← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

مُضلّين، طاغوتٍ ابن طاغوت. وأما قولك: إن معك أعنَّةَ الخيل، وأعدادَ الرجال، فوالله لتُشْغَلَنَّ بنفسك حتى تَتمنّى العَدَم. قال هشام: ولما رأى معاويةُ قيس بنَ سعد لا يَلينُ له كاده من قِبَل أمير المؤمنين. وكذا روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه بإسناده، عن الزهري، وحكى الطبريّ طرفًا منه قال: كان قيس بن سعد من ذوي البَأس، صاحبَ راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، فكان على مصر من قِبَل علي ﵇، وكان معاوية وعمرو بن العاص جاهدَين على أن يُخرجاه منها ليَغلِبا عليها، وكان قد امتنع منهما بالدَّهاء والمكايدة، فلم يقدرا على أن يَفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيس بنَ سعد من قبل أمير المؤمنين. فكان معاوية يُحدِّث رجالًا من ذوي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعتُ قطّ مُكايدةً كانت عندي أعجبَ من مَكيدةٍ كِدتُ بها قيس بنَ سعد من قبل علي وهو بالعراق، حين امتنع مني قيس، قلتُ لأهل الشام: لا تسبُّوا قيسًا فإنه لنا شِيعةٌ، وتأتينا كُتُبه ونصائحُه سرًّا، ألا ترون ما فعل بإخوانكم أهل خَرِبتا؛ يُجري عليهم أُعطياتهم وأرزاقَهم، ويُحسن إليهم. قال معاوية: وكتبتُ إلى جواسيسي بالعراق يَتحدَّثوا به، فرفعه إلى علي محمد بنُ أبي بكر وعبد الله ومحمد ابنا جعفر بن أبي طالب، فلما بلغ عليًّا اتهم قيسًا، وكتب إليه يأمُره بقتال أهل خَرِبْتا، وأهلُ خربتا يومئذ عشرةُ آلاف، فأبى قيس أن يُقاتلهم، وكتب إلى علي: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم، وأهل الحِفاظ منهم، وقد رَضُوا مني أن أؤمِّن سِربَهم، وأُجري عليهم أرزاقهم، وقد علمت هواهم مع معاوية، فلستُ مُكايدهم بأمرٍ أهون علي وعليك من الذي أفعل بهم، فلو غَزوناهم كانوا أشدَّ العرب، وهم أُسود، منهم بُسْر بن أرطأة ومَسلمة بن مخلَّد ومعاوية بن حُديج، فذرني فأنا أعلم بما أُداري به منهم. فكتب إليه علي: لا بدَّ من قتالهم، فكتب إليه قيس: إن كنتَ تَتَّهمني فاعزلني عن

стр. 2697

عملك، وابعث إليه غيري، فبعث إليه علي الأشترَ أميرًا على مصر، حتى إذا صار بالقُلْزُم شرب شَربة من عسلٍ كان فيه حتفُه، فبلغ أمره معاوية فقال: إن لله جنودًا من عَسَل، وبلغ عليًّا موتُ الأشتر، فبعث محمد بنَ أبي بكر أميرًا على مصر (١). قلت: والأصحُّ أن أمير المؤمنين بعث الأشتر على مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، وأن الأشتر حَضر حروب صفّين لما نذكر في موضعه، وقد نص عليه هشام بن محمد. وقال هشام بن محمد، عن أبي مِخْنَف -وجه آخر في حديث قيس بن سعد ومعاوية- قال: لما أيس معاوية من قيس بن سعد مُتابَعته على أمره، شقَّ عليه لما يَعرف من حَزْمِه وبأسِه، فأظهر للناس أن قيسًا قد بايعه، واختَلقَ معاوية كتابًا، فقرأه على أهل الشام، وفيه: أما بعد، فإني لما نظرتُ رأيتُ أنه لا يَسَعُني مُظاهرةُ قومٍ قتلوا إمامَهم مُحرمًا مسلمًا بَرًّا تقيًّا مستغفِرًا، وإني معكم على قَتَلَتِه بما أحبَبْتُم من الأموال والرجال، متى شئتم عَجِلتُ إليكم. قال: فشاع في الشام أن قيسًا قد بايع معاوية، وبلغ ذلك أمير المؤمنين، فأكبر ذلك وأعظمَه، فقال له عبد الله بن جعفر: دَعْ ما يَريُبك إلى ما لا يَرِيبُك (٢)، اعزلْ قيسًا عن مصر، فقال علي: والله ما أُصدّق هذا على قيس، قال: اعزله، فبينما هم على ذلك إذ جاء كتابُ قيسٍ إلى علي: أما بعد، فإني أُخبر أمير المؤمنين أن قِبَلي رجالًا معتزلِين، قد سألوني أن أَدعَهم على حالهم، حتى يستقيم أمرُ الناس ويَرون رأيَهم، وقد رأيتُ أن أكفَّ عنهم، ولا أتعجَّل حربَهم، وأن أتألَّفَهم فيما بين ذلك، لعل الله أن يُقبل بقلوبهم. فقال عبد الله بن جعفر: ما أخوَفَني أن يكون هذا مُمالأةً لهم منه، فَأمُره بقتالهم. فكتب إليه علي: أما بعد، فسِرْ إلى القوم الذين ذكرتَ، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجِزْهم.

стр. 2698

فكتب إليه: قد عجبتُ لأمرك؛ أن تأمُرَني بقتال قومٍ كافِّين عنك، ومتى حاربتَهم ساعدوا عليك عدوَّك، فأطِعْني واكفُف عمْهم، فإن الرأيَ تركُهم، والسلام. فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يَكفيك أمرَها، واعزل قيسًا؛ فقد بلغني أن قيسًا يقول: والله إن سلطانًا لا يقوم إلا بقتل مَسلمه بن مخلّد لسلطانُ سوء، والله ما أحبُّ أن مُلكَ الشام إلى مصر لي وأني قتلتُ ابنَ مخلّد، وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمّه، فولَّى محمدًا وعزل قيسًا. ذكر قُدومِ محمد بن أبي بكر إلى مصر فلما قدم محمد بن أبي بكر مصر قال له قيس بن سعد: ما بالُ أمير المؤمنين، ما غَيّره؟ أدخل أحدٌ بيني وبينه؟ قال: لا والله، وهذا السلطانُ سلطانُك، فقال له: والله لا أُقيم معك ساعةً واحدة، وغضب حين عُزل، وخرج مُقبلًا إلى المدينة فقدمها، فجاءه حسان بن ثابت شامِتًا به -وكان عثمانيًّا- فقال له: نَزعك عليّ بن أبي طالب، وقد قتلتَ عثمان، وبقي عليك الإثمُ، ولم يَحسن لك الشّكر، فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن أُلقي بين رهطي ورهطِك حربًا لضربتُ عُنُقك، اخرج عني. ثم إن قيسًا خرج هو وسَهل بنُ حُنَيف، حتى قدما الكوفةَ على علي، فأخبره الخبر، فصدّقه على ما قال، قال: وشهد قيس وسهل معه صفين. وفي رواية: لما قدم قيس بن سعد على علي استحيى من قيس وقال: والله ما أنت عندي بالمتَّهم، ولكني بلغني عن معاوية كذا وكذا، فارجع إلى عملك، فقال: لا والله، روحي دون روحك، وأخرج له كُتُب معاوية وقال: أَراد أن يَخدعَني، فلما يئس مني مَوَّه عليك، فقال: صدقتَ، وكان أحظى الناس عنده. وهذه روايات هشام عن أبي مخنف، وقد ذكرها الطبري مُطوَّلة (١).

стр. 2699

وقال هشام عن أبي مخنف: لما قدم محمد مصر قرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين يدعوهم فيه إلى الطاعة، وهو من جِنْس كتابه لقيس بن سعد، وفي آخره: وكتب عُبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ لغُرَّة شهر رمضان. قال: ثم إن محمدًا لم يَلبَث شهرًا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين وادعهم قيس بن سعد، فقال لهم: إما أن تَدخلوا في طاعتنا، وإما أن تَخرجوا من بلادنا، فقالوا: لا تَعجَلْ علينا، دعنا ننظر في أمورنا إلى ما نصير إليه، فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حِذرَهم وهم لمحمد هائبون، حتى كانت وقعة صفّين، وصار أمرُهم إلى الحكومة، ورجع علي إلى العراق، ومعاوية إلى الشام، اجترؤوا حينئذ على محمد بن أبي بكر، وبارزوه بالعصيان، فبعث إليهم محمد الحارثَ بنَ جُمهان الجُعْفيّ إلى خَرِبْتا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كِنانة، فقاتلهم فقتلوه، ثم بعث إليهم محمد رجلًا آخر من كلب، يُدعى ابن مصاهر (١) فقتلوه، وظهروا على محمد، وصاروا مع معاوية، وقَتل بعد ذلك معاوية بنُ حُدَيج محمد بنَ أبي بكر لما نذكره. وقال أبو اليقظان: لما يئس معاوية من قيس بن سعد كتب إليه: أما بعد، فإنك يهوديّ ابن يهودي، مات أبوك طَريدًا بحوران. فكتب إليه قيس: أما بعد، فإنك وَثَنٌ ابنُ وثن ابن وثن، دخلتَ في الإسلام كُرهًا، وخرجتَ منه طَوعًا، لم يتقدَّم (٢) إيمانُك، وظهر نِفاقُك، ونحن أنصارُ الدين الذي دخلتَ فيه كُرهًا، ومرقتَ منه طَوعًا. وأما أبوك فملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، وأنت وأخوك -أو وأخواك- معه، والسلام. وفيها قدم مَرزُبان مَرْو على علي ﵇ -واسمه: ماهَوَيه- بعد الجمل مُقِرًّا بالصّلح، فصالحه علي، وكتب له كتابًا إلى الدَّهاقين، ثم كفر بعد ذلك، فبعث إليه علي خُلَيْدَ بن قُرَّةَ اليَربوعي.

стр. 2700

ذكر اتفاق عمرو بن العاص ومعاوية على أمير المؤمنين في هذه السنة واختلفوا فيه، روى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما أُحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدينة إلى الشام، وقال: يا أهلَ المدينة، والله لا يُقيم بها أحدٌ فيُدرِكه قَتلُ هذا الرجل إلا ضربه الله بذُلّ، مَن لم يستطع نصرَه فليذهب، فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد، وتتابع الناس على ذلك إلا من شاء الله. فنزل بقصر العَجْلان، وقيل: نزل بفِحْل، فبينما هم على ذلك إذ مرَّ بهم راكبٌ، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، قال له عمرو: ما اسمُك؟ قال: حصيرة، قال: حُصِر الرجل، فمر بهم راكب آخر فقال: ما اسمك؟ فقال: قَتّال، قال عمرو: قُتِل الرجل، فمر بهم راكب آخر فقال له: ما اسمك؟ قال: حَرْب، قال عمرو: يكون حرب، ثم سأله فقال: قُتل عثمان، فارتحل عمرو ومعه ابناه، وهو يبكي كما تبكي المرأة ويقول: واعثماناه، أنعى الحياءَ والدين، حتى قدم دمشق. وفي رواية: فقال له ابنه عبد الله: توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وكذا أبو بكر وعمر، وأرى أن تكُفَّ يدَك، وتجلس في بيتك، حتى يَجتمعَ الناس على إمام فتبايعه، وقال له ابنه محمد: أنت نابٌ من أنياب العرب، فلا أرى أن يَجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صَوتٌ ولا ذِكر. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتَني بالذي هو خيرٌ لي في آخرتي، وأسلم لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتَني بما فيه خيرٌ لي في دُنياي، وشرٌّ لي في آخرتي. ثم خرج عمرو ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهلَ الشام يَحضُّون معاويةَ على الطَّلبِ بدم عثمان، فقال عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، ومعاوية لا يَلتفتُ إليه، ولا يَعبَأُ بقوله لما بلغه عنه، فقال له ابناه: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفتُ إلى قولك! انصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية، فقال له: عجبًا لك! أنا أرفِدُك بما أرفدك وأنت مُعرضٌ عني؟! أما والله لئن قاتَلْنا معك بطلب دم عثمان إن في النفس من ذلك ما فيها؛ حيث نقاتل من نَعلم سابقتَه وفضلَه وقرابتَه، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية

стр. 2701

وعَطف عليه. وهذا قول الواقدي. وأما الهيثم بن عدي فإنه قال: أقام عمرو بفلسطين يَتربّص، ولم يَقدم على معاوية، فلما عزم معاوية على قتال أمير المؤمنين شاور أصحابه، فقالوا له: هذا أمرٌ عظيم لا يَتمّ إلا بعمرو؛ فإنه قَريعُ زمانه في الدَّهاء والمكر والخديعة، يَخدع ولا يُخدع، وكان معاوية يتَّهمه بأمير المؤمنين لما بدا منه في حقّ عثمان، فقال معاوية لأخيه عُتبة بن أبي سفيان: فما الرأي؟ قال: اكتب إليه، واخدَعْه بالمال والبلاد. فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان خليفةِ أمير المؤمنين عثمان إلى عمرو بن العاص صاحبِ رسول الله ﷺ وأميرِ عسكره بذات السَّلاسل، المعظَّمِ رأيُه، المفَخَّم تدبيرُه، سلام عليك، أما بعد: فقد علمتَ احتراقَ قلوب المؤمنين، وما أُصيبوا به من الفَجعة بقتل إمام المتَّقين، وما ارتكب جارُه من البغي، وامتناعه من نُصرته، وخِذلانه إياه، حتى قُتل في محرابه صائمًا، فيا لها من مُصيبة أوجبت على جميع المسلمين الطَّلبَ بدمه، وأنا أدعوك إلى الحظّ الجزيل من الثواب، والنصيبِ الأوفَر من الأجر، قتل مَن آوى قَتَلةَ عثمان. فلما وقف عمرو على كتابه عرف مَقصودَه، فكتب إليه: أما بعد، فإني قرأتُ كتابَك وفهمتُه، فأما ما دعوتَني إليه من خَلْعِ رِبْقةِ الإسلام من عُنقي، والتَّهوّر في الضلالة، وإعانتي لك على الباطل، واختراطِ السيف في وجه أمير المؤمنين؛ أخي رسول الله، ووصيِّه، وقاضي دينه، وصهرِه على ابنته، وأبي السبطين الحسن والحسين سيِّدَي شباب أهلِ الجنة، فمعاذ الله أن أشارِك في الغيّ والضّلال. وأما قولك إنك خليفة عثمان فقد عُزلتَ بموته، وأما قولُك إني صاحب جيش رسول الله فإني لا أعتز بالتزكية، ولا أميل بها عن الملَّة، وأما نِسبتُك أمير المؤمنين إلى قتلِ عثمان، وزعمِك أن أصحاب رسول الله فَسَقة، وأنه أَشلاهم عليه، فهذا زُورٌ وبُهتان. وَيْحك يا معاوية، ألم تعلم أن أبا الحسن بذل نفسه لله، وبات على فراش رسول الله ﷺ ليلةَ هجرته، يَفديه بنفسه، ويقيه بروحه، أليس هو القائل في حقّه: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" "من كنت مَولاه فعليّ مَولاه" وكتابُك الذي هذا جوابُه ليس يَخدع ذا عقلٍ ودين، والسلام.

стр. 2702

فلما قرأ معاوية كتابه يئس منه، فقال له أخوه عُتبة: لا تيأس منه، وعِدْهُ ومَنِّه، ورَغّبه في الولايات، وأشرِكْه في سُلطانك، وإلا لم تأمَنْه، فكتب إليه معاوية: [من الطويل] جهِلتَ ولم تعلم مَحلَّك عندنا … فأرسلت سيبًا من عتاب ولا تدري فثِقْ بالذي عندي لك اليوم آنفًا … من العزِّ والإكرام والجاه والقَدْرِ فكتب إليه عمرو وقال [من الطويل] أبي القلبُ مني أن يُخادع بالمكرِ … بقتل ابن عَفّانٍ أُجَرُّ إلى الكُفرِ وإني لَعمري ذو دَهاءِ وفِطنةٍ … ولستُ أبيع الدِّينَ بالمال والوَفْرِ أليس صغيرًا مُلكُ مصرَ تَبيعُه … هي العارُ في الدنيا على الآل من عمرو فقال له عُتبة: أقطِعْه مصر فإنها ليست في يدك، ألا ترى أنه قد تعرَّض لها؟! فكتب إليه بعهده على مصر، فكتب إليه عمرو: [من الطويل] مُعاويَ لا أُعطيك ديني ولم أنَلْ … به منك دُنيا فانظُرنْ كيف تَصنعُ فإن تُعطِني مصرًا فأرْبِحْ بصَفقةٍ … أخذتَ به شيخًا يَضرُّ وَينفعُ وبات عَمرو طول ليلته مفكّرًا، فدعا غلامًا له يُقال له: وَرْدان -وهو الذي يُنسب إليه سوق وَردان بمصر- فاستشاره فقال: إن مع علي آخرة ولا دنيا، وإن مع معاوية دنيا ولا آخرة، والتي مع علي تَبقى، والتي مع معاوية تَفنى، فقال: صدقتَ. ثم أصبح فركب فَرسه ومعه ولداه عبد الله ومحمد، فعبد الله يَمنعه عن قَصْدِ معاوية، ومحمد يُريده أن يَقصد معاوية، فلما وصل إلى طريق تأخذ إلى المدينة، وطريق تأخذ إلى دمشق، وقف ساعة يُفكّر، ثم ضرب رأس فرسه إلى دمشق وقال: معاوية أرفقُ بنا من علي، فقدم على معاوية. وقال الواقدي وابن إسحاق: ولما قدم جرير على معاوية بكتاب أمير المؤمنين استشار معاوية عَمرًا، فقال له: ما ترى؟ فقال عمرو: إنه قد أتاك في هذه البيعة رجلٌ من أعيان الصحابة، من عند خير الناس، ولستُ أرى لك أن تَدعو أهلَ الشام إلى الخلافة، فإن ذلك خطرٌ عظيم، حتى تتقَدّم قبل ذلك بتَوطين الأشراف منهم، وإشرابِ قلوبهم اليقينَ أن عليًّا قتل عثمان، ورأسُ أهل الشام شُرَحْبيل بن السِّمْط الكندي،

стр. 2703

فأرسل إليه ليأتِك، ثم وَطِّن له الرجال على طريقه؛ يُخبرونه بأن عليًّا قتل عثمان، فإن عَلِقت هذه الكلمةُ بقلبه لم يُخرجها شيءٌ أبدًا، فأقام له على طريقه يزيد بن أسد، وسفيان بن عمرو، ومُخارق بن الحارث وغيرهم، فوَطَّنهم على ذلك. وقدم شُرحبيل، فأمر معاوية أشرافَ أهل الشام باستقباله، وأوصى كلَّ واحدٍ إذا خلا به ألقى في سمعه تلك الكلمة، فلما دخل على معاوية مغضبًا قال له: ألا إن ابنَ أبي طالب قتل عثمان، ووالله لئن بايعتَه لنُخرجَنّك من الشام، فقال معاوية: إنما أنا واحدٌ منكم، والأمرُ أمرُكم، قال: فاردُدْ هذا الرجلَ إلى صاحبه -يعني جريرًا- فقال له معاوية: إن هذا الأمر لا يَصحّ حتى تَمشي في مدائن الشام مدينة بعد مدينة وتقول: إن عليًّا قتل عثمان، فغضب له طلحة والزبير، فسار علي خلفَهم فقتلَهم، وغلب على أرضهم، ولم يبق إلا هذه البلاد، وهو واضعٌ سيفَه على عاتقِه، ولابد له منكم. وكان شرحبيل مُطاعًا في الشام عظيمًا، أعظم من معاوية ففعل ذلك، فأجابه الناس إلا نفرًا من أهل حمص نُسَّاكًا؛ فإنهم لزموا بيوتَهم ومساجدهم وقالوا: أنتم أعلم. فلما ذاق معاوية أهلَ الشام، وعرف أنه قد وَقَر في قلوبهم ما وَقَر قال لجرير: الحق بصاحبك، وأخبِرْه أني وأهل الشام لا نُبايعه أبدًا. ولهذا ضبط جريرًا ثلاثةَ أشهر. ذكر مسير أمير المؤمنين إلى صِفِّين قد ذكرنا أنه كان نازلًا بالنُّخيلة، وأنه جهَّز جريرًا بكتابه إلى معاوية، وعَوده بالجواب. وقال أبو اليقظان: لما قدم جرير على معاوية قال: وافَقْتُه على المنبر قد عَلَّق عليه قميصَ عُثمان وهو يَندُبُه، وأهلُ الشام يَبكون حولَه، قال: وكان قد رافَقَني في طريقي رجلٌ لا أعرفه، يَسير لمسيري ويُقيم لمقامي ولا أشعرُ به، فلما قَدِمنا إلى دمشق تَقدَّم إلى معاوية وقال له: [من الرجز] إن بني عمِّك عبدِ المطَّلِبْ قد استحلُّوا شيخَنا غيرَ كَذِبْ وأنت أَوْلى الناس بالوَثْبِ فثِبْ

стр. 2704

ثم ناوله كتابًا من الوليد بن عُقبة بن أبي معيط، وكان نازلًا بالجزيرة على البَليخ؛ بقريةٍ يُقال لها: عين رومية، وقيل: عين أبي سنان، من أعمال الرقّة، وبها مات، ولم يشهد صفّين مع معاوية على ما قيل. قال جرير: وكان في كتابه إلى معاوية: [من الطويل] مُعاويَ إن الملك قد جُبَّ غارِبُه … وأنت بما في كفِّك اليوم صاحبُهْ أتاك كتاب من عليٍّ بخُطَّةٍ … هي الفَصْلُ فاختر سِلْمَه أو تُحارِبُهْ فإن كنتَ تَنوي أن تُجيبَ كتابَه … فقُبِّحَ مُمْليه وقُبِّحَ كاتِبُهْ وإن كنتَ تَنوي تَرْكَ رَجْعِ جوابه … فأنت بأمرٍ لا محالةَ راكِبُهْ من أبيات. قال جرير: فلما قرأ معاوية كتاب أمير المؤمنين قال: ما ترى [ما] الناس فيه من النُّفْرَة؟! أقم حتى يَسكنوا، فأقمتُ عنده أربعةَ أشهر، فبينما أنا عنده إذ وَرَد كتابٌ آخر من الوليد بن عُقبة يقول: [من الوافر] ألا أبلغْ معاويةَ بنَ حَرْبٍ … بأنّي في الكُفاةِ له مُليمُ قطعت الدهر كالشَّذَبِ المعَنّى … تُهدِّر في دمشق وما تَريمُ (١) من أبيات. قال الجوهري: الشَّذَبةُ بالتحريك: ما يُقطع مما تَفَرّق من أغصان الشجر ولم يكن في لُبِّه (٢). قال جرير: فلما وقف معاوية على أبيات الوليد، وصل معاوية بين طُومارَين أبيضين وختمه، وكتب على عُنوانه: من معاوية إلى علي، ودفعه إليّ، وبعث معي رجلًا من عَبْس، فلما قَدِمنا الكوفة، ودخلنا على أمير المؤمنين في المسجد، فناولتُه الطُّومار، ففتحه فلم يجدوا فيه شيئًا، وقام العبسيّ وقال: لقد تركتُ أكثر من خمسين ألف شيخ حول قميص عثمان، خاضبي لحاهم بدموعهم [يبكون] على عثمان، مُتعاقِدِين

стр. 2705

مُتعاهِدين ليَقتُلُنّ قَتَلةَ عثمان، وبالله أُقسم ليُصَبّحنكم خمسون ألف عَنان، فصاح الأشتر والناس: اقتلوا الفاسق رسولَ الفاسق، فوالله ما نُبالي بخيلك ولا شيوخك، وسيعلمُ ابنُ هند، وثار الناس ليَقتلوه فهرب فلا يُدرى أين ذهب، فحينئذٍ خرج أمير المؤمنين إلى النخيلة. وقال هشام: كتب أمير المؤمنين قبل رحيله من النُّخيلة إلى معاوية كتابًا يَتهدّده فيه، أبرَق فيه وأرعد، ووعد وأوعد، وخوَّف وهَدّد، ودعا بالأصبغ بن نُباتة التميمي فقال: اذهب به إليه. قال الأصبغ: فدخلتُ على معاوية، وعن يمينه عمرو بن العاص، وعن يساره ذو الكلاع، وحوله عبد الله بن عامر بن كُريز، وأخوه عتبة بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وشُرَحبيل بن السّمط، وبين يديه أبو هريرة، والنعمان بن بشير، وأبو أمامة الباهلي. قال: فناولته الكتاب، فقرأه وقال: إن عليًّا لا يَدفع إلينا قتلَةَ عثمان، قال: فقلت له: يا معاوية، لا تَتعلَّل بدم عثمان فإنك والله لا تَطلب إلا الملك، ولو أردتَ نُصرة عثمان حيًّا لفعلتَ، ولكنك تربَّصتَ به لما أرسل يَستصرخ بك، وأخفيتَ كتابَه، وتقاعدت عليه حتى قُتل؛ لتجدَ سبيلًا إلى ما في نفسك بقتله. قال: فاستشاط غضبًا، فأردتُ أن أزيدَه فقلت: يا أبا هريرة، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، أُقسم عليك بالله الذي لا إله إلا هو، هل سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"؟ قال: إي والله، سمعتُه يقول ذلك يوم غدير خُمّ، قال: فقلت: فأنت يا أبا هريرة واليتَ عدوَّه وعاديتَ وَليّه، فتنفَّس أبو هريرة واسترجع، وقال معاوية: يا هذا كفَّ عن كلامك؛ فإنك لا تستطيع أن تَخدع أهلَ الشام عن الطلب بدم عثمان؛ فإنه قُتل مظلومًا في حرم رسول الله ﷺ ، في شهر حرام، عند صاحبك، وهو الذي أغراهم به حتى قَتلوه، وهم اليوم معه: أنصاره وأعوانه، ويده ورجله، وما مثلُ عثمان مَن يُهدر دمُه. قال ذو الكَلاع وحَوشب: لننَصُرنّك حتى تحصّل مُرادك أو نقتل عن آخرنا، فقام الأصبغ وهو يقول: [من المتقارب]

стр. 2706

مُعاويَ لله من خلقه … عباد قلوبُهم قاسيَهْ وقلبُك من شرِّ تلك القلوب … وليس المطيعة كالعاصيه دع ابنَ خُديج ودع حَوشبًا … وذا كَلعٍ واطلُب العافيه فصاح معاوية: انصرف، أرسولًا جئتَ أو منفّرًا؟! قال علماء السير: ولما نزل أمير المؤمنين النُّخَيلة استشار أصحابَه في المسير إلى صفّين، فأشار عليه قوم أن يُقيم ويَبعثَ الجيوش، وأشار عليه قوم بالمسير والمباشرة، وقدم عليه عبد الله بن عباس من البصرة بمَن نَفَر معه من أهلها. وقال الواقدي: واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري، وكتب إلى عماله بالقدوم عليه، واستخلف ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدّيلي. ولما تحقّق عزم أمير المؤمنين على المسير بلغ معاوية، فاستشار عمرو بن العاص، وقال له: قد أشار علي القوم بأن أبعث الجيوش وأقيم، فقال له: سِرْ بنفسك لئلا يَنسبكم إلى الجُبن والخَوَر والضّعف، فقال له معاوية: فقم فحرِّض الناس، وضَعِّف عليًّا وأصحابَه، فقام عمرو فقال: إن أهل العراق والبصرة مخالفون لعلي، قد قتلهم ووَتَرهم، وأفنى صناديدَهم وصناديدَ أهل الكوفة، وإنما سار في شِرذمةٍ قليلة منهم، وقد قتل خليفتَكم، فالله الله في دم عثمان أن تُضيّعوه، وحقكم أن تُبطلوه. وعقد لولدَيه لوائين، ولغلامه وَرْدان، [وعقد عليٌّ لغلامه] قَنْبَر، وقال عمرو: [من الرجز] هل يُغنيَنْ وَرْدانُ عنِّي قَنبَرا وتُغنيَ السَّكونُ عنّي حميَرا إذا الكماةُ لَبِسوا السَّنَوَّرا وبلغ أمير المؤمنين فقال: [من الرجز] لأصبِحنَّ العاص وابنَ العاص سبعين ألفًا عاقِدي النَّواصي مجتَنبينَ الخيلَ بالقِلاص

стр. 2707

مُستَحْقِبينَ حَلَقَ الدِّلاصِ (١) وسار معاوية نحو العراق، وخرج أمير المؤمنين من النُّخَيلة، فنزل المدائن، وولى عليها سعد بنَ مسعود الثقفي عمَّ المختار بن أبي عبيد، وجَهَّز الطلائع بين يديه، فبعث زياد بن النَّضْر الحارثي في ثمانية آلاف، وشُريح بن هانئ في أربعة آلاف، ومَعقِل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل، حتى يُوافيه بالرقّة، ورحل من المدائن في جيوشه، وسار بين دجلة والفرات. وقال أبو اليقظان: لما أراد أمير المؤمنين المسير قَدَّم بين يديه زياد بن النَّضْر الحارثي، وشُرَيح بن هانئ، وعقد لكل واحدٍ منهما على ستة آلاف. وقال هشام بن محمد: فوصل إلى الرقة، فلم يجد عندها سفينة، كانوا قد أحرزوا الكلّ، فقال: يا أهلَ الرقة، اجْسُروا لي جِسرًا لأعبر إلى الشام، فلم يفعلوا. وقال الهيثم: ناداهم أمير المؤمنين: يا أهل الرّقّة، أين سُفنكم؟ فقالوا: راحت تَرعى، فدعا عليهم بالذلّة والمسكنة. قال هشام: وعزم أمير المؤمنين على النّهوض إلى مَنْبج ليَعبرَ على جسرها، فناداهم الأشتر: يا أهل الجزيرة -أو يا أهل الحصن- أقسم بالله، لئن لم تَمدُّوا لنا الجسر لأضَعنَّ فيكم السَّيف، ولأقتُلنّ رجالكم، ولأسْبِينّ ذَراريكم، ولآخُذنَ أموالكم، فخافوا وقالوا: إنه الأشتر، والله ليَفينّ بما حلف عليه، فصاحوا: إنّا ناصِبون لكم الجسر، فنصبوه، وجاء أمير المؤمنين فعبر عليه بالأثقال والرّجال، ووقف الأشتر عند الجسر في ثلاثة آلاف، حتى لم يَبقَ أحدٌ غيره، وهو آخر الناس. وقال أبو مخنف: لما عَبروا ازدحمت الخيل، فسقطت قَلَنْسُوة عبد الله بن أبي الحُصين الأزدي، فنزل فأخذها وركب، فسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجّاج الأزدي، فنزل فأخذها ثم ركب. وقال أبو مخنف: وسار أمير المؤمنين وبين يديه زياد بن النَّضْر الحارثي وشُرَيح بن هانئ، فلما انتَهوا إلى سُور الروم لَقيهم أبو الأعور السُّلَمي -وهو عمرو بن سفيان-

стр. 2708

في جُندٍ من أهل الشام، فأرسلا إلى علي فأخبراه، فقال للأشتر: يا مالك، اذهب إليهما فأنت الأمير على الناس، وإياك أن تَبدأهم بقتالٍ حتى يَبدؤوك، واجعل على ميمنتك زيادًا، وعلى الميسرة شُريحًا، وأنا قادم عليكم، ولا تَدْنُ من القوم دُنُوَّ مَن يُريد أن يُنشب الحرب، ولا تتباعد عنهم، بل كن وَسطًا. فسار الأشتر ففعل ما أُمر به. وقيل إنما بعث إليه الحارث بنَ جُهمان الجُعفي، فأمره بذلك. وبعث علي إلى زياد وشُريح: إني قد أَمَّرتُ عليكما الأشتر أو مالكًا، فاسمعا له وأطيعا. والتقى الأشتر وزياد وشُريح بأبي الأعور، فاتَّبع الأشتر ما أمره علي، وكفّ عن القتال، ولم يزالوا مُتواقِفَين، حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور، فثبتوا له، ثم انصرف أبو الأعور، فلما كان من الغد عاد أبو الأعور، فأرسل إليه الأشتر سنانَ بنَ مالك النَّخَعي يَطلب منه أن يُبارِزَه، فقال له سنان: فأنا أُبارزه، فقال: يا ابن أخي، إنك حَدَثُ السّنّ، وإن كنتَ من أهل الشَّرف والكفاءة، وإن الحَدَثَ لا يُبارز الكَهْل، ولكن اذهب إليه وادعُه إلى مُبارزتي. فذهب سنان إلى أبي الأعور فقال: إن الأشتر يَدعوك إلى أن تُبارزَه، قال: فسكتَ عني طويلًا، فقال: إن خفّةَ الأشتر وسوءَ رأيه يُقبّح محاسِنَه، ومن خِفّته وسوءِ رأيه أنه سار إلى ابن عفان إلى دارِه وقراره، فكان في جُملة مَن قتله، فأصبح مَطلوبًا بدمه، لا حاجة لي في مُبارزته، قال: فقلتُ: إنك قد تكلَّمتَ فاسمع جوابَك، فقال: لا حاجةَ لي في سَماع كلامِك اذهب، قال: فانصرفتُ إلى الأشتر، فأخبرتُه فقال: لنفسه نظر. وخرج هاشم بنُ عُتبة الزُّهري فاقتتلوا، وحمل عليهم الأشتر، فقُتل عبد الله بن المنذر التَّنوخي، قَتله ظَبيان بن عُمارة التميمي من أصحاب الأشتر وهو حَدَث، وكان عبد الله بن المنذر التَّنوخي فارسَ أهل الشام، وجعل الأشتر يقول: وَيحكم، أروني أبا الأعور، ووقفوا إلى الليل. ثم انصرف أبو الأعور وأصحابُه تحت الليل، وصبَحهم علي من الغد، وساروا إلى صفّين، فوجدوا معاوية قد اشتَرف مكانًا على شاطئ الفرات سهلًا أَفيَح، قد اختاره قبل وُصول أمير المؤمنين، ليس في ذلك الموضع كلّه شَريعةٌ غيرها، وجعلها في

стр. 2709

حَيِّزه، وبعث عليها أبا الأعور يحميها. قال هشام عن أبي مخنف: فحدثني تميم بن الحارث الأزدي، عن جُندب بن عبد الله قال: كنتُ مع أمير المؤمنين، فلما رآهم قد فعلوا ذلك أتيناه فأخبرناه -وكان قد نزل ناحيةً عن الفرات- وقلنا: قد عَطِش الناس، ولا نَجد شَريعة غير شريعةِ القوم، فقال الأشعث بن قيس الكندي: أنا أسير إليهم، فقال علي: سِرْ، قال: فسار وسرنا معه، فلما دَنونا من الماء ثاروا في وُجوهنا، فحَصَبونا وَرَشقونا بالنَّبْل، ورَشَقناهم ساعة، ثم اطَّعَنّا بالرماح وتضارَبْنا بالسيوف. ثم جاء يزيد بن أَسَد البَجَلي مَددًا للقوم، وجاء عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جُندٍ كثير يُمِدُّ أبا الأعور، وخرج شَبَثُ بنُ رِبْعيّ والأشتر من عسكر علي في جَمعٍ عظيم، واشتد القتال، فارتجز عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي يقول: خَلُّوا لنا ماءَ الفراتِ الجاري … أو اثبُتُوا لجَحْفَل جَرَّارِ لكلِّ قِرْنٍ مُستميت شاري … مُطاعِن بُرمْحِه كَرَّار ضَرَّابِ هاماتِ العِدا مِغوارِ قال أبو مِخنف: وجعل ظَبيان بن عُمارة يقاتل ويقول: [من الرجز] هل لك يا ظَبيانُ من بَقاء في ساكنِ الأرضِ بغير ماءِ لا وإلهِ الأرضِ والسماء فاضرب وُجوهَ القوم بالأعداءِ حتى يُجيبوك إلى السَّواءِ (١) ثم إن القوم خَلّوا عن الماء، فما أمْسَوا إلا وسُقاةُ العسكَرَين يَزدحمون على

стр. 2710

الشّريعة، لا يُؤذي إنسانٌ إنسانًا. وروى الطبري عن أبي مخنف قال: لما مَنعوا أصحابَ أمير المؤمنين الماء، بعث أميرُ المؤمنين صَعصعة بنَ صُوحان إلى معاوية، وقال: قُلْ له: إنا سِرْنا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قَدَّمتَ إلينا خيلَك ورَجِلك، فقاتلتَنا قبل أن نُقاتِلَك، وبدأتَنا بالقتال، وكففنا عنك قبل أن نَدعوَك ونَحتجّ عليك، وهذه أُخرى قد فعلتَها؛ حُلتَ بين الناس وبين الماء، والناس غيرُ منتَهِين حتى يَشربوا، فابعث إلى أصحابك فليُخَلُّوا بينهم وبين الماء، ويكفُّوا حتى نَنظُرَ فيما قَدِمنا وقدمتُم له، وإن كان أعجبَ إليك أن تَترُكَ ما جئنا له، ونَترك الناس يَقتتلون على الماء حتى يكون الغالبُ هو الشارب فعلنا. قال: فقال معاوية لأصحابه: ما تَرون؟ فقال الوليد بن عُقبة: امنعْهم الماء كما منعوه عثمان، حصروه أربعين صباحًا يَمنعونه بَرْدَ الماء، اقتلْهم عطشًا. وقال له عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح: امنعهم الماء إلى الليل؛ فإنهم إن لم يَقدروا عليه رجعوا، فيكون رجوعهم ذُلًّا لهم. قلت: وقول الطبري إن الوليد بن عُقبة وعبد الله بن سعد شهدا صفّين وَهم، فإن الواقدي قال: لم يشهداها. قال: فقال له عمرو بن العاص: يا معاوية، خَلِّ بين القوم وبين الماء، فإن القوم لن يَعطشوا وأنت رَبّان. فقال صَعصَعة بن صُوحان للوليد وابن أبي سرح: إنما يمنع الله الماءَ يوم القيامة مِثلكما؛ الكفَرةَ الفَسقةَ، فشتماه وشتمهما، فقال معاوية: كُفَّا عن الرجل فإنه رسول. وقال هشام: قال عمرو لمعاوية: خلِّ بينهم وبين الماء، أترى ابن أبي طالب ومعه المهاجرون والأنصار وأفاعي العراق يَموتون عطشًا، والله لتطيرنَّ قحاف دون ذلك، فارض بالموادعة أيها الرجل، ولا تعجل بالشرّ فإن مَرتَعه وَخيم. فقال معاوية: لا سقى الله أبا سفيان من حوض محمد قَطرة إن شربوا منه، وإن هذا لأوَّلُ الظَّفَر.

стр. 2711

فقام فياض بن الحارث الأزدي فقال: يا معاوية، والله ما أنصفتَ القوم، لو كانوا من الروم لما جاز مَنعُهم من الماء، فكيف وهم أصحابُ رسول الله ﷺ ، وفيهم ابنُ عمه والمهاجرون والبدريُّون والأنصار؟! وكان هذا الرجل صديقًا لعمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: اكفِني صديقَك، فقام فياض وهو يقول: [من الوافر] أتَحمون الفراتَ على أُناسٍ … وفي أيديهم الأَسلُ الظِّماءُ وفي الأعناق أسيافٌ حِدادٌ … أن القوم عندكم نِساءُ ألا لله دَرُّك يا ابنَ هندٍ … لقد ذهب الحياءُ فلا حَياءُ ولستُ بتابع دينَ ابنِ هندٍ … طِوال الدَّهرِ ما أوفى حِراءُ ثم عطف دابتَه ودخل في عسكر علي ﵇. قال هشام: وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، أنموتُ عطشًا وسيوفنا على عواتقنا، ورماحُنا في أيدينا، ثم قال: [من المتقارب] أيَمنعُنا القومُ ماءَ الفراتِ … وفينا الرِّماحُ وفينا الحَجَفْ وفينا عليٌّ له صَولَةٌ … إذا خَوَّفوه الرَّدى لم يَخَفْ ونحن الذين غداةَ الزبيرِ … وطلحةَ خُضنا غِمارَ التَّلَفْ قال: وسمع أمير المؤمنين ليلةَ منعوهم الماء امرأة تقول: [من المتقارب] أيَمنعُنا القومُ ماءَ الفراتِ … وفينا عليٌّ إمامُ الهُدى وفينا الصلاةُ وفينا الصيامُ … وفينا المصَلُّون تحت الدُّجى (١) فبكى علي وقال: لا ها الله إذن، ثم قال للأشتر وللأشعث بن قيس: عليكما بالقوم، فركبا في اثني عشر ألفًا في وقت السَّحَر، وحملوا على القوم، فأزالوهم عن الشرائع فانهزموا، ولحق الأشتر أبا الأعور فضربه على رأسه بالسيف، فجرحه جُرحًا موثقًا، وملك الأشتر الشّرائع ووَهن أهلُ الشام، وكان هذا القتال في آخر يوم من ذي القعدة، وهو أول يوم جرى فيه قتال، ويسمّى يوم الحَميَّة؛ لأن الحميَّةَ أدركت أميرَ المؤمنين لما سمع كلامَ المرأة.

стр. 2712

وقال هشام بن محمد، عن أبيه: فلما كان أول يوم من ذي الحجّة دعا أمير المؤمنين بشير بن عمرو بن مِحْصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهَمداني، وشَبَث بن رِبعي التّميمي، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الرجل، فخوِّفوه وحَذّروه وأنذِروه، وأشيروا عليه بالطّاعة، والدخولِ مع الجماعة، وانظروا ماذا رأيُه. فجاؤوه فدخلوا عليه، فافتتح الكلام بشير وقال بعد حمد الله: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجعٌ إلى الآخرة، وإن الله مُحاسبُك ومُجازيك على عملك، ونحن نَنشدك الله؛ أن تُفرِّق جماعةَ هذه الأمة، وأن تَسفك دماءها. فقال له معاوية: هلّا أوصيتَ صاحبَك بمثل هذا؟! فقال: إن صاحبي لا يحتاج إلى وصيّة لأنه ليس مثلَك، إن صاحبي أحقُّ البريَّةِ كلّها بهذا الأمر في فضله ودينه، وسابقته في الإسلام، وقرابته من رسول الله ﷺ ، وإني آمُرك بتقوى الله، وإجابةِ ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق؛ فإنه أسلَمُ لك في دُنياك، وخيرٌ لك في عاقبة أمرك، فقال معاوية: ويَبطل دمُ عثمان (١)؛ لا والله لا أفعل ذلك أبدًا. فذهب سعيد بن قيس يتكلَّم فبادره شبث بن رِبعي وقال: والله يا معاوية ما يَخفى علينا مَغزاك ومَطلَبُك، إنك لم تجد شيئًا تَستغوي به الناس، وتَستميلُ به أهواءهم، وتستخلص لك به طاعتَهم إلا دمَ عثمان، فاستجاب لك السّفهاء، وقد علمنا أنك تَربَّصتَ به وأبطأتَ عنه، وأحببتَ له القتلَ لهذه المنزلة التي أصبحتَ تطلب، ورُبَّ مُتَمَنٍّ أمرًا يحول الله بينه وبينه. فقال له معاوية: إن أول ما عُرف من سَفَهك وخِفَّةِ حِلمك أنك قطعتَ على هذا الشريف الحَسِيب سَيِّدِ قومه مَنطقَه، ثم عَتِبتَ بعد فيما لا علمَ لك به، فقد كَذبتَ في كلّ ما ذكرتَ ووصَفْتَ، انصرفوا فليس بيني وبينكم إلا السيف، فقال له شَبث: أعلينا تُهوّل بالسيف؟ أقسم بالله لنَعجلَنّ به إليك. ثم عادوا فأخبروا أمير المؤمنين بالذي كان، ونَشِب بينهم القتال، فكان أمير المؤمنين يُخرج إليهم أعيانَ أصحابه، ومعاوية يُخرج إليهم أعيانَ أصحابه، فلما كان

стр. 2713

في هذا اليوم وهو أول يوم من ذي الحجة بدأ معاوية بالقتال، فأخرج إليهم عبد الرحمن بنَ خالد بن الوليد، وذا الكَلاع، وعُبيد الله بن عمر بن الخطاب، وبرز إليهم الأشتر، وحُجر بنُ عديّ، وقيس بن سعد، فتجاولوا ثم انصرفوا. وكان أمير المؤمنين يُخرج إليهم مَرّةً الأشتر، ومرة حُجر بن عَديّ، ومرة شَبَث بن رِبعي، ومرة زياد بن النَّضرِ الحارثي، ومرة قيس بن سعد، ومرّة مَعقِلَ بن قيس الرّياحي، وكان أكثر القوم إليهم خروجًا الأشتر. وكان معاوية يخرج إليهم مرة أبا الأعور السُّلَمي ومرة حَبيبَ بن مَسلمة الفِهري، ومرة ذا الكَلاع الحِميريّ، ومرة عُبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومرة شُرَحْبيل بن السِّمط الكنديّ، فاقتتلوا ذي الحجة كلّه، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين، وربما أقاموا أيامًا لا يقتتلون. ثالث يوم من ذي الحجة (١) قال الواقدي: برز حُرَيث (٢) مولى معاوية، وكان إذا لبس سلاحَه لا يشكُّ أحد أنه معاوية، وكان دائمًا يَطلب مبارزةَ أمير المؤمنين، وكان معاوية يَنهاه، فخلا عمرو بن العاص بحَوْشَب وقال له: لو كنتَ قُرشيًّا ما نهاك معاوية عن مُبارزته، ولكنه يَكره أن يَقتُل مولاه ابنَ عمِّه فابرُز إليه، فبرز وطلب المبارزة، فخرج إليه أمير المؤمنين، فقيل له: يا أمير المؤمنين، خَفِ الله وعز على حسبك، أتَبرزُ إلى هذا الكلب؟ فقال: هذا أعظم غناءً عندي من معاوية، ثم حمل عليه علي، وضربه على رأسه بالسيف فقتله، ولما رآه معاوية قتيلًا التفت إلى عمرو وقال: ما أنصفتَه حيثُ أمرتَه بمبارزته، قال: ولمَ؟ قال: لأنك أمرتَه بأمرٍ كرهتَه لنفسك، ثم اقتتلوا يومًا بعد يوم. اليوم الثامن عشر قال علماء السير: جمع معاوية في هذا اليوم أصحابَه وقال: ما فينا إلا من قَتل عليّ أخاه أو أباه أو ابنَه أو قريبَه، فتعالوا حتى نَجتمعَ اليوم عليه، فقال بعضهم: [من

стр. 2714

الوافر] أتأمُرنا بحيَّةِ بطنِ وادٍ … إذا نَهشتْ فليس لها طَبيبُ فسَلْ عَمرًا وسَلْ عن خُصيَتَيه … نجا ولقلبه منها وَجِيبُ ثم التفت القائل وقال لمعاوية: وإن لم تُصدِّقني فسَلْ عَمرًا، وقيل: البيتان للوليد بن عُقبة، وقيل لحَبيب بن مَسلمة (١). وقال ابن الكلبي: رأى أمير المؤمنين في بعض أيام صفّين عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يَعرفه، فحمل عليه، فطعنه فسقط، فبدتْ عورتُه فاستقبل بها أميرَ المؤمنين، فأعرض عنه، وعَرفه وقال له: ويلك يا ابنَ النّابغة، أنت طَليق دُبُرِك أيَّامَ عُمرك، وكان قد تكرَّر منه ذلك. وقال السّدي عن أشياخه: لما كان في آخر ذي الحجّة، وكَثُر القتلُ في الفريقين، قال علي للكُمَيل بن زياد: نادِ معاوية: دَعوناك إلى الطاعة ولُزوم الجماعة فأبيتَ، وقد كثر القتلُ في هذه الأمة، فابرز إليّ حتى نُخَلِّص الناسَ مما هم فيه، فناداهم الكُميل بذلك، فقال معاوية لأصحابه: ماذا تَرون؟ قالوا: لا تفعل فلست له بكُفُؤ في القتال، فقال له عمرو: قد أنصفَك، إنما هو بشر مثلك، فابرز إليه، فقال له معاوية: ما هذه العَداوة التي بيني وبينك؟ أتراني لو قُتلتُ أكنتَ تَنال الخلافة؟! فقال له عمرو: دعاك رجلٌ عظيمُ القدر، كبيرُ الشَّرف، فكنت في مبارزته في إحدى الحسنيَين: إن قتلتَه قتلتَ سيدًا، وإن قتلك جُزيتَ خيرًا، فقال معاوية: إن هذه لَشديدةٌ عليّ، فقال له عمرو: فإن كنتَ في شك من جهاده فتُبْ وراجِع. وقال الهيثم بن عدي: رأى أمير المؤمنين يومًا معاوية واقفًا على تلٍّ، فقصده، فقال لبُسر بن أرطاة: اشغَلْه عني، وهرب معاوية، فطعن أمير المؤمنين بُسرًا فألقاه، فاتَّقاه بعَورته، فأعرض عنه، فقال الأشتر: [من الرجز] في كل يومٍ رِجْلُ شيخٍ شاغِرَهْ وعَورةٌ تحت العَجاجِ ظاهره

стр. 2715

ولما عاد معاوية إلى فُسطاطه جلس وأصحابُه حولَه، فنظر إلى عمرو بن العاص وضحك، فقال له عمرو: ما أضحكك؟ قال: يومُك مع ابن أبي طالب، فقال له عمرو: فاضحك على نفسك، ألستُ الذي أشرتُ عليك بمُبارزته فاحوَلَّتْ عيناك، وأزبَدَ شِدقاك، وبدا منك ما أكرهه أنا وغيري، ووالله لو بدا له منك مثل ما بدا من صَفحتي لأَيتمَ عيالك، وأوجع قَذالك، ولكنك احترزتَ منه بالرجال في أيديها السُّمر العَوالي. وقال هشام: نظر معاوية يومًا من أيام صفين إلى إحدى مَجنَبتَيْ العسكر وقد مالت، فلَحظها بطَرْفه فاستَوتْ، فقال له عمرو بن العاص أهذا شيءٌ دَبَّرتَه يوم قُتل عثمان؟ قال: بل يوم قُتلَ عمر بن الخطاب. وحجّ في هذه السنة بالناس عُبيد الله بن العباس بأمر أمير المؤمنين. وفيها توفي. أسلم مولى رسول الله ﷺ - وكُنيته أبو رافع، وقد ذكرناه في الستة الحادية عشرة من الهجرة في موالي رسول الله ﷺ ، وأنه كان مملوكًا للعباس بن عبد المطلب، فوهبه لرسول الله ﷺ فلما بَشَّر رسول الله ﷺ بإسلام العباس أعتقه رسول الله ﷺ ، وهاجر بعد بدر إلى المدينة، وشهد أحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وزوَّجه رسول الله ﷺ مولاته سَلمى، وتُوفّي في هذه السنة بعد قتل عثمان، وولدت له سَلمى عبيدَ الله على ما قيل، وقد ذكرنا مَن اسمُه أسلم في السنة الحادية عشرة، وليس في موالي رسول الله ﷺ مَن اسمُه أبو رافع غيره. وقد أسند عن رسول الله ﷺ أحاديث، واختلفوا فيها، فقال ابن البَرْقي: هي بضعة عشر حديثًا، وقال غيره: ثمانية وستون. وأخرج له في "الصحيحين" أربعة أحاديث، انفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة، وأخرج أحمد سبعة عشر حديثًا، منها حديث عائشة ﵂ الذي قال له رسول الله ﷺ : "اردُدْها إلى مَأمَنها" (١).

стр. 2716

ومنها حديث الصدقة، قال أحمد: حدثنا يحيى بإسناده عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع قال: بعث النبي ﷺ رجلًا من بني مَخزوم على الصدقة، فقال: ألا تَصحَبُني تُصِب قليلًا؟ [قال: قلت:] حتى أذكرَ ذلك لرسول الله ﷺ ، فذكرتُ له فقال: "إنا آل محمد لا تَحِلُّ لنا الصدقة، وإن موَلى القوم من أنفُسهم". قال الترمذي: هذا حديث صحيح (١). وقد أخرجه ابن سعد بمعناه فقال: حدثنا الفضل بنُ دُكَين، حدثنا حمزة الزيّات، عن الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ الأرقم بن أبي الأرقم ساعيًا على الصدقة، فقال لأبي رافع: هل لك أن تُعينني وأعطيك -أو أجعل لك- سَهمَ العاملين؟ فقال: حتى أذكُرَ ذلك لرسول الله ﷺ ، فذكره له، فقال له: "يا أبا رافع، إنا أهلُ بيتٍ لا تحلُّ لنا الصدقة، وإن مولى القوم منهم -أو من أنفسهم" (٢) "وإن حليفَنا منّا، وابن أُختِنا منا" (٣). وفيها تُوفّي. حُديفة بن اليَمان أبو حذيفة حُسَيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن جِروة بن الحارث بن قَطيعة بن عبس بن بَغِيض بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قيس بن عَيلان بن مُضر، وجِروة هو اليَمان الذي في أجداد حُذيفة، وإنما قيل له اليَمان لأن جِروة أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى

стр. 2717

المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومُه اليَمان؛ لأنه حالف اليَمانية؛ ولهذا ذكر ابن سعد حُذَيفة في الطبقة الثانية من الأنصار الذين شهدوا أحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ (١). وقال الحسن البصري: كان حُذيفة رجلًا من عَبْس، فخيَّره رسول الله ﷺ بين أن يكون من المهاجرين أو من الأنصار، فاختار أن يكون من الأنصار، فأثبت فيهم لما ذكرنا. وأبوه حُسَيْل قُتل يوم أحد غلطًا، وتصدَّق حُذيفة بدمه على المسلمين. قال ابن سعد: وشهد حُسَيل وابناه حُذَيفة وصفوان أحدًا (٢). وكان حذيفة يُكنى أبا عبد الله، وأمّه الرَّباب بنت كعب بن عدي بن [كعب بن] عبد الأشهل. قالوا: وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عمار بن ياسر. وحُذيفة هو الذي بعثه رسول الله ﷺ في غزاة الأحزاب إلى عسكر الكفّار، ووجد أبا سفيان يَصطلي بالنار، وقد ذكرنا القصة هناك. ذكر نبذة من أخباره وفضائله: قال ابن إسحاق: كان حذيفة صاحبَ سرِّ رسول الله ﷺ [لقربه منه] وثقتِه، وأخبره بأسماء المنافقين الذين نَخسوا بعيرَه ليلةَ العَقَبة عند رجوعه من تبوك، وكانوا اثنَي عشر، كلّهم من الأنصار، وحُلفائهم، ولم يكن فيهم قرشي. وكان عمر بن الخطاب إذا رأى حذيفة يقول له: هل أنا منهم؟ لثقته به، وعلوّ منزلته. وقال ابن سعد بإسناده عن صِلَةَ بنِ زُفَر، عن حذيفة قال: قمتُ مع رسول الله ﷺ ليلة في شهر رمضان، فقام يَغتسل وستَرتُه، ففَضلَتْ منه فَضْلَةٌ في الإناء، فقال: "إن شئتَ فأرِقْه، وإن شئتَ فصُبَّ عليه"، قلتُ: يا رسول الله، هذه الفَضْلَةُ أحبُّ إليّ مما أصُبّ عليه، فاغتسلتُ ورسول الله ﷺ يَستُرني، فقلت: لا تَستُرني، فقال: "بلى، لأستُرنَّك كما ستَرتَني".

стр. 2718

وقال ابن سعد بإسناده عن إبراهيم، عن علقمة قال: قَدِمتُ الشام، فدخلتُ المسجد، فجلستُ إلى أبي الدَّرداء، فقال: مَن الرجل؟ قلتُ: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم صاحبُ السِّرِّ الذي كان لا يَعلَمه غيرُه، يعني حُذيفة. وقال ابن سعد بإسناده عن أبي البَختَري، عن حذيفة قال: إن أصحابي تَعلّموا الخير وإني تَعلّمتُ الشرّ، قال: وما حَملك على ذلك؟ قال: إنه مَن تعلم مكان الشرّ يَتَّقِه. وفي رواية ابن سعد أيضًا، عن حذيفة قال: كان الناس يَسألون رسولَ الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسألُه عن الشرّ، فقلتُ له: يا رسول الله، إنا كنا في شرٍّ فجاءنا الله بالخير، فهل بعد الخير شرّ؟ قال: "نعم"، قلتُ: هل وراء الشر خيرٌ؟ قال: "نعم"، قلت: فكيف يكون؟ قال: "سيكون بعدي أئمّةٌ لا يَهدون بَهدْيي، ولا يَستنون بسُنَّتي، وسيقوم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ شياطين في جُثمان إنسان". قال فقلت: فكيف أصنع إن أدركَني ذلك؟ قال: "اسمع للأمير الأعظم وأطع، وإن ضرب ظهرَك وأخذ مالك" (١) وقد أخرجاه في "الصحيحين" بمعناه (٢). وروى ابن سعد عن الواقدي قال: لم يُخبر رسول الله ﷺ بأسماء المنافقين الذين نَخسوه ليلةَ العَقبة إلا حذيفة (٣). وقد ذكرناه. ذكر ولاية حذيفة المدائن: وقال ابن سعد بإسناده عن محمد بن سيرين، قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملًا كتب في عهده أن: اسمعوا وأطيعوا ما عَدل عليكم، فلما استعمل حُذيفة على المدائن كتب في عهده أن: اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم. قال: فخرج حُذيفة من عند عمر على حمار مُوكفٍ، وعلى الحمار زادُه، فلما قدم المدائن استقبَلَه أهلُ الأرض والدَّهاقين، وبيده رغيفٌ وعَرْق لحم، على حمارٍ على إكاف، فقرأ عهدَه عليهم، فقالوا: اسألْنا ما شئتَ، قال: أسألكم طعامًا آكله، وعَلفَ حماري هذا مرّتين ما دمتُ فيكم.

стр. 2719

قال: فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر أن اقْدُم، فلما بلغ عمر قدومُه كمَن له على الطريق في مكان لا يراه، فلما رآه على الحال التي خرج عليها من عنده أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا أخوك. وفي رواية ابن سعد عن عكرمة: أنه كان سادِلًا رجلَيه من جانب، قال: وهو ركوب الأنبياء (١). وقد روى أبو بكر الخطيب القصة، وقال فيها: إن أهل المدائن لَقَوه على بَغلٍ عليه إكاف، وهو مُعترض عليه رجلاه من جانبٍ واحد، فلم يَعرفوه فأجازوه، فلَقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لَقيتُم، قالوا: فركضوا في أثره، وفي يده رغيف وفي الأخرى عرق وهو يأكل، وذكره (٢). وقال ابن سعد بإسناده عن حماد، عن مجاهد: أن حذيفة بن اليمان مَرَّ بدِهقان وهو مُتوجِّهٌ إلى المدائن، فأضافه، وجاءه بماء في إناء من فضّة، فأخذ حُذيفة الإناء فضرب به في وَجه الدِّهقان، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا فيها، ولا تَلبَسوا الحريرَ والديباج، فإنه للمشركين في الدنيا، وهو لكم في الآخرة" (٣). ذكر نبذة من كلامه: قال أبو نعيم بإسناده عن عمارة بن عبد، عن حُذيفة قال: إياكم ومواقف الفِتن، قيل: وما مواقف الفِتن؟ قال: أبوابُ الأُمراء، يَدخل أحدكم إلى الأمير فيُصدّقه بالكذب، ويَقول ما ليس فيه. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أم سلمة قالت: قال حُذيفة: وَدِدتُ أني أُغلق عليَّ بابًا، فلا يَدخل عليَّ أحدٌ حتى ألحق بالله (٤). وهذه أمُّ سلمة ليست زَوجةَ رسول الله ﷺ ، وإنما هي أمُّ موسى بن عبد الله.

стр. 2720

وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين بإسناده إلى الأعمش قال: بكى حذيفة في صلاته، فلما فرغ التفتَ فإذا رجلٌ خلفه، فقال: لا تُعلِمَنَّ بهذا أحدًا (١). وقال ابن سعد بإسناده عن أبي عاصم الغَطَفاني قال: كان حُذيفةُ لا يزال يُحدّثُ الحديث يَستَفظِعونه، فقيل له: يوشك أن تُحدّثَنا أنه يكون فينا مَسْخٌ، قال: نعم، ليكوننّ فيكم مَسْخٌ قِرَدة وخنازير (٢). وقال ابن أبي الدنيا عن أبي الطُّفَيل قال: قال حُذيفة: [من الخفيف]: ليس مَن مات فاستراح بميتٍ … إنما الميتُ مَيّتُ الأحياءِ قيل له: يا أبا عبد الله، وما مَيّتُ الأحياء؟ قال: الذي لا يَعرف المعروف بقلبه، ولا يُنكر المنكَر بقلبه. وذكر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" أن هذا البيت لحُذيفة (٣). قلت: وقد كان مَعروف الكَرْخي يَتمثُّل به دائمًا. ذكر خاتَمه: قال ابن سعد بإسناده عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن أُمّه قالت: كان في خاتم حذيفة كُركِيّان بينهما الحمد لله. وفي رواية ابن سعد أيضًا عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن أمه، وكانت ابنةَ حذيفة، قالت: رأيتُ على حذيفة خاتمًا من ذهب، نَقشُه كُركِيّان بينهما الحمد لله. وفي رواية ابن سعد أيضًا عن موسى بن عبد الله، عن أمه قالت: كان خاتم حُذيفة من ذهب، فيه فصُّ ياقوت، وذكرتْه (٤). ذكر وفاته: قال ابن سعد بإسناده عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن الحسن قال: لما حَضر حذيفةَ الموتُ قال في مرضه: حَبيبٌ جاء على فاقَةٍ، لا أفلح مَن نَدِم.

стр. 2721

وفي رواية ابن سعد عن خالد بن ربيعة العَبْسي قال: لما بلَغنا ثقل حذيفة خرج إليه نفرٌ من بني عَبْس، ونفر من الأنصار، معنا أبو مسعود عُقبة بن عمرو، فأتيناه في الليل، فقال: أيّةُ ساعة هذه؟ قلنا ساعة كذا وكذا، قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار، هل جئتُم معكم بأكفان؟ قلنا: نعم، قال: فلا تُغالوا بكَفني، فإن يكن لصاحبكم عند الله خيرًا يُبدل خيرًا منها، وإلا سُلب سَلْبًا سريعًا (١). وفي رواية أبي نعيم عن حذيفة أنه قال في مرضه الذي مات فيه: لولا أني أرى هذا اليوم آخرَ يوم من أيام الدنيا، وأولَ يوم من الآخرة لم أتكلَّم به، اللهمَّ إنك تعلم أني كنتُ أحبُّ الفقرَ على الغنى، وأحب الذل على العز، وأحبُّ الموتَ على الحياة، حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح مَن نَدم، ثم مات (٢). وفي رواية ابن سعد: أنه أُتي بكَفَنٍ بثلاث مئة درهم، فقال: ليس هذا لي بكَفَن، إنما يكفيني رَيْطتان بَيضاوان؛ فاني لا أُترك إلا قليلًا حتى أُبَدَّلَ خيرًا أو شرًّا منها. وقال ابن سعد: جاء حذيفةَ نعيُ عثمان بن عفان وهو بالمدائن، ومات بعد ذلك بأَشْهُر بالمدائن، سنة ستٍّ وثلاثين، وله بها عقب (٣). وذكر الخطيب بإسناده إلى بلال بن يحيى قال: مات حذيفةُ بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وكان يقول: اللهمَّ اشهد أني لم أشهد ولم أرضَ بقتل عثمان (٤). وقيل: إنه مات بالكوفة والأولُ أصحّ، وقبرُه بالمدائن ظاهر يُزار. وقال ابن سعد: وأخوه صفوان بن اليمان لأبيه وأمه، وشهد أحدًا أيضًا (٥). وقال الواقدي: وَرد أمير المؤمنين المدائنَ بعد وفاة حُذيفة، ووَلّى بها سعد بن مسعود، وقد مات حذيفة، ولم يشهد حُذيفة الجملَ ولا غيره. وذكر المسعودي وقال: كان لحذيفة ابنان سعيد وصفوان، استشهدا مع أمير

стр. 2722

المؤمنين يوم صفين في اليوم الثاني الذي قُتل فيه عمار، وكان حُذيفة قد قال لهما: اخرجا مع أمير المؤمنين أينما كان وحيثما كان، فإنه على الحق وغيره، أو ومَن خالفه، على الباطل. وكان لحذيفة أُختان لأبيه وأمه فاطمة وليلى، أخرج أحمد في "المسند" لفاطمة حديثًا واحدًا، وسنذكره. أسند حذيفة عن النبي ﷺ أحاديث، واختلفوا فيها؛ قال ابن البَرْقي: أسند سبعة وثلاثين حديثًا، وأخرج له أحمد نيفًا وسبعين حديثًا. وأخرج البخاري ومسلم بعضَ أحاديثه، والمتَّفق عليه منها اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر (١). وروى عن حُذيفة: عمر وعثمان وعلي، وابنُه أبو عبيدة بن حذيفة، وطارق بن شهاب، ورِبْعيّ بن حِراش، وأبو إدريس الخولاني، وأبو وائل، وابنُ حُبَيش وغيرُهم. وفي الصحابة مَن اسمه حُذيفة أربعةُ نَفَر: أحدُهم صاحب هذه الترجمة، والثاني حُذيفة بن أَسيد بن الأَغْوز، بغين وزاي معجمتين، ويقال: الأغوس بالسّين والغين معجمة في الموضعين، وكُنيته أبو سَريحة الغِفاري، والثالث حُذيفة بن عُبيد المرادي، والرابع حُذيفة البارِقي، وفيه وفي البارقي نظر (٢)، وليس فيهم من له رواية إلا حذيفة بن اليمان والغِفاري. ومن مَسانيده -يعني مسانيد حذيفة- قال أحمد بإسناده، عن خالد اليشكري. وقال البخاري بإسناده إلى بُسْر بن عُبيد الله الحَضْرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مَخافة أن يُدرِكَني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنّا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم، وفيه دَخَن"، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: "قومٌ يَهدون بغير هَدْيي"، قلتُ: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم قَذفوه فيها"، قلتُ: يا رسول الله، صِفهم لنا؟ قال: "هم

стр. 2723

من جِلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم" قلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزِلْ تلك الفِرقَ كلّها، ولو أن تَعَضَّ بجِذْلِ شجرة، حتى يُدركك الموتُ وأنت على ذلك". أخرجاه في "الصحيحين"، وهو حديث طويل (١)، والدَّخَن: الدُّخان، ومعناه على غير صفاء، وجلدتنا؛ أي: منا، يُشير إلى العرب، والجِذْلُ: الأصْلُ. وأما الحديث الذي أخرجه أحمد لأخته فاطمة؛ فقال أحمد بإسناده عن أبي عبيدة بن حُذيفة، عن عمته فاطمة قالت: أتينا رسول الله ﷺ نَعُودُه في مرضه مع نساء، وإذا سِقاءٌ مُعلَّقٌ نحوه، يَقطر ماؤه عليه من شِدَّة ما يجد من حَرِّ الحمَّى، فقلنا: يا رسول الله، لو دعوتَ الله فشفاك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن من أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم" (٢). وفيها تُوفي الزُّبَير بن العَوّام ابن خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كعب، ويلتقي مع رسول الله ﷺ في النسب عند قُصي. وقال الشيخ الموفَّق ﵀ في "الأنساب": قال الزُّبير بن بَكّار: كان لأسد بن عبد العُزَّى خمسةَ عشر ذكرًا، منهم: خُوَيلد بن أسد، وكان رئيسَ بني أسد في أحد حروب الفِجار، وقيل: في حرب الفجار. وخُوَيلد هو أبو خديجة زوجة رسول الله ﷺ ، وذكر المطَّلبَ ونوفلًا والحارث وحَبيبًا، والكلّ بنو أسد (٣). وأم العَوَّام من بني مازن بن منصور، ووَلد خُويلد نَوفلًا، ويقال له: أسد قريش،

стр. 2724

قتله علي ﵇ يوم بدر كافرًا. وقال الزبير بن بَكَّار: ولا يُعرف عَشرة من أهل بيت واحد قُتلوا على نَسَقٍ واحد أو قريبًا منه سوى بيت الزبير: قُتل خُويلد وابنه العَوَّام في الجاهلية، وقُتل الزبير يوم الجمل، وقُتل ولده عبد الله بمكة، وقُتل ولد الزبير مُصعب بالعراق في حرب عبد الملك بن مروان ومعه ولدُه عيسى (١) بن مصعب، وقُتِل حمزة والمنذر ابنا الزبير مع أخيهما عبد الله بمكة، وقَتَل عبد الله بن الزبير أخاه عمرًا بمكة؛ لأنه كان قد مالأ عليه، وقُتِل خالد بن الزبير مع [محمد بن] عبد الله بن حسن بن حسن. قلت: وقد ذكر جدي ﵀ في "التلقيح" (٢) وقال: مسألة، هل تعرفون مَن قُتل هو وأبوه وجدُّه كذلك إلى ستة آباء؟ والجواب: أنه عُمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العَوّام بن خويلد، قُتل عُمارة وأبوه حمزة يوم قُدَيد، وقُتل مصعب في حرب عبد الملك بن مروان، وقُتل الزبير بوادي السِّباع، والعوَّام يوم الفِجار، وخويلد في الجاهلية. وأم الزبير بن العوام صَفيَّة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمةُ النبي ﷺ ، وكُنية الزبير أبو عبد الله. وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قاتل الزبير رجلًا بمكة، فضربه الزبير ضَربًا شديدًا وكسر يده، فمُرَّ بالرجل على صفية وهو يُحمَل فقالت: ما شَأنُه؟ فقالوا: كسر الزبير يدَه، فقالت: [من الرجز] كيف رأيتَ زَبْرا أأقطًا أم تَمْرا (٣) أم مُشمَعِلًا صَقْرا

стр. 2725

ذكر إسلامه: واختلفوا فيه، قال ابن سعد بإسناده عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال: كان إسلامُ الزبير بعد أبي بكر، كان رابعًا أو خامسًا. قال: وأخبرت عن حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ست عشرة سنة (١). وذكر الموفق ﵀ أنه أسلم هو وعلي وهما ابنا ثمان سنين. قال: وقال موسى بن طلحة: ولد الزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص في عام واحد. وقال هشام: أسلم وله اثنتا عشرة سنة (٢). وقال ابن إسحاق: لما أسلم عَذّبه عمه نوفل وجعله في حَصير، وكان يُعذبه بالدُّخان ليَرجع عن دينه فقال: والله لا أرجع عن ديني أبدًا، فتركه. ذكر صفته: حكى ابن سعد، عن الواقدي قال: كان الزبير بن العوام رجلًا ليس بالقصير ولا بالطويل، إلى الخِفّة ما هو في اللحم، ولحيتُه خفيفة، أسمر اللون أشعَر. وحكى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ربما أخذتُ بالشعر على مَنْكبي الزبير وأنا غُلام، فأتَعلَّق به على ظهره (٣). وقال هشام: كان أبيض طويلًا، وقيل: أسمر خفيفَ العارِضَين. وحكى أبو اليقظان، عن هشام بن عروة قال: كان جَدّي الزبير إذا ركب تَخُطّ الأرضَ رجلاه، وكان لا يُغَيِّر شيبَه، قال: وكنتُ وأنا غلام أجذب بشعر كَتفيَه حتى أقوم (٤). ذكر جملة من مناقبه: قال ابن سعد: هاجر الزبير إلى الحبشة الهجرتَين، ولم يتخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزاةٍ غزاها، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين

стр. 2726

الأولين، وأحد العشرة المبَشَّرين، وابن عمة رسول الله ﷺ وحواريّه، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وجمع له رسول الله ﷺ أبوَيه، ولم يجمعهما إلا له ولسعد بن أبي وقاص (١). وذكر الموفق ﵀، عن أبي إسحاق السبيعي قال: وقفتُ على مجلسٍ فيه أكثر من عشرين رجلًا من الصحابة، فقلت لهم: مَن كان أكرمَ على رسول الله ﷺ ؟ قالوا: علي والزبير. وقد ذكرنا أنه كان على الزبير يومَ بدرٍ مُلاءةٌ صفراء، فنزلت الملائكة على سيماه، وثبت مع النبي ﷺ يوم أحد وبايعه على الموت. وقال الموفق ﵀ عن هشام بن عروة، قال: نَفخت نفخةٌ من الشيطان أُخذ فيها رسول الله ﷺ ، فأقبل الزبير يَشقُّ الناس بسيفه والنبي ﷺ بأعلا مكة، فقال له رسول الله ﷺ : "ما لك يا زبير؟ " فقال: أُخبرت أنك أُخذت، قال: فصلّى عليه ودعا له ولسيفه (٢). وقد رواه ابن المسيب فقال: أول مَن سلَّ سيفًا في ذات الله الزبير بن العوام، بينما هو بمكة إذ سمع نغمة: أن النبي ﷺ قد قُتل، فخرج عُريانًا ما عليه شيء، في يده السيف صَلْتًا، فتلقّاه رسول الله ﷺ كَفةً بكفة، فقال: "ما لك يا زبير؟ " قال: سمدتُ أنك قد قتلت، قال: "فما كنتَ صانعًا" قال: أردت والله أن أستعرِضَ أهلَ مكة، فدعا له رسول الله ﷺ . وقال مصعب بن الزيبر: قاتل أبي مع رسول الله ﷺ وعمره اثنتا عشرة سنة (٣). وقال أبو نعيم الأصفهاني بإسناده عن أبي الأسود قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان عمُّهُ يُعذِّبه (٤)، وقد ذكرناه.

стр. 2727

وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "لكلِّ نبيٍّ حواري، وحواريّي الزبير" (١)، أخرجاه في "الصحيحين" (٢)، والحواريُّ: الناصر. وحكى ابن سعد عن الواقدي بإسناده، عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما هاجر الزبير من مكة إلى المدينة نزل على المنذر بن محمد بن عقبة بن أُحَيحة بن الجُلاح. واختلفوا في الذين آخى رسول الله ﷺ بين الزبير وبينهم على أقوال؛ أحدها: بينه وبين ابن مسعود، والثاني: بين الزبير وطلحة، والثالث: بينه وبين كعب بن مالك، حكى هذه الأقوال ابن سعد عن الواقدي وغيره (٣). وقيل: آخى بينه وبين [سلمة بن] سلامة بن وَقْش (٤). وقد روينا أن رسول الله ﷺ رخص له في لُبْسِ الحرير بعُذْرِ القمل، وأقطعه نخلًا من أموال بني النَّضِير. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: أن أبا بكر ﵁ أقطعه الجُرُف، وأقطعه عمر العَقيقَ أجمع. وقال الزبير بن بكار بإسناده عن الأوزاعي، قال: كان للزبير ألفُ مَملوك يُؤدُّون الضّريبة، لا يَدخل بيتَ ماله منها دِرهم، يَتصدَّق بها. وقال الزبير بن بكار أيضًا بإسناده عن جُويرية، قالت: باع الزبير دارًا بست مئة ألف، فقيل له: غُبِنتَ، فقال: كلا والله، لتَعلَمُنَّ أنني لم أُغبَن، هي في سبيل الله تعالى. وقال عبد الله بن أحمد باسناده، عن علي بن زيد، قال: أخبرني مَن رأى الزبير، وإن في صدره لأمثال العيون من الطَّعنِ والرَّمْي. وأخرج البخاري عن مروان بن الحكم، قال: أصاب عثمانَ رُعافٌ شديدٌ عام الرُّعاف، حتى حبسه عن الحجّ، وأوصى، فدخل عليه رجلٌ من قريش، فقال له: استخلِفْ، فقال:

стр. 2728

نعم، ودخل عليه رجلٌ آخر فقال له كذلك، فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فلما كان في الثالثة قال: الزبير؟ والذي نفسي بيده إنه لخيرُهم وأحبهم إلى رسول الله ﷺ (١). وقال ابن عباس: وفي الزبير نزل قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] (٢). وروى الزبير بن بكار، عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير جماعة من الصحابة، منهم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، فكان يَحفظ عليهم أموالهم، ويُنفق على أبنائهم من ماله. قال: وأوصى إليه مُطيع بن الأسود، فامتنع من قَبول الوصيّة، فقال له مُطيع: فإني أَنشُدك اللهَ والرَّحم، فإني والله ما أتبع في ذلك إلا رأي عمر بن الخطاب، سمعتُه يقول: لو تركتُ تَرِكة، أو عهدتُ إلى أحدٍ، لعهدتُ إلى الزبير، إنه ركنٌ من أركان الدّين. قال: وأوصى إليه أبو العاص بنُ الربيع بابنته أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فزوَّجها الزُّبير من علي ﵇. وقال عروة: شهد الزبير فتحَ مصر لما بعثه عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، وهو أول من صعد السُّلَّم في فتح حِصنها، ولما قَرب من مصر وكان بها الطّاعون، قيل له: احذرِ الطّاعون، فقال: إنما خرجتُ للطَّعنِ والطاعون (٣). ذكر مقتل الزبير بن العوام: قد ذكرنا أنه خرج من العسكر يوم الجمل يَقصد المدينة، فقتله عمرو بن جُرْموز بوادي السِّباع، باتّفاق من الأحنف بن قيس (٤). وقال الهيثم بن عدي: سأل الزبير يوم الجمل فقال: أفيكم عمار بن ياسر؟ قالوا: نعم، فأغمد سيفَه وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لعمار: "تَقتلُك الفئةُ الباغية"، ورجع يطلب المدينة، فقتله ابن جرموز بوادي السباع.

стр. 2729

وقال الموفق ﵀ في "الأنساب": شهد الزبير الجمل، فذكَّره علي أن رسول الله ﷺ قال له: "يا زبير، أما إنك ستقاتلُه وأنت ظالم له" فذكر ذلك، فانصرف عن القتال، فاتّبعه ابنُ جُرموز فاغتَرَّه، وقتله بوادي السِّباع، وجاء بسيفه إلى علي، فقال: بَشِّر قاتلَ ابنِ صَفيَّةَ بالنار (١). وقيل: إن ابن عباس وَبَّخه يوم الجمل. وقال ابن سعد بإسناده عن أبي خالد -يعني الوالبيّ- قال: دعا الأحنفُ بن قيس بني تميم فلم يُجيبوه، ثم دعا بني سعد فلم يُجيبوه، فاعتزل في رهطٍ، فمر به الزبير على فَرس يُقال له: ذو النّعال، فقال الأحنف بن قيس: هذا الذي كان يُفسد بين الناس، قال: فأتْبَعَه رجلين ممن كان معه، فحمل عليه أحدهما فطعنه، وحمل عليه الآخر فقتله، وجاء برأسه إلى باب علي، فقال: ائذَنوا لقاتل الزبير، فسمعه علي فقال: بَشّر قاتلَ الزبير بالنار، فألقاه وذهب. وفي رواية: فحمل القوم عليه جميعًا فقتلوه، وأخذ ابنُ جُرموز رأسَه وسيفَه، وحملهما حتى أتى بهما إلى علي، فأخذ علي السيف وقال: سيفٌ طال والله ما جَلى به الكَرْبَ عن وَجه رسول الله ﷺ ، ولكن الحَيْنُ ومَصارعُ السُّوء، وجلس علي يبكي عليه هو وأصحابه وأولاده، ودُفن الزبير بوادي السِّباع (٢). وقال أحمد: حدثنا معاوية بإسناده، عن زِرّ بن حُبَيش قال: استأذن ابنُ جُرموز على علي وأنا عنده، فقال عليّ: بَشِّر قاتلَ ابنِ صَفيَّةَ بالنار، ثم قال علي: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لكلّ نبيٍّ حَواريّ، وحواريَّ الزبير" (٣). وقال أبو أحمد الحاكم: دُفن الزبير بسَفَوان. وقال ابن سعد: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيل تحت الزبير، وكان أهلُ المدينة يقولون: مَن أراد الشهادة فليتزوَّج عاتكة بنت زيد، وكانت عند عبد الله بن أبي بكر فقُتل عنها (٤).

стр. 2730

وقد ذكرناها (١) في ترجمة عبد الله بن أبي بكر، وما قال فيها من الشعر لما أمره أبوه بطلاقها، وكانت من المهاجرات، وسنذكرها بعد هذا. وقال ابن سعد: وقال جرير بن الخَطَفَى: [من الكامل] إن الرَّزِيَّةَ مَن تَضمَّنَ قَبرَه … وادي السّباع لكلِّ جَنْبٍ مَصرَعُ لما أتى خَبَرُ الزبيرِ تواضعتْ … سُوُرُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ وبكى الزبيرَ بناتُه في مَأتَمٍ … ماذا يَرُدُّ بكاءَ مَن لا يَسمعُ (٢) ذكر سن الزبير: واختلفوا فيه، حكى ابن سعد، عن الواقدي، عن عبيد الله بن عروة بن الزبير، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عروة بن الزبير قال: قُتل أبي يوم الجمل وقد زاد على الستّين بأربع سنين. وحكى ابن سعد، عن الواقدي قال: سمعتُ مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يقول: شهد الزبير بدرًا وهو ابن تسعٍ وعشرين سنة، وقُتل وهو ابن أربعٍ وستّين (٣). وحكى جدي في "الصفوة" ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قتل وهو ابن بضع وخمسين سنة. والثاني: ابن ستين سنة. والثالث: ابن خمسٍ وسبعين سنة (٤). وقال في "التّلقيح": ابنَ أربع وستين (٥). وقال أبو اليقظان: ابن ثلاث وستين. ذكر أولاده: قال ابن سعد: كان للزبير من الولد أحد عشر ذكرًا وتسع نسوة، عبد الله وعروة

стр. 2731

والمنذر، وعاصم والمهاجر دَرَجا، وخديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة، وأمُّ الجميع أسماء بنت أبي بكر الصديق. وخالد وعمرو وحبيبة وسَودة وهند، وأُمّهم أم خالد، وهي أمَة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. ومصعب وحمزة ورَمْلة، وأمُّهم الرّباب بنت أُنَيف بن عُبيد، كلبيّة. وقال ابن سعد: وحمزة أخو مصعب بن الزبير لأبيه وأمه، فولد حمزةُ عمارة، مات ولم يُعقِب، فورثه عروة وجعفر ابنا الزبير. وعُبيدة وجعفر، وأمُّهما زينب، وتُكنى أم جعفر بنت مَرْثد بن عمرو، من بني ثعلبة، وزينب وأمُّها أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط، وخديجة الصُّغرى وأمُّها الحلال (١) بنت قيس بن نَوفل، من بني أسد. قال ابن سعد: وأُخبرت عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال الزبير بن العوّام: إن طلحة بن عُبيد الله يُسمّي بَنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم أنه لا نبيَّ بعد محمد ﷺ ، وإني أُسمّي بَنيَّ بأسماء الشُّهداء لعلهم أن يُستشهدوا، فسمّى عبد الله بعبد الله بن جَحش، والمنذر بالمنذر بن عَمرو، وعروة بعروة بن مسعود، وحمزة بحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بجعفر بن أبي طالب، ومصعب بمُصعب بن عُمير، وعُبيدة بعبيدة بن الحارث، وخالد بخالد بن سعيد، وعَمرًا بعمرو بن سعيد بن العاص قتل يوم اليرموك. هذا كلامُ ابن سعد (٢). قلت: فأما عبد الله بن الزبير فسنذكره في سنة ثلاث وسبعين. وأما عروة ففي سنة ثلاث أو أربع وتسعين. وأما المنذر فقُتل مع أخيه عبد الله. وأما عاصم فمات وهو غلام، ولا عقب له. وأما المهاجر فلا ذكر له. وأما مُصعب فقتله عبد الملك بن مروان لما نذكر.

стр. 2732

وأما عمرو بن الزبير فقتله أخوه عبد الله، وسنذكره في سنة ستين. وأما جعفر بن الزبير فمات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وأما خديجة الكبرى، فقال الزبير بن بكار: تزوجها عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، ثم خلَف عليها جُبير بن مُطعم بن عَدي بن نوفل بن عبد مناف، ثم خلف عليها [عبد الله بن] السائب بن أبي حُبَيش بن المطلب الأسدي. وأما أم حسن فتزوّجها [عبد الرحمن بن] الحارث بن هشام بن المغيرة، فوَلدت له: عبد الله وأبا سلمة والحارث وعيّاشًا، وعائشة وأم الزبير وأم سعيد وعاتكة وأم كلثوم وأسماء، وكلهم بنو عبد الرحمن من أم حسن. قال: وعائشة بنت الزبير تزوّجها الوليد بن عثمان بن عفان، فولدت له عبد الله بن الوليد، وأم عائشة بنت الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق. وأما رَمْلة بنت الزبير فأخت مصعب لأبيه وأمه، خطبها عبد الملك بعد قتل أخيها مصعب، فقالت: أنا أتزوّج أبا الذبّان بعد قتله مصعبًا؟! وقيل: إن عبد الملك شاور أخاها عروة بن الزبير فقال: بالأمس قتلت أخاها واليوم تتزوجها لا آمنها عليك، فامتنع من تزويجها، فتزوجها خالد بن يزيد بن معاوية. وأما حَبيبة بنت الزبير فتزوجها يعلى بن أمية التميمي، ثم خلف عليها عبد الله بن عباس بن علقمة العامري، فولدت له عباس بن عبد الله. وأما سَوْدة بنت الزبير فتزوجها عمرو بن سعيد بن العاص. وأما هند بنت الزبير فتزوجها عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُريز، وأمها أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. ذكر هذا الزبير بن بكار وأهل النسب (١). ذكر إخوة الزبير: قال علماء السير: وهم خمسة: السائب وعبد الرحمن وأسود وأَصْرم وَيعْلى بنو العوام، ولم يعقب منهم أحد سوى الزبير، ولم يشتهر منهم سوى السائب بن العوام

стр. 2733

شهد أحدًا والخندق وما بعدها، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا، وقد ذكرناه (١). وقد قال الموفق ﵀: وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، أسلم وحَسُنَ إسلامه، وقُتل يوم اليرموك شهيدًا، وابنُه عبد الله بن عبد الرحمن قُتل يوم الدار مع عثمان، وابنه الآخر عبيد الله قتل بصفّين. قال الموفق: وكان للزبير أختٌ يقال لها زينب بنت العوام، تزوجها حكيم بن حزام فولدت له، ولها شعر ترثي فيه عثمان بن عفان وأخاها الزبير. قال: وكان للزبير أخت أخرى يقال لها أم حبيب بنت العوام ولدت لخالد بن حزام (٢). وقال هشام: وكان للزبير أختُ يُقال لها: أم السائب بنت العَوّام (٣). ذكر موالي الزبير: قد حكينا أنه كان له ألفُ مملوك، ومن أعيانهم: البَهيّ، واسمه عبد الله بن يَسار، وكُنيتُه أبو محمد، روى الحديث عن عائشة، ونزل الكوفة فروى عنه أهلها. ومنهم حُميد القارئ، ويعرف بالأعرج، قارئ أهل مكة، وكان مُحدّثًا حاسبًا فارضًا، قرأ القرآن على مجاهد (٤). ذكر وصايا الزبير وتركته وقضاء ديونه: قال البخاري بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: دعاني أبي يوم الجمل وهو واقف في الصف، فقال لي: يا بُني، إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مَظلوم، ولا أُراني إلا سأُقتل اليوم مَظلومًا، وإن من أكبر همِّي لَدَيني، أفترى دَيني يُبقي من مالي شيئًا، وأوصى بالثلّث، وثُلُثه لبنيه، يعني لبني عبد الله، قال: فإن عَجزت عن شيءٍ منه فاستعن عليه بمولاي. قال عبد الله: فوالله ما دَريتُ ما أراد حتى قلتُ له: يا أبتِ، مَن مَولاك؟ قال: الله

стр. 2734

تعالى، قال: فوالله ما وَقعتُ في كُربَةٍ من دَينه إلا قلت: يا مَولى الزبير اقضِ عنه دَينه فيَقضيه. قال: فقُتل يوم الجمل ولم يَدَعْ دينارًا ولا دِرهمًا إلا أرَضِين؛ منها: الغابة، وأحد عشر دارًا بالمدينة، ودارَين بالبصرة، ودارًا بمصر، ودارًا بالكوفة. قال: وإنما كان دَينه الذي عليه؛ كان الرجل يَأتيه بمالٍ فيَستودِعُه إياه، فيقول الزبير: لا ولكن هو سَلَف، إني أخشى عليه الضَّيعَة، وما وَلي إمارةً قط، ولا جبايةً ولا خراجًا ولا شيئًا؛ إلا أن يكون في غَزو مع رسول الله ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدَّين فوجدتُه ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم، فلَقيني حكيم بن حزام فقال: يا ابنَ أخي، كم على أخي من الدَّين؟ فكتمتُه وقلت: مئة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تَتّسع لهذه، فقال له عبد الله: أرأيتَ إن كانت ألفي ألف ومئتي ألف؟ فقال: ما أُراكم تُطيقون هذا، فإن عَجزتُم عن شيءٍ فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وست مئة ألف، ثم قام فقال: مَن كان له على الزبير شيءٌ فلْيُوافِنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربع مئة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتُها لكم، وإن شئتم جعلتُها فيما تُؤخرون إن أخّرتُم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قِطعةً، [فقال عبد الله: لك] من ها هنا إلى ها هنا، فباع عبد الله فقضى دَينه منها وأوفاه، وبقي منها أربعةُ أسهم ونصف. فقدم عبد الله على معاوية وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زَمعة، فقال له معاوية: بكم قُوِّمت الغابة؟ فقال: كلُّ سهمٍ بمئة ألف، قال: فكم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف (١)، فقال المنذر: قد أخذتُ منها سهمًا بمئة ألف، وقال عمرو بن عثمان: وأنا كذلك، وقال ابن زَمْعة: وأنا كذلك، وقال معاوية: وأنا قد أخذتُ سهمًا ونصفًا بمئة ألف وخمسين ألفًا.

стр. 2735

وباع عبد الله بن جعفر نَصيبه من معاوية بست مئة ألف، فلما فرغ ابنُ الزبير من قضاء ديونه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثَنا، فقال: لا والله، لا أقسِمُه بينكم حتى أُنادي بالموسم أربعَ سنين: ألا مَن كان له على الزبير دَينٌ فلْيأتِنا فلنقضِه، فجعل كلّ سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم ورفع الثّلث. وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كلّ امرأةٍ ألفَ ألف ومئتي ألف، فجميع مال الزبير خمسون ألف ألف ومئتا ألف. انفرد بإخراجه البخاري. وكذا ذكر ابن سعد في "الطبقات" (١). قال الزهري: وهذا مال عظيم، والغابة أرضٌ بالمدينة، فيها رياض وشجرات. وقال هشام: لما قتل الزبير أرسل ابنُه عبد الله إلى عاتكة بنت زيد: إنك امرأة من بني عَديّ، ونحن من بني أسد، فإن دخلتِ علينا أفسدتِ أموالنا وأضررتِ بنا، فصالحها على ثمانين ألفًا. وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن الزبير بن العوّام جعل دارًا له حَبيسًا على كلِّ مَردودةٍ من بناته. وفي رواية ابن سعد عن عروة بن الزبير قال: كان قيمةُ ما ترك الزبير أحدًا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وفي رواية ابن سعد عن عروة قال: كان للزبير بمصر خطط، وبالإسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غَلاتٌ تَقدم عليه من أعراض المدينة (٢). وروى هشام بن محمد، عن أبيه قال: ترك الزبير من العين خمسين ألف ألف درهم، ومن العروض مثلها، قال: وقيل لعبد الله بن الزبير: قد كان أبوك على ما كان عليه من الفضل، ويُخلّف دينًا عليه ألفي ألف؟ فقال: لم يكن دَينًا عليه، ولكنها مَواعيد كان يكتب بها للناس (٣).
следующие страницы →