← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

إليهم: إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، وإني على الأثر. وحكى الطبري عن [محمد بن] عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كتب علي إلى أهل الكوفة: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى سادات أهل الكوفة، أما بعد، فإني قد اخترتُكم، واخترتُ النُّزولَ بين ظَهرانيكم؛ لما أعرف من مودَّتِكم وحبّكم لله ورسوله، فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحقَّ وقضى ما عليه. قال ابن أبي ليلى: بعث بالكتاب مع محمد بن أبي بكر ومحمد بن عوف، وقيل: محمد بن جعفر، فجاء الناس إلى أبي موسى يَستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أما سبيلُ الآخرة فأن تُقيموا، وأما سبيلُ الدنيا فأن تَخرجوا، وأنتم أعلم، وبلغ المحمَّدَين فأتيا أبا موسى فأغلظا له، فقال: أما والله إن بيعة عثمان في عُنقي وفي عُنق صاحبكما الذي أرسلكما، وإن أرادنا أن نُقاتل معه لا نُقاتل حتى لا يَبقى أحدٌ من قتَلَةِ عثمان إلا قُتل. فانطلقا إلى علي، فوافياه بذي قار، فأخبراه الخَبَر، فقال علي للأشتر ولعبد الله بن عباس: اذهبا إلى أبي موسى، فقدِما عليه وكلَّماه، واستعانا عليه بأناس من أهل الكوفة، فأجاب بنحو ما أجاب في الأول، وذكر خُطبة طويلةً منها: أيها الناس إن أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممّن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقًّا فأنا مُؤدِّيه إليكم، كان الرأي أولًا أن لا تستخِفّوا بسلطان الله، ولا تجترؤوا على الله، وكان الرأي الثاني أن تأخذوا مَن قَدِم عليكم من أهل المدينة، فتردّوهم إليها حتى يَجتمعوا، فهم أعلم بمَن تصلح له الإمامة منكم، ولا تَكلَّفوا الدخولَ في هذا، فأمّا إذا كان ما كان فإنها فتنةٌ صَمَّاء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خيرٌ من القاعد، والقاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الرّاكب، فكونوا جُرثومةً من جراثيم العرب، فأغمِدوا السّيوف، وأنصِلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم المضطهد، حتى يلتئمَ هذا الأمر، وتَنجليَ هذه الفتنة. وقال سيف، عن أشياخه منهم محمد وطلحة: ولما بلغ عليًّا ﵇ الخبرُ أرسل الحسن بن علي، وأرسل معه عمار بن ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسَدْتَ، فأقبلا حتى قدما الكوفة، فدخلا المسجد، فأول مَن أتاهما مَسروق بن

стр. 2662

الأجْدَع، فسلَّم عليهما وقال لعمار: يا أبا اليقظان عَلام قتلتم عثمان؟ قال: على شَتْم أعراضِنا وضَربِ أجسادنا، فقال: والله ما عاقبتُم بمثل ما عُوقِبتم به، ولا صبرتم فكان خيرًا للصّابرين. ولقي أبو موسى الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا عمار، أعَدوتَ فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحلَلْتَ نفسَك محلَّ الفُجّار؟ فقال: لم أفعل، ولم تسؤني؟ فقطع الحسن عليهما الكلام وقال: يا أبا موسى، لم تُثَبِّط الناسَ عنا؟ فوالله ما نُريد إلا الإصلاح، وما مثل أمير المؤمنين مَن يُخاف على شيء، فقال: صدقتَ بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتَمن، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتنةٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب"، وقد جعلنا الله إخوانًا، وحرَّم علينا دماءنا وأموالنا، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]. فسبّ عمار أبا موسى، فقال رجلٌ من بني تميم لعمار: اسكت أيّها العبد، بالأمس أنت مع الغَوغاء، وتُسافِه اليوم أميرَنا بهذا؟ وثار زيد بن صوحان وأتباعُه، وثار الناس، وجعل أبو موسى يُكفكف الناس، ثم انطلق حتى أتى المنبر، وسكن الناس. وأقبل زيد بن صوحان ومعه الكتابان اللذان كتبتهما عائشة إلى الكوفة؛ كتاب الخاصة وكتاب العامة، وقال: أُمِرت بالقَرار في بيتها، وأُمِرنا بالقتال، فأَمرتنا بما أُمرت، وركبت ما أُمِرنا به! وقال أبو موسى: أيها الناس، أطيعوني، شيموا سيوفكم، وقصّدوا رماحَكم، فإن الفتنة قد أقبلت، وذكر كلامًا طويلًا. وقال عمار: هذا ابنُ عمّ رسول الله، وهو مُستنفِرُكم إلى زوجة رسول الله ﷺ ، وإني أشهد أنها زوجتُه في الدنيا والآخرة، فانظروا في الحق، وقاتلوا معه طلحة والزبير. وقام الحسن بن علي فقال: أيها الناس، أجيبوا دعوةَ أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن يَنفر إليه، ولأن يليه أولو النُّهى أمثلُ في العاجلة، وخيرٌ في العاقبة، فأجيبوا دعوتَنا [وأعينونا] على ما ابتُلينا به وابتُليتم، فتسامح الناس،

стр. 2663

وأجابوا ورضوا. وقال الحسن: إني غادٍ، فمَن شاء منكم أن يَخرج معي على الظَّهر، ومَن شاء في الماء، فنفر معه تسعةُ آلاف، أخذ بعضهما البرّ، وأخذ بعضهم الماء، ففي البرّ ستة آلاف ومئتان، وأخذ الماء ألفان وثمان مئة. قلت: وقد أخرج البخاري طرفًا من هذا عن شقيق قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمارًا وحسنًا فقدما الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن في أعلاه وعمار في أسفله، فاجتمع الناس إليهما، فقال عمار: أما بعد، فإن عائشة قد صارت إلى البصرة، ووالله إنها زوجةُ نبيكم … وذكره، وقال: ليَنظر إياه تُطيعون أم هي (١). وفي رواية الطبري عن بعض أهل العلم: أن الأشتر قال لأمير المؤمنين: إنك قد بعثتَ إلى أهل الكوفة قبل هذين رجالًا، فلم أرَهم أبرموا وأحكموا أمرًا، فإن رأيتَ أن تُتبعني في إثرهم، فإن أهل المِصر أحسنُ شيءٍ لي طاعة، ولو قَدمتُ عليهم رجوتُ أن لا يُخالفني منهم أحدٌ، فقال علي: الحق بهم. فأقبل الأشتر حتى دخل الكوفة، فجعل لا يمرُّ بقبيلة إلا ويقول: اتّبعوني إلى القصر، وكان أبو موسى قائمًا يخطب، يُثبِّط الناس عن علي ويقول: أيها الناس، إنها فتنة عمياء صمّاء، وذكر بمثل ما تقدّم، وعمار ينهاه، والحسن يقول له: اعتزل عملَنا، وتَنحَّ عن منبرنا لا أُمَّ لك. قال نُعَيم عن أبي مريم الثقفي: والله إني في المسجد يومئذٍ، وعمار يُخاطب أبا موسى ويقول له: أنتَ سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "إن هذه فتنة عمياء صمّاء، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، والساعي فيها خير من الراكب؟ " قال: نعم، إذ خرج علينا غِلمانٌ لأبي موسى يشتدّون يُنادون: يا أبا موسى، هذا الأشتر قد دخل القصر، فنزل وأتى إلى القصر، فقال له

стр. 2664

الأشتر: أخرج الله نفسَك، فإنك من المنافقين قديمًا، فقال: أجِرْني فأجاره، وقال: اخرُج العشيَّة، قال: نعم، ودخل الناس فانتهبوا متاعَ أبي موسى (١). وذكر المسعودي في تاريخه وقال: كتب عليّ ﵇ إلى أبي موسى: اعتزل عَمَلَنا يا ابن الحائك مَذمومًا مَدْحورًا، فما هذه بأوّل هَناتنا منك، وإن لك لهنات وهنات، وفي رواية: فهذا أول يوم منك (٢). وروى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة قالا: لما أراد عليّ الخروجَ من الرَّبذة إلى البصرة قام إليه [ابن] رِفاعة بن رافع فقال: يا أمير المؤمنين، [أيّ شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح، إن قبلوا منا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟] قال علي: [ندعهم بعُذرهم ونعطيهم] الحق [ونصبر، قال: فإن لم يرضَوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذًا]. وسار الحسن وعمار ومعهما رؤساء أهل الكوفة. ذكر اجتماعهم لأمير المؤمنين ومسيرهم إلى البصرة روى سيف بن عمر، عن الشعبي، ومحمد وطلحة قالوا: التقوا بذي قار فالتقاهم علي، ورحّب بهم، وقال: يا أهل الكوفة، أنتم جُرثومةُ العوب ووجوهها، وقال ابن عباس: أنتم فَضَضْتُم جموعَ العَجم، حتى صارت إليكم مواريثهم … وذكر كلامًا في هذا المعنى. وكان رؤساء الجماعة القعقاع بن عمرو، وشَدّاد (٣) بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وزيد بن صُوحان، والأشتر النَّخعي، والمسيّب بن نَجَبة، وعَدي بن حاتم، وحُجر بن عدي الكندي، وابن مَجْدوح الذهلي في آخرين، وهؤلاء كانوا على رأي أمير المؤمنين، وكان القعقاع وعدي صحابيَّيْن. قال هشام: وكان فيهم زياد بن النَّضْر الحارثي، وسعد بن مسعود الثقفي عمّ

стр. 2665

المختار بن أبي عبيد، ومِخنَف بن سُلَيم الأزدي، ووَعْلة وهو ابن مَجْدوح، ومعقل بن قيس الرياحي (١)، وسعيد بن قيس الهمذاني. وقال هشام: وكمل أهل الكوفة بذي قار اثني عشر ألفًا، وجعلهم علي أرباعًا وقيل أسباعًا، فكان القعقاع بن عمرو على سُبع، وسعيد بن قيس الهمذاني على همذان وحمير، وزياد بن النَّضْر الحارثي على مَذْحِج والأشعريين، وحُجر بن عديّ على كِندة وحضرموت، وسعد بن مسعود على غيلان وعبد القيس، ومخنف بن سُلَيم على الأزد وبَجيلة وخَثْعَم، ووعلة بن مَجْدوح الذُّهلي على بكر بن وائل وتغلب وربيعة، ومعقل بن قيس الرِّياحي على قريش وتميم وكِنانة وضَبَّة والرِّباب ومُزَينة. قال هشام بن الكلبي، عن أبيه: فشهد هؤلاء الجمل وصفّين والنَّهروان مع أمير المؤمنين على هذا الترتيب. قال سيف: اجتمعوا على ذي قار، وهل لَقيهم عثمان بنُ حنيف الذي نتفوا رأسَه ولحيته على الرَّبَذَة أم على ذي قار؟؟ فيه قولان. ذكر إرسال علي القعقاع إلى أهل البصرة قال علماء السير: لما نزل عليّ الثَّعلَبيّة خرج إليه خلقٌ كثير من أهل الكوفة، ولما قَرُب من البصرة جاءه عبد القيس، وبنو سعد، وربيعة، وخلقٌ عظيم، فصار في تسعة عشر ألفًا، اثنا عشر من أهل الكوفة، وستة آلاف من أهل البصرة، وخرج من المدينة في تسع مئة، وقيل: في ألف، فلما عزم على البصرة بعث إليهم القعقاع بن عمرو يُنذرهم ويُخوِّفُهم. فقال سيف بن عمر: حدثني محمد وطلحة قالا: لما نزل أمير المؤمنين بذي قار دعا القعقاع بنَ عمرو -وكانت له صُحبة- فقال له: اذهب إلى أهل البصرة، والْقَ هذين الرجلين، فادعُهما إلى الأُلفة والجماعة، وعَظِّم عليهما الفُرقة. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة وقال: يا أُمّاه، ما الذي أقدَمَك إلى ها هنا؟ قالت: أُصلح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزبير لتَسمعي كلامي

стр. 2666

وكلامهما، فأرسلت إليهما فحضرا، فقال لهما: إني سألتُ أم المؤمنين ما الذي أقدمها إلى هذه البلاد، فقالت: الإصلاحُ بين الناس، فما تقولان أنتما؟ قالا: ونحن نقول كذلك، قال: فأخبراني ما وَجْهُ الإصلاح؟ قالا: قَتَلةُ عثمان، فإن عَمِل به كان إحياءً للقرآن، وإن لم يَعمل به كان تارِكًا له، قال: قد قتلتُما قَتَلةَ عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقربُ إلى الاستقامة منكم اليوم؛ حين قتلتُم ست مئة إلا رجلًا -يعني حُرقوص- فغضب له ستة آلاف، واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهُركم، وطلبتم ذاك الذي أفلت، يعني حُرقوص، فمنعه ستة آلاف، وهم على رجل واحد، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون … وذكر كلامًا في هذا المعنى. فقالت عائشة: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التَّسكين، فإذا سَكن اختُلجوا -يعني قتلة عثمان- فإن أنتم بايعتمونا فعَلامةُ خير، وتباشير رحمة، ودَرْكُ ثأرِ هذا الرجل، وعافيةٌ وسلامة لهذه الأمة، وإن أبيتُم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامةُ شرّ، وذهابُ هذه الأمة، فاطلبوا العافيةَ تُرزَقوها، وكونوا مفاتيحَ خير، ولا تكونوا مفاتيح شرّ، ولا تتعرّضوا للبلاء وتعرّضونا له، فيَصرعنا وإياكم، وايمُ الله، إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ أن لا يَتمّ حتى يَأخذ الله حاجتَه من هذه الأمة. فقالوا: نِعم ما قلتَ، فلقد أحسنتَ وأصبْتَ المقالة، فارجع إلى علي، فإن قَدِم على مثل رأيك صلَح هذا الأمر. فعاد إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما قال وقالوا، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك مَن كرهه، ورضيَه مَن رضيه. وأقبلت وُفود البصرة نحو علي لما نزل بذي قار؛ وفد تميم وبكر قبل رجوع القعقاع، ليَنظروا ما رأيُ إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أيّ حالٍ نهضوا إليهم، لا يَخطر لهم قتالُهم على بال. وروى الهيثم بن عدي، عن أشياخه قالوا: لما قدم علي ذا قار كتب إلى طلحة والزبير وعائشة كتابين، أحدهما إلى طلحة والزبير، والآخر إلى عائشة، فأما كتاب طلحة والزبير فنُسخته:

стр. 2667

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير، أما بعد، فقد علمتما أني لم أُرد البيعةَ حتى أكرهتُ عليها، وأنتما ممن رَضي ببيعتي، وألزمني إياها، فإن كنتما بايعتما طائعَيْن فتوبا إلى الله، وارجعا عما أنتما عليه، وإن كنتما بايعتما مُكرَهَين فقد جعلتما لي السبيلَ عليكما بإظهاركما المعصية، وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين، وأنت يا زبير فارس قريش، لو دفعتما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه لكان أوسع لكما من خروجكما منه، والسلام. وأما كتاب عائشة فكان فيه: أما بعد، فإنك قد خرجتِ من بيتك عاصية لله ولرسوله، تطلبين أمرًا كان عنك موضوعًا، ثم تزعمين أنك تُريدين الإصلاح بين المسلمين، فخَبِّريني ما للنساء وهنَّ عورات وقَوْد الجيوش، والبروز للرجال؟! وطلبتِ بزعمك دمَ عثمان، وعثمان رجلٌ من بني أمية، وأنت من بني تميم، ثم بالأمس تُؤلّبين عليه، وتقولين في ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ : اقتلوا نَعْثلًا فقد كفر، قتله الله، واليوم تطلبين بثأره؟! فاتقي الله، وارجعي إلى بيتك، وأسبِلي عليك سترك قبل أن يَفضحك الله، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بالله العلي العظيم. ولما قرؤوا الكتابين لم يكن لهم جواب، وعرفوا أنه الحق فسكتوا. وقال أبو اليقظان: ولما قَرُبَ أمير المؤمنين من البصرة خرج إليه شيعته منها، وهم ثلاثة آلاف، وكان شقيق بن ثَوْر السَّدوسي على بكر بن وائل، وعمرو بن مَرْجوم على عبد قيس، واجتمع بعضُ القبائل إلى طلحة والزبير كضبَّة والرِّباب وعامر وباهلة، وكان على ضَبَّةَ والرِّباب هلال بن وكيع بن بشر بن عُدس، قُتل يوم الجمل، وكان رئيسُ الأزد صَبْرة بن شَيْمان الحُدَّاني، نهاه كعب بن سُور فلم يَنته، فقُتل يوم الجمل أيضًا. ورتّب أمير المؤمنين الجيوش، فجعل على الميمنة عبد الله بن عباس والأشتر وهو مالك بن الحارث النخعي، وعلى الميسرة عمر بن أم سلمة وعمار بن ياسر، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري، وأعطى الراية العُظمى ولدَه محمد بن الحنفية، وقيل: إنما كان يوم الجمل على الترتيب الذي خرج به من المدينة، ورتب القبائل من أهل الكوفة والبصرة على مراتبها، وأقام كلَّ قبيلة في منزلتها. ثم خطب الناس فقال: إني قد كتبتُ إلى هؤلاء القوم، وناشدتُهم الله في دماء هذه

стр. 2668

الأمة كي يرجعوا فأبَوا، وأنذرتُهم فلم يُبالوا، وتأنّيتُ بهم فلم يَنظروا لنفوسهم وللمسلمين في مصلحة، وإنهم يَتهدَّدوني بالحرب، والآن فقد أنصفَ القارة مَن راماها (١)، وإني على بَيِّنةٍ من ربي من النّصر عليهم، والظَّفَر بهم، ومَن لم يُقتَل يَمُت، والذي نفسي بيده لألفُ ضربةٍ بسيف أهونُ عليَّ من الموت على فراشي. ثم رفع يديه وقال: اللهمَّ إن طلحة أعطاني صَفقةَ يمينه طائعًا، ثم نَكث بيعتي، اللهمَّ فعاجله، اللهمَّ إن الزبير قطع قرابتي، ونَكث بَيعتي، وظاهر عدوّي، ونصب إلي الحرب بغيًا وعدوانًا، وهو ظالم لي، فاكفنيه بما شئت، ثم تمثّل، وقيل إنهما له: [من الخفيف] إن يومي من الزبير ومن طلـ … ـحة فيما يسوؤني لطويلُ ظَلماني ولم يكن علم اللـ … ـــــه إلى الظُّلمِ حاجةٌ وسبيلُ (٢) ذكر اجتماع أمير المؤمنين بالأحنف بن قيس قال سيف: ولما نزل أمير المؤمنين قريبًا من البصرة جاءه الأحنَفُ بنُ قيس وبنو سعد؛ وقد منعوا حُرقوصَ بن زهير من القتل، وهم لا يُريدون القتال مع أحد من الفريقين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قومًا يَزعمون أنك إن ظهرتَ غدًا عليهم أنك تقتل رجالهم وتَسبي نساءهم، فقال: ما مثلي من يُخاف منه مثلُ هذا، وهل يجوز ذلك إلا في مثل مَن تولَّى وكفر؟! وهم قومٌ مسلمون. وقال له الأحنف: اختر مني واحدة من اثنتين: إما أن آتيك فأكون معك بنفسي، وإما أن أكفَّ عنك عشرة آلاف سيف، فقال: لا بل هذه، فخرج الأحنف وهو يقول -أو قال: يا لَخِنْدِف، فأجابه قوم، ثم نادى: يالَ تميم فأجابه آخرون، ثم نادى يالَ سعد فلم يبق لسعدي إلّا وأجابه، فاعتزل ناحية عن الناس. وقد ذكر الطبري للأحنف أخبارًا كثيرة في اجتماعه بأمير المؤمنين (٣).

стр. 2669

ذكر حديث الوقعة رجع الحديث إلى سيف، عن محمد وطلحة، وأن أمير المؤمنين أرسل إليهم القعقاع بن عمرو، وجرى له مع عائشة وطلحة والزبير من الاتّفاق ما جرى على أن يتَّفقوا ويَختلجوا قتلَةَ عثمان فيما بين ذلك. وعاد القعقاع إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما جرى، وسُرَّ أمير المؤمنين بقوله، وأشرف القوم على الصلح رَضيه مَن رَضيه وكرهه مَن كرهه. قال سيف بن عمر عن محمد وطلحة، قال: لما رجع القعقاع من عند أمير المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم، جمع علي ﵇[الناس]، ثم قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وعلى رسوله، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام وسعادتَه، وإنعام الله على هذه الأمة [بالجماعة]، وذكر الخلفاء بعد رسول الله ﷺ ، ثم قال: ثم حَدث هذا الحدث الذي جَرى على هذه الأمة من أقوام طلبوا الدنيا حَسَدًا لمن أفاءها الله عليه، وأرادوا ردَّ الأشياء إلى أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد، ألا وإني راحلٌ غدًا، فلا يَرحلنّ معنا أحدٌ ممن أعان على عثمان بشيء، وليُغْنِ السفهاء عني أنفسَهم. فلما قال هذه المقالة اجتمع نفرٌ منهم عِلباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، وسالم بن ثعلبة القيسي (١)، وشُريح بن أوفى بن ضُبَيعة، والأشتر النَّخَعي، في عدّةٍ ممن سار إلى عثمان، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء، وخالد بن ملجم، فتشاوروا وقالوا: ما الرأي؟ فهذا علي أبصر بكتاب الله ممن يَطلب قتلَة عثمان، وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفِر إليهم، فكيف إذا شام القوم وشاموه، ورأوا قلَّتنا في كثرتهم، إياكم والله يُراد، وما يريد إلا أنتم. فقال الأشتر: أما طلحة والزبير وعائشة فقد عرفتم أمرَهم، وأما علي فما عرفنا أمره إلّا اليوم، ورأيُه ورأيُ الناس فينا واحد، وإنهم قد اصطلحوا على دمائنا، فهلموا نتواثب على علي فنُلحقه بعثمان، فتعود فتنة يُرضى منا فيها بالسكون. فقال ابن السوداء: بئس الرأي رأيتَ، نحن نحو من ست مئة، وهذا ابنُ الحَنظليّة

стр. 2670

وأصحابُه في خمسة آلاف، وهم بالأشواق إلى أن يَجدوا إلى قتالكم سبيلًا. وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم، ودعوهم وارجعوا، وتعلَّقوا ببعض البلدان حتى يأتيكم فيه مَن تثقون به. قال ابن السَّوداء: بئسَ ما رأيت، لو فعلتُم هذا تخطَّفكم الناس. وقال عدي بن حاتم: إن لنا خيولًا وسلاحًا، فإن أقدمتُم أقدَمْنا، وإن أمسكتُم أحجمنا، فقال له ابن السوداء: أحسنت. وقال ابن السوداء: الرأيُ عندي أنكم تُنشبون القتال، ولا تُفرّغوا عليًّا وطلحة والزبير للنظر، فإنهم لا يجدون بُدًّا من الامتناع، ويَشغلهم الله عنا بما يَكرهون، وإذًا تقاتلوا، فأنشِبوا القتال في السَّحَر، وتفرَّقوا على هذا والناسُ لا يَشعرون. وأصبح أمير المؤمنين على ظَهْر، وسار حتى نزل بعَبْد القيس وهم أمام ذلك، ثم سار بالناس فنزل بإزاء القوم، فقال أبو الجَرْباء للزبير: الرأيُ أن تبعث إلى علي ألفَ فارس فيُبيتوه أو يُصبّحوه قبل أن يَتوافى أصحابُه، فقال: يا أبا الجَرْباء، لسنا نجهل أمرَ الحرب ولكنهم أهلُ دَعوتِنا، وقد فارقَنا وافدُهم على أمر، ونرجو أن يَتمَّ الصُّلح. وقال صَبْرة بن شَيْمان: يا طلحة، الرأي في الحرب خيرٌ من الشّدّة، وأشار بمثل ما أشار أبو الجَرْباء، فقال طلحة: إنا وإياهم مسلمون، وإنه علي ومَن معه. وقال كعب بن سور: ما تنتظرون؟ اقطعوا هذا العُنُق من هؤلاء، فقالوا يا كعب، هذا أمرٌ بيننا وبين إخواننا، وهذا أمر مُلتبس، ونحن نرجو الصُّلح، فإن أجابوا وإلا فآخر الداء الكي. وقال سيف: وقام إلى علي أقوامٌ من أهل الكوفة يَسألونه عن إقدامهم على القوم، وفيهم الأعور بن بُنان المِنقري، فقال: يا أمير المؤمنين، علامَ عزمتَ؟ فقال: على الإصلاح وإطفاء النائرة، لعل الله يَجمع شملَ هذه الأمة، قال: فإن لم يُجيبوا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: نَدفعُهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم بمثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم. قال: وقام إليه أبو سلامة الدّألاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا من

стр. 2671

هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم، قال: أفترى لنا حجة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم إن الشيء إذا كان لا يُدرك فالأناة والحلم فيه أحوط، قال: فما حالنا وحالهم إن ابتُلينا غدًا؟ قال: إني لأرجو أن لا يُقتل أحدٌ منا ومنهم وفي قلبه تُقى لله إلا أدخله الله الجنة. ثم قام علي ﵇ فخطب الناس وقال: أيها الناس، املِكوا أنفسَكم، واصبروا على ما نالكم، وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم مَن خصم اليوم. قال: وارتحل على تعبيته التي خرج فيها، حتى إذا أطلّ على القوم بعث إليهم حَكيم بن سلامة ومالك بن حبيب يقول لهم: إن كنتم على ما فارقتُم عليه القعقاع، فكفُّوا لننزل ونَنظر في هذا الأمر. رجع الحديث إلى سيف عن محمد وطلحة قالا: فلما نزل الناس واطمأنوا خرج علي وطلحة والزبير، وتواقفوا، وتكلّموا فيما بينهم، فلم يَجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح ووضْعِ الحرب، وافترقوا على ذلك، ورجع علي ﵇ إلى عسكره، وطلحة والزبير إلى عسكرهما، ثم بعث إليهما وقتَ العشاء عبد الله بن عباس، وبعثا هما عبد الله بن الزبير إلى علي، وأن يُكلّم كلّ واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فلما أمسَوا - وذلك في جُمادى الآخرة، [أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه]. وفي رواية: لما نزل علي جاء إليه طلحة والزبير، واتفقوا على الصُّلح، وخرجا، فخرج علي مشيّعًا لهما، وأرسلا إلى أصحابهما بالصلح، وأرسل علي إلى أصحابه بمثل ذلك، وبات الفريقان بلَيلةٍ لم يبيتوا بمثلها للعافية التي قد أشرفوا عليها، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرِّ ليلةٍ باتوها قط؛ قد أشرفوا على الهَلَكة، وجعلوا يتشاورون ليلتَهم كلّها، حتى إذا اجتمعوا على إنشاب الحرب أسرُّوا ذلك خيفةَ أن يُفطَن بهم، وحاولوا أمر الشر في الغَلَس، فأثاروا الحربَ ولم يَشعر بهم جيرانُهم، بل انسلُّوا انسِلالًا، فخرج مُضَرِيّهم إلى مُضَريّهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمانيتهم إلى يمانيتهم، فوضعوا السلاح فيهم، فثار أهل البصرة، وخرج طلحة والزبير في وجوه الناس من مُضر، وبعثا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى الميمنة، وعبد الرحمن

стр. 2672

ابن عَتّاب بن أسيد إلى الميسرة، وثبتا في القلب، وقالوا: ما هذا؟ قالوا: طَرَقنا أهلُ الكوفة ليلًا، فقالا: قد علمنا أن عليًّا غير مُنتهٍ حتى يَسفك الدماء، ويَستحلّ الحُرمة، وأنه لن يُطاوعَنا، وزحفا بأهل البصرة حتى ردّوهم إلى عسكرهم. وسمع علي الصوت، وقد وضع القوم رجلًا قريبًا من علي يُخبره بما يريدون، فلما قال علي: ما هذا؟ قال الرجل: إن القوم قد بَيَّتونا، فرددناهم من حيث جاؤوا، فقال علي لصاحب ميمنته: الحق بالميمنة، ولصاحب الميسرة: الحق بالميسرة، وقال: لقد علمتُ أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يَسفكا الدماء، ويَستحلّا الحُرمة، ونادى علي ﵇ في الناس: كُفّوا، وكان من رأيهم جميعًا في تلك الفتنة ألا يقتلوا حتى يُبدؤوا، ولا يُجهزوا على جريح، ولا يستحلّوا سَلبًا، ولا يأخذوا مالًا. قال سيف: فأقبل كعب بن سُور إلى عائشة فقال: الحقي القوم فقد أبَوا إلا القتال، لعل الله يُصلح بك، فركبت، وألبسوا هَودَجَها الأدْراع، ووقَفت على الجمل، فسمعت غَوغاء كثيرة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضَجَّةُ العسكر، قالت: بخير أو بشَرّ؟ قالوا: بشَرّ، قالت: فأيّ الفريقين كانت فيهم هذه الضجّة فهم المنهزمون، فما فَجِئها إلا هزيمةُ أهل البصرة، وهذا قول سيف. وأما هشام بن الكلبي فإنه قال: لما وصل علي ﵇ إلى البصرة، نزل بالزاوية، ثم سار منها يريد القوم، فالتقوا عند قصر عبيد الله بن زياد. وقال البلاذري: التقوا في مكان يُقال له: الخُرَيبَة في جمادى الأولى، سنة ست وثلاثين … وذكر الوقعة (١). رجع الحديث إلى سيف وغيره من علماء السير، قالوا جميعًا: لما توافَوا خرج طلحة والزبير على فرسين، وخرج إليهما علي ﵇، ودنا كل واحد من الآخر، فقال لهما علي: لعَمري لقد أعددتُما خيلًا ورجالًا وسلاحًا، إن كنتُما أعددتُما عند الله عُذرًا فاتقيا الله، ولا تكونا كالتي نَقضت غزلَها من بعد قوَّةٍ أنكاثًا، ألم تكونا إخوتي في الله، تُحرّمان دمي وأُحرِّم دمكما؟ [فهل من حَدَثٍ أحلّ لكما دمي؟] فقال له طلحة:

стр. 2673

ألّبتَ الناس على عثمان، فقال: أنتما خذلتُماه حتى قُتل، فسلّط الله اليوم على أشدّنا على عثمان ما يَكره. ثم قال: يا زبير، أتذكر يوم مررتَ مع رسول الله ﷺ في بني غَنْم، أو في بني بَياضة، فنظر إليّ وضحك فضحكتُ إليه، فقلت أنت يا زبير: لا يدع ابنُ أبي طالب زَهْوه، فقال لك رسول الله ﷺ : "إنه ليس بمَزْهُو، ولتُقاتلَنّه يا زُبير، أو لتقاتلنّ ابنَ عمتك، وأنت ظالم له". فوجم الزبير، وقال: والله لو ذكرتُ ذلك ما قاتلتُك، ولا سرتُ مَسيري هذا، ولكن كيف أصنعُ وقد التقت حَلَقتا البِطان، ورجوعي عين العار؟ فقال له علي: تَرجع بالعار، ولا تَرجع بالنار، أو ترجع بالعار خيرٌ من أن ترجع بالنار، يا زُبير قد كنا نَعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنُك [ابن] السّوء ففرَّق بيننا، فذكّرتك قول رسول الله ﷺ . فرجع الزبير وهو يقول: والله لا قاتلتُك أبدًا، وقال: [من البسيط] اخترتُ عارًا على نارٍ مُؤجَّجةٍ … أنى يَقوم لها خَلْقٌ من الطّينِ نادى عليّ بأمرٍ لستُ أجهلُه … عارٌ لعمرك في الدنيا وفي الدّينِ فقلتُ حسبُك من لَوْمٍ أبا حسنٍ … فبعضُ هذا الذي قد قلتَ يكفيني (١) قال هشام: ولما رجع الزبير إلى أصحابه قالت له عائشة: مالك؟ فقال: ما كنتُ في موطن منذ عقلتُ عقلي إلا وأنا أعرف فيه أمري إلا هذا الموطن، فإنه مالي فيه بالحرب بَصيرة، قالت: فما تُريد أن تصنع؟ قال: أذهبُ وأدعُكم، فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ هذين الغارَين، حتى إذا جدّ بعضهم لبعض أردتَ أن تتركَهم وتذهب، ولقد خرجتَ على بصيرة، ولكنك رأيتَ رايات ابن أبي طالب، فنظرتَ تحتها الموتَ الأحمر فجَبُنت. فأرعد الزبير غضبًا وقال: ويحك، قد حلفتُ أن لا أُقاتلَه، فكيف أصنع؟ قال: تُكفِّر عن يمينك، فأخذ رُمحه، وحَمل فخرق الصُّفوف يمينًا وشمالًا، فحمل عليه الأشتر ليَطعنه، فقال علي: دَعه فإنه مُحرَج، ثم أعتق غلامًا له يقال له مكحول، فقال الشاعر: [من الرجز]

стр. 2674

أعتق مكحولًا لصَون دِينه كفّارةً لله عن يمينه والغَدرُ قد لاح على جَبينه وقال الطبري: اسم الغلام سَرْجَس (١)، وقال عبد الرحمن بن سليمان التيمي: [من الرجز] لم أر كاليوم أخا إخوانِ أعجبَ من مُكَفِّر الأيمان بالعتقِ في معصيةِ الرحمن وقال أبو اليقظان: ثم صاح أمير المؤمنين، يا طلحة، أنشدك الله، ألم تسمع رسول الله يقول: "مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"؟ قال: بلى، قال: فلمَ تُقاتلني وقد بايعتَني؟ فانصرف طلحة، ثم أنشب القوم القتال. وحكى الطبري عن الزهري قال: قال علي: يا طلحة، أجئتَ بعِرس رسول الله ﷺ تُقاتل بها، وخَبَأتَ عِرسَك في البيت، أما بايعتَني؟ فقال: بايعتُك وعلى عُنقي اللُّجّ. وقال أيضًا: قال أميرُ المؤمنين: أيُّكم يَعرض على القوم هذا المصحف، فإن قُطعت يدُه أخذه بيده الأخرى، فإن قُطعت يدُه أخذه بأسنانه؟ فقال فتى من القوم: أنا، فقال له: اعرِض عليهم هذا، وقل لهم: بيننا وبينكم كتابُ الله، ففعل، فحمل عليه فتى من القوم فقتله، فقال علي: الآن طاب الضِّراب، احملوا عليهم فحَملوا، وما كان يَبدؤهم بالقتال حتى يَبدؤوه. وفي رواية: فقطعوا يدَه فأخذه بالأخرى، فقُطعت فأخذه بأسنانه، فقتلوه (٢). وقال الهيثم: واسمُ الغلام المقتول مُسلم، فقالت أُمُّه وكانت عجوزًا كبيرة: [من الرجز]

стр. 2675

يا ربِّ إن مُسلمًا أتاهُمُ يَتلو كتابَ الله لا يَخشاهمُ فخَضَّبوا من دمه لِحاهُمُ وأُمُّه قائمةٌ تَراهُمُ (١) وقال أبو اليقظان: وقف عمار بين الصفَّين وصاح: ما أنصفتُم نبيكم حين أبرزتُم عَقيلَتَه للسيوف، وصُنْتُم حَلائلَكم عن الحُتوف، ثم دنا من هودج عائشة وقال: ما الذي تَطلبين؟ فقالت: دَمَ عثمان، فقال: خذل الله اليوم الباغي منا. قال علماء السير: ثم اقتتلوا قتالًا لم يَجْرِ في جاهلية ولا إسلامٍ مثلُه. فحكى سيف، عن فِطر بن خليفة، عن أبي بشير قال: شهدتُ الوَقعة، فوالله ما سمعتُ دقّ القصَّارين إلا ذكرتُها. وقال الواقدي: كان زِمامُ الجمل بيد كعب بن سُور، فقالت عائشة: خلِّ عنه، وادعُهم إلى كتاب الله، وناولتْه مصحفًا، فنشره وصاح: هذا كتاب الله، فاستقبلتْه السَّبئية فقتلوه. قال الزهري: ما شوهِدت وقعةٌ مثلها، فَني فيها الكُماة من فُرسان مُضَر، وما كان يَأخذ زِمام الجمل إلا مَن هو مَعروف بالشجاعة، وما أخذه أحدٌ إلا قُتل أو أُصيب، حمل عليه عديُّ بن حاتم، ولم يبق إلا عشرة، ففُقِئت عينُ عدي. وحكى الطبري عن الزهري قال: أخذ عبد الله بن الزبير بخِطامه، فقالت عائشة: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ الزبير، فقالت: واثُكلَ أسماء (٢). واجتمع بنو ضَبَّةَ حول الجمل، وقاتلوا دونه قِتالًا لم يُسمع بمثله، قُطِعت عنده ألفُ يد، وقُتل عليه ألفُ رجلٍ منهم، وكان بين يديه وسيم بن عمرو الضبِّي يَرتجز بهم، وهم يقولون مثلَ قوله:

стр. 2676

نحن بنو ضَبَّةَ أصحابُ الجَمَلْ نَنْعى ابنَ عفّان بأطرافِ الأَسَلْ الموتُ أحلى عندنا من العَسَلْ رُدُّوا علينا شيخَنا أو نقتتل يَعنون بشيخهم عُثمان، والأبيات في "الحماسة" (١). وحكى الطبري عن ابن الزبير أنه قال: جُرحتُ على زمام الجمل سبعةً وثلاثين جِراحة، وما أخذ أحدٌ رأسَه إلا قُتل، أخذه عبد الرحمن بن عتّاب فقُتل، ثم أخذه الأسود بن [أبي] البَختَري فقُتل، وعدّ جماعةً. قال ابن الزبير: ومَرَّ بي الأشتر فعرفني، فقصدَني وقصدتُه، واعتنقنا فسقطنا جميعًا إلى الأرض، فناديتُ: اقتلوني ومالكًا، أو اقتلا مالكًا معي، فجاء قوم فحجزوا بيننا (٢). وقال البلاذري: لو قال اقتلوني والأشتر لقُتلا جميعًا. وقيل لعائشة: هذا الأشتر يُعارك عبد الله، فقالت: واثُكلَ أسماء، وأعطت مَن بَشَّرها بخلاصِه منه مالًا (٣). وحكى هشام، عن علقمة، عن الأشتر قال: كنتُ أسأل الله أن ألقى عبد الله بن الزبير؛ فإنه هو الذي أخرج عائشة إلى البصرة، وأقام الفتنة، قال: فالتقيتُه كفةً لِكفّة، فقمتُ في الرِّكاب، وضربتُه على رأسه فصرعتُه، وعانقني وصاح: اقتلوني ومالكًا، ولو عرفوا أنني مالك لقتلوني ولو قُتلوا كلّهم. ثم أخذ زِمامَ الجمل عمرو بن يَثرِبيّ، فقاتل قتالًا شديدًا، فحَمل عليه عمار، وهو يومئذ ابن سبعين سنة وأكثر، وعليه فَروٌ قد شدَّ وَسَطه بحبلٍ من ليف، فقطع رجلَ عمرو بن يَثرِبي.

стр. 2677

وكان عمرو قد قتل في ذلك اليوم زيدَ بن صُوحان وكُنيته أبو عائشة، وهند بن عمرو، ويُقال له الجَمليّ، [وعلباء بن الهيثم السدوسي]. قال سيف وكان يَحمل ويقول: [من الرجز] إني لمن أنكَرَني ابنُ يثرِبي قاتلُ عِلباءَ وهندَ الجَملي ثم ابن صُوحانَ على رأي عليّ وجاء عمار بعمرو بن يَثربي إلى بين يدي أمير المؤمنين، فقال: يا عمار، اقتُلْه، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، استَبْقِني، فقال: ويَحك بعدما قتلتَ خيار أصحابي: زيد بن صُوحان، وعلباء بن الهيثم، وهند بن عمرو، أستبقيك؟! لا والله، فقتله عمار. وقال أبو اليقظان: لما رأى أمير المؤمنين يومئذ الرُّؤوسَ تُنْدَر، ضمّ الحسنَ ابنَه إلى صدره وقبَّله وقال: يا حسن، أيُّ خيرٍ يُرجى بعد هذا اليوم؟ فقال: يا أبتِ قد كنتُ نَهيتُك عن مثل هذا، فقال: ما كنتُ أظنُّ أن الأمر يَبلغ إلى مثل هذا، ليت أنني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. ومضى الزبير هاربًا على وجهه، فقُتل بوادي السّباع. وجاء طلحةَ سهمٌ غَرْبٌ فخلَّ رُكبتَه بصَفحة الفرس، فحملوه إلى البصرة فمات، وسنذكر سيرتَهما في آخر السنة. وقُتل محمد بن طلحة، وغُلب ابنُ الزبير من الجراحات، فألقى نفسه بين القتلى. ذكر عَقْرِ الجمل قال علماء السير: وحملت السَّبَتيَّةُ على الجمل والأشتر يَقدمُها، وزِمامه بيد عبد الله بن حكيم بن حِزام، فضربه الأشتر فجرحه جُرحًا موثقًا، ولم يبقَ أحدٌ من بني عامر وضَبّة إلا وأُصيبَ عنده. قال سيف: وكان آخر مَن قاتل عليه زُفَر بن الحارث، وزِمامُه بيده وهو يقول: [من الرجز]

стр. 2678

يا أمَّنا يا عَيشَ لن تُراعي وزحف إليه القعقاع بن عمرو وصاح: اعقِروا الجملَ الملعون قبلَ أن تُصابَ أمُّ المؤمنين. وحكى عروةُ عن عائشة قالت: جال الناسُ حولي جَولةً، فصرتُ مثل اللُّجَّة، ولو قَدرتُ على الخلاصِ لبادرتُ إليه، وحمل بُجَير بن دُلْجة الضّبي الكوفي، فقطع بِطانَه، وعَقره، وقطع ثلاث قوائم من قوائمه، فبرك. وقال بُجَير: رأيتُ قومي قد فَنوا عليه، فأبقيتُ بعَقْره على مَن بقي منهم. ووقع الهَوْدج على الأرض وجعلت تقول: يا بَنيّ، البقية البقية. وقال سيف: وجاء محمد بن أبي بكر وعمار فاحتملاه ووضعاه، فأدخل محمد يَده فيه ليَنظر هل أُصيبت عائشة أم لا، وكان علي ﵇ قد قال لما وقع الهَوْدج: انظر أختَك هل أصابها شيء؟ أو وصل إليها شيء؟ فلما أدخل يده قالت له: مَن أنت؟ قال: ابن الخَثْعمية، قالت: محمد؟ قال: نعم، قالت: بأبي أنت وأمّي، الحمد لله الذي عافاك، ورأى خُموشًا في يدَيها، وأصابها مِشقص في عَضُدها فأخرجه منها، وبقي الجمل والهودج مثل القنفد من كثرة النُّشّاب. وفي رواية أن عائشة قالت له: مَن أنت؟ قال: أخوك محمد البارّ، فقالت: أنت مُذَمَّم عُقَق، أو عَقَقْتَ، وقال لها عمار: يا أُمّاه، كيف رأيتِ ضَربَ بنيك اليوم؟ فقالت: لستُ لك بأُم، فقال: بلى وإن كرهتِ. قال الهيثم: وجاء أعين بن ضبَيعَةَ المجاشعي، فاطّلع في الهَوْدَجِ وقال: ما أرى فيه حُميراء، فدعت عليه بكشفِ العَورة، فقُتل بالبصرة، ورُمي بها في خَرِبةٍ بادية عورتُه. وقال الهيثم وغيره: ضرب عليها محمد فُسطاطًا. وقال البلاذري: وجاء أمير المؤمنين، فوقف على الهَودج، وضربه برُمحه وقال: إن حميراء أختُ إرَم، هذه أرادت أن تَقتلني كما قتلت عثمان (١).

стр. 2679

واختلفوا في الذي قال لها أمير المؤمنين على أقوال: أحدها: ما ذكره البلاذري. والثاني: أنها قالت: مَلكْتَ فأسْجِحْ، وهذا مَثَلٌ للعرب (١)، والإسْجاحُ حسن العفو. والثالث: أنه ضرب الهودج برُمحه وقال: يا حُميراء، الله أمرك بهذا، إنما أمرك بالقَرار في بيتك، واللهِ ما أنصفَك مَن أخرجَك، صانوا حَلائلَهم وأبرزوك، فلم تقل شيئًا. وقال سيف: ووقف عليها علي وقال: السلام عليك يا أمّاه، فقالت: وعليك السلام يا بُنيّ، فقال: يَغفر الله لك، فقالت: ولك. وقال ابن إسحاق والواقدي: ولما انهزم الناس يُريدون البصرة رأَوا الجمل قائمًا، فأطافت به مُضَر، فقالت عائشة لكعب بن سُور: خلِّ رأسَ البعير وخُذِ المصحف، ففعل، فرَشَقوه رَشْقًا واحدًا فقتلوه، ولما رأت عائشة اشتدادَ الأمر جعلت تصيح بأعلى صوتها: يا بَنيّ، البقيّةَ البقيّةَ، اذكروا الله واليوم الآخر، وهم يَأبَون إلا القتال، فصاحت: أيها الناس، العَنُوا قتَلَةَ عثمان وأشياعَهم. وكان القتال من وقت السَّحَرِ إلى نصف النهار، وذلك في يوم الخميس عاشر جمادى الآخرة في أظهر الروايات، وقيل في مُنتَصَف جمادى الآخرة، وكان القتال أوّلَ النهار مع طلحة والزبير، وفي وَسَطه مع عائشة. وظهر الخللُ في الفريقين، وكثُرت القتلى، وعَظُمت الجراحات، ولم يكن في وقعةٍ قط أكثر من يد مَقطوعةٍ منها، لا يُدرى مَن صاحبُها، فلما فَنِي الكُماة قال أميرُ المؤمنين ومعظم فُرسان طلحة والزبير: مادام هذا الجمل الملعون قائمًا لا يبقى أحد من الفريقين، فقصدوه. وقال سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان لا يجيءُ أحدٌ فيأخذ بزِمام الجمل إلا يقول: أنا فلان بن فلان.

стр. 2680

قال سيف: فوالله ما بَقي يومئذ أحدٌ من بني عامر شيخ إلا وأُصيب قُدَّامَ الجمل. وحكى الطبري عن أبي رجاء قال: بينما أنا أمشي يوم الجمل، إذا برجل يَفْحَصُ برجليه ويقول: [من الطويل] لقد أورَدَتْنا حَوْمةَ الموت أُمُّنا … فلم نَنْصرف إلّا ونحن رِواءُ أطعْنا قُريشًا ضَلَّةً من حُلومنا … ونُصرتنا أهلَ الحجازِ عَناءُ من أبيات، قال: فقلتُ له: قل لا إله إلا الله، فقال: من أين أنت؟ فقلتُ: من أهل الكوفة، فقال: في أُذني ثِقَل ما أسمع ما تقول، ادْنُ مني، فدنوتُ منه، فوثب على أُذني فاصطَلَمها وقال: إذا أتيتَ أُمّك فقل لها: عُمير بن الأهلَب فَعل بي هذا (١). وقيل: إن أمَّ هذا المقتول قُتل لها ابنٌ آخر، فلما مَرَّت بهما، ورأتهما قتيلين قالت: [من المتقارب] شهدتُ الحروبَ فشَيَّبْنني … فلم أرَ يومًا كيوم الجَملْ أمَرَّ على مُؤمنٍ فتنةً … وأقْتلَه لشجاعٍ بَطَلْ فليت الظَّعينةَ في بيتها … وليتك عَسْكَرُ لم تُرتحل عسكر اسمُ جمل عائشة (٢). وقال أبو اليقظان: مَرّوا على صبيٍّ يَفْحَصُ برجليه وقال: أنا قَتيلُ المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين. وقال سيف عن محمد وطلحة: لما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة فأدخلها البصرة، وأنزلها في دار عبد الله بن خَلَف الخُزاعي، على صفية بنت الحارث بن طلحة، وهي أمُّ طَلْحة الطَّلْحات، وبكت عائشة بكاء شديدًا وقالت: وَدِدتُ أني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال هشام: واتفق أن أمير المؤمنين قال ذلك في ذلك الوقت، فخرج كلامُهما في وقتٍ واحد.

стр. 2681

قال أبو اليقظان: ويُقال: إنها قالت: وَدِدتُ أني ثَكلت عَشرةً من الولد من رسول الله ﷺ ، كلُّهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولم أسِر إلى البصرة. وقال أحمد بإسناده عن عَمرو بن غالب قال: انتهيتُ إلى عائشة أنا وعمار والأشتر، فقال عمار: السلام عليك يا أُمَّتاه، فقالت: السّلام على مَن اتّبع الهدى، حتى أعادها ثلاثًا أو مرتين، ثم قال: أما والله إنك لأمي وإن كرهتِ، قالت: فمَن هذا معك؟ قال: الأشتر، قالت: أنت الذي أردتَ أن تَقتل ابنَ أختي؟ قال: نعم، قد أردتُ ذلك، فقالت: أما إنك لو فعلتَ ما أفلحتَ، وأما أنت يا عمار، فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحلُّ دمُ امرِئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث … " الحديث (١). وقال الواقدي: وجيءَ بمروان بن الحكم أسيرًا إلى بين يدي أمير المؤمنين، فشفع فيه الحسن والحسين فأطلقه، فقالا: ألا يُبايُعك؟ فقال: قد بايَعَني يوم قُتل عثمان، لا حاجةَ لي في بَيعتِه، إنها كفٌّ يهودية، أما والله إن له أمارة كلَعْقَةِ الكلبِ أنفَه، وسيرى الناسُ من نَسلِه يومًا أحمر. وقيل: إن مروان استجار ببيتٍ من عَنَزة. وقيل: إن عائشة ضَمَّتْه إليها مع مَن ضَمّت من المجروحين؛ كابن الزبير وغيره. قال: وأما عبد الله بن عامر فأمَّنه رجلُ من بني حُرقوص، وأخرجه إلى الشام، وأما عبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم بن أبي العاص فلحجا في البرية، فلَقيهم عِصمةُ بن أُبير فأمَّنهما، وأخرجهما إلى الشام. ذكر عَدد أصحاب الجمل واختلفوا فيهم على أقوال: حكى سيف عن محمد وطلحة قالا: كان قتلى الجمل عشرةُ آلاف، نصفُهم من أصحاب علي، ونصفُهم من أصحاب عائشة، من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمس

стр. 2682

مئة، ومن مُضر ألفان وخمس مئة، وخمس مئة من قيس، وخمس مئة من تميم، وألف من بني ضَبّة، وخمس مئة من بكر بن وائل، والباقون من الأعراب. وقال هشام: كان مع أمير المؤمنين، ثلاثون ألفًا. وقال الواقدي: كان مع علي عشرون ألفًا، ومع عائشة خمسة عشر ألفًا. وقال الهيثم: كان مع علي اثنا عشر ألفًا، ومع عائشة ثمانية آلاف. وقال ابن الكلبي: قُتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف، وقيل ثلاثة عشر ألفًا، ومن أصحاب علي ألف. وقيل: من أهل البصرة عشرة آلاف، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. وحكى الطبري عن سعيد القُطعي قال: كنا نُحدّث أن قتلى يوم الجمل [يزيدون على ستة آلاف. وحكى الطبري عن ابن أبي يعقوب قال: قتل علي يوم الجمل] ألفين وخمس مئة؛ ألفًا وثلاث مئة وخمسين من الأزْد، وثمان مئة من بني ضَبَّة، وثلاث مئة وخمسين من سائر أفناء الناس (١). قال هشام: وكانت الوَقعةُ يوم الخميس منتصف جمادى الآخرة، وقيل: يوم السبت. وقال سيف: علم أهلُ المدينة بالوَقْعة في يومها قبل أن تَغرب الشمس، أقبل نَسرٌ ومعه شيءٌ مُعلَّق، فسقط منه كفٌّ وفيها خاتم، فتأمَّلُوه وإذا به خاتم عبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد، وعلم مَن بين مكة والمدينة ممن قَرب من البصرة من الأعراب بيوم الجمل؛ مما نَقلت إليهم النُّسوو من الأقدام والأيدي. وقال سيف: قُتل تسعون شيخًا يوم الجمل من بني عَديّ، كلّهم قد قرأ القرآن سوى الشباب.

стр. 2683

قال: وقالت عائشة: ما زلتُ أرجو النّصر حتى خَفيتْ أصواتُ بني عدي. ذكر دخولِ أمير المؤمنين البصرة قال هشام: فأقام بظاهر البصرة ثلاثة أيام، وصلّى على القتلى من الفريقين، وجمع ما كان من الأسلاب في العَسكر، وبعث به إلى جامع البصرة وقال: مَن عَرف شيئًا أخذه، وأمر علي بدَفنِ مَوتاهم. وقال سيف عن محمد وطلحة: دخل عليّ البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، وأتاه الناس، ثم راح على عائشة على بَغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خَلَف -وهي أعظم دارٍ بالبصرة- وجد النساء يَبكين على عبد الله وعثمان ابنَي خَلَف؛ قُتل أحدُهما مع علي، والآخر مع عائشة، وصفية بنت الحارث مُتَخمّرة تبكي، فلما رأته قالت: يا علي يا قاتلَ الأحبّة، يا مُفَرّقَ الجمع، أيتم الله بنيك منك كما أيتمتَ ولدَ عبد الله، فلم يردَّ عليها شيئًا، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلّم عليها، وقعد عندها وقال: جَبَهَتْنا صفية، أما إني لم أَرَها منذ كانت جارية حتى اليوم. فلما خرج من عند عائشة مرَّ عليها، فأعادت عليه ذلك الكلام، فكفَّ بغلتَه ثم قال: أما والله لقد هممتُ -وأشار إلى باب من أبواب الدار- أفتحُ هذا الباب، وأقتل مَن فيه، وكان أناسٌ جَرحى قد لَجؤوا إلى عائشة، وأُخبر علي بمكانهم عندها فتغافل عنهم، فسكتت صفيّة، فقال له رجل من الأزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة، فغضب وقال: لا تَهتكنَّ سِترًا، ولا تَدخلنّ دارًا، ولا تَهيجنّ امرأة؛ وإن شتمنَ أعراضكم، وسَفَّهنَ أمراءكم وصُلحاءكم؛ فإنهن ضِعاف، ولقد كنا نُؤمَر بالكفِّ عنهن وهن مُشركات، فلا يبلغنِّي عن أحدٍ أنه تَعرَّض لامرأة، فأنكِّل به شرار الناس. فلحقه رجل وقال: يا أمير المؤمنين، إن رجلين قد نالا -أو تناولا- مَن هو أَمسُّ بك من صفيّة، قال: لعلها عائشة، قال: نعم، قام أحدهما على باب الدار فقال: [من الرجز] جُزيتِ عنا أمَّنا عُقوقا

стр. 2684

وقال الآخر: يا أمَّنا تُوبي من خروجك لقد أخطأتِ، فأرسل القعقاع بنَ عمرو إلى الباب، وأراد أن يَضرب عُنق الرجلين فضربهما مئةً مئة، وأزال مَن كان بالباب. وهذا قول سيف. وأما هشام والواقدي والهيثم فإنهم قالوا: لما دخل علي مسجدَ البصرة صلَّى ركعتين، ثم خطب خُطبته المعروفة؛ حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله، وعَظَّم حق الإسلام، وخَوَّفَ من الفتن، ثم قال: يا أهل البصرة، ويا جُندَ المرأة، دِينكم نِفاق، وماؤكم زُعاق، وعهدُكم شِقاق، دعاكم الشيطان فأجبتموه، المقيمُ بين أظهركم مُرتَهن بذَنْبه، والشَّاخصُ عنكم مُتَدارَكٌ برحمة الله، كأني والله أنظرُ إلى مسجدكم هذا قد بعث الله عليه العذابَ من فوقه ومن تحته، فهو كجُؤجئ سفينة، أو كنَعامةٍ جاثمة، أو كجُؤجُئ طائرٍ في لُجَّةِ بحر، أرضكم بعيدةٌ من السماء، قريبةُ من الماء، خَفَّتْ عُقولُكم، وسَفِهتْ أحلامُكم، في ألفاظٍ أُخَر (١). قال الجوهري: الماء الزُّعاق: المالح (٢). وقال سيف عن محمد وطلحة قالا: بايع الأحنف بن قيس عليًّا من عَشيَّة ذلك اليوم؛ لأنه كان خارجًا مع بني سعد، ثم دخل البصرة، وبايع أهلُ البصرة عليًّا وهم على راياتهم. قال: ولما فرغ علي من بيعةِ أهل البصرة نظر في بيت مال البصرة، فإذا فيه ست مئة ألف درهم، وقيل: ست مئة ألف ألف، فقسمها فيمن شهد معه الوَقْعة، فأصاب كلُّ واحدٍ خمس مئة درهم خمس مئة درهم، وقال: إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلُها إلى أُعطياتكم، وخاض في ذلك السبئيَّة، وطعنوا على عليّ من وراء وراء. قال سيف: وكان من سيرة علي أنه لا يَقتل مُدبرًا، ولا يُدَفِّفُ على جريح، ولا يَكشف سترًا، ولا يَأخذ مالًا، فقال قوم يومئذٍ: ما الذي أحلَّ لنا دماءهم وحَرَّم علينا أموالهم، وبلغ أمير المؤمنين فقال: القومُ أمثالكم، مَن صَفح عنا فهو منا ونحن منه،

стр. 2685

وإن لكم في خمس مئة لغُنية، فيومئذ تكلَّمت الخوارج. وحكى الطبري عن ابن كُليب، عن أبيه قال: لما فرغوا يومَ الجمل أمرني الأشتر فانطلقتُ، فاشتريتُ له جملًا بسبع مئةِ درهم من رجل من مَهْرة، وقال: انطلق به إلى عائشة، وقل لها: بعث به إليك مالك بن الحارث وقال: هذا عِوض من بعيرك، قال: فانطلقتُ به إليها، وقلت لها: مالك بن الحارث يُقرئك السلام ويقول كذا وكذا، فقالت: لا سَلَّم الله عليه، يَقتل يُعسوب العرب محمد بن طلحة السَّجَّاد، ويَفعل بابن أختي ما فعل، ويُسلّم عليَّ؟ رُدَّه إليه، قال: فردَدْتُه إليه، وأخبرتُه بما قالت، فقال: أراد قتلي فما كنتُ أصنع (١)؟! ذكر جَهاز عائشة إلى المدينة قال سيف: وجَهَّز أمير المؤمنين عائشة أحسنَ جَهاز؛ بكلِّ شيءٍ يَنبغي لها من مَركب وزادٍ ومَتاع، وأخرج معها كلَّ من نجا ممن خرج معها إلا من أحبَّ المقام، واختار لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: يا محمد، تَجهَّز معها. فلما كان اليوم الذي تَرتحل فيه جاءها فوقف لها، وحضر الناس، وخرجت فودَّعها ووَدَّعتهم وقالت: يا بَنيّ، والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على مَعتبتي عليه عندي لمن الأخيار، وذكرتْ كلامًا في هذا المعنى. وقال علي: أيها الناس، صَدقتْ والله وبَرَّت، ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لَزوجةُ نبيكم في الدنيا والآخرة. فخرجت يوم السبت غُرَّة رجب سنة ستّ وثلاثين، وشيَّعها علي أميالًا، وسَرَّح بنيه معها يومًا. وهذه رواية سيف عن محمد وطلحة. وقد اختلفوا في جهاز عائشة، فقال الواقدي: أعطاها علي اثني عشر ألفًا، فاستقلّها عبد الله بن جعفر، فدفع إليها ضِعفها. وقال أبو اليَقظان: أرسل علي عبد الله بنَ عباس إلى عائشة يَأمرها بالمسير إلى المدينة، فدخل عليها عبد الله بغير إذنها، فوجد عندها وِسادة فقعد عليها، فقالت له:

стр. 2686

يا ابن عباس، أخطأتَ السُّنة، دخلتَ علينا بغير إذنِنا، وجلستَ على وسادتنا بغير أمرنا! فقال لها: لو كنتِ في البيتِ الذي خَلَّفكِ رسول الله ﷺ ما فعلنا ذلك إلا بإذنك وأمرك، إن أمير المؤمنين يَأمُرك بسرعةِ الأوبَةِ إلى دار قَرارك، فامتنعتْ، فقال: إنه أمير المؤمنين، وقد عرفتيه، فأجابت. ثم جاءها أمير المؤمنين ومعه بنوه فقالت: أحبّ أن أكون معك أُجاهد عدوَّك، فقال: رُجوعُك إلى البيت الذي أمرك الله بالقَرار فيه أَولى. وسألتْه في مروان وابن الزبير وبني أمية فأمنهم، وجهَّز معها أخاها عبد الرحمن في جماعة من شيوخ الصحابة، وبعث معها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة، وذوات الدّين من هَمْدان وعبد القيس، وأمرهنَّ بلُبس العَمائم وتَقَلّد السيوف، ثم قال لهن: لا تُعلمنها أنكن نِسوة، وتلثَّمن مثلَ الرجال، وكنَّ حولها من بعيد ولا تقرَبْنها. وسارت على تلك الحال، فأقامت بمكة حتى حَجَّت، واجتمع إليها نساء أهل مكة يبكين وهي تبكي، وسُئلت عن مَسيرها فقالت: لقد أعطى علي فأكثر، ولكنه بعث معي رجالًا. وبلغ النساء فأتينها، وكشفن عن وُجوههن، وعرَّفْنَها الحال، فسجدت وقالت: والله لا يَزداد ابنُ أبي طالب إلا كرمًا (١). وروى سيف عن محمد وطلحة قالا: قصدت عائشة مكة، وانصرف مروان والأسود ابن [أبي] البَخْتَريّ من الطريق إلى المدينة، وقيل: إنه لحق بمعاوية، وقيل: إنه لم يرجع إلى المدينة حتى لحق بصفّين، وأقامت بمكة حتى حجّت، وعادت إلى المدينة. وقال هشام: ولما دخلت على أم سلمة بكت، وبكت أمُّ سلمة، وجعلت تتذكر قولَها وتبكي. وروى الخطيب بإسناده إلى هشام بن عروة، عن أبيه قال: ما ذكرت عائشة مَسيرها قط إلا بكت؛ حتى تَبُلَّ خمارها وتقول: ليتني كنتُ نسيًا مَنسِيًّا. قال سفيان: النَّسيُ المنسِيّ: الحَيضة الملقاة (٢).

стр. 2687

وأنبأنا جدي بإسناده عن قيس بن أبي حازم، عن عائشة أنها كانت تقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ولم أكن خرجتُ على علي، كان أحبّ إليّ من أن يكون لي من رسول الله ﷺ عشرة من الولد؛ كلهم مثل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١). وقد ذكرناه. وفي الباب حديثان يَتعلّقان بهذا المعنى؛ أحدهما: أخرجه البخاري عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله تعالى بكلمةٍ سمعتُها من رسول الله ﷺ أيام الجمل، بعد ما كدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتلَ معهم، وهي أنه لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس مَلّكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يُفلحَ قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة" (٢)، أشار إلى بُوران بنت كسرى؛ فإن الأمور اختلَّت في زمانها، فكذا كلُّ امرأةٍ تولَّت أمرًا تحتاج فيه إلى الإشهار والرأي، ولهذا إن المرأة لا تَلي إمامةَ الرجال، والإمارةَ، والجمعة، والموسمَ، والقضاءَ ونحوه، لأن مَبنى حالهنّ على السّتر. والحديث الثاني: قال أحمد بإسناده عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ"، فقال علي: أنا؟ قال: "نعم"، قال علي: فإذًا أنا أشقاهم، قال: "لا، ولكن إذا كان ذاك فاردُدْها إلى مأمنها" (٣). إلّا أن هذا الحديث ضعيف، ذكره جدي في "الواهية" (٤). وذكر الزمخشري في كتاب "ربيع الأبرار" عن جُميع بن عُمير قال: دخلتُ على عائشة فقلتُ لها: مَن كان أحبَّ الناس إلى رسول الله ﷺ ؟ فقالت: فاطمة، فقال: إنما سألتُكِ عن الرجال، فقالت: زوجُها، وما يَمنعُه، ولقد كان والله صوّامًا قوَّامًا، قال: فما حمَلَك على قتاله؟ فأرسلتْ خِمارها على وجهها وبكت، وقالت: أمرٌ قُضي (٥). وذكر ابن عبد ربه في كتاب "العقد" وقال: قال المغيرة بن شُعبة: دخلتُ على عائشة

стр. 2688

بعد رُجوعها من البصرة، فقالت له: يا أبا عبد الله، لو رأيتَني يومَ الجمل وقد أنفذ النبلُ هَودجي حتى وصل بعضُه إلى جِلدي، فقال لها المغيرة: وَدِدْتُ أن بعضَه قتَلك، قالت: ولمَ؟ قال: لعلَّه أن يكون كفارة لك على سَعْيك على عثمان، فقالت: أما والله لئن قلتَ ذلك لقد علم الله أنني ما أردت قَتلَه، ولكنني أردتُ أن يُقاتَل فقوتلتُ، وأردتُ أن يُرمى فرُميتُ، وأردتُ أن يُعصى فعُصيتُ، ولو علم الله مني أنني أردتُ قتلَه لقُتلتُ (١). قال سيف: وأعجلت السبئيَّةُ أمير المؤمنين، وارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليَقطع عليهم أمرًا كانوا أرادوه. انتهت وَقعةُ الجمل، وبينها وبين الهجرة خمس وثلاثون سنة وأشهر، وسار أمير المؤمنين إلى الكوفة عقيب مسير عائشة، فقدم الكوفة لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب، فأقام بظاهرها، وكان الأشعث بن قيس عاملًا على أرمينية وأذربيجان لعثمان، فعزله عنها لأمرٍ بلغه عنه، وحقدها عليه الأشعث، وما كانوا يُولّون مَن ارتدّ عن الإسلام ثم أسلم. حديث زياد بن أبيه مع علي ﵇ وولاية علي ابن عباس البصرة حكى سيف عن أشياخه قالوا: كان زياد بن أبيه مُقيمًا بالبصرة، ولم يشهد الوقعة، واعتزل الفريقين، وجلس في بيته، وجاء عبد الرحمن بن أبي بكرة إلى أمير المؤمنين مُستأمنًا، فسلّم عليه فردّ السلام وقال: عمُّك من المتربِّصين علي، المتقاعدين بي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله لك لَوَادٌّ، وعلى مَسرَّتِك لحريص، وهو في بيت نافع بن الحارث مريض، وقيل: إن علي لما سأله عنه كتم مكانه، فقال له أمير المؤمنين: لا بأس عليك، امشِ أمامي، ففعل، فلما دخل عليه قام زياد من فراشه، فسلّم عليه أمير المؤمنين وقال له: تقاعدتَ عني، ووضع يده على صدره وقال: هذا عُذرٌ بَيِّن، فاعتذر إليه زياد فقبل عُذرَه وأكرمه، وأراده على ولاية البصرة، وكان له عند علي مكانة،

стр. 2689

فامتنع من الولاية وقال: وَلِّ رجلًا من أهل بيتك تطمئنُّ إليه الناس، وسأشير عليه وأكفيك، فولّى عبد الله بن عباس إمارةَ البصرة، وولّى زيادًا الخراجَ وبيتَ المال، وأمر ابنَ عباس أن يسمعَ له ويُطيعَ، ففعل. وكان ابن عباس يقول: استشرتُ زيادًا في هَنَةٍ كانت من الناس، فقال: إن كنتَ تعلم أنك على الحق، وأن غيرك على الباطل ممن خالفك؛ أشرتُ عليك بما ينبغي، قال: فقلتُ: إني على الحق، وهم على الباطل، قال: اضرِبْ بمن أطاعك مَن عصاك، ومَن ترك أمرك فاقتُله، فعلمت أنه قد اجتهد رأيَه، قال: فلما وُلِّي رأيتُ ما صنع، وعلمت أنه قد أجهد لي رأيَه. قال الواقدي: لما قدم أمير المؤمنين الكوفة لم يَنزل قصر الإمارة الذي كان يَنزله الأُمراءُ قبلَه، وإنما نزل برَحْبَة الكوفة في أخصاص كانت بها، وكان معاوية قد أظهر الخلاف لما قال أمير المؤمنين: والله لا أُقرُّه على عمله، فقال معاوية: والله لا أَلي له ولاية، ولا أُبايعه، ولا أقدم عليه. وكان جرير بن عبد الله البَجَلي عاملًا لعثمان على همذان، فاستقدمه أمير المؤمنين بعد أن أخذ له البيعةَ على أهل همذان، فلما قدم عليه قال: يا جرير إني أريد أن أبعثك إلى معاوية؛ تأخُذَ لي عليه البيعة. ذكر إرسال جرير إلى معاوية وكتاب علي ﵇ إليه قال أبو جعفر الطبري عن عَوانة قال: لما قال علي ﵇ لجرير إني أريد أن أبعثَك إلى معاوية، قال له جرير: ابعثني إليه فإنه لي وَادٌّ، فأدعوه إلى طاعتك، فشاور علي أصحابَه، فقال له الأشتر: لا تبعثه، فوالله إني لأظنّ أن هواه معه، فقال علي ﵇: دعه حتى نَنظر ما الذي يَرجع به إلينا، فبعثه إليه، وكتب معه كتابًا يُعلمه فيه اجتماعَ المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير، وما كان من حَربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. هذا قول الطبري (١). وقال هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه: كتب أمير المؤمنين إلى معاوية: أما بعد:

стр. 2690

فإني قد لزمَتْك بيعتي وطاعتي في المدينة وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يَختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنما الشّورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل ونَصبوه إمامًا كان ذلك رضًى لله، فإن خرج عن أمرهم خارج رَدُّوه إلى ما خرج منه، فإن أبي قاتلوه على اتّباعه غيرَ سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. ثم إن طلحة والزبير بايعاني، ثم نَقضا بيعتي، وكان نقضُهما كردّهما، فجاهدتُهما بعد ما أعذرتُ إليهما، حتى جاء الحقُّ وظَهر أمرُ الله وهم كارهون، ومَن نكث فإنما يَنكثُ على نفسه، فادخُل فيما دخل فيه المسلمون، ولا تتعرَّض للبلاء، فإن عصيتَ قاتلتُك واستعنتُ بالله عليك، وقد بلغني إكثارُك في قَتَلَة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمهم إليّ أحملْكم على كتاب الله. وأما التي تُريدها فهي خُدعة الصبي عن اللبن، ولَعمري لئن نظرتَ بعين عَقلك دون عين هواك لَتجدَنّي أبرأَ الناس من دم عثمان، وقد علمتَ أنك من الطُّلقَاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تجوزُ لهم الشورى، وقد بعثتُ إليك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة والصحبة، فبايع ولا قوَّةَ إلا بالله والسلام (١). وقد ذكر القصة محمد بن إسحاق والواقدي وقال: قال له جرير: هذا كتاب أمير المؤمنين يدعوكم إلى الدخول في طاعته، فقد اجتمع له الحَرمان، والمِصران، والعراقان، والحجاز، واليمن، ونَجران، واليمامة، وعُمان، ومصر، وفارس، وخُراسان، ولم يبقَ إلا بلادكم هذه، فإن سال عليها وادٍ من أوديته غَرّقها. رجع الحديث إلى هشام قال: فلما قدم عليه جرير ماطَلَه، ودعا عمرو بن العاص، فاستشاره فيما كتب به إليه، فأشار عليه أن يُلزمَ أميرَ المؤمنين دمَ عثمان، ويقاتله بأهل الشام، وكان قميص عثمان معلَّقًا على منبر دمشق ومعه أصابع نائلة، والناس يَنتابونه من كلِّ ناحية، ومعاوية يُؤلِّبُ على أمير المؤمنين، ويستعدُّ لقتاله، وَيبذل الأموال، ويتقوَّى بالسلاح.

стр. 2691

فلما يئس منه جرير طلب الانفصال عنه، فكتب إلى أمير المؤمنين جوابَ كتابه: أما بعد: فإنه لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريءٌ من دم عثمان، كنتَ كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريتَ المهاجرين والأنصار بعثمان، وخَذّلتهم عنه، حتى أطاعك الجاهلُ، وتقوَّى بك الضعيف، وقد عَزم أهلُ الشام على قتالك؛ اللهمَّ إلا أن تَدفع إليهم قتلةَ عثمان فيكفُّوا عنك، وتَجعل الأمر شورى بين المسلمين، ويكون ذلك بالشام لا بالحجاز، فأما سابِقتُك في قريش، ومكانتُك من رسول الله ﷺ فإني لا أدفعُه والسّلام. وكتب بأسفله أبياتَ كعب بن جُعيل قال: [من المتقارب] أرى الشام تكره أهلَ العراق … وأهلُ العراق لهم كارهونا وكلٌّ لصاحبِه مُبغِضٌ … يَرى كلَّ ما كان من ذاك دِينا إذا ما رَمَوْنا رَمَيناهمُ … ودِنَّاهُم مثلَ ما يُقرِضونا وقالوا عليٌّ إمامٌ لنا … فقلنا رَضِينا ابنَ هندٍ رضينا وقالوا نرى أن تَدينوا له … فقلنا لهم لا نَرى أن نَدينا وكلٌّ يُسَرُّ بما عنده … يَرى غثَّ ما في يديه سَمِينا من أبيات (١). فلما قدم جرير على أمير المؤمنين أخبره خبر معاوية، واجتماعَ أهل الشام معه على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان، ويقولون: إن عليًّا قتله، وأنهم لا ينتهون عنه حتى يَقتلهم أو يَقتلوه. فقال له الأشتر: قد كنتُ نهيتُك أن تبعثَ جريرًا، وأخبرتُك بعداوته وغِشّه، ولو بعثتَني كان خيرًا من هذا الذي أقام عنده؛ حتى لم يَدَع بابًا يُرجى فتحُه إلا فتحه، ولا بابًا يُخاف منه إلا أغلقه. فقال له جرير: والله لو كنتَ هناك لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قَتَلة عثمان. فقال الأشتر: أما والله لو أتيتُ معاوية لحملتُه على خُطَّةٍ أُعجلُه فيها عن الفكر، ولو

стр. 2692

طاوَعَني أميرُ المؤمنين لحبسَك وأمثالك من أهل الظنَّة في مجلس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور. فخرج جرير إلى قَرْقِيسياء، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه يَأمره بالقدوم عليه، وخرج علي ﵇ فعسكر بالنُّخَيلة، وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة. وقال ابن إسحاق والواقدي: قال جرير للأشتر: ما يَمنعك من إتيانهم الآن؟ فقال الأشتر: بعد أن أفسَدْتَهم، والله ما أحسِبُك أتيتَهم إلا لِتَتَّخِذَ عندهم يدًا، والدليل عليه أنك تُخَوِّفُنا بكثرة جُموعهم. فخاف جرير مما استقبلَه به الأشتر، فخرج من الكوفة ليلًا في أُناسٍ من أهل بيته، فلحق بقَرْقِيسياء، وهي كُورةٌ من كُوَر الجزيرة. وبلغ عليًّا فغضب، وأمر بإحراق دارِه، فخرج أبو زُرعة بن عمرو بن جرير فقال: إن كان إنسانٌ واحدٌ قد أجرم، فإن في هذه الدار أَناسيَّ كثيرًا لم يُجرِموا، فقال علي: أستغفر الله، ثم خرج. وقال هشام، عن أبيه: وأمر أمير المؤمنين عبد الله بن الحر (١) أن يكتبَ جوابَ كتاب معاوية، فكتب إليه: أما بعد: فقد أتاني كتابُ أمير (٢) ليس له بَصرٌ يَهديه، ولا قائدٌ يُرشِده، دعاه الهوى فأجابَه، وقادَه فاتَّبعه، زعمتَ أني خَذّلت عن عثمان، ولَعمري إني ما كنتُ إلا كواحدٍ من المهاجرين والأنصار، أُوردتُ كما أورِدوا، وأصدِرتُ كما أُصدروا. وأما قولُك عن الشورى وأهلِ الشام، فمَن بالشام ممن يَصلح للخلافة؟ فإن سمَّيتَ واحدًا كذَّبك الله ورسولُه والمسلمون، وأما اعترافُك بسَوابقي؛ فلو استطعتَ دفعتَها، ولكنك عاجزٌ عن ذلك، ثم كتب في أسفل الكتاب: [من المتقارب] مَعاويَ دعْ عنك ما لا يكونا … وقَتْلةَ عثمان إذ تَدَّعونا أتاكم عليٌّ بأهل العراقِ … وأهلِ الحجاز فما تَصنعونا

стр. 2693

من أبيات، وأرسله إلى معاوية (١). فصل في حديث قيس بن سعد بن عبادة وتوليته مصر قد ذكرنا أن أمير المؤمنين ولَّى قيس بن سعد مصر عَقيب قتلِ عثمان، وأنه دخلها، وأنهم افترقوا عليه، وتوقَّف أهلُ خَرِبْتا حتى يَتَّضح الأمر. وحكى القصةَ هشام بن محمد، عن أبي مِخنَف، عن محمد بن يوسف بن ثابت، عن سهل بن سعد قال: لما قُتل عثمان وولي علي دعا قيس بنَ سعد بن عُبادة الأنصاري فقال له: سِرْ إلى مصر فقد وَلَّيتُكها، واجمع إليك ثقاتك، ومَن أحببتَ أن يَصحبَك، حتى تأتيها ومعك جُند، فإن ذلك أرْعَبُ لعدوِّك، وأعزُّ لسُلطانك، فإذا قَدمتَها فأحسنْ إلى المحسِن، واشْدُد على المريب، وارفُق بالعامَّة والخاصة، فإن الرِّفقَ يُمن، وقال (٢): أمّا الجُنْد فدَعْهم عندك عُدَّةً لك، وأمّا أنا فأسيرُ بنفسي وأهلِ بيتي، وبالله المستعان. وخرج قيس في سبعة نَفَرٍ حتى دخل مصر، فصعِد المنبر، فقعد عليه، وقرأ كتاب عليّ ﵇ على الناس، وفيه: من عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى مَن بلغه كتابي هذا من المسلمين والمؤمنين، سلامٌ عليكم، أما بعد؛ فإني أحمَدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأُصلِّي على رسوله محمد ﷺ ، وذكر الأنبياء، وأن الله تَوفّى رسولَه، واستخلف بعده خليفتين صالحَين، عَمِلا بالكتاب والسنّة، وأحسنا السيرة، ثم توفّاهما الله على ما كانا عليه، ثم وَلي بعدهما وَالٍ أحدث أحداثًا، فوجَدَت عليه الأمة مقالًا، فنَقَموا عليه وغيَّروه، ثم جاؤوني فبايعوني، ولله عليّ العملُ بكتابه وسنَّةِ رسوله، والنُّصحُ للرعية بالغيب، والله المستعان. وبعثتُ إليكم قيس بنَ سعد بن عُبادة أميرًا، فوازِروه وعاضِدوه، وأعينوه على الحق، وقد أمَرتُه بالإحسان إلى مُحسنِكم، والشدَّةِ على مُريبكم، والرِّفقِ بعوامّكم

стр. 2694

وخواصِّكم، وهو ممَّن أرضى هَديَه، وأرجو صلاحَه ونَصيحتَه، وأسألُ الله لنا ولكم عملًا زاكيًا، وثوابًا جزيلًا، ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله. وكتب عُبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ستٍّ وثلاثين. وقال قيس: أيها الناس، قد جاء الحق وزهق الباطل، وبايَعْنا خيرَ من نعلم بعد نبينا ﷺ ، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن نحن لم نعمل بذلك فلا بيعةَ لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا، واستقامت مصر، وبعث عليها عُمَّاله، إلا أن قريةً من قُرى مصر يقال لها: خَرِبْتا، فيها أناسٌ قد أعظموا قتلَ عثمان، وبها رجلٌ من كِنانة من بني مُدلِج يُقال له: يزيد بن الحارث بن مُدْلِج، فأرسلوه إلى قيس بن سعد: إنا لا نُقاتلك، فابعث عُمَّالك، فالأرضُ أرضُك، ولكن أقِرَّنا على حالنا حتى نَنظرَ ما يصير إليه أمر الناس. ووثب مَسلمة بن مخلّد الأنصاري، فنعى عثمان، ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس بن سعد: ويحك، عليَّ تَثب؟! فوالله ما أحبُّ أن لي مُلكَ مصر إلى الشام وأني قتلتُك، فبعث إليه مَسلمة يقول: إني كافٌّ عنك ما دمتَ والي مصر. وكان قيس بن سعد له حَزمٌ ورأيٌ، فبعث إلى الذين بخَربتا: إني لا أُكرهكم على البيعة، وأكفُّ عنكم. فهادنَهم وهادن مسلمة بن مخلد، وأقام قيس يَجبي الخراج، لا يُنازعه أحدٌ من الناس. وخرج أمير المؤمنين إلى الجمل، ورجع إلى الكوفة وقيس مكانَه، فكان أثقلَ خلقِ الله على معاوية بن أبي سفيان؛ لقُربه من الشام، مخافةَ أن يَصلَ إليه أمير المؤمنين من العراق، ويُقبلَ إليه قيس في أهل مصر، فيقع معاوية بينهما، فأخذ يَخدعُه، فكتب معاوية إلى قيس: من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فإنكم إن كنتم نَقَمتم على عثمان في أثرةٍ رأيتموها، أو ضربةِ سَوطٍ ضربها، أو شَتمةٍ شَتَمها، أو في تسييرٍ سيَّره، أو في استعماله الفيءَ، فقد علمتم أن دمَه لم يكن حَلالًا لكم، فقد ركبتم

стр. 2695

عظيمًا من الأمر، وجئتم شيئًا إِدَّا، فتُبْ إلى الله يا قيس بن سعد؛ فإنك ممّن أعان على عثمان، إن كانت التوبةُ من قتلِ المؤمن تُغني شيئًا. وأما صاحبُك فقد تيقَّنّا أنه الذي أغرى به، وحَمَلهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يَسلم من دمه عُظْمُ قومِك، فإن استطعتَ أن تكون ممَّن يَطلب بدم عثمان فافعل، فإن بايعتَنا على هذا الأمر فلك سُلطان العراقَين، ولمن شئتَ من أهلك سُلطانُ الحجاز ما دام لي سلطان، وسَلْني غير هذا مما تُحبّ، فإنك لا تسألني شيئًا إلا أُوتيتَه، واكتب إلي برأيك فيما كتبتُ به إليك، والسلام. فلما جاءه كتابُ معاوية أحب قيس أن يُدافعَه، ولا يُبدي له أمرَه، ولا يَتعجَّل حَرْبَه، فكتب إليه: أما بعد؛ فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه، فأما ما ذكرتَ من أمر عثمان فذلك أمرٌ لم أُقارِفه، ولم أتَنَطَّف به. وأما قولُك إن صاحبي أغرى الناس بعثمان، فهذا أمرٌ لم نَطَّلع عليه، وذكرتَ أن مُعظم عشيرتي لم يَسلموا من دم عثمان، فأوّلُ الناس فيه قيامًا عشيرتي، ولهم أُسوةٌ غيرهم. وأما ما ذكرتَ من مُبايعتي إياك، وما عرضتَ عليّ؛ فلي فيه نظرٌ وفكرة، وليس هذا مما يُسارَع إليه، وأنا كافٌّ عنك، ولن يَبدوَ إليك من قِبلي شيءٌ تكرهه، والسلام. فلما قرأ كتابَه معاوية لم يره إلا مُباعدًا مُفارِقًا، ولم يأمن مَكيدتَه فكتب إليه: أما بعد؛ فقد قرأتُ كتابَك فلم أرك تدنو فأَعُدُّك سِلمًا، ولم أرك مُباعدًا فأعُدُّك حَرْبًا، وليس مثلى من يُخدَع وبيده أعِنَّةُ الخيل، ومعه أعداد الرجال، والسلام. فلما قرأ قيس كتابَه، ورأى أنه لا يَقبل منه المدافَعة والمماطَلَة، أظهر له ما في نفسه، وكتب إليه: أما بعد، فالعَجَبُ من اغتِرارك يا معاوية، وطمعِك فيَّ، تسومُني الخروجَ من طاعة أَولَى الناس بالإمْرة، وأقومِهم بالخلافة، وأقولِهم بالحق، وأهداهم سبيلًا، وأقربِهم إلى رسوله وَسيلةً، وأوفرِهم فضيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك؛ طاعةِ أبعدِ الناس من هذا الأمر، وأقولِهم بالزُّور، وأضلِّهم سبيلًا، وأبعدِهم من الله ورسوله، ولدِ ضالّين

стр. 2696

مُضلّين، طاغوتٍ ابن طاغوت. وأما قولك: إن معك أعنَّةَ الخيل، وأعدادَ الرجال، فوالله لتُشْغَلَنَّ بنفسك حتى تَتمنّى العَدَم. قال هشام: ولما رأى معاويةُ قيس بنَ سعد لا يَلينُ له كاده من قِبَل أمير المؤمنين. وكذا روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه بإسناده، عن الزهري، وحكى الطبريّ طرفًا منه قال: كان قيس بن سعد من ذوي البَأس، صاحبَ راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، فكان على مصر من قِبَل علي ﵇، وكان معاوية وعمرو بن العاص جاهدَين على أن يُخرجاه منها ليَغلِبا عليها، وكان قد امتنع منهما بالدَّهاء والمكايدة، فلم يقدرا على أن يَفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيس بنَ سعد من قبل أمير المؤمنين. فكان معاوية يُحدِّث رجالًا من ذوي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعتُ قطّ مُكايدةً كانت عندي أعجبَ من مَكيدةٍ كِدتُ بها قيس بنَ سعد من قبل علي وهو بالعراق، حين امتنع مني قيس، قلتُ لأهل الشام: لا تسبُّوا قيسًا فإنه لنا شِيعةٌ، وتأتينا كُتُبه ونصائحُه سرًّا، ألا ترون ما فعل بإخوانكم أهل خَرِبتا؛ يُجري عليهم أُعطياتهم وأرزاقَهم، ويُحسن إليهم. قال معاوية: وكتبتُ إلى جواسيسي بالعراق يَتحدَّثوا به، فرفعه إلى علي محمد بنُ أبي بكر وعبد الله ومحمد ابنا جعفر بن أبي طالب، فلما بلغ عليًّا اتهم قيسًا، وكتب إليه يأمُره بقتال أهل خَرِبْتا، وأهلُ خربتا يومئذ عشرةُ آلاف، فأبى قيس أن يُقاتلهم، وكتب إلى علي: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم، وأهل الحِفاظ منهم، وقد رَضُوا مني أن أؤمِّن سِربَهم، وأُجري عليهم أرزاقهم، وقد علمت هواهم مع معاوية، فلستُ مُكايدهم بأمرٍ أهون علي وعليك من الذي أفعل بهم، فلو غَزوناهم كانوا أشدَّ العرب، وهم أُسود، منهم بُسْر بن أرطأة ومَسلمة بن مخلَّد ومعاوية بن حُديج، فذرني فأنا أعلم بما أُداري به منهم. فكتب إليه علي: لا بدَّ من قتالهم، فكتب إليه قيس: إن كنتَ تَتَّهمني فاعزلني عن

стр. 2697

عملك، وابعث إليه غيري، فبعث إليه علي الأشترَ أميرًا على مصر، حتى إذا صار بالقُلْزُم شرب شَربة من عسلٍ كان فيه حتفُه، فبلغ أمره معاوية فقال: إن لله جنودًا من عَسَل، وبلغ عليًّا موتُ الأشتر، فبعث محمد بنَ أبي بكر أميرًا على مصر (١). قلت: والأصحُّ أن أمير المؤمنين بعث الأشتر على مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، وأن الأشتر حَضر حروب صفّين لما نذكر في موضعه، وقد نص عليه هشام بن محمد. وقال هشام بن محمد، عن أبي مِخْنَف -وجه آخر في حديث قيس بن سعد ومعاوية- قال: لما أيس معاوية من قيس بن سعد مُتابَعته على أمره، شقَّ عليه لما يَعرف من حَزْمِه وبأسِه، فأظهر للناس أن قيسًا قد بايعه، واختَلقَ معاوية كتابًا، فقرأه على أهل الشام، وفيه: أما بعد، فإني لما نظرتُ رأيتُ أنه لا يَسَعُني مُظاهرةُ قومٍ قتلوا إمامَهم مُحرمًا مسلمًا بَرًّا تقيًّا مستغفِرًا، وإني معكم على قَتَلَتِه بما أحبَبْتُم من الأموال والرجال، متى شئتم عَجِلتُ إليكم. قال: فشاع في الشام أن قيسًا قد بايع معاوية، وبلغ ذلك أمير المؤمنين، فأكبر ذلك وأعظمَه، فقال له عبد الله بن جعفر: دَعْ ما يَريُبك إلى ما لا يَرِيبُك (٢)، اعزلْ قيسًا عن مصر، فقال علي: والله ما أُصدّق هذا على قيس، قال: اعزله، فبينما هم على ذلك إذ جاء كتابُ قيسٍ إلى علي: أما بعد، فإني أُخبر أمير المؤمنين أن قِبَلي رجالًا معتزلِين، قد سألوني أن أَدعَهم على حالهم، حتى يستقيم أمرُ الناس ويَرون رأيَهم، وقد رأيتُ أن أكفَّ عنهم، ولا أتعجَّل حربَهم، وأن أتألَّفَهم فيما بين ذلك، لعل الله أن يُقبل بقلوبهم. فقال عبد الله بن جعفر: ما أخوَفَني أن يكون هذا مُمالأةً لهم منه، فَأمُره بقتالهم. فكتب إليه علي: أما بعد، فسِرْ إلى القوم الذين ذكرتَ، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجِزْهم.

стр. 2698

فكتب إليه: قد عجبتُ لأمرك؛ أن تأمُرَني بقتال قومٍ كافِّين عنك، ومتى حاربتَهم ساعدوا عليك عدوَّك، فأطِعْني واكفُف عمْهم، فإن الرأيَ تركُهم، والسلام. فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يَكفيك أمرَها، واعزل قيسًا؛ فقد بلغني أن قيسًا يقول: والله إن سلطانًا لا يقوم إلا بقتل مَسلمه بن مخلّد لسلطانُ سوء، والله ما أحبُّ أن مُلكَ الشام إلى مصر لي وأني قتلتُ ابنَ مخلّد، وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمّه، فولَّى محمدًا وعزل قيسًا. ذكر قُدومِ محمد بن أبي بكر إلى مصر فلما قدم محمد بن أبي بكر مصر قال له قيس بن سعد: ما بالُ أمير المؤمنين، ما غَيّره؟ أدخل أحدٌ بيني وبينه؟ قال: لا والله، وهذا السلطانُ سلطانُك، فقال له: والله لا أُقيم معك ساعةً واحدة، وغضب حين عُزل، وخرج مُقبلًا إلى المدينة فقدمها، فجاءه حسان بن ثابت شامِتًا به -وكان عثمانيًّا- فقال له: نَزعك عليّ بن أبي طالب، وقد قتلتَ عثمان، وبقي عليك الإثمُ، ولم يَحسن لك الشّكر، فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن أُلقي بين رهطي ورهطِك حربًا لضربتُ عُنُقك، اخرج عني. ثم إن قيسًا خرج هو وسَهل بنُ حُنَيف، حتى قدما الكوفةَ على علي، فأخبره الخبر، فصدّقه على ما قال، قال: وشهد قيس وسهل معه صفين. وفي رواية: لما قدم قيس بن سعد على علي استحيى من قيس وقال: والله ما أنت عندي بالمتَّهم، ولكني بلغني عن معاوية كذا وكذا، فارجع إلى عملك، فقال: لا والله، روحي دون روحك، وأخرج له كُتُب معاوية وقال: أَراد أن يَخدعَني، فلما يئس مني مَوَّه عليك، فقال: صدقتَ، وكان أحظى الناس عنده. وهذه روايات هشام عن أبي مخنف، وقد ذكرها الطبري مُطوَّلة (١).

стр. 2699

وقال هشام عن أبي مخنف: لما قدم محمد مصر قرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين يدعوهم فيه إلى الطاعة، وهو من جِنْس كتابه لقيس بن سعد، وفي آخره: وكتب عُبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ لغُرَّة شهر رمضان. قال: ثم إن محمدًا لم يَلبَث شهرًا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين وادعهم قيس بن سعد، فقال لهم: إما أن تَدخلوا في طاعتنا، وإما أن تَخرجوا من بلادنا، فقالوا: لا تَعجَلْ علينا، دعنا ننظر في أمورنا إلى ما نصير إليه، فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حِذرَهم وهم لمحمد هائبون، حتى كانت وقعة صفّين، وصار أمرُهم إلى الحكومة، ورجع علي إلى العراق، ومعاوية إلى الشام، اجترؤوا حينئذ على محمد بن أبي بكر، وبارزوه بالعصيان، فبعث إليهم محمد الحارثَ بنَ جُمهان الجُعْفيّ إلى خَرِبْتا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كِنانة، فقاتلهم فقتلوه، ثم بعث إليهم محمد رجلًا آخر من كلب، يُدعى ابن مصاهر (١) فقتلوه، وظهروا على محمد، وصاروا مع معاوية، وقَتل بعد ذلك معاوية بنُ حُدَيج محمد بنَ أبي بكر لما نذكره. وقال أبو اليقظان: لما يئس معاوية من قيس بن سعد كتب إليه: أما بعد، فإنك يهوديّ ابن يهودي، مات أبوك طَريدًا بحوران. فكتب إليه قيس: أما بعد، فإنك وَثَنٌ ابنُ وثن ابن وثن، دخلتَ في الإسلام كُرهًا، وخرجتَ منه طَوعًا، لم يتقدَّم (٢) إيمانُك، وظهر نِفاقُك، ونحن أنصارُ الدين الذي دخلتَ فيه كُرهًا، ومرقتَ منه طَوعًا. وأما أبوك فملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، وأنت وأخوك -أو وأخواك- معه، والسلام. وفيها قدم مَرزُبان مَرْو على علي ﵇ -واسمه: ماهَوَيه- بعد الجمل مُقِرًّا بالصّلح، فصالحه علي، وكتب له كتابًا إلى الدَّهاقين، ثم كفر بعد ذلك، فبعث إليه علي خُلَيْدَ بن قُرَّةَ اليَربوعي.

стр. 2700

ذكر اتفاق عمرو بن العاص ومعاوية على أمير المؤمنين في هذه السنة واختلفوا فيه، روى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما أُحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدينة إلى الشام، وقال: يا أهلَ المدينة، والله لا يُقيم بها أحدٌ فيُدرِكه قَتلُ هذا الرجل إلا ضربه الله بذُلّ، مَن لم يستطع نصرَه فليذهب، فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد، وتتابع الناس على ذلك إلا من شاء الله. فنزل بقصر العَجْلان، وقيل: نزل بفِحْل، فبينما هم على ذلك إذ مرَّ بهم راكبٌ، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، قال له عمرو: ما اسمُك؟ قال: حصيرة، قال: حُصِر الرجل، فمر بهم راكب آخر فقال: ما اسمك؟ فقال: قَتّال، قال عمرو: قُتِل الرجل، فمر بهم راكب آخر فقال له: ما اسمك؟ قال: حَرْب، قال عمرو: يكون حرب، ثم سأله فقال: قُتل عثمان، فارتحل عمرو ومعه ابناه، وهو يبكي كما تبكي المرأة ويقول: واعثماناه، أنعى الحياءَ والدين، حتى قدم دمشق. وفي رواية: فقال له ابنه عبد الله: توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وكذا أبو بكر وعمر، وأرى أن تكُفَّ يدَك، وتجلس في بيتك، حتى يَجتمعَ الناس على إمام فتبايعه، وقال له ابنه محمد: أنت نابٌ من أنياب العرب، فلا أرى أن يَجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صَوتٌ ولا ذِكر. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتَني بالذي هو خيرٌ لي في آخرتي، وأسلم لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتَني بما فيه خيرٌ لي في دُنياي، وشرٌّ لي في آخرتي. ثم خرج عمرو ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهلَ الشام يَحضُّون معاويةَ على الطَّلبِ بدم عثمان، فقال عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، ومعاوية لا يَلتفتُ إليه، ولا يَعبَأُ بقوله لما بلغه عنه، فقال له ابناه: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفتُ إلى قولك! انصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية، فقال له: عجبًا لك! أنا أرفِدُك بما أرفدك وأنت مُعرضٌ عني؟! أما والله لئن قاتَلْنا معك بطلب دم عثمان إن في النفس من ذلك ما فيها؛ حيث نقاتل من نَعلم سابقتَه وفضلَه وقرابتَه، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية
следующие страницы →