ذكر خلافته:
اتّفق علماءُ السِّيَر على أنَّه وَلي الخلافة في ذي الحجَّة سنةَ خمسٍ وثلاثين في الأصح، وإنَّما اختلفوا في أيِّ يوم بُويع فيه على أقوال؛ أحدها: يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحِجَّة، قاله ابن الكلبي، وحكاه الطبري عن سيف بن عمر عن أشياخه.
والثاني: يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، رواه أبو بكر بن أبي الدُّنيا عن أشياخه.
والثالث: يوم السبت صَبيحةَ اليوم الذي قتل فيه عثمان، قاله الواقدي.
والرابع: يوم الأحد لثلاث عشرة أو ثمان عشرة بقين من ذي الحجة.
والأصح ما ذكره الواقدي، فإن ابن سعد قال في "الطبقات" (١): قُتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة ليلةً من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وبُويع لعلي في الغد من اليوم الذي قُتل فيه عثمان.
وروى سيف عن أشياخه: محمد بن عبد الله بن سَواد، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة قالوا: بقيت المدينةُ شاغِرةً خمسةَ أيَّام من إمام، وأميرُها الغافقي بن حرب، وهم يلتمسون مَن يُجيبُهم إلى القيام بالأمر فلا يَجدونه، فأتى المصريون عليًّا، فاختبأ منهم، وخرج إلى ظاهر المدينة، ولاذ بحيطانها، وتبرَّأ منهم، وتبعه المصريّون فلم يَقدروا عليه. وطلب الكوفيون الزّبير فتباعد منهم، وطلب البصريّون طلحة فتبرَّأ منهم، فعدلوا عن الثلاثة، وبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: أنت من أهل الشُّورى، فأقبلْ نُبايعك، فرأيُنا قد اجتمع عليك، فبعث إليهم: قد خرجتُ أنا وابنُ عمي منها فلا حاجة لي فيها، ثم تمثَّل وقال: [من البسيط]
لا تخلِطنَّ خبيثاتٍ بطيِّبةٍ … واخلع ثيابَك منها وانجُ عُريانا
قال سيف: ولما عرضوها على طلحة قال: [من الطَّويل]
ومن عَجَبِ الأيَّام والدهرِ أنني … بَقيتُ وحيدًا لا أُمِرُّ ولا أُحلي
стр. 2557
فتركوه وقالوا: إنك لتُوعِدنا، ثم لقوا الزُّبير فعرضوها عليه فأنشد: [من الطَّويل]
متى أنت عن دار بفَيحانَ راحلٌ … وباحتِها تَخنو عليك الكتائبُ
فقالوا: إنك لتُوعِدنا، فلقوا عليًّا، فعرضوها عليه فتمثل: [من الطَّويل]
ولو أن قومي طاوَعَتْني سَراتُهم … أمرتُهمُ أمرًا يُديخُ الأعاديا
فقالوا: إنك تُوعدنا، ووالله لئن لم تفعل لنُلحقَنَّك بعثمان.
وقال سيف: لَقوا عبد الله بن عمر فعرضوها عليه، فقال: إن لهذا الأمر انتقاضًا، فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يَدرون ما يَصنعون، فقالوا: يا أهل المدينة، قد أجَّلناكم يومَكم هذا، فوالله لئن لم تتَفقوا اليوم على أحدٍ لنقتُلَنَّ عليًّا وطلحة والزبير وأُناسًا كثيرًا، فأقبل النَّاسُ على عليٍّ وقالوا: قد ترى ما نزل بالإسلام، فهلُمَّ لنُبايعك، فامتنع.
وقال الطبري (١): اجتمعت الصحابةُ إلى علي، وسألوه أن يَليَ أمرَهم، فأبى وقال: لأنَّ أكونَ وزيرًا خيرٌ من أن أكونَ أميرًا، ولا حاجةَ لي في أمركم، أنا معكم، مَن اخترتُم رضيتُ به، ثم دخل حائط عمرو بن مَبْذول، وأغلق الباب، فتسوَّروا عليه الحائط، وبايعوه وقالوا: لا نُريد سواك.
وحكى داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: لما قُتل عثمان أتى النَّاسُ عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا: ابسُطْ يدَك نُبايعْك، فقال: لا تَعجَلوا، فإن عمر كان رجلًا مُبارَكًا، وقد أوصى بها شُورى، فأمهِلوا حتَّى يجتمع النَّاسُ عليّ ويتشاورون، فرجع النَّاس عنه، ثم قال بعضُهم لبعض: إن رجع النَّاسُ إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يَقُمْ إمام، لم نَأمَن اختلافَ الأمَّةِ وفسادَها، فعادوا إلى على، فقبض الأشترُ على يده، فقبضها عليٌّ وقال: أبعد ثلاثة! فقال له: والله لئن تركتَها اليوم لتعْصِرنَّ عينيك عليها حينًا، فبايعه العامّة، قال: وأهل الكوفة يقولون: أوَّلُ مَن بايعه الأشتر.
وروى سيف بن عمر عن أشياخه: محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما
стр. 2558
كان يوم الخميس على خمسة أيَّام من مقتل عثمان؛ هرب من بني أميَّة مَن أطاق الهرب إلى مكّة، فيهم مروان وسعيد وغيرهما، فقالوا أهلُ مصر لأهل المدينة: أنتم أهل الشورى، وأنتم تَعقدون الإمامة، وأمرُكم جائز على الأمة، فانظروا رجلًا تُنصّبونه، ونحن لكم تَبع، فقال الجمهور: نحن بعليٍّ راضون، فبايعوه.
وقال هشام: وقد قيل إن الزُّبير لم يُبايع، وليس كما زعموا بل بايع.
وقال سيف: حدثني محمد بن قيس، عن الحارث الوالِبيّ قال: جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتَّى بايع؛ فكان الزُّبير يقول: جاءني لُصوص عبد القيس فبايعتُ واللّجُّ على عُنقي، يعني السيف.
وحكى الطبري أيضًا عن عمر بن شَبَّة بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنتُ مع أبي حين قُتل عثمان، فأتاه أصحابُ النَّبيِّ ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بدَّ للناس من إمام، ولا نَجدُ أحدًا اليوم أحقَّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدمَ سابقةٌ، ولا أقربَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: لا تفعلوا، فقالوا: والله ما نحن بفاعِلين حتى نُبايعَك، قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون إلَّا عن رِضى المسلمين، فدخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم تتابع النَّاس (١).
وقال في "نهج البلاغة": إن عليًّا كرّم الله وَجهه قال لهم: دَعوني والتمسوا غيري، فإنا مُستقبلون أمرًا له وجوه، وأسبابًا لا تقوم لها القلوب، ولا تثبتُ علها [العقول]، إن الآفاق قد أغامت، والمحجَّة قد تنكَّرتْ، وإني [إن] أحببتُكم ركبتُ بكم ما أعلم، ولم أُصغِ إلى قولِ قائلٍ، وعيبِ عائب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعُكم وأطوعُكم لمن تُولُّونه أمرَكم، وأنا لكم وزيرٌ خيرٌ مني لكم أمير (٢).
قال الجوهري: يقال غامت السماء وأغامت؛ أي: تغيَّمت (٣)، ومعناه: أن الآفاق قد أظلمت بالفِتَن.
واختلفوا في أول من بايعه؛ فقال الواقدي: أول مَن بايعه طلحة بن عُبيد الله
стр. 2559
التَّيميُّ، وكان أشلّ، شلَّت يدُه يومَ أُحد، فنظر إليه حَبيب بن ذُؤيب، وقيل قَبيصة بن ذؤيب فقال: إنا لله، يدٌ شَلاء، أمرٌ لا يَتمّ.
وقال ابن أبي الدنيا: بايعه النَّاس في دار عمَرو بن مِحصن الأنصاري ثم بويع البيعةَ العامة في المسجد.
وقال الهيثم عن الشعبي: لما جاء النَّاسُ أرسالًا إلى عليّ امتنع من البيعة، فأخذ الأَشتر بيده وقال: اقبل، قال علي: أبعد ثلاثة!؟ لا حاجةَ لي فيها، فقال الأشتر: والله لئن تركتَها اليوم لتَعصِرَنّ عليها عينيك غدًا، ثم بايعه فهو أول مَن بايع وبايعه النَّاس.
وروي أن عمارًا أوّلُ مَن بايَعه، فقال البلاذري: قُتل عثمان وعلي بأرضٍ يقال لها البُغَيبغة؛ فوق المدينة بأربعة فَراسخ، فلما أُخبر أقبل نحو المدينة، فلقيه عمار بن ياسر فقال: مُدَّ يدك، فهو أول من بايعه.
ذكر من تخلَّف عن بيعته:
قال هشام: بايعه أعيانُ المهاجرين والأنصار، وعامّة الصّحابة: طلحة، والزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وعمار بن ياسر، وسَهْل بن حُنَيف، وأبو أيّوب الأنصاري، وخُزَيمة بن ثابت، ومعظم أهل بدر وبيعة الرضوان، وامتنع من بيعته: حسَّان بن ثابت الشاعر، وكان عثمان قد أعطاه مالًا طائلًا، يزيد بن ثابت، وكان عثمان قد أعطاه مئة ألف درهم، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وصُهَيب، ورافع بن خَديج، وعبد الله بن سلام، والنعمان بن بشير، وقُدامة بن مَظعون، وكعب بن مالك، وفَضالة بن عُبيد، وكعب بن عُجرة، قال: وكانوا خمسة عشر، ولم يمتنع من البيعة غيرهم، وهؤلاء يُسمّون العثمانية.
قلت: وذكر ابن سعد في "الطبقات" (١) مَن سَمَّينا وقال: بايعه سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مَسلمة، يزيد بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم.
стр. 2560
وقال هشام وسيف وغيرهما: لما جيء يهؤلاء إلى المسجد ليُبايعوا بدؤوا بطلحة والزبير، فقيل لهما: بايعا، فقالا: نحن أول مَن بايع طوعًا.
وقال الطبري عن الزُّهريّ: تَلَكَّأا، فسَلَّ الأشترُ سيفَه وقال: بايعا وإلا ضربتُ عُنقكما، فقال طلحة: وأين المذهب عنه؟! فقال لهما علي: إذ أحببتُما بايعتُكما، قالا: لا بل أنت أولى، فبايعاه، ثم طلبا منه أن يكونا على بيت المال فامتنع علي، فقالا: ما لنا في هذا الأمر إلَّا كلَحْسَةِ الكنبِ أنفَه، وكانا لما قُتل عثمان أخذا مفتاح بيت المال، فلما لم يولّهما علي إياه قالا: بايعناه خشيةً على أنفُسِنا (١).
وقيل إن طلحة قال لعلي: أمِّرني على البصرة، وقال الزُّبير: أمِّرني على الكوفة، فقال: لا بل أَقيما عندي أتحمَّل بكما.
قال هشام -وقد حكاه الطبري- وجيء بسعد بن أبي وقاص فقالوا له: بايع، فقال: إذا بايع كافّة النَّاس بايعتُ، وفي رواية الطبري: فقال علي لسعد: بايع، فقال: لا حتَّى يبايع النَّاس فما عليك مني بَأسٌ، فقال الأشتر لعلي: دَعْني أضرب عُنُقَه، فقال له علي: دَعْه فأنا حَميلُه أي: كفيلُه، وقال علي لسعد: إنك ما علمت سيِّء الخُلُق صغيرًا وكبيرًا (٢).
وجيءَ بعبد الله بن عمر، فقيل له: بايع فامتنع، فلبَّبه الأشتر وأراد قتلَه، فمنعه علي.
قال الزُّهريّ: والعجب لابن عمر: تَمنّع من بيعة علي ويُبايع ليزيد بن معاوية ولعبد الملك بن مروان.
قال: وجيءَ بأسامة بن زيد، فقيل له: بايع فاعتذر بقتل الرجل الذي قتله في السّرية وقال: لا أقاتُل من قال لا إله إلَّا الله على الدُّنيا، وإن ممَّا عَهد إليّ رسول الله ﷺ أن أُجاهدَ معكم الكفار، أما إذا قاتل بعضكم بعضًا كسرتُ سيفي، واتخذتُ سيفًا من خَشَب.
وقيل لزيد بن ثابت: بايع، فقال: قد كان بيننا مَودَّة، ولكن لا مُواساةَ في النَّار،
стр. 2561
وقيل لمحمد بن مسلمة: بايع، فامتنع.
وقد أخرج أحمد في "المسند" قصةَ محمد بن مسلمة من طريقين؛ أحدهما:
قال أحمد بإسناده عن الحسن بن علي قال: لما بُويع أميرُ المؤمنين بعث إلى محمد بن مَسلمة، فجيءَ به، فقال له علي: ما خَلَّفك عن هذا الأمر؟ قال: دفع إليّ ابنُ عمك -يعني النَّبيُّ ﷺ سيفًا وقال: "قاتلْ به ما قوتل العدوّ، فإذا رأيتَ النَّاسَ يضربُ بعضُهم بعضًا، فاعْمِد به صخرةً فاضرِبْه بها، ثم الزم بيتَك حتَّى تأتيك مَنِيَّةٌ قاضِيَةٌ، أو يَدٌ خاطئة"، فقال علي: خلُّوا عنه (١).
الطَّريق الثَّاني: قال أحمد بإسناده، عن علي بن زيد، عن أبي بُردة قال: مررتُ بالرَّبَذَة، فإذا فُسْطاط مَضروب، فقلت: لمن هذا؟ قيل: لمحمد بن مَسلمة، فاستأذنتُ عليه، فأَذِن لي، فدخلتُ عليه فقلتُ: رحمك الله، إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجتَ إلى النَّاس فأمرتَ ونهيتَ، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ستكون فِتنةٌ وفُرقَةٌ واختلاف، فإذا كان كذلك، فأتِ بسيفك أُحُدًا فاضربْ به عُرضَه، واكسِرْ نَبْلَك، واقطَعْ وَتَرك، واجلِسْ في بيتك" فقد كان ذلك، وفعلتُ ما أمرني به رسول الله ﷺ ، ثم استَنْزلَ سيفًا كان مُعَلَّقًا بعَمود فُسطاطه فاخترَطَه، وإذا سيفٌ من خَشَب، قال: فقد فعلتُ ما أمَرني رسول الله ﷺ واتخذتُ هذا أُرْهِبُ به النَّاس (٢).
وذكر المسعودي في تاريخه (٣) أن جماعة من بني أميَّة ممن تخلَّف عن بيعة علي ﵇؛ منهم: مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عُقبة جاؤوا إلى علي، فقال له الوليد: إنا لم نتَخلَّف عن بيعتك رغبةً عنك، ولكنّك قتلت أبي، وجَلَدْتَني حَدًّا، وقال سعيد بن العاص: قتلتَ أبي، وقال مروان: شَتمتَني، ولعنتَ أبي، وعِبتَ على عثمان تقريبَه إياي، ثم بايعوه.
قلت: وقد وهم المسعودي، فإن هؤلاء المذكورين لما قُتل عثمان هربوا إلى مكّة، وكانت عائشة بها، فاتّفقوا على ما اتفقوا عليه، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 2562
ذكر أوَّل خطبةٍ خطبها أمير المؤمنين:
قال هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما بويع علي ﵇ صَعِد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: يا أيها النَّاس، إن الله أنزل كتابًا هاديًا؛ بيَّنَ فيه الخير والشر، فخُذوا بالخير، ودَعوا الشرّ، وامتَثِلوا الأوامر تُؤدّيكم إلى الجنة، واجتنبوا النّواهي لئلا تُؤذيكم إلى النَّار.
ذكر أول ما بدأ به بعد البيعة:
قال هشام ومَن سمَّينا، ورواه سيف بن عمر، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن عليّ بن الحسين، دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما استقرَّت له البيعةُ اجتمع إليه المهاجرون والأنصار وقالوا: إن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل، يعنون عثمان، فماذا ترى؟ فقال: يا إخوتي، لستُ أجهل ما قلتُم، ولكن كيف أمتنعُ بقومٍ يَملكوننا ولا نَملكُهم، وقد ثار معهم أعداؤكم وعُبدانكم، وثابت إليهم الأعرابُ من كلِّ أُفُقٍ، وهم خِلالكم يَسومونكم ما شاؤوا، فهل تَرون مَوضعًا للقُدرة على شيءٍ ممَّا تُريدون؟ قالوا: لا، قال: فالصَّبرَ الصَّبر؛ حتَّى تهدأ النَّاس، ويتفَرّقوا عنهم، وننظر ما يكون، قالوا: نعم، ثم أمر مُنادِيه فنادى: بَرئت الذمَّةُ من الأعراب الذين بالمدينة إن لم يَخرجوا إلى مياههم، ومن عبدٍ لا يَرجع إلى مواليه، فتَذَمَّرت السَّبَئيَّةُ، وخرجت الأعرابُ إلى مياهها، ورجعت العبيدُ إلى مَواليها، فدعى عليّ طلحة والزبير وأعيانَ الصّحابة، وقال: دونكم الآن وعَدُوّكم فخذوا ثأرَكم، فتقاعدوا وخافوا، فأنشد: [من الطويل]
ولو أنّ قومي طاوَعَتْني سَراتُهم (١)
وقال له طلحة: دَعْني آت البصرة، فلا أَفجؤك إلَّا بالخيل، وقال له الزُّبير: دعني آت الكوفة فلا أفجؤك إلَّا بالخيل، فقال: الأناةَ الأناة حتَّى أنظرَ في أمري.
стр. 2563
ذكر دخول المغيرة بن شُعبة عليه:
قال علماء السير منهم سيف بن عمر قالوا: دخل المغيرة بن شُعبة على أمير المؤمنين عقيب البيعة فقال له: إن لك حقَّ الطباعة والنّصيحة، وإن الرأيَ اليوم تُحرِزُ به ما في الغد، وإن الضَّياع اليوم تُضيّع به ما في الغد، أَقِرَّ معاوية وابنَ عامر على عملهما، وعمالَ عثمان على أعمالهم، حتَّى إذا أتَتْك طاعتُهم وبيعةُ الجنود استَبْدَلْتَ أو تركتَ، فإنَّك إذا أرسلتَ إليهم بعُهودهم مَهدوا البلاد، وسَكّنوا العباد، فقال له: والله لو كانت ولايتي ساعة من نهار لا وَلَّيتُهم وأمثالهم على المسلمين.
فخرج المغيرةُ من عنده، فلما كان من الغَد دخل عليه فقال: قد كنتُ أشرتُ عليك أمسِ برأيٍ، وقد رأيتُ اليومَ غيرَه؛ وهو أن تُبادِرَهم بالعَزْل ليُعرفَ المطيعُ من المخالف، ويُستقبَل أمرُك.
قال سيف: ثم خرج المغيرة من عنده، فاستقبله ابنُ عباس داخلًا -وقد كان ابنُ عباس على الحجِّ، أمَّره عثمان- فقال له: رأيتُ المغيرة خارجًا من عندك؟! فقال: جاءني بالأمس بذيَّة وذَيَّة، وجاءني اليوم بذَيَّة وذَيَّة.
وفي رواية هشام بن محمد عن أبيه قال: قَدِم ابنُ عباس المدينة بعد خمسةِ أيَّام من قتل عثمان، فوجد النَّاس يُبايعون عليًّا؛ وقد خرج المغيرة بن شعبة من عنده، فقال له ابن عباس: ما يصنع هذا الدَّاهيةُ عندك؟ فأخبره بما قال، فقال: أمّا أمسِ فقد نَصَحك، وأمَّا اليوم فقد غشَّك، قال: فما الرّأي؟ قال: كان الرأيُ قبل اليوم أن تخرج حين قُتل الرجل، فتأتيَ مكّة، فتدخُلَ دارَك، وتُغلقَ بابَك، فإن كانت العربُ لجائِلةً ومُضطرِبةً في أثرك فلا تَجدُ غيرَك، وأمَّا اليوم فإن بني أميَّة يَطلبون بدم الرَّجل، وسيُلزمونك إياه، ويُموِّهون على النَّاس.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس قال: دعاني عثمان، فاستعملني على الحج، فأقمتُ للناس الحج، ثم قدمتُ المدينةَ وقد بويع لعلي، فأتيتُه في داره، فوجدتُ عنده المغيرة بن شُعبة مُستخْلِيًا بَه، فحبَسَني حتَّى خرج من عنده، فدخلتُ فقلتُ له: ما قال لك؟ فقال: قال لي مرَّةً قَبل هذه: أرسل إلى ابن عامر ومعاوية وعمالِ عثمان بعُهودهم،
стр. 2564
وأَقِرَّهم على أعمالهم، ويبايعون لك النَّاس، قال: فأبَيتُ عليه وقلت: لا وَلَّيتُ هؤلاء أبدًا، ولا يجوز أن يُولَّى أمثالهم.
فانصرف وأنا أعرفُ أنَّه يَرى أني مُخطئ، ثم عاد إليَّ الآن فقال: قد رأيتُ بعد ذلك أن تصنَعَ الذي رأيتَ؛ فتَنزعهم وتستعين بمن تثق، فقلت: أما في المرّة الأولى فقد نَصَحك، وأمَّا في الثَّانية فقد غَشّك، لأنك إذا عَزَلْتَهم يقولون: هو قتل صاحبَنا، فيُؤلّبون عليك، فقال: والله لا أُولّي أحدًا منهم أبدًا، فإن قَبِلوا فذلك خيرٌ لهم، وإن أدبروا بذلتُ لهم السيف.
قال ابن عباس: ثم قال لي: سر إلى الشام فقد وَلَّيتُكها، فقلتُ: ما هذا برأي، معاويةُ رجلٌ من بني أميَّة، وهو ابنُ عمِّ عثمان وعاملُه عليها، ولستُ آمَنُ أن يضربَ عُنُقي بعُثمان، أو أدنى ما يَصنَعُ بي أن يَحبسني، فيتحكَّمَ عليّ، ولكن اكتُب إلى معاوية فمَنِّهِ وعِدْه، فأبى عليّ وقال: والله لا كان هذا أبدًا.
وهذه رواية الواقدي، وقال هشام: لما قال له ابن عباس: نصحك بالأمس وغشَّك اليوم، فقال: وكيف؟ قال: لأنَّ بني أميَّة ومعاوية أصحابُ دنيا، فمتى أبقيتَهم لم يُبالوا مَن وَلِيَ هذا الأمر، ومتى عَزلتَهم أخذوا هذا الأمر بغير شورى، وقالوا: قَتل صاحبَنا، وألَّبوا عليك؛ فانتقَضَ أهلُ الشام وأهلُ العراق، مع أني لا آمَنُ طلحة والزبير أن يكونا عليك.
فقال له علي: أمّا ما ذكرتَ من إقرارهم؛ فما أشكُّ أنَّه خيرٌ في عاجل الدنيا وصلاحها، وأمّا الذي يَلزَمُني من الحقِّ والمعرفةِ بهم فلا يحلّ لي أن أُبقي منهم واحدًا ساعةً من نهار.
وبلغ المغيرة قول ابن عباس فقال: صدق، نصحتُه أولًا، فلما لم يَقبل غششتُه، فخرج المغيرة بعد هذه المقالة إلى مكّة.
وقال الهيثم: قال المغيرة لعلي: وَلِّهم شهرًا واعزلْهم دهرًا، فقال: لا والله ولا ساعة، ثم تمثل فقال: [من الطَّويل]
فما مِيتةٌ إن مِتُّها غيرَ عاجزٍ … بعارٍ إذا ما غالت النَّفْسَ غُولُها
стр. 2565
فقال له المغيرة: اعزل من شِئتَ، واستَبْق من شئت، وفي رواية: اعزل من شئت واستبق معاوية، فلم يقبل، وكذا أشار عليه ابن عباس فامتنع.
وفي رواية أن ابن عباس قال لعلي: ألم تسمعْ رسول الله ﷺ يقول: "الحربُ خَدْعَة" (١)، فقال: والله لأَصدُرنَّ بهم بعد وُرود، ولأَترُكنَّهم يَنظُرون في دُبُر الأمور، ثم لا يَعرفون ما كان منها، فقال له ابن عباس: ستعلم.
وفي رواية الطبري: فقال علي: يا ابنَ عباس، لستُ من هناتك وهنات معاوية في شيءٍ، أنت تُشير علي وأنا أرى، فإذا عصيتُك فأطِعني، فقال له ابن عباس: إن أيسَرَ ما لك عندي الطاعة (٢).
ذكر دخول الأشعث بن قيس عليه:
حكى أبو اليقظان، عن الأشعث قال: دخلتُ على أمير المؤمنين بعدما بويع بالخلافة، فقلتُ له: أَبْقِ معاوية على الشام، فإن عمر ولَّاه مُدَّةَ خلافتِه، وولّى طلحةَ البصرة، والزبير الكوفة، ثم بعد ذلك أنت بالخيار فيهم، فامتنع علي، قال أبو اليقظان: فخرج الأشعث وهو يقول: [من الطَّويل]
نصحتُ عليًّا في ابن هنْدٍ مقالةً … فردَّتْ ولا يسمع لها الدهر ثانيه
وقلتُ له أرسلْ إليه بعهده … على الشام حتَّى يستقرّ معاويه
فتحكم فيه ما تراه فإنَّه … لَداهيةٌ فارفِقْ به أي داهِيه
فلم يَقبل النُّصحَ الذي جئتُه به … وكانت له تلك النصيحةُ كافيه (٣)
وقال الواقدي: ولما ولي علي الخلافة انتزع إقطاعات كان أقطعها عثمان لبني أميَّة وغيرهم، ورَدَّها في بيت المال، وقسم ما كان في بيت المال، ولم يُفضّل أحدًا على أحد، وأول من أجاب إلى بيعته أهل الكوفة ومصر.
وفي هذه السنة سار قُسْطنطين بن هرقل ملك الروم من بلاده قاصدًا بلاد الإسلام فغرق.
стр. 2566
قال الواقدي: فحدثني هشام بن الغاز، عن عُبادة بن نُسيّ قال: سار ابنُ هرقل من القسطنطينية في ألف مركب؛ مملوءة من العُدد والأموال والرجال، وبِحمْلٍ لم يُرَ مثله، فلما توسَّطَت المراكبُ اللجَّة أرسل الله عليها قاصفًا، فغرق الجميع، ونجا ابنُ هرقل في مركب صغير؛ ألقته الريح إلى جزيرة صِقِلية، فدخل الحمّام، فدخلوا عليه وقالوا: أهلكتَ دين النصرانية بشُؤم زُحَلِك، فقتلوه.
فصل وفيها تُوفّي.
عامر بن ربيعة
ابن مالك بن عامر بن ربيعة بن حُجْر بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رُفَيدة بن عَنْز بن وائل بن عبد الله العَنْزي العَدوي، حليفُ الخطّاب بن نُفَيل والد عمر بن الخطاب.
قال البُخاريّ: عَنْز بإسْكان النون حيّ من اليمن.
وقال الدارقطني: عَنْز بن وائل؛ أخو بكر بن وائل.
وقال ابن سعد: ولما حالف الخطَّاب تبنّاه، فكان يُقال: عامر بن الخطاب؛ حتَّى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فرجع عامر إلى نسبه، فقيل عامر بن ربيعة (١).
وعامر من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل دخول النَّبيِّ ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وكانت معه امرأتُه ليلى بنت أبي حَثْمة العدويّة، وهاجر إلى المدينة، فلم يَقدُمها أحدٌ قبله إلّا أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجةُ عامر أولُ ظَعينةٍ قَدِمت المدينة مُهاجرة.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين يزيد بن المنذر (٢) الأنصاري، وشهد عامر بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وقدم مع عمر الجابية في سنة ست عشرة، وعقد عمر لواءه ودفعه إلى عامر.
قال ابن عبد البر (٣): ويزيد بن المنذر الذي آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عامر؛ شهد
стр. 2567
العقبة وبدرًا، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار.
ذكر وفاة عامر:
قال ابن سعد بإسناده عن يَحْيَى بن سعيد قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام أبي يصلي في بيته بالليل، وذلك حين نَشِب النَّاس في الطعن علي عثمان، فصلَّى من الليل، ثم نام، فأُتي في المنام فقيل له: قم فاسأل الله أن يُعيذك من الفِتنة التي أعاذ منها صالحَ عباده، فقام فصلّى، ثم اشتكى فما أُخرج إلَّا جنازة.
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان موتُ عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيتَه فلم يَشعر النَّاس إلَّا بجنازته وقد أُخرج (١).
وقيل: إنه مات قبل قتلِ عثمان بأيام.
وقال ابن عبد البرّ: كان لعامر ولدان كلاهما يقال له عبد الله، وأمّهما ليلى بنت أبي حَثْمة، وكُنيةُ الأكبر أبو محمد، قُتل يوم الطائف شهيدًا، وعبد الله الأصغر وُلد على عهد النَّبيِّ ﷺ وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابنُ خمس سنين، وله إدراك.
قال عبد الله: جاءنا رسول الله ﷺ في دارنا وأنا ألعب (٢).
أسند عامر بن ربيعة عن رسول الله ﷺ الحديث، فأخرج له أحمد في "المسند" أحد عشر حديثًا، وأُخرج عنه في "الصحيحين" حديثان متَّفقٌ عليهما.
وروى عامر عن أبي بكر وعمر، وروى عنه ابن عمر، وابنُه عبد الله بن عامر، وابنُ الزُّبير عبد الله وغيرهم، وليس في الصّحابة مَن اسمُه عامر بن ربيعة غيره، وذكره جدِّي في "جامع المسانيد".
ومن مَسانيده؛ قال أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ ما لا أحصي يَتَسَوَّك وهو صائم (٣).
стр. 2568
وفيها توفي.
عبد الله بن سُراقة
ابن المعتمر العَدَويُّ، من الطبقة الثَّانية من الصّحابة، ولم يشهد بدرًا، وشهد أُحدًا وما بعدها، وأمُّه ابنةُ عبد الله بن عُمَير بن وهب الجُمحيّ.
روى عبد الله الحديث عن رسول الله ﷺ ، وليس في الصّحابة مَن اسمُه عبد الله بن سُراقة غيره (١).
وفيها توفي.
عثمان بن عفّان ﵁ -
ابن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وأمُّه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حَبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وقد ذكرها ابن سعد في طبقات النساء (٢) وقال: وأمُّها أم حكيم، وهي البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، تزوَّجها عفَّان بن أبي العاص، فولدت له عثمان وآمنة، ثم تزوَّجها عُقبة بن أبي مُعَيط فوَلدت له الوليد وعمارة وخالدًا وأمّ كلثوم وأم حكيم وهندًا.
أسلمت أروى وهاجرت إلى المدينة بعد ابنتها أمِّ كلثوم بنت عُقبة، وبايعت رسول الله ﷺ ، ولم تزل بالمدينة حتَّى توفّيت في خلافة ابنها عثمان، فحمل عثمان سريرها، وصلّى عليها، ودفنها بالبقيع، وقد ذكرنا مَن اسمها أروى في عمات رسول الله ﷺ .
وكان عثمان في الجاهلية يُكنى أبا عمرو، فلما وُلد له في الإسلام عبد الله من رُقَيَّة بنت رسول الله ﷺ اكتَنى به، وكنّاه المسلمون به، وعاش عبد الله ستَّ سنين، فنقره ديك في عينه فمات، وقد ذكرناه في سنة أربع من الهجرة.
ذكر عثمان ﵁:
من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأحد العشرة المبشَّرين بالجنّة، وثالث الخلفاء
стр. 2569
الراشدين، أسلم قديمًا قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين ومعه زوجتُه رُقَيَّة بنتُ رسول الله ﷺ ، ولم يشهد بدرًا؛ لأنَّ رسول الله ﷺ خلّفه على ابنته رقية يُمرّضها، وقيل: كان مريضًا بعلَّةِ الجُدَري، فضرب له رسول الله ﷺ بأجره وسهمه، وزوّجه أمَّ كلثوم أخت رقية؛ ولذلك سُمِّي ذا النُّورَين لجمعه بين بنتي رسول الله ﷺ ، ولم يجمع قبلَه أحدٌ بين بنتي نبيٍّ غيره، وبايع عنه رسول الله ﷺ بيعةَ الرضوان بيده، وقد ذكرنا تفاصيل ذلك.
وكان لَيِّن الجانب، حسنَ الخُلُق حَييَّ الطّرف، أحد حُفَّاظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، ونافع وابن عامر يقرآن على قراءته.
وذكره الموفق ﵀ في "الأنساب" وأثنى عليه وقال: قيل للمهلَّب بن أبي صُفرة: لمَ قيل لعثمان ذي النُّورَين؟ فقال: لا نعلم أحدًا أرخى سترًا على ابنتي نبيٍّ غيره، وقال رسول الله ﷺ : "لو كان لنا ثالثة لزوَّجناها عثمان" (١).
وهو أحدُ أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر للخلافة، وقد ذكرنا إسلامَه فيما تقدَّم، في السنة الرابعة والعشرين عند ولايته، وبعضَ سيرته، وكان صوّامًا قوّامًا، وكان من أغنى الصّحابة.
وقال الواقدي: وسبب غنائه أن أباه عفانًا وعبدَ المطَّلب وأبا مسعود الثَّقفيّ لما سلَّط الله على أبرهةَ الطيرَ الأبابيل؛ كانوا أول مَن نزل إلى خِيَم الحبشة، فأخذوا من أموال أبرهة وأصحابِه شيئًا كثيرًا، ودفنوها عن قريش، فكان ذلك سببًا لغنائهم، ومات عفَّان فأخذها عثمان.
وقال ابن عمر: كان عثمان يقوم الليل يَتلو القرآن، فنزل فيه قولُه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية [الزمر: ٩] (٢)، وكان يُسمّى الوَقور لحيائه.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن يَحْيَى بن سعيد بن العاص، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فَخِذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثم
стр. 2570
استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فاستأذن عثمان، فأرخى عليه ثيابَه، قالت: فقلت له في ذلك فقال: "ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه ملائكةُ السماء" (١).
وقال أحمد بإسناده عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب.
وقال البُخاريّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبو عوانة، حدَّثنا عثمان هو ابن مَوْهَب قال: جاء رجلٌ من أهل مصر يَحجُّ البيت، فرأى قومًا جُلوسًا، فقال: مَن هؤلاء؟ قالوا: قريش، قال: فمَن الشيخُ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، فقال: يا ابن عمر، إنِّي سائلُك عن شيءٍ فحدِّثني، قال: اسأل، قال: هل تعلم أن عثمانَ فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم، قال: هل تعلم أنَّه تَغيَّب عن بدرٍ فلم يَشهدها؟ قال: نعم، قال: فهل تعلم أنَّه تَغيّب عن بيعة الرِّضوان فلم يَشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، فقال ابن عمر: تعال أُبَيِّنْ لك، أما فرارُه يوم أحد، فأَشهد [أن] الله عفا عنه وغفر له، وأمَّا تَغَيُّبُه يوم بدر، فإنَّه كانت تحته ابنةُ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : "لك أجرُ مَن شهدها"، وضرب له بسَهمه، وأمَّا تَغَيُّبه عن بيعة الرِّضوان، فلو كان أحدٌ أعزَّ ببطن مكّة من عثمان لبَعَثه مكانه، وكانت بيعةُ الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكّة، فقال رسول الله ﷺ : "هذه يدي عن عثمان" فبايع عنه، وضرب باليُمنى على اليُسرى، وقال له ابن عمر: [اذهبْ] بها الآن معك (٢).
وقد أخرجه الحميدي في أفراد البُخاريّ، وفيه: ثم قال ابن عمر للرجل: لعلّ يَسوؤك ذلك؟ قال: نعم، قال: فأرغم الله أنفَك، فانطلق بها جْهَد جَهدك، وسأله عن علي فذكر مَحاسنَ عملِه (٣).
وحدثنا جدِّي بإسناده عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: رأيتُ رسول الله ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعًا يديه يدعو لعثمان يقول: "اللَّهمَّ عثمان، رضيتُ عنه فارضَ عنه" (٤).
стр. 2571
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو موسى العَنَزي بإسناده، عن عبد الرحمن بن خَبّاب السّلَمي قال: خطب النبيّ ﷺ فحثَّ على جيش العُسْرَة، فقال عثمان: عليَّ مئةٌ من الإبِل، أو مئةُ بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مئةٌ أخرى بأَحلاسِها وأقتابها، ثم نزل مِرقاةً مَن المِنبر، ثم حثَّ فقال عثمان: عليَّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: فرأيتُ رسول الله ﷺ يقول بيده يُحرَكُها: "ما على عثمان ما عَمِل بعد هذا" (١).
وقد ذكرنا طرفًا من هذا في غَزاة تبوك، وأنه جَهَّز جيشَ العُسرة بخمس مئةِ بعير، وجاء بألف دينار فصبَّها في حِجر رسول الله ﷺ .
وروى أبو نعيم بإسناده إلى رُهيمة قالت: كان عثمان يصوم الدهر، ويقوم الليل إلَّا هَجعةً في أوَّله (٢). وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن الحسن -وسُئل عن القَيلولة في المسجد- فقال: رأيتْ عُثمان يَقيل في المسجد وهو يومئذٍ خليفة، ويقوم وأثرُ الحَصى بجَنبه، قال: فيقولون: هذا أميرُ المؤمنين (٣).
وقال الحسن: رأيتُ عثمان نائمًا فَي المسجد ورداؤه تحت رأسه، فيجيءُ الرَّجل فيَجلس إليه، ثم يجيءُ الرجل فيجلُس إليه، فيجلس كأنه أحدُهم (٤).
وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن شُرَحبيل بن مُسلم: أن عثمان كان يُطعم النَّاسَ بطعام الإمارة، ويَدخل بيتَه فيأكل الخلَّ والزيت (٥).
وروى ابن أبي الدُّنيا، عن عبد الله بن المبارك، عن الزّبير بن عبد الله قال: حدثتني جدَّتي: أن عثمان كان لا يُوقظ أحدًا من أهله في الليل؛ إلَّا أن يَجده يقظانًا، فيدعوه
стр. 2572
فيُناوله وُضوءه، وكان يصوم الدَّهر (١).
وقال ابن سعد عن الواقدي أيضًا، عن عبد الله بن محمد، عن ثابت بن عجلان، عن سُليم أبي عامر قال: رأيتُ على عثمان بُردًا يَمانيًّا ثمنَ مئة دِرْهم أو مئتي درهم (٢).
وقد ذَكَرَ أن أبا بكر ﵁ لما أملى على عثمان وصيَّتَه؛ أُغمي عليه عند موته، ثم أفاق فقال لعثمان: مَن كتبتَ؟ قال: عمر، قال: والله لو كتبتَ لنفسك كنتَ لها أهلًا (٣).
وقال البُخاريّ بإسناده عمر ابن عمر قال: كُنَّا نُخيِّر بين النَّاس في زمان رسول الله ﷺ ، فنُخَيرُ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان. انفرد بإخراجه البُخاريّ (٤).
ذكر لباسه:
قال ابن سعد بإسناده عن شيخ من الحاطِبيّين قال: رأيت على عثمان قميصًا قُوهِيًّا على المنبر (٥). القُوهيّ: الغليظُ من الثّياب.
وقال هشام عن أبيه: لما وَلي عثمان الخلافة، خطب وعليه ثوبٌ قيمتُه خمسة دراهم. وقد ذكرنا طرفًا من لباسه، وشدِّه أسنانَه بالذهب (٦).
ذكر طرف من أخبار عثمان ﵁:
حكى سيف بن عمر، عن عُمارة بن القعقاع، عن الحسن البصري قال: كان عمر بن الخطاب قد حَجَر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج إلى البلدان إلَّا بإذنٍ وأَجَل، فشَكَوه، فقام خطيبًا فقال: أما بعد، فإني قد سنَنْتُ الإسلام سَنَّ البَعير، يبدأ فيكون جَذَعًا، ثم ثَنيًّا، ثم رَباعيًّا، ثم بازِلًا، فهل يَنتظر البازلُ غيرَ النُّقصان؟ ألا وإن الإسلام قد بَزَل، ألا وإن قريشًا يريدون أن يَتَّخِذوا مال الله مَعوناتٍ دون عباده، أما
стр. 2573
وابنُ الخطاب حيٌّ فلا، ألا وإني آخذٌ بحُجَز قُريش أن يتهافتوا في النار.
وقال سيف فيما رواه عن محمد وطلحة: فلما قام عثمان لم يَأخُذهم بما كان يَأخُذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رَأَوْها ورَأوا سَعَةَ البلاد ورآهم الناس، انقطع [إليهم] مَن لم يكن له طَولٌ ولا مَزِيَّة في الإسلام، فصاروا أوزاعًا، فكان ذلك أوّل وَهْنٍ دخل في الإسلام، وأوّل فتنةٍ كانت في العامّة.
وحكى سيف، عن عمرو، عن الشعبي قال: لم يَمُتْ عمر حتى مَلَّته قريش، وكان قد حَصَرهم في المدينة وقال: أخوف ما [أخافُ] على هذه الأمة الانتشار في البلاد، فلما وَلي عثمان خَلّى سبيلَهم، فانفسحوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، فكان أحبَّ إليهم من عمر، فلم تمض سنةٌ من إمارة عثمان حتى اتَّخذ رجالٌ من قريش أموالًا في الأمصار، وانقطع إليهم الناس، وثبتوا على الأمر الأوّل سبعَ سنين، كلّ يوم يُحبُّون أن يَليَ صاحبُهم، ثم أسلم ابنُ السَّوداء، وتكلَّم وقد فاضَتِ الدّنيا، وطلعت الأحداثُ على يديه، فاستطالوا عُمْرَ عثمان.
وقال سيف بإسناده: أوَّلُ مُنكَرٍ ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا طَيرانُ الحمام، والرَّميُ بالجُلاهِقات (١)، فاستعمل عثمان رجلًا من بني لَيث في سنة ثمانٍ، فقصَّ الحمام وكسر الجُلاهِقات، وكَثُرت الأحداثُ كشرب النّبيذ وغيره، فكان عثمان يُسَيِّر من المدينة مَن أحدث حَدَثًا، فقال الناس: ما أحدثَ التَّسييرَ إلا [أن] رسول الله ﷺ سَيَّر الحكم بن أبي العاص، وبلغ عثمان فصَعِد المنبر وقال: يا أهل المدينة، أنتم أَصلُ الإسلام، وإنما يَفسدُ الناسُ بفسادكم، ويَصلحون بصلاحكم، والله لا يَبلغني عن أحدٍ منكم أنه أحدث حَدَثًا إلا سَيَّرتُه، وأما الحكم فإنه كان مَكيًّا، فسيَّره رسول الله ﷺ إلى الطائف، [ثم ردَّه] إلى بلده، وقد سَيّر الخلفاءُ بعده.
قال سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ويحيى بن سعيد قالا: سُئل سعيد بن المسيّب فقيل له: ما دعا محمد بن أبي حذيفة إلى الخروج على عثمان، وقد كان يتيمًا في حِجْره، وكان عثمان واليَ [أيتام] أهل بيته، ومُحتمِلَ كَلِّهم؟! فقال: سأل عثمانَ
стр. 2574
العملَ حين وَلي فقال: يا بُنيّ، لو كنتَ رِضًا لاسمتعنتُ بك ولكنك لستَ هناك، قال: فَأْذن لي أن أخرجَ فأطلُبَ ما يُقَوِّيني، فقال له: اذهبْ حيث شِئتَ، فذهب إلى مِصر، فكان يُحَرِّضُ عليه لأنه منعه الإمارة.
وقال سيف، عن مُبَشِّر: سألتُ سالم بن عبد الله: ما دعا محمدَ بن أبي بكر إلى الخروج على عثمان؟ قال: الطّمعُ، إنه كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، فأغراه قوم فطَمِع، وكانت له دالَّة فلَزِمه حقٌّ، فأخذ عثمان الحدَّ من ظهره، فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مُذمَّمًا بعد أن كان محمدًا (١). وسنذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ذكر اجتماع المصريين والبصريين والكوفيين وغيرهم على قتل عثمان ﵁، وحَصرهم في داره، ونزولهم بذي خُشُب وذي المروة ونحو ذلك
فروى أربابُ السِّيَر منهم هشام والواقدي وسيف وغيرهم، فروى سيف بن عُمر، عن يزيد الفَقْعَسي قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديًّا من أهل صنعاء، وأمُّه يهودية سوداء، أسلم في أول خلافة عثمان، وقيل في خلافة عمر، وكان قَصدُه بَوارَ الإسلام، فكان يَنتقلُ في البُلدان يحاول الفِتنة، فطاف الحجاز والشام والعراق، فأخرجوه، فلم يتأتّى له ما يُريد، وعُرف بالشَرّ في هذه الأمصار، فلم يَسَعْه فيها مُقام، وكلما دخل مِصرًا نَفَوه منها، فدخل مِصر، وطاف في كُوَرها، وأظهر الأمرَ بالمعروف، وتكلَّم في الرَّجْعَة، وقَرَّرها في قلوب المصريين، وكان يقول: العَجبُ ممن يَزعُم أن عيسى يَرجع إلى الدنيا ويُكذّب برجعة محمد ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] فمحمد أحقُّ بالرُّجوع من عيسى، فقرَّر الرَّجعة في قلوبهم، وهو مع هذا يَغمز عثمان.
ثم شرع في تقرير الوَصيّة فقال: قد كان ألفُ نبيّ، ولكلِّ نبيٍّ وَصيّ، وعليٌّ وصيُّ محمد ﷺ ، ومحمد خاتم النبيِّين، فعليٌّ خاتم الوصيِّين، ثم قال: ومَن أظلَمُ ممّن أبطل وصيَّةَ رسول الله ﷺ ، ووَثَب على وَصيِّه فابتَزَّه حقَّه، وحكم في الأمة بغير حقّ، ثم إن عثمان أخذ الخلافةَ يغير حقّ، ووصيُّ رسول الله ﷺ أوْلى، وقد غيَّر عثمان وبَدّلَ ما كان
стр. 2575
عليه رسول الله ﷺ والشيخان بعده، فانهضوا في الأمر فحرِّكوه، وابدؤوا بالطَّعن علي أمرائكم، وأظهِروا الأمرَ بالمعروف، والنّهيَ عن المنكر، تَستميلوا الناس، وبثّ الدُّعاة.
وكاتبَ الأمصارَ ممَّن كان قد استَفسدَهم فأجابوه، ودَعَوا في السّرِّ إلى ما دعا إليه، فأجابهم الناس، فقيل لعثمان: إن الأمصارَ قد فَسَدت عليك، وأخبروه الخبر، فقال: والله ما سمعتُ من هذا شيئًا، قالوا: بلى، فأرسِلْ رجالًا يَكشفوا لك الأمر، وَيرجعوا إليك بالأخبار، ويكونوا ممّن تَثقُ بهم.
فبعث بمحمد بن مَسلَمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمار بن ياسر إلى مصر، فرجعوا جميعًا إلّا عمار بن ياسر، فإنه أقام بمصر، ولما رجع الرّسُل إلى عثمان استَبطؤوا عمار بن ياسر، فبينما هم كذلك إذ وَرد كتابُ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح: إن عمارًا قد استماله قومٌ بمصر، وقد انقطعوا إليه، منهم: عبد الله بن السوداء، وخالد بن مُلْجَم، وسُودان بن حُمران وكنانة بن بِشْر.
وروى الواقدي عن أشياخه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قال: كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فقد رُفع إليّ أن أقوامًا يُشَنّعون عليَّ وعلى أمرائي؛ بغَصْب الأموال، وظُلم العباد، وفِعل المنكرات، فمن ادَّعى شيئًا من ذلك فلْيُوافِني بالموسم، فليأخُذْ بحقِّه مني ومن عُمّالي، فإنه لا يُرفع عليّ ولا عليهم شيءٌ من ذلك إلا رَددتُه، وليس لي ولعُمَّالي حقٌّ قبل الرَّعيَّة، فإما أن أدفعَ إليهم ذلك، أو تَتصدّقوا فإن الله يَجزي المتصدِّقين. فلما قُرئ كتابُه على أهل الأمصار بَكَوا ودعوا له وقالوا: إن الأمّة لتَتَمخَّضُ بالشرّ.
ثم كتب إلى عُمَّاله فقدِموا عليه: عبد الله بن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد، وأدخلَ معهم في المشورة سعيد بن العاص وعمرو بن العاص، فقال: ويحكم، ما هذه الشِّكايات والإذاعات، والله إني لخائف أن تكونوا مَصدوقًا عليكم، وما يُعصَب هذا إلا بي، فقالوا: قد رجع إليك الرُّسُل الذين بعثتَهم إلى الأمصار بخلاف ما أُذيع وأُشيع، وما هي إلا شَناعة.
قال: فأشيروا عليّ، فقال له سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع، يُعمَل في السّرّ، ثم يُلقى به غيرُ أهل المعرفة، فيُخبرون به، فيتحدَّثُ به الناسُ في مجالسهم، قال: فما
стр. 2576
الحيلة؟ قال: طَلبُ مَن يَفعلُ ذلك، وقتلُ مَن خرج من عنده.
وقال له عبد الله بن سعد: خُذْ من الناس الذي عليهم؛ فإنه أنفعُ لك من أن لا تأخُذَ منهم (١).
وقال له معاوية: لا يأتيك من الشام إلا ما تُريد، قال: فما ترى؟ قال: حسْنُ الأدب.
قال: يا عمرو، فما ترى؟
قال: إنك قد وَلَّيتَهم، وتراخيتَ عنهم، وزدتَهم على ما كان يَصنع عمر، فأرى أن تُديمَ طريقةَ صاحبَيك، فشِدَّةٌ في موضع الشِّدَّة، ولينٌ في مَوضع اللين.
فقال عثمان: قد سمعتُ ما أشرتُم به، ولكلِّ أمرٍ باب يُؤتى منه، وهذا الأمر الذي يُخافُ منه كائنٌ لا مَحالة، وإن رَحَى الفتنةِ لدائرة، فطُوبى لعثمان إن مات ولم يُحرِّكها.
وحكى الطبري عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: أرسل عثمان إلى طلحة يَدعوه، قال موسى: فخرجت معه، فدخل على عثمان، وإذا عليّ وسعد والزبير ومعاوية، فحمد معاوية [الله]، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أنتم أصحابُ رسول الله ﷺ ، وخِيرتُه في الأرض وولاةُ أمر هذه الأمة، لا يَطمع في ذلك أحدٌ غيركم، اخترتُم صاحبَكم من غير غَلَبةٍ ولا طَمَع، وقد كبرت سِنُّه، وولَّى عُمرُه، ولو انتظرتم به الهَرَم كان قريبًا، مع أني أرجو أن يكون أكرمَ على الله من أن يَبلُغَ به ذلك، وما عِبتُم عليه من شيءٍ فهذه يدي لكم به، ولا تُطمعوا الناسَ في أمركم، فوالله لئن طَمِعوا فيها؛ لا رأيتُم منها إلا إدبارًا.
فقال علي ﵇: ومالك وهذا الأمر لا أُمَّ لك؟! فقال معاوية: دعْ عنك أمِّي، فليست بشرِّ أُمَّهاتكم؛ قد أسلمت وبايعت النبي ﷺ ، وأجبني عما أقولُ لك.
فقال عثمان: صدق ابنُ أخي -يعني معاوية- ثم قال عثمان: إني أُخبركم عني وعمّا وَليتُ: إن صاحبيّ اللذين كانا قبلي ظلما أنفُسَهما ومَن كان بسبيلٍ منهما احتسابًا، وإن رسول الله ﷺ كان يُعطي قرابتَه، وأنا في رَهْطٍ وعَيلَةٍ وفقرٍ وقلَّةِ معاش، فبسطتُ يدي
стр. 2577
في شيءٍ من ذلك؛ لمكاني مما أقومُ به فيه، ورأيتُ أن ذلك لي، فإن رأيتُم أن ذلك خطأ فردُّوه، فإن أمري لأمركم تبَع.
فقالوا: أعطيتَ عبد الله بن خالد بن أَسِيد خمسين ألفًا، ومروان خمسة عشر ألفًا، فقال: نَردُّ ذلك، فرضوا وانصرفوا راضِين.
وكان معاوية قد قال لعثمان: اخرجْ معي إلى الشام، فإن أهل الشام لم يُغيِّروا ولم يُبدِّلوا، فقال: لا أختار على جِوار رسول الله ﷺ شيئًا، ولو كان فيه قَطعُ عُنُقي، قال: فأبعثُ إليك جيشًا يُقيم عندك، قال: لا أُقتِّر الأرزاقَ على أهل دار الهجرة، فقال: والله لتُغتالنَّ ولتُقتلَنّ، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، ومضى معاويةُ إلى الشام.
وقال هشام عن أبيه: أولُ مَن خلع عثمان بالكوفة عَمرو بن زُرارة بن قيس والكُمَيل بن زياد النَّخعيَّان وقالا: إن عثمان قد تَرك الحقَّ وهو يَعرفه، وولّى شراركم على صُلحائكم، واستأثر بالأموال، وقد خَلَعناه وبايَعنا عليًّا ﵇.
قال: وأوّلُ مَن خلعه بالمدينة عمار بن ياسر، نزع عِمامته وقال: اشهدوا أني قد خلعتُ عثمان كما خلعتُ عِمامتي هذه، ورمى بها إلى الأرض، فقال له سعد بن أبي وقاص: إنا لله، حين كَبرَ سِنُّك، ورق عظمُك خلعتَ رِبقةَ الإسلام من عُنقك، فقال عمار: مه إنه قد بدَّل وغَيَّر.
وروى سيف عن مُبشِّر بن الفُضَيل وسهل بن يوسف، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص بمعناه، وقال: قدم عمار من مصر وأبي مريض، فبلغه فبعثني أدعوه، فلما دخل على سعد قال له: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنتَ فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في إفسادٍ بين المسلمين، والتَّأليب على أمير المؤمنين، فاهوى عمار إلى عمامته فنزعها، وذكره، فبكى سعد وقال: يا بُنيّ، مَن يَأمَنُ الفتنة، لا يَخرُجَنَّ منك ما سمعتَ منه.
وروى سيف عن أشياخه والبلاذري وهشام قالوا: لما رأى الناسُ ما صنع عثمان كتبوا من المدينة إلى الآفاق: هَلُمّوا إلى الجهاد الأكبر، فاتّفق أهلُ الأمصار على المسير إلى عثمان، وتواعدوا أن يُوافوا المدينة في شوال أو في رجب هذه السَّنة، فخرج من مصر أربع رِفاق على أربعة أمراء: عبد الرحمن بن عُدَيس البَلَوي على رُبع،
стр. 2578
وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي على رُبع، وكِنانة بن بِشْر التُّجيبي على رُبع، وسُودان بن حُمران السَّكوني على رُبع.
واختلفوا في عددهم؛ هنقال سيف: المقلِّل يقول: كانوا ست مئة، والمكثر يقول: ألف، وقال هشام: كانوا أربع مئة، وقال الواقدي: كانوا خمس مئة، وقيل: سبع مئة، قال: وأميرُهم الغافقيّ بن حَرب العَكِّيّ، وكان فيهم ابنُ السَّوداء، وأظهروا أنهم يريدون الحجّ أو العُمرة، فإن كانوا خرجوا في رجب أظهروا العُمرة، وإن كانوا خرجوا في شوال فالحج، والظاهر أنهم خرجوا في شوال.
قالوا: وخرج أهلُ الكوفة [في] أربع رِفاق، على عدد المصريين، وأُمراؤهم: الأشتر النَّخَعي، وزيد بن صُوحان العبدي، وزياد بن النَّضر الحارثي، وعبد الله بن الأصمّ أحد بني عامر بن صعصعة، وأميرُهم عمرو بن الأصم.
وخرج أهل البصرة [في] أربعِ رفاق، وعددُهم على عدد أهل الكوفة، على كل رُبع أمير: حُكَيم بن جَبلة العبدي، وذَريح بن عَبّاد العبدي، وبشر بن شُريح الحُطَم القيسي، وسدوس بن عُبيس الشَّنِّي، وقيل: وابن المحرّش بن عبد عمرو الحنفي، وأميرهم جميعًا حُرقوص بن زهير السعدي، فأما أهل مصر فإنهم كانوا يُريدون عليًّا، وأما أهل الكوفة فهواهم مع الزبير، وأما أهل البصرة فيريدون طلحة.
وكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان يُخبره بخروجهم، فقال عثمان: والله ما خرجوا إلا طلبًا للفتنة، ولقد طال عُمري على الناس، ولئن فارقتُهم ليَتمنّون يومًا من أيامي.
ثم دخل عثمان على علي في منزله وقال: يا ابن عمّ، إن لي قرابةً قريبة، ورَحِمًا ماسّة، وحقًّا عظيمًا، وهؤلاء قد عزموا على قتلي، وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرًا، وأنهم يَسمعون منك فاركب إليهم فرُدَّهم عني، وأنا أصيرُ إلى ما تُريدون، ولا أخرج عن أمرك، وكانوا بذي خُشُب، فركب عليٌّ ومعه سعد، وسعيد بن العاص، وزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت، وعبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد وجماعة من الصحابة، فالتقاهم ووَبَّخهم، وعنَّفهم في أمر عثمان، وضَمِن لهم ما أرادوا، فأظهروا أنهم راجعون إلى مصر، وجاءت الجموع فعادوا، فنزل بعضُهم ذا خُشُب، وبعضُهم الأعْوَص، وعامَّتُهم بذي المَرْوة.
стр. 2579
قال البلاذري: وَرَد أهلُ مصر المدينة قبل ورود أهل العراق، فأتوا دار عثمان، ووثب معهم رجالٌ من الصحابة؛ منهم: عمار بن ياسر، ورِفاعة بن رافع الأنصاري وكان بدريًّا، والحجّاج بن عمرو بن غَزيّة وكان صحابيًّا، وعامر بن بُكَير الكِناني، فحصروه في داره، وهذا يُسمّى الحصار الأول.
قال: ولم يُنكر أحدٌ من الصحابة عليهم، بل كانوا يأمرونهم بجهاد عثمان؛ إلّا ثلاثة: زيد بن ثابت، أعطاه عثمان مئة ألف درهم، وحسان بن ثابت، وأبو أُسَيد الساعدي، وهذه روايات الواقدي والبلاذري (١).
رجع الحديث إلى سيف قال: فسار القوم من مصر والعراق، حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاثة أيام تقدَّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وناس من أهل مصر فنزلوا بذي المروة، وهم يُظهرون أنهم يَأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء، ومشى فيما بين أهل مصر والعراق زياد بن النَّضْر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا تَعجلوا حتى نَدخل المدينة ونَرتاد؛ فإنه قد بَلَغنا أنهم قد عسكروا لنا، فإن كان ذلك صحيحًا فقد خافوا واستَحلُّوا قتالنا، وإن كان باطلًا لم يخافوا منا، فقالوا: اذهبا.
فدخل الرجلان المدينة، فأتيا أزواجَ النبي ﷺ وطلحةَ والزبير وعليًّا وقالا: إنما جئنا نَؤمُّ هذا البيت، ونستعفي هذا الرجل من بعض عُمّالنا، ما جئنا إلا لهذا، واستأذنوهم في الدُّخول، فأبوا عليهما، فرجعا إلى إخوانهم.
ثم أتى نَفَرٌ من أهل مصر عليًّا، ونفرٌ من أهل الكوفة الزبير، ونفرٌ من أهل البصرة طلحة، وكلُّ طائفةٍ تقول: إن بايعنا صاحبنا (٢)، وإلّا قاتلناهم وفرَّقنا جماعتَهم.
قال سيف: فأتَوا عليًّا وهو في السُّوق عند أحجار الزيت، مُتقلِّدًا سيفَه؛ وقد سَرَّح الحسن إلى عثمان، فالحسن جالسٌ عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزَّيت، فسلَّم المصريون على علي، وعرضوا له، فصاح بهم وطرَدَهم وقال: لقد علم الصالحون أن
стр. 2580
جيشَ ذي المروة وذي خُشُب والأَعْوص مَلعون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صَحِبكم الله، قالوا: نعم وانصرفوا على ذلك.
وأتى البصريون طلحة، وقد أرسل ابنه محمدًا على عثمان، فعرضوا له، فصاح بهم، وقال لهم مثلَ ما قال علي، وأتوا الزبير وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فردّ عليهم كذلك، فانصرفوا إلى عساكرهم مُظهرين الرجوع إلى أمصارهم، حتى تَفرَّق أهل المدينة، ويَكُرُّوا، فتفرَّق الناس، فلم يَشعروا إلا بالتكبير في جوانب المدينة، فأحاطوا بعثمان والمسجد، ونادى مُناديهم: مَن كفَّ يدَه فهو آمن.
وصلّى عثمان بالناس أيامًا، ولزم الناس بيوتَهم، وجاءهم علي فقال: ما رَدَّكم بعد ذهابكم؟ فقالوا: وَجْدنا مع بريدٍ كتابًا بقتلنا، وقال البصريون لطلحة مثل ذلك، والكوفيون للزبير كذلك، قال: فقالوا: لا حاجةَ لنا في هذا الرَّجل، فليَعْتَزِلنا، وثبتوا على ذلك، وعثمان مع هذا يُصلّي بهم، ويَغشى عثمان من شاء منهم، وهم أحقرُ في عينه من التُّراب.
وكتب عثمان إلى عماله يَستَمدُّهم ويقول: قد أغار الأعداء علينا في جِوار رسول الله ﷺ ودارِ الهجرة، وتحزَّبوا كما تَحزَّبت الأحزاب، فالوَحا الوحا، فبعث معاوية حَبيبَ بن مَسلَمة الفِهريّ، وبعث ابن أبي سَرْح معاوية بن حُدَيج السَّكوني، وبعث أبو موسى من الكوفة القعقاع بن عمرو، فساروا نحو المدينة.
وذكر هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: لما رأى عثمان ما قد نزل به ومَسيرَ الناس لقتله، كتب إلى معاوية: إن أهلَ المدينة قد كفروا وخلَعوا الطاعة، فابعث إليَّ مِن قِبلك من أهل الشام من المقاتِله على كلِّ صَعْبٍ وذَلول.
فلما وَقف معاوية على كتابه تربّص عليه، وكره مُخالفةَ أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وقد علم اجتماعهم عليه، فلما أبطأ جوابُه كتب إلى يزيد بن أسد والي أهل الشام يَستنفرهم، ويُعظّم حَقَّه عليهم، ويذكر ما يَجب من طاعته، ويقول في آخر كتابه: فإن كان عندكم غِياث فالعَجَل العَجَل، فنفر يزيد في أهل الشام.
وكتب عثمان إلى ابن عامر بالبصرة مثل ذلك، فقرأ ابن عامر كتابَه على أهل البصرة، فأجابوا إلى قتال مَن قصد عثمان، وأول مَن تكلَّم يومئذ مُجاشع بن مسعود
стр. 2581
السُّلمي، فقدَّمه على الناس وساروا.
فأما يزيد بن أَسَد فلما وصل وادي القُرى بلغه قتل عثمان فرجع، وأما مُجاشع فلما وصل إلى الرَّبَذَة، ونزلتْ مُقدّمته عند صِرار، أتاه قَتْلُ عثمان فرجع.
وكان جماعةٌ من الصّحابة والتابعين يُحرِّضون الناس على نُصرة عثمان والذَّبِّ عنه، منهم بالكوفة: عُقبة بن عامر، وعبد الله بن أبي أوفى، وحَنظلة بن الربيع التميمي، في خلق من الصحابة، ومن التابعين أصحاب عبد الله بن مسعود: مسروق بن الأجدَع، والأسود بن يزيد، وشُريح القاضي وغيرهم، وكانوا يمشون على المجالس ويقولون: انهضوا لنَصْر خليفتكم وعصمةِ أمركم، وبالبصرة عمران بن الحصين وأنس بن مالك وأمثالهما من الصحابة، ومن التابعين: كعب بن سُور وهَرِم بن حَيَّان العبدي وأشباههما، وبالشام عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وغيرهما، ومن التابعين أيضًا أبو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غَنْم وغيرهما، وبمصر خارجة وأمثاله.
وقال ابن سعد بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل المصريون بذي خُشُب دعا عثمان محمد بن مَسلمة وقال: اذهب إليهم فاردُدْهم عني وأعطهم الرضى، وأخبرهم أني فاعلٌ وفاعلٌ بالأمور التي طَلبوا، ونازع عن كذا وكذا للأمور التي تكلَّموا فيها، فركب محمد بن مسلمة إليهم إلى ذي خُشُب، وأرسل معه عثمان خمسين فارسًا من الأنصار، وقال جابر: أنا فيهم.
وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عُدَيس البَلَوي، وسُودان بن حُمْران المرادي، وابن البَيَّاع، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعي، وقد كان الاسم غلب محليهم، حتى كان يقال: جيشُ ابنِ الحَمِق.
فأتاهم محمد بن مسلمة فقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا وكذا، وأخبرهم بقوله، فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبُوَيب رَأَوا جملًا عليه مِيسَمُ الصَّدَقة، فأخذوه، فإذا غلامٌ لعثمان، فأخذوا مَتاعَه ففتَّشوه، فوجدوا فيه قَصَبةً من رَصاص، فيها كتاب في جَوفِ الإداوة في الماء: إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا، وبفلان كذا وكذا، من القوم الذين شرعوا في عثمان، فرجع القوم ثانيةً حتى نزلوا بذي خُشُب، فأرسل عثمان إلى محمد بن مَسلمة أن: اخرُج فاردُدْهم عني، قال محمد: لا أكذب
стр. 2582
في سنةٍ مَرَّتين ولم يَخرُج، قال: فقدموا حتى حصروا عثمان.
وروى ابن سعد، عن الواقدي، عن أشياخه: أن عثمان أنكر أن يكون كتب الكتاب، أو أرسل ذلك الرسول، وقال: فُعل ذلك دوني (١).
وقال محمد بن السائب الكلبي، وروى الطبري طرفًا من ذلك، عن أشياخه قالوا: لما صار القوم بظاهر المدينة خرج إليهم عثمان بنفسه، وكره أن يدخلوا عليه المدينة، فأتاهم فسلَّم عليهم، فدَعَوا بالمصحف فقالوا: افتح السابعة (٢) -يعنون سورة يونس، وكانوا يُسمّونها بذلك- وقالوا: اقرأ: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ فلما قرأها ووصل إلى قوله ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [٥٩] قالوا: قف، فوقف، فقالوا: أرأيتَ ما حَميتَ من الحِمى، وما فعلتَ وفعلتَ، وعَدُّوا أفعاله، منها: إتمامُه الصلاةَ بمنى، وردُّ عمِّه الحكم بن أبي العاص إلى المدينة، واستعمالُه الأحداث من بني أمية، وإعطاؤه مروان خُمس إفريقية، وإحراقُه المصاحف، ونفيُه أبا ذرّ وابنَ مسعود وعامر بنَ عبد قيس، وضربُه لعمار وابن مسعود، وصعودُه إلى مكان رسول الله ونحو ذلك- ثم قالوا: الله أذِن لك في هذا أم على الله تفتري؟! فاعتذر إليهم، واستغفر الله، وأخذ رؤساءهم، ودخل المدينة فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
والله ما رأيتُ وفدًا خيرًا من وَفدنا هؤلاء، أما كوني صليتُ بمنى أربعًا؛ فإنه كان لي أهلٌ بمكة، وأما كوني حميتُ الحِمى؛ فقد حماه عمر قبلي، وأما كوني رددتُ عَمِّي الحكم؛ فقد كان رسول الله ﷺ وَعَدني برَدِّه في مرضه الذي تُوفّي فيه، فشهدتُ عند أبي بكر فقال: إنك شاهد واحد، ولا تُقبل شهادةُ الواحد، ثم قال لي عمر كذلك، فلما صار الأمر إليّ قضيتُ فيه بعلمي، ولي أن أفعل ذلك.
وقولهم: استعملتُ الأحداث، فقد استعمل رسول الله ﷺ عَتَّاب بن أَسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، واستعمل زيد بن حارثة وابنه أسامة وهما صبيان، وأعطيت
стр. 2583
مروان الخمس وإنما هو من مالي، فلما كرهوا ذلك رددتُه.
وأما تحريق المصاحف فلأنّي نسختُ مصحفًا واحدًا، وخِفتُ اختلافَ الناس في الزيادة والنقصان، فحسمتُ مادَّة الخلاف بجَمعي لهم على مصحف واحد.
وأما نفيي لأبي ذر فإنه كَثَّر عليَّ وشَنَّع، فدفعتُ الفتنة، وقد رددتُه فأبى، ولم أر في تأديبه أبلغ من إبعاده عن المدينة.
وأما صِلتي لأقاربي فإنما وصلتُهم من مالي، وأما إبعادي للمسيَّرين من الكوفة فإنهم قصدوا إفساد الأمور فأبعدتُهم عنها.
وأما اتِّخاذي الحُجَّاب فقد كان رسول الله ﷺ يُستَأذن عليه.
وأما صعودي إلى مكان رسول الله ﷺ فهو كقيامي مكانَه في المحراب، فأردتُ أن أُعلم الناس جوازَ ذلك.
وفي رواية: ولو لم أفعل لنزل كلُّ إمام درجة، فيَخطبون تحت الأرض.
وأما تفويضي الزكاةَ في الأموال إلى أربابها؛ فإنما فعلتُ ذلك لأني رأيتُ الأموال قد كَثُرت، فخشيتُ أن يُطالبَ الرَّجلُ بباطن حاله، وما لا يعلمه المطالب، فيُحْرجه ذلك إلى العصيان، فاكتفيتُ بالأموال الظاهرة.
وأما مَن مات ممن نفيتُه فارضوا بالله حكمًا بيني وبينه، ومَن بقي فردُّوه، ومن ضربتُه فليقتَصَّ مني.
وأما عمَّالي فمَن شئتم فاعزِلوه، ومَن شئتُم فابقوه، واكتبوا عليَّ صِكاكًا بالمال الذي قلتُم إني فرَّطتُ فيه، فما قدرتُ عليه قمتُ به، وما عجزتُ عنه سعيتُ فيه.
فقالوا: لا تُعطوا العطاءَ إلا للمقاتلة، قال: نعم، فأخذوا عليه المواثيق والعهود، وأخذ عليهم أيضًا، ووقّع الرضى بمحضرٍ من الصحابة، ونادى عثمان: مَن كان له ضَرْع فليلحق بضرْعه، ومَن كان له زَرعٌ فليَلْحق بزرعه، ألا لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، وللشّيوخ من الصحابة، فغضب أهل المدينة وقالوا: هذا من مكر بني أمية.
ورحل المصريون إلى مصرهم، فبينما هم في الطريق إذا براكب يتعرَّض لهم، ثم
стр. 2584
يُفارقهم، فأخذوه ففتَّشوه، وإذا معه كتابٌ إلى ابن أبي سرح بقتلِهم، فرجعوا إلى المدينة، فدخلوا على علي وطلحة والزبير والصحابة، فأوقفوهم على الكتاب وقالوا: قد أباح الله دمه، ثم أتوا إلى داره فحصروه، وخرج علي إلى ظاهر المدينة فأقام بقرية.
وحكى الطبري عن عمرو بن حماد بن طلحة القَنَّاد، وعلي بن الحصين، بإسنادهما إلى عبد الرحمن بن يسار قال: لما رأى الناسُ ما صنع عثمان، كتب مَن بالمدينة من الصحابة إلى مَن بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرّقوا في البعوث: إنكم إنما خرجتم لتجاهدوا في سبيل الله، تنصرون دينَ محمد ﷺ ، ودينُ محمد قد أُفسِدَ خلفَكم، فهلمُّوا فأقيموا دينَ محمد، فأقبلوا من كل أُفق إلى عثمان.
وكتب عثمان إلى ابن أبي سَرْح عاملِه على مصر -حين تراجع الناس، وزعم عثمان أنه تائب، وكان أهل مصر أشدَّ الناس عليه، فكان في كتابه: انظر فلانًا وفلانًا إذا قدموا عليك فاضرب أعناقَهم، وعاقب فُلانًا بكذا وكذا، وفلانًا بكذا وكذا، منهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ونفرٌ من التابعين، وكان رسوله في ذلك أبو الأعور السُّلَمي، حمله عثمان على جَمل له، وأمره أن يَسبق القوم إلى مصر، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق، فقالوا: إلى أين فقال: إلى مصر، ففتَّشوه فوجدوا الكتابَ المذكور، فعادوا إلى المدينة فقتلوه.
وحكى الطبري عن ابن الكلبي أنهم قالوا لعثمان: هذا غُلامك على جملك قال: انطلق بغير أمري، وأخذ الجملَ بغير علمي، قالوا: فنقش خاتمك؟ قال: نُقِش عليه (١).
وقال الواقدي: لما قال عثمان ما علمتُ بالكتاب قالوا: لا يخلو، إما أن تكون كاذبًا أو صادقًا، فإن كنتَ كاذبًا فقد استحققْتَ الخلع لما أمرتَ به من سفك دمائنا، وإن كنتَ صادقًا فقد وجب خلعُك لضعفك وغَفْلتك وخُبث بِطانتك، وإنه لا يجوز تركُ هذا الأمر مع مَن يكون بهذه الصفة، ثم إنك أحدثتَ أحداثًا عظيمة، فاستحققتَ بها الخلع، فإذا كُلِّمتَ فيها أعطيتَ التوبة ثم نكَثْتَ، فقال: فأنا تائبٌ، فقالوا: لا نَقبل
стр. 2585
توبةَ ناكث، ولا نزال حتى تخلعَ نفسَك من هذا الأمر، ونُولّيه مَن يَصلح، فقال: لا أفعل، ولو أردتُ قتالكم لكتبتُ إلى أمُراء الأجناد، فجاؤوا بالجيوش فقاتلوكم، فقالوا: فقد كتبتَ.
وقال هشام: وكان في الجمع الذين ساروا من مصر إلى عثمان محمد بنُ أبي حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومحمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وكان السبب في خروج محمد بن أبي حُذيفة على عثمان، أنه كان يتيمًا في حِجْر عثمان، وكان مُحسنًا إليه، فلما شبَّ محمد سأل عثمانَ أن يَستعمله فأبى، فاستأذنه في الخروج فقال: اذهب أين شئتَ، فخرج إلى مصر، وقام يُؤلّب عليه.
قال ابن سيرين: وأما محمد بن أبي بكر فكان في الإسلام بمكان عظيم، ومنزلةٍ عالية من عثمان، فما زال مروان بن الحكم يُغري بينهما ويقول: إن محمدًا يَروم الخلافة، حتى مَنعه عثمان العطاء، ونال منه، وكتب في حقّه ذاك الكتاب، وأما عمرو بن العاص فعزله عن مصر، وكان أشدَّ الناس عليه هو وعمار لأنه ضربه، كما ذكرنا.
ولما جاء المصريون، ونزلوا ذا خشب، وقال عثمان لمحمد بن مَسلمة: اخرج إليهم فامتنع؛ قال عثمان للمغيرة بن شُعبة: اخرج إليهم فخرج، فصاحوا به: يا أعور، يا فاسق، يا زاني، يا عدوَّ الله، ارجع وإلا قتلناك، فقال عثمان لعمرو بن العاص: اخرج إليهم فخرج، فصاحوا به: يا ابن النابغة، ارجع فلستَ عندنا بأمين، فقال عثمان لعلي: اخرج إليهم، فقال: على أن تُعطيني عهدَ الله وميثاقَه أن لا تُخالِفَني، فأعطاه، فخرج إليهم، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: بل أمامي، إن عثمان يَدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة رسوله، فقالوا: أضامِنٌ عنه أنت؟ قال: نعم، قالوا: رَضينا.
وخرج أشرافُهم معه، فدخلوا على عثمان، فعاتبوه وعاتبهم، وضَمِن لهم كلَّ ما أرادوا، فقالوا: اكتب بيننا وبينك كتابًا، فكتب: من عبد الله عثمان لمن نَقم عليه من المسلمين، أن لهم عليه العمل بكتاب الله، وسنّة رسوله، وأنه يُعطي المحروم، ويؤمّن الخائف، وَيردُّ المنفي، ويُوفِّر الفيءَ، وعلي بن أبي طالب ضَمينٌ عنه بالوفاء بما فيه، شهد بذلك طلحة والزبير وسعد وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرون، وكتب في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، وأخذوا بالكتاب نُسخًا وانصرفوا.
стр. 2586
فقال علي لعثمان: إن البلاد قد تَمخَّضت عليك، ولا آمَنُ أن يأتيَ ركبٌ آخر من بعض الأمصار فتقول لي: اخرج إليهم، فإن لم أفعل قلتَ: قطعتَ رَحِمي، فاصعد المنبر، فتكلَّم بكلام يَحمله الناس عنك، وأشْهِد اللهَ على ما في قلبك.
فصعد عثمان المنبر، فأقرَّ بما فعل، واستغفر ربّه وقال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "مَن زلَّ فليَتُبْ، ومَن أخطأ فليتُبْ، ولا يَتمادى في الهَلكة"، فوالله لئن رَدَّني إلى الحقّ عبدٌ لأتَّبعتَّه، ولأستَنَّ بسنَّة العَدْل، ولأذِلَّنَ ذلَّ العبد المرقوق، إن مُلِك صبر، وإن عَتق شكر، وأنا أوَّل مَن اتَّعظ، وما عن الله مَذهب، فإذا نزلتُ فليأتِني أشرافُكم، فلْيَروا فيَّ رأيَهم، فقام إليه سعيد بنُ زيد بن عمرو بن نُفَيل فقال له: الله الله في نفسك، فأتمّ على ما أنت.
ونزل عثمان، وسُرَّ الناسُ بقوله، واجتمعوا إلى بابه مُبتهِجين بما كان منه، فخرج إليهم مروان فزبرهم، وقال: شاهت الوجوه، انصرفوا فإن أمير المؤمنين مشغول.
وبلغ عليًّا ما قال مروان، فدخل على عثمان وقال له: ما رضي مروان منك إلا بإفساد دِينك، وخديعته إياك عن عقلك، والله إني لأراه يُوردُك ولا يُصدرك، وما أنا بعائدٍ إليك بعد يومي هذا، ثم خرج وعثمان ساكت، فقالت له زوجه نائلة بنت الفَرافِصة: إنه لا قَدرَ لمروان عند الناس ولا هيبة، فابعث إلى عليٍّ فأرضه، فأرسل إليه فلم يأته.
وأما المصريون فإنهم لما وصلوا أَيلَة لَقَوا عندها عبدًا على بعير، فاستخرجوا منه كتابًا إلى عبد الله بن سعد، وفيه ضَربُ عُنقِ ابن عُدَيس، وقطع أيدي الباقين وأرجلهم، ويتركون يَتشحَّطون في دمائهم حتى يموتوا، فعادوا إلى المدينة، فدخلوا على عليّ وناولوه الكتاب، فعرف أنه خَتْم عثمان، فجمع عليٌّ كبارَ الصحابة، ودخلوا على عثمان فقالوا: أتعرفُ هذا الكتاب؟ فقال: أما الخطُّ فخطُّ كاتبي، وأما الخاتم فخاتمي، فقال له علي: فمن تَتَّهم؟ فقال: لا أتَّهِمُك ولا أتَّهم كاتبي، فقام علي مغضبًا وهو يقول: والله إنه لكتابُك وأمرُك.
وقال ابن إسحاق: أشار كبار الصحابة على عثمان بعزل عبد الله بن سعد عن مصر، وتَوليةِ محمد بن أبي بكر، فكتب لمحمد عهدَه، وخرج مع المصريين، فأرسل مروان كتابًا إلى ابن سعد بقتل محمد والمصريين، فالتقوا عبدَ عثمان على بعير، ومعه الكتاب
стр. 2587
المذكور -والكتاب بخطّ مروان- فعادوا إلى علي، فدخل علي وطلحة والزبير على عثمان، فقالوا: ما هذا؟ فأنكر، فقال: العبدُ عَبدُك، والبعير بعيرُك، والكتاب بخطِّ كاتبك، والختم خاتمك، فإن كنتَ فعلتَ فاعترف، فقال: والله ما عَلِمتُ به، فقالوا: فسلّم إليهم مروان، فأبى، فقاموا من عنده، ولَزِموا منازلَهم حنقًا عليه.
وقال هشام: وكان في الكتاب: واذبحْ محمد بنَ أبي بكر، واحشُ جلدَه تبنًا.
وقال له المصريون: يا عثمان قد حلفتَ لنا ونكثتَ وأنكرتَ، وقد وجب خلعُك وقتلُك؛ لأنه لا يَخلو إما أن تكونَ كاذبًا أو صادقًا، وقد ذكرناه.
وقال سيف بن عمر عن أشياخه: ولما جاءت الجمعة التي على أثر نُزولِ الجموع حول المدينة، وقد دخل منهم جماعةٌ إلى المسجد، ونزلوا حوله، خرج عثمان، فصعِد المنبر فقال: يا هؤلاء العِدى، اللهَ اللهَ، إن أهل المدينة ليَعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فامحوا الخطايا بالصَّواب فإن الله لا يَمحو السِّيِّئَ إلا بالحَسَن.
فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهدُ بذلك، فأخذه حُكَيم بن جَبَلة فأقعده، وقام زيد بن ثابت فثار إليه محمد بن أبي قُتَيرة فأقعده، وثار القوم بأجمعهم، فحَصَبوا عثمان حتى وقع عن المنبر مَغشيًّا عليه، وحَصَبوا الناس فأخرجوهم من المسجد، واحتُمل عثمان فأُدخل دارَه، وتفرَّق الناس من أهل المدينة في حيطانهم، ودخل علي وطلحة والزبير والصحابة على عثمان يَعودونه من صَرعته، وعزم قومٌ على القتال، منهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، والحسن بن علي، فأرسل إليهم عثمان يَنهاهم فكَفُّوا.
وقال سيف: صلّى بهم عثمان عشرين يومًا، ثم مَنعوه من الصّلاة.
وفي رواية سيف أيضًا عن محمد وطلحة وأبي حارثة قالوا: صلّى عثمان بالناس ثلاثين يومًا بعدما نزل القوم في المسجد، ثم مَنعوه الصَّلاةَ، وصلَّى بالناس أميرُ المصريين الغافقي، وتفرَّق أهلُ المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتَهم، لا يَخرج أحدٌ منهم ولا يَجلس ولا يَمشي إلا وعليه سيفُه خوفًا على نفسه، وكان الحصار الأوَّل عشرين يومًا، والحصار الأخير أربعين يومًا.
وحكى الواقدي عن أشياخه، منهم: عبد الله بن جعفر، حدَّثه عن أبي عَوْن مولى
стр. 2588
المِسوَر قال: كان عمرو بن العاص عاملًا لعثمان بمصر على الخراج، فعزله عن الخراج، واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثم جمعَهما لعبد الله بن سعد.
فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يَطعن علي عثمان، فأرسل إليه عثمان يومًا وكان خاليًا، فجاءه فقال: يا ابن النابغة، ما أسرع ما [قَمِل جُرُبَّانُ] جُبَّتك، إنما عَهدُك بالعمل عامَ أوَّل، أتطعن عليَّ، وتأتيني بوَجهٍ وتَذهبُ عني بآخر؟! والله لولا الله لفعلتُ وفعلتُ، فقال له عمرو: اتّقِ الله يا أمير المؤمنين، فإن كثيرًا مما يَنقل الناسُ إلى وُلاتهم باطل.
فقال له عثمان: والله لقد استعملتُك على ظَلَعِك وكَثرةِ القالة فيك، فقال عمرو: قد كنتُ عاملًا لعمر بن الخطاب قَبلَك، ففارقَني وهو عني راضٍ، فقال له عثمان: والله لو أخذتُك بما أَخَذك به عمر لاستقمتَ، ولكنني لِنتُ لك، فاجترأتَ عليّ، أما والله لأنا أعزُّ منك نَفرًا في الجاهلية، وقبل أن ألي هذا السُّلطان.
فقال له عَمرو: دع عنك هذا، إن الإسلام قد جَمعنا، فالحمد لله الذي هدانا بمحمد وأكرمنا به، قد رأيتُ العاص بن وائل ورأيتُ أباك عفّان، فوالله لَلعاص كان أشرفَ من أبيك، فانكسر عثمان وقال: ما لنا ولذِكر الجاهلية.
ثم خرج عمرو ودخل مروان فقال: يا أمير المؤمنين، قد بلغتَ مَبلغًا يَذكر عمرو بنُ العاص أباك! فقال عثمان: دع هذا عنك، مَن ذكر أبا الرجل ذكر أباه.
وخرج عمرو من عند عثمان وهو حَنقٌ عليه، فأتى عليًّا فألّبه على عثمان، وأتى طلحة والزبير ففعل كذلك، وجعل يتعرَّض للحاج، فيُخبرهم بما أحدث عثمان، فلما كان الحصار الأول خرج عمرو من المدينة، فنزل فلسطين بمكان يقال له: السَّبْع، في قصرٍ يقال له: العَجلان، وجعل يقول: العجب مما يأتينا عن ابن عفان.
قال: فبينا هو جالسٌ في القصر ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن رَوْح الجُذاميّ؛ إذ مرَّ بهم راكب، فناداه عمرو: من أين قَدِم الرجل؟ قال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل -يعني عثمان؟ قال: تركتُه محصورًا شديد الحصار، فقال عمرو: الله أكبر، أنا أبو عبد الله، قد يَضْرُطُ العَيرُ والمِكواةُ في النَّار (١).
стр. 2589
فلم يبرح مجلسَه حتى مرَّ به راكبٌ آخر، فناداه عمرو: ما فعل الرجل؟ قال: قُتل، قال: الله أكبر، أنا أبو عبد الله، إذا حَككتُ قَرحةً نَكأتُها، إن كنتُ لأُحرِّضُ عليه حتى الراعي في غنمه في شواهق الجبال.
فقال له سلامة بن رَوْح الجُذاميّ: يا معاشر قريش، إنه قد كان بينكم وبين العرب بابٌ وَثيقٌ فكسرتُموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردْنا أن نُخرجَ الحقَّ من خاصرة (١) الباطل، وأن يكون الناس في الحقِّ شَرَعًا سواء.
وكانت عند عمرو يومئذ أمُّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط، أخت عثمان لأمِّه، ففارقها حين عَزله عثمان.
فقال أبو القاسم السِّمناني: أوَّلُ رجلٍ لَقيه عمرو قال له: ما اسمُك؟ قال: حرب، قال: حورب والله الرجل، وسأل الثاني فقال: ما اسمُك؟ فقال: مقتول، قال: قُتل الرجل، ثم قال: ما وراءك؟ قال: وَلَّوا ابن أبي طالب، فقال: جاءنا والله شرٌّ من الذي ذهب.
وقال الواقدي: حدثني شُرحبيل بن أبي عَون، عن أبيه قال: سمعتُ عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يَغوث يقول: قبَّح الله مروان بن الحكم، خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرِّضا، وبكى على المنبر، وبكى الناسُ حتى نظروا إلى لحية عثمان مُخضلَّةً بالدُّموع، وهو يقول: اللهمَّ إني أتوب إليك -ثلاثًا- والله، لو رَدَّني الحق إلى أن أكون عبدًا لأرضيَنَّ به، إذا دخلتُ إلى منزلي فادخلوا عليَّ، فوالله لا أحتجبُ منكم، ولأُعطينّكم الرِّضا، ولأزيدنّكم على الرِّضا، ولأُنَحِّيَنَّ مروان وذريته (٢).
قال: فلما دخل أمر بالباب ففُتح، ودخل عليه مروان، فلم يزل يَفتِلُه في الذِّروة والغارب حتى ألفته عن رأيه، وأزاله عما كان يُريد أن يفعل، فلقد مكث عثمان ثلاثةَ أيام لا يَخرج حياءً من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهَت الوجوه، ارجعوا إلى منازلكم، فإن يكن لأمير المؤمنين حاجةٌ إلى أحدٍ منكم يُرسل إليه، وإلا قَرَّ في بيته.
قال عبد الرحمن: فأتيتُ عليًّا وهو بين القبر والمنبر، وعنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وهما يقولان: صَنع مروان بالناس وصَنع وصَنع، فقال لي علي:
стр. 2590
حَضرتَ خُطبةَ عثمان؟ قلتُ: نعم، قال: أفحضرتَ مقالةَ مروان للناس؟ قلتُ: نعم، فقال علي: إن قعدتُ في بيتي قال: تركتَني وقرابتي وحقِّي، وإن تكلَّمتُ فجاء بما يريد يَلعبُ به مروان كيف أراد، ويَسوقه حيث شاء، بعد كِبَر السنِّ وصُحبةِ رسول الله ﷺ .
قال عبد الرحمن: فلم يقم عليّ حتى جاء رسول عثمان يقول: ائتِني، فقال علي بصوتٍ مُرتفعٍ مغضبًا: قل له ما أنا بداخل عليك، ولا عائدٍ إليك، قال: فانصرف الرسول، فلقيتُ عثمان بعد ذلك بليلتين جائيًا، فسالتُ غُلامَه: من أين جاء؟ فقال: كان عند علي.
قال عبد الرحمن: فغدوتُ على عليّ فقال: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إنني غيرُ عائدٍ، وإني فاعل كذا وكذا، فقلتُ له: أبعد ما تكلَّمتَ على منبر رسول الله ﷺ ، فأعطيتَ من نفسك، ثم دخلتَ بيتك، وخرج مروان إلى الناس يَشتمهم على بابك، ويؤذيهم وأنت تَسمع، قال: فرجع وهو يقول: قطعتَ رَحِمي، وخذلتَني، وجرَّأتَ الناس عليّ، فقلتُ: والله إني لأذبُّ الناس عنك، ولكن كلما جئتُك بهَنَةٍ أظنُّها لك رضًا سمعتَ قولَ مروان، واستدخلتَ مروان، ثم لم يزل علي حتى أدخل الرَّوايا على عثمان.
وقال أحمد بإسناده عن محمد بن عبد الملك بن مروان، أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال له: إنك إمامُ العامّة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أَعرضُ عليك خصالًا ثلاثًا اختر إحداهُنّ: إما أن تَخرج فتُقاتلَهم، فإن معك عَددًا وقوَّة، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نَخرق لك بابًا سوى الباب الذي هم عليه، فتَقعُدَ على رَواحِلك، فتَلحقَ بمكة، فإنهم لن يَستَحِلُّوك وأنت بها، وإما أن تَلحقَ بالشام، فإنهم أهلُ الشام، وفيهم معاوية.
فقال عثمان: أمّا أن أخرجَ فأُقاتلْ، فلن أكونَ أوَّلَ مَن خَلَف رسولَ الله ﷺ في أمته بسفك الدِّماء، وأمّا خُروجي إلى مكة فإنهم لن يَستَحلُّوني بها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُلحِد رجلٌ في الحَرم من قريش أو بمكة، يكونُ عليه نصفُ عذاب العالم"، وأمّا أن ألحَقَ بالشام، فلن أُفارقَ دارَ هجرتي، ومجاوَرةَ رسول الله ﷺ (١).
стр. 2591
وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوَرَّاق، بإسناده عن ابن أَبْزى، عن عثمان بن عَفَّان قال: قال لي عبد الله بن الزبير: إنّ عندي نجائبَ أعدَدْتُها لك، فهل لك أن تتحوَّلَ إلى مكة فيَأتيك مَن أرادَ أن يأتيك؟ قال: لا، إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يُلحِد بمكة كَبْشٌ من قُريشٍ، اسمُه عبد الله، عليه مِثلُ نصفِ أوزارِ الناس" (١).
ذكر ما قالوا لعثمان في خلْعه وما قال لهم:
قال ابن سعد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: قال لي عثمان وهو مَحصورٌ في الدار: ما ترى فيما أشار به عليَّ المغيرةُ بنُ الأخنس؟ فقلت: وما الذي أشار به؟ قال: قال لي: إن هؤلاء القوم يُريدون خَلعي، فإن خَلَعْتُ تركوني، وإن لم أخلَع قتلوني، قال: فقلتُ: أرأيتَ إن خَلَعْتَ تُتْرَك مُخَلَّدًا في الدنيا؟ قال: لا، قلتُ: فهل يَملكون الجنةَ والنّار؟ قال: لا، قلتُ: أرأيتَ إن لم تَخْلَع هل يَزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلتُ: فلا أرى أن تَسُنَّ هذه السُّنَّةَ في الإسلام، كلما سَخِط قومٌ على أميرهم خَلَعوه، لا تَخْلَع قميصًا قَمَّصَك الله.
وروى ابن سعد عن عثمان أنهم كانوا يَدخلون عليه وهو مَحصور، فيقولون: اعتزِلْنا، فيقول: لا أَنزِعُ سِربالًا سَرْبَلَنيه الله ، ولكن أَنزِعُ عما تكرهون.
قال ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن جُبير قال: قال رسول الله ﷺ لعثمان: "إنْ كساك الله يومًا سِربالًا، فأرادك المنافقون على خَلْعه فلا تَخْلَعْه لظالم".
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي سَهْلة مولى عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "وَدِدْتُ أنّ عندي بعضَ أصحابي"، فقالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله، أدعو لك أبا بكر؟ فسكتَ، فعرفتُ أنه لا يُريده، فقلتُ: أَدْعُو لك عمر؟ فسكتَ، فعرفتُ أنه لا يُريده، فقلتُ: أدعو لك عثمان بن عفان؛ قال: "نعم"، فدعوتُه، فلما جاء أشار إليَّ
стр. 2592
رسولُ الله ﷺ أن تَباعدي، فجاء عثمان، فجلس إليه، فجعل رسول الله ﷺ يقول له ولَونُ عثمانَ يتغيَّر.
قال قيس: فأخبرني أبو سَهْلةَ قال: لما كان يومُ الدَّار قيل لعثمان: ألا تُقاتل؟ فقال: إن رسول الله ﷺ عَهِد إليَّ عهدًا وأنا صابرٌ عليه، قال أبو سهلة: فيرُون أنه ذلك اليوم.
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي أمامة بن سهل، قال: كنتُ مع عثمان في الدار وهو مَحصور، فخرج إلينا مُنْتَقِعًا لونُه فقال: إنهم لَيَتَوعَّدونني بالقتل آنِفًا، قلنا: يَكفيكَهم الله، فقال: ولمَ يَقتلونني وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجلٍ كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نَفْسًا بغير حقّ، أو بغير نفس"، ووالله ما رنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلام قط، ولا تمنَّيتُ أن [لي] بدِيني بَدَلًا منذ هداني الله، ولا قتلتُ نفسًا، ففيم يَقتلونني؟
وقال ابن سعد بإسناده عن مجاهد قال: أشرفَ عثمان على الذين حصروه فقال: يا قوم، لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مُسلم، فوالله إنْ أردتُ إلا الإصلاح ما استطعتُ، أصبتُ أو أخطأتُ، وإنكم إنْ تقتلوني لا تُصلُّون جميعًا، ولا يُقسَم فَيئكُم بينكم أبدًا، فلما أَبَوا قال: اللهمَّ أَحْصِهم عددًا، واقتُلْهم بَدَدًا، ولا تُبقِ منهم أحدًا.
قال مجاهد: فقتلَ الله منهم مَن قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهلِ المدينة عشرين ألفًا، فأباحوا المدينة ثلاثًا؛ يَصنعون ما شاؤوا لمداهَنَتِهم (١).
وفي رواية فقالوا: اخلع نفسَك، فقال: لا ولا كَرامة، إن رسول الله ﷺ قال: "يا عثمان، إن الله مُقَمِّصُك قميصًا، فإن أرادوك على خَلْعه فلا تخلَعه لهم ولا كَرامة" قالها مرتين أو ثلاثًا (٢).
وقد أخرج أحمد في "المسند" (٣) بمعناه فقال: حدثنا موسى بن داود بإسناده، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنتُ عند النبي ﷺ فقال: "يا عائشة، لو كان
стр. 2593
عندنا مَن يُحدِّثنا"، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ألا أبعَثُ إلى أبي بكر؟ فسكتَ، قالت: ثم قال: "لو كان عندنا مَن يُحدِّثنا"، فقلتُ: ألا أبعَثُ إلى عمر؟ فسكت، ثم دعا وَصيفًا بين يديه، فسارَّه بشيءٍ فذهب، فإذا عثمان يَستأذن، فأذن له، فدخل، فناجاه طويلًا، ثم قال: "يا عثمان، إن الله مُقَمِّصُك قميصًا، … " وذكره.
وقال أحمد بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان وهو محصور في القصر، فقال: أَنْشُدُ بالله مَن سمع من رسول الله ﷺ يومَ حِراء إذِ اهتزَّ الجَبل فرَكَله برِجله، ثم قال: "اسكُنْ حِراء، فما عليك إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيد" وأنا معه؟ فانتشَدَ له رِجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله مَن شَهد بَيعةَ الرِّضوان وقد بَعَثني رسولُ الله ﷺ إلى أهلِ مكة، فقال: "هذه يدي، وهذه يدُ عثمان" فبايع لي؟ فانتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله من سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن يُوَسِّع لنا بهذا البيت في هذا المسجد بنى الله له بيتًا في الجنة"، فاشتريتُه بمالي، فوَسَّعتُ به في المسجد؟ فانْتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله مَن سمع رسول الله ﷺ أو شَهد رسولَ الله ﷺ يقول يومَ جيشِ العُسرة: "مَن يُنفِق اليوم نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةً"، فجهَّزتُ نِصفَ الجيش بمالي؟ فانتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله رجلًا شَهِد بئرَ رُوْمَةَ يُباع ماؤها، فابتعتُها بمالي، أو من مالي، وأَبَحتُها ابنَ السبيل؟ فانتَشَد له رجال. أخرجه أحمد في "المسند" (١).
وأخرج البخاري طرفًا منه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: إن عثمان لما حَصَروه أشرفَ عليهم من دارِه وقال: أَنْشُدكم اللهَ يا أصحابَ محمد، ولا أَنْشُدُكم إلا أنتم، ألستُم تَعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مَن جَهَّز جيشَ العُسْرَةِ فله الجنَّة" فجهَّزتُه؟ ألستُم تَعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مَن حفر بئر رُومَةَ فله الجنة" فحفرتها؟ قال: فصدَّقوه بما قال (٢).
стр. 2594
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي ليلى الكِندي قال: شهدتُ عثمان وهه محصور، فاطَّلع من كَوٍّ وهو يقول: أيها الناس، لا تَقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتُموني لا تُصلُّون جميعًا أبدًا، ولا تجاهدون عدوًا جميعًا أبدًا، ولتَختَلفُنّ حتى تَصيروا هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية [هود: ٩٠]، ثم أرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكفَّ الكفَّ، فإنه أبلغُ لك في الحُجَّة.
وفي رواية أنه قال: والله لئن قَتلتُموني لا تَضعون السَّيفَ عن أعناقكم أبدًا إلى يوم القيامة، فقالوا: أمّا ما ذكرتَ مما يُصيبنُا من البلاء، فإنه لا يحلُّ تَركُ إقامةِ الحقِّ مخافةَ الفتنة في المستقبل، وأما قولك: فإنه لا يَحلُّ قتلُ غير الثلاثة الذين ذكرتَهم، فقتلُ السَّاعي بالفساد في الأرض، والباغي، ومَن حال بين الحقِّ وأهله واجبٌ، وقد بغيتَ، ومنعتَ الحقَّ، وكابرتَ، فلو خلعتَ نفسَك لانصرفنا عنك (١).
ذكر من كان يصلي بالناس وعثمان محصور:
واختلفوا في ذلك:
أخرج البخاري عن عُبيد الله بن عديّ بن الخيار، أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال له: إنك إمامُ العامَّة، وقد نزل بك ما ترى، وإنه يُصلّي بنا إمامُ فتنة، وأنا أتحرَّجُ من الصلاة معه؟ فقال عثمان: إن الصلاة من أحسن ما يَصنَعُ الناس، فإذا أحسن الناسُ فأحسِنْ معهم، وإذا أساؤوا فاجتنِبْ إساءَتَهم (٢).
وإنما قال ابنُ الخيار هذا لأنه أقام القومُ على الصلاة الغافقيَّ، وقيل ابن عُدَيس، وقيل كِنانة بن بشر.
وروى ابن إسحاق عن أشياخه قال: وأشرف عثمان وهو محصور فقال: أين عبد الله بن عباس؟ فأجابه، فقال: اذهب على الموسم فحُجَّ بالناس، فقال: يا أمير المؤمنين، الجهاد في هؤلاء أحبُّ إليّ، فأقْسم عليه، ثم قال عثمان: ليُصَلِّ بالناس الجمعة والعيد
стр. 2595
عليُّ بن أبي طالب، وباقي الصلوات سَهْل بن حُنَيف، وقيل صلى بهم طلحة، وقيل الزبير الصلوات الخمس.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان قال: لما حُصر عثمان جاء المؤذِّنُ سعدٌ القرظي إلى علي ﵇، فقال: مَن يُصلّي بالناس؟ قال: سهل بنُ حُنَيف، فلما كان يوم العيد صلّى عليّ بالناس، وقيل صلى بهم كِنانة بن بشر.
وقال ابن سعد بإسناده عن محمد بن سيرين قال: جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب يقولون: إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين، فقال عثمان: أما القتال فلا.
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يومَ الدَّار: أعظمُكم عنّي غَناءً رجلٌ كفَّ يده وسلاحَه.
وروى ابن سعد أيضًا بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: دخلتُ على عثمان يومَ الدار، فقلتُ: يا أمير المؤمنين: طاب امْضَربُ، فقال: يا أبا هريرة، أيَسُرُّك أن تَقتُلَ الناس جميعًا وإيّاي؟ قلت؟ لا، قال: فإنك والله إنْ قتلتَ رجلًا واحدًا فكأنما قتلتَ الناس جميعًا، قال: فرجعتُ ولم أُقاتل (١).
قلتُ: والظاهر أن قولَ أبي هريرة: طاب امْضَرْبُ ليس له معنى، والأصحُّ ما ذكره الشيخ الموفَّق ﵀ في "الأنساب" (٢) عن أبي هريرة قال: إني لمحصورٌ مع عثمان في الدار، إذ رَمى رجلٌ بسهم، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، طاب الضراب، قتلوا منا رجلًا، فقال عثمان: عَزَمْتُ عليك يا أبا هريرة إلا ما رميت سيفَك، فإنما تُراد نَفْسي، وسَأقي المسلمين أو المؤمنين بنفسي، قال: فرميتُ بسيفي، فلا أدري أين هو إلى الساعة.
وقال ابن سعد بإسناده: أمّر عثمان عبد الله بن الزُّبير على الدار، وقال: مَن كانت