفر الطبري في "تاريخه" عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى العرش فاستوى عليه (٥). وروى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله تعالى الماء قبل العرش، ثم وضع العرش عليه (٦). والله أعلم وأحكم بالغيب.

стр. 263

فصل في ذكر الملائكة المقربين والرُّوحانيين والكَرُوبيِّين (١) قال الجوهري: المَلَكُ من الملائكة واحد [وجمع] (٢). والمقرَّبون من التقريب وهو الدنوُّ (٣). وكذا الكَرُوبيُّون من كرب الشيء، أي: دنا (٤)، والرُّوحانيون من الرُّوح (٥). فصل في خلق الملائكة قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلِقَت الملائكةُ من نُورٍ". انفرد بإخراجه مسلم (٦). فصل في جبريل ﵇ - قال علماء التأويل: جَبْر اسم، وإيل من أسماء الله ، فجَبْر بمنزلة عبد، وإيل هو الله تعالى، ومعناه: عبد الله. وثبت أن جبريل ﵇ كان يأتي النبي ﷺ في صورة دِحيةَ الكلبي لما نذكر في سيرته. وقال ابن عباس: جبريل صاحب الوحي والعذاب، إذا أراد الله أن يهلك قومًا سلطه عليهم، كما فعل بقوم لوط لما نذكر. وقال ابن الكلبي: سأل النبيُّ ﷺ جبريل أن يأتيه في صورته التي خلقه الله عليها فقال له: لا تستطيع أن تثبت، فقال: بلى، فظهر له في ست مئة ألف جناح سدَّ الأفقَ

стр. 264

جناح منها، فشاهد رسول الله ﷺ أمرًا عظيمأ، فصعق، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]. وقال أحمد بإسناده عن ابن مسعود قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ست مئة جناح، كلُّ جناح منها قد سَدَّ الأُفقَ، يَسقط من جناحِه من التَّهاويل والدرِّ والياقوتِ ما الله به عليمٌ. أخرجه أحمد في "المسند" (١). ولفظ الصحيحين عن ابن مسعود: رأى النبي ﷺ جبريل له ست مئة جناح لا غير (٢). والتَّهاويل: الألوان المختلفة. وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "إنَّ اللهَ وَصَفك بالقوَّة والطاعةِ والأمانَةِ، فأخبرني عن ذلك، فقال: أمَّا قوَّتي فإنِّي رفعتُ قُرى قَومِ لوطٍ من تُخومِ الأرض على جناحِي إلى السَّماء حتى سَمع أهلُ السَّماء نُباحَ كِلابهم ثم قَلَبتُها عليهم، وأمَّا طاعة المخلوقاتِ لي فإنَّني آمُرُ رِضوانَ خازنَ الجنَّة متى شِئتُ بفتحِها، وكذا مالكَ خازنَ النارِ، وأمَّا أمانَتي فإنَّ الله تعالى أنزَل من السَّماء مئةَ كتابٍ وأربعةَ كتبٍ لم يأتمِن عليها غيرِي (٣). وسنذكر جبريل في ليلة المعراج وغيرها. فصل في ميكائيل ﵇ - وفيه أيضًا لغات، قال ابن الأنباري: لم يختلفوا أن "ميكا" مثل "جَبْر"، و"إيل" هو الله تعالى. وقال ابن عباس: ميكائيل هو صاحب الرِّزق والرحمة. وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن ثابت البُنَاني، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال لجبريل ﵇: "مَا ليَ لا أَرَى مِيكائيل ضَاحِكًا؟ فقال: ما ضَحِك منذُ خُلِقَت النَّار" (٤).

стр. 265

وقال ابن عباس: أول ما امتنع من الملائكة من الضحك ميكائيل لما خلقت النار. فصل في إسرافيل قال الجوهري: إسرافيلُ اسم أعجميٌّ، كأنه مضاف إلى إيل (١). وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن زاوية من زوايا العرش على كاهله، ورأسه قد مرق في السماء السابعة (٢). قال: ولما أمر الله الملائكة بالسجود، أول من سجد لآدم إسرافيل، فأثابه الله بأن كتب القرآن في جبهته (٣). وقد روي موقوفًا على عمر بن عبد العزيز (٤) لما نذكر في قصة آدم. قال: ومنذ خُلقت النار لم تجفَّ له دمعة، ومن يُخلق من الملائكة إنما يخلق من دموع إسرافيل، وهو صاحب اللوح المحفوظ والصور. وقال ابن عباس: يَنفخ النفخة الأولى فيموت الخلائق، وتسيَّر الجبال وتكوَّر الشمس والقمر، ثم ينفخ الثانية لقيام الخلق من القبور. وقال الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "كيفَ أَنعَمُ عَيشًا وقد الْتَقمَ صاحِبُ القَرْن القرنَ، وحَنَى جَبهتَه وأَصغَى سَمعَه يَنتَظِر أنْ يُؤْمَر، فَيَنفُخ فيه"؟ فقال المسلمون: فكيف نقول؟ قال: "قُولُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ" (٥). ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث القرن، والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. قال ابن قتيبة: الصور هو القَرْن في لغة أهل اليمن. وقال

стр. 266

مجاهد: هو شبه البوق. وقال الجوهري: قال الكلبي: لا أدري ما الصُّور. وقرأ الحسن: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (١) [طه: ١٠٢]. وقد أخرج الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" لفظ الصور في حديث طويل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وفيه: "ثمَّ يُنفَخُ في الصُّورِ فلا يَسْمَعه أحَدٌ إلَّا أصغَى ليتًا" (٢). واللِّيتُ: صفحة العنق. فصل في عزرائيل وهذه الإضافة مثل جبرائيل ونحوه. وروي عن ابن عباس عن كعب الأحبار قال: وجدت فيما أنزل الله تعالى من الكتب أن ملك الموت جالسٌ في السماء الدنيا، وبين يديه لوح فيه أسامي مَنْ يموت إلى يوم القيامة، فإذا وقع بصره على اسم إنسان مات. وقال مجاهد: له أعوان من الملائكة، فيبعث ملائكة الرحمة إلى المؤمنين وملائكة العذاب إلى الفاجرين. وقيل: في ملك الموت خاصية، إذا رآه إنسان مات. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: هؤلاء الأربعة هم رؤساء الملائكة وهم المُقسِّمات أمرًا، بأمر الله تعالى، وهم مثل ملوك الدنيا، وأقربهم إلى الله جبريل. وقد ذكرنا حملة العرش. فصل في الروح روى عبد خير عن علي ﵇ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] قال: هو ملك عظيم له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل

стр. 267

تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (١). وذكر أبو إسحاق الثعلبي عن ابن مسعود موقوفًا عليه قال: الروح ملك عظيم، أعظم من السماوات والأرض والجبال والملائكة، وهو في السماء الرابعة، يسبِّح كلَّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يُخلق من كل تسبيحة ملك، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده والملائكة بأسرهم يجيئون صفًّا (٢). وقال ابن عباس: وهو الذي ينزل ليلة القدر، زعيم الملائكة وبيده لواء طوله ألف عام، فيغرزه على ظهر الكعبة، ولو أذن الله له أن يلتقم السماوات والأرض لفعل (٣). فصل في أصناف الملائكة قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن خالد بن معدان قال: إن لله ملائكة أربعة يسبِّحون تحت العرش، فيسبِّح لتسبيحهم أهل السماوات، يقول الأول: سبحان ذي المُلك والملكوت، ويقول الثاني: سبحان ذي العزة والجبروت، ويقول الثالث: سبحان الحيِّ الذي لا يموت، ويقول الرابع: سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت (٤). وقال وهب: عبادة أهل السماء الدنيا القيامُ، والثانية الركوعُ، والثالثة السجود، والرابعة القراءة، والخامسة التسبيح، والسادسة الذكر، والسابعة الجلوس في التحيات. وقال سهل بن عبد الله: عبادة أهل السماء الدنيا على الخوف، والثانية على الرجاء، والثالثة على الحياء، والرابعة على الإنابة، والخامسة على الاجتهاد،

стр. 268

والسادسة على المراقبة، والسابعة على المشاهدة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ [الصافات: ٣]: إنهم الملائكة. وحكى جدي في "التبصرة" عن عبد الله بن سَلَام قال: لمّا خلَق الله الملائكة رفعت رؤوسها إلى السماء، وقالت: يا ربِّ، مع من أنت؟ قال: مع المظلوم حتى يؤدَّى إليه حقه (١). ومنهم من يشهد معنا صلاتنا، قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يَتَعاقَبُونَ فيكُم ملائِكةُ الليلِ ومَلائِكةُ النَّهار، يجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصر، ثم يَعرُجُ إلى اللهِ الذينَ باتُوا فيكم -أو فيهم- فيسألُهم الله وهو أعلمُ: كيف تَرَكتُم عبادي؟ فيقولون: أَتَيناهُم وهم يصلُّون وتَرَكناهُم وهم يصلُّونَ". [متفق عليه (٢). وفي "الصحيحين" أيضًا عن أبي هريرة قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "تَفضُلُ صلاةُ الجميعِ صلاةَ أحدِكم وَحْدَه بخمسٍ وعشرينَ جُزءًا، وتجتَمعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صَلاة الفجر"]. قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] متفق عليه (٣). ومنهم صفوف في السماء كصفوف بني آدم في الصلاة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [الصافات: ١] قاله ابن عباس. وقال الحسن: تصفُّ أجنحتها في الهواء واقفةً فيه حتى يأمرها الله تعالى بما يريد. ومنهم كتبة على بني آدم، يكتبون أعمال النهار والليل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "كاتبُ

стр. 269

الحَسَناتِ على يمينِ الرجلِ، وكاتبُ السَّيئاتِ عن يسارهِ، وكاتبُ الحَسَناتِ أميرٌ على كاتبِ السَّيئاتِ موكَّلٌ به، فإذا عَمِل الرجلُ حَسَنةً كَتَبها صاحبُ اليمينِ عَشْرًا، وإذا عَمِل سَيِّئةً قال لصاحبِ الشِّمَالِ: دَعْه سبعَ ساعاتٍ لعلَّه يستغفرُ، فيُمسِكُ عنه، فإن استغفَرَ منها لم تُكتبْ، وإن لم يَستغفرْ كُتبَتْ عليه سيئةً واحدةً" (١). وقال الثعلبي باسناده عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليّ بن الحسين بن علي، عن أبيه عليّ ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَقعَدُ مَلَكَيكَ منك على ثَنيَّتيك، وقَلمُهُما لسانُكَ، ومِدادُهُما ريقُكَ، وأنتَ تجرِي فيما لا يَعنِيكَ، لا تَستَحيي لا من اللهِ ولا من الملكينِ" (٢). وعن ابن عباس قال: مقعدهما على الكتفين. وقال الحسن: تحت الشعر الذي على الحنك. والأول أصحّ ولأنه أقرب إلى إحصاء اللفظ. واختلفوا فيما يكتبان، فقال مجاهد: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه. وقال عطاء: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه، ولهذا كان طاوس اليماني يكره الأنين في مرضه. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن الحسن البصري، عن أبي هريرة وأنس قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى في أوَّل الصحيفة خيرًا وفي آخرها خيرًا إلَّا قال الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" (٣). وقال الثعلبي أيضًا بإسناده عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مَاتَ العبدُ قال الملكانِ الموكَّلانِ به: يا ربِّ، ماتَ فلانٌ، وهو أعلم، أفَتأذنُ لنا أن نَصْعَدَ إلى السَّماءِ؟ فيقول الله: سمائي مملوءَةٌ من ملائكتي يسبِّحُونَني ويحمدُونَنِي، فيقولان: أفنُقيم في الأرضِ؟ فيقول: إنَّ أرضي مملوءَة من خليقتي يسبِّحونني، فيقولان: فماذا نَصنَع؟ وأين نكونُ؟ فيقولُ: قُوما على قبرِ عبدي فكبِّراني وهَلِّلاني، واكتُبا ذلك لعبدي

стр. 270

إلى يوم القيامة" (١). وكان سهل بن عبد الله التُّسْتَري يقولْ يَا ملكاي قد طالت صحبتكما لي فاشفعا لي. ومنهم موكَّل بالشمس، وقد ذكرناه. ومنهم موكَّل بالقطر والرِّياح والنَّبات. حدثنا أبو القاسم علي بن مسلم المَوْصِلي بإسناده عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن قَطْرةٍ تَنزلُ من السَّماءِ إلَّا ومعها مَلَكٌ، وما من رِيحٍ تَهبُّ إلَّا ومَعها مَلَكٌ، وما من حبَّةٍ تَنبُتُ إلَّا ومَعها مَلَكٌ". ومنهم موكَّل بالسَّحاب، قال الله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ [الصافات: ٢] قال ابن عباس: هي الملائكة تزجر السَّحاب، وقال علي ﵁: الرَّعد صوت مَلَك والبرق مَصْعه -أي ضربه-، يضرب السّحاب بالمخاريق (٢). ومنهم موكل بصخرة بيت المقدس، قال كعب الأحبار: قد وكل الله بها ملكين. [ومنهم ملكان] يقول أحدهما في صبيحة كل يوم: "اللَّهَمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقُولُ الآخَرُ: اللَّهمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا" (٣). وقال ابن عباس: يقول أحدهما: ليت الخلائق لم يخلقوا، ويقول الآخر: وليتهم إذ خلقوا لم يبعثوا. ومنهم موكَّل بالمدينة يمنعونها من الدَّجال، قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "على أَنقَابِ المدينةِ ملائكةٌ لا يَدخُلُها الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ". أخرجاه في الصحيحين (٤). ومنهم موكَّل بتصوير النُّطَف، قال أحمد بن حنبل: بإسناده، عن حذيفة بن أَسِيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يَدخُلُ المَلَكُ على النُّطفَةِ بَعْدَما استَقَرَّت في الرَّحِم أربَعينَ ليلةً، فيقول: يا ربِّ، ماذا؟ أشَقيٌّ أم سَعيدٌ؟ أذَكَرٌ أم أُنثَى؟ فيقولُ: اكتب، فيكتبُ،

стр. 271

ويُكتَبُ عَمَلُه وأَثرُهُ ومُصِيبَتُه ورِزقُه، ثم تُطوى الصَّحِيفةُ فلا يُزادُ على ما فيها ولا يُنقصُ منها" (١). وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بمعناه (٢). ومنهم سيَّاحون في الأرض يتَّبعون مجالس الذكر، فإذا رأوا حلقةً فيها قومٌ يذكرون الله جلسوا إليهم، قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للهِ ملائِكةً يطوفونَ في الطُّرُقِ يَلتمِسُون أهل الذِّكْرِ، فإذا وجَدُوا قَومًا يذكُرونَ الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكم، فَيحفُّونَهم بأجنِحَتِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَسألُهمُ ربُّهمُ -وهو أعلمُ بهم- ماذا يقول عِبَادي؟ قالُوا: يُسبِّحُونَكَ ويَحمَدونَك ويُكبِّرونَك ويُمجِّدونَك، قال فيقول الله تعالى: فَهَل رَأَوْني؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فلو رَأَوْني؟ فيقولون: لو رَأَوْك لَكانُوا أشدَّ عبادَةً وأشدَّ تَمجيدًا وتَسْبيحًا وتَكْبيرًا، قال فيقول: فما سَألوني -أو يَسْألوني-؟ فيقولون: الجنَّةَ، فيقول: وهل رَأَوْها؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فكيفَ لو رَأَوْها؟ فيقولون: [لو رَأوْها لكانوا أشدَّ عليها حِرْصًا، ولها طَلبًا، وأعظمَ رَغْبةً. قال فيقولُ: فمِمَّ يَتَعوَّذون؟ فيقولون:] من النَّار، فيقول: وهل رَأَوْها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيفَ لو رَأَوْها؟ فيقولون: لَكانوا أشدَّ منها فِرارًا وهَرَبًا، فيقول: أُشهِدُكم أنِّي قد غَفَرتُ لهم، قال فيقول بعض الملائكة: فيهم فُلان ليسَ منهم إنَّما جاءَ لحاجةٍ، فيقول الله تعالى: همُ الجُلَساءُ الذين لا يَشْقَى بهم جَليسُهم". أخرجاه في الصحيحين (٣). ولمسلم: "همُ السُّعداء" (٤). ولمسلم (٥) أيضًا: "إنَّ لله مَلائِكةً سَيَّارةً فُضُلًا يَتَّبعون مَجالسَ الذِّكر" وفيه: "فإذا تَفَرَّقوا عَرَجُوا إلى الله فيَسأَلُهم الله ﵎"، وذكره. ومنهم (٦) ملائكة يبلِّغون رسول الله ﷺ السَّلام، قرأت على أبي المظفَّر يوسف بن عبد المعطي الإسكندري ويعرف بابن المَخِيلي بالإسكندرية، في سنة إحدى وأربعين

стр. 272

وست مئة، قال: حدثنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم السِّلفي بإسناده عن عاصم بن عمر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله في الأرضِ مَلائِكةً يُبلِّغونَنِي السَّلام من أُمَّتي" (١). ومنهم من يشهد الحروب معنا، كما جرى يوم بدر (٢). ومنهم من يستغفر لبني آدم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. ومنهم حفَظَة لبني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١]. ومنهم مبشِّرون عند الموت بالسَّلامة: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]. وقال ابن مسعود: إذا احتضر المؤمن جاءه ملك الموت فقال: ربُّك يقرئك السلام. ومنهم مسائِلون في القبور كمنكر ونكير. ومنهم خُزَّان أبواب السماء، بدليل قول الملك ليلة المعراج لجبريل: من معك؟ فقال: معي محمد ﷺ (٣). ومنهم خُزَّان الجنان والنيران، كمالك ورضوان. ومنهم من يغرس شجرَ الجنَّة، روي عن الحسن أنه قال: إنَّ في الجنة قيعانًا تغرسها الملائكة حتى إنَّ أحدهم ليفتر من الغرس، فيقول له صاحبه: مالك فترت؟ فيقول: فتر صاحبي من العمل. فكان الحسن يقول: أمدّوهم بالبَذر فهذه أيام الزرع (٤). ومنهم من يصوغُ حُلِيَّ أهل الجنَّة، روي عن كعب الأحبار أنه قال: إن في الجنَّة ملكًا يصوغ حلي أهل الجنة منذ خُلق إلى يوم القيامة، ولو شئت أن أسميَه لسميته، ولو أن قُلْبًا أُخرج منها إلى الدنيا لردَّ شعاع الشمس (٥). وفي رواية: إن لله ملائكة.

стр. 273

ومنهم من نصفه نار ونصفه ثلج، وهو في حديث المعراج (١). ومنهم خدمُ أهل الجنَّة ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ومنهم خائفون ومحبُّون، وعارفون وروحانيون وكروبيُّون ومشاهدون ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومنهم من يقذف الشياطين بالشهب، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٨، ٩] قال ابن عباس: يسترق الشياطين السَّمع من زوايا السَّماء فتقذفهم الملائكة من كل جانب. والدُّحور: الطرد والإبعاد ﴿إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] أي: مسارقة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فيلقي الشيطان الكلمة إلى من هو دونه ويحترق هو. والحكمة في سرعة الرمي أن الشياطين كانوا يلقون أخبار السَّماوات إلى الكهنة، فمنعوا عند مبعث نبيِّنا ﷺ ، لما نذكر. فصل في تفضيل الملائكة على البشر اختلف أهلُ القبلة في ذلك: فروي عن الحسن البصري أنه قال: جملة الملائكة أفضل من بني آدم، وهو قول المعتزلة (٢). وقال ابن عباس: جملة بني آدم أفضل من جملة الملائكة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وعن الشافعي ومالك كالمذهبين. وعندنا في المسألة تفصيل نذكره: وجه قول المعتزلة: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] فقد فضَّل الملائكة على عيسى لأنه نفيٌ بطريق التأكيد، والشيء إنما يؤكد بما هو أفضل منه وأقوى، ولأن الملائكة خلقوا من النور، وبنو آدم خلقوا من التراب، والنور أفضل، والملائكة لا

стр. 274

يعصون الله ما أمرهم، وبنو آدم يعصون. وجه قول ابن عباس: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وما كان سجودَ تحيَّةٍ بل لفضلِ المسجود له على الساجد. وأنبأنا جدّي قال: أنبأنا محمّد بن ناصر بإسناده عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "قالتِ الملائكةُ: أي ربِّ، أعطيتَ بني آدمَ الدُّنيا فأَعطِنا الآخرةَ، فقال الله تعالى: لا أَجْعَل صَالحَ ذرَّيةِ مَنْ خَلَقتُه بيَدِي كمَنْ قلتُ له: كُنْ فكانَ" (١). ولأنهم يستغفرون لمن في الأرض، والمخدوم أفضل من الخادم. والجواب: أمَّا الآية التي احتجت بها المعتزلة، فقد قال ابن عباس: إنَّ قومًا عبدوا عيسى والملائكة فنزلت الآية، ومعناها: لن يَستنكفَ المسيح والملائكة من العبادة فكيف يُعبَدان؟ وأمَّا سجود الملائكة لآدم فإنَّما أريد منهم الطاعة، لما نذكر في قصَّة آدم. وأمَّا الحديث الذي احتَجَّ به ابن عباس، فقال جدي في "الواهية": هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، في إسناده عبد المجيد ابن أبي رَوَّاد، قال ابن حبان: كان يَقلِب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحقَّ الترك. وقال الدارقطني: الموقوف أصحُّ (٢). ولو سُلّم كان معناه: أنَّ الخواصَّ من بني آدم أفضل من خواصِّ الملائكة، فإنَّه المختار عندنا، وقد نصَّ عليه أبو حنيفة فقال: خواصُّ بني آدم كالمرسلين والنبيين أفضل [من جملة الملائكة، لأنَّ لرسل الله فضلًا على الملائكة، لأنَّ الله عصمهم بأعلى مراتب العصمة عن كل وصمة لكونهم حججَ الله على عباده، ومن عُوتب منهم على زلّة فإنما كانت فيما هو مستوي الطرفين في الإمكان والثبوت، قال: وخواصُّ الملائكة كجبريل وميكائيل ونحوهما أفضل من عوام بني آدم لما ذكرت المعتزلة. والمؤمنون من بني آدم أفضل] من عوام الملائكة غير جبريل ونحوه من الرسل، لما ذكر ابن عباس. وقد ابتلي بنو آدم بالإيمان بالغيب، وفيهم أيضًا نوازع الشهوة وهي معدومة في الملائكة، فكان ما ذكره أبو حنيفة ﵀ أعدل.

стр. 275

فصل في ذكر الجنة وما لله سبحانه على عباده من خلقها من المنّة (١) لا خلافَ بين العلماء أنَّها في السماء لقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤، ١٥] ولأنَّها دار نَعيم، فتكون من جهة العلوِّ، بخلاف النار فإنها سجن، والسجن يكون في السفل. وقالت المعتزلة والجهميَّة: إنَّ الجنة لم تخلق بعد، كما قالوا في النار، واحتجُّوا في الجنَّة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] والجعل هو الخَلق، وإنما يخلقها يوم القيامة. ولنا قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والمعدُّ ما يكون موجودًا. وما احتجوا به فليس المرادُ من الآية الخَلقَ في المستقبل بل في الماضي، أي: جَعَلَها، لئلا يقع التناقضُ بين الاثنين (٢). وإذا ثبت أنها موجودة فأهلها يتنعَّمون فيها على الأبد كما في أهل النَّار، فإنهم يُعذَّبون فيها على الأبد. وقال جهم بن صفوان: يبيدان ويفنيان لئلا يصير أهلهما شركاءَ لله تعالى. ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧] في آيات كثيرة. وما ذكره فلا نسلِّم أنه يؤدِّي إلى المشاركة، لأنَّ الله تعالى واجب الوجود واجب البقاء مستحيل العدم، والعبد جائز الوجود جائز البقاء، فعدمت المشاركة. وقد جاءت في فضائل الجنَّة أخبار وآثار منها: قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جِنَانُ الفردَوْسِ أربعٌ ثِنتانِ من ذَهبٍ حِليتُهما وآنيِتُهما وما فيهما، وثِنتانِ من فِضَّة حِليتُهما وآنِيتُهما وما فيهما، وليسَ بين القومِ وبينَ أنْ يَنظُرُوا إلى ربِّهم إلَّا رِداءُ الكِبرياءِ على وَجهِهِ في جنَّةِ عَدْنٍ" أخرجاه في الصحيحين (٣).

стр. 276

وفيهما حديث أبي موسى أيضًا عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّةِ لَخيمَةً مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفةٍ عرضُها سِتُّونَ مِيلًا، وفي كُلِّ زاويةٍ منها أهلٌ ما يَرَونَ الآخرينَ، يطوفُ عليهمُ المُؤمنُ" (١). وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله يقولُ: أعدَدتُ لِعبادي الصَّالحينَ مالا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بشرٍ" (٢). فإن قيل: فأعلى ما في الجنَّة النَّظر، وقد خطر على قلوبنا أننا نراه، فكيف قال: ولا خطر على قلب بشر؟ فالجواب: أنَّنا في وقت النظر يحصل لنا من اللذة والاستغراق ما لم يخطر على قلب بشر. وفي الصحيحين أيضًا: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أوَّل زُمرةٍ تَلِجُ الجنَّة صورتُهم على صورةِ القَمَر ليلةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقون فيها ولا يَمْتَخِطون ولا يَتَغوَّطون، آنيتُهم فيها الذَّهبُ، وأَمشَاطُهم من الذَّهب والفِضَّة، ومَجامِرُهم الأُلُوَّة، ورَشحُهم المِسْكُ، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مخُّ ساقهما من وراء اللَّحم من الحُسنِ، لا اختلافَ بينهم ولا تَباغُضَ، قلوبُهم على قَلبِ رَجُلٍ واحدٍ، يُسبِّحونَ الله بُكرةً وعشيًّا" (٣). وفيهما من حديث أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ قال: "أُدخِلتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤ، وتُرابُها المِسْك" (٤). والجنابذ: القباب. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ ليَتَراءَوْن أهلَ الغُرَفِ من فوقِهم كما يَتَراءَوْن الكَوْكَبَ الدُّرِّي العائِر في الأفُقِ من المَشرِقِ والمَغْرِب، لتفاضُل ما بينَهم" (٥).

стр. 277

قلت: وقد رويت هذه اللفظة "العائر" وليست بشيء، والمشهور من حديث أبي سعيد الذي أخرجه الحميدي "الغارب في الأفق الشرقي أو الغربي" (١) وفي رواية "الكوكب الدرِّي". فأمَّا العائر: فهو السَّهم لا يدرى من رمى به. تمام الحديث: قالوا يا رسول الله، تلك منازلُ الأنبياءِ لا يبلغها غيرهم؟ فقال: "بَلَى، والذِي نَفسِي بيدِه، رجالٌ آمَنُوا بالله وصَدَّقوا المُرسَلين". وفيهما من حديث سهل بن سعد (٢)، وأبي سعيد (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأنس (٥) كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ في الجنَّةِ شَجَرةً يَسيرُ الراكبُ في ظِلِّها مئةَ عامٍ لا يَقطعُها" وقد ذكرنا الحديث (٦). وأخرج أحمد في "المسند" عن عتبة بن عبدٍ السُّلَمي: "أنَها تُشبه شَجَرة الجَوْزِ بالشَّامِ، قال: تَنبُتُ على ساقٍ واحدٍ ويَنفَرِشُ أَعلاها" (٧). وقال مسلم بإسناده عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّةِ لَسُوقًا يأتُونَها كلَّ جُمُعَة فتَهُبُّ فيها ريحُ الشَّمال، فتَحثُو في وجوهِهم وثيابِهم، فيَزْدَادوا حُسْنًا وجَمَالًا، فَيَرجِعُون إلى أَهْلِيهم فيقولونَ لهم: والله لقد ازدَدْتُم بَعدَنا حُسنًا وجَمَالًا، فيقولونَ: وأَنْتُم واللهِ لقد ازدَدْتُم بعدنا حُسْنًا وجَمَالًا". انفرد بإخراجه مسلم (٨). وقال الترمذي بإسناده عن حسَّان بن عطيَّة عن سعيد بن المسيِّب، أنه لقي أبا هريرة، فقال له أبو هريرة: أسألُ الله أن يجمع بيني وبينك في سوقِ الجنَّة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ "أنَّ أهلَ الجنَّةِ إذا دَخلُوها نَزَلوا فيها بفَضل أَعمالِهم، ثم يؤُذَنُ لهم في مِقدَار يومِ الجُمُعة من أيَّام دارِ الدُّنيا، فَيزُورُون ربَّهم،

стр. 278

ويُبرِز لهم عَرشَه، ويَتبَدَّى لهم في رَوضَةٍ من رِياضِ الجنَّةِ، فيُوضَع لهم مَنابرَ من نورٍ، ومَنابرَ من لؤلؤٍ، ومَنابرَ من ياقوتٍ، ومَنابرَ من زَبَرجَدٍ، ومَنابرَ من ذهبٍ ومنابرَ من فضَّةٍ، ويَجلِس أدناهُم -وما فيهم دنيٌّ - على كُثبانِ المِسْك والكافورِ، ما يَرونَ بأنَّ أصحابَ الكراسيِّ أفضَلَ منهم مجلسًا" قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله، وهل نَرَى ربَّنا؟ قال: "نَعم، هلْ تُمارونَ في رؤيةِ الشمسِ والقَمَر ليلةَ البدرِ"؟ قلنا: لا، قال: "كذلك لا تُمارونَ في رؤيةِ ربِّكم، ولا يَبقَى في ذلك المجلس رجلٌ إلَّا حاضَره الله محاضَرةً، حتَّى يقولَ للرجل: يا فلانُ، أتذكرُ يومَ قلتَ كذا وكذا؟ فيُذكِّره بعضَ غدْرَاته في دارِ الدُّنيا، فيقول: يا ربِّ، ألم تَغْفِرْ لي؟ فيقولُ: بَلَى، بسَعةِ مَغفِرَتي بَلَغتَ منزلَتَك هذه. فبينما هم على ذلك غَشِيَتهم سَحابةٌ من فوقِهم، فأمطَرت عليهم طِيبًا لم يَجدُوا مثلَه -أو مثلَ ريحِه- شيئًا قطُّ، ويقولُ ربُّنا: قُوموا إلى ما أعدَدْتُ لكُم من الكرامَةِ فَخُذوا ما اشْتَهيتُم، فَنَأتي سُوقًا قد حَفَّتْ به الملائكةُ، فيه ما لم تَنظُرِ العُيون إلى مثله، ولم تسمعِ الآذانُ، ولم يَخطُر على قلبِ بشرٍ، فيُحملُ إلينا ما اشتَهينا ليسَ يباعُ فيه ولا يُشتَرى، وفي ذلك السُّوقِ أهلُ الجنَّة يَلقَى بعضُهم بعضًا، فيُقبِل الرَّجلُ ذو المنزلةِ المرتفعةِ فيَلقَى من هو دُونه. وما فيهم دُونٌ فيَروعُه ما عليه من اللِّباس، فما ينقضِي حديثُه حتَّى يتخيَّل عليه ما هو أَحسَن منه، وذلك لأنه لا يَنبَغي لأحدٍ أن يَحزَن فيها. ثم نَنْصَرِفُ إلى مَنَازلنا فَيلْقَانا أَزوَاجُنا فيقُلنَ: مَرحَبًا وأَهْلًا لقد جِئتُم وإنَّ عَليكم من الجَمَال أَفضَل مما فارَقتُمُونا عليه، فيقولون: إنَّا جَالسنا اليومَ ربَّنا الجبَّارَ، وبحقِّنا أنْ ننقَلِبَ بمثلِ ما انقَلَبنا" (١). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي المُدِلَّة أنه سمع أبا هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله، حدِّثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ فقال: "لبنةٌ من ذَهبٍ ولبنةٌ من فضَّةٍ، ومِلاطُها المِسْك الأَذْفَرُ، وحَصْبَاؤها اللُّؤلؤُ والياقوتُ، وتُرابُها الزعفرانُ، مَن يَدخُلها ينعَمُ لا يَبْؤُسُ، ويَخلُدُ لا يموتُ، لا تَبْلَى ثيابُه ولا يَفنَى شبابُه" (٢). وحدثنا جدي ﵀ قال: حدثنا هبة الله بن أحمد الحريري بإسناده عن أبي سعيد

стр. 279

الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجنَّةِ مئةَ درجةٍ، ما بين كلِّ دَرجَتين كما بين السَّماء والأرضِ، وإنَّ جنَّة الفِردَوسِ أوسطُها وأعلاها سماءً، وعليها يُوضعُ العرشُ يومَ القيامةِ، ومنها تتَفجَّر أنهارُ الجنَّةِ" فقال له رجل: بأبي وأُمي أنتَ يا رسول الله، هل فيها خيلٌ؟ قال: "نَعم، والذي نفسِي بيدِه، إنَّ فيها لَخيلًا من ياقوتةٍ حمراءَ، تَرُفُّ بهم بين خلالِ ورقِ الجنَّةِ يَتَزاورُون عليها" فقال له رجل: فهل فيها من إبلٍ؟ قال: "نَعم والذي نفسِي بيدِهِ، إنَّ فيها لإبلًا من ياقُوتةٍ حمراءَ، رحالُها الذهبُ والفضّةُ، عليها نمارقُ الديباجِ، تَرِفُّ بهم بين خِلال وَرقِ الجنَّةِ يَتَزاورُون عليها" فقال له رجل: هل فيها صوت؟ قال: "نَعم، إنَّ الله ليوحِي إلى شَجَرةٍ في الجنَّة: أنْ أَسْمِعي عِبادي هؤلاءِ الذين شَغَلهم ذِكري في الدُّنيا عن عَزفِ المزاهيرِ والمزَاميرِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ" (١). وحدثنا جدي قال: حدثنا ابن ناصر بإسناده عن ابن مسعود قال: أنهارُ الجنَّة تَتفجَّر من جبلِ مِسْكٍ. وفي رواية: وتجري في عين أخدود. وقال ابن عباس: خمر الجنَّة أشدّ بياضًا من اللَّبن. وعن ابن عباس أنه قال: الجنان سبع: دار الجلال، ودار السَّلام، وجنَّة عَدْن، وهي قصبة الجنَّة وهي مُشرفة على الجنان، وجنَّة المأوى، وجنَّة الخلد، وجنَّة الفردوس، وجنَّة النعيم. قال: ونخل الجنَّة جذوعها زمرد أخضر وكَرَبُها ذهبُ أحمر، وسَعَفُها كسوة أهل الجنَّة (٢). وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ في الجنَّة ثمانية أبوابٍ: فيها بابٌ يُسمَّى الرَّيانُ، لا يدخله إلَّا الصائمونَ" أخرجاه في الصحيحين (٣). وحدثنا عبد الوهاب بن علي الصّوفي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يَدخُل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ على طُولِ آدمَ ستينَ ذراعًا، وعلى حُسْنِ يُوسفَ، وعلى

стр. 280

مِيلادِ عيسَى ثلاثًا وثلاثين سَنَّةً، وعلى لسانِ مُحمد ﷺ (١) ". وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: قال النبي ﷺ : "إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ يَشْتاقُ الإخْوانُ بعضهم إلى بعضٍ، فيسيرُ سَريرُ هذا إلى سَريرِ هذا وسَريرُ هذا إلى سَريرِ هذا، حتى يَجتمعان، فيَبكي هذا ويَبْكي هذا، فيقول أحدهما لصاحبهْ تَعْلَم متى غُفِرَ لنا؟ فيقولُ صاحِبُه: نعم، يَومَ كذا وكذا في مَوضِع كذا وكذا" (٢). وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أدنَى أهلِ الجنَّةِ منزلةً ليَنظُرُ في مُلكِه أَلفَي سَنةٍ، يرى أقصاهُ كما يرى أدناهُ، وإنَّ أفضَلَهم مَنزلةً مَن يَنظُرُ إلى وجهِ الله في كُلِّ يومٍ مرَّتين" (٣). فإن قيل فهل في الجنَّة توالد؟ فالجواب: أنّ فيه قولين: أحدهما: أنه لا يكون فيها توالد لأنَّ الولادة محلُّ الأقذار، والجنَّة طاهرة. والثاني: أنه يكون فيها توالد وقد دلَّ عليه الحديث، قال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "إذا اشْتَهى المؤمنُ الولدَ في الجنَّةِ كان حَمْلُه ووَضعُه وسِنُّه في ساعةٍ واحدةٍ" (٤). اقتصرنا على هذه الجملة مما يتعلّق بالجنة من الأحاديث والآثار، ولو استقصينا في جمعها لخرج الكتاب عن مقصوده من الاختصار. * * *

стр. 281

ذكر قصة آدم ﵇ - (١) اختلفوا لِمَ سمي آدم على قولين: أحدهما: أنه خُلِقَ من أديم الأرض وهو وجهها، قاله ابن مسعود (٢)، وزيد بن ثابت، ورواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٣). والثاني: أنه مشتقٌّ من الأُدْمة، وهي سمرة اللون، رواه مجاهد، عن ابن عباس. وذكر أبو إسحاق الثعلبي: أنَّ التراب بلسان العبريَّة يقال له: آدام. وقال الجوهري: آدم أبو البشر (٤). وآدم اسم عربي، وليس بعجمي. قرأت على شيخنا أبي اليُمن الكندي ﵀ قال: قرأت على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي في كتاب "المعرب" قال: أسماء الأنبياء كلها أعجميَّة، إلا أربعة وهي: آدم، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ (٥). والمشهور من كنيته أنه: أبو البشر، وروى الوَالِبي، عن ابن عباس أنه قال: كنيته أبو محمد، وقال قتادة: ولا يكنى في الجنة إلا آدم، يقال له: يا أبا محمد، إظهارًا لشرف نبيِّنا ﷺ (٦). ولا ينصرف آدم. وقال سهل بن عبد الله التُّستَري: أَلِفُهُ من الآفة، وداله من الدَّاء، وميمه من الموت. وقيل: إنَّ الله تعالى ذكرَهُ في القرآن في سبعةٍ وعشرين موضعًا.

стр. 282

فصل في إعلام الله تعالى الملائكة بخلقه قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] واختلفوا في الملائكة الذين قال لهم هذا على قولين: أحدهما: أنَّهم جميع الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنهم الملائكة الذين كانوا مع إبليس في الأرض خاصة، قاله مجاهد. والأول أصح. واختلف العلماء في المقصود بإعلام الملائكة بخلقه على أقوال: أحدها: أنَّ الله أراد أن يبلو طاعة الملائكة، وهو أعلم بهم، قاله الحسن البصري. والثاني: أنَّه أراد إظهار ما في باطن إبليس من الكبر والحسد، وكان ذلك قد خفي عن الملائكة، لما يرون من تعبُّده واجتهاده وتواضعه، رواه العَوْفي عن ابن عباس. والثالث: أنَّ الملائكة ظنَّت أنه لا يَخلق خلقًا أكرم منهم، فأخبرهم بوجود غيرهم ليوطِّنوا نفوسهم على العزل، قاله مجاهد. والرابع: أنَّه أراد تعظيم آدم بالخلافة قبل وجوده ليعَظِّموه إذا وجد، قاله الرَّبيع بن أنس. والخامس: أنَّه لما خلق النَّار جزعت الملائكة وقالوا: يا ربَّنا، لمن هذه؟ قال: لمن عصاني، قالوا: أَوَيأتي علينا زمان نعصيك فيه؟ فأخبرهم أنه يخلق لها من يعصيه، فاطمأنُّوا، قاله زيد بن أسلم (١). والسادس: لأنَّه أراد إظهار عجزهم عن ما يعلم، لأنهم قاسوا على من كان قبل آدم، قاله مقاتل. والسابع: أنَّه أعلمهم بما يكون في المستقبل، ليعلموا علمه بالحوادث، قاله الوَالِبي. والثامن: أنَّ الملائكة لما طردت المفسدين من الأرض، أقاموا يعبدون الله، وذلك قبل خلق آدم، فأخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة غيرهم، قاله مقاتل بن حيَّان.

стр. 283

والتاسع: أنَّه أعلمهم أنه يسكن آدم الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في الجنَّة، قاله السُّدي (١). والعاشر: أنَّه خبرٌ أخبرهم به، وليس بمشورة. وهو أجود. وقيل: إنَّ فيه إشارة إلى إخراج هذا الخليفة من الجنَّة بذنبه قبل أن يسكنها، فدلَّ على أنَّ الكلَّ بقضائه وقدره، قاله أهل المعاني. وروى مجاهد عن ابن عباس بمعناه، فإنَّه قال: أخرج الله آدم من الجنَّة بذنبه قبل أن يُسكنه إيَّاها، ولو لم يرد إخراجه لما نوَّه بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فصل في الخليفة قال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره، فهو خَلَف عمَّن تقدمه. وقال الجوهري: ويقال: خلَفَ فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، ومنه قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، قال: والخليفة السلطان الأعظم (٢). وقيل: إنَّ الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة: آدم في هذه الآية، وداود ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦]، وهارون ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾، وصلحاء هذه الأمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، وصلحاء الأمم ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه خليفة عن الله في إقامة شرعه، روي عن ابن مسعود وابن عباس (٣). والثاني: أنه خلفٌ عمَّن تقدَّمه في الأرض قبله، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا (٤). والأوّل أظهر، لأن آدم كان بهذه المثابة.

стр. 284

قال أبو إسحاق الثعلبي: سأل عمر بن الخطاب ﵁ طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار، فقال: أخليفة أنا أو ملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري، وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرّعيّة، ويَقسِمُ بينهم بالسَّوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بينهم بكتاب الله (١). وفي رواية: إن جَبَيتَ من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقِّه فأنت ملك ولست بخليفة، فبكى عمر، فقال كعب: ما كنت أحسب أنَّ في المجلس من يعرف الخليفةَ من الملك غيري، ولكن الله تعالى ألهم سلمان حكمًا وعلمًا (٢). قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآية. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه استفهام إنكار، وتقديره: كيف تفعل هذا وهو لا يليق بالحكمة؟ وروى يحيى بن أبي كثير عن أبيه قال: الذين قالوا هذا كانوا عشرة آلاف ملك، فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم. فإن قيل: فهلَّا أحرق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون: لبَّيك اللهم لبَّيك، اعتذارًا إليك، فتاب الله عليهم، فذلك بدء التلبية. والثَّاني: أنَّه استفهام إيجابٍ، تقديره: ستجعل، كقول جرير: ألستم خيرَ من ركِب المطايا (٣) أي أنتم، قال: أبو عبيدة. والثالث: أنه استفهام استعلام. ثم في مرادهم بذلك أقوال: أحدها: أنَّهم استفهموا وجه الحكمة، فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد

стр. 285

استخلفتَهم، وإنَّما ينبغي أن يسبِّحوا كما نسبِّح نحن. والثاني: أنهم قالوه تعجُّبًا من استخلاف من يُفسد. والثالث: أنهم استفهموا عن حال أنفسهم، وتقديره: أتجعل فيها من يفسد ونحن نسبِّح أم لا، ذكره ابن الأنباري والحسين بن الفضل (١). ونظيره: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ﴾ [الزمر: ٩] ومعناه: كمن ليس بقانت. فإن قيل: فكيف قطعوا علي بني آدم بالفساد وما رأوهم، وذِكرُ الغائبِ غِيبةٌ، وهل علموا الغَيب حتَّى قالوا ذلك؟ فالجواب من وجوه: أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لمّا قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: ذريَّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا، فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾. والثاني: أنهم قاسوا على من تقدَّمهم من الجنِّ الذين أفسدوا في الأرض، فقاسوا بالشاهد على الغائب. والثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظنّ فتحقّق ظنّهم. والرابع: أنَّه لما أخبرهم بوجود هذا الخليفة وأنه مخلوق من الطَّبائع الأربع المختلفة، والهوى والغضب إنما يثوران من الحرارة، والهوى يفسد والغضب يسفك، فحكموا بذلك. والمراد بالفساد العمل بالمعاصي. وسفك الدم صبُّه وإراقته، والتسبيح: التنزيه لله من كل سوء، والتقديس: التطهير، والمعنى: ننزّهك ونعظِّمك (٢). قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: إني أعلم أنه سيكون من ذريته أنبياء وعلماء صالحون، قاله ابن عباس. والثاني: أعلم أنه سيكون من ذريته من يُذنب فيتوب فأغفر له، قاله مقاتل.
следующие страницы →