ذكر قصة آدم ﵇ - (١)
اختلفوا لِمَ سمي آدم على قولين:
أحدهما: أنه خُلِقَ من أديم الأرض وهو وجهها، قاله ابن مسعود (٢)، وزيد بن ثابت، ورواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٣).
والثاني: أنه مشتقٌّ من الأُدْمة، وهي سمرة اللون، رواه مجاهد، عن ابن عباس.
وذكر أبو إسحاق الثعلبي: أنَّ التراب بلسان العبريَّة يقال له: آدام.
وقال الجوهري: آدم أبو البشر (٤). وآدم اسم عربي، وليس بعجمي.
قرأت على شيخنا أبي اليُمن الكندي ﵀ قال: قرأت على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي في كتاب "المعرب" قال: أسماء الأنبياء كلها أعجميَّة، إلا أربعة وهي: آدم، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ (٥).
والمشهور من كنيته أنه: أبو البشر، وروى الوَالِبي، عن ابن عباس أنه قال: كنيته أبو محمد، وقال قتادة: ولا يكنى في الجنة إلا آدم، يقال له: يا أبا محمد، إظهارًا لشرف نبيِّنا ﷺ (٦).
ولا ينصرف آدم. وقال سهل بن عبد الله التُّستَري: أَلِفُهُ من الآفة، وداله من الدَّاء، وميمه من الموت.
وقيل: إنَّ الله تعالى ذكرَهُ في القرآن في سبعةٍ وعشرين موضعًا.
стр. 282
فصل في إعلام الله تعالى الملائكة بخلقه
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] واختلفوا في الملائكة الذين قال لهم هذا على قولين: أحدهما: أنَّهم جميع الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنهم الملائكة الذين كانوا مع إبليس في الأرض خاصة، قاله مجاهد. والأول أصح.
واختلف العلماء في المقصود بإعلام الملائكة بخلقه على أقوال:
أحدها: أنَّ الله أراد أن يبلو طاعة الملائكة، وهو أعلم بهم، قاله الحسن البصري.
والثاني: أنَّه أراد إظهار ما في باطن إبليس من الكبر والحسد، وكان ذلك قد خفي عن الملائكة، لما يرون من تعبُّده واجتهاده وتواضعه، رواه العَوْفي عن ابن عباس.
والثالث: أنَّ الملائكة ظنَّت أنه لا يَخلق خلقًا أكرم منهم، فأخبرهم بوجود غيرهم ليوطِّنوا نفوسهم على العزل، قاله مجاهد.
والرابع: أنَّه أراد تعظيم آدم بالخلافة قبل وجوده ليعَظِّموه إذا وجد، قاله الرَّبيع بن أنس.
والخامس: أنَّه لما خلق النَّار جزعت الملائكة وقالوا: يا ربَّنا، لمن هذه؟ قال: لمن عصاني، قالوا: أَوَيأتي علينا زمان نعصيك فيه؟ فأخبرهم أنه يخلق لها من يعصيه، فاطمأنُّوا، قاله زيد بن أسلم (١).
والسادس: لأنَّه أراد إظهار عجزهم عن ما يعلم، لأنهم قاسوا على من كان قبل آدم، قاله مقاتل.
والسابع: أنَّه أعلمهم بما يكون في المستقبل، ليعلموا علمه بالحوادث، قاله الوَالِبي.
والثامن: أنَّ الملائكة لما طردت المفسدين من الأرض، أقاموا يعبدون الله، وذلك قبل خلق آدم، فأخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة غيرهم، قاله مقاتل بن حيَّان.
стр. 283
والتاسع: أنَّه أعلمهم أنه يسكن آدم الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في الجنَّة، قاله السُّدي (١).
والعاشر: أنَّه خبرٌ أخبرهم به، وليس بمشورة. وهو أجود.
وقيل: إنَّ فيه إشارة إلى إخراج هذا الخليفة من الجنَّة بذنبه قبل أن يسكنها، فدلَّ على أنَّ الكلَّ بقضائه وقدره، قاله أهل المعاني.
وروى مجاهد عن ابن عباس بمعناه، فإنَّه قال: أخرج الله آدم من الجنَّة بذنبه قبل أن يُسكنه إيَّاها، ولو لم يرد إخراجه لما نوَّه بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فصل في الخليفة
قال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره، فهو خَلَف عمَّن تقدمه.
وقال الجوهري: ويقال: خلَفَ فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، ومنه قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، قال: والخليفة السلطان الأعظم (٢).
وقيل: إنَّ الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة: آدم في هذه الآية، وداود ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦]، وهارون ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾، وصلحاء هذه الأمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، وصلحاء الأمم ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه خليفة عن الله في إقامة شرعه، روي عن ابن مسعود وابن عباس (٣).
والثاني: أنه خلفٌ عمَّن تقدَّمه في الأرض قبله، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا (٤). والأوّل أظهر، لأن آدم كان بهذه المثابة.
стр. 284
قال أبو إسحاق الثعلبي: سأل عمر بن الخطاب ﵁ طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار، فقال: أخليفة أنا أو ملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري، وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرّعيّة، ويَقسِمُ بينهم بالسَّوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بينهم بكتاب الله (١). وفي رواية: إن جَبَيتَ من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقِّه فأنت ملك ولست بخليفة، فبكى عمر، فقال كعب: ما كنت أحسب أنَّ في المجلس من يعرف الخليفةَ من الملك غيري، ولكن الله تعالى ألهم سلمان حكمًا وعلمًا (٢).
قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآية. فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه استفهام إنكار، وتقديره: كيف تفعل هذا وهو لا يليق بالحكمة؟ وروى يحيى بن أبي كثير عن أبيه قال: الذين قالوا هذا كانوا عشرة آلاف ملك، فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم.
فإن قيل: فهلَّا أحرق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون: لبَّيك اللهم لبَّيك، اعتذارًا إليك، فتاب الله عليهم، فذلك بدء التلبية.
والثَّاني: أنَّه استفهام إيجابٍ، تقديره: ستجعل، كقول جرير:
ألستم خيرَ من ركِب المطايا (٣)
أي أنتم، قال: أبو عبيدة.
والثالث: أنه استفهام استعلام.
ثم في مرادهم بذلك أقوال:
أحدها: أنَّهم استفهموا وجه الحكمة، فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد
стр. 285
استخلفتَهم، وإنَّما ينبغي أن يسبِّحوا كما نسبِّح نحن.
والثاني: أنهم قالوه تعجُّبًا من استخلاف من يُفسد.
والثالث: أنهم استفهموا عن حال أنفسهم، وتقديره: أتجعل فيها من يفسد ونحن نسبِّح أم لا، ذكره ابن الأنباري والحسين بن الفضل (١). ونظيره: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ﴾ [الزمر: ٩] ومعناه: كمن ليس بقانت.
فإن قيل: فكيف قطعوا علي بني آدم بالفساد وما رأوهم، وذِكرُ الغائبِ غِيبةٌ، وهل علموا الغَيب حتَّى قالوا ذلك؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لمّا قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: ذريَّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا، فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾.
والثاني: أنهم قاسوا على من تقدَّمهم من الجنِّ الذين أفسدوا في الأرض، فقاسوا بالشاهد على الغائب.
والثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظنّ فتحقّق ظنّهم.
والرابع: أنَّه لما أخبرهم بوجود هذا الخليفة وأنه مخلوق من الطَّبائع الأربع المختلفة، والهوى والغضب إنما يثوران من الحرارة، والهوى يفسد والغضب يسفك، فحكموا بذلك.
والمراد بالفساد العمل بالمعاصي. وسفك الدم صبُّه وإراقته، والتسبيح: التنزيه لله من كل سوء، والتقديس: التطهير، والمعنى: ننزّهك ونعظِّمك (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: إني أعلم أنه سيكون من ذريته أنبياء وعلماء صالحون، قاله ابن عباس.
والثاني: أعلم أنه سيكون من ذريته من يُذنب فيتوب فأغفر له، قاله مقاتل.
стр. 286
والثالث: إنني أعلم بوجوه المصالح في استخلافي إيَّاهم، فلا تعترضوا عليَّ في حكمي وتدبيري، قاله الحسين بن الفضل.
والرابع: إني أعلم أنهم يسفكون الدِّماء ولكن من جور رئيسكم.
فصل في خلق آدم
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله خَلَق آدَمَ من قَبضَةٍ قَبَضَها مِن جميعِ الأرض فجاءَ بنُوه على قَدرِ ذلك، جاء منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسوَدُ وبينَ ذلك، والخبيثُ والطيبُ، والسَّهلُ والحَزْنُ وبَينَ ذلك". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). ولهذا اختلفت ألوان بنيه.
وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: خلق الله الصالحين من عَذْبها، والكافرين من ملحها. وروي عنه أنه قال: الرُّوم والعرب من الأبيض، والترك من الأحمر، والحبش من الأسود.
وقال أهل المعاني: الكافر من الأسود، والمنافق من الأحمر، والمؤمن من الأبيض. وقيل: الظالم من الأسود، والمقتصد من الأحمر، والسَّابق من الأبيض.
وقال أحمد: بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيرُ يومٍ طَلَعَت فيه الشَّمسُ يومُ الجمعَةِ، فيه خُلِقَ آدمُ وفيه دَخَلَ الجنَّة، وفيه أُخرِجَ منها، ولا تَقُوم الساعةُ إلا في يوم الجمعةِ". انفرد بإخراجه مسلم (٢). هذا قدر ما أخرج في الصحيحين.
وقد روي فيه زيادات من طريق أبي لُبابة بن عبد المنذر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سيِّدُ الأيَّامِ يَومُ الجُمعةِ -وذكره- وفيه ساعةٌ لا يَسأل اللهَ العبدُ فيها شيئًا إلَّا أعطَاهُ إيَّاه، مَا لم يَسألْ إثمًا أو قَطِيعَةَ رَحِمٍ، ومَا مِن مَلَكٍ مُقرَّبٍ ولا جَبَلٍ ولا أَرَضٍ ولا سماءٍ إلَّا وهو مُشفِقٌ من يَومِ الجُمعةِ أن تقومَ فيه السَّاعةُ، وفيه تُوفِّي آدم (٣).
ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصرِ مِن يومِ الجُمُعةِ آخِرَ
стр. 287
الخَلقِ، ما بين العَصرِ إلى اللَّيلِ" (١).
وقال ابن سعد بإسناده عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ ولدُ آدَمَ، وآدَمُ مِن التُّرَاب" (٢).
واختلفوا فيمن جاء بالطِّين الذي خلق منه آدم على قولين:
أحدهما: إبليس، قاله ابن مسعود (٣) وابن عباس (٤)، قال: ولهذا قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ومعناه: أنا جئت به، فكيف أسجد له؟
والثاني: ملك الموت، فروى السُّدي، عن أشياخه قال: لما أراد الله أن يخلق آدم بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها يخلق منه آدم، فجاء إليها فناشدته الله وقالت: أعوذُ بالله منك أنْ تنقصني وتشينني وتكونَ سببًا لإدخال جزءٍ مني إلى النار، فرقَّ لها جبريل واستحيى ورجع إلى الله وقال: إنها قالت كذا وكذا، واستعاذت بك فأعذتها، فبعث إليها إسرافيلَ، فاستعاذت منه فأَعاذها، فبعث إليها ميكائيلَ ففعلت كذلك، فبعث إليها ملكَ الموت فقالت له كذلك، واستعاذت بالله منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولا أنفِّذ أوامر ربي، فأخذ من وجهها تربة بيضاء وحمواء وسوداء، ولم يأخذ من مكان واحد بل من عذبها وملحها، فكل شيء أخذه من عذبها صار إلى الجنة، وإن كان ابن كافر، وكل شيء أخذه من ملحها صار إلى النار، وإن كان ابن مؤمن، فلما جاء ملك الموت بالطِّين إلى بين يدي ربِّ العالمين، وأخبره بما قالت، وبما قال لها، قال الله تعالى: وعزَّتي لأسلطنَّك عليها إذْ أطعتني وخالفتها (٥).
ولا يختلفون أنه خُلق يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات النهار، سادس نَيسان، وقد ذكرناه.
стр. 288
واختلفوا كم أقام مصوَّرًا على أقوال: أحدها: أربعين سنة، قاله ابن عباس.
والثاني: أربعين ليلة، قاله الضحاك. والثالث: لم يقدَّر بشيء، قاله مقاتل.
والأول أظهر، لوجهين:
أحدهما: لأنها تمام الخلق ومنتهى الأشدِّ، ولهذا لم يبعث الله نبيًّا إلا بعد أربعين سنة، قاله السُّدي.
والثاني: لتدور عليه الأفلاك بالنجوم السبعة المدبِّرات أمرًا، فتستحكم أجزاؤه ويكمل خلقه.
وقال بعضهم: أمطر عليه الحزن أربعين سنة، والسرور يومًا واحدًا. وقد نصَّ ابن عباس على أربعين سنة فقال: خمَّر الله طينة آدم قبل التصوير أربعين سنة (١).
واختلفوا أين صوَّره؟ قال ابن عباس: في السماء على باب الجنة، المدة التي ذكرها.
وقال السُّدي: ألقاه بين مكة والطائف، فكان إبليس إذا مرَّ به فزع وضربه برجله فيظهر له صوت وصلصلة فيزداد فزعه.
وقال مقاتل: كان يدخل في فيه ويخرج من دبره ويقول: لأمرٍ ما خُلِقت، ولئن فُضِّلت عليَّ لأهلكنَّك.
قال مسلم بن الحجَّاج بإسناده عن أبيِّ بن كعب وأنس، عن النبي ﷺ قال: "لما صَوَّرَ آدَم تَركَهُ ما شاءَ أن يَترُكَهُ، فَجَعلَ إبليسُ يُطِيفُ به وينظُرُ إليه، فلمَّا رَآهُ أجوَفَ عَرَفَ أنَّه خَلقٌ لا يَتمالك (٢) ".
وقد روي أنه وكَّل به ملك الموت أربعين سنة، ثم أربعين سنة، ثم أربعين سنة حتَّى استحكم في مئة وعشرين سنة، فلذلك يقول الأطبَّاء: العمر الطبيعي مئة وعشرون سنة.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: في موضع: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] وفي موضع
стр. 289
آخر: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ومن ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. و ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكيف الجمع بين هذه الآيات؟
فالجواب: إن الألفاظ وإن اختلفت فالمعاني قد اتَّفقت، لأنه كان أوَّلًا ترابًا ثم صار حَمَأً، ثم جفَّ فصار صلصالًا، والصلصلة: الصوت، كان يُنقر فيطنُّ ويُسمع له صوت، اللَّازب: اللازق، والحمأ المسنون: المتغيِّر المنتن، والسلالة: القليل مما ينسل، وآدم استلّ من الأرضِ.
فإن قيلَ: فلمَ خصَّ التراب بخلقه؟ فالجواب: ليكمل به الاستقصَّات الأربع، فيجتمع فيه الطباع المختلفة. ولم يكن قبله خلق من التراب بل من النَّار والماء والريح. وذكر الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم من دَحْنَا ومسح ظهره بنَعْمان السحاب (١).
وأخرج ابن سعد بمعناه عن ابن جبير، فذكر أرضًا يقال لها: دحنا، لا غير (٢).
وقد ذكرنا جبلي نعمان في باب الجبال.
وقال الحافظ أبو القاسم أيضًا: وفي حديث الحسن البصري أنه خلق جُؤجُؤه من نقا ضَرِيَّة (٣).
ومعناه: خلق صَدرهُ من رمل ضريَّة، وهي منزل بطريق مكَّة من ناحية البصرة واليمامة.
وكذا روى ابن سعد عن الحسن (٤).
والجؤجؤ: الصّدر. وقال الجوهري: ضريَّة قرية لبني كلاب على طريق البصرة، وهي إلى مكة أقرب (٥).
وذكر الحافظ أبو القاسم في "تاريخه" عن عليٍّ ﵇ قال: قال رسول الله
стр. 290
ﷺ "أكرمُوا عمَّتَكم النخلة، فإنها حلقَت منَ الطِّينِ الذي خُلقَ منه آدمُ، وليسَ من الشَّجرِ شيءٌ يلقح غيرها، وأطعِموا نساءَكُم الوُلَّد الرُّطبَ، فإن لم يَكن رُطبٌ فالتمرُ، وليسَ منَ الشَّجرِ أكرَمُ على اللهِ من شَجَرةٍ وُلدَت تحتَها مريمُ بنتُ عمرانَ".
قلت: وقد ذكر جدي هذا الحديث في "الموضوعات" وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ (١).
وقال مسلم بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلقَتِ الملائِكةُ منَ النُّورِ، وخُلقَ الجانُّ من مَارجٍ من نارٍ، وخُلقَ آدم مما وصفْتُ لكُم" (٢) أي من التراب.
وحدثنا جدي ﵀ بإسناده، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "نُفخَ في آدمَ الرُّوحُ، فطَارَتْ فصَارَتْ في رأسِه فعَطَسَ، فقال: الحمدُ للهِ، فقال الله : يرحمُكَ الله" (٣).
وأخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال: فلمّا جرى الروح في خياشيمه عطس، فلقنه الله حمده، فحمد ربه (٤).
وقد رواه ابن عباس، وفيه: يرحمك ربّك أبا محمّد. قال مقاتل: وهذا معنى قول رسول الله ﷺ : "كنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماءِ والطِّينِ" (٥).
وقال سهل بن عبد الله: لما قال له يرحمك الله، علمَ أنَّه سيذنب، لأنَّ الرحمة إنَّما تكون بعد الذنب والزلَّة.
وقال السُّدي: لما وصلت الروح إلى عينيه نظر إلى الجنة وما فيها، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه، فذلك قوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٦).
стр. 291
وقال ابن سعد بإسناده عن سلمان الفارسي، أن ابن مسعود قال: خمَّر الله طينةَ آدم أربعين ليلة وأربعين يومًا ثم ضرب بيده فيه فخرج كلُّ طيِّب في يمينه، وخرج كلُّ خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، قال: فمن ثمَّ يُخرج الحيَّ من الميت والميت من الحيِّ (١).
وروى ابن سعد بإسناده عن عبد الصمد بن مغفل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: خلق الله ابنَ آدم كما شاء مما شاء، فتبارك الله أحسن الخالقين، خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده كله، فهذا بدءُ الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم (٢).
وقال ابن عباس: أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري في شيء إلّا صار لحمًا ودمًا (٣).
وقال ابن سعد بإسناده قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدم بيدِهِ" (٤).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فقد رُدَّ العلم إلى الله تعالى.
فالجواب من وجهين:
أَحدهما: أن اليهود أرادوا امتحان النبي ﷺ بذلك، فكان سكوته عن الجواب من أمارات معجزاته، لأنهم قالوا: إن أجاب فليس بنبيٍّ.
والثاني: أنه لا يسعنا أن نقول: إن رسول الله ﷺ لم يعلم سرَّ الروح مع قوله ﵇: "فأورَثَني عِلمَ الأوَّلينَ والآخِرينَ" (٥) وكان معناه: أنني لا أخبر من ليس بأهل عن هذا السرّ كاليهود، أمّا من هو أهل فنعم.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
стр. 292
ﷺ : "إنَّ الله خَلقَ آدمَ على صُورتِه، طولُه ستُّونَ ذراعًا، وقال له: اذهَبْ فسلِّمْ على أولئك النَّفَر من الملائكةِ وهم جُلُوسٌ، واسمع ما يُحيُّونَكَ، فإنَّها تحيَّةُ ذُريَّتِكَ، فجاء فسَلَّم، فقالوا: وَعليك السَّلامُ ورحمةُ الله، فزادوه: ورحمةُ الله، فكلُّ مَن يَدخُلُ الجنَّةَ على صورةِ آدَمَ وطولِه، فلم يَزَلِ الخَلقُ ينقُصُ بعد ذلك" أخرجاه في "الصحيحين" (١).
وقد تكلَّموا على قوله: "خلق آدم على صورته"، قال قوم: الهاء عائدة إلى آدم، ومعناه: على صورته التي خلقه عليها، ومنهم من حمل الصورة على الصفة، وصفات الله ثابتة من السَّمع والبصر ونحوه.
فإن قيل: فقد ورد في حديث "على صورة الرحمن" (٢) فالجواب: أنه لا تصحُّ هذه الرواية.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: إنَّ عرض آدم كان سبعةَ أذرع، وإنَّ نَفَسه كان يؤذي أهل السماء، وكان رأسه يخطُّ السماء فأورثه ذلك الصَّلع، وإن الله حطَّه إلى ستين ذراعًا (٣).
قلت: هذا قول ضعيف لما ذكرنا من بعد المسافة بين السماء والأرض.
فصل في تعليمه الأسماء
قال الله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١] اختلفوا في الذي علَّمه على أقوال:
أحدها: أنها أسماء الملائكة، قاله الربيع بن أنس (٤).
والثاني: أسماء ذريَّته، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥).
والثالث: أنه علَّمه جميع الأسماء، فقال: هذا فرس، وهذه دابَّة، هذه قصعة، هذه قصبة، هذا نعل، هذا كذا، حتى أتى على آخرها، قاله ابن عباس (٦)، وهو الأصح
стр. 293
لوجهين: أحدهما لأنَّ لفظه "كل" للعموم. والثاني: ليظهر فضلُ آدم على الملائكة، وفي تعليم البعض نقص.
وقد نصَّ ابن عباس على هذا فقال: علَّمه أسماء الخلق والقرى والمدن والجبال وأسماء الطيور والأشجار وما كان ويكون وكلَّ نسميةٍ الله خالقها إلى يوم القيامة.
وقال الطّبري في "تاريخه": علَّمه كل شيءٍ حتى الفسوة والضّرطة (١).
قلت: أما كان في مخلوقات الله ما يعبَّر عنه بعبارة تليق بالله إلا هذه العبارة؟!
وقال السُّدي: لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه لأنَّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يَرَهُ. فلما أُعجبوا بعلمهم وعبادتهم فضَّل عليهم آدم بالعلم فعلَّمه الأسماء كلها. وهذا قول الحسن وقتادة وعامَّة العلماء.
وقال أبو القاسم الورّاق: علَّمه ألف حِرفَةٍ ثم قال له: قل لأولادك إن لم يصبروا فليطلبوا الدنيا بهذه الحرَف ولا يطلبوها بالدِّين، فإنَّ الدِّين خالص، وويلٌ لمن طلب الدنيا بالدِّين (٢).
فإن قيل: فلِمَ قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ ولم يقل: "عرضها"؟ فالجواب: أنه أراد الشخوصَ المسمَّيات لأنَّ الأعراض لا تعرض، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] وفيه أقوال:
أحدها: أنَّ معناه إن كنتم صادقين أني أخلق خلقًا أعلم منكم وأفضل، قاله الحسن.
والثاني: إن كنتم صادقين أنَّ بني آدم يفسدون ويسفكون، رواه السُّدي عن أشياخه.
والثالث: أنَّ المراد إبليس لأنه قال: إن فضِّلتُ عليه لأهلكنَّه، فتقديره: إن كنت صادقًا أنك تفعل ذلك، فأنبئني بأسماء هؤلاء، قاله مجاهد (٣).
وقال الزَّجاج: معناه: كيف تدَّعون علم ما لم تشاهدوه من الحكم على الغيب بالفساد، وأنتم لا تعلمون ما تعاينونه وترونه؟ فحينئذ أقرَّت الملائكة بالعجز فقالوا:
стр. 294
﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: نزَّهناك، والتسبيح التنزيه لله من كل سوء ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فقد نزَّهناك عن الاعتراض عليك.
فصل في سجود الملائكة لآدم
ثم أمرهم الله بالسجود لآدم بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] قال ابن عباس: لمّا اعترفوا بالعجز أمر الله تعالى آدم بأن يخبرهم بالأسماء، فلما أخبرهم قال: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما كان فيها وما يكون ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من الطاعة والخضوع لآدم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] في أنفسكم له من العداوة.
وقال ابن عباس أيضًا: المراد به إبليس، فإنه كان إذا مرَّ على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطَّائف يقول لمن معه من الملائكة: أرأيتم إن فضِّلَ عليكم هذا ماذا تصنعون؟ فيقولون: نطيع أمر ربِّنا، فيقول في نفسه: إلا أنا، والله لئن سلِّطتُ عليه لأهلكنَّه، وإن سلِّط عليَّ لأعصينَّه.
واختلفوا في سجودهم لآدم على أقوال:
أحدها: أنه سجود تعظيم وتحية لا سجود صلاة وعبادة كقوله في قصة يوسف ﵇ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وكان ذلك تحية للناس وتعظيم بعضهم بعضًا، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان انحناءً وإيماءً ووضع اليد على الصدر. وأصل السجود الانحناء والميل، يقال: سجَدَت النخلة إذا مالت.
فلمَّا جاء الإسلام أبطل ما كانوا يصنعونه وعوَّضهم بالسَّلام، ولما رَجعَ معاذٌ من اليمن، سَجدَ لرسول الله ﷺ ، فَتغيَّرَ وَجهُه وقال: "ما هذا يا معاذُ؟ " فقال: رأيتُ اليَهودَ يَسجُدونَ لأحبارِهِم، والنَّصَارى لرُهبانِهم وقِسِّيسيهم، ففعلتُ مِثلَهم، وأنت أولى، فقال: "مَهْ يا معاذُ، كَذَبوا، إنما السُّجود لله تعالى" (١). قاله ابن عباس.
стр. 295
والثاني: أنه كان سجودًا على الحقيقة لآدم، قاله مجاهد.
والثالث: أنه جعل آدم قبلةً لهم وسجودهم لله تعالى، كما جُعلت الكعبة قبلةً لصلاة المؤمنين، والصّلاة لله رب العالمين.
وقال ابن مسعود: سجدت الملائكة لآدم، وسجد هو لله تعالى.
وقال أبيُّ بن كعب: معنى سجودهم أنَّهم أقرُّوا لآدم أنه خير وأكرم على الله منهم.
وحدثنا يحيى بن الأَوَاني، بإسناده عن ضمرة بن ربيعة، عن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لمّا أمر الله الملائكة بالسُّجود لآدم أوَّل من سجد له إسرافيل، فأثابه الله بأن كتب القرآن في جبهته (١).
قوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] أي: امتنع وتعظَّم، و"كان" بمعنى صار في علم الله أنه من الذين وجبت عليهم الشقاوة.
وقال السُّدي: لما امتنع إبليس من السجود قال له الله: ما منعك أن تسجد له؟ قال: أنا خير منه. قال: بماذا؟ قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ألستُ الذي استخلفتني في الأرض، وجعلتني حاكمًا عليها وعلى الملائكة، وألبستني الرِّيش، ووشَّحتني بالنور، وتوجتني بالكرامة، وجعلتني خازن السماوات، وعبدتك ثمانين ألف سنة، وكنت من المقرَّبين؟ فقال الله تعالى: ﴿قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥ - ٣٦ - ٣٧].
وقال ابن عباس: قال الله له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] منهم من أجراه على ظاهره، ومنهم من قال: يد القدرة. وقال أبو إسحاق الثَّعلبي: بإسناده عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قَرأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ وسَجدَ اعتزَلَ الشَّيطانُ يَبكِي ويقُولُ: يا وَيلَهُ أُمِرَ ابنُ آدَمَ بالسُّجُودِ فَسجَدَ، فله الجنَّةُ، وأمِرتُ بالسُّجُود فأبَيتُ فليَ النَّارُ" (٢).
стр. 296
وذكر محمد بن عبد الكريم الشّهرستاني في أول كتاب "الملل والنحل" وقال: أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس. قال: وتشعب من هذه الشبهة شبهات، منها أنه قال: قد علمت أنه إلهي وإله الخلق، وقد علم ما يصدر مني قبل خلقي، فلِمَ خَلقني وما الحكمة في خلقي؟ وكونه كلَّفني ما لا منفعة فيه له، فإنه لا تنفعه طاعتي ولا يضره معصيتي، ثم إنه سلَّطني على آدم فأخرجته من الجنّة بقضائه وإرادته فطردني ولعنني، وسألته الإنظار فأنظرني، ثم كان عاقبة أمري ما أنا فيه، ولو سجدت لآدم كان ماذا؟ وإنما له إرادة أراد أن يظهرها، قال: فقال الله تعالى للملائكة: قولوا له لو كنت صادقًا أني إلهك لما اعترضت عليَّ ولا خالفتني، لأني إله العالم، لا أُسأل عمَّا أفعل وهم يسألون (١).
فصل في خلق حوَّاء
قال ابن سعد بإسناده عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: سُمِّيت حواء لأنها أمُّ كل شيء حي (٢).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: لما أسكن الله آدم الجنَّة أقام مدةً فاستوحش،
فشكا إلى الله الموحدة، فنام فرأى في منامه امرأة حسناء، ثم انتبه فوجدها جالسةً عنده
فقال: مَن أنت؟ فقالت: حوَّاء، خلقني الله تعالى لتسكن إليَّ وأسكن إليك (٣).
قال: وخلقت من ضلع آدم، ويقال لها: القُصَيرى. قال الجوهري: القصيرى
الضلع التي تلي الشاكلة، وتسمَّى الواهنة في أسفل الأضلاع (٤).
وقال مجاهد: إنما سُمِّيت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء وهو آدم.
وقال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنة فخلقت حوَّاء من قُصَيراه من شقِّه الأيمن من غير أن يتألَّم، ولو تألَّم لم يعطف رجل على امرأة أبدًا.
стр. 297
وقال ابن عباس: لَأمَ الله موضعَ الضلع لحمًا. ولما رآها آدم قال: أثابثا، وتفسيره بالسُّريانية: امرأة (١).
وأخرجه ابن سعد عن مجاهد قال: ولمَّا خلقت حواء قالت له الملائكة: أتحبها؟ قال: نعم، قالوا لها: أفتحبينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه منها، فلو صدقت امرأة في حبِّ زوجها لصدقت حوَّاء (٢).
وفي التوراة: فقال آدم: هذه عظام من عظامي ولحم من لحمي ودم من دمي.
قال كعب: ومن أجل ذلك يترك الرجل أُمَّه وأباه ويتبع امرأته.
وقال الربيع بن أنس: إنما خلقت حوَّاء من طينة آدم. واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ولأن الرجل لم يخلق من المرأة، فكذا المرأة لم تخلق من الرجل. والأول أصح، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] والمراد به آدم، وخلقت حواء من ضلعه، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨].
وذكر مقاتل بن سليمان، في "كتاب المبتدأ" له وقال: لما أراد الله أن يزوِّج حواء من آدم قال: يا آدم لا بد من مهر، قال: ياربِّ وما مهرها؟ قال: أن تصلِّي على ولدك محمد ﷺ عشر مرات، فصلى عشرًا (٣)، قال مقاتل: فذلك قوله ﷺ : "من صَلَّى عليَّ مَرةً صَلَّى الله عليه عشرًا (٤) ".
فصل في مقام آدم في الجنَّة
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قال الفرَّاء: أهل نجد يقولون لامرأة الرجل: زوجة، ويجمعونها: زوجات، وهي لغة بني تميم. قال: وأهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها: الأزواج (٥).
стр. 298
وقال الجوهري: زوج المرأة بعلها، وزوج الرجل امرأته. قال الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١).
والرَّغد: الرزدق الواسع. ﴿حَيثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] أي: كيف ومتى وأين شئتما.
واختلفوا في الشجرة على أقوال:
أحدها: أنها شجرة البُرِّ، وهي الحنطة، قاله ابن عباس (٢).
والثاني: شجرة الكافور، قاله علي ﵁.
والثالث: الكَرمة، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد (٣)، وحكاه ابن سعد، عن جعدة بن هبيرة قال: ولذلك جعلت فتنةً لولده (٤).
والرّابع: التين، قاله عطاء والحسن ابن جريج (٥).
والخامس: النَّخلة، قاله أبو مالك (٦).
والسَّادس: حيُّ العلم (٧) -وقيل: إنما هي بكسر العين وفتح اللام- وهي الحنطة بلغة قيس. وهو الأصح، لأن الحنطة ملائمة لجميع بني آدم. وقد نصَّ على أنها الحنطة عامَّة العلماء.
وقال وهب: هي شجرة الخلد. وهو وهم لأنَّ الله سمّاها بذلك، وإنما الكلام في جنسها (٨).
فإن قيل: فلِمَ خصَّ الشجرة المشار إليها بالنهي؟ فالجواب: لأنَّ لها ثُقْلًا، والجنَّة
стр. 299
لا تحتمل الثفل.
وقال مجاهد: لما أكل منها لعبت معدته فقال له جبريل: أما تستحيي، أين تضع هذا على السُّرر أو على الفرش أو على شواطئ أنهار الجنَّة من رياض المسك والعنبر والكافور والزّعفران؟ ولكن انزلْ إلى دار يصلح أن يكون فيها هذا. قال: وهذا معنى قول علي ﵇: الدنيا كنيف يملأ.
وقال النَّضر بن شُميل: إنما أكل آدم من الشجرة لأنه مُنع عنها، والآدميُّ حريص على ما مُنعَ منه.
وقد ذكرها في التوراة فقال: ونصب الله تعالى شجرة الخير والشرِّ، أو شجرة الحياة، وسط الجنَّة، وقال: يا آدم كُلْ ما شئت إلّا منها، فإنك تموت يوم تأكل منها.
وقال الحسن: لم يكن له بدٌّ أن يأكل منها لأنَّه خلق للمقام في الأرض.
فصل في احتيال إبليس على دخول الجنَّة
قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] قال ابن عباس: أي: حملهما على الزَّلَّة. وقرأ الأعمش: فأَزالهما (١)، أي: نحَّاهما عن الطَّاعة والجنَّة، فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم.
واختلفوا في كيفية دخوله إلى الجنَّة:
قال الحسن البصري: وقف على باب الجنة وناداهما لأنه كان ممنوعًا من دخولها بقوله: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨].
وقال ابن عباس: إنما احتال بطريق الحيَّة وكانت من أحسن الدوابِّ، ولها جناحان كجناحي الطَّاووس، ولون جلدها لون السُّندس والإستبرق، وكانت من خُزَّان الجنَّة تدخل إليها وتخرج، وكانت صديقًا لإبليس، فخرجت ذات يوم فتعرَّض لها وخدعها وقال لها: قد اشتقت إلى الجنَّة، فقالت: أنت مطرود عن الجنَّة، فكيف
стр. 300
أُدخِلُكَ إليها؟ قال: وما يضرُّكِ فإني مطرود عنها حيث لم أسجد لآدم، فأدخلِيني لأسجد له لعلَّ الله أن يرضى عنِّي. ففتحت فاها فوثب فقعد على نابٍ من أنيابها. ومرَّت به على الخَزَنة فأنساهم العلم السَّابق والقَدَر المحتوم أن يفتقدوا ناب الحيَّة، فدخلت به. وكان آدم لما رأى نعيم الجنة قال: لو أنَّ لنا خُلدًا، فأتاه من قبل الخلد، فجاء فوقف بين يدي آدم وحواء، وهما لا يعلمان أنه إبليس، فناح عليهما نياحةً أحزنتهما وبكى، وهو أوَّل من ناح، فقالا له: ما الذي بك وما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما، تموتان وتفارقان هذا النَّعيم. فوقع ذلك في نفوسهما واغتمَّا، ومضى عنهما، ثم جاءهما بعد ذلك فقال: يا آدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] فقال: إنَّ ربي نهاني عنها، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهما ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] فاغترَّا (١).
قال ابن عباس: ما ظنَّ آدم أنَّ أحدًا يحلف بالله ويكذب. فبادرت حواء إلى الأكل من الشجرة، ثم ناولت آدم فأكل منها.
وقال مقاتل بن سليمان: قال لهما إبليس: ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا حسدًا لكما، لأنه علم أنكما متى أكلتما منها علمتما الغيب، وزاحمتماه في ملكه وغيبه.
وقال مجاهد: حلف لهما سبعين يمينًا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١].
وقال مقاتل: فأخذت حوَّاء من الشجرة خمس حبَّات، فأكلت اثنتين وأخفت ثلاثًا، قال: فلذلك صار النساء يسرقن. وفي رواية عنه: أنها أخذت سبع حبَّات، فدفعت إلى آدم حبَّتين، وقالت: إنما أخذت واحدة، فلذلك صار للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال مقاتل أيضًا: تقدَّمت إلى الشجرة فأكلت منها ثم قالت: يا آدم، قد أكلت فلم تضرَّني، فتقدَّم فأكل منها.
стр. 301
وحكى أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" عن سعيد بن المسيَّب: أنه كان يحلف بالله لا يستثني أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حوَّاء سقته الخمر حتى سكر، ثم قادته إلى الشجرة فأكل منها (١).
قلت: والعجب من حكاية الثعلبي مثل هذا عن سعيد بن المسيَّب، وهو إمام وقته في العلم والزهد والورع والتحرُّز في أقواله عن مثل هذا. ثم قد اتفق العلماء على أنَّ خمر الجنَّة لا يسكر ولا يذهب بالعقول، قال الله تعالى ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة: ١٩] وقال الله تعالى ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ [الطور: ٢٣] وهو السكر، والمراد من الخمر إنما هو حصول اللَّذة المطربة، وذلك حاصل في الجنَّة بدون سكر، فإنه مباح لأهل الجنة مع بقاء عقولهم، وبهذا فارق خمرَ الدنيا.
وإنما اللَّائق بحال آدم أنه إنما أكل متأوِّلًا للكراهة دون التحريم، وذلك قبل النبوَّة، لأنه نهي عن شجرة فأكل من جنسها ظنًّا منه أنَّ المراد غير تلك التي نهي عنها لا التي أكل منها. على أنَّ الله تعالى قد عذره بكونه أكل ناسيًا فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
فإن قيل: فإن كان آدم تعمَّد، فمعصيته كبيرة، والكبائر لا تجوز على الأنبياء، وإن كان نسي فالنسيان معفوٌّ عنه، فكيف وقعت المؤاخذة؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّ الأنبياء قد أمروا بتجويد التحفظ، ومثل آدم لا يسامح.
والثاني: أنَّه خالف، ومخالف الأمر يعاقب وإن كان ناسيًا، فإنَّ من طلَّق امرأته ناسيًا أو ساهيًا أو هازلًا وقع طلاقه، فالنِّسيان معفوٌّ عنه في رفع الإثم دون المؤاخذة، وهذا معنى قوله ﵊: "عُفيَ لأمَّتي عنِ الخطأ والنسيانِ وما استُكرهوا عليه" (٢).
والجواب الثالث: أن بعض العلماء قال: إنه أكل متأَوِّلًا للكراهية دون التحريم.
وقال قتادة: لما أَكَلا منها بدَت لهما سوآتهما، وولَّى آدم هاربًا يستتر بورق الجنَّة،
стр. 302
فناداه الله: يا آدم أفرارًا مني؟ قال: لا يا ربِّ، بل حياء منك. فقال: يا آدم اخرج من جواري، فإنَّ من عصاني لا يجاورني في داري. فقال: يا ربّ، هل بعد هذا العتاب رضىً؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله (١).
وقال الربيع بن أنس: امتنع من الخروج من الجنة، فجاءه جبريل فجذب بناصيته للإخراج، فقال: بالأمس تسجدُ لي واليوم تسحبُ بناصيتي؟ ارفق بي، فقال: لا أرفق بمن عصى الله.
وذكر في التوراة: قال الله تعالى: يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها، قال: إنَّ المرأة أطعمتني، وقالت المرأة: إنَّ الحيَّة أطعمتني، يعني أن إبليس كان يخاطبها على لسان الحيَّة وهو قاعد على أنيابها. فقال الله للحيَّة: من أجل فعلك هذا أنت ملعونة، وعلى بطنك تمشين، وتأكلين التراب، وسأغري بينك وبين ولد المرأة فيطأ رأسك وتلدغين عقبه، وقال لآدم: اخرج من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي أخذت منها. وقال الله لحوَّاء: أنت غررت الرجلَ، وعزَّتي لأعاقِبنَّك بالحيض والنفاس والولادة ونقصان الشهادة، لا تحملين إلا كرهًا، ولا تضعين إلا كرهًا، ثم مسخ الحيَّة إلى هذه الصورة.
وقال وهب: كان لباس آدم في الجنة الظفر يزداد كلَّ يوم جِدَّة وحسنًا، فلما أخرجه من الجنة ألبسه الجلود والصوف. وكان آدم أمرد، فعوقب بإنبات اللحية.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "التَقَى آدم مُوسى، فقال له مُوسى: أنتَ آدمُ الذي أَشقَيتَ النَّاسَ وأخرَجتَهُم من الجنَّة؟ فقال له آدمُ: أنتَ مُوسى الذي اصطَفَاك اللهُ برسالتِه وكلامِه وأنزلَ عليكَ التَّوراةَ؟ قال: نعم، قال: أَتلُومُني على أمر كانَ قد كُتبَ عليَّ قبلَ أنْ أفعَلَه، أو: قَبلَ أنْ أُخلَقَ؟ قال: فَحَجَّ آدمُ موسى" مرَّتين. أخرجاه في "الصحيحين" (٢).
فإن قيل: فلم لم تعاقب حوَّاء قبل آدم عند الأكل؟ فالجواب من وجوه:
стр. 303
أحدها: أنها لو عوقبت في حالة الأكل قبل أن يأكل آدم لتوقَّف عن الأكل، فأخطأ علم الله فيه وإرادته وسره الخفي، فلما وافقها ظهر علم الله فيه.
والثاني: لأن حوَّاء كانت ضعيفة فلم تقدر على العقوبة ولم تحتملها، بخلاف آدم بها كان قويًّا.
والثالث: أنها عوقبت في ضمن عقوبة آدم بما يليق بها من الحيض والنِّفاس والولادة وترك الصلاة ونقصان الميراث والعدَّة، وبأنها لا تكون حاكمًا بين الناس، ولا تسافر إلا بوليٍّ، ولا تنعقد بها الجمعة والجماعات، وكونها عورة إلى غير ذلك.
فإن قيل: فآدم وحوَّاء اشتركا في المعصية فلمَ لم تذكر معه في التوبة؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ العرب إذا كان فعل الاثنين واحدًا جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] ونحو ذلك.
والثاني: فلأن النساء يدخلن في خطاب الرجال على وصف التبعيَّة، لأنهن تبع، فلهذا لم تذكر معه في التوبة، بل قال: ﴿فَتَابَ عَلَيهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وإن كانت هي السبب.
وقد قالت المعتزلة وجهم بن صفوان: إنَّ الجنَّة التي أُسكنها آدم إنما كانت بستانًا من بساتين الدنيا في جزيرة سَرَندِيب، ولهذا يسمَّى آدم السَّرنديبي، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فمن دخلها يستحيل عليه الخروج منها، ولأنها دار راحة فلا يكون فيها ابتلاء ومحن.
ولنا: أنَّ الله وصف الجنَّة التي أُخرج منها آدم بأوصاف لا تكون لبساتين الدنيا، على ما ذكرنا فيما تقدَّم، وأمَّا الآية، فآدم ما دخلها للثواب، ومن دخلها للثواب لا يخرج منها أبدًا. ألا ترى أنَّ رضوان وبقيَّة الخُزَّان يدخلونها ويخرجون منها؟ وقولهم: دار راحة، قلنا: ودار تكليف لإجماعنا على أنهم مكلَّفون بها بمعرفة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] الهبوط: هو الحُدور من
стр. 304
علوٍّ إلى سفل، وهذا الخطاب لآدم وحوَّاء وإبليس والحيَّة، لأنَّه ذكرهم بالواو، وهو للجمع، قاله ابن عباس (١).
فإن قيل: فقد كرَّر الهبوط في آخر القصَّة بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] فما فائدة هذا التكرار؟ فالجواب: إنهم أُهبطوا إهباطين، أحدهما: من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني: من السماء الدنيا إلى الأرض، حكاه أبو صالح عن ابن عباس.
وقال مقاتل: إنما كرَّره لتعظيم الذَّنب، كما يقال للإنسان إذا أذنب ذنبًا عظيمًا: اخرج، اخرج. فكان تأكيدًا في الإخراج.
والمستقَر: موضع القرار، والمتاع: البُلغة، وإلى حين: أي إلى حين انقضاء آجالكم ومنتهى أعماركم.
وقال الثعلبي فيما حكاه عن إبراهيم بن أدهم أنَّه كان يقول: أورثَتْنا تلك الأكلة حزنًا طويلًا (٢).
وعن ابن عباس قال: لما أُهبِطَ آدم إلى الأرض قال: يا ربِّ، إني كنت جارك في دارك، ليس لي رقيب ولا ربٌّ سواك، آكُلُ منها حيث شئتُ رغدًا، فأهبطتني إلى دار العناء والشَّقاء والنَّصَب والتَّعب، فقال الله: يا آدم، لِشؤم معصيتك، وذكر كلامًا طويلًا (٣).
ولما أُهبِطَ آدم إلى الأرض كان على رأسه إكليل من الجنَّة فيبس وتناثر في الأرض، فكل طيب في الدنيا فمن ذلك الإكليل (٤).
فصل في المكان الذي أهبطوا إليه
قال علماء السِّير: أُهبِط آدم بالهند على جبل يقال له: واسِم، وقيل: نُوْذ، وقيل:
стр. 305
الرَّاهون، وقيل: انحلوس، عند وادي سَرَندِيب. واسم الوادي بهيل بين الدَّهنج والمندل، وهما بلدان بأرض الهند (١). قال مقاتل: وهذا الجبل أقرب جبال الأرض إلى السماء.
وأُهبطت حوَّاء بجُدَّة من أرض مكة، والحيَّة بنَصِيبِين الجزيرة، وقيل: بأَصبهان، وإبليس بميسان، وقيل: بالأُبلَّة (٢).
قال الجوهري: وميسان اسم كورة بسواد العراق (٣). قال: والأُبُلَّة -بالضَّمِّ- مدينة إلى جانب البصرة (٤). وقد ذكرها ابن الجواليقي قال: وهي بلدة قديمة (٥). وقال أبو عبيد: هي آخر أعمال البصرة.
وقال ابن زيد: أهبط إبليس بالبصرة، وكذا قال الحسن البصري. وقال الحسن: ولهذا هي معدن المعتزلة والقدريَّة واليهود.
فإن قيل: فقد عَصَوا جملةً واحدة في مكان واحد، فما الحكمة في كونهم أهبطوا متفرقين؟ فالجواب: أنهم لما عصوا في ذلك المكان الشريف بدَّد الله شملهم في أقطار الأرض، وهو أبلغ في العقوبة من اجتماعهم في مكان واحد، ولهذا أُبقِيَ آدم مدَّة حتى اجتمع بحوَّاء بجَمْع، فلذلك سُمِّيت جَمْعًا على قول البعض، ثمَّ ازدُلِفت إليه بالمزدلفة، فسُمِّيت بذلك، ثم التقيا بعرفات فتعارفا، ورجعا إلى الهند، لما نذكر.
وحكى الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق": أنَّ آدم كان يسكن بيت أبيات، قرية بسفح قاسيُون كانت، وإليه ينسب مسجدها، وأنَّ حوَّاء كانت تسكن بيت لَهيَا (٦).
قلت: ولم يوافقه على هذا القول أحد لإجماعهم على أن آدم كان بالهند ويتردَّد إلى مكة ولم يدخل الشَّام، والله أعلم.
стр. 306
فصل في مقدار لبثه في الجنَّة
اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: ثلاث ساعات من أيام الآخرة، ربع يوم، فيكون مئتين وخمسين سنة من أعوام الدُّنيا، قاله الربيع بن أنس.
والثاني: ساعتين، قاله مجاهد، وهو موافق للحديث أنَّه خُلِقَ في آخر نهار الجمعة (١).
والثالث: ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر من سني الدنيا، رواه مجاهد عن ابن عباس.
الرابع: ثلاثًا وأربعين سنة وأربعة أشهر من سني الدنيا، ذكره أبو جعفر الطبري في "تاريخه" (٢).
والخامس: أنه أقام نصف يوم من أيام الآخرة خمس مئة عام، رواه أبو الضحى عن ابن عباس.
وقد روى قتادة: أنه دخل الجنَّة ضحوةً وأُخرجَ منها ما بين الظهر والعصر، وهو موافق لما روى أبو الضحى عن ابن عباس.
وقال ابن سعد: بإسناده عن ابن عباس قال: أُخرِجَ آدم من الجنة بين الصَّلاتين: صلاة الظهر وصلاة العصر، فأُنزِلَ إلى الأرض، وكان مكثهُ في الجنَّة نصف يوم من أيَّام الآخرة خمس مئة سنة من يوم كان مقداره ألف سنة ممَّا تعدُّون، وهو اثنتا عشرة ساعة (٣).
وقال ابن سعد بإسناده عن خالد الحذَّاء قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، آدم خلق للسَّماء أم للأرض؟ فقال: للأرض، قلت: أرأيتَ لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ فقال: للأرض خلق، فلم يكن له بدٌّ من أن يأكلَ منها (٤).
стр. 307
فصل في ذِكرِ ما أُهبِطَ معه من الجنَّة
ذكر الوالِبي عن ابن عباس قال: أُهبِطَ معه الورق الذي خَصفَه من الجنة فتحاتَّ فنبَت منه أنواع الطِّيب والثمار، ففي ذلك الوادي: العود والسنبل والقرنفل والطَّاووس والمسك. وقد ذكرناه في أوَّل الكتاب.
وقال مقاتل في "المبتدأ" له: نزل مع آدم صُرَّة فيها حنطة وثلاثون قضيبًا من الجنَّة، عشرة لها قشور وعشرة لها نوى، وعشرة لا قشور لها ولا نوى، فأمَّا التي لها القشور: فالجوز واللَّوز والفستق والبندق والخَشخاشُ والبلُّوط والشاه بلُّوط (١) والجوز الهندي والرُّمان والموز. وأمَّا التي لها نوى: فالخوخ والمِشمِشُ والإجَّاص والرُّطبُ والغُبَيراء والنَّبْق والزُّعرُور والعُنَّابُ والمُقْلُ والشاه لُوك (٢). وأما التي لا قشور لها ولا نوى فالتُّفَّاح والسَّفرجَل والعِنَبُ والكُمَّثْرَى والتُّوتُ والتِّين والأُتْرُجُّ والخَرُّوبُ والخِيَارُ والبِطِّيخُ (٣).
وكان أبو موسى يقول: زوَّد الله آدم من ثمار الجنَّة، فثماركم هذه منها (٤).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: كان آدم حين أُخرج من الجنَّة لا يمرُّ بشيء إلا عبث به، فقال الله للملائكة: دعُوه فليتزوَّد منها ما شاء، فأخذ من أوراقها ما أراد وقَدرَ عليه، فعبَقَت أرض الهند وجبالها وشجرها بريح الجنَّة (٥).
وقال قتادة: نزل معه الحجر الأسود، وكان أشدَّ بياضًا من الثلج، والركن والمقام، وهما ياقوتتان من ياقوت الجنة. ونزل معه عصا موسى، وكان من آس الجنة، طولها عشرة أذرع، ومرٌّ ولُبَان (٦).
стр. 308
وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا قال: لما أُهبِط آدم من الجنة حَزِنَ عليه كلُّ شيء في الجنَّة إلا الذهبَ والفضةَ، فأوحى الله إليهما: جاورَكُما عبدٌ من عبادي فحزِن عليه كلُ شيء إلا أنتما، فقالا: إلهنا، ما كنَّا لنحزنَ على من عصاك. فقال الله تعالى: وعزَّتي لأُعِزَّنكما في الدنيا فلا يُنال شيءٌ إلَّا بكما (١).
وقال الجوهري: الدِّينار أصله دِنَّار (٢) بالتشديد. قال: وأمَّا الدرهم ففارسيٌّ معرَّب (٣).
فصل في ما تجدد بعد نزوله من الحوادث
حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أُهبط آدم إلى الدنيا لم يكن فيها شيءٌ سوى حوتٍ ونسرٍ، فكان النسر يطير نهارًا، ثم يأوي في الليل إلى جانب البحر يستأنس بالحوت، فرأى النسرُ آدمَ فاستغربه، فقال للحوت: قد نزل إلى الأرض حيوان يمشي على قدميه ويبطُش بيديه، فقال الحوت: إن كنت صادقًا فما لي في البحر منه مهرب، ولا لك في البرِّ منه مذهب (٤).
وحكى الطبري وقال: جاع آدم فاستطعم ربَّه، فأتاه جبريل بسبع حبَّاتِ حنطة، فوضعها في يده، فقال: ما أصنع بها؟ فقال: ضعها في الأرض، فوضعها، فأنبتها الله من ساعته، ثم أمره فحصدها وفركها بيده، ثم ذرَّاها وأتاه بحجرين فطحن، وأتاه جبريل بنار، وخَبَزَهُ مَلَّةً، فآدم أول من خبز الملَّة (٥).
وروى سفيان بن عيينة بإسناده عن ابن عباس قال: لما نزل آدم إلى الأرض جاع فقال: يا ربِّ أطعمنِي فأوحى الله إليه دون أن تعمل عملًا يعرق منه جبينك فلا، فخبَزَ خُبْز الملّة.
стр. 309
وقال أبو صالح عن ابن عباس: لما رأى الله عري آدم وحوَّاء أمره أن يذبح كبشًا من الضَّأن من الأزواج الثمانية فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حوَّاء ونسجه آدم، فعمل منه جُبَّة لنفسه، ودِرعًا وخمارًا لحوَّاء (١)، وهو أول من حاك في الأرض وخاط.
ثم أنزل الله عليه الكَلْبَتَين والمِطْرَقة، وكانتا لا يقلهما أحد من الناس، فكان يكسر الأشجار بالمطرقة. وعَمِلَ التَّنور الذي وَرِثه نوح وفار الماء منه (٢).
وقال مجاهد: أتاه جبريل بالجَلَم فجزَّ الشاة وغزلت حواء صوفها، وحاكه آدم عباءتين فلبساهما، ثم جاءه جبريل بثورين فصمدهما، ثم زرع عليهما، ثم حصد ودرس، ثم ذرَّى ثم صفَّى، ثم طَحن وعَجن، ثم خَبز وأكل (٣).
وقال سعيد بن جبير: جاءه جبريل بثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، ويقول لحوَّاء: أنت عملت بي هذا. قال سعيد: فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلا ويقول: "حو" (٤). قال: فحينئذٍ قال آدم: هذا ما وعدني ربي من قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].
وقال قتادة: جاءه جبريل بنار فأخذها بيده فأحرقت يده فقال: يا جبريل احترقت يدي، ولم تحترق يدك، فقال: لأنَّ يدك خاطئة. قال: وجبريل جاءه بالمقدحة وغيرها.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لما أُهبِطَ آدم من جبل سَرَندِيب، وفقد كلام أهل السماء وتسبيحهم، ونظر إلى سعة الأرض، استوحش فقال: يا ربِّ، املأ هذه الأرض من يسبِّحك ويقدِّسك، فأوحى الله إليه قد استجبت دعاءك، وسأفعل ذلك (٥).
* * *
стр. 310
ومن الحوادث بكاؤه: حدثنا عبد الرحمن بنُ أبي حامد الحربي، بإسناده عن الحسن البصري قال: لما أُهبِطَ آدم من الجنة بكى ثلاث مئة عام لا يرفع إلى السماء رأسه حياءً من الله تعالى، ولا وضع يده على حوَّاء ولا ألِفَها ولا سكن إليها، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، قال فجاءه جبريل فقال: يا آدم ما هذا الجهد الذي بك؟ وما هذه البليَّة التي أجحفت بك؟ وما هذا البكاء؟ فقال: يا إلهي، كيف لا أجهد وأبكي وقد حوَّلتني من دار البقاء إلى دار الفناء، ومن دار النَّعيم إلى دار الشقاء، ومن دار الراحة إلى دار التعب والعناء؟
وفي رواية ابن أبي الدنيا (١) عن الحسن أيضًا قال: سجد آدم على جبل سرنديب ثلاث مئة عام يبكي حتى جرت الأنهار من دموعه، فأنبت الله منها أنواع الطِّيب بأرض سرنديب، واجتمعت الغدران من دمعه، فجاء نسر عظيم فشرب من غدير وجلس إليه، فأنِس به ولم يعلم أنها دموعه، فقال له النسر: من أين هذا الماء؟ ما أطيبه، ما ذقت ألذَّ منه. فازداد آدم بكاء وقال: أيها النسر أتسخر بي؟! قال: ولم؟ قال: هذا دمعُ مَن عصى ربَّه، فمن أين له الطِّيب؟ فقال له النَّسر: وأيُّ ماءٍ ألذُّ من دمع عاصٍ ذكر ذنبه، فوجل قلبه، فاستغفر ربه.
وحكى الثعلبي عن شهر بن حوشب: أنه أقام مئة سنة لم يقرب حوَّاء.
قرأت على شيخنا الإمام الموفَّق عبد الله بنِ أحمدَ المقدسيِّ رحمه الله تعالى بظاهر دمشق بقاسيون في سنة أربع وست مئة، قلت له: أخبركم أبو الفضل مسعود بن عبيد الله بن النَادر (٢) فأقرَّ به، قال: حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن الحسين بإسناده عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: لما أكل آدم من الشجرة تساقط عنه جميع ما كان عليه من زينة الجنَّة، فقال لحوَّاء: استعدِّي للخروج من جوار الرحمن، فهذا أوَّل شؤم المعصية، فقالت: يا آدم، ما ظننت أنَّ أحدًا يحلف بالله كاذبًا. ثم هرب آدم في الجنة فتعلقت به شجرة، فظنَّ أنَّه قد عوجل بالعقوبة، فجعل يقول: العفو العفو، فقال الله للملائكة: أَخرِجَا آدم وحوَّاء من جواري، فنزع جبريلُ التَّاجَ عن رأسه والإكليل عن جبينه، فلما هبط من دار
стр. 311
القدس إلى دار المسغبة، بكى على خطيئته مئة سنة، قد رمى برأسه على ركبتيه حتى نبت العشب من دموعه والأشجار، وامتلأت نُقَرُ الجَلاهم وأَقْعِبَتُها، ثم تاب عليه.
والنُّقَر: الحفر. والجُلاهم: جمع جُلْهُمة وهي جانب الوادي، وقوله: وأقعبتها، كذا وقعت هذه الرواية، والصواب: وقعبانها.
وقد أخرج الخطيب حديثًا في بكاء آدم فقال بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه عن رسول الله ﷺ : "لو وُزن دُموعُ آدمَ بجميعِ دموعِ ولدِه لرَجَحَ دُموعُه على الجميعِ" (١).
قال جدي ﵀ في "الأحاديث الواهية": في إسناده أحمد بن بشير، قال ابن معين: وهو متروك (٢).
وحكى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: بكى آدم على الجنة سبعين عامًا، وعلى خطيئته سبعين عامًا، وعلى ابنه هابيل حين قتل أربعين عامًا، وأقام بمكّة مئة عام (٣).
وذكر مقاتل بن سليمان في كتاب "المبتدأ" له قال: جاءه جبريل بعد أن بكى مئة سنة فقال له: يا آدم هذا بكاؤك (٤) لفراق الجنان، فأين بكاؤك لفراق الرحمن؟ فبكى مئتي سنة أخرى، فجرى من إحدى عينيه مثل الفرات، ومن الأخرى مثل دجلة.
* * *
ومن الحوادث قصد السباع والهوام إيَّاه: روى وهب بن منبِّه قال: لما نزل آدم إلى الأرض كان فيها سباع وهوام، فأتاهم إبليس فقال: قد نزل إليكم حيوان يقصد هلاككم فأهلكوه، فقصدوه من كلِّ جانب، فخاف وقال: يا إلهي اكفنيهم، فأوحى الله إليه: اختر منهم واحدًا يذبُّ عنك، فدعا الكلب ومسح على رأسه، فحمل عليهم فطردهم، فمن ثَمَّ يألف الكلب بني آدم ويحفظ عهدهم.
* * *
стр. 312
فصل ومن الحوادث توبته
قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] قال ابن عباس: معنى "تلقَّى": تلقن وحفظ وفهم.
واختلفوا في الكلمات على أقوال:
أحدها: أنها قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني: إن آدم قال. يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك. قال: ياربّ أرأيت إن تبتُ ورجعتُ أَراجعي أنت إليها؟ قال: نعم؛ فتاب عليه، قاله الحسن (١).
والثالث: أن آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيتُ به، أشيء ابتدعتُهُ أم شيء قدَّرتَهُ عليَّ ولم أبتدعه من تلقاء نفسي؟ قال: بل بتقديري عليك، فقال: يا ربِّ، فكما قدَّرتَه عليَّ فاغفر لي، فتاب عليه. قاله عبيد بن عمير (٢).
والرابع: أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فتُبْ عليَّ إنك أنت التوَّاب الرّحيم، فغفر له. قاله محمد بن كعب القُرَظي (٣).
والخامس: أنه نظر إلى ساق العرش فرأى عليه مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال: يا ربِّ، بحقِّ محمد اغفر لي فغفر له، قاله الربيع بن أنس (٤).
والسادس: أنه رأى على ساق العرش مكتوبًا: محمد رسول الله، علي بن أبي طالب، الحسن والحسين، فاطمة. حكاه زيد بن أسلم عن أبيه، وفيه: فقال: يا ربِّ،
стр. 313
بحرمة هذه الأشباح اغفر لي.
والسابع: أنه رأى على ساق العرش مكتوبًا، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق. حكاه الثعلبي بإسناده إلى عليّ كرّم الله وجهه.
والثامن: سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين، قاله وهب.
وروى ابن أبي الدُّنيا (١) بإسناده عن وهب بن منبه قال: أقام آدم على حاله زمانًا، فاطَّلع الله عليه فرآه حزينًا كئيبًا، فأوحى إليه: ما الذي بك؟ فقال: إلهي عظمَتْ مصيبتي، وأحاطت بي خطيئتي، وأخرجت من ملكوت السماء، فأصبحتُ في دار الهوان بعد الكرامة، والشقاء بعد السعادة، والنَّصَب بعد الخفض والدعة، والظَّعْن بعد القرار والطمأنينة، ودار الذلِّ بعد العزِّ. فقال الله: ألم أصطنِعْكَ لنفسي وأُحلَّك في دارَ كرامتي وأُسجدْ لك ملائكتي، ونفخت فيك من روحي، فعصيت أمري، وضيَّعت عهدي، وخالفت وصيَّتي، ولم تشكر نعمتي، وعزَّتي وجلالي لو ملأت الأرض رجالًا مثلك يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين. وإني قد رحمتُ ضعفك وتضرُّعك، وأقلتك عثرتك، وقبلتُ توبتك، فغفرتُ زلَّتك. فألهمه الله أن قال: سبحانك إني كنت من الظالمين. قال وهب: فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
وذكر جدي ﵀ في كتاب "التبصرة" عن وهب بن منبه: أنه سجد على جبل الهند مئة عام يبكي حتى جرت دموعه في وادي سرنديب، فأنبت الله من دموعه الدّارصيني والقَرَنْفُل. وذكر بمعنى ما تقدَّم، ثم قال: فجاءه جبريل فقال: ارفعْ رأسك فقد غفر لك، فرفع رأسه وأتى الكعبة فطاف أسبوعًا فما أتمه حتى خاض في دموعه (٢).
ولما تاب عليه أمره بالمسير إلى مكّة فأتى إلى البيت فطاف به، وصلى عند المقام ركعتين. ومعنى عند المقام، أي: موضع المقام.
فإن قيل: فلم يكن هناك بيت، فالجواب: إنَّ أهل السِّير قد اختلفوا في بنائه:
فروى عكرمة عن ابن عباس: أنَّ الملائكة لما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
стр. 314
خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] أرسل الله عليهم نارًا فأحرقت منهم عشرة آلاف، وبقي رؤساؤهم، فقالوا: يا ربَّنا، كيف نصنع حتى ترضى عنَّا؟ فقال: ابنوا لي في الأرض بيتًا، وطوفوا حوله كما تطوفون حول عرشي، ففعلوا فرضي عنهم. قال جعفر بن محمد الصادق ﵁: فمن ثَمَّ أصل الطواف.
وروى سعيد بن المسيِّب عن ابن عباس: أن آدم بناه وكان موضعه ربوة حمراء، فأوحى الله إلى آدم: طُفْ بها، فطاف بها، قال: وكان آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فأوحى الله إليه: ابنِ هذه الربوة الحمراء بيتًا، فمنها وضعت الدنيا، وطف بها كما رأيت الملائكة تطوف بعرشي، فبناه.
وقد رواه أبو صالح أيضًا عن ابن عباس، وروى مجاهد عنه: أن الله تعالى بناه من غير بناء أحد.
والظاهر أنَّ آدم بناه، وكان ربوة حمراء، وكان قد نزل معه من الجنَّة ياقوتة، فوضعها فيه، وكان جبريل يأتيه بالحجارة من حراء، وطور سينا، وطور زيتا، والجودي وغير ذلك، وهو يبني. وسنذكره عند بناء الخليل ﵇ البيت.
وقال عطاء: لما جاء آدم من الهند ماشيًا صار ما بين قدميه مفاوز، وموضع القدمين عمائر. ثم رجع إلى الهند، واتخذ مغارة فكان يأوي إليها، وكان قد اجتمع بحوَّاء في عرفات فتعارفا فأخذها معه إلى الهند.
ومن الحوادث: مسحُ ظهر آدم وإخراج الذرِّيَّة منه
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "أخَذَ الله الميثاقَ من ظهرِ آدمَ بأرضِ نَعْمَان -يعني أرضَ عرفة- فأخرج من صُلبهِ كلَّ ذرِّيَّة ذَرَأها فنَثَرها بينَ يدَيهِ كالذَّرِّ، ثم كلَّمَهم قِبَلًا، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] " (١) ومعنى "قِبَلًا" أي: عيانًا.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .
стр. 315
"إنَّ الله خَلَقَ آدمَ ومسَحَ ظَهرَه بيَمِينِه فاستَخرَجَ منه ذُرِّيَّة، فقال: خَلَقتُ هؤلاءِ للجنَّةِ، وبعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ يَعمَلُون، واستخرج ذرِّيَّة، وقال: خَلَقتُ هؤلاءِ للنَّارِ، وبعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعمَلُون" فقال رجل: ففيمَ العملُ يا رسول الله؟ فقال: "إنَّ الله إذا خَلَقَ العبدَ للجنَّةِ استعمَلَه بعملِ أهلِ الجنَّة، [حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهلِ الجنَّة] فيُدخِلَه به الجنَّة، وإذا خَلَق العبدَ للنَّارِ استَعمَلَه بعملِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على ذلك، فيُدخِلَه النَّارَ" (١).
وقال أحمد بإسناده عن أبي الدَّرداء عن النبي ﷺ قال: "خَلَقَ الله آدمَ حينَ خَلَقَه فَضَربَ كتِفَه اليُمنى فأخرجَ ذرِّيَّةً بَيضاءَ كأنَّهم الذَّرُّ، وضَرَبَ كتِفَه اليُسرى فأخْرَجَ ذرِّيَّة سَودَاءَ كأنَّهم الحُمَمُ، فقَال للَّذي في يمينهِ: إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وقال: للَّذي في كَفِّه اليُسرى إلى النَّارِ ولا أُبَالِي" (٢).
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبيِّ بن كعب بمعناه. وفيه: وأَشهَدَ عليهم السَّماواتِ والأرضَ وآدمَ (٣).
ورواه الحسن البصري عن أنس، وفيه: فأخرج من ظهره ذريّة فقال: هؤلاء في الجنّة ولا أُبالي، ثم أخرج ذريّة أخرى فقال: هؤلاء في النّار ولا أبالي، فقيل: يا أبا سعيد لا أُبالي بمن؟ فقال: لا تنفعه طاعة هؤلاء ولا تضره معصية هؤلاء.
وروى السُّدي عن أشياخه قالوا: أخرج الله من ظهره من الجانب الأيمن ذريّة بيضاء مثل اللؤلؤ، وقال لهم: ادخلوا الجنّة برحمتي، وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذريّة سوداء وقال لهم: ادخلوا النّار ولا أبالي. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧] الآية، ثم قال لهم الله: اعلموا أني إلهكم لا إله لكم غيري، فلا تشركوا بي شيئًا، وأني مرسل إليكم رسلًا يذكرونكم بعهدي وميثاقي، وأني مُنزل عليكم كُتُبًا، فنطقوا وقالوا: شهدنا بأنَّك ربَّنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيرك، ولا إله سواك، فأَقرُّوا كلهم طائعين غير مكرهين، فأخذ مواثيقهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ونوائبهم وأفراحهم وما يكون منهم، فلا تقوم الساعة حتى يولد كلُّ من أخذ ميثاقه، لا
стр. 316
يزاد فيهم ولا ينقص (١).
وقال مقاتل: أقرَّت طائفة منهم على وجه التقيَّة، قال: وركَّب الله فيهم العلم فخاطبوه وخاطبهم.
وقال السُّدي: نظر إليهم آدم فرآهم متفاوتين، منهم الغني والفقير، والحسن الصورة والقبيح، فقال: يا ربِّ، هلَّا سوَّيت بينهم؟ فقال: إني أحببت أن أُشكر.
وقال مقاتل في "المبتدأ": رأى آدم نور بعضهم كنور الشمس، وهم المرسلون، وبعضهم كنور القمر، وهم النبيُّون، وبعضهم كالنجوم، وهم الصِّدِّيقون، وبعضهم كالشمع، وهم الأولياء، وبعضهم كالسرج وهم العلماء، وبعضهم مرضى وأصحاء، فقال: يا ربِّ، لم لم تسوِّ بينهم؟ فقال: لو تركتهم على حالة واحدة لم تعرف المراتب، فقال: يا ربِّ (٢)، هلَّا خلقتهم صحاحًا؟ فقال: لو خلقتهم صحاحًا لما عرفوا قدر الصحة، ولو خلقتهم كلهم مؤمنين لما عرفوا قدر الإيمان، فقال: يا ربِّ، وأيُّ أرض تتسع لهؤلاء أو لهذه الذريَّة العظيمة؟ فقال: إني أقسمهم أربعة أقسام، قسم في الأصلاب، وقسم في الأرحام، وقسم على وجه الأرض، وقسم في بطنها، فقال: يا ربِّ، كيف يهنيهم عيش بعدما يعاين بعضهم دفن بعض؟ فقال: أركِّب فيهم الغفلة حتى لو دَفَن الواحدُ عشرة من أهل بيته وأقاربه لا يتأثَّر إلا في تلك الساعة.
وقال مقاتل أيضًا في "المبتدأ": وخلق الله النِّساء، فجعل الجميلات في أسفل تلِّ، والدَّميمات في أعلاه، ثم قال للرِّجال: خذوهن، فظنَّ الأقوياء أنَّ اللاتي في أعلى التلِّ هن الجميلات، فبادروا إليهنَّ، فأخذوا الدَّميمات، ووقع في قسم الضعفاء الجميلات. قال: ولهذا إنَّ كل من كان أضعف كانت امرأته في الغالب أحسن.
وقال مقاتل: جعل الله الذرَّ قسمين: قسم عن يمين العرش، وقال: هؤلاء للجنَّة، وقسم عن شماله، وقال: هؤلاء للنار.
قال الحسن البصري: كان عقل آدم في تلك الحال مثل عقل جميع أولاده (٣).
стр. 317
واختلفوا في أي مكان أخذ عليهم الميثاق على أقوال:
أحدها: بأرض نَعمَان: وادٍ إلى جانب عرفة، قاله ابن عباس (١)، قال: ولذلك سميت عرفة، إمَّا لأنهم عرفوا ربَّهم هناك، وإمَّا لأنهم عرف بعضهم بعضًا.
والثاني: بين مكة والطائف، قاله الكلبي.
والثالث: بالدَّهنَاء -موضع بالهند- وفيه أُهبِطَ آدم، وهو رواية ابن عباس.
والرابع: بدَحْنا (٢).
وحكى الطبري عن السُّديِّ: أنَّ الله أخرج ذريَّة آدم في السماء قبل أن يَهبط إلى الأرض، وبعد أن أخرجه من الجنَّة (٣).
والأوَّل أصحُّ، لأنَّ حديث ابن عباس قد نصَّ عليه (٤).
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]:
قال الفراء: هو سؤال تقرير. فإن قيل: فلو قالوا: نعم، هل يكون إقرارًا؟ فالجواب: لو قالوا: "نعم" لكفروا، لأنه يكون جحدًا، وذلك لأنَّ "نعم" جوابُ التصديق، وبلى جواب التحقيق، فإذا قالوا: "نعم" صار معناه: لستَ ربنا، ألا ترى أنه لو قال رجل لآخر: أليس لي عندك وديعة؟ فقال: بلى، يثبت حقه، ولو قال: نعم، لم يثبت، لأنه يكون جحدًا، مثل قول: لا.
واختلفوا في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]:
فقال السُّدي: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم.
وقال مقاتل: هو خبر عن إقرار بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض.
ومعنى ﴿تَقُولُوا﴾ أي: لئلَّا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عن الميثاق والإقرار.
стр. 318
وما أحسنَ ما قال ذو النون المصري، حين قيل له: أين أنت عن يوم ألَستُ؟ فقال: كأنَه الآن في أذني، وما أراد به سماع الصوت، وإنما أراد به تحقيقَ الإيمان والإقرار.
وسئل بعضهم عن أحوال الذرِّيَّة في يوم الميثاق، وأنهم كلهم اعترفوا، فكيف خرج بعضهم إلى الجحد؟ فقال: كلهم قالوا بلى، ولكن عمَّ بعضهم البلاء للقضاء السَّابق.
وفي هذا الوقت الذي أخرج الله ذرِّيَّة آدم رأى نورَ داود.
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدَّين قال النبي ﷺ : "أَوَّلُ مَن جَحدَ آدمُ، وذَلكَ لأنَّ الله لما مَسَحَ ظَهرَ آدمَ وأَخرَجَ ما هو ذَارئٌ إلى يَومِ القيَامةِ، فَجَعلَ يَعرِضُ ذرِّيَّته، فرأى رجلًا يَزهَر، فقال: يا ربِّ، مَن هذا؟ فقال: ابنُكَ داودُ، فقال: يا ربِّ، زِد في عُمرِهِ، فقال: لا إلَّا أن تَزيده من عُمرِكَ، وكان عُمرُ آدمَ ألفَ سنةٍ فزادَه أربعين سنة، فكتَبَ الله بِذلِكَ كِتَابًا وأَشهَدَ عليه الملائِكَةَ، فلمَّا احتضَرَ جاءَهُ ملكُ الموتِ فقال: قد بقِيَ لي من عُمري أربَعونَ سنةً، فقال: قد وهبتَها لداودَ، فقال: ما وَهبتُ فأَبرَزَ اللهُ الكِتابَ والشَّهادةَ". وفي رواية: "أتتهُ الملائكةُ" (١).
قال رسول الله ﷺ : "جَحدَ آدمُ فَجَحدَت ذُريَّته" (٢) قال ابن عباس: فمن ثَمَّ اتُخِذَت الصِّكَاكُ (٣) والشهادات.
وقد أخرجه محمد بن سعد في "الطبقات"، وذكر إسناده كما ذكرنا، وزاد فيه: "فَأَكمَلَ الله لآدم ألفَ سنةٍ، ولداودَ مئةَ سنةٍ" (٤).
قال جدي ﵀ في "المنتظم": الحديث محمولٌ على أنَّ آدم نسي لطول المدَّة، لا أنَّه كان ذاكرًا لذلك ثم جحد، لأنه يكون كذبًا، والأنبياء منزَّهون عن الكذب (٥).
قلت: إلا أنَّ النبي ﷺ نصَّ على أنه جحد، والجحد يحتمل أن يكون معه نسيان ويحتمل أن لا يكون، فإن كان معه نسيان، فهو معذور، وإن لم يكن، فيحتمل أنَّ الله
стр. 319
ألهمه أن يكمل له ألف سنة ويتم لداود مئة ولا ينقص من ملكه شيء.
فإن قيل: فلمَ رأى نور داود ولم ير نور محمد ﷺ ، وكان نوره أبهى من نور داود؟ قلنا: لما قضي في السَّابق أنَّ داود يوافقه في العصيان (١)، لُفِّقَت بينهما مجانسة الذَّنب في ذلك المكان، أمَّا محمد ﷺ فإنَّه قد شاهد نورَهُ على ساق العرش، فسأل الله به وتوسل إليه، فرحمه وتاب عليه.
ومن الحوادث ما ذكره مقاتل في "المبتدأ" قال: لما نزل آدم إلى الأرض اسوَدَّ جلده من حرارة الشمس، ويبس من البرد، فأوحى الله إليه: هذا بشؤم معصيتك، فَصُمْ ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وهي أيام البيض، فصامها فابيضَّ لونه.
وقال مقاتل أيضًا: لمَّا جنَّ عليه الليل استوحش، فلمَّا طلع الفجر ألهمه الله أن صلِّ ركعتين صلاة الصبح شكرًا لله تعالى. فآدم أول من صلَّاها.
قال: وصلى إبراهيم الظهر أربعًا لما فدي ولده بالكبش، وكان وقت الظهر، وصلَّى يونس العصر لما خرج من بطن الحوت. ولما ادَّعت النصارى التثليث صلَّى عيسى المغربَ ثلاثًا: ركعتين عن نفسه، وركعة عمَّن آمن به. وصلى موسى العشاء أربعة ليلةَ الطُّور لما كلَّمه الله تعالى.
قلت: والأصحُّ أنَّ الصلوات الخمس إنَّما صلَّاها رسول الله ﷺ ، ورتَّبها على هذا الوجه، وروايات مقاتل فيها مقال معروف.
فصل في نبوَّة آدم ﵇
قال ابن سعد عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الأنبياءِ أوَّلُ؟ قال: "آدَمُ" قُلتُ: أَوَنَبِيًّا كان؟ قال: "نعم، نَبيٌّ مُكَلَّم" (٢).
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة، أملاها عليه جبريل، وكتبها آدم بخطِّه بالسُّريانيَّة، وكانت لغته في الجنة العربية، فلما عصى وأهبط إلى الأرض تكلَّم بالسُّريانيَّة (٣). قال: وفرض عليه في اليوم والليلة خمسين ركعة،
стр. 320
وحرَّم عليه الميتة والدَّم ولحمَ الخنزير والبغي والظلم والغدر والكذب والزنا.
وذكر أبو جعفر الطبري وقال: أول ما أنزل عليه حروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوَّل كتاب كان في الدنيا (١).
وذكر أبو إسحاق الثعلبي في أول سورة الرحمن عن ابن عباس قال: كان آدم يتكلَّم بسبع مئة ألف لغة، أفضلها العربيَّة، قالوا: ولو قال: بسبع مئة لغة احتمل، أمَّا بسبع مئة ألف، فهذا ممَّا لا توافقه عليه العقول السليمة.
فصل
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وقد جاع وعري، فالجواب: أنه ما جاع وعري في الجنَّة، وإنما كان ذلك في الدُّنيا. والظَّمأ هو العطش ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: تبرز للشمس، والجنَّة ما فيها شمس فيؤذيه حرُّها.
فإن قيل: فهما اثنان، فهلَّا قال: أن لا تجوعا، قلنا: غلب المذكَّر على المؤنَّث، لأنَّ نعت آدم كان أكثر، وكذا قوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] كان من حقِّه أن يقول: فتشقيا.
فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قلنا: معناه أخطأ وضلَّ ولم ينل مراده، لأنه خالف، والعصيان خلاف الطَّاعة ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢] أي: هداه للتَّوبة، وفَّقه لها.
فإن قيل: فهل يجوز إخراج الضَّيف من دار المضيف؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: نعم، إذا ترك الأدب وطمع فيما لا يجوز له.
والثاني: لأنه كان في صلبه الأنبياء والعلماء والأولياء، والجنَّة ليست بدار توالد.
والثالث: لولا نزوله ما تصاعدت صعداء الأنفاس، ولا نزلت رسائل، هل من سائل؟