وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوَرَّاق، بإسناده عن ابن أَبْزى، عن عثمان بن عَفَّان قال: قال لي عبد الله بن الزبير: إنّ عندي نجائبَ أعدَدْتُها لك، فهل لك أن تتحوَّلَ إلى مكة فيَأتيك مَن أرادَ أن يأتيك؟ قال: لا، إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يُلحِد بمكة كَبْشٌ من قُريشٍ، اسمُه عبد الله، عليه مِثلُ نصفِ أوزارِ الناس" (١).
ذكر ما قالوا لعثمان في خلْعه وما قال لهم:
قال ابن سعد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: قال لي عثمان وهو مَحصورٌ في الدار: ما ترى فيما أشار به عليَّ المغيرةُ بنُ الأخنس؟ فقلت: وما الذي أشار به؟ قال: قال لي: إن هؤلاء القوم يُريدون خَلعي، فإن خَلَعْتُ تركوني، وإن لم أخلَع قتلوني، قال: فقلتُ: أرأيتَ إن خَلَعْتَ تُتْرَك مُخَلَّدًا في الدنيا؟ قال: لا، قلتُ: فهل يَملكون الجنةَ والنّار؟ قال: لا، قلتُ: أرأيتَ إن لم تَخْلَع هل يَزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلتُ: فلا أرى أن تَسُنَّ هذه السُّنَّةَ في الإسلام، كلما سَخِط قومٌ على أميرهم خَلَعوه، لا تَخْلَع قميصًا قَمَّصَك الله.
وروى ابن سعد عن عثمان أنهم كانوا يَدخلون عليه وهو مَحصور، فيقولون: اعتزِلْنا، فيقول: لا أَنزِعُ سِربالًا سَرْبَلَنيه الله ، ولكن أَنزِعُ عما تكرهون.
قال ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن جُبير قال: قال رسول الله ﷺ لعثمان: "إنْ كساك الله يومًا سِربالًا، فأرادك المنافقون على خَلْعه فلا تَخْلَعْه لظالم".
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي سَهْلة مولى عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "وَدِدْتُ أنّ عندي بعضَ أصحابي"، فقالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله، أدعو لك أبا بكر؟ فسكتَ، فعرفتُ أنه لا يُريده، فقلتُ: أَدْعُو لك عمر؟ فسكتَ، فعرفتُ أنه لا يُريده، فقلتُ: أدعو لك عثمان بن عفان؛ قال: "نعم"، فدعوتُه، فلما جاء أشار إليَّ
стр. 2592
رسولُ الله ﷺ أن تَباعدي، فجاء عثمان، فجلس إليه، فجعل رسول الله ﷺ يقول له ولَونُ عثمانَ يتغيَّر.
قال قيس: فأخبرني أبو سَهْلةَ قال: لما كان يومُ الدَّار قيل لعثمان: ألا تُقاتل؟ فقال: إن رسول الله ﷺ عَهِد إليَّ عهدًا وأنا صابرٌ عليه، قال أبو سهلة: فيرُون أنه ذلك اليوم.
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي أمامة بن سهل، قال: كنتُ مع عثمان في الدار وهو مَحصور، فخرج إلينا مُنْتَقِعًا لونُه فقال: إنهم لَيَتَوعَّدونني بالقتل آنِفًا، قلنا: يَكفيكَهم الله، فقال: ولمَ يَقتلونني وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجلٍ كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نَفْسًا بغير حقّ، أو بغير نفس"، ووالله ما رنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلام قط، ولا تمنَّيتُ أن [لي] بدِيني بَدَلًا منذ هداني الله، ولا قتلتُ نفسًا، ففيم يَقتلونني؟
وقال ابن سعد بإسناده عن مجاهد قال: أشرفَ عثمان على الذين حصروه فقال: يا قوم، لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مُسلم، فوالله إنْ أردتُ إلا الإصلاح ما استطعتُ، أصبتُ أو أخطأتُ، وإنكم إنْ تقتلوني لا تُصلُّون جميعًا، ولا يُقسَم فَيئكُم بينكم أبدًا، فلما أَبَوا قال: اللهمَّ أَحْصِهم عددًا، واقتُلْهم بَدَدًا، ولا تُبقِ منهم أحدًا.
قال مجاهد: فقتلَ الله منهم مَن قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهلِ المدينة عشرين ألفًا، فأباحوا المدينة ثلاثًا؛ يَصنعون ما شاؤوا لمداهَنَتِهم (١).
وفي رواية فقالوا: اخلع نفسَك، فقال: لا ولا كَرامة، إن رسول الله ﷺ قال: "يا عثمان، إن الله مُقَمِّصُك قميصًا، فإن أرادوك على خَلْعه فلا تخلَعه لهم ولا كَرامة" قالها مرتين أو ثلاثًا (٢).
وقد أخرج أحمد في "المسند" (٣) بمعناه فقال: حدثنا موسى بن داود بإسناده، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنتُ عند النبي ﷺ فقال: "يا عائشة، لو كان
стр. 2593
عندنا مَن يُحدِّثنا"، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ألا أبعَثُ إلى أبي بكر؟ فسكتَ، قالت: ثم قال: "لو كان عندنا مَن يُحدِّثنا"، فقلتُ: ألا أبعَثُ إلى عمر؟ فسكت، ثم دعا وَصيفًا بين يديه، فسارَّه بشيءٍ فذهب، فإذا عثمان يَستأذن، فأذن له، فدخل، فناجاه طويلًا، ثم قال: "يا عثمان، إن الله مُقَمِّصُك قميصًا، … " وذكره.
وقال أحمد بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان وهو محصور في القصر، فقال: أَنْشُدُ بالله مَن سمع من رسول الله ﷺ يومَ حِراء إذِ اهتزَّ الجَبل فرَكَله برِجله، ثم قال: "اسكُنْ حِراء، فما عليك إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيد" وأنا معه؟ فانتشَدَ له رِجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله مَن شَهد بَيعةَ الرِّضوان وقد بَعَثني رسولُ الله ﷺ إلى أهلِ مكة، فقال: "هذه يدي، وهذه يدُ عثمان" فبايع لي؟ فانتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله من سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن يُوَسِّع لنا بهذا البيت في هذا المسجد بنى الله له بيتًا في الجنة"، فاشتريتُه بمالي، فوَسَّعتُ به في المسجد؟ فانْتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله مَن سمع رسول الله ﷺ أو شَهد رسولَ الله ﷺ يقول يومَ جيشِ العُسرة: "مَن يُنفِق اليوم نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةً"، فجهَّزتُ نِصفَ الجيش بمالي؟ فانتَشَد له رجال.
ثم قال: أَنْشُدُ بالله رجلًا شَهِد بئرَ رُوْمَةَ يُباع ماؤها، فابتعتُها بمالي، أو من مالي، وأَبَحتُها ابنَ السبيل؟ فانتَشَد له رجال. أخرجه أحمد في "المسند" (١).
وأخرج البخاري طرفًا منه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: إن عثمان لما حَصَروه أشرفَ عليهم من دارِه وقال: أَنْشُدكم اللهَ يا أصحابَ محمد، ولا أَنْشُدُكم إلا أنتم، ألستُم تَعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مَن جَهَّز جيشَ العُسْرَةِ فله الجنَّة" فجهَّزتُه؟ ألستُم تَعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مَن حفر بئر رُومَةَ فله الجنة" فحفرتها؟ قال: فصدَّقوه بما قال (٢).
стр. 2594
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي ليلى الكِندي قال: شهدتُ عثمان وهه محصور، فاطَّلع من كَوٍّ وهو يقول: أيها الناس، لا تَقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتُموني لا تُصلُّون جميعًا أبدًا، ولا تجاهدون عدوًا جميعًا أبدًا، ولتَختَلفُنّ حتى تَصيروا هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية [هود: ٩٠]، ثم أرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكفَّ الكفَّ، فإنه أبلغُ لك في الحُجَّة.
وفي رواية أنه قال: والله لئن قَتلتُموني لا تَضعون السَّيفَ عن أعناقكم أبدًا إلى يوم القيامة، فقالوا: أمّا ما ذكرتَ مما يُصيبنُا من البلاء، فإنه لا يحلُّ تَركُ إقامةِ الحقِّ مخافةَ الفتنة في المستقبل، وأما قولك: فإنه لا يَحلُّ قتلُ غير الثلاثة الذين ذكرتَهم، فقتلُ السَّاعي بالفساد في الأرض، والباغي، ومَن حال بين الحقِّ وأهله واجبٌ، وقد بغيتَ، ومنعتَ الحقَّ، وكابرتَ، فلو خلعتَ نفسَك لانصرفنا عنك (١).
ذكر من كان يصلي بالناس وعثمان محصور:
واختلفوا في ذلك:
أخرج البخاري عن عُبيد الله بن عديّ بن الخيار، أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال له: إنك إمامُ العامَّة، وقد نزل بك ما ترى، وإنه يُصلّي بنا إمامُ فتنة، وأنا أتحرَّجُ من الصلاة معه؟ فقال عثمان: إن الصلاة من أحسن ما يَصنَعُ الناس، فإذا أحسن الناسُ فأحسِنْ معهم، وإذا أساؤوا فاجتنِبْ إساءَتَهم (٢).
وإنما قال ابنُ الخيار هذا لأنه أقام القومُ على الصلاة الغافقيَّ، وقيل ابن عُدَيس، وقيل كِنانة بن بشر.
وروى ابن إسحاق عن أشياخه قال: وأشرف عثمان وهو محصور فقال: أين عبد الله بن عباس؟ فأجابه، فقال: اذهب على الموسم فحُجَّ بالناس، فقال: يا أمير المؤمنين، الجهاد في هؤلاء أحبُّ إليّ، فأقْسم عليه، ثم قال عثمان: ليُصَلِّ بالناس الجمعة والعيد
стр. 2595
عليُّ بن أبي طالب، وباقي الصلوات سَهْل بن حُنَيف، وقيل صلى بهم طلحة، وقيل الزبير الصلوات الخمس.
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان قال: لما حُصر عثمان جاء المؤذِّنُ سعدٌ القرظي إلى علي ﵇، فقال: مَن يُصلّي بالناس؟ قال: سهل بنُ حُنَيف، فلما كان يوم العيد صلّى عليّ بالناس، وقيل صلى بهم كِنانة بن بشر.
وقال ابن سعد بإسناده عن محمد بن سيرين قال: جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب يقولون: إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين، فقال عثمان: أما القتال فلا.
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يومَ الدَّار: أعظمُكم عنّي غَناءً رجلٌ كفَّ يده وسلاحَه.
وروى ابن سعد أيضًا بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: دخلتُ على عثمان يومَ الدار، فقلتُ: يا أمير المؤمنين: طاب امْضَربُ، فقال: يا أبا هريرة، أيَسُرُّك أن تَقتُلَ الناس جميعًا وإيّاي؟ قلت؟ لا، قال: فإنك والله إنْ قتلتَ رجلًا واحدًا فكأنما قتلتَ الناس جميعًا، قال: فرجعتُ ولم أُقاتل (١).
قلتُ: والظاهر أن قولَ أبي هريرة: طاب امْضَرْبُ ليس له معنى، والأصحُّ ما ذكره الشيخ الموفَّق ﵀ في "الأنساب" (٢) عن أبي هريرة قال: إني لمحصورٌ مع عثمان في الدار، إذ رَمى رجلٌ بسهم، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، طاب الضراب، قتلوا منا رجلًا، فقال عثمان: عَزَمْتُ عليك يا أبا هريرة إلا ما رميت سيفَك، فإنما تُراد نَفْسي، وسَأقي المسلمين أو المؤمنين بنفسي، قال: فرميتُ بسيفي، فلا أدري أين هو إلى الساعة.
وقال ابن سعد بإسناده: أمّر عثمان عبد الله بن الزُّبير على الدار، وقال: مَن كانت
стр. 2596
لي عليه طاعةٌ فليُطع ابنَ الزبير.
وفي رواية ابن سعد، قال ابنُ الزبير: يا أمير المؤمنين، قاتلْهم، فوالله لقد حلَّ لك قتالُهم أبدًا، وإن في الدّار عصابة مُستنصِرةً بنصر الله بأقلَّ منهم، فأذنْ لي فلأُقاتِلْ، فقال: أَنشُدُ الله -أو أُذكِّر الله- رجلًا أهراق فيَّ دمَه، أو فيَّ مِحْجَمةَ دمٍ.
وقال ابن سعد بإسناده عن ابن سيرين قال: كان مع عثمان في الدَّار يومئذٍ سبعُ مئة، لو يَدعهم لضَربوهم حتى يُخرجوهم من أقطارها، ابنُ عمر والحسن بن علي وابن الزبير.
وقال ابن سعد عن الواقدي بإسناده، عن أبي جعفر القاري مولى ابنِ عياش المخزومي قال: كان المصريّون الذين حصروا عثمان ستّ مئة، رأسُهم عبد الرحمن بن عُدَيس البَلَوي، وكِنانة بن بشر بن عَتَّاب الكِندي، وعمرو بن الحَمِق الخزاعيّ، والذين قَدِموا من الكوفة مئتين، رأسُهم مالك الأشتر النّخَعي، والذين قدموا من البصرة مئة، رأسُهم حُكَيم بن جَبَلة العبدي، وكانوا يدًا واحدة في الشرّ، وكان حُثالةٌ من الناس قد ضَوَوا إليهم، قد مَرِجَت عُهودُهم وأمانتهم، مَفتونون، وكان أصحابُ النبي ﷺ الذين خَذلوه كرهوا الفِتنة، وظنوا أن الأمر لا يَبلُغُ قتلَه، ثم ندموا على ما صنعوا في أمره، ولعَمري لو أقاموا أو أقام بعضُهم فحثا في وجوههم التُّراب لانصرفوا خائبين.
وحكى ابن سعد، عن الواقدي، عن الحكم بن القاسم، عن أبي عون مولى المِسور بن مَخْرَمة قال: ما زال المصريُّون كافّين عن دمه وعن القتال حتى قدمت أمدادُ وفود أهل العراق من الكوفة والبصرة، فلما جاؤوا شَجُعَ القوم حين بلغهم أن البُعوثَ قد فَصَلَتْ من العراق من عند ابن عامر، ومن مصر من عند ابن سعد، فقالوا: نُعاجِلُه قبل أن تَقدم الأمداد.
وفي رواية: وكان عثمان قد كتب إلى عُمَّاله: الوَحا الوَحا، فنَفروا على الصَّعبة والذَّلول.
وحكى ابن سعد، عن الواقدي، عن أشياخه، قال مالك بن أبي عامر: خرج سعد بن أبي وقاص من عند عثمان وهو محصور، فرأى عبد الرحمن بنَ عُدَيس، والأَشتر النَّخَعيّ، وحُكَيم بن جَبَلَة، فصَفّق بيده على الأُخرى، ثم استَرجعَ وقال: إن أمرًا
стр. 2597
هؤلاء رؤساؤه لأمرُ سوء (١).
وقال محمد بن إسحاق: كتب أهلُ مصر من ذي خُشُب، وكتب أهلُ المدينة إلى عثمان، لا نَرضى منك إلا بالتوبة، والرجوعِ عما أنت عليه، فلما خاف القتل شاور بني أمية فقالوا: الرأيُ أن تبعثَ إليهم عليًّا، فيَرُدَّهم ويعطيهم ما يطلبون، ويُطاولهم مُدّة، فقال: إن القوم لن يَقبلوا التعليل، ومتى أعطيتُهم ذلك سألوني الوفاءَ به، وقد أعطيتُهم في الأول عهدًا ولم أفِ لهم به، فقال له مروان: إنما هم بُغاةٌ، ولا عهدَ لهم، فطاولْهم مُدَّةً إلى أن تأتيك الأمداد.
فدعا عليًّا وقال له: يا أبا الحسن، إنه قد كان من أمر الناس ما رأيتَ، ولستُ آمنُهم على قتلي، فارددْهم عني، ولله عليَّ أن أُعطيَهم كلَّ ما يَطلبون، وأُزيل عنهم ما يَكرهون مني ومن غيري، وإن كان في ذلك سَفْكُ دمي.
فقال له علي: الناسُ إلى عَدْلك أحوجُ منهم إلى قَتْلك، وقد كنتَ أعطيتَهم في قَدمَتهم الأولى عهدًا لتَرجعَنَّ عن جميع ما نقموا عليك، فرددتَهم عنك، ثم لم تفِ لهم بشيء من ذلك، فلا تَغُرّني في هذه المرة كما فعلتَ، ووالله لئن أعطيتَهم الحقّ لأفينَّ لهم (٢).
ثم خرج عليّ إلى الناس فقال: إن عثمان قد زعم أنه مُنصِفُكم من نفسه ومن غيره، وراجعٌ عن جميع ما تكرهون، فقالوا: قد قبلنا ورضِينا، فاستوثِقْ لنا منه، فإنّا والله لا نَرضى بقولٍ دون فعل، فعاد إليه فأخبره، فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلًا يكون لي فيه مُهلة، فإني لا أقدِرُ على ردِّ ما كَرهوا في يوم واحد، فقال له علي: ما كان حاضرًا بَالمدينة لا أجلَ فيه، وما غاب فأجَلُه وصولُ أمرِك. فقال: نعم، ولكن أجِّلني فيما كان في المدينة ثلاثةَ أيام، قال علي: نعم، وخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك فرَضُوا، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا أجَّلوه ثلاثة أيام؛ على أن يَردَّ كلَّ مَظلمة، وَيعزِلَ كلَّ عاملٍ كرهوه، وأخذ عليه في الكتاب أعظمَ ما أخذ الله على أحدٍ من خلقِه من عهدٍ
стр. 2598
وميثاق، وأشهد عليه وُجوهَ المهاجرين والأنصار.
فكفَّ المسلمون عنه، ورَجَوا أن يَفيَ لهم من نفسه بما أخذوا عليه، فجعل يَتأهَّبُ للقتال، ويَستعدُّ بالسلاح، وقد كان اتّخذ عَبيدًا [من رقيق] الخُمْس، فلما مضت الأيامُ الثلاثة -وهو على حاله لم يردّ مَظلمة، ولم يَعزل عاملًا، ولم يُغيِّر شيئًا مما يَكرهون- ثار به الناس.
وخرج ابن حَزْمٍ الأنصاري، فأتى المصريّين بذي خُشُب، فأخبرهم الخبر، فدخلوا المدينة، وأرسلوا إلى عثمان: ألم تُعطِنا عهدَ الله على إزالة ما نكره، وأنك تائبٌ من إحداثك؟ وأين العهود والمواثيق؟ وكانوا قد وجدوا كتابَه إلى ابن سعد بقتلِهم، فلما بعثوا إلى عثمان بهذا قال: بلى، وأنا مقيمٌ على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب، وما هذا الفعل؟ فقال: الخَطُّ قد يُشبه الخط، والجمل فيُسرق، قالوا: فقد رضينا وقَبِلنا عُذرَك، من الآن فاردُد المظالم، واعزِلْ عُمَّالك، واستعمل علينا مَن لا نتَّهمه في أموالنا وحَريمنا ودمائنا، فقال عثمان: فما أُراني إذن في شيءٍ إن كنتُ أستعمِل مَن هَويتم، وأعزِل مَن كَرِهتُم، فقالوا: والله لنَقتُلَنّك، فحصروه أَربعين ليلة، وطلحةُ يُصلّي بالناس، ثم قتلوه.
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث عثمان إلى عليّ يَدعوه وهو محصور في الدار، فأراد أن يأتيَه، فتعلَّقوا به ومنعوه، قال: فحلَّ عمامةً سوداءَ عن رأسه وقال: اللهمَّ لا أرضى قتلَه ولا آمُر به، يُكرّرها.
وفي رواية ابن سعد، عن أبي فَزارة العبسيّ قال: فقام عليّ ليأتيه؛ فقام بعض أهله فمنعه، وفي رواية: فقام بنو هاشم فمنعوه وقالوا: أما تَرى إلى ما بين يديك من الكتائب؟ لا تَخلُصُ إليه أبدًا، فنقض علي عِمامته، ورمى بها إلى رسول عثمان وقال: أخبِرْه بالذي رأيتَ، ثم خرج عليّ من المسجد حتى انتهى إلى أحجار الزيت في سوق المدينة، فأتاه قتلُه فقال: اللهمَّ إني أبرَأُ إليك من دمه [أن أكون قَتلتُ]، أو أكونَ ما لأتُ على قتلِه (١).
стр. 2599
وقال هشام: كتب عثمان إلى عليّ وهو محصور: [من الطويل]
فإن كنتُ مأكولًا فكنْ أنت آكِلي … وإلا فأدرِكْني ولما أُمَزَّقِ (١)
فقام علي متقلِّدًا سيفَه، وقام إليه بنو هاشم فقالوا: نخافُ عليك القتل، والله لا نُمكّنك من المضيّ أبدًا.
وروى ابن إسحاق، عن أشياخه قال: لما طَلب عثمان عليًّا جاء مُتقلدًا لسيفه، يَشُقُّ الصّفوف، حتى وقف بباب عثمان، وقال لابنه الحسن: ادخل إليه، وقل له: إنما جئتُ لنُصرتِك، فما تأمُرني؟
فقال: قلْ له: لا حاجةَ لي في إهراق الدّماء، فخرج إليه فأخبره، فرمى عمامتَه وقال: الله أكبر ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾ [يوسف: ٥٢].
وقال البلاذريّ: الأصح أن عثمان قُتل وعلي بظاهرِ المدينة، في قريةٍ يُقال لها البُغَيبِغَة (٢).
وقال المسعودي: لما أحدقوا بالدار طَلبوا من عثمان أن يُسْلم إليهم مروان، فأبى (٣).
ولما بلغ عليًّا أنهم قاتلوه أرسل إليه بالحسن والحسين مع مواليه بالسلاح يقاتلون عنه، وبعث إليه طلحةُ ابنَه محمد، والزبير ابنَه عبد الله.
وقال الواقدي: جاءهم عبد الله بن سلام، فوقف عليهم وصاح: يا قوم، إنه والله ما قتلت أمّةٌ نبيًّا إلا قُتل مكانه سبعون ألفًا، ولا قتل قومٌ خليفةً إلا قُتل مكانه خمسةٌ وثلاثون ألفًا، فسَبُّوه وقالوا: يا ابنَ اليهوديّة.
وقال عثمان لعبيده: مَن أغمد سيفَه فهو حُرّ، فبينما عثمان كذلك أحرقوا الباب.
قال الواقدي: لما مضى من الحصار خمسةٌ وثلاثون يومًا، وقد طرحوا رُقَباء على علي وطلحة والزبير، وقالوا: إن تَحرّكوا اقتُلوهم، فلما حِيل بينهم وبين عثمان بعثوا
стр. 2600
إليه بأولادهم، فقال عثمان: أَغمِدوا سيوفكم، وما صَبري إلا بالله، فإني رأيتُ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر في المنام وهم يقولون: اصبر، فإنك ستصلُ إلينا في وقت كذا وكذا، في اليوم الذي قُتل فيه.
قال: وبلغ القوم أن الأمدادَ واصلةٌ إليهم، فجَدُّوا في أمره، ومَنَعوه الماء، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير وأزواج النبي ﷺ يقول: قد مَنعوني الماء، فجاء عليّ إليهم، فوقف عليهم وقال: إن الروم تأسِر فتُطعم وتَسقي، وفِعلُكم لا يُشبِه فعلَ المسلمين ولا فعلَ الكافرين، فقالوا: لا ولا كَرامة، لا نَسقيه ولا نُطعمه حتى يَخلعَ نَفْسَه.
وجاءت أمُّ سلمة، وقيل أم حبيبة، زوجةُ النبي ﷺ كبةً على بغلةٍ، وهي مُشتملةٌ على إداوةٍ، فقالت لهم: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل، وإني أحبُّ لقاءه، فقالوا: كذبْتِ، وقُطع ذَنب بَغْلتها بالسيف، فلم تصل إليه.
قال: وخرجت عائشة هاربة إلى مكة، سألت أخاها محمدًا أن يَصحَبها فأبى.
وقال هشام: عَزمَتْ عائشةُ على الحجِّ وعثمان مَحصور، فجاءها مروان فقال: أتخرجين وأميرُ المؤمنين محصور؟ لا تفعلي، فإن مقامك مما يَدفع الله به، فأبت فتمثّل مروان: [من المتقارب]
وحَرَّقَ قيسٌ عليَّ البلادَ … حتى إذا استَعَرَتْ أجذَما
فقالت عائشة: أيُّها المتمثِّل عليَّ بالأشعار، وددتُ والله أنك وصاحبَك هذا الذي يَعْنيك أمرُه؛ في رِجل كلِّ وإحدٍ منكما رَحى، وأنكما في البحر، ثم خرجت.
وقال ابن إسحاق: أشرف عثمان من داره وقد اشتدَّ به العَطَش، فقال: هل فيكم من يُبلِّغ عليًّا عَطَشنا، فأبلغوه، فأرسل إليه بثلاث قِرَب من الماء مع عبيده وطائفةٍ من بني هاشم، فما وصلت إليه إلا بعد مشقّة.
وكانوا قد وَكلوا بعلي وطلحة والزبير رُقَباء، فوضعوا على علي خالد بن مُلْجَم في نفرٍ، وعلى طلحة سُودان بن حُمْران، وقالوا: إن تحرّكوا اقتلوهم.
ذكر مقتله ﵁:
قد أخبر رسول الله ﷺ بذلك.
стр. 2601
قال أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فمرَّ رجلٌ مُقَنَّع، فقال رسول الله ﷺ : "يُقتَل فيها هذا المقنَّعُ مظلومًا"، قال ابن عمر: فنظرت فإذا الرجل عثمان (١).
رَجَعْنا إلى قتل عثمان، قال الطبري في تاريخه: حدثني يعقوب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عَوْن بإسناده، وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد:
أن محمد بن أبي بكر تَسوَّر على عثمان من دارِ عمرو بن حزم، ومعه كِنانة بن بِشْر بن عتَّاب وسُودان بن حُمران وعمرو بن الحَمِق، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ سورة البقرة من المصحف، فتقدَّمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحية عثمان وقال: قد أخْزاك الله يا نَعْثَل، فقال عثمان: لستُ بنَعْثَل ولكني عبد الله وأميرُ المؤمنين، فقال محمد: ما أغنى عنك مُعاوية وفلان وفلان؟ فقال عثمان: يا ابن أخي، دعْ عنك لحيتي فما كان أبوك ليَقْبضَ على ما قبضتَ عليه، فقال محمد: ما أريدُ بك أشدَّ من قبضتي على لحيتك، فقال عثمان: أَستنصِرُ بالله عليك وأستعينُ به، ثم طعن جبينَه بمِشْقَصٍ في يده، ورفع كِنانةُ بن بشر بن عتّاب مَشاقِصَ كانت في يده فوَجأ بها في أصل أُذُن عثمان، فمضت حتى دخلت في حَلْقه، ثم علاه بالسيف حتى قتلَه.
قال عبد الرحمن بن عبد العزيز: فسمعتُ ابنَ أبي عون يقول: ضرب كِنانة بن بِشر جبينَه ومُقَدَّم رأسِه بعمود حديد، فخرَّ لجَنبه، وضربه سُودان بن حُمران المراديّ بعدما خَرَّ لجَنبه فقتله، وأما عمرو بن الحَمِق فوَثب على عثمان، فجلس على صدره وبه رَمَقٌ، فطعنه تسعَ طَعْنات وقال: أما ثلاثٌ منهنّ فإني طعنتُهنّ لله، وأما ستّ فإني طعنتُه لما كان في صدري عليه (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن الزبير بن عبد الله، عن جدّته قالت: لما ضربه بالمشاقِص قال عثمان: بسم الله توكَّلتُ على الله، وإذا الدَّمُ يَسيل على لحيته يَقطُر، والمصحف بين يديه، فاتّكأَ على شِقّه الأيسر وهو يقول: سبحان الله العظيم، وهو في ذلك يَقرأ في
стр. 2602
المصحف، حتى وقف الدَّمُ عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وأطبق المصحف، وضربوه جميعًا ضربةً واحدة فقتلوه، ولقد كان يُحيي الليلَ في ركعة، ويَصلُ الرَّحم، ويُطعم الملهوف، ويَحمل الكَلّ، فرحمه الله.
وقال ابن سعد عن الزهري قال: قُتل عثمان عند صلاةِ العصر، وشدَّ عبدٌ لعثمان أسود على كِنانه بن بِشر فقتله، وشدَّ سُودان على العبد فقتله، ودخلت الغَوغاء دار عثمان، فصاخ إنسانٌ منهم: أيَحِلُّ دمُ عثمان ولا يحلُّ مالُه؟ فانتهبوا مَتاعَه، فقامت نائلة وقالت: لُصوص وربِّ الكعبة، أعداءَ الله، ما ركبتُم من دم عثمان أعظم، أما والله لقد قتلتموه صوَّامًا قوَّامًا، يَقرأ القرآن في ركعة واحدة، ثم خرج الناس من دار عثمان، وأُغلق بابُه على ثلاثةٍ قُتلوا: عثمان، وعبد عثمان، وكنانة بن بشر.
وقال ابن سعد بإسناده ويزيد بن هارون قالا: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن يَعلى بن حكيم، عن نافع قال: أصبح عثمان بن عفان يوم قُتل يَقُصُّ رؤيا على أصحابه رآها، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ البارحةَ فقال لي: يا عثمان، أفطِرْ عندنا، قال: فأصبح صائمًا، وقُتل في ذلك اليوم.
وفي رواية ابن سعد: نام عثمان يوم الجمعة، وأتيتُه فقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في منامي هذا فقال: إنك شاهدٌ فينا الجمعة.
وفي رواية ابن سعد أيضًا، عن نائلة قالت: أغفى عثمان، فلما استيقظ قال: إني مقتول، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، قال: إني رأيتُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر وعمر فقالوا: أفطِرْ عندنا الليلة، أو قالوا: إنك تُفطر عندنا الليلة.
وقال ابن سعد بإسناده، عن محمد بن سيرين قال: لما أحاطوا بعثمان ودخلوا عليه ليقتلوه قالت امرأتُه: إن تَقتلوه أو تَدَعوه فقد كان يُحيي الليلَ بوكعةٍ يَجمع فيها القرآن.
وقال ابن سعد فيما رواه، عن عطاء بن أبي رباح: أن عثمان بن عفان صلّى بالناس، ثم قام خلف المقام فجمع كتاب الله في ركعة كانت وتره، فسُمَيت البُتَيراء (١).
قلت: وهذا حاصل ما ذكره ابن سعد في "الطبقات" في مَقتل عثمان.
стр. 2603
وقال الواقدي: صَعدوا من دار عَمرو بن حَزْم، وكان قد دنا بعضُهم من الباب، فشغلوا مَن كان عليه بالقتال، مثل الحسن بن علي، وابن عمر، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وبني أمية، وجاءت طائفة من وراء الدار فصعدوا إلى دار عمرو بن حزم، فتسوَّروا عليه منها، ولم يَعلم بهم مَن على الباب، فلما رآهم عثمان أخذ المصحف، فجعله في حجره فقتلوه.
واختلفوا في قاتله؛ فحكينا عن ابن سعد أن محمد بن أبي بكر باشر قتلَه ومعه ثلاثة وسمَّيناهم (١).
وأنكر جماعة أن يكون محمد باشر قتلَه، منهم البلاذري فإنه قال: لما قال له ما قال استرخت يده وخرج، وكذا قال المسعودي، فإنه لما أمسك لحيةَ عثمان قال له: يا محمد، لو رآك أبوك لساءه فِعلُك، فخجل، واسترخت يدُه، وخرج من الدار، ولم يَشهد قتلَه (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن كِنانة مولى صفيّة قال: رأيتُ قاتلَ عثمان في الدار، رجلًا أسود من أهل مصر يُقال له: جَبَلَة، رافع يديه يقول: أنا قاتلُ نَعْثَل.
وروى ابن سعد، عن حجَّاج بن نُصَير، عن أبي خَلدة، عن المسيّب بن دارم قال: إن الذي قَتل عثمان قام في قتال العدوِّ سبعَ عشرة سنة، يُقتَل مَن حوله، لا يُصيبه شيءٌ حتى مات على فراشه (٣).
وقال هشام: ضربه الغافقيّ بحَرْبةٍ فشجّه بها، فقطر الدّمُ على المصحف، فأبقى الحربةَ بيده ورفع المصحف، فضربه الغافقيّ برجله، ثم ضربه سودان بن حُمران بالسيف، فاتّقته نائلة زوجةُ عثمان، فقطع أصابعَ يديها، وضربه نيار بن عِياض الأسلمي بالسيف على وجهه.
وفي رواية عن هشام بن محمد: أن الذي باشر قَتْلَه الأسود النَّخَعيّ المصري.
стр. 2604
ولما ضرب سودان بن حُمران يدَ نائلة فأطنّها وثب غلامٌ لعثمان فقَتل سودان، وقاتل مروان وبنو أمية حتى أُثخثوا بالجراح، وجُرح الحسن بنُ علي، وقَنْبر، وابنُ الزبير، وابن عمر جراحات كثيرة، وكان مروان يَحمل ويقول: لا يُقتل [ابنُ] عَمّي وأنا أسمع الصوت.
وقال الواقدي: لما أحرقوا الدار قال عثمان: ما بعد الحريق من خير، فاحترقت السّقوف والأبواب، وقال عثمان: مَن كان لي عليه طاعة فليُمْسك يده، فإنما يُريد القومُ قتلي، وسيندمون بعدي، ولو تركوني لظننتُ أني لا أُحبُّ الحياة، قد تغيَّر حالي، وسقطت أسناني، ورقّ عظمي، ثم قال لمروان: اقعُدْ ولا تَخرجْ، فقال مروان: والله لا يُخلَص إليك وأنا أسمع الصَّوت، ثم حمل مروان وهو يقول: [من الرجز]
قد عَلمتْ ذاتُ القرونِ المِيلِ … والكَفِّ والأناملِ الطُّفولِ
أني أَرُوعُ أوَّلَ الرَّعيل … بغارَةٍ مثلِ قَطا الشَّليلِ
فضربه ابنُ البيّاع بالسيف على رقبته من خلفه فأثبته، فوقع على وجهه صريعًا، فأخذتْه فاطمة بنت أوس جدَّةُ إبراهيم بن العربي، فأدخلتْه بيتَها، فكان بنو عبد الملك يَعرفون ذلك لآل عَربي.
وفي رواية هشام: أن مروان خرج من الدَّار وصاح: هل من مُبارز؟ فقال عبد الرحمن بن عُدَيس لرجل: قُمْ إليه، والذي برز إليه يُقال له عُروة، فضربه على عُنُقه فأثبَتَه، فخرَّ صريعًا، فأراد عُبيد بن رفاعة الزُّرقي أن يُدَفّفَ على مروان، فوَثبت فاطمة أَمُّ إبراهيم بن عَربي صاحب اليمامة، وكانت قد أرضعت مروان، فقالت: إن كنتَ تُريد قتلَ الرجل فقد قُتل، وإن كنتَ تُريد تَلعبُ بلحمه فهذا قبيحٌ، فكفَّ عنه، فما زال بنو مروان يَعرفون لها ذلك حتى استعملوا ابنَها إبراهيم فيما بعد.
وحكى الطبري عن حُسين بن عيسى، عن أبيه قال: لما مضت أيامُ التّشريق أطافوا بدار عثمان، وأبي إلا الإقامة على أمره، فأرسل إلى حَشَمه وحاشيته فجَمَعهم، فناداه
стр. 2605
رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ من أسلم، يقال له: نيار بن عِياض، وكان شيخًا كبيرًا: يا عثمان، فأشرف عليه من داره، فناشده الله وذكّره لما اعتزلهم، فرماه رجلٌ من أصحاب عثمان بسهمٍ فقتله، وزعموا أن الذي رماه كثير بن الصَّلْت الكِندي، فقالوا لعثمان: ادفع إلينا قاتلَ نيار لنقتُلَه به، فقال: لم أكن لأدفعَ رجلًا نَصَرني، وأنتم تُريدون قتلي، فلما قال لهم ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه، وخرج عليهم مروان من دار عُثمان في عصابة، وخرج سعيدُ بن العاص في عصابة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا.
وكان الذي جَرَّأهم على القتال أنه بلَغهم أن مَدَدًا من أهل البصرة نزلوا صِرارًا -وهي من المدينة على لَيليةٍ- وأن أهلَ الشام قد توجَّهوا مُقبِلين، فاقتتلوا، وجُرح عبد الله بنُ الزبير جِراحات كثيرة، وحمل رفاعة بن رافع الأنصاري على مروان فأثبته، ونزع عنه وهو يرى أنه قد قتلَه.
ثم انهزم أصحابُ عثمان فالتجؤوا إلى القصر، واعتصموا ببابه، فلم يزل الناس يَقتتلون حتى فتح عمرو بن حَزْم الأنصاري بابَ داره، وهي إلى جانب دار عثمان، ثم نادى الناس، فأقبلوا إليه، فدخلوا عليهم في داره فقتلوهم في جوْفِ الدار، حتى انهزموا وخَلّوا لهم عن باب الدّار، فخرجوا هاربين في أزِقَّة المدينة، وبقي عثمان في ناس من أهل بيته وأصحابه، فقُتل عثمان وقُتلوا معه.
وحكى الطبريّ عن يعقوب بن إبراهيم بإسناده، عن أبي سعيد مولى أبي أسَيد الأنصاري: أن عثمان أشرف عليهم وقال: السلام عليكم فما ردَّ أحدٌ منهم عليه، فقال: أَنشُدكم بالله، هل علمتُم أني اشتريتُ بئرَ رُومَةَ من مالي؟ قيل: نعم، قال: فعلام تَمنعوني أن أشربَ منها؟! وذكر أنه اشترى قطعة من الأرض فأدخلها في المسجد، وذكر أشياء.
ثم فتح الباب، ووَضَعَ المصحفَ في حجره، فدخل محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، فقال له: لقد أخذتَ مني مَأخذًا، وقعدتَ مني مقعدًا، ما كان أبوك ليَأخُذَه ويَقعُدَه، فخرج وتركه.
قال: فدخل عليه رجلٌ يُقال له: الموت الأسود، فخَنقه ثم خرج وهو يقول: والله ما رأيتُ شيئًا ألينَ من حَلْقه، ولقد خنقتُه حتى رأيتُ نَفَسه يَتردَّدُ في جسده كنَفَس
стр. 2606
الجانّ، يعني الحيّة (١).
قلت: وعامة الرّواة على خلاف ما ذكر الطبري، فإنهم أجمعوا على أن عثمان قُتِل قتلًا ولم يُخْنَق.
قال هشام: وجعل الغافقيُّ يَضرب برجله رأسَ عثمان، وهو مُلقى إلى جانب المصحف.
وقال جدّي ﵀ في "التّلقيح" (٢): واختلفوا في قاتله؛ فقيل: قتله الأسود التُّجيبي من أهل مصر، وقيل: جبلة بن الأيهم من مصر، وقيل: قتله سُودان بن رومان المرادي، وقيل: وَجَأه محمد بن أبي بكر بمِشْقَص، ثم دَفّف عليه التُّجيبي ومحمد بن أبي حُذيفة، فضرباه بأسيافِهما حتى أثبتاه، وكان صائمًا.
قلت: محمد بن أبي حذيفة لم يشهد قتلَ عثمان، وعامّة المؤرّخين على أنه كان بمصر.
وقال هشام: ودخل عُمَير بنُ ضابئ فنَزا على عثمان، فكسر ضِلعًا من أضلاعه، وقال: سجنتَ أبي ضابئًا حتى مات في السِّجن.
وكان السّببُ في حبس عثمان ضابئَ بن الحارث؛ أنه استعار كلبًا من قومٍ من الأنصار في زمان الوليد بن عُقبة يُدعى قُرحان لصيد الظَّبي، فمنعه منهم، فأخذوه قَهرًا، فقال: [من الطويل]
وكلبُكم لا تتركوا فهو أمّكم … فإن عُقوقَ الأُمَّهات كبيرُ
من أبيات، فاستعدَوْا عليه عثمان، فَعَزَّرهُ وحبسه حتى مات في السّجن، وهذا مما أُخذ أيضًا على عثمان.
وعمير هو القائل (٣): [من الطويل]
هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكِدتُ وليتَني … تركتُ على عثمانَ تَبكي حَلائلُهْ
стр. 2607
وقائلةٍ قد مات في السِّجنِ ضابئٌ … ألا مَن لخَصْمٍ لا يَجدْ مَن يُجادِلُهْ
وقيل: إن عُميرًا أنفذ السيفَ في بطن عثمان (١).
وقال الواقدي: أقبل عُمير بن ضابئ والكُميل بن زياد ليقتلا عثمان، ثم نكصا، وسوف نذكر قتلَ الحجاج عمير بن ضابئ والكُميل بنَ زياد في أيام الحجاج.
وقال أبو اليقظان: ولما انتهبوا ما في دار عثمان أخذوا مُلاءَةَ نائلة، فتنحَّت فقال: ويح أم هذه ما أتمَّ عَجيزَتَها، فوَثب عليه غلامٌ لعثمان فقتله.
وذكره الطبري فقال: الذي أخذ مُلاءة نائلة اسمُه كُلثوم بن تُجيب (٢).
وحكى سيف، عن مُجالد، عن الشعبي، عن المغيرة بن شُعبة قال: قُلْتُ لعلي: إن هذا مقتولٌ، وإنه إن قُتِل وأنت بالمدينة ألحدوا فيك، فاخرجْ فكُن في موضع كذا وكذا، فإنك إنْ فعلتَ ذلك وكنتَ في غارٍ باليمن طلبك الناس، قال: فأبى حتى قُتل عثمان، وألزموه دمَه.
وقال سيف بهذا الإسناد: لما أُغشي على عثمان جَرُّوا برجله، وصاحت نائلة وبناتُه، وجاء التُجيبي مخترِطًا سيفَه ليَضَعه في بطنه فوَقَتْه نائلة، فقطع إصبعَها، وأتّكأ بالسيف على صدره فأخرجه من ظهره.
وقال الطبري بإسناده عن يزيد بن أبي حبيب: وَليَ قتلَ عثمان نهران الأصبَحيّ (٣).
وقال البلاذري: قال عليّ للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما فقِفا على الباب، فلا يَصل أحدٌ إلى عثمان، وبعث الصحابة أولادهم، فرُمي الحسنُ بسهم فشُجَّ في وجهه، وشُجَّ قَنْبَر ومحمد بن طلحة، فخاف محمد بن أبي بكر أن ترى بنو هاشم الدماءَ على وجهِ الحسن والحسين فيَكشفوا الناس عن عثمان، فقال: تَسوَّروا عليه الجدار، فتَسوَّروا فقَتلوه، ولم يكن عنده أحدٌ سوى نائلة، فصرخت فلم يَسمع الناسُ صُراخَها من شدَّةِ الجَلَبة والصِّياح، فصعِدت إلى السَّطح وصاحت: قُتل أميرُ المؤمنين، وبنو
стр. 2608
هاشم على الباب لا يَعلمون.
وبلغ عليًّا قتلُه، فأقبل إلى الباب، وقال للحسن والحسين وقنبر وابن الزّبير وابن طلحة: وَيحكم، كيف قُتل وأنتم بالباب، وشتمَهم، فقال له ابن طلحة: وكان أمرُ الله قَدرًا مَقدورًا، فدخل وقال لنائلة: مَن قتَله؟ فقالت: دخل محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: كذا وكذا، فاستَرْختْ يدُ محمد، وكان معه رجلان فقتلاه، فجلس علي والحسن والحسين وابن الزبير وابن طلحة يَبكون، وذهب المصريّون إلى بيت المال فانتَهبوه، فلم يَجدوا فيه سوى غِرارتين (١).
واختلفوا في الوقت الذي قُتل فيه على أقوال؛
أحدها ذكره ابن سعد عن الواقدي فقال: حدثنا محمد بن عمر بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: بُويع عثمان بالخلافة أوَّلَ يوم من المحرّم سنة أربعٍ وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلةً خلت من ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين بعد العصر، وكان صائمًا، ودُفن ليلةَ السبتِ بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب بالبقيع، فهو مقبرة بني أمية اليوم، وكانت خلافتُه اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يومًا، وقُتل وهو ابنُ اثنتين وثمانين سنة، قال: وكان أبو معشر يقول: قُتِل وهو ابن خمس وسبعين سنة (٢).
قلت: وقول الواقدي سنة ست وثلاثين وَهم، وقد حكاه الطبري (٣)، والأصحّ سنة خمس وثلاثين.
وقال ابن سعد بإسناده عن الربيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه قال: كان الناس يَتَوَقَّون أن يَدفنوا مَوتاهم في حُشِّ كَوكب، فكان عثمان بن عفان يقول: يوشكُ أن يَهلك رجلٌ صالح فيُدْفَنَ هناك، فتتأسّى به الناس، قال مالك بن أبي عامر: فكان عثمان بن عفان أوّلَ مَن دُفن هناك (٤).
قال الجوهوي: الحَشّ -بفتح الحاء وضمّها- البُستان، قال: والحشر أيضًا
стр. 2609
المخرج؛ لأنهم كانوا يَقضون حوائجَهم في البساتين (١).
وروي عن أبي بَشير العابدي قال: نُبِذ عثمان ثلاثةَ أيام لا يُدفن، ثم إن حكيم بن حِزام وجُبَير بنَ مُطعم النَّوفلي كلّما عليًّا ﵇ في دَفنِه، وطلبا أن يَأذن لأهله في ذلك، فأذِن لهم، فلما سمع القوم ذلك قَعدوا له على الطريق بالحجارة، وخرجوا به يُريدون حُشَّ كوكب؛ مكانًا كانت اليهود تَدفن فيه موتاهم، فلما خرجوا به رَجموا سَريره بالحجارة، وهمُّوا بطَرْحه، وبلغ عليًّا، فأرسل إلى الناس يَعزم عليهم ليَكُفُّوا عنه، فانطلقوا به، فدفنوه في حُشّ كوكب، فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بذلك الحائط فهُدِم حتى أفضى به إلى البَقيع، وأمر الناسَ أن يَدفنوا موتاهم حول قبره، حتى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين.
وروى الطبري عن أبي كَرِب -وكان عاملَ عثمان على بيت المال- قال: دُفن عثمان فيما بين العشاء والعَتَمة، ولم يكن في جنازته إلا مروان بن الحكم، وثلاثة من مَواليه، وابنتُه الخامسة، فرفعت ابنتُه صوتَها تَندُبه، فأخذ الناسُ الحجارة وقالوا: نَعثَل نعثل، فكادت أن تُرجَم، فدفنوه في الحائط.
وحكى الطبري عن سيف: أن مروان بن الحكم حضر جنازته وصلّى عليه (٢)، وهو وهم، لم يحضر مروان جنازته، كان مجروحًا مُثْخَنًا، وهرب إلى مكة.
قال الواقدي: الثّبتُ عندنا أنه صلى عليه جُبير بن مطعم.
قال الواقدي بإسناده عن مَخرَمة بن سليمان الوالبي قال: قُتل عثمان يوم الجمعة ضَحوةً، فلم يَقدروا على دفنه، وأرسلت نائلة بنتُ الفَرافضة إلى حُويطب بن عبد العُزَّى، وجُبير بن مُطعم، وأبي جَهم بن حُذيفة، وحَكيم بن حزام، ونِيار الأسلمي فقالوا: إنا لا نَقدر أن نَخرُجَ به نهارًا، هؤلاء المصريون على الباب، فأمْهِلوه إلى ما بين المغرب والعشاء.
فدخل القوم فحِيل بينهم وبينه، فقال أبو جَهم: والله لا يَحول بيني وبينه أحدٌ إلا متُّ
стр. 2610
دونه، احملوه، فحملوه حتى انتهَوا إلى البقيع، وتبعتهم نائلة وبيدها سراج، فانتهوا به إلى نَخَلات عليها حائط، فرَقَوا الجدار، ثم دفنوه في تلك النّخلات، وصلى عليه جُبير بن مُطعِم، وذهبت نائلة تتكلّم فزَبَرها القوم وقالوا: إنا نَخاف عليك من هؤلاء السّفهاء، فرجعت إلى منزلها.
وقال الواقدي بإسناده عن عبد الله بن ساعدة قال: لَبث عثمان بعدما قُتل لَيلتين لا يستطيعون دفنَه، [فلما وُضع ليُصَلّى عليه جاء نفرٌ من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه] فقال أبو جهم: ادفنوه، فقد صلى الله عليه وملائكتُه فقال المصريون. لا والله، لا يُدفَن في مقابر المسلمين أبدًا، فدُفِن في حُشّ كوكب، ملكت بنو أمية أدخلوا ذلك الحشّ في البقيع، فصار مقبرة بني أمية.
وقال الواقدي: حدثتي عبد الله بن موسى المخزومي قال: لما قُتل عثمان أرادوا حزَّ رأسِه، فوَقعت عليه نائلة وأمُّ البنين، وصِحْنَ وضربْنَ الوجوه وخَرقن الثياب، فقال ابنُ عُدَيس: اتركوه، فأُخرج عثمان إلى البقيع، ولم يُغسل، وأرادوا أن يُصلّوا عليه في موضع الجنائز فأبَت الأنصار (١).
وفي رواية ابن سعد: فحملوه على باب، وإن رأسه ليَقْرعُ الباب لإسراعهم به من شدَّة الخوف (٢).
وقال سيف عن أشياخه: ولم يُغسل عثمان ولا غُلاماه اللذان قُتلا معه، وهما نجيح وصبيح، فأمّا عثمان فدُفن، وأمّا الغلامان فجرُّوا برجلَيهما، وألقوهما على البَلاط فأكلتهما الكلاب.
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن نِيار الأسلمي، عن أبيه قال: لما حجّ معاوية نظر إلى بيوت أسلم شَوارع في السوق فقال: أَظلِموا بيوتَهم أظلم الله عليهم قبورَهم قتلةَ عثمان.
قال نِيار بن مُكرم: فخرجتُ إليه وقلتُ: أتُظلِم عليّ بيتي وقد حملتُ عُثمان وقبرتُه
стр. 2611
وصلّيتُ عليه، فعرفه معاوية فقال: اقطعوا البناء، لا تبنوا على وجه داره، ثم دعاني خاليًا فقال: متى حملتُموه، ومتى قبرتموه، ومن صلى عليه؟ قلت حملناه ليلةَ السبت بين المغرب والعشاء، فكنتُ أنا وجُبير بن مُطعم.، وحَكيم بن حزام، وأبو وجهم بن حُذَيفة العَدَوي، وتقدّم جُبير بن مُطعم فصلّى عليه، فصدّقه معاوية، وكانوا هم الذين نزلوا في حُفرَته (١).
واختلفوا فيمن صلّى عليه؛ فقال جدي ﵀ في "التلقيح" (٢) قيل: الزبير، وقيل: حكيم بن حِزام، وقيل: جبير بن مطعم.
قلت: والأشهر جُبير بن مُطعم، قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن يوسف قال: خرجت نائلة بنتُ الفرافضة تلت الليلة، وقد شقّت جَيبَها قُبلًا ودُبُرًا، ومعها سراج، وهي تَصيح: وأمير المؤمنين، فقال لها جُبير بن مُطعم: أَطفئي السّراج فلا يُفطَنُ بنا، فأَطفأتْه، وانتَهوا إلى البقيع، فصلّى عليه جُبير بن مُطعم، وخلفه: حكيم بن حزام، وأبو جهم بن حُذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، ونائلة وأمّ البنين بنت عُيينة امرأتا عثمان، ونزل في حُفرته نيار بن مكرم، وأبو جهم، وجُبير، وكان حكيم بن حزام وأمّ البنين يُدَلّونه على الرّجال حتى ألحدوا له، وبَنَوا عليه، وطيَّنوا قبرَه، وتفرَّقوا.
وقال ابن سعد: وقد قيل: إنه صلى عليه سبعة عشر رجلًا، والأول أثبت؛ أنه صلّى عليه أربعة (٣).
وقال ابن سعد: إن الزّبير لم يَشهد قتلَ عثمان، وسنذكره.
والقول الثاني: أنه قُتل يوم الأربعاء بعد العصر، ودُفن يوم السبت بعد العصر، قاله هشام.
والثالث: أنه قُتل لثلاث عشرة خلت من ذي الحجّة، والأوّل أشهر.
وقال الموفّق ﵀ في "الأنساب": قُتل في ذي الحجّة أو في المحَرَّم (٤).
стр. 2612
وقال ابن سعد بإسناده عن مُعتمر بن سليمان قال: سمعتُ أبي يقول: حدثنا أبو عثمان: أن عثمان قُتل في أول أيام التّشريق (١).
وقال جدّي ﵀ في "التلقيح" (٢): قُتل عثمان يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، وقيل: لثمان عشرة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل: أول سنة ستّ وثلاثين، وأُخفي قبرُه.
وقال البخاري بإسناده، عن أبي موسى الأشعري قال: خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى حائطٍ من حَوائط المدينة لحاجته، وخرجتُ في إثْره، فلما دخل الحائط جلستُ على بابه وقلتُ: لأكونَنّ اليوم بَوَّاب رسول الله ﷺ ، فذهب فقضى حاجتَه، وجلس على قُفِّ البئر، وكشف عن ساقيه، ودَلّاهما في البئر، فجاء أبو بكر يَستأذن، فقلتُ: يا رسول الله، إن أبا بكر يَستأذن عليك، فقال: "ائذنْ له وبَشِّره بالجنة" فدخل، فجلس عن يمينِ رسول الله ﷺ ، وفعل كما فعلَ رسول الله ﷺ ، كشف عن ساقَيه، ودلّاهما في البئر، وجاء عمر يَستأذن، فقال: "ائذنْ له وبَشِّره بالجنة" فدخل، فجلس على القُفّ، وفعل كما فعل أبو بكر" كشف عن ساقيه ودَلّاهما في البئر، فامتلأ القُفُّ، فلم يكن فيه مجلس، فجاء عثمان يَستأذن فقال: "ائذَنْ له وبَشّره بالجنة مع بَلاءٍ أو بَلوى تُصيبُه" فدخل فلم يَجد معهم مَجلسًا، فتحوّل حتى جاء مُقابِلَهم علي شَفير البئر، فكشفّ عن ساقَيه، ثم دَلّاهما في البئر.
قال ابنُ المسيّب: فأوَّلتُ ذلك قبورَهم، اجتمعت ها هنا وانفرد عثمان عنهم. أخرجاه في "الصحيحين" (٣).
واختلفوا في سنّه على أقوال:
أحدها: اثنان وثمانون سنة، وقد حكيناه عن الواقدي.
والثاني: خمس وسبعون، وقد حكيناه عن أبي معشر.
стр. 2613
والثالث: أنه كان ابنَ تسعين سنة.
والرابع: ابنَ ثمان وثمانين سنة.
والخامس: ابن ستة وثمانين سنة، قاله قتادة.
والسادس: ابنَ ثلاث وستين، حكاه سيف عن أشياخه.
وقد حكى الطبري هذه الأقوال (١).
وقال جدي ﵀ في "التلقيح" (٢): وفي سنه ثلاثة أقوال:
أحدها: تسعون سنة، والثاني: ثمان وثمانون، والثالث: اثنان وثمانون، وقيل: لم يَبلغ الثمانين.
وقال في "الصفوة" (٣): خمسة وتسعون.
واختلفوا في مبلغ خلافته، فحكَينا عن الواقدي أنه أقام اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا.
والثاني: اثنتي عشرة سنة إلا إحدى عشرة ليلة، قاله أبو معشر ويعقوب بن شيبة.
ذكر ما نُقل عن الصحابة في قتل عثمان:
قال ابن سعد بإسناده عن ابن عباس قال: لو أجمع الناس على قتل عثمان لرُموا بالحجارة كما رُمي قومُ لُوط.
وفي رواية ابن سعد عن ابن عباس قال: لو لم يَطلب الناس بدم عثمان لرُمُوا بالحجارة من السماء.
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن عُكَيم قال: لا أُعينُ على دم خليفة أبدًا بعد عثمان، قال: فقيل له: يا أبا مَعبد، أوَأعنتَ على دمه؟ فقال: إني لأعُدُّ ذكر مساوئه عونًا على دمه.
стр. 2614
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي قلابة قال: لما بلغ ثُمامةَ بن عديّ قتلُ عثمان -وكان أميرًا على صنعاء، وكانت له صحبة، وهو من قريش- بكى فطال بُكاؤه، ثم قال: هذا حين انتزِعتْ خلافةُ النبوَّةِ عن أمة محمد ﷺ ، وصار مُلكًا وجَبريَّة، مَن غلب على شيءٍ أكله.
وحكى ابن سعد عن أبي أحمد السَّاعدي -وكان قد شهد بدرًا- أنه قال لما قُتل عثمان: اللهمَّ إن لك عليَّ أن لا أفعلَ كذا وكذا، ولا أضحك حتى ألقاك.
وكان أبو هريرة إذا ذكر ما فعلوا بعثمان يبكي وينتحب، يقول: هاه هاه، وكان معه يومَ الدّار.
وروى ابن سعد عن عبد الله بن سلام أنه قال يوم قُتل عثمان: هَلكتِ العرب، قيل له: فما تَجدون صفةَ عثمان في كُتبكم؟ فقال: نَجِده أميرًا يوم القيامة على القاتل والخاذِل، وفي رواية عنه: يُحكَّم في القاتل والخاذِل.
وقال ابن سعد بإسناده عن طاووس، عن ابن عباس قال: سمعتُ عليًّا يقول حين قُتل عثمان: والله ما قَتلتُ ولا أَمرتُ، ولكن غُلبتُ، قالها ثلاثًا.
وفي رواية ابن أبي ليلى عنه قال: رأيت عليًّا عند أحجار الزّيت رافعًا ضَبْعَيه يقول: اللهمَّ إني أبرأُ إليك من أمر عثمان.
وكان عليّ يقول: إنما وَهنتُ يوم قُتل عثمان.
وقال ابن سعد بإسناده عن مَسروق، عن عائشة قالت حين قُتل عثمان: تركتموه كالثّوب النقيِّ من الدَّنَس، ثم قَرّبتموه، تَذبحونه كما يُذبَح الكَبش، هلّا كان هذا قبل هذا؟ فقال لها مسروق: هذا عَملُك، أنت كتبتِ إلى الناس تَأمرينهم بالخروج إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبتُ إليهم بسوداءَ في بيضاء حتى جلستُ مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كُتِبَ على لسانها.
وقال عُروة: كانوا يتَّهمونها أنها كتبت إلى مصر والعراق، وهذا معنى قولِ مروان لها: حرَّق قيسٌ عليَّ البلاد.
وروى ابن سعد عن عمرو بن عاصم الكِلابي، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال:
стр. 2615
لما أُدرِكوا بالعُقوبة -يعني قتلةَ عثمان- قال الحسن: أُخِذ الفاسق ابنُ أبي بكر -قال أبو الأشهب: وكان لا يُسمّيه إلا الفاسق، ولا يُسمّيه باسمه- قال: أُخِذ فجُعِل في جَوف حمار، ثم أُحرق عليه.
وقال ابن سعد بإسناده عن أبي المَليح، عن ابن سلام قال: ما قُتلَ نبيٌّ قطّ إلا قُتل به سبعون ألفًا من أُمّته، ولا قُتل خليفةٌ إلا قُتل به خمسةٌ وثلاثون ألفًا (١).
وذكر الموفَّق في "الأنساب" وقال: كان مع عثمان في الدار: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن بن علي، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، ومحمد بن حاطِب، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن الأخنَس وغيرهم (٢)، قُتل عثمان والمغيرة بن الأخنس وغلامٌ لعثمان، فأغلق البابُ على ثلاثة مقتولين.
قلت: لم يذكر ابنُ سعد وهشام المغيرةَ بن الأخنَس.
قال الموفَّق: رأى رجلٌ من أهل "العَسكرِ الذين حصروا عثمان ليلةً في منامه مراجلَ يَغلي فيها الماء، فقال: ما هذه؟ فقيل: لقاتل المغيرة بن الأخنس، فأصبح الرجل فَزِعًا وقال: والله لا قاتلتُ بعدها، ولَزِم المسجد يُصلّي فيه، وكان في مَوضعٍ يُشاهد القتال، فكان يَرى الناس كلّما دَنَوا من باب الدار التي فيها عثمان خرج إليهم رجلٌ فطَردَهم، فجعل يَغِيظُه ذلك ويقول: ألا رجلٌ يَكفي الناسَ أمرَ هذا الخارج عليهم، فلما طال ذلك عليه أخذ سيفَه، وخرج من المسجد، فحَمل على الخارج من الدار، فضَربه فقتله، ثم سأل عنه فقالوا: هذا المغيرة بنُ الأخنس (٣).
ذكر ما رُثي به من الأشعار:
قد رثاه خلقٌ كثير، منهم حسان بن ثابت، قال في بعض ما رَثى به عثمان بنَ عفان: [من البسيط]
ضَحَّوا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجود به … يُقَطِّع الليلَ تَسبيحًا وقرآنا
стр. 2616
مَن سرّه الموتُ صِرفًا لا مِزاجَ له … فلْيَأتِ مَأسَدَةً في دار عُثمانا
صبرًا فِدى لكمُ أمِّي وما وَلَدتْ … قد يَنفعُ الصَّبرُ في المكروه أحيانا
وقد رضيتُ بأهل الشام نافرةً … وبالأمير وبالإخوان إخوانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شَهِدوا … ما دُمتُ حيًّا وما سُمِّيتُ حسّانا
لتَسمَعنَّ ضجيجًا في ديارِهم … الله أكبر يا ثاراتِ عُثمانا (١)
وقال: [من الخفيف]
وعليٌّ في بيته يسألُ النا … سَ رُويدًا وعنده الأخبارُ
باسط بالذي يُريد دراعَيهِ … عليه سَكينةٌ ووَقارُ
يَنظُر الأمرَ كي يَصيرَ إليه … كالذي سُبّبت له الأقدارُ
قد رأى كثرةَ الكلام قبيحًا … كلُّ قولٍ يَشينُه الإكثارُ (٢)
قلت: إن صحَّ عن حسّان أنه قال هذا فقد أعمى الله بصيرتَه كما أعمى بصرَه، لأنه ذَمَّ أهلَه الأنصار، ونَسبهم إلى خِذلان عثمان في أمرٍ أمضاه الله وقدّره، ونسب أمير المؤمنين إلى أمرٍ قبيحٍ ذَميم، ويكفي حسانًا أنه نزل فيه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، وقد ذكرنا قصّتَه في حديث الإفك، وإنما جرَّأه على ذلك لأن عثمان أعطاه مئةَ ألف درهم من بيت المال، وقيل أكثر من ذلك، وكان ذلك مما أُخذ على عثمان، وقد ذكرناه.
وأما قوله: لتسمعنّ ضجيجًا في ديارهم، يَتوعَّد المهاجرين والأنصار.
وقد أكثرت الشعراء في عثمان، وقال الشعبي: قد أكثر الشعراء في مَراثي عثمان، فلم أسمع أحسنَ مما قال كعب بن مالك من أبيات: [من الطويل]
فكفَّ يدَيهِ ثم أغلق بابَه … وأيقن أن الله ليس بغافلِ
стр. 2617
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم … عفا الله عن كلِّ امرءٍ لم يُقاتلِ
فكيف رأيتَ الله ألقى عليهم … العداواةَ والبَغْضاءَ بعد التَّواصُلِ
وكيف رأيتَ الخير أدبرَ بعده … عن الناسِ إدبار النَّعام الجوافِلِ
ويقال هي لحسان بن ثابت، وقيل: للوليد بن عقبة (١).
ذكر ما خلّف عثمان من المال:
حكى ابن سعد عن الواقدي بإسناده، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قُتل ثلاثون ألفَ ألف درهم وخمس مئة ألف درهم وخمسون ومئة ألف دينار فانتُهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالرَّبذَة، وترك صَدَقاتٍ كان يتصدق بها ببئر أرِيس وخيبر ووادي القرى، قيمته مئتي ألف دينار (٢).
وقال هشام: ترك عثمان ألفَ ألفِ درهم، وقيل: مئة ألف ألف درهم، وخيلًا بالحِمى، وأغنامًا لا تُحصى، وعشرةَ آلاف بعير، فنُهب الجميع.
ذِكر عمّال عثمان ﵁:
قال الواقدي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال: قُتِل عثمان وعُمَّاله على الأمصار: على مكة عبد الله بن الحَضْرميّ، وعلى الطّائف القاسم بن ربيعة الثقفي، وعلى صنعاء يَعلي بن أميّة، وعلى الجَنَد عبد الله بن [أبي] ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيز، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، غلبه عليها محمد بن أبي حُذيفة فأخرجه منها، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قِنّسرين حُبيب بن مَسْلَمة، وعلى الأردن أبو الأعور السُّلَمي، وعلى فلسطين عَلقمة بن حكيم الكِناني، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفَزاري، وكلُّ هؤلاء الذين بالشام من قِبل معاوية.
وحكى سيف بن عمر، عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا: مات عثمان وعلى الكوفة
стр. 2618
أبو موسى على صلاتها، وعلى خراج السَّواد جابر بن فُلان المزنيّ -وهو صاحب المُسَنَّاة إلى جانب الكوفة- وعلى حَربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حُلوان عتبة بن النّهّاس، وعلى الرّي سعيد بن قيس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت (١).
وقال جدي في "المنتظم" (٢): وكان على قضاء عثمان لما مات أبو الدرداء.
قلت: وأبو الدرداء مات في سنة اثنتين وثلاثين، وقد ذكرناه.
فصل في ذكر فتوحات عثمان:
ذكر يعقوب بن سفيان وأبو مَعشر قالا: وفي العام الذي بُويع فيه عثمان وهو سنة أربع وعشرين فُتحت الرّي، وفي عام خمسٍ وعشرين فُتحت أرمينية، وفي سنة ست وعشرين فُتحت الإسكندرية، وفي سنة سبع وعشرين فُتحت إفريقية، وفي سنة ثمان وعشرين فُتحت إصطَخر، وفي سنة تسع وعشرين فُتحت فارس الأخيرة، وفي سنة ثلاثين فتحت إصطخر الثانية، وفي سنة إحدى وثلاثين كانت غزاة البحر، وفي سنة اثنتين كانت غزاة المضيق، وفي سنة ثلاث وثلاثين كانت غزاة قبرس، وفي سنة أربع وثلاثين كانت غزاة الصّواري، وفي سنة خمس وثلاثين كانت ذات الخُشُب وفيها قُتل عثمان (٣)، وقد ذكرنا تفاصيل ذلك وما فيه من التقديم والتأخير.
ذكر إرسال قميص عثمان ﵁ إلى الشام:
روى هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: دمُ عثمان في هذه الأمة كدم يحيى بن زكريا في بني إسرائيل، فكلُّ دمٍ يُسفَك إلى يوم القيامة فهو السّبب، كدم علي بن أبي طالب وأولاده الحسين وإخوته، ومَن قُتل يوم الجمل، وأيام صفين، وهلمّ جرًا من الصحابة والتابعين وأهل البيت والخلفاء وبني أمية وغيرهم، قرنًا بعد قرن وخَلَفًا بعد سلف.
стр. 2619
وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رُومان. قال: بعثتْ نائلةُ بقميص عثمان، وعليه دمُه وأصابعُ يدِها، مع النعمان بن بشير، وكتبت كتابًا فيه: وأمير المؤمنين، بُغي عليه، وحُصِر في داره، ومُنع الماء، واحترق بابُه، ودخلوا عليه فأخذوا بلحيته، وضربوه على رأسه، وطعنوه بمشاقِصَ، وكسروا أضلاعَه، ولوَّثوا مُصحفَه بدمه، واستجار فلم يُجره أحدٌ منهم، ولعبوا برأسه بأرجُلهم، ونهبوا أمواله، واستحلوها مع دمه، ودفنّاه ليلًا ونحن نرتقبُ القتلَ … وذكرت كلامًا طويلًا.
فلما قدم النعمان بن بشير وقَرُبَ من دمشق نشر القميصَ وعليه الدّم، وعَلّق أصابعَ نائلة، وخرج معاوية إلى لقائه ومعه الناس، وقيل: بل جلس له مَجلسًا عامًّا، فلما قرأ الكتاب قام قائمًا، أو نزل من دابّته، وحثى التراب على رأسه، ومَزّق ثيابَه، وفعلوا بنو أمية كذلك، وارتفع البكاءُ والنّحيب، وكان يومًا عظيمًا لم يُرَ في الإسلام مثلُه، ثم صَعد منبرَ جامع دمشق، وقرأ الكتاب على الناس، فازدادوا بكاءً وعويلًا، وعلَّق القميصَ والأصابع على المنبر سنة، يَنتابُه الناس من كلّ مكان، وآلى أهلُ الشام أن لا ينامون على فُرُشٍ، ولا يأكلون سمينًا، ولا يَقربون النّساء حتى يَقتلوا قَتلةَ عثمان.
ذكر حاجبه وكاتبه وقاضيه ونَقش خاتمه:
قال هشام والواقدي وغيرهما: كان مروان بن الحكم كاتبه، وحُمران مولاه حاجبه، وزيد بن ثابت قاضية، وقيل شُريح بن الحارث، والأوّل أصحّ، وفي نقش خاتمه قولان، أحدهما: آمن بالله العظيم عثمان مخلصًا، والثاني: لتَصبِرَنَّ أو لتَندَمَنّ.
ذكر أولاد عثمان ﵁ وأزواجه:
قد ذكرهم علماء السِّيَر: كابن سعد، والواقدي، وهشام بن محمد والبلاذري والطبري وغيرهم.
فقال ابن سعد: كان لعثمان من الولد سوى عبد الله بن رُقَيّة: عبد الله الأصغر دَرَج، وأمُّه فاختة بنت غزوان بن جابر، ونسبها إلى قيس بن عَيلان، قال: وعمرو، وخالد، وأبان، وعمر، ومريم الكُبرى، وأمُّهم أمّ عمرو بنت جُندب بن عمرو، أزديّة.
قال: والوليد، وسعيد، وأمّ سعيد، وأمهم فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم.
стр. 2620
قال: وعبد الملك دَرَج، وأمُّه أمُّ البَنين بنت عُيَينة بن حِصن بن حُذيفة بن بدر الفَزاري.
قال: وعائشة، وأمّ أبان، وأمّ عَمرو، وأمُّهنّ رَمْلة بنت شَيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصيّ.
ومريم الصُّغرى وأمها نائلة بنت الفَرافِصَة الكلبيّة، وأمُّ البَنين لأُمّ وَلَد، وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان هذا قولُ ابنِ سعد (١).
وقال الطبري: ذكرُ أزواجه، كانت عند عُثمان: رُقيَّة وأمّ كُلثوم ابنتا رسول الله ﷺ ، وَلَدت له رُقيَّة عبد الله.
قال: وكانت عنده فاخِتة بنتُ غَزوان -ونسبها كما نسبها ابن سعد- قال: ووَلدت له وَلدًا فسمّاه عبد الله الأصغر هلك.
قال: وكانت عنده أمُّ عمرو ابنةُ جُندب بن عمرو، أزديّة، وَلَدتْ له عَمرًا، وعُمر، وخالدًا، وأبانًا، ومريم، كما ذكر ابن سعد.
قال: وكانت عنده فاطمة بنت الوليد [بن عبد شمس] بن المغيرة، وَلَدت له: الوليد وسعيدًا وأمّ سعيد.
قال: وأمّ البَنين بنت عُيينة بن حِصن، وَلَدت له عبدَ الملك.
قال: ونائلة بنت الفرافصة، وَلَدت له مريم. وإلى ها هنا وافق الطبريُّ ابنَ سعد في أولاد عثمان، وابن سعد شيخُ شيخِ الطبريّ؛ لأنه روى عن واحد عن ابن سعد.
ثم قال الطبري: وقال هشام: وَلدت أم البنين بنت عُيينة بن حِصن لعثمان عبد الملك وعُتبة، قال: وقال أيضًا: ولدت له نائلةُ عَنبسة.
قال الطبري: وزعم الواقدي أن لعثمان ابنة تُدعى أمّ البَنين من نائلة، وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.
قال: وقُتل عثمان وعنده رَمْلة بنت شَيبة، ونائلة، وأمّ البنين بنت عُيينة، وفاختة بنت غزوان، وقيل: إنه طلق أمّ البنين وهو مَحصور.
стр. 2621
قال الطبري: فهؤلاء أزواجه اللاتي كن [له] في الجاهلية والإسلام وأولاده؛ رجالهم ونساؤهم (١).
قلت: انتهى كلامُ الطبري وابن سعد في هذا الباب، فنذكرُ أقوال غيرهما فنقول:
ذكر هشام والواقدي والبلاذري وغيرُهم، دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض قالوا: أما عبد الله الأكبر ابنُ رقية بنت رسول الله ﷺ فهو الذي عاش ستَّ سنين، ونَقَره ديكٌ في عينه فمات، وقد ذكرناه في سنة ستّ من الهجرة.
وأما عبدُ الله الأصغر فأمُّه فاختة بنت غَزوان، فاختة أختُ عتبة بن غزوان، وكان عبد الله مُمَدَّحًا، مَدحه الفرزدق وغيره.
وقال البلاذري: وفاطمة بنت الوليد [بن عبد شمس] بن المغيرة، زوجة عثمان، تُكنى أم عبد الله، وأمُّها أسماء بنت أبي جهل بن هشام، وأمُّها [أروى] بنت أبي العِيص بن أمية، وأمُّها رُقيَّة بنت الحارث بن عُبيد بن مخزوم، وأمّها رُقية بنت أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ، وأمّها خالدة بنت هاشم بن عبد مناف بن قصي (٢).
قال: وأمّا أمُّ البنين بنت عُيينة بن حصن زوجة عثمان فاسمُها مُليكة بنت عُيينة.
قال: وأما رَملة بنت شَيبة بن ربيعة بن عبد شمس فكانت من المبايعات المهاجرات، ولها تقول هند بنتُ عُتبة بن ربيعة أمُّ معاوية، وهي ابنةُ عمِّها تهجوها لما أسلمت: [من الوافر]
عَدِمنا كلَّ صابئة بوَجٍّ … ومكةَ أو بأطراف الحَجُونِ
تدينُ لمعشرٍ قتلوا أباها … أقتلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ
قال: وكان لعثمان ولد يُقال له: المغيرة من أسماء بنت أبي جهل (٣).
وذكر الزبير بن بكار أن عثمان أولد نائلةَ بنتَ الفَرافصَة: أمَّ خالد ورُقيَّة وأروى وأمَّ أبان (٤).
стр. 2622
وقال الواقدي: الثّبت عندنا أنها ما أولدها غير مريم. وقد ذكرنا أنه تزوّج نائلة في سنة ثمان وعشرين.
وقال أبو القاسم بن عساكر: روت نائلة عن عثمان الحديث، وروى عنها النعمان بن بشير (١).
وكانت مريم أصغر بنات عثمان، وكلُّ نساء عثمان وَلَدْن له إلا أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
قال هشام: وكانت نائلة تحته يوم قُتل في أصحِّ الروايات، واختُلف فيما عداها، فقيل: كانت عنده رملة وفاختة وأمّ البنين، وقيل: إنه طلَّقهن وهو محصور ما عدا نائلة، وقيل: إنما طلق أمَّ البنين وقد ذكرناه.
ذكر أعيان أولاد عثمان بن عفان ﵁:
منهم عمرو بن عثمان: كان أسنَّ ولد عثمان، وأعقلَهم، وأشرفَهم، وأكثرَهم عَقِبًا، وبه كان عثمان يُكنى.
وقال الشيخ الموفق ﵀: ويقال إن عمرو بن عثمان صلّى على أبيه بعدما قُتل (٢).
ذكره ابن سعد في موضعين في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وقال: له أحاديث، قال: وأمُّه أمُّ عمرو بنت جُندب بن عمرو بن حُمَمة بن الحارث بن رفاعة ان سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غَنْم بن دُهمان بن مُنهِب بن دَوْس (٣).
وقال الوليد بن مسلم: قدم عمرو على معاوية، فأغزاه أنقرة من بلاد الروم، ففَتَحها فزوّجه ابنتَه رَمْلة بنت معاوية، وهو يومئذ خليفة، فولدت له عثمان الأكبر لا عَقِب له، وخالدًا وله عقب.
وقال الوليد بن مسلم: وكان مروان قد أغرى بينه وبين معاوية، ووَثَّبه على الخلافة
стр. 2623
وقال: إنما نالها معاوية باسم أبيك، وتَمويهه على أهل الشام بطلَبه بدمه، وأنت أولى، ونحن أكثر عددًا من آل حرب، وجعل يُعدّد رجال بني العاص، وكانت زوجته رَمْلة بنت معاوية تسمع من وراء الحجاب.
ثم خرج مروان وعمرو إلى مكة حاجَّين أو معتمِرَين، وخرت رملةُ إلى الشام، فأخبرت أباها وقالت: مازال مروان يُعَدِّدُ رجال بني [أبي] العاص ويُفضِّلُهم علي بني حَرْب حتى عَدَّ ابنيَّ: عثمان وخالدًا، فتمنيّتُ أنهما ماتا، فحَقَدها معاويةُ على مروان (١).
وحكى ابن سعد عن عَمرو بن عثمان: أنه كان يَصبغ بالسَّواد (٢).
وقال البلاذري: عاش عمرو بن عثمان إلى أيَّام الحَرَّة، وكان مع أهل المدينة حين قدم مُسلم بن عُقبة المزي لقتال أهلِ الحَرَّة في أيام يزيد بن معاوية، فدعا به مُسلم، وقال له: إيه يا فاسق، إذا خرج أهلُ المدينة قلتَ: أنا رجلٌ منكم، وإذا ظهر أهلُ الشام قلتَ: أنا ابنُ أمير المؤمنين، ثم التفت إلى مَن حوله وقال: هذا الخبيثُ ابنُ الطيِّب، هانما أُتي مِن قِبَل أمّه الحمقاء، لقد بلغني أنها كانت تَجعل في فِيها خُنفساء، وتقول: حاجتُك في فمي، وفي فمها ما ساءها، ثم أمر به فضُرب بالسّياط (٣).
أسند عمرو بن عثمان بن عفان الحديث.
قال ابن سعد: روى عن أبيه، وعن أسامة بن زيد، وكان ثقةً له أحاديث (٤).
وقال أبو القاسم بنُ عساكر: وروى عنه عليّ بنُ الحسين وابنُ المسيّب وأبو الزّناد.
قال: ومما روى عنه علي بن الحسين، عن أسامةَ بن زيد، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ" (٥).
قلت: وهذا الحديثُ في "الصحيحين" (٦).
стр. 2624
قلت: قد ثبت أن في أولاد عثمان بن عفان مَن اسمُه عُمر -بغير واو- وهو أخو عَمرو لأبيه وأُمِّه، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة في أولاد عثمان.
قال: وروى عُمر عن أسامة بن زيد، وروى عنه الزهري.
قال: وولد عمر بن عثمان: زيدًا وعاصمًا لأمّ ولد. وكان لعمر دارٌ بالمدينة، وله عَقِب، وكان قليلَ الحديث، ومن ولده العَرْجيّ الشاعر (١).
وذكره البلاذري فقال: وَلد عُمر بن عثمان بن عفان: زيدًا وعاصمًا وأمَّ أيّوب، قال: فأما عاصم بن عمر بن عثمان فكان يُبَخَّل، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
ألا أيّها الرُّكبانُ سِيروا وأدْلِجوا … فقد خاب مَن يَبغي القِرى عند عاصمِ
فما لي من ذنبٍ إليه عرفتُه … سوى أنني قد زُرتُه غيرَ صائمِ (٢)
وأما زيد فتزوَّج سُكَينة بنت الحسين ﵇، فنهاه سليمان بن عبد الملك عنها فطلَّقها؛ لأن سليمان خطبها بعد قتل مُصعب (٣).
قلت: وهذا وهم من البلاذري؛ لأن الذي خطب سُكينة بعد قتلِ مصعب عبد الملك ابن مروان، فلم تُجِبْه لكونه قتل زوجَها مُصعبًا، وقالت: أيَخطبني أبو الذِّبَّان، لما نذكر.
قال: وأما أمّ أيوب بنت عمر بن عثمان بن عفان فتزوَّجها عبد الملك بن مروان (٤).
وأما أبان بن عثمان بن عفان فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال: وأمُّه أم عَمرو بنت جُندب من دَوْس، وهو أخو عُمر وعَمرو ابني عثمان لأمهما وأبيهما، وأمّ عمر هي الحمقاء.
стр. 2625
قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن عمر، عن بعض أصحابه قال: كان يحيى بنُ الحكم بن أبي العاص بن أُميّة على المدينة عاملًا لعبد الملك بن مروان، وكان فيه حُمْق، فخرج إلى عبد الملك وافدًا عليه بغير إذنه، فلما قدم عليه قال: ما أقدمك عليَّ بغير إذني؟! مَن استعملتَ على المدينة؟ قال: أبان بن عثمان، قال لا جَرَمَ، لا تَرجعُ إليها، فأقرَّ عبد الملك أبانًا على المدينة، فعزل أبان عبد الله بنَ قيس بن مَخرمة عن القضاء، وولّى نوفل بن مُساحِق قضاءَ المدينة.
وأقام أبان واليًا على المدينة سبعَ سنين، وحجّ بالناس سبع سنين (١)، وفي ولاية أبان تُوفّي جابر بن عبد الله ومحمد بنُ الحنفية، فصلى عليهما بالمدينة، [ثم عزل عبد الملك أبانًا عن المدينة] وولاها هشام بن إسماعيل.
وروى ابن سعد عن الواقدي: أنه كان بأبان وَضَحٌ كثير، فكان يَخضب مَواضعه [من يده] ولا يَخضبه في وجهه، وكان به صَمَمٌ، وكان يُصفّر لحيتَه ورأسَه بالحِنّاء، وكان مَفلوجًا.
قال ابن سعد بإسناده عن الحجّاج بن فُرافصَة، عن رجلٍ قال: دخلتُ على أبان بن عثمان، فقال أبان: مَن قال حين يصبح: لا إله إلا الله العظيم، سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوَّة إلا بالله، عُوفي من كلِّ بلاءٍ يومئذ. قال: وبأبان يومئذٍ الفالِج، قال: أما إن الحديث كما حدَّثتُك؛ إلا أنه يومَ أصابني هذا لم أكن قلتُه.
قال: وقال الواقدي: أصاب أبانًا لفالجُ سنةً قبل أن يَموت، وكان يُقال بالمدينة: فالج أبان، لشدّته.
قال: وتُوفّي أبان في المدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك.
وروى أبان عن أبيه، وكان ثقةً، وله أحاديث، وكان له من الولد سعيد، وبه كان يُكنى، وأمُّه بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز (٢).
هذا صورةُ كلام ابن سعد عن الواقدي.
стр. 2626
قد ذكر أرباب السِّيَر سيرةَ أبان بن عثمان، فقالوا: شهد الجَمل مع عائشة وكان ثاني المنهزِمين.
وقال ابنُ قتيبة: وهو ابنُ الحمقاء التي كانت تَجعل الخُنفساء في فيها وتقول حاجتُك في فمي.
قال: وكان من أصحاب العاهات؛ أبرص، أصمّ، أحول، سيّئ السيرة، صاحبَ رشوة وجَورٍ في ولايته، وقد وَلي مكة والمدينة، وكان يُلقَّب بُقَيعًا، وكانت عنده أمُّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم خلف عليها بعدَه الحجَّاج بن يوسف (١).
وقال الموفق ﵀: كان أبان فقيهًا، وقد رُوي عنه الحديث، وولدُه عبد الرحمن بن أبان من خيار المسلمين، قال: وكان عبد الرحمن يَشتري أهلَ البيت فيَكسوهم ويُعتقهم، ويقول: أنتم أحرار لوجه الله، أستعينُ بكم على غَمَرات الموت، قال: فزعموا أنه صلّى يومًا في مسجده، فوجدوه مَيتًا في مُصَلّاه (٢)، وكان في سنة أربع ومئة.
وأما خالد بن عثمان فأمُّه الحمقاء أيضًا، قال البلاذري: تُوفّي في خِلافة أبيه، ويُلَقَّب كَسِيرًا.
قال الواقدي: ركب بغلةً من السُّقْيا ليَدخل المدينة فيُدرِكَ صلاةَ الجمعة مع أبيه عثمان، فعثرت البغلةُ فنفَقَتْ، وكُسِر خالد، أصابه قطعٌ فهلك منه، وله عَقِب، كان عندهم مصحف عثمان الذي دَمُه عليه (٣).
وأما سعيد بن عثمان فكُنيتُه أبو عثمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال: وأمُّه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم، وأمُّها أسماء بنت أبي جهل بن هشام، وكان سعيد قليلَ الحديث (٤). هذه صورة كلام ابن سعد.
стр. 2627
وقال الواقدي: ولّاه معاوية بعضَ خُراسان، ففتح سَمَرقند، وأُصيبت عينُه بها، وفتح بُخارى، وكان يُبَخَّل، فعزله معاوية عن خُراسان.
قال البلاذري: إنما عَزله معاوية عن خُراسان لأنه طلب الخِلافة.
ولما بايع معاوية لابنِه يزيد بلغ صبيانَ المدينة، فجعلوا، يقولون: [من الرجز].
والله لا ينالُها يزيدُ
حتى ينال رأسَه الحديدُ
إن الأميرَ بعده سعيدُ
وبلغ معاوية، فاستقدمه فقال: يا ابن أخي، ما شيءٌ يَقوله صبيانُ أهلِ المدينة؟ فقال له: يا معاوية، وما تُنكر من ذلك؟ والله إن أبي لخيرٌ من أبي يزيد، وإن أمّي لخيرٌ من أمه، وإني لخيرٌ منه، وقد استعملناك فما عَزلناك، ووَصَلْناك فما قطعناك، وصار أمرُنا بيدك.
فولاه معاوية بعض خُراسان ليَشغَلَه عنه، ثم عزله وحبسه خوفًا منه (١).
وقال البخاري: غزا سعيدُ بن عثمان ما وراء النهر.
وقال أبو أحمد الحاكم: فتح سعيد فُتوحًا كثيرة، وأُصيبت عينُه مع الأحنف بن قيس.
وقال خليفة: عزل معاويةُ عبيد الله بنَ زياد عن خراسان في سنة ست وخمسين، ووَلّاها سعيد بنَ عثمان، فغزا سعيد ومعه المهلّب بن أبي صُفرة، وطلحة الطّلحات، وأوس بن ثَعْلبة من بني تَيم اللات، وربيعة بن عَسّال اليَربوعي، فنازل سَمَرقَنْد، فخرجوا إليه فقاتلوه، فألجأهم إلى المدينة، فصالحوه وأعطَوْه رهائن، ثم عَزله معاوية في سنة سبعٍ وخمسين، وولاها عُبيد الله بن زياد (٢).
وقدم سعيد المدينة، ومعه الرَّهائن من أولاد الصُّغد، فأخذ كِسوتَهم ومناطِقَهم،
стр. 2628
فدفعها إلى غِلمانه، وألبسهم جِباب الصُّوف، وكلَّفهم العملَ الصَّعب والسواني، وكانوا من أولاد الملوك، فاستعملهم يومًا في حائطٍ له، فقتلوه بالمَساحي، وطُلِبوا فقتلوا نفوسهم.
وهل قُتل قبل وفاة معاوية أو بعده؟ فيه قولان.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني عن العُتبي قال: لما قُتل سعيد قالت أمُّه: أشتهي مَن يَرثيه بما في نفسي، فقال عبد الرحمن بن أرطاة بن سَيحان: [من مجزوء الكامل]
إن كنتِ باكيةً فتًى … فابكي هُبِلتِ على سعيدِ
فارقتَ أهلَك بغتةً … وجلبتَ حتفَك من بعيدِ
أذْرِي دموعَكِ والدِّماء … على الشّهيد ابنِ الشهيدِ
فقالت: هذا والله الذي كان في نفسي، ووصَلتْه (١).
وأما الوليد بن عثمان بن عفان فأمُّه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو أخو سعيد لأمّه وأبيه.
قال أبو اليقظان: كان صاحب شراب، قُتل أبوه عثمان وهو في حَجَلةٍ سكران، عليه المصبّغات من الأحمر والأصفر والأخضر، وقد خَلّق رأسَه ولحيتَه.
وذكره المدائني وقال: كان للوليد هذا ولدٌ اسمه عبد الله بن الوليد، يسبُّ علي بنَ أبي طالب، وأمُّه ابنةُ الزبير بن العوام، وهو الذي قام إلى هشام بن عبد الملك يومَ عَرَفة وقال له: لم لا تَسبُّ أبا تُراب؟! فزَبَره هشام وقال له: اسكت، ما أتَينا إلى ها هنا لهذا (٢).
وأما عبد الملك بن عثمان فمات في حياة أبيه وهو غلام.
وأما بناتُ عثمان بن عفان فسبع: مريم الكُبرى، وأمُّها أمُّ عمرو بنت جُندب الحمقاء، وأمُّ سعيد، وأمُّها فاطمة بنت الوليد، وعائشة وأمّ أبان وأمّ عمر، وأمُّهن رَمْلة بنت شَيبة بن ربيعة، ومريم الصُّغرى، وأمُّها نائلة بنت الفَرافِصَة، وأمُّ البَنين لأُمِّ وَلَد.
стр. 2629
فأما مريم الكُبرى فتزوّجها سعيد بنُ العاص بن أمية، وكان قد تزوَّج سعيدٌ قبلها أختها أمَّ عمرو بنت عثمان فهَلَكت عنده، فتزوّج بعدها أختَها مريم، فهلك عنها، فتزوَّجها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فهلكت عنده.
وأما عائشة بنت عثمان فتزوَّجها الحارث بنُ الحكم بن أبي العاص، ثم خلف عليها بعده عبد الله بنُ الزبير.
وأما أم أبان بنت عثمان فتزوَّجها مروان بنُ الحَكَم.
وأما أم سعيد بنت عثمان فتزوَّجها عبد الله بن خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص.
وأما مريم الصُّغرى فتزوَّجها عَمرو بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط.
وأما أمّ البَنين فتزوّجها عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان بن حرب.
ذكر موالي عثمان بن عفان ﵁:
كان لد عِدَّة من الموالي، المشهور منهم: حُمران وكَيسان.
فأما حُمران بن أبان فكُنيتُه أبو زيد، وهو من سَبْي عينِ التَّمر، سباه المسيَّب بن نَجَبة الفَزاري في أيام أبي بكر ﵁، وكان الأمير خالد بن الوليد، وكان حُمران يهوديًّا فأسلم، فأعتقه عثمان، وكان يَكتب له، ثم تزوَّج امرأةً في عِدَّتها، فجلده عثمان ونَفاه إلى البصرة، وهو الذي سعى بعامر بن عبد القيس حتى نفاه عثمان بن عفان إلى الشام، وقد ذكرناه.
وقد ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة في الموالي فقال: حُمران بنُ أبان مولى عثمان، روى عن عثمان، وتحوَّل إلى البصرة فنزلها، وادَّعى وَلَدُه أنهم من النَّمِر بن قاسط بن ربيعة، وكان كثيرَ الحديث، ولم أرهم يَحتجُّون بحديثه (١).
وقيل: إنه أفشى سرَّ عثمان، فنفاه إلى البصرة، وقيل: سببُ نفيه أن عثمان بعثه إلى الكوفة ليكشِفَ عما قيل عن الوليد بن عُقبة، فرشاه الوليد، فلم يُخبر عثمان وأخبر مروان، فأخبر مروان عثمان، وقله ذكرناه (٢).
стр. 2630
وأما كَيسان مولى عثمان فكُنيتُه أبو فَروة، وولدُه عبد الله بنُ أبي فروة كان عظيمَ القَدْر، وكان مع مُصعب بن الزبير لما قُتل، فحَمل أموال مصعب إلى مكة، وكانت عشرة آلاف ألف درهم (١).
ذكر مسانيد عثمان بن عفان:
واختلفوا فيها، قال قوم: روى عن رسول الله ﷺ مئةً وَستةً وأربعين حديثًا، وقال ابن البرقي: أسند نحوًا من أربعين حديثًا، وقال أبو نُعيم: نيّفًا وستين حديثًا سوى الطُّرق.
وأخرج له أحمد أحدًا وَخمسين حديثًا، ذكرها جدي في "جامع المسانيد"، أخرج له منها في "الصحيحين" ستة عشر، المتفق عليها منها ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة (٢).
وروى عثمان عن أبي بكر وعمر، وروى عنه أعيانُ الصحابة: العبادلة، وزيد بن ثابت، وعمران بن حُصين، وأنس، وأبو هريرة، والمغيرة بن شُعبة، وزيد بن خالد الجُهَني، وأبو قتادة في آخَرين، ومن التابعين عبد الله بن عامر بن كُرَيز ابنُ خال عثمان، ومروان بن الحكم ابنُ عمه، وبنو عثمان: أبان وسعيد وعُمر في آخرين.
وليس في الصحابة مَن اسمُه عثمان بن عفان سوى رجلين؛ أحدهما صاحب هذه الترجمة، والثاني عثمان بن عفان الثقفي، ذكره جدّي في "التّلقيح" في أسامي الصحابة (٣)، ولم يَذكره فيمن له رواية، والظاهر أنه عثمان بن أبي العاص الثقفي، وقد فرّقنا في الكتاب جملةً من مَسانيد عثمان.
قال أحمد بإسناده، عن محمود بن لبيد، عن عثمان بن عفان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن بنى لله مسجدًا بنى الله له مثلَه في الجنة". أخرجاه في "الصحيحين" (٤).
انتهت ترجمة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (٥).