قد ذكر أرباب السِّيَر سيرةَ أبان بن عثمان، فقالوا: شهد الجَمل مع عائشة وكان ثاني المنهزِمين.
وقال ابنُ قتيبة: وهو ابنُ الحمقاء التي كانت تَجعل الخُنفساء في فيها وتقول حاجتُك في فمي.
قال: وكان من أصحاب العاهات؛ أبرص، أصمّ، أحول، سيّئ السيرة، صاحبَ رشوة وجَورٍ في ولايته، وقد وَلي مكة والمدينة، وكان يُلقَّب بُقَيعًا، وكانت عنده أمُّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم خلف عليها بعدَه الحجَّاج بن يوسف (١).
وقال الموفق ﵀: كان أبان فقيهًا، وقد رُوي عنه الحديث، وولدُه عبد الرحمن بن أبان من خيار المسلمين، قال: وكان عبد الرحمن يَشتري أهلَ البيت فيَكسوهم ويُعتقهم، ويقول: أنتم أحرار لوجه الله، أستعينُ بكم على غَمَرات الموت، قال: فزعموا أنه صلّى يومًا في مسجده، فوجدوه مَيتًا في مُصَلّاه (٢)، وكان في سنة أربع ومئة.
وأما خالد بن عثمان فأمُّه الحمقاء أيضًا، قال البلاذري: تُوفّي في خِلافة أبيه، ويُلَقَّب كَسِيرًا.
قال الواقدي: ركب بغلةً من السُّقْيا ليَدخل المدينة فيُدرِكَ صلاةَ الجمعة مع أبيه عثمان، فعثرت البغلةُ فنفَقَتْ، وكُسِر خالد، أصابه قطعٌ فهلك منه، وله عَقِب، كان عندهم مصحف عثمان الذي دَمُه عليه (٣).
وأما سعيد بن عثمان فكُنيتُه أبو عثمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال: وأمُّه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم، وأمُّها أسماء بنت أبي جهل بن هشام، وكان سعيد قليلَ الحديث (٤). هذه صورة كلام ابن سعد.
стр. 2627
وقال الواقدي: ولّاه معاوية بعضَ خُراسان، ففتح سَمَرقند، وأُصيبت عينُه بها، وفتح بُخارى، وكان يُبَخَّل، فعزله معاوية عن خُراسان.
قال البلاذري: إنما عَزله معاوية عن خُراسان لأنه طلب الخِلافة.
ولما بايع معاوية لابنِه يزيد بلغ صبيانَ المدينة، فجعلوا، يقولون: [من الرجز].
والله لا ينالُها يزيدُ
حتى ينال رأسَه الحديدُ
إن الأميرَ بعده سعيدُ
وبلغ معاوية، فاستقدمه فقال: يا ابن أخي، ما شيءٌ يَقوله صبيانُ أهلِ المدينة؟ فقال له: يا معاوية، وما تُنكر من ذلك؟ والله إن أبي لخيرٌ من أبي يزيد، وإن أمّي لخيرٌ من أمه، وإني لخيرٌ منه، وقد استعملناك فما عَزلناك، ووَصَلْناك فما قطعناك، وصار أمرُنا بيدك.
فولاه معاوية بعض خُراسان ليَشغَلَه عنه، ثم عزله وحبسه خوفًا منه (١).
وقال البخاري: غزا سعيدُ بن عثمان ما وراء النهر.
وقال أبو أحمد الحاكم: فتح سعيد فُتوحًا كثيرة، وأُصيبت عينُه مع الأحنف بن قيس.
وقال خليفة: عزل معاويةُ عبيد الله بنَ زياد عن خراسان في سنة ست وخمسين، ووَلّاها سعيد بنَ عثمان، فغزا سعيد ومعه المهلّب بن أبي صُفرة، وطلحة الطّلحات، وأوس بن ثَعْلبة من بني تَيم اللات، وربيعة بن عَسّال اليَربوعي، فنازل سَمَرقَنْد، فخرجوا إليه فقاتلوه، فألجأهم إلى المدينة، فصالحوه وأعطَوْه رهائن، ثم عَزله معاوية في سنة سبعٍ وخمسين، وولاها عُبيد الله بن زياد (٢).
وقدم سعيد المدينة، ومعه الرَّهائن من أولاد الصُّغد، فأخذ كِسوتَهم ومناطِقَهم،
стр. 2628
فدفعها إلى غِلمانه، وألبسهم جِباب الصُّوف، وكلَّفهم العملَ الصَّعب والسواني، وكانوا من أولاد الملوك، فاستعملهم يومًا في حائطٍ له، فقتلوه بالمَساحي، وطُلِبوا فقتلوا نفوسهم.
وهل قُتل قبل وفاة معاوية أو بعده؟ فيه قولان.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني عن العُتبي قال: لما قُتل سعيد قالت أمُّه: أشتهي مَن يَرثيه بما في نفسي، فقال عبد الرحمن بن أرطاة بن سَيحان: [من مجزوء الكامل]
إن كنتِ باكيةً فتًى … فابكي هُبِلتِ على سعيدِ
فارقتَ أهلَك بغتةً … وجلبتَ حتفَك من بعيدِ
أذْرِي دموعَكِ والدِّماء … على الشّهيد ابنِ الشهيدِ
فقالت: هذا والله الذي كان في نفسي، ووصَلتْه (١).
وأما الوليد بن عثمان بن عفان فأمُّه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو أخو سعيد لأمّه وأبيه.
قال أبو اليقظان: كان صاحب شراب، قُتل أبوه عثمان وهو في حَجَلةٍ سكران، عليه المصبّغات من الأحمر والأصفر والأخضر، وقد خَلّق رأسَه ولحيتَه.
وذكره المدائني وقال: كان للوليد هذا ولدٌ اسمه عبد الله بن الوليد، يسبُّ علي بنَ أبي طالب، وأمُّه ابنةُ الزبير بن العوام، وهو الذي قام إلى هشام بن عبد الملك يومَ عَرَفة وقال له: لم لا تَسبُّ أبا تُراب؟! فزَبَره هشام وقال له: اسكت، ما أتَينا إلى ها هنا لهذا (٢).
وأما عبد الملك بن عثمان فمات في حياة أبيه وهو غلام.
وأما بناتُ عثمان بن عفان فسبع: مريم الكُبرى، وأمُّها أمُّ عمرو بنت جُندب الحمقاء، وأمُّ سعيد، وأمُّها فاطمة بنت الوليد، وعائشة وأمّ أبان وأمّ عمر، وأمُّهن رَمْلة بنت شَيبة بن ربيعة، ومريم الصُّغرى، وأمُّها نائلة بنت الفَرافِصَة، وأمُّ البَنين لأُمِّ وَلَد.
стр. 2629
فأما مريم الكُبرى فتزوّجها سعيد بنُ العاص بن أمية، وكان قد تزوَّج سعيدٌ قبلها أختها أمَّ عمرو بنت عثمان فهَلَكت عنده، فتزوّج بعدها أختَها مريم، فهلك عنها، فتزوَّجها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فهلكت عنده.
وأما عائشة بنت عثمان فتزوَّجها الحارث بنُ الحكم بن أبي العاص، ثم خلف عليها بعده عبد الله بنُ الزبير.
وأما أم أبان بنت عثمان فتزوَّجها مروان بنُ الحَكَم.
وأما أم سعيد بنت عثمان فتزوَّجها عبد الله بن خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص.
وأما مريم الصُّغرى فتزوَّجها عَمرو بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط.
وأما أمّ البَنين فتزوّجها عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان بن حرب.
ذكر موالي عثمان بن عفان ﵁:
كان لد عِدَّة من الموالي، المشهور منهم: حُمران وكَيسان.
فأما حُمران بن أبان فكُنيتُه أبو زيد، وهو من سَبْي عينِ التَّمر، سباه المسيَّب بن نَجَبة الفَزاري في أيام أبي بكر ﵁، وكان الأمير خالد بن الوليد، وكان حُمران يهوديًّا فأسلم، فأعتقه عثمان، وكان يَكتب له، ثم تزوَّج امرأةً في عِدَّتها، فجلده عثمان ونَفاه إلى البصرة، وهو الذي سعى بعامر بن عبد القيس حتى نفاه عثمان بن عفان إلى الشام، وقد ذكرناه.
وقد ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة في الموالي فقال: حُمران بنُ أبان مولى عثمان، روى عن عثمان، وتحوَّل إلى البصرة فنزلها، وادَّعى وَلَدُه أنهم من النَّمِر بن قاسط بن ربيعة، وكان كثيرَ الحديث، ولم أرهم يَحتجُّون بحديثه (١).
وقيل: إنه أفشى سرَّ عثمان، فنفاه إلى البصرة، وقيل: سببُ نفيه أن عثمان بعثه إلى الكوفة ليكشِفَ عما قيل عن الوليد بن عُقبة، فرشاه الوليد، فلم يُخبر عثمان وأخبر مروان، فأخبر مروان عثمان، وقله ذكرناه (٢).
стр. 2630
وأما كَيسان مولى عثمان فكُنيتُه أبو فَروة، وولدُه عبد الله بنُ أبي فروة كان عظيمَ القَدْر، وكان مع مُصعب بن الزبير لما قُتل، فحَمل أموال مصعب إلى مكة، وكانت عشرة آلاف ألف درهم (١).
ذكر مسانيد عثمان بن عفان:
واختلفوا فيها، قال قوم: روى عن رسول الله ﷺ مئةً وَستةً وأربعين حديثًا، وقال ابن البرقي: أسند نحوًا من أربعين حديثًا، وقال أبو نُعيم: نيّفًا وستين حديثًا سوى الطُّرق.
وأخرج له أحمد أحدًا وَخمسين حديثًا، ذكرها جدي في "جامع المسانيد"، أخرج له منها في "الصحيحين" ستة عشر، المتفق عليها منها ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة (٢).
وروى عثمان عن أبي بكر وعمر، وروى عنه أعيانُ الصحابة: العبادلة، وزيد بن ثابت، وعمران بن حُصين، وأنس، وأبو هريرة، والمغيرة بن شُعبة، وزيد بن خالد الجُهَني، وأبو قتادة في آخَرين، ومن التابعين عبد الله بن عامر بن كُرَيز ابنُ خال عثمان، ومروان بن الحكم ابنُ عمه، وبنو عثمان: أبان وسعيد وعُمر في آخرين.
وليس في الصحابة مَن اسمُه عثمان بن عفان سوى رجلين؛ أحدهما صاحب هذه الترجمة، والثاني عثمان بن عفان الثقفي، ذكره جدّي في "التّلقيح" في أسامي الصحابة (٣)، ولم يَذكره فيمن له رواية، والظاهر أنه عثمان بن أبي العاص الثقفي، وقد فرّقنا في الكتاب جملةً من مَسانيد عثمان.
قال أحمد بإسناده، عن محمود بن لبيد، عن عثمان بن عفان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن بنى لله مسجدًا بنى الله له مثلَه في الجنة". أخرجاه في "الصحيحين" (٤).
انتهت ترجمة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (٥).
стр. 2631
فصل وفيها توفي.
عِياض بن زهير
ابن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال الفِهريّ، وكُنيته أبو سعد، من الطبقة الأولى من المهاجرين وأمه سَلْمى بنت عامر بن ربيعة، فهريّةٌ أيضًا، هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانية في قول ابن إسحاق والواقدي، ثم قدم المدينة مهاجرًا قبل بدر، فشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع النبي ﷺ ، قالوا: وهو عمُّ عياض بن غَنْم الفهري والي الجزيرة.
ومات عياض بنُ غَنْم في سنة عشرين، وصاحبُ هذه الترجمة في سنة خمس وثلاثين، وليس في الصحابة مَن اسمُه عياض بن زهير غيرُه، وله رواية وصُحبة (١).
وفيها تُوفّي.
فيروز الدَّيلمي الحِميريّ
نُسِب إلى حِمْيَر لأنه نزل فيهم، وذكره ابن سعد، في الطبقة الرابعة في الوافِدِين على النبي ﷺ وقال: هو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى لنَفْي الحبشة من اليمن، فنَفَوْهُم عنها وأقاموا بها (٢).
وفيروز هو الذي حضر قتلَ الأسود العَنْسي، وقال رسول الله ﷺ لما جاء الخبرُ من السماء بقتل الأسود: "فاز فيروز الرجلُ الصّالح".
وكُنية فيروز أبو عبد الرحمن.
وقال جدّي ﵀ في "التلقيح" (٣): فيروز ابن أخت النَّجاشي.
стр. 2632
وقال الواقدي: وكان لفيروز ثلاثةُ أولاد: عبد الله والضحاك وعيَّاش، وكُنية عبد الله أبو بِشر، ويُقال: أبو نَسْر بنون وسين (١).
صحب عبد الله معاذ بنَ جَبَل بالشام إلى أن مات، وسكن فلسطين والأردن، وحدّث عن معاذ، وأبيّ بن كعب، وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحُذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وحَنَش بن عبد الله، وعن أبيه فيروز.
وروى عنه يحيى بن أبي عمرو السَّيباني، ومحمد بن سيرين، وحُكَيم بن زُرَيق الأيلي. وَفَد على عمر بن عبد العزيز.
والضحاك بن فيروز صحب عبد الملك بن مروان (٢).
وليس في الصحابة مَن اسمُه فيروز سواه.
وقيل: مات في هذه السنة، قال ابن سعد: مات في خلافة عثمان بن عفان، ولم يَذكر تاريخَ وفاتِه (٣).
أسند فيروز عن رسول الله ﷺ أحاديث، أخرج له أحمد في "المسند" ثلاثةَ أحاديث.
الحديث الأول: قال أحمد بإسناده عن الأوزاعي، عن عبد الله بن فَيروز الدَّيلمي، عن أبيه: أنهم أسلموا وبعثوا وَفْدَهم إلى رسول الله ﷺ ببيعتهم وإسلامِهم، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منهم، فقالوا: يا رسول الله، نحن مَن قد عَرفتَ، وجئنا من حيث قد عَلمتَ، وأسلمنا فمَن وَليُّنا؟ فقال: "الله ورسولُه"، قالوا: حَسبُنا.
الحديث الثاني: قال أحمد بإسناده عن ابن فَيروز الدَّيلمي، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليُنْقَصنّ الإسلامُ عُروةً عُروة".
الحديث الثالث: قال أحمد بإسناده عن الضحاك بن فيروز: أن أباه فيروز أدركَه الإسلام وتحته أختان، فقال له النبي ﷺ : "طَلِّق أيَّتهما شِئتَ" (٤) وأخرج له غيرُ أحمد أحاديث.
стр. 2633
وقال ابن سعد: وَفَد فيروز على رسول الله ﷺ ، وروى عنه أحاديثَ، منها حديثٌ في القِدْر، قال وبعضُهم يَروي عنه فيقول: حدَّثني الدَّيلمي، وبعضهم يقول: الحِميريّ، وبعضهم يقول: عن الدَّيلم، وهذا كلُّه واحد.
قال ابن سعد بإسناده عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَني، عن الدَّيلمي قال. قلتُ: يا رسول الله، إنا بأرضٍ باردة، وإنا نَستعين بشرابٍ من القمح، قال: "أيُسْكِر؟ " قلتُ: نعم، قال. "فلا تشربوه"، ثم أعاد ققال له كذلك، فقال: إنهم لا يَصبرون عنه، قال: "فإن لم يَصبروا عنه فاقتُلْهم" (١).
وفيها تُوفّي.
مُعاذ بن عَفْراء
وعفراء اسمُ أمّه، وأبوه الحارث بن رِفاعة بن الحارث بن سَواد بن مالك بن غَنْم، ومعاذ من الطبقة الأولى من الأنصار، وسنذكر أمّه في آخر ترجمته.
وحكى ابن سعد عن الواقدي أنه قال: ويُروى أن معاذ بنَ الحارث ورافع بن مالك الزّرَقي أول مَن أسلم بمكة من الأنصار، ويُجعل في الثمانية نَفَرٍ الذين أسلموا أوَّل مَن أسلم من الأنصار بمكة، قال: ويُجعل في الستّة النفر الذين يُروى أنهم لقوا النبي بمكة من الأنصار فأسلموا، ولم يَتقدَّمهم أحد.
قال محمد بن عمر: وأمرُ الستة أثبتُ الأقاويل عندنا.
قال: وشهد معاذ العَقَبَتين في روايتهم جميعًا، وبدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسول الله ﷺ بين معاذ ومَعمر بن الحارث (٢).
وكان معاذ يَتصدّق بجميع ما يُفتح به عليه.
قال هشام: وكان عمر بن الخطاب يَبعث إلى أهل بدر حُلَلًا، ويبعث إليه بالحُلّة، فيبيعها ويَشتري بثمنها رقابًا فيُعتقهم.
стр. 2634
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده إلى ابن أبي ليلى قال: كان معاذ بن عَفراء لا يَدع شيئًا إلا تصدق به، فلما وُلد له مولودٌ استشفعت إليه امرأتُه بأخواله، فكلّموه وقالوا: إنك قد أَعَلْتَ، فلو جمعتَ شيئًا لوَلَدك، فقال: إن نَفْسي قد أبتْ إلا أن تَستترَ بكلِّ شيءٍ أجده من النار. فلما مات ترك أرضًا إلى جَنْب أرضٍ لرجل، فاحتاج إليها جارُه، فباعها وليُّ صبيانه بثلاث مئةِ ألف درهم، وكانت تُساوي عشرة دنانير (١).
ذكر أولاده: قال ابن سعد: كان له من الولد عُبيد الله، وأمُّه حَبيبة بنت قيس بن زيد، من الأوس، والحارث وعوف وسلمى، وهي أمُّ عبد الله، ورَمْلة، وأمُّهم أمُّ الحارث بنت سَبْرة بن رِفاعة، من بني النّجّار، وإبراهيم وعائشة، وأمُّهما أمُّ عبد الله بنت نُمَير، من جُهَينة، وسارة، وأمُّها أمُّ ثابت، وهي رَمْلة بنت الحارث بن ثعلبة، من بني النجّار (٢).
وليس في الصحابة مَن اسمُه معاذ ويُنسب إلى أمِّه عفرء غيرُه.
وذكر جدّي في "المنتظم" (٣) أنه توفي في هذه السنة، ولم يذكر ابن سعد تاريخَ وفاته بل قال: تُوفّي معاذ بن الحارث بعد قتلِ عثمان بن عفان؛ أيّام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وله اليوم عَقِب (٤).
ذكر أمِّه عَفْراء: قال ابن سعد: وهي عَفْراء بنت عبيد بن ثَعْلبة بن غَنْم بن مالك بن النجّار، وأمُّها الرعاة بنت عديّ، من بني النجّار، تزوّجها الحارث بن رِفاعة، فوَلَدت له معاذًا ومعوّذًا وعوفًا، وشهدوا بدرًا، أسلمت وبايعتْ رسول الله ﷺ (٥).
وليس في الصحابيات مَن أسمُها عفراء سوى اثنتين: إحداهما هذه، والثانية عفراء بنت السَّكَن بن رافع، أنصارية أيضًا (٦).
стр. 2635
قلت: وعَفراء بنت عبيد [أمّ] صاحب هذه الترجمة هي التي شهد لها بدرًا سبعُ بنين مُسلِمين، وقد ذكرناهم في غزاة بدر.
فصل وفيها توفّي.
أبو لُبابةَ
ابنُ عبد المنذر بن رفاعة بن زَنْبر بن أمية، من الطبقة الأولى من الأنصار [من] بني عمرو بن عوف، وقيل: اسمه بَشير، وإنما اشتهر بكنيته، وأمه نسيبة بنت زيد بن ضُبَيعَة، من بني عمرو بن عوف.
شهد أبو لبابة المشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ ما عدا بدرًا، فإنه ردّه رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر من الرَّوحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بأجره وسَهْمه، فكان كمن شَهدها، وقد ذكرناه. وشهد أُحدًا، واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة أيضًا حين خرج إلى غزوة السَّويق، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف يوم الفتح.
وهو الذي ربط نفسه إلى سارية لما قال لبني قُرَيظة: الذَّبح الذّبح، ثم تاب الله عليه، وفي الصحابة آخر يُقال له أبو لبابة من بني أسلم.
وقد روى أبو لُبابة بن عبد المنذر الحديثَ عن رسول الله ﷺ .
ذكر أولاده: كان له من الولد: السّائب وأمُّه زينب بنت خِذام أنصارية، ولُبابَة وبها كان يُكنى، تزوّجها زيد بن الخطاب فوَلَدت له، وأمُّها نسيبة بنت فَضالة أنصارية.
وكان لأبي لُبابة أخوان: مُبَشّر ورفاعة لأبيه وأمه، شهد مُبَشّر بدرًا، وقُتل يومئذ شهيدًا، قتله أبو ثور، وأخوه رفاعه قُتل يوم أحدٍ شهيدًا (١)، وقد ذكرناه، وهذا ما انتهى إلينا.
* * *
стр. 2636
السنة السادسة والثلاثون
قال علماء السير كابن هشام والواقدي وسيف بن عمر عن أشياخهم: لما دخلت سنة ست وثلاثين فرَّق أميرُ المؤمنين عُمَّاله على الأقطار، قال سيف: فحدّثني محمد وطلحة قالا: بعث عثمان بنَ حُنَيف إلى البصرة، وعُمارة بن حسان بن شهاب الثوري على الكوفة، وكان من المهاجرين، وعبيد الله بن العباس إلى اليمن، وقيس بن سعد بن عُبادة إلى مصر، وسهل بن حُنَيف إلى الشام.
فأما سهل بن حُنَيف فإنه لما وصل إلى تبوك لَقيَتْه خيلٌ، فقالوا: مَن أنت؟ قال: أمير، [قالوا: على أي شيء؟ قال:] على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بَعَثَك فحَيَّهَلا بك، وإن كان غيرُه فارجع، فليس لك علينا إمرة، فقال: أوَما سمعتُم بنا جرى؟ قالوا: بلى، فرجع إلى المدينة، وأخبر عليًّا بذلك.
وأما قيس بن سعد فإنه لما وصل إلى أيلة لقيتْه خيلٌ، فقالوا: مَن أنت؟ قال: من فالَّة عثمان، أطلبُ مَن آوي إليه، قالوا: ادخل، فدخل مصر وقال: أنا قيس بنُ سعد، وافترق أهلُ مصر عليه فِرَقًا؛ فرقة دخلت في الجماعة فكانوا مع قيس، وفرقة اعتزلت إلى مكان يُقال له: خَرِبْتا، ووافقهم أهلُها وقالوا: الأمر موقوف؛ إن قتل عليٌّ قتلةَ عُثمان فنحن معه، وإلا كنا على حالنا، وفرقة قالوا: نحن مع علي إلا أن يَقتُل إخواننا، يعنون قتلةَ عثمان، وهم في ذلك مع الجماعة.
فكتب قيس إلى علي بذلك، وسنذكر قصة قيس بن سعد بعد هذا.
وأما عثمان بن حُنَيف فسار حتى دخل البصرة، فلم يَرُدّه عنها أحد، وافترق أهلُها، ففِرقة دخلت في الجماعة، وفرقة اعتزلت، وفرقة قالوا: نحن مع أهل المدينة، نَنظُر ما يصنعون فنصنع كذلك.
قال أبو جعفر الطبري في "تاريخه" (١): وأما عُمارة فإنه لما وصل إلى زُبالة تلقّاه طُليحة بن خُويلد -وقد كان حين بلغه قتلُ عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه ويقول:
стр. 2637
لَهْفي على أمرٍ لم أُدركْه- فقال لعُمارة: ارجع، فإن القوم لا يُريدون بأميرهم بديلًا، فإن أبيتَ ضربتُ عُنُقَك، فرجع عُمارة إلى المدينة.
قلت: وقولُ الطبري: لَقيَه طُليحة بن خُويلد وَهم، فإن طُليحة بن خويلد استشهد بنَهاوَنْد في سنة إحدى وعشرين، في أيام عمر بن الخطاب من غير خلاف.
ولما حكى جدّي ﵀ في "المنتظم" (١) قصةَ عُمارة قال: ولما وصل إلى زُبالة رُدّ، ولم يذكر سوى هذه اللفظة، ولم يحْكِ ما حكاه الطبري عن طليحة بن خويلد.
وأما عُبيد الله بن عباس فإنه لما وصل إلى اليمن، جمع يَعلى بن أُميَّة ما كان بها من مال، وسار على حامية، حتى نزل مكة، وهذا يَعلي بن أُمَيّة؛ أميةُ أبوه، وأمه مُنْيَة بنون، وهي بنت غزوان، وأخت عُتبة بن غزوان، وسنذكره فيما بعد.
قالوا: ولما رجع سهل بن حُنَيف من الشام دعا عليّ طلحةَ والزبير، وقال لهما: إن الفتنة قد وقعت، والذي كنا نَحذره من معاوية قد كان، وإن الفتنة تُسعّر، كالنار تزداد بالوَقود، فماذا تريان؟ قالا: ائذن لنا في الخروج من المدينة، فإما أن نُكاثر وإما أن تَدَعنا، فقال: سأمسك الأمرَ ما استمسك، فإذا لم أجد بُدًّا فآخر الدَّاء الكيّ.
وحكى جدي ﵀ في "المنتظم" القصة وقال: آخر الدواء الكي (٢).
وكتب علي إلى أبي موسى الأشعري أن يَأخذ البيعةَ على أهل الكوفة، وبعث بكتابه مع مَعْبد الأسلمي، فكتب إليه ببيعة أهل الكوفة، وبَيَّن الراضي منهم والكاره، حتى كان علي ﵇ على الواضحة من أهل الكوفة (٣).
ثم كتب أمير المؤمنين إلى معاوية، قال علماء السير ممّن سمَّينا: كتب مع الجُهَنيّ كتابًا يَدعو فيه معاوية إلى الطاعة، ويَتواعده على المخالفة، فقدم عليه، فدفع الكتاب إليه، فلما قرأه تَمثَّل وقال: [من البسيط]
أدِمْ إدامةَ حصنٍ أو خُذًا بيدي … حَرْبًا ضروسًا تَشُبُّ الجَزْلَ والضَّرَما
стр. 2638
في جاركم وابنكم إذ كان مَقتلهُ … شَنعاءَ شَيَّبَتِ الأصداغَ واللّمَما
أعيا المسُودُ بها والسَّيِّدون فلم … يُوجَدْ لها غيرُنا مَولًى ولا حَكَما
فأقام الجُهَنيّ عنده ثلاثة ألثمهر إلى سَلْخِ صَفَر، كلما سأله الجواب تمثّل بهذه الأبيات، فلما مضى الشهرُ الثالث من مَقتل عثمان؛ دعا معاويةُ برجلٍ من بني عَبْس يُدعى قَبيصة، فدفع إليه طُومارًا مَختومًا عنوانه: من معاوية إلى علي، وقال له: إذا دخلتَ المدينة فاقبض على أصلِ الطُّومار وارفعه، ثم أوصاه بما يقول، وأشخص معه رسولَ عليّ الجُهني، وخرجا، فقدما المدينةَ في ربيعٍ الأول، فلما دخلا رفع العبسيُّ الطُّومار، وقد خرج الناس ينظرون إليه، فلما رأوا الطومار تَفرَّقوا إلى منازلهم، وعلموا أن معاوية مُخالفٌ معتَرِض.
ودخل العبسيُّ على أمير المؤمنين، فدفع إليه الطُّومار، ففضَّ خاتمه فوجده كلّه بياضًا ليس فيه كتاب، فقال للرسول: وَيحك، ما وراءك؟ فقال: أنا آمن؟ قال: نعم إن الرُّسُلَ لا تُقتل، قال. تركتُ ورائي أقوامًا لا يَرضَون إلا بالقَود، قال: ممّن؟ قال: منك، وتركتُ ستين ألفَ شيخٍ يَبكون تحت قميص عثمان، وهو مَنصوبٌ لهم على منبر دمشق، قد ألبسوه إياه، فقال عَلي: أمنّي يَطلبون دمَ عثمان؟! نجا والله قَتَلةُ عثمان إلا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمرًا أصابه، اخرج، فقال: وأنا آمِن؟ فقال: نعم.
فخرج، وصاحت السّبئية: اقتُلوا الكلب وافِدَ الكلاب، فصاح: يا [آل] قَيس، الخيل والنَّبْل، وأقسم بالله: ليَردنَّها عليكم أربعةُ آلاف خصيّ، فانظروا كم الفحول والرّكاب، فمالوا عليه، فمنَعتْه مُضر، وجعلوا يقولون له: اسكت، وهو يقول: لا والله لا يُفلح هؤلاء أبدًا، ولقد أتاهم ما يُوعَدون، وحلَّ بهم ما يَحذرون، انتهت والله أعمالُهم، وذهبت ريحُهم، وكلما قالوا: اسكُتْ وهو يكرِّر الكلمات، فوالله ما أمسوا من يومهم حتى عُرف الذلُّ فيهم.
وقال سيف: حدثني أبو حارثة وأبو عثمان قالا: واستأذن طلحة والزبير عليًّا في العُمرة، فأذِن لهما، فلحقا بمكة، وفي رواية: فقال لهما علي: لعلكما تُريدان الشام؟ قالا: لا والله، وقَدِما مكة.
وقال سيف: حدثني محمد وطلحة قالا: وأحبَّ أهلُ المدينة أن يَعلموا رأي علي
стр. 2639
في معاوية، ليعلموا بذلك رأيَه في قتال أهلِ القبلة؛ هل يَجسُر عليه أو يَنكُل عنه، وقد بلغهم أن الحسن بن علي دخل عليه، وخلى [به]، ودعاه إلى القُعود وتركِ الناس، فدسُّوا إليه زياد بنَ حَنظلة التميميّ -وكان منقطعًا إلى علي- فدخل عليه، فقال له علي: يا زياد، تجهَّز؟ قال: إلى أين؟ قال: إلى غزو أهلِ الشام، فقال زياد: الأناةَ الأناةَ، والرِّفقَ الرِّفق، فخرج زياد على الناس وهم يَنتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: السيف، فعرفوا ما هو فاعل.
ذكر تجهّز أمير المؤمنين إلى الشام
قال سيف: وأخذ في المسير إلى الشام، وعبَّأ جيوشَه، فجعل على مُقدّمته أبا ليلى بن عمر بن الجرَّاح، ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، وعلى الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عُمر بن أبي سلمة، ومعه عمرو بن سفيان بن عبد الأسد (١)، ودفع لواءه إلى محمد بن الحنفية، واستخلف على المدينة قُثَم بن العباس، ولم يُولِّ أحدًا ممن خرج على عثمان شيئًا، وكتب إلى أبي موسى وعثمان بن حنيف أن يَندُبا أهلَ العراق إلى غزو أهل الشام، وكتب إلى [قيس بن] سعد بن عُبادة بمثل ذلك.
وأقبل على أخذ العُدَّة، ثم خطب أهلَ المدينة، ودعاهم إلى قتال أهل القِبلة (٢)، وقال في خطبته: انهضوا إلى قتال هؤلاء الذين يُريدون تفريقَ جَماعتِكم، وتبديدَ كلمتِكم، لعلّ الله أن يُصلح بكم ما أفسد أهلُ الآفاق، أو تَقضوا الذي عليكم.
فبينما هم على ذلك إذ جاءه الخَبَر باجتماع طلحة والزبير بعائشة على نحوٍ آخر، فثنى عَزمَه عن المسير إلى الشام، وعزم على المسير إلى مكة، ثم خطب فقال: أيّها الناس، إن الله جعل لظالم هذه الأمة العَفوَ والمغفرة، وجعل لمن لَزِم الأمرَ واستقام الفوزَ والنّجاة، ألا وإن طلحة والزبير وعائشة قد تمالؤوا عليَّ وسخطوا إمارتي، وسأصبر ما لم أَخَفْ على جماعتكم، وأكفّ إن كَفّوا، وأقتصر على ما بَلغني عنهم.
ثم أتاه الخبر أنهم يُريدون البصرة للإصلاح بين الناس.
стр. 2640
قال هشام: فقام خطيبًا وقال: أيها الناس إن طلحةَ والزّبير خرجا يَجُرّان حُرمةَ رسول الله ﷺ كما تُجَرُّ الأمَةُ عند شرائها، وحبسا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيسَ الله وحبيسَ رسوله، وما مثهما إلا مَن أعطاني الطاعة، وسألني البيعةَ طائعًا غيرَ مُكره، فتهيّؤوا للمسير إليهم، ثم نزل.
قال سيف: فثَقُل ذلك على أهل المدينة وتثاقلوا، وقالوا: لا ندري كيف نَصنع، وإنه أمرٌ مشتبه، ونحن مُقيمون حتى يُضيء لنا، فبعث كُميل بن زياد إلى عبد الله بن عمر، فجاء فقال له: انهض معي لقتال هؤلاء القوم، قال: إنما أنا رجل من أهل المدينة، إن خرج أهلُها خرجْتُ، وإن قَعدوا قعدتُ، فقال له علي: أعطِني زعيمًا بأنك لا تخرج، فقال: لا أعطيك زعيمًا، فقال علي: أنا أعرفُ الناس بك.
ثم خرج عبد الله من تحت ليلته، وأخبر أمّ كلثوم بنت علي أنه خرج مُعتمرًا، مقيمًا على الطاعة، وكان صدوقًا.
وأصبح علي فأُخبر بخروجه، وقيل له: خُروجه أشدُّ عليك من معاوية وطلحة والزبير، وأنه قد ذهب إلى الشام، فبَثّ علي في طَلَبه الرجال والخيلَ، وماجت المدينة، فجاءت أمّ كلثوم إلى أبيها وقالت: ما لك وللرجل؟ إن الأمر على خلاف ما بلَغك، ما خرج إلَّا مُعتمرًا، وأنا ضامِنَتُه، فطابت نفسُه فقال: إنه عندي ثِقةٌ صَدوق.
ذكر اجتماع طلحة والزبير وعائشة وبني أمية بمكة
قال علماء السير منهم سيف بن عمر، عن أشياخه، دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض قالوا: لما قُتل عثمان وقل أن يُبايَع عليّ، هرب بنو أمية إلى مكة، وبويع علي لخمسٍ بقين من ذي الحجة -كذا وقعت هذه الرواية- وكانت عائشة مُقيمةً بمكة تُريد العُمرة في المحرَّم، فلما قضت عُمرتها، وخرجت تقصد المدينة، وانتهت إلى سَرِف، لقيَها رجلٌ من أخوالها من بني ليث؛ يقال له: عُبيد بن أبي سلمة، فقالت له: مَهْيَمْ؟ فهَمْهَمَ ودَمْدَمَ، فقالت له: ويحك علينا أولنا؟ فقال: قُتل عثمان، وبقوا خمسة أيام بغير إمام، قالت: ثم ماذا؟ قال: اجتمع أهلُ المدينة على علي فبايعوه، فعادت إلى مكة وهي ساكتة.
стр. 2641
وفي رواية سيف: فدخلت المسجد، وقصدت الحِجر، فتستّرت فيه، واجتمع إليها الناس، فقالت: أيها الناس، إن الغَوغاء من أهل الأمصار، وأعراب أهل المياه، وعَبيد أهل المدينة، اجتمعوا على هذا الرجل المقتول بالأمس ظُلمًا، فبادَروه بالعدوان، فسَفكوا الدم الحرام، واستَحلُّوا الشهرَ الحرام والبلد الحرام، وأخذوا المال الحرام، فاجتماعُكم عليهم يُنَكّل بهم غيرَهم، ويُشرِّدُ بهم مَن خَلفهم.
وفي رواية سيف أيضًا أنها لما رجعت قال لها عبد الله بن عامر الحضرمي: ما رَدَّك يا أم المؤمنين؟ وكان عبد الله عامل عثمان على مكة، فقالت: رَدَّني أن عثمان قُتل مَظلومًا، وأن أمر الأمة لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمرٌ، فاطلبوا بدم عثمان تُعِزُّوا الإسلام، فكان أول مَن أجابها عبد الله بن عامر، وذلك أوّل ما تكلّمتْ بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم.
وروى الطبري بإسناده عن عبيد الله بن عمرو القُرشي قال: خرجت عائشة وعثمان محصور إلى مكة، فقدم مكة رجلٌ يُقال له: أخضر، فقالت له عائشة: ما صنع الناس؟ قال: قتل عثمان المصريين، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أيُقتلُ قومٌ جاؤوا يَطلبون الحقّ ويُنكرون الظلم، والله لا نرضى بهذا.
ثم قدم آخر فقالت: ما صنع الناس؟ فقال: قتل المصريون عثمان، فقالت: عجبًا للأخضر، زعم أن المقتول هو القاتل، فكان يُضرب به المثل فيقال: أكذبُ من الأخضر (١).
وقال سيف بن عمر بإسناده: الذي لقي عائشة في الطريق عُبيد بن أمِّ كلاب، فقالت: مَهْيَم، قال: قتلوا عثمان، قالت: ثم ماذا؟ قال: واجتمع الناس على علي، فقالت: بِفيك الحَجَر، والله وَدِدْتُ أن هذه انطبقت على هذه، يعني السماء على الأرض، ولا وَلي علي، رُدّوني، والله لأطلُبنّ بدم المظلوم عثمان، فقال لها عُبيد: فأنت والله أول مَن حَرَّض الناسَ على قتله، ألستِ القائلة: اقتلوا نَعثَلًا فقد كفر؟ فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، فأنشد عبيد: [من المتقارب]
стр. 2642
فمنكِ الرياحُ ومنك المطرْ … ومنك البَداءُ ومنك الغِيَرْ
وأنتِ أمرتِ بقتلِ الإمامِ … وقلتِ لنا إنه قد كَفَرْ
فهبْنا أطعناكِ في قتله … فقاتلُه عندنا مَن أَمَرْ
ولم يَسْقُطِ السقفُ من فوقنا … ولم تَنكسِف شمسُنا والقمر
وقد بايع الناسُ ذا تُدْرَأ … يُزيل الشَّبَا ويقيم الصَّعَر
ويَلبسُ للحرب أوزارَها … وما مَن وَفَى مثلُ مَن قد غَدَرْ
وقد ذكر الأبيات الطبري (١).
وقال سيف: حدثني عمرو بن محمد، عن الشعبي قال: أولُ مَن أجاب عائشة إلى الطَّلَب بدم عثمان عبد الله بنُ عامر الحضرميّ، وسعيد بنُ العاص، والوليد بنُ عُقْبة، وسائر بني أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر بن كُرَيز من البصرة، ويَعلي بن أمية من اليمن، واجتمع مَلَؤهم بعد نَطرٍ طويل في مسيرهم إلى البصرة، وقالت لهم عائشة: إن هذا حدثٌ عظيم، فانهضوا فيه إلى إخوانكم بالبصرة، فقد كفاكم أهلُ الشام ما عندهم، لعل الله يُدرك لعثمان ثأرَه.
ذكر الأموال التي جَهّزوا بها الجيش
روى سيف عن أشياخه قال: قدم يعلى بن أمية من اليمن إلى مكة ومعه ستُّ مئة ألف ألف درهم، وست مئة بعير (٢)، فأناخ بالأَبْطَح -وقيل: كان معه ست مئة ألف دينار زيادة على ما ذكرنا- وقدم ابنُ عامر من البصرة بأكثر من ذلك، واجتمع بنو أمية بالأبطح فقالت لهم عائشة: ما تَرون؟ فأشار كلّ واحدٍ بقَصْد جِهةٍ.
وقال عبد الله بن عامر بن كُريز: اقصدوا البصرة؛ فإن لي بها صنائع وأيادي، وقد كفانا معاويةُ الشام، فقالوا له: قاتلك الله، والله ما كنتَ لا بالمحارب ولا بالمسالم، هلا أقمتَ بها كما أقام معاوية بالشام؛ فنكتفي بك، ونأتي الكوفة فنَسُدّ عليهم المذاهب، فلم ينطق ابنُ عامر بحرف، واتفق قَصْدُهم إلى البصرة.
стр. 2643
واختلفوا في الجمل الذي ركبتْه عائشة، فقال الواقدي: قدم به يَعلى بن أمية من اليمن، اشتراه بثمانين دينارًا.
وقال الهيثم: جاء به معه عبد الله بنُ عامر من البصرة، اشتراه بمئتي دينارٍ، فدفعه إلى عائشة، وقيل: اشترته عائشة من رجل من عُرَينَة بست مئة درهم، وأخذته يدلُّ بها الطريق إلى البصرة، وسنذكره.
وقال خليفة بن خياط: الأصحُّ أن يَعلى بن أمية اشتراه من اليمن بمئتي دينار، ولم يُرَ مثلُه.
وقال سيف: حدثني محمد وطلحة قالا: قدم يَعلى بن أمية من اليمن ومعه ست مئة بعير وست مئة ألف، فأناخ بالأبطح مُعَسكِرًا، وقدم عليهم طلحة والزبير، فلقيا عائشة فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: إنا تحمَّلنا هُرَّابًا من المدينة من غَوْغاء وأعراب، وفارَقْنا قومًا حَيارى، لا يَعرفون حقًّا ولا يُنكرون باطلًا، ثم قالوا: يا أمَّ المؤمنين، دعي المدينة، واشخَصي معنا إلى البصرة، فإن صَلُح هذا الأمر وإلا دَفَعنا بجهدنا، قالت: نعم.
فانطلقوا إلى حفصة، فقالت حفصة: رأي [تبَعٌ لرأي] عائشة، حتى إذا لم يَبق إلا الخروج قالوا: [كيف] نستَقِلُّ ولا مال معنا نتَجهَّز به؟ فقال يعلى بن أمية: معي المال والجمال فاركبوها، وقال ابن عامر كذلك، فنادى المنادي: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يُريد إعزازَ الإسلام، وقتال المحِلِّين، والطلبَ بثأر عثمان فليَخرُج، فخرجوا واستقلّوا سائرين.
وأرادت حَفصة الخروج، فأتى عبد الله بن عمر، فسألها أن تَقعُد فقعَدت وبعثتْ إلى عائشة: إن عبد الله مَنَعني، أو حال بيني وبين الخروج، فقالت: يَغفر الله لعبد الله.
وخرج المغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص معهم مَرحلة من مكة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي؟ قال: الرَّأيُ والله الاعتزال، فأيّهم أظفره الله أتيناه فقلنا: كان صَفوُنا معك، فَجَلسا.
وقال الطبري: وبعثت أمُّ الفضل ابنة الحارث امرأةُ العباس رجلًا من جُهينة يُدعى
стр. 2644
ظفرًا، فاستأجَرتْه على أن يَطوي البلاد ويأتي عليًّا بكتابها، فقَدِم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخبر (١).
قلت: ليس في الصحابيات مَن كُنيتُها أمُّ الفضل سوى أم الفضل ابنة الحارث الهلالية، زوجة العباس بن عبد المطلب، وقد تقدَّمت وفاتُها (٢)، فإن كان الطبري أشار إليها فقد وَهم.
وقال الواقدي: قالت عائشة لابن عمر: تخرُجُ معنا؟ فقال: مَعاذ الله أن أدخل في الفتنة.
وذكر هشام: أن أم سَلَمة جاءت إلى عائشة فقالت لها: إن حجابَ الله عليك لم يُرفع، وما أنتِ يا هذه وهذا الأمر، وقد تنازعته الأيدي وتهافتَ فيه الرجال، وتسكينُه للمسلمين أصلح، فأبقِ على رسول الله من الافتضاح في زوجته، واتَّقِ دمًا لم يُبح الله لك، فلما رأتها لا تُصغي إلى نُصحها قالت هذه الأبيات: [من الطويل]
نصحتُ ولكن ليس للنُّصح قابِلٌ … ولو قبلتْ ما عنَّفَتْها العواذِلُ
كأني بها قد رَدَّت الحرب رحلها … وليس لها إلا التَّرَحُّلُ راجِلُ
وقال الجوهري: قالت أمُّ سَلَمة لعائشة: قد جَمّع القرآنُ ذَيلَكِ فلا تَنْدَحِيه، أي: لا تُوسِّعيه بالخُروج إلى البصرة، والنُّدْحُ بالضم: الأرض الواسعة (٣).
قلت: إلا أن الصحيح من الروايات أنه لم يكن بمكة في هذه السنة إلا عائشة وحفصة، وفي حفصة خلافٌ، وأن أم سلمة كانت بالمدينة، ويُحتمل أنها كتبت إلى عائشة بذلك، ولما عادت عائشة من البصرة إلى المدينة كانت تُنشد البيتين وتبكي.
وقال سيف والهيثم بنُ عديّ: لما خرجت من مكة خرج نساءُ أهل مكة معها إلى ذات عِرْق لوَدَاعِها، فلم يُرَ باكيًا في الإسلام مثل ذلك اليوم، ويسمَّى يوم النَّحيب.
وحكى سيف عن الأغرّ قال: لما أجمع القوم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئيّة
стр. 2645
قالت لهم عائشة: اخرجوا إلى المدينة، فرَدُّوها إلى البصرة، وقال لها طلحة والزبير: كيف نأتي أرضًا قد صارت لعلي؟! وله في رقابنا بَيعةٌ، فيحتجُّ علينا بذلك، ونحن في ست مئة بعير، ولا تقدرون على قتال الغَوغاء والأعراب والعَبيد، وقد افتَرَشوا أذرِعَتَهم مُستعدّين لأول واعِية.
فسارت إلى البصرة، وأمَّرت على الصلاة عبد الرحمن بن عتّاب بن أَسِيد، فكان يصلِّي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قُتِل، وخرج جميعُ بني أمية إلا مَن خَشَع.
وحكى الطبري عن أبي كثير، عن ابن عباس قال: خرج أهل الجَمل في ست مئة، معهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (١) وعبد الله بن صفوان الجُمَحي، فلما جاوزوا بئرَ مَيمون إذا بجَزورٍ قد نُحِرت ونَحرُها يَثعَبُ دمًا، فتطيَّروا من ذلك، وأذَّن مروان بن الحكم -وهو كان المؤذّن- حين فَصَلوا من مكة، فلما أذَّنَ عند بئر ميمون جاء فوقف على طلحة والزبير فقال: على أيّكما أُسَلّم بالإمرة وأُؤذّن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله، يعني أباه، وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد يعني أباه، وبلغ عائشة فأرسلت إلى مروان: مالك يا مروان؟ أتُريد أن تُفرِّقَ أمرَنا؟ ليُصلِّ ابنُ أختي، فكان يُصلّي بهم عبد الله بن الزبير حتى قدموا البصرة.
وحكى سيف بإسناده عن محمد وطلحة قالا: لقي طلحة والزبير عبد الله بن عمر بمكة، فدعواه إلى الخروج معهم، فقال لهم: إني امرؤ من أهل المدينة، وقد زعمتم أنكم خرجتم في الطَّلب بدم عثمان، وقتل قَتَلَته، وما قتله إلا مَن أشار بقَتله، وهي زعيمتكم ورئيستكم، وأخوها الذي أخذ بلحيته، فهزّها حتى صارت أضراسُه تتقَلْقَل، وضربه بالمِشقَص فقتله، أما تخافون الله أيّها القوم، وتَدَعون هذه الأباطيل عنكم؟! وكيف أضرب في وجه علي بن أبي طالب بالسيف وقد عرفتُ فضلَه وسابقتَه ومَكانتَه من رسول الله ﷺ ؟! وإنكما بايعتُما وسألتُماه القيامَ بهذا الأمر، ثم نَكثتُما ونقضتُما عهدَه بعدما جعل الله عليكما شهيدًا، وإنه ما بدَّلَ ولا غيَّر، ولا حلّ ولا عقد، ولا حال عن سنة رسول الله ﷺ ، ولا عمل عملًا يُخالف كتابَ الله، ولكنكم أيها القوم أطعنتم
стр. 2646
له، وكمنتم له العداوة بين ضُلوعكم، والله حَسيبُه عليكم، فلما سمعا كلامَه تركاه وذهبا.
ذكر مسير أمير المؤمنين خلفهم
حكى سيف بن عمر عن أشياخه قالوا: لما بلغ عليًّا خبرُهم، خرج من المدينة على تَعبيته التي كان يريد الخروجَ فيها إلى الشام، واستخلف على المدينة تَمّام بن العباس، وبعث إلى مكة قُثَم بن العباس، وخرج معه تسع مئةٍ من أهل مصر والكوفة والبصرة، فلقيه عبد الله بن سَلام، فأخذ بعِنان فرسه وقال له: يا أمير المؤمنين، لا تخرجْ منها، فوالله لئن خرجتَ منها لا يعود إليها سلطانُ المسلمين أبدًا، وفي رواية: لا تعودُ إليها أبدًا، فسَبُّوه، فقال علي: دعوه، فنِعمَ الرجل هو من أصحاب رسول الله ﷺ .
وسار حتى انتهى إلى الرَّبَذة ففاتوه، وجاء بخبرهم عطاء بنُ رِئاب مولى الحارث، فأقام بالرَّبَذة يأتَمرُ في أمره، وقد كان يَرجو أن يأخُذَهم في الطريق.
وقال أبو مِخْنَف: بعثت إليه أمُّ سَلَمة تقول: يا أمير المؤمنين، لولا أن الله نهاني عن الخروج من بيتي لخرجتُ معك، وقد أمرنا الله بالقرار في بيوتنا، وهذا ابني عُمر، هو أعزُّ عليّ من نفسي، خارجٌ معك، وشاهدٌ مَشاهدَك، فخرج عمر معه ولَزمَه، فاستعمله على البحرين، ثم عزله واستعمل النعمان بنَ عَجْلان الزُّرَقيّ.
وقال سيف: حدثني خالد بن مِهران بإسناده، عن طارق بن شهاب قال: لما نزل علي ﵇ الرَّبَذة صلّى الفجر بغَلَس، فلما انصرف من صلاته جاءه وَلدُه الحسن، فأراد أن يتكلَّم فخنقَتْه العَبْرة، فقال له: يا بُنيّ تكلَّم، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أمرتُك أمرًا فعَصيتَني، وما أخوفني أن تُقتل غدًا بمَضِيعَة ولا ناصرَ لك، فقال له علي: يا حسن، لا تزال تخِنُّ خَنينَ الجارية، ما الذي أمرتَني به فعَصَيتُك؟!
قال: قلتُ لك يومَ أُحيطَ بالرجل -يعني عثمان- اخرج من المدينة فيُقتل ولستَ بها فخالفتني- وفي رواية: فإن قُتل لم تكن بها فخالفتني.
وقلتُ لك يوم قُتل: لا تقبل البيعةَ حتى تأتيك وُفودُ العرب وبيعةُ أهل الأمصار فَعَصَيْتَني، ثم أمرتُك يومَ فعل هذان الرجلان ما فعلا -يعني طلحة والزبير- أن تجلسَ
стр. 2647
في بيتك، فإن كان الفساد يكون على يد غيرك فعصيتَني.
فقال له: يا بنيّ، أما قولُك: لو خرجتَ من المدينة يوم أُحيط بعثمان، فوالله لقد أُحيط بنا كما أُحيط به، وأما قولُك: لا تقبلِ البيعةَ حتى تأتيك وُفودُ العرب، فإن الأمر أمرُ أهل المدينة، وهم الذين يُولُّون، وكرهتُ أن يَضيعَ هذا الأمر، وأُكرهتُ عليه.
وأما قولُك حين خرج طلحة والزبير؛ فإن ذلك وَهْنًا على الإسلام، ووالله مازلتُ مقهورًا منذ وليت، لا أصل إلى شيءٍ مما يَنبغي.
وأما قولك إنني أجلسُ في بيتي، فكيف لي بما قد لَزِمَني؟ أتريدُني أن أكون كالضَّبُع اللدم، التي يُحاط بها ويُقال: دَبابِ دَبابِ ليست ها هنا، حتى يثقب عرقوبها ثم تُخْرَج، وإذا لم أنظُر في هذا الأمر فمَن يَنظُر فيه؟! فكُفَّ عني يا بُني.
ومعنى اللّدْم: أن صائدَ الضَّبُع يضرب الأرضَ بشيءٍ، فتخرج الضبعُ فتُصاد، وقال الجوهري: اللَّدْمُ: صوتُ الحَجَر والشيء يَقع على الأرض، وليس بالصوت الشديد، قال: ودَبابِ: ضربٌ من الصوت، ومنه الدَّبْدَبَةُ (١).
وقال سيف: حدثني سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة قال: لما نزل أمير المؤمنين الرَّبَذَةَ قيل له: لا تَخَفْ فإن البصرة والكوفة في يديك، فقال: ويحكم، إني ابتُليتُ بثلاثةٍ ما رُمي عليهم أحد؛ ابتُليتُ بفتى العرب وأجودِهم طلحة، وبفارس العرب وأحرَبهم الزبير، وبأم المؤمنين أطوَعِ الناس في الناس.
ذكر ما جرى لطلحة والزبير وعائشة في طريق البصرة
قد ذكرنا خروجَهم من مكة، ووصولَهم إلى ذات عِرْق، ولما انفصلوا عن ذات عِرق لقيهم العُرَني.
فحكى الطبري عن صفوان بن قبيصة قال: حدثنا العُرَنيّ صاحب الجمَل -رجل من عُرَينة- قال: بينما أسير على جَملي إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحبَ الجمل، أتبيعُ جملَك؟ قلتُ: نعم، قال: بكم؟ قلت: بألف درهم، قال: أمجنون أنت؟ جملٌ يُباع بألفِ درهم؟ قلت: نعم جملي هذا، قال: ولمَ؟ قلت: ما طلبتُ عليه أحدًا إلا أدركتُه،
стр. 2648
ولا طَلَبني أحدٌ إلا فُتُّه، فقال: لو تعلم لمن نُريدُه؟ قلت: لمن؟ قال: لأمِّك، قلت: إني تركتُ أمّي قاعدةً في بيتي ما تُريد بَراحًا، قال: إنما نُريده لأم المؤمنين عائشة، فقلت: خُذه بغير ثَمَن، فقال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرَّحْل، فرجعتُ فأعطَوني ناقةً مهريّة، وزادوني ست مئة درهم أو أربع مئة، ثم قالوا لي: يا أخا عُرَينة، هل لك دلالة بالطريق؟ قلت: نعم، أنا أدَلُّ الناس، قالوا: فسِرْ معنا، فسرتُ بين أيديهم، فلا أمرُّ على ماءٍ ولا وادٍ إلا سألوني عنه.
حديث الحَوْأب
قال العُرَني: فسرنا حتى طرَقْنا ماءَ الحَوْأب، فنبَحتنا كلابُه، فقالوا: أيُّ ماءٍ هذا؟ قلت: ماء الحَوْأب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها، وضربت عَضُدَ بعيرها فأناختْه وقالت: والله أنا صاحبةُ الحَوْأب طروقًا، ردُّوني ردُّوني -تقول ذلك ثلاثًا- وأناخوا حولها، وهم على ذلك وهي تأبى المسير، حتى إذا كانت الساعة التي أناخت فيها من الغد فَجاءها عبد الله بنُ الزبير فقال: النَّجاء النَّجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب.
قال: فرحلوا وشتموني وانصرفتُ، فما سرتُ إلا قليلا وإذا بأمير المؤمنين علي ومعه ركْبٌ نحو ثلاث مئة، فلما رآني قال: عليَّ بالرّاكب، فأتيتُه فقال: أين لقيتَ الظَّعينة؟ قلت: في مكان كذا وكذا، وهذه ناقتُها، وبعتُهم جملي، قال: وركبتْه؟ قلت: نعم، وأعطوني ستَّ مئة درهم، ووصلنا الحَوْأب، ونبحتْها كلابُه وقالت كذا وكذا، فقال علي: هل لك دلالة بذي قار؟ قلت: نعم.
فسرتُ معهم إلى ذي قار، فلما جئناها نزل، وقام خطيبًا على رَحْلِ جَمَل، فخطب وقال: قد رأيتُم ما صنع هؤلاء القوم وهذه المرأة، فقام إليه الحسن بن علي فبكى، فقال له علي: قد جئتَ تَخنُّ خنينَ الجارية، وذكر بمعنى ما تقدم.
وقال علي: يا بُنيّ، قُبض رسول الله ﷺ ، وما أعلم أحدًا أحقَّ بهذا الأمر منّي، فبايع الناس أبا بكر، فبايعتُ كما بايعوا، ثم هلك وبايعوا لعمر، فبايعتُ كما بايعوا، وما رأيت أحدًا أحقّ بهذا الأمر مني، فجُعِلْتُ سهمًا من سمتة أسهم، فبايع الناس لعثمان، فبايعتُ كما بايعوا، ثم سار الناس إلى عثمان فقتلوه، ثم أتَوني طائِعين غير
стр. 2649
مُكرَهين، فأنا مُقاتلٌ من خالفني بمَن اتَّبعني، حتى يَحكمَ الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين (١).
كذا وقعت هذه الرواية؛ أن مُعاتبةَ الحسن لأمير المؤمنين كانت بذي قار، وفي تلك الرواية بالرَّبَذَة، ويُحتمل أن الواقعتين كانتا في المكانَين. انتهى كلامُ الطبري في الحَوْأب.
وقد أخرج حديث الحَوْأب أحمد في "المسند" فقال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، عن قيس قال (٢): لما أقبلت عائشةُ تُريد البصرة بلغت مياه بني عامر ليلًا، فنَبحت الكلاب، فقالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: الحَوْأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعضُ من كان معها: بل تَقدَمين، فيراكِ المسلمون، فيُصلح الله بك ذات البَين، قالت: فإن رسول الله ﷺ قال لي ذات يوم: "كيف بإحداكُنّ إذا نَبحتْها كلابُ الحَوْأب؟ ".
وقال هشام بن الكلبي: لما قيل لعائشة: هذا ماء الحوأب خافت، وذكرت قولَ النبي ﷺ : "كيف بك إذا نبحتْك كلابُ الحوأب؟ " وقالت: ردّوني، لا حاجةَ لي في المسير.
وفي رواية فقالت: وإني لَهيَهْ، وقد كانت سمعت النبي ﷺ يقول لنسائه وهنّ عنده: "أيّتكن تَنبَحُها كلابُ الحوأب؟ ".
فلما أصرّت على الرجوع أحضر طلحة والزبير خمسين رجلًا، فشهدوا أن هذا ليس بماء الحوأب، وأن العُرَنيَّ كذب، قال الشعبي: فهي أوَّلُ شهادة زُورٍ أُقيمت في الإسلام.
ولا خلافَ أن ماء الحوأب لبني عامر بين البصرة والحجاز، وأن عائشة مرَّت به.
стр. 2650
ذكر وصولهم إلى البصرة
حكى سيف عن أشياخه قالوا: كان علي ﵇ في همٍّ من توَجُّه القوم، لا يَدري أين يأخذون، وكان إتيانُهم البصرةَ أحبّ إليه، لأن الكوفة بها رجالُ العرب وأشرافُهم، فقال له ابن عباس: إن الذي يَسرُّك من ذلك يَسوؤني، قال: ولمَ؟ قال: لأن الكوفة فُسطاط الإسلام، وبها أعلامُ الناس، وفيهم من تَسمو هِمَّتُه إلى الأمر، فربما فسد الأمر أو مال إليهم، فقال علي: الأمر يَختصّ بأهل السَّوابق، فلا يُزاحمهم غيرُهم.
وقال سيف: حدثني محمد وطلحة قالا: لما كان القوم بفناء البصرة، لقيهم عمير بن عبد الله التميمي، فقال لعائشة: يا أمَّ المؤمنين، أما تَتَّقِين اللهَ في فِعلك هذا؟ فقالت: إليك عني يا تميمي، فقال لها: أنشدك الله إذا أنت لا تهوّني هذا الأمر أن تَقدَمي على قوم ولم تُراسِليهم أو أحدًا منهم، فقالت: جئتَ الآن بالرأي، فقال: أرسلي إليهم عبد الله بن عامر، فإن له فيهم الصَّنائع، فكتبت كُتبًا إلى رجالٍ من البصرة؛ منهم الأحنف بن قيس وصَبْرة بن شَيمان وغيرهما، ومضت حتى إذا كانت بالحُفَير أقامت تنتظر الجواب.
قال سيف: ولما بلغ عثمان بنَ حُنَيف عاملَ علي ﵇ على البصرة قال لعمران بن الحُصَين وأبي الأسود الدِّيلي: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمَها، وإلى هؤلاء القوم فاعلموا علمَهم، فخرجا حتى انتهيا إليها وهي بالحُفَير، فاستأذنا عليها فأذِنت لهما، فدخلا وسلّما وقالا: إن الأمير أرسلنا إليك، نسألُك عن مسيرك هذا، فهل أنت مُخبِرتنا؟ فقالت: أمثلي يسير بالأمر المكتوم؟
إن الغَوْغاء من أهل الأمصار ونُزّاع القبائل غَزَوْا حريمَ رسول الله ﷺ ، وأحدثوا فيه الأحداث، وآوَوْا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنةَ الله ورسوله، مع ما نالوا فيه من قتلِ أمير المؤمنين، واستحقُوا الدّمَ الحرام، والشهرَ الحرام، وانتهبوا المال الحرام، ومزَّقوا الأعراض، وقتلوا إمامَ المسلمين من غير تِرةٍ ولا حَدثٍ ولا عُذرٍ، وأقاموا في دار قوم كارهين لمقامهم، ضارِّين غير نافِعين، لا يَقدرون على الامتناع، ولا يأمَنون على النفوس والأموال، فخرجتُ في المسلمين أُعلمهم ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه
стр. 2651
الناس وراءنا.
ثم قرأت: ﴿لَا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَينَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، فالنهوض في الإصلاح مما أمر الله به ورسوله، فهذا شأنُنا الذي قدمنا له؛ نامركم بمعروفٍ ونحضُّكم عليه، وننهاكم عن مُنكرٍ ونحُثّكم على تغييره والسلام.
قال سيف: فخرجا من عندها، فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمَك؟ قال: الطلبُ بدم عثمان، قالا: ألم تُبايع عليًّا؟ قال: بلى واللُّجُّ على عُنقي -يعني السيف- وما أستقيلُه البيعة إن خلّى بيننا وبين قَتَلة عثمان، فقالا له: أتركتم قتلةَ عثمان بالمدينة، وقصدتُم العراقَ لإفساده وتوهينِ أمر أمير المؤمنين؟! أما تستحيون من هذا الفعل، وتخافون الله، ألستم المهاجرين وأصحابَ رسول الله ﷺ ؟.
ثم انصرفا عنه وأتيا الزبير، فقالا له مثلَ ما قالا لطلحة، وردُّوا عليه مثل ما ردوا على طلحة، ثم رجعا إلى عائشة فودعاها، وقالا لها مثلَ ما قالا لطلحة والزبير، فودَّعت عمران، وقالت عائشة: يا أبا الأسود، إياك أن يَقودَك الهوى إلى النار، فقد قال الله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية [لنساء: ١٣٥] فقال لها أبو الأسود: لو اتّعظتِ بما وعظتيني للزمتِ بيتَك أو منزلك، ولم تهتكي لرسول الله ﷺ سترًا، وقد عرفتِ محلَّك منه، وموضعَك من قبله، وقد أدَّبك بأحسن ما أدَّبَه الله به، ألم يأمركنَّ الله يا أزواج رسول الله بالقرار في البيوت؟ فقال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فقالت: اغرُبا عني، فخرجا من عندها، ونادت بالرّحيل.
ومضى عِمران وأبو الأسود إلى عثمان بن حُنَيف، فبَدَر أبو الأسود عمران فقال: [من الرجز]
يا بنَ حُنَيفٍ قد أتيتَ فانفِر
وطاعِن القومَ وجالِدْ واصبِر
وابرُزْ لهم مُسْتَلئمًا وشمِّر
стр. 2652
فقال عثمان بن حُنيف: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحا الحرب على الإسلام وربّ الكعبة، ثم قال لعمران بن حُصين: ما ترى؟ قال: إني قاعِدٌ فاقعُدْ، فقال عثمان: لا والله، بل أمنعُهم حتى يأتيَ أميرُ المؤمنين، فقال عمران: بل يَحكم الله بما يُريد.
ثم انصرف عمران إلى بيته، وقام عثمان في أمره، فأتاه هشام بن عامر فقال له: إن هذا الأمر الذي تَرومُ يصير إلى ما تَكره، وإن هذا فَتْقٌ لا يُرتَق، وصَدْعٌ لا يَنْجَبر، فسامِحْهم حتى يأتيَ أمرُ علي ولاتحادّهم، فقال: لا والله.
ونادى عثمان بن حُنَيف في الناس، فلبسوا السلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع، وأراد عثمان أن يَختبر أهلَ البصرة، فدسَّ رجلًا كوفيًّا خُدَعة فقال: أيّها الناس، أنا ابنُ العَقَديّة الحُميسي، إن هؤلاء القوم إن كانوا جاؤوكم خائفين، فقد جاؤوكم من المكان الذي تأمَنُ فيه الطيرُ والوحش، وإن كانوا طالبين بدم عثمان فما نحن قَتَلَة عثمان، أطيعوني ورُدُّوهم من حيث جاؤوا.
فقام الأسود بن سريع السَّعديّ فقال: أوَ زعموا أنّا قتلةُ عثمان؟! إنما جاؤوا إلينا -أو فَزِعوا إلينا- يَستعينون بنا على قَتَلةِ عثمان، ثم حَصَب الناسُ ابن العَقَديّة وتحاصبوا، فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرًا ممن معه، فكسره ذلك.
وأقبلت عائشة ومَن معها حتى انتَهوا إلى المِرْبَد، فدخلوا من أعلاه، وأمسكوا ووقفوا، حتى خرج عثمان ومَن معه، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة مَن أراد.
وتكلَّم طلحة، وكان في مَيمنة المِرْبَد، وعثمان بن حُنَيف في ميسرته يَسمع، وأنصت الناس، فحمِد اللهَ طلحةُ وأثنى عليه، وذكر عثمان وفضْلَه، والمدينةَ وما استحلَّ منها، ودعا إلى الطّلَب بدمه وقال: الخليفةُ المظلوم، وإن الطلبَ بدمه حدٌّ من حدود الله، فإن فعلتم أصبْتُم وعاد أمرُكم، وإن لم تفعلوا لم يَقُم لكم [نظام]، ولم يَثبُت لكم سُلطان، فقال مَن في مَيمنة المِربد: صدق وبَرّ، وقال مَن في مَيسرته: كذب وفَجَر وغَدرَ.
وفي رواية أن طلحة والزبير خطبا وقالا ذلك، وأن مَن في ميمنة المِربد قال: صدقا وبرَّا، ومَن في ميسرته قال: كذَبا وفجرا وغَدَرا، إنهما قد بايعا أمير المؤمنين وجاءا يقولان ما يقولان.
стр. 2653
ثم تحاصَب الناس وأرهجوا، فتكلَّمت عائشة وكانت جَهْوَريّة الصوت، فحمدت الله وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يَتجنَّون على عثمان ويزرُون على عُمّاله، ويأتوننا بالمدينة فيَستشيروننا فيما يُخبروننا عنهم، فننظر في ذلك، فنجد عثمان برًّا نقيًّا وفيًّا، ونجدهم فَجَرةً غَدَرةً كَذَبة، فلما قَوُوا على المكاثرة اقتحموا عليه داره فقتلوه، وإن مما ينبغي لكم أخذ قَتَلَته، والطلب بثأره، وإقامة كتاب الله، ثم قرأت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٣].
فافترق أصحاب عثمان بن حُنَيف فرقتين؛ فرقة قالت: صدقتْ وبرَّتْ، وجاءت بالحق وأمرت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم، والله ما نعرف ما تقولون، فتحاصَبوا وأرْهجوا، فلمّا رأت عائشة ذلك انحدرت، وانحدر أهلُ الميمنة مفارقين لعثمان، حتى وَقفوا بالمربد في موضع الدَّبّاغين، وبقي أصحابُ عثمان على حالهم حتى تحاجَزوا، ومال بعضُهم إلى عائشة، وبقي بعضهم مع عثمان على فم السّكّة، فوقف عليها.
قال سيف فيما رواه عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد قال: وأقبل جارية ابن قُدامة السعديّ فنادى: يا أمّ المؤمنين، والله لَقتلُ عثمان أهونُ من خُروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عُرضةً للسلاح، إنه قد كان لك من الله سِترٌ وحُرمة، فهتكتِ سترَك، وأبحتِ حُرمتك، إنه مَن يرى قتالك فإنه يرى قَتْلَك، فإن كنتِ أتيتنا طائعةً فارجعي إلى منزلك، وإن كنتِ مُستَكرهةً فاستعيني بالناس.
قال: وخرج غلامٌ شاب من بني سعد، فصاح بطلحة والزبير: أما أنت يا زبير فحَواريُّ رسول الله ﷺ ، وأما أنت يا طلحة فوَقَيته بيدك يوم أحُد، وإني أرى أُمَّكما معكما، فهل جئتُما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيءٍ، واعتزل، ثم قال: [من الكامل]
صُنتُم حَلائلكم وقُدْتُم أُمَّكم … هذا لعَمَري قِلَّةُ الإنصافِ
أُمِرتْ بجَرِّ ذيولها في بيتها … فهَوَتْ تشُّقُّ البِيدَ بالإيجافِ
غَرَضًا يقاتلُ دونَها أبناؤها … بالنَّبْل والخَطِّيِّ والأسيافِ
هُتِكت بطلحةَ والزبير سُتورُها … هذا المخَبّر عنهم والكافي
стр. 2654
قال سيف: وأقبل غُلامٌ من جُهينة على محمد بن طلحة -وكان ابنُ طلحةَ رجلًا عابدًا- فقال: أخبرني عن دم عثمان، فقال: نعم، هو ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهَودَج -يعني عائشة- وثلث على صاحب الجمل الأحمر، وثلثٌ على علي بن أبي طالب، فضحك الغلام وقال: لا أُراني إلا على ضلال، ولحق بعلي ﵇، وقال الغلام في ذلك شعرًا: [من المتقارب]
سألتُ ابنَ طلحةَ عن هالِكٍ … بجَوفِ المدينة لم يُقبَرِ
فقال ثلاثة رَهْطٍ هم … أماتوا ابنَ عفان فاستَعْبِرِ
فثلْثٌ على تلك في خِدرِها … وثلثٌ على راكب الأحمرِ
وثلثٌ على ابن أبي طالبٍ … ونحن بداويَّةٍ قَرْقَرِ
فقلتُ صدقتَ على الأوَّلَينِ … وأخطأتَ في الثالث الأزهرِ
قلت: إنما ضحك الغلامُ على محمد بن طلحة لأنه عَنى بقوله صاحب الأحمر الزبير، ونَسي أباه طلحة (١)، وبنو أمية ما نسبوا قتل عثمان إلا إلى طلحة، ولهذا قتله مروان بن الحكم يوم الجمل لما نذكر.
قال سيف: وأقبل حُكيم بنُ جَبَلة على خيل عثمان بن حُنَيف فأنشب القتال، وأشرع أصحابُ عائشة رماحَهم، وأمسكوا بعضَ التَّمسُّك فلم يَنْتَهِ، فاقتتلوا على فم السّكة، وأشرف أهلُ الدُّور ممن كان له في أحد الفريقين هوًى، فرمَوا الآخرين بالحجارة.
وأمرت عائشةُ أصحابها فتيامنوا، حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا عندها مليًّا، وثاب إليهم الناس، فحجز الليل بينهم، ورجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم.
وجاء أبو الجَرْباء -أحدُ بني عثمان التميمي- إلى عائشة وطلحة والزبير، فأشار عليهم بالنزول في مكانٍ أمثل من مكانهم فقَبلوا رأيَه، فساروا من مقبرة بني مازن، فأخذوا على مُسَنّاة البصرة من قِبل الجبّانة، حتى انتَهوا إلى الزّابُوقة، [ثم أتوا] مقبرةَ بني حِصن فنزلوا بها، وباتوا على تعبية، وأصبحوا على القتال.
стр. 2655
وغدا حُكيم بن جَبَلة، وبيده الرُّمح ويبربِر، وهو ينال من عائشة، فقال له رجل من عبد القيس: مَن هذه التي تسُبُّ؟ قال: أمّك، قال: عائشة؟ قال: نعم، قال: يا ابنَ الخبيثة، ألأمّ المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه فقتله، وقتل امرأة أخرى بهذا السَّبب، واقتتلوا عامَّةَ النهار، وقيل إلى الزَّوال، وكَثُرت القَتلى والجِراحات في الفريقين، ومُنادي عائشة يَدعوهم ويُناشِدُهم الله أن يَكُفُّوا ولم يَفعلوا، فلما كان في آخر النهار كَثُرت القتلى في أصحاب عثمان بن حُنَيف، وعضّتْهم الحرب، فسألوا أصحابَ عائشةَ الصُّلحَ والمهادنة، فأجابوهم.
وكانت هذه الوقعة في شهر ربيع الآخر، سنة ست وثلاثين، لخمس ليالٍ بقين منه، واصطلحوا على أن يَكتبوا بينهما كتابًا إلى المدينة، ويبعثوا رسولًا إليها، ومَضمون الكتاب: إن كان طلحة والزبير أُكرِها على البيعة لأمير المؤمنين؛ خرج عثمان من البصرة فخلّاها لهم، وإن لم يكونا أكرِها، رجع طلحة والزبير وعائشة عن البصرة، وخَلّوها لعثمان بن حُنَيف، وتواعدوا وتعاقدوا وتعاهدوا على ذلك، وبعثوا بالكتاب مع كعب بن سُور قاضي البصرة، وكان قد قَعَد في بيته، وطيَّن بابَه، واعتزل القوم، فجاءت عائشة بنفسها إليه وأخرجتْه لما نذكر.
قال سيف: وصورة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومَن معهما من المسلمين، وعثمان بن حنيف ومَن معه من المؤمنين … وذكر بمعنى ما ذكرنا.
وخرج كعب حتى قدم المدينة يوم جمعة، وأقام عند المنبر وقال: إني رسولُ أهلِ البصرة إليكم، هل أُكرِه طلحةُ والزبير على بيعة علي أو أتيا طائعَين؟ فأرَمَّ القومُ؛ إلا ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: لم يُبايعا إلا مُكرهَين، فأمر به تَمَّامُ بنُ العباس، فداسَه سهل بنُ حُنَيف والناس حتى كادوا يَقتلونه، وثار صُهيب بنُ سِنان وأبو أيُّوب الأنصاري ومحمد بن مَسلمة وجماعة من الصحابة خافوا أن يَقتلوا أسامة، فقالوا: اللهمَّ نعم، وأخذ صُهيب يدَه فأدخله منزلَه، وقال له: أما علمتَ أن أمَّ عامر جائعة، أما وَسِعَك ما وَسِعَنا من السّكوت؟ قال: ما كنتُ أظنُّ أن الأمر يَترامى إلى ما رأيت، أو يُفضي إلى هذا.
стр. 2656
وعاد كعب إلى البصرة، وبلغ عليًّا الخبر، فكتب إلى عثمان بن حُنَيف يلومه ويُعَجِّزُه ويقول: والله ما أُكرِها، ولقد بايعا طوعًا، فإن كانا يُريدان الخلع فلا عُذرَ لهما، وإن كانا يُريدان غير ذلك نظرنا.
وقدم كعب إلى البصرة، وقدم كتابُ علي إلى عثمان، فأخبر كعب الناسَ بما رأى، فأرسلت عائشة إلى عثمان تقول: اخرج عنا فقد أقرَّ الجمُّ الغَفِير بالحقّ، فاحتجَّ عليهم بكتاب على وقال: هذا كتابُ أمير المؤمنين، وقد جاء أمرٌ آخر، وما لكم عندنا سوى السيف.
فأمهل طلحةُ والزبير، حتى إذا كانت ليلةٌ مُظلمةٌ ذاتُ رياح، قصدا المسجد بالرجال والسّلاح، وكان عثمان يُؤخّر الصلاة فقَدَّم القومُ عبد الرحمن بن عَتَّاب، وجاء عثمان في جماعةٍ من أصحابه، فدخل في الصلاة، فوضع فيهم أصحابُ طلحة والزبير السِّلاح، فقتلوا منهم أربعين رجلًا، وأخذوا عثمان قبضًا، وأخرجوه من المسجد وقد نتَفوا رأسه ولحيتَه فما أبقوا فيه شعرة، وأرسلوا إلى عائشة يَستطلعون رأيَها فيه، فأرسلت إليهما: خَلُّوا سبيلَه ولا تَحبسوه، وليذهب أين شاء.
وفي رواية الطبري عن أبي مِخنَف قال: لما أخذوا عثمان بن حُنَيف أرسلوا أبانَ بن عثمان إلى عائشة يَستشيرونها في أمره، فقالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة كانت عندها: نَشدتُك الله يا أمّ المؤمنين في عثمان وصُحبتِه لرسول الله ﷺ ، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه.
وقال مُجاشع بن مسعود: اضربوه، وانتِفوا شعرَ لحيته ورأسِه وحاجبيه وأشفار عينيه، واضربوه أربعين سَوطًا واحبسوه، ففعلوا به ذلك (١).
وروي عن الزهري أنه قال: إنما لم يَقتلوا عثمان بن حُنَيف لأنهم خافوا غَضَبَ الأنصار بالمدينة على أهاليهم أن يُقتِّلوهم.
رجع الحديث إلى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة قالا: وأصبح طلحة والزبير وبيتُ المال في أيديهما، فبعث إليهما حُكيم بن جَبَلة وهو في جمعٍ كثير يقول: أطلِقا
стр. 2657
عثمان، فأطلقاه، فخرج عثمان، ومضى لِطِيَّته، فوافى عليًّا بذي قار وهو على تلك الحال، فقال: يا أمير المؤمنين، بعثتَني ذا لحية فجئتُك أمرد، فقال: بعثتُك شيخًا وجئتَنا شابًّا، أصبتَ أجرًا وخيرًا، ودعا له.
وقال الهيثم: لم يكتبوا كتابًا إلى المدينة، ولم يَبعثوا رسولًا؛ لأن أمير المؤمنين ما أقام في طريق البصرة مدةً يُرسلون فيها رسولًا ويعود إليهم بالجواب، وإنما اتّفقوا مع عثمان أن يُوقف الأمر حتى يَرَوا ما يكون من أمير المؤمنين، ولا يَعترض أحدٌ لأحد، وتكون دارُ الإمارة والمسجد وبيت المال بيد عثمان، ويترك طلحة والزبير وعائشة أين شاؤوا.
فلما كتبوا كتاب الصُّلح على هذه القاعدة خلا طلحة بالزبير، فقال له طلحة: والله لئن قَدِم ابنُ أبي طالب ليَأخذنَّ بأعناقنا، فاتفقا على تَبييتِ عثمان والغدرِ به، فهجموا عليه، فأخذوه من المسجد غيلة وهو غار. فقال لهما: وَيحَكما، أغَدرًا بعد العهود والمواثيق والأيمان؟ فقالا خِفنا من ابن أبي طالب، وأرادا قتلَه فقال لهما: والله لئن شاكني أحدٌ منكم بشوكة لَيَضعنَّ أخي سَهل بنُ حُنَيف السيفَ في المدينة في آل طلحة والزبير، وليَقتُلنّ أولادَكما، ويَسبي حريمَكما، فكفّا عنه، وقالا لعائشة: ما نَصنع به؟ فقالت: أطلِقوه، وفي رواية: انتِفوا رأسَه وشعرَ وَجهه، ففعلوا.
وأصبح حُكيم بن جَبَلة ومَن تبعه من عبد القيس، ومَن نزع إليه من ربيعة، [فانتهى بهم إلى الزَّابوقة عند دار الرِّزق] فقالت عائشة: لا تقاتلوا إلا مَن قاتلكم، ونادَوا: مَن لم يكن من قَتلَةِ عثمان فليَكفُفْ عنا، فأنشب حُكيمٌ القتال وهو يَنال من عائشة.
وكان مع حُكيم بن جَبَلة ثلاثة: ذَرِيح بحِيال الزبير، وابن المحرِّش بحيال عبد الرحمن بن عتّاب، وحُرْقوص بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وحكيم بن جبلة بحيال طلحة، فحمل عليه طلحة في ثلاث مئة رجل، وحُكيم يضرب بسيفه ويقول: [من مجزوء الرجز]
أضرِبهمُ باليابس
ضربَ غلامٍ عابِس
стр. 2658
من الحياةِ آيس
في الغُرُفات نافِس
فضرب رجلٌ من أصحاب طلحة رِجْلَ حكيم فأطنَّها، فحَبا حتى أخذها، ورمى بها نحو الرجل الذي قطعها فأصاب عينيه، ثم أتاه حكيم فقتله وقال: [من مجزوء الرجز]
يا فَخْذلن تُراعي
إنّ معي ذِراعي
ثم وقع، فمرَّ به رجل وهو رَثيث، ورأسُه على آخره، فقال: ما لك يا حكيم؟ فقال: قتلتُ، فاحتمله وضمَّه في سبعين من أصحابه، فتكلّم يومئذٍ، وإن السيوف لتَأخُذُه وهو قائمٌ على رِجلٍ واحدة ما يتتعتع، وأشار إلى طلحة والزبير: إنا خلَّفنا هذين، وقد بايعا أميرَ المؤمنين وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مُخالفَين محاربَين، يطلبان دمَ عثمان، فناداه مُنادٍ: يا حكيم، جَزِعتَ حين عَضَّك نَكالُ الله أنت وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرَّقتم الجماعة، وأصبتُم الدِّماء، وذكر كلامًا طويلًا.
وقُتل ذَريح ومَن معه، وأفلت حُرقوص بنُ زهير في نفرٍ من أصحابه، فلجؤوا إلى قومهم بني سعد فحمَوْهم، ونادى مُنادي طلحة والزبير: ألا مَن كان فيهم من قبائلهم من غزا عثمان بالمدينة فليأتِنا بهم، فجيءَ بهم فقُتلوا، ولم يُفلت من القوم إلا حُرقوص؛ منعه بنو سعد، فطُلب منهم فغضبوا، وغضبت عبدُ القيس حين غضب بنو سعد لمن قُتل منهم بعد الوَقعة، مَن كان لَجأ إليهم مع طاعتهم لأمير المؤمنين.
وقال هشام: كان حُكيم بن جَبَلة من ربيعة، وكان شجاعًا يحمل على القوم ويقول: وَيحك يا زبير ويا طلحة، صُنتُما نساءكما في الخدور، وأبرزتُما عِرسَ رسول الله للحرب والحرور؟!
ولما قُتل عَزَّ قتلُه على عبد القيس وبني سعد، فخرجوا من البصرة في ستّة آلاف ينتظرون قُدوم علي ﵇. ولما قَتل طلحة والزبير الغوغاء ممن اتّهموه بقتل عثمان، خرج الباقون مع بني سعد وعبد قيس، فقعدوا على طريق العراق للقاء أمير المؤمنين.
стр. 2659
وقال سيف عن محمد وطلحة: وكتب طلحة والزّبير إلى أهل الشام يُخبرونهم بما صنعوا بقتَلَة عثمان، ويُحرِّضونهم على القيام معهم، ويقولون: قَتَلْنا من قتلَةِ عثمان ست مئة إلا واحدًا - يُشيرون إلى حُرقوص- ونحن في طَلَبه، وبعثوا بالكتاب مع سَيَّار العِجلي، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثل ذلك، وبعثوا بالكتاب مع مُظفَّر بن مُعرّض الأسدي، وكتبوا إلى اليمامة مع الحارث السَّدوسي، وعليها سَبْرة بن عمرو العنبري، وكتبوا إلى أهل المدينة، وبعثوا به مع جعونة بن قُدامة القُشيريّ.
وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة كتابين؛ أحدهما خاص والآخر عام.
فأما الخاص فقال الطبري، عن الشعبي قال: كتبت عائشة إلى زيد بن صُوحان: من عائشة ابنة أبي بكر، أم المؤمنين، وحبيبة رسول رب العالمين، إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم علينا لتَنصُرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل فخَذل الناسَ عن علي بن أبي طالب.
وأما كتابُها العام فمضمونُه إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني أذكركم الله والإسلام، أقيموا كتاب الله واعتصموا بحَبله، وإنا قَدِمنا البصرة، فدَعَونا أهلَها إلى كتاب الله، فأجابنا الصالحون، واستقبلنا الغَوغاء بالسلاح، وقاتلونا فنَصَرنا الله عليهم، فقتَلْنا قتلَةَ عثمان، ولم يُفلت منهم إلا واحدٌ -تُشير إلى حُرقوص- وذكرت كلامًا طويلًا حاصِلُه التَّخذيل عن أمير المؤمنين والتقاعد عنه، فما أجابها أحدٌ منهم بشيء.
قال الطبري: وأما زيد بن صُوحان فكتب إليها: من زيد بن صُوحان إلى عائشة بنت أبي بكر، أما بعد، فإن الله أمرك أن تلزمي بيتك، وأمَرنا أن نُقاتل، فتركتِ ما أُمرت به، ونهيتِنا أن نفعل ما أُمِرنا، فإن اعتزلتِ هذا الأمر وعُدتِ إلى بيتك، وإلا قاتلناك حتى ترجعي إلى الموضع الذي أُمرتِ بالقرار فيه (١).
ولما بلغ عليًّا وهو بالثعلَبيّة قتلُ حُكَيم بن جَبَلة، استرجع وعزَّ عليه.
واختلفوا في قاتله على قولين؛ أحدهما: سُحيم الحُدَّاني، والثاني يزيد بن الأَسْحَم الحُدَّاني، وُجِدا قتيلَين قد قتل كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه.
стр. 2660
وحكى الطبري عن أبي المَليح قال: لما قُتل [حكيم بن] جَبلة أرادوا أن يَقتلوا عثمان بن حُنَيف فقال لهم: أما إن أخي سَهل بن حُنَيف والٍ على المدينة، فإن قتلتموني انتصر، فخَلَّوا سبيلَه (١).
وقال ابن عبد البرّ: لما قدمت عائشة البصرة أرسلت إلى الأحنف بن قيس فلم يأتها، فأرسلت إليه ثانيًا تقول: عَقَقْتَ أمَّك؟! فأتاها فقالت له: وَيحك يا أحنف، بم تعتذر غدًا إلى الله من تركك جهاد قتلَةِ عثمان؟ فقال لها: ما كبرت السنّ، ولا طال العهد، ولعَهدي بك عام أوّل تنالين من عثمان، وتأمرين بقتله، وهذا قولك اليوم، لا آخذ بأمرك وأنت راضية وأَدَعهُ وأنت ساخطة، ثم اعتزل الفريقين، ولم يقاتل مع أحد منهم.
وقال الهيثم بن عدي: قدم الأحنف بن قيس المدينة وعثمان محصور في داره، وكان الأحنف يُريد الحج، قال: فأتيتُ طلحة والزبير فقلتُ: ما أرى هذا الرجلَ إلا مقتولًا، فما تأمراني؟ فقالا: عليك بعلي، فقلت: أترضَياه؟ قالا: نعم، فأتيتُ مكة، فأقمت الحج، وبلغني قتلُ عثمان، فأتيتُ عائشة وهي بمكة، فقلت: مَن تأمريني أن أُبايع؟ قالت: عليًّا، قلت: أتَرضينَه؟ قالت: نعم، فعدتُ إلى المدينة، فبايعتُ عليًّا، ثم عُدتُ إلى البصرة إلى أهلي، فما شعرتُ إلا بعائشة وطلحة والزبير قد قدموا، قال: فأتيتُهم فقلت: ما الذي أقدمكم؟ قالوا: نَستنصر بكم على دم عثمان فإنه قُتل مَظلومًا، فقلت: ألستُم بايعتم وقلتم: بايعه فإنا نرضى به؟ قالا: بلى، ولكنه بدَّل، فقلت: ومتى كان هذا؟ والله لا أقاتل ابنَ عمّ النبي ﷺ ، ولا أقاتلكم ومعكم أمّ المؤمنين، واعتزل بالجَلْحاء على فرسخين من البصرة ومعه زهاءُ ستةِ آلاف.
ذكر مسير أمير المؤمنين علي إلى البصرة
روى سيف عن أشياخه قالوا: لما أتى عليًّا ﵇ خبرُ طلحة والزبير وعائشة وهو بالمدينة، وأنهم قد ساروا نحو العراق، خرج غُرَّةَ ربيع الأول مبادرًا، وهو يرجو أن يُدركهم فيَرُدَّهم، فلما نزل الرَّبَذَة أتاه الخبرُ أنهم قد أمْعنوا نحو البصرة، فسُرِّي عنه، وقال: إن أهل الكوفة أشدّ لي حبًّا، وفيهم فرسانُ العرب وأعلامُهم، فكتب
стр. 2661
إليهم: إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، وإني على الأثر.
وحكى الطبري عن [محمد بن] عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كتب علي إلى أهل الكوفة: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى سادات أهل الكوفة، أما بعد، فإني قد اخترتُكم، واخترتُ النُّزولَ بين ظَهرانيكم؛ لما أعرف من مودَّتِكم وحبّكم لله ورسوله، فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحقَّ وقضى ما عليه.
قال ابن أبي ليلى: بعث بالكتاب مع محمد بن أبي بكر ومحمد بن عوف، وقيل: محمد بن جعفر، فجاء الناس إلى أبي موسى يَستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أما سبيلُ الآخرة فأن تُقيموا، وأما سبيلُ الدنيا فأن تَخرجوا، وأنتم أعلم، وبلغ المحمَّدَين فأتيا أبا موسى فأغلظا له، فقال: أما والله إن بيعة عثمان في عُنقي وفي عُنق صاحبكما الذي أرسلكما، وإن أرادنا أن نُقاتل معه لا نُقاتل حتى لا يَبقى أحدٌ من قتَلَةِ عثمان إلا قُتل.
فانطلقا إلى علي، فوافياه بذي قار، فأخبراه الخَبَر، فقال علي للأشتر ولعبد الله بن عباس: اذهبا إلى أبي موسى، فقدِما عليه وكلَّماه، واستعانا عليه بأناس من أهل الكوفة، فأجاب بنحو ما أجاب في الأول، وذكر خُطبة طويلةً منها:
أيها الناس إن أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممّن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقًّا فأنا مُؤدِّيه إليكم، كان الرأي أولًا أن لا تستخِفّوا بسلطان الله، ولا تجترؤوا على الله، وكان الرأي الثاني أن تأخذوا مَن قَدِم عليكم من أهل المدينة، فتردّوهم إليها حتى يَجتمعوا، فهم أعلم بمَن تصلح له الإمامة منكم، ولا تَكلَّفوا الدخولَ في هذا، فأمّا إذا كان ما كان فإنها فتنةٌ صَمَّاء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خيرٌ من القاعد، والقاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الرّاكب، فكونوا جُرثومةً من جراثيم العرب، فأغمِدوا السّيوف، وأنصِلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم المضطهد، حتى يلتئمَ هذا الأمر، وتَنجليَ هذه الفتنة.
وقال سيف، عن أشياخه منهم محمد وطلحة: ولما بلغ عليًّا ﵇ الخبرُ أرسل الحسن بن علي، وأرسل معه عمار بن ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسَدْتَ، فأقبلا حتى قدما الكوفة، فدخلا المسجد، فأول مَن أتاهما مَسروق بن
стр. 2662
الأجْدَع، فسلَّم عليهما وقال لعمار: يا أبا اليقظان عَلام قتلتم عثمان؟ قال: على شَتْم أعراضِنا وضَربِ أجسادنا، فقال: والله ما عاقبتُم بمثل ما عُوقِبتم به، ولا صبرتم فكان خيرًا للصّابرين.
ولقي أبو موسى الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا عمار، أعَدوتَ فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحلَلْتَ نفسَك محلَّ الفُجّار؟ فقال: لم أفعل، ولم تسؤني؟ فقطع الحسن عليهما الكلام وقال: يا أبا موسى، لم تُثَبِّط الناسَ عنا؟ فوالله ما نُريد إلا الإصلاح، وما مثل أمير المؤمنين مَن يُخاف على شيء، فقال: صدقتَ بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتَمن، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتنةٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب"، وقد جعلنا الله إخوانًا، وحرَّم علينا دماءنا وأموالنا، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣].
فسبّ عمار أبا موسى، فقال رجلٌ من بني تميم لعمار: اسكت أيّها العبد، بالأمس أنت مع الغَوغاء، وتُسافِه اليوم أميرَنا بهذا؟ وثار زيد بن صوحان وأتباعُه، وثار الناس، وجعل أبو موسى يُكفكف الناس، ثم انطلق حتى أتى المنبر، وسكن الناس.
وأقبل زيد بن صوحان ومعه الكتابان اللذان كتبتهما عائشة إلى الكوفة؛ كتاب الخاصة وكتاب العامة، وقال: أُمِرت بالقَرار في بيتها، وأُمِرنا بالقتال، فأَمرتنا بما أُمرت، وركبت ما أُمِرنا به!
وقال أبو موسى: أيها الناس، أطيعوني، شيموا سيوفكم، وقصّدوا رماحَكم، فإن الفتنة قد أقبلت، وذكر كلامًا طويلًا.
وقال عمار: هذا ابنُ عمّ رسول الله، وهو مُستنفِرُكم إلى زوجة رسول الله ﷺ ، وإني أشهد أنها زوجتُه في الدنيا والآخرة، فانظروا في الحق، وقاتلوا معه طلحة والزبير.
وقام الحسن بن علي فقال: أيها الناس، أجيبوا دعوةَ أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن يَنفر إليه، ولأن يليه أولو النُّهى أمثلُ في العاجلة، وخيرٌ في العاقبة، فأجيبوا دعوتَنا [وأعينونا] على ما ابتُلينا به وابتُليتم، فتسامح الناس،
стр. 2663
وأجابوا ورضوا.
وقال الحسن: إني غادٍ، فمَن شاء منكم أن يَخرج معي على الظَّهر، ومَن شاء في الماء، فنفر معه تسعةُ آلاف، أخذ بعضهما البرّ، وأخذ بعضهم الماء، ففي البرّ ستة آلاف ومئتان، وأخذ الماء ألفان وثمان مئة.
قلت: وقد أخرج البخاري طرفًا من هذا عن شقيق قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمارًا وحسنًا فقدما الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن في أعلاه وعمار في أسفله، فاجتمع الناس إليهما، فقال عمار: أما بعد، فإن عائشة قد صارت إلى البصرة، ووالله إنها زوجةُ نبيكم … وذكره، وقال: ليَنظر إياه تُطيعون أم هي (١).
وفي رواية الطبري عن بعض أهل العلم: أن الأشتر قال لأمير المؤمنين: إنك قد بعثتَ إلى أهل الكوفة قبل هذين رجالًا، فلم أرَهم أبرموا وأحكموا أمرًا، فإن رأيتَ أن تُتبعني في إثرهم، فإن أهل المِصر أحسنُ شيءٍ لي طاعة، ولو قَدمتُ عليهم رجوتُ أن لا يُخالفني منهم أحدٌ، فقال علي: الحق بهم.
فأقبل الأشتر حتى دخل الكوفة، فجعل لا يمرُّ بقبيلة إلا ويقول: اتّبعوني إلى القصر، وكان أبو موسى قائمًا يخطب، يُثبِّط الناس عن علي ويقول: أيها الناس، إنها فتنة عمياء صمّاء، وذكر بمثل ما تقدّم، وعمار ينهاه، والحسن يقول له: اعتزل عملَنا، وتَنحَّ عن منبرنا لا أُمَّ لك.
قال نُعَيم عن أبي مريم الثقفي: والله إني في المسجد يومئذٍ، وعمار يُخاطب أبا موسى ويقول له: أنتَ سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "إن هذه فتنة عمياء صمّاء، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، والساعي فيها خير من الراكب؟ " قال: نعم، إذ خرج علينا غِلمانٌ لأبي موسى يشتدّون يُنادون: يا أبا موسى، هذا الأشتر قد دخل القصر، فنزل وأتى إلى القصر، فقال له
стр. 2664
الأشتر: أخرج الله نفسَك، فإنك من المنافقين قديمًا، فقال: أجِرْني فأجاره، وقال: اخرُج العشيَّة، قال: نعم، ودخل الناس فانتهبوا متاعَ أبي موسى (١).
وذكر المسعودي في تاريخه وقال: كتب عليّ ﵇ إلى أبي موسى: اعتزل عَمَلَنا يا ابن الحائك مَذمومًا مَدْحورًا، فما هذه بأوّل هَناتنا منك، وإن لك لهنات وهنات، وفي رواية: فهذا أول يوم منك (٢).
وروى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة قالا: لما أراد عليّ الخروجَ من الرَّبذة إلى البصرة قام إليه [ابن] رِفاعة بن رافع فقال: يا أمير المؤمنين، [أيّ شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح، إن قبلوا منا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟] قال علي: [ندعهم بعُذرهم ونعطيهم] الحق [ونصبر، قال: فإن لم يرضَوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذًا]. وسار الحسن وعمار ومعهما رؤساء أهل الكوفة.
ذكر اجتماعهم لأمير المؤمنين ومسيرهم إلى البصرة
روى سيف بن عمر، عن الشعبي، ومحمد وطلحة قالوا: التقوا بذي قار فالتقاهم علي، ورحّب بهم، وقال: يا أهل الكوفة، أنتم جُرثومةُ العوب ووجوهها، وقال ابن عباس: أنتم فَضَضْتُم جموعَ العَجم، حتى صارت إليكم مواريثهم … وذكر كلامًا في هذا المعنى.
وكان رؤساء الجماعة القعقاع بن عمرو، وشَدّاد (٣) بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وزيد بن صُوحان، والأشتر النَّخعي، والمسيّب بن نَجَبة، وعَدي بن حاتم، وحُجر بن عدي الكندي، وابن مَجْدوح الذهلي في آخرين، وهؤلاء كانوا على رأي أمير المؤمنين، وكان القعقاع وعدي صحابيَّيْن.
قال هشام: وكان فيهم زياد بن النَّضْر الحارثي، وسعد بن مسعود الثقفي عمّ
стр. 2665
المختار بن أبي عبيد، ومِخنَف بن سُلَيم الأزدي، ووَعْلة وهو ابن مَجْدوح، ومعقل بن قيس الرياحي (١)، وسعيد بن قيس الهمذاني.
وقال هشام: وكمل أهل الكوفة بذي قار اثني عشر ألفًا، وجعلهم علي أرباعًا وقيل أسباعًا، فكان القعقاع بن عمرو على سُبع، وسعيد بن قيس الهمذاني على همذان وحمير، وزياد بن النَّضْر الحارثي على مَذْحِج والأشعريين، وحُجر بن عديّ على كِندة وحضرموت، وسعد بن مسعود على غيلان وعبد القيس، ومخنف بن سُلَيم على الأزد وبَجيلة وخَثْعَم، ووعلة بن مَجْدوح الذُّهلي على بكر بن وائل وتغلب وربيعة، ومعقل بن قيس الرِّياحي على قريش وتميم وكِنانة وضَبَّة والرِّباب ومُزَينة.
قال هشام بن الكلبي، عن أبيه: فشهد هؤلاء الجمل وصفّين والنَّهروان مع أمير المؤمنين على هذا الترتيب.
قال سيف: اجتمعوا على ذي قار، وهل لَقيهم عثمان بنُ حنيف الذي نتفوا رأسَه ولحيته على الرَّبَذَة أم على ذي قار؟؟ فيه قولان.
ذكر إرسال علي القعقاع إلى أهل البصرة
قال علماء السير: لما نزل عليّ الثَّعلَبيّة خرج إليه خلقٌ كثير من أهل الكوفة، ولما قَرُب من البصرة جاءه عبد القيس، وبنو سعد، وربيعة، وخلقٌ عظيم، فصار في تسعة عشر ألفًا، اثنا عشر من أهل الكوفة، وستة آلاف من أهل البصرة، وخرج من المدينة في تسع مئة، وقيل: في ألف، فلما عزم على البصرة بعث إليهم القعقاع بن عمرو يُنذرهم ويُخوِّفُهم.
فقال سيف بن عمر: حدثني محمد وطلحة قالا: لما نزل أمير المؤمنين بذي قار دعا القعقاع بنَ عمرو -وكانت له صُحبة- فقال له: اذهب إلى أهل البصرة، والْقَ هذين الرجلين، فادعُهما إلى الأُلفة والجماعة، وعَظِّم عليهما الفُرقة.
فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة وقال: يا أُمّاه، ما الذي أقدَمَك إلى ها هنا؟ قالت: أُصلح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير لتَسمعي كلامي