← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

والمنذر، وعاصم والمهاجر دَرَجا، وخديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة، وأمُّ الجميع أسماء بنت أبي بكر الصديق. وخالد وعمرو وحبيبة وسَودة وهند، وأُمّهم أم خالد، وهي أمَة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. ومصعب وحمزة ورَمْلة، وأمُّهم الرّباب بنت أُنَيف بن عُبيد، كلبيّة. وقال ابن سعد: وحمزة أخو مصعب بن الزبير لأبيه وأمه، فولد حمزةُ عمارة، مات ولم يُعقِب، فورثه عروة وجعفر ابنا الزبير. وعُبيدة وجعفر، وأمُّهما زينب، وتُكنى أم جعفر بنت مَرْثد بن عمرو، من بني ثعلبة، وزينب وأمُّها أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط، وخديجة الصُّغرى وأمُّها الحلال (١) بنت قيس بن نَوفل، من بني أسد. قال ابن سعد: وأُخبرت عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال الزبير بن العوّام: إن طلحة بن عُبيد الله يُسمّي بَنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم أنه لا نبيَّ بعد محمد ﷺ ، وإني أُسمّي بَنيَّ بأسماء الشُّهداء لعلهم أن يُستشهدوا، فسمّى عبد الله بعبد الله بن جَحش، والمنذر بالمنذر بن عَمرو، وعروة بعروة بن مسعود، وحمزة بحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بجعفر بن أبي طالب، ومصعب بمُصعب بن عُمير، وعُبيدة بعبيدة بن الحارث، وخالد بخالد بن سعيد، وعَمرًا بعمرو بن سعيد بن العاص قتل يوم اليرموك. هذا كلامُ ابن سعد (٢). قلت: فأما عبد الله بن الزبير فسنذكره في سنة ثلاث وسبعين. وأما عروة ففي سنة ثلاث أو أربع وتسعين. وأما المنذر فقُتل مع أخيه عبد الله. وأما عاصم فمات وهو غلام، ولا عقب له. وأما المهاجر فلا ذكر له. وأما مُصعب فقتله عبد الملك بن مروان لما نذكر.

стр. 2732

وأما عمرو بن الزبير فقتله أخوه عبد الله، وسنذكره في سنة ستين. وأما جعفر بن الزبير فمات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وأما خديجة الكبرى، فقال الزبير بن بكار: تزوجها عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، ثم خلَف عليها جُبير بن مُطعم بن عَدي بن نوفل بن عبد مناف، ثم خلف عليها [عبد الله بن] السائب بن أبي حُبَيش بن المطلب الأسدي. وأما أم حسن فتزوّجها [عبد الرحمن بن] الحارث بن هشام بن المغيرة، فوَلدت له: عبد الله وأبا سلمة والحارث وعيّاشًا، وعائشة وأم الزبير وأم سعيد وعاتكة وأم كلثوم وأسماء، وكلهم بنو عبد الرحمن من أم حسن. قال: وعائشة بنت الزبير تزوّجها الوليد بن عثمان بن عفان، فولدت له عبد الله بن الوليد، وأم عائشة بنت الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق. وأما رَمْلة بنت الزبير فأخت مصعب لأبيه وأمه، خطبها عبد الملك بعد قتل أخيها مصعب، فقالت: أنا أتزوّج أبا الذبّان بعد قتله مصعبًا؟! وقيل: إن عبد الملك شاور أخاها عروة بن الزبير فقال: بالأمس قتلت أخاها واليوم تتزوجها لا آمنها عليك، فامتنع من تزويجها، فتزوجها خالد بن يزيد بن معاوية. وأما حَبيبة بنت الزبير فتزوجها يعلى بن أمية التميمي، ثم خلف عليها عبد الله بن عباس بن علقمة العامري، فولدت له عباس بن عبد الله. وأما سَوْدة بنت الزبير فتزوجها عمرو بن سعيد بن العاص. وأما هند بنت الزبير فتزوجها عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُريز، وأمها أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. ذكر هذا الزبير بن بكار وأهل النسب (١). ذكر إخوة الزبير: قال علماء السير: وهم خمسة: السائب وعبد الرحمن وأسود وأَصْرم وَيعْلى بنو العوام، ولم يعقب منهم أحد سوى الزبير، ولم يشتهر منهم سوى السائب بن العوام

стр. 2733

شهد أحدًا والخندق وما بعدها، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا، وقد ذكرناه (١). وقد قال الموفق ﵀: وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، أسلم وحَسُنَ إسلامه، وقُتل يوم اليرموك شهيدًا، وابنُه عبد الله بن عبد الرحمن قُتل يوم الدار مع عثمان، وابنه الآخر عبيد الله قتل بصفّين. قال الموفق: وكان للزبير أختٌ يقال لها زينب بنت العوام، تزوجها حكيم بن حزام فولدت له، ولها شعر ترثي فيه عثمان بن عفان وأخاها الزبير. قال: وكان للزبير أخت أخرى يقال لها أم حبيب بنت العوام ولدت لخالد بن حزام (٢). وقال هشام: وكان للزبير أختُ يُقال لها: أم السائب بنت العَوّام (٣). ذكر موالي الزبير: قد حكينا أنه كان له ألفُ مملوك، ومن أعيانهم: البَهيّ، واسمه عبد الله بن يَسار، وكُنيتُه أبو محمد، روى الحديث عن عائشة، ونزل الكوفة فروى عنه أهلها. ومنهم حُميد القارئ، ويعرف بالأعرج، قارئ أهل مكة، وكان مُحدّثًا حاسبًا فارضًا، قرأ القرآن على مجاهد (٤). ذكر وصايا الزبير وتركته وقضاء ديونه: قال البخاري بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: دعاني أبي يوم الجمل وهو واقف في الصف، فقال لي: يا بُني، إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مَظلوم، ولا أُراني إلا سأُقتل اليوم مَظلومًا، وإن من أكبر همِّي لَدَيني، أفترى دَيني يُبقي من مالي شيئًا، وأوصى بالثلّث، وثُلُثه لبنيه، يعني لبني عبد الله، قال: فإن عَجزت عن شيءٍ منه فاستعن عليه بمولاي. قال عبد الله: فوالله ما دَريتُ ما أراد حتى قلتُ له: يا أبتِ، مَن مَولاك؟ قال: الله

стр. 2734

تعالى، قال: فوالله ما وَقعتُ في كُربَةٍ من دَينه إلا قلت: يا مَولى الزبير اقضِ عنه دَينه فيَقضيه. قال: فقُتل يوم الجمل ولم يَدَعْ دينارًا ولا دِرهمًا إلا أرَضِين؛ منها: الغابة، وأحد عشر دارًا بالمدينة، ودارَين بالبصرة، ودارًا بمصر، ودارًا بالكوفة. قال: وإنما كان دَينه الذي عليه؛ كان الرجل يَأتيه بمالٍ فيَستودِعُه إياه، فيقول الزبير: لا ولكن هو سَلَف، إني أخشى عليه الضَّيعَة، وما وَلي إمارةً قط، ولا جبايةً ولا خراجًا ولا شيئًا؛ إلا أن يكون في غَزو مع رسول الله ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدَّين فوجدتُه ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم، فلَقيني حكيم بن حزام فقال: يا ابنَ أخي، كم على أخي من الدَّين؟ فكتمتُه وقلت: مئة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تَتّسع لهذه، فقال له عبد الله: أرأيتَ إن كانت ألفي ألف ومئتي ألف؟ فقال: ما أُراكم تُطيقون هذا، فإن عَجزتُم عن شيءٍ فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وست مئة ألف، ثم قام فقال: مَن كان له على الزبير شيءٌ فلْيُوافِنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربع مئة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتُها لكم، وإن شئتم جعلتُها فيما تُؤخرون إن أخّرتُم، فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قِطعةً، [فقال عبد الله: لك] من ها هنا إلى ها هنا، فباع عبد الله فقضى دَينه منها وأوفاه، وبقي منها أربعةُ أسهم ونصف. فقدم عبد الله على معاوية وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زَمعة، فقال له معاوية: بكم قُوِّمت الغابة؟ فقال: كلُّ سهمٍ بمئة ألف، قال: فكم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف (١)، فقال المنذر: قد أخذتُ منها سهمًا بمئة ألف، وقال عمرو بن عثمان: وأنا كذلك، وقال ابن زَمْعة: وأنا كذلك، وقال معاوية: وأنا قد أخذتُ سهمًا ونصفًا بمئة ألف وخمسين ألفًا.

стр. 2735

وباع عبد الله بن جعفر نَصيبه من معاوية بست مئة ألف، فلما فرغ ابنُ الزبير من قضاء ديونه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثَنا، فقال: لا والله، لا أقسِمُه بينكم حتى أُنادي بالموسم أربعَ سنين: ألا مَن كان له على الزبير دَينٌ فلْيأتِنا فلنقضِه، فجعل كلّ سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم ورفع الثّلث. وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كلّ امرأةٍ ألفَ ألف ومئتي ألف، فجميع مال الزبير خمسون ألف ألف ومئتا ألف. انفرد بإخراجه البخاري. وكذا ذكر ابن سعد في "الطبقات" (١). قال الزهري: وهذا مال عظيم، والغابة أرضٌ بالمدينة، فيها رياض وشجرات. وقال هشام: لما قتل الزبير أرسل ابنُه عبد الله إلى عاتكة بنت زيد: إنك امرأة من بني عَديّ، ونحن من بني أسد، فإن دخلتِ علينا أفسدتِ أموالنا وأضررتِ بنا، فصالحها على ثمانين ألفًا. وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن الزبير بن العوّام جعل دارًا له حَبيسًا على كلِّ مَردودةٍ من بناته. وفي رواية ابن سعد عن عروة بن الزبير قال: كان قيمةُ ما ترك الزبير أحدًا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وفي رواية ابن سعد عن عروة قال: كان للزبير بمصر خطط، وبالإسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غَلاتٌ تَقدم عليه من أعراض المدينة (٢). وروى هشام بن محمد، عن أبيه قال: ترك الزبير من العين خمسين ألف ألف درهم، ومن العروض مثلها، قال: وقيل لعبد الله بن الزبير: قد كان أبوك على ما كان عليه من الفضل، ويُخلّف دينًا عليه ألفي ألف؟ فقال: لم يكن دَينًا عليه، ولكنها مَواعيد كان يكتب بها للناس (٣).

стр. 2736

ذكر مسانيد الزبير: ليس في الصحابة مَن اسمه الزبير بن العوام غيره، فأما غير ابنِ العوَّام فاثنان؛ أحدهما: الزبير بن أبي هالة، وله صحبة ورواية، والثاني: الزبير بن عبيدة، ليس له رواية (١). واختلفوا في مَسانيد الزبير بن العوام؛ فقال أبو نعيم الأصبهاني: أسند نيّفًا وثلاثين حديثًا بمراسيلها، وقال ابن البرقي: الذي حُفظ لنا عنه نحوٌ من عشرين بمراسيلها. وأخرج له أحمد عشرين حديثًا، منها في "الصحيحين" تسعة أحاديث، المتَّفق عليه منها اثنان، وباقيها للبخاري (٢). وروى عن الزبير أبناؤه: عبد الله وعُروة وجعفر، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن عامر بن كُريز، ومسلم بن جُندب الهُذَلي في آخرين، وكان الزبير قليلَ الحديث عن رسول الله ﷺ ، لا يُحدّث إلا في الأحيان. قال أحمد بن حنبل بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبد الله قال: قلتُ لأبي: مالك لا تُحدّث عن رسول الله ﷺ كما يُحدّث ابن مسعود وفلان؟ فقال: أما إني لم أُفارقه منذ أسلمتُ، ولكنني سمعتُه يقول: "من كذب عليَّ، أو قال عليَّ ما لم أقل فليتبَوأ مقعدَه من النار" (٣). ولم يذكر في هذا الحديث: "من كذب مُتَعمّدًا"، وكان الزبير يُنكر أن رسول الله ﷺ قال: متعمدًا. وقال وَهْب بن جرير في حديثه عن الزبير: والله ما قال رسول الله متعمّدًا، وأنتم تقولون متعمدًا (٤). قلت: ولفظة: متعمدًا؛ رواها عن رسول الله ﷺ مئة وعشرون من الصحابة، وقيل: نيّفٌ وستون (٥)، منهم العشرة المبَشَّرون، وأحاديثهم في "الصحيحين"، فيحتمل أن

стр. 2737

الزبير لم يَسمعها من رسول الله ﷺ ، فخاف أن يُحدِّث ما لم يسمعه شِفاهًا، وإن كان قد سمعه من الصحابة، وهذا دليلٌ على كمال وَرَعه. وقال أبو سليمان الخطّابي: في الحديث من الفقه أنه لا يجوز للرجل أن يُحدّث عن النبي ﷺ بالشك وغالب الظن. ومن مسانيد الزبير: قال أحمد بإسناده عن غَيلان بن جَرير، عن مُطرِّف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم، ضيَّعتُم الخليفةَ حتى قُتل، ثم جئتم تَطلبون بدمه؟! فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] لم نكن نَحسِبُ أنا أهلُها حتى وقعتْ منّا حيث وقعتْ (١). انتهت ترجمة الزبير بن العوام. وفيها توفي زيد بن صُوحان ابن صَبِرة بن حِدرجان العَبدي (٢)، من عبد القيس، وكُنيته أبو سَلمان، وقيل: أبو عائشة، وقيل: أبو مسلم وقيل: أبو عبد الله. له وِفادةٌ على رسول الله ﷺ ، وكان من جُملة الذين سيَّرهم عثمان من الكوفة إلى الشام، ورَدَّه معاوية إلى الكوفة من دمشق وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، ممن روى عن عمر وعلي (٣)، وكان من خواص علي، وهو أخو صَعصَعة بن صُوحان لأبيه وأمه. وكان زيد من الصُّوَّام القُوَّام، وقد ذكره رسول الله ﷺ ، فقال ابن سعد بإسناده عن عُبيد بن لاحِق قال: كان رسول الله ﷺ في سَفر، فنزل رجلٌ من القوم فساق بهم ورَجَز، ثم نزل آخر، ثم بدا لرسول الله ﷺ أن يُواسي أصحابَه، فنزل وجعل يقول:

стр. 2738

جُنْدَب وما جندب … والأقطعُ الخير زيد فقيل له في ذلك فقال: "رجلان يكونان في هذه الأمة، يَضرب أحدُهما ضَربةً يُفَرّق بها بين الحق والباطل، والآخر تقطع يدُه في سبيل الله، ثم يُتْبعُ الله آخرَ جسده أوَّلَه". قال الأَجْلح: فأما جُندب فهو الذي قَتل الساحرَ عند الوليد بن عُقبة، وأما زيد فقُطعت يدُه يوم جَلولاء، وقيل: يوم نَهاوَند، وقُتِل يوم الجمل (١). وكان عمر بن الخطابا يُعَظِّم زيد بنَ صُوحان، فقال ابن سعد بإسناده عن حماد بن سلمة، عن أبي التَّيَّاح، [عن عبد الله بن أبي الهُذيل]: أن وَفْدَ الكوفة قدموا على عمر بن الخطاب، فأثنى عليهم، وقام فجعل يُرَحِّل لزيد بن صُوحان ويقول: يا أهلَ الكوفة، هكذا فاصنعوا بزيد وإلا عَذَّبتُكم. وفي رواية عن حماد بن سلمة قال: لما ركب زيد أخذ عمر بن الخطاب برِكابه وقال: هكذا فاصنعوا بزيد وبإخوته. وروى ابن سعد بإسناده عن سلمان الفارسي أنه كان يقول لزيد بن صُوحان يوم الجمعة: قم فذكِّر قومَك (٢). وقال ابن عبد البر (٣): كان زيد فاضلًا، سيّدًا في قومه، وكان مؤاخيًا لسلمان الفارسي، ومن حُبّه له كَنّى نفسه أبا سلمان. وقال الواقدي: وقد رُوي في حديث علي ﵇، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن سَرَّه أن يَنظر إلى رجلٍ يَسبقه بعضُ أعضائه إلى الجنة بعشرين سنة فلينظر إلى زيد بن صُوحان" (٤). قال: وقُطعت يدُ زيد بنهاوند في سبيل الله، وعاش بعد ذلك عشرين سنة، ثم قُتل يوم الجمل.

стр. 2739

قال: والأحاديث الواردة في هذا الباب من معجزات نبينا ﷺ ؛ فإنه أخبر بما يكون قبل وجوده. وقال ابن سعد بإسناده عن حميد بن هلال قال: قام زيد بن صُوحان إلى عثمان بن عفان وقال له: مِلتَ فمالت أُمَّتُك، فاعتدِلْ تعتدل الأمة -قالها ثلاثًا- فقال له عثمان: أسامعٌ مُطيعٌ أنت؟ قال: نعم، قال: فالحق بالشام، قال: فخرج من فَوره ذلك، فطلَّق امرأتَه، ثم لحق بحيث أمَره، وكانوا يَرون الطاعةَ عليهم حقًّا (١). وروى أبو بكر الخطيب بإسناده، عن حميد بن هلال قال: كان زيد يصوم النهار ويَقوم الليل، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، وبلغ سلمان فأتى منزلَه، فسأل عنه، فقالت امرأتُه: ليس ها هنا، فقال لها: اصنَعي طعامًا، فصنعت وأمرها فلَبستْ أفخرَ ثيابها، وبعث إلى زيد فجاء، فقال: قَدِّمي الطعام، فقال زيد: أنا صائم، فقال: كُلْ، فقال: إن لنَفْسك عليك حقًّا … وذكر الحديث، وقال: فإن شرَّ السَّيرِ الحَقْحَقَة، فأكل زيد، ونال من امرأته، وترك ما كان يصنع (٢). الحقحقة: أرفع السَّير وأتعبُه، وقد ذكره الجوهري، وقيل: هو السيرُ أول الليل، وقد نُهي عنه (٣). ذكر مقتله: قال أبو نعيم بإسناده عن يزيد بن هارون قال: قال زيد بن صُوحان لأصحابه ليلة الجمل: رأيتُ في منامي يدًا أُخرجت من السماء؛ تُشير إليّ أن تَعال، وأنا غدًا مَقتول لا مَحالة، فادفنوني في ثيابي، فقُتل صبيحة ذلك اليوم. وروى ابن سعد عن أبي معشر قال: قيل لزيد بن صُوحان يوم الجمل وهو جَريح: أبشر يا أبا عائشة، فقال: أتيناهم في ديارهم، وقتلْنا أميرَهم، وعثمان على الطريق، ثم قالوا: لا تَغسلوا عني دمًا، ولا تَنزِعوا عني ثوبًا إلا الخُفّين فإني رجلٌ مُخاصَم أُحاجُّ غدًا.

стр. 2740

وفي رواية ابن سعد: وادفِنوا معي مُصحفي، وابنَ أبي سَيحان بن صُوحان، يعني أخاه، وكان قُتل في ذلك اليوم، فدُفِنا في قبرٍ واحد (١). وقالت الواقدي: قُتل زيد يوم الجمل، قتله عمرو بنُ يَثرِبي، وقُتل معه أخوه سَيحان بن صُوحان، وبلغ عائشة فتأسّفت عليه وقالت: ﵀. قال: وكانوا ثلاثة إخوة: زيد وصعصعة وسَيحان بنو صُوحان. وقال ابن قتيبة: وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "زيد الخير الأجذم، وجندب ما جندب" (٢)، وذكر بمعنى ما تقدّم. واختلفوا في مسانيد زيد، فقال ابن عبد البر: لا أعلم له رواية عن رسول الله ﷺ ، وإنما أدركه، وكان سيدًا في قومه (٣). وذكره جدي ﵀ في "التلقيح" (٤) في الصحابة وقال: زيد بن صُوحان أبو عائشة، وقيل: أبو سلمان العبدي، ولم يذكره فيمن له رواية. وقال ابن سعد: كان زيد ثقةً قليل الحديث (٥). وقد روى زيد عن عمر وعلي وسلمان، وروى عنه أبو وائل وسالم بن أبي الجعد والعَيزار بن حُريث في آخرين، وله مع عبد الله بن عامر بن كُريز والي البصرة حكاية. قال أبو نُعيم بإسناده عن الحسن -وقد رواها ابنُ المبارك- قال: عَمد زيد بن صوحان إلى رجالٍ من أهل البصرة، قد تفرَّغوا للعبادة، وليست لهم تجارات ولا غَلّات، فبنى لهم دارًا وأسكنهم فيها، وجعل عليهم ما يَقوم بمصالحهم من مَطعَم ومَشرَب ومَلبَس وغيره، فجاء في بعض الأيام يزورُهم فلم يَجدهم، فسأل عنهم، فقيل له: دعاهم عبد الله بن عامر- عاملُ البصرة في أيام عثمان. فخرج مُسرعًا حتى دخل على ابن عامر وهم عنده، فقال: يا ابن عامر، ما تُريد من

стр. 2741

هؤلاء القوم؟ فقال: أريد أن أُقرِّبَهم، فيَشفعوا فأُشَفِّعَهم، ويَسألوا فأُعطيَهم، ويُشيروا عليَّ فأقبلَ منهم، فقال: لا ولا كَرامة، تأتي إلى قومٍ قد انقطعوا إلى الله تُدَنِّسهم بدُنياك، وتُشركهم في أمرك، حتى إذا ذهبت أديانُهم أعرضتَ عنهم؛ فطاحوا لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة، قوموا فارجعوا إلى مواضعكم، فقاموا وأُسكتَ ابنُ عامر فما نطق بلفظة. وفي رواية ابن المبارك: فلما دخل زيد على ابن عامر، وقال له ما قال؛ قال زيد: كلا والله، لا أَدعك تُهيل عليهم من دُنياك وتُشركهم في أمرك، وتُذيقُهم حلاوةَ ما أنت فيه، حتى [إذا] انقطعت شِرَّتُك منهم تركتَهم، فطاحوا بينك وبين ربهم (١). وفيها تُوفي شُرَحبيل بن السِّمط ابن شُرَحْبيل بن الأسود الكِندي، وكُنيته أبو السّمط، وقيل: أبو يزيد. وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة فيمن وَفد إلى رسول الله ﷺ ، ونَسبه فقال: شُرحبيل بن السِّمط بن شرحبيل بن الأسود (٢) بن جَبَلة بن عَديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين، جاهلي إسلامي، وَفد إلى رسول الله ﷺ ، وشهد القادسية، وافتتح حمص، وقسمها منازل في أيام عثمان بن عفان. وقال البخاري: بعثه عمر بن الخطاب على جيش، وقدم مصر لغزو المغرب، وله صُحبة (٣). وقال هشام: قاتلَ أهلَ الرّدَّة، وكان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، وقال غيره: على مَيسرته. وقال أبو القاسم بن عساكر: قال عبد الله بن المبارك: استعمل عمر بن الخطاب

стр. 2742

شُرَحبيل على المدائن، وكان أبوه السِّمط بالشام، فكتب أبوه إلى عمر: إنك تأمُرنا أن لا نُفَرِّق بين السبايا وأولادِهن، وقد فرَّقتَ بيني وبين وَلدي، فكتب عمر إلى شرحبيل أن الحق بأبيك، فألحقه به. قال: وقال خليفة: أقام شُرَحبيل واليًا على حمص عشرين سنة. قال: وقال وكيع: نزل شُرحبيل الشام، فغزا أرضَ الرّوم، فقال للجيش: قد نزلتم بأرضٍ فيها نساء وشَراب، فمَن أصاب منكم حدًّا فليأتِنا نُطَهِّرْه، فبلغ عمر، فكتب إليه: لا أُمَّ لك، تأمُرُ قومًا ستر الله عليهم أن يَهتكوا سِترَه عليهم، لا تتأمَّر بعدها على اثنين (١). وقال البلاذري: أكرم سعد بن أبي وقاص شُرحبيل، وفَضَّله على الأشعث بن قيس الكِندي، فغضبت لذلك كندة (٢). وقال هشام: كان شُرَحبيل سيدًا شريفًا، استقدمه معاوية إلى دمشق ليستشيره في قتال أمير المؤمنين. ذكر وفاته: قال أبو نعيم: مات في سنة ثلاث وثلاثين. وقال البخاري: مات بسَلَمية في سنة ست وثلاثين، وصلى عليه حبيب بن مَسلَمة (٣). وقال ابن عبد البر: مات بحمص (٤). وقد أنكر قومٌ أن يكون له صحبة، وليس بصحيح، ذكره جدي في "التلقيح" في الصحابة وقال: قال البخاري: له صحبة (٥). وقد ذكرنا مَن اسمُه شُرحبيل في ترجمة شُرَحبيل بن حَسَنة في سنة [ثمان عشرة] (٦).

стр. 2743

روى شُرحبيل عن عمر، وعلي، وسلمان، وعُبادة بن الصامت، وعمرو بن عَبَسة وغيرهم. وروى عنه خالد بن مَعدان، وجُبير بن نُفَير، وسالم بن أبي الجَعْد وغيرهم، وليس له رواية عن رسول الله ﷺ (١). وفيها تُوفي صَعصَعة بن صُوحان وهو أخو زيد بن صُوحان، وكُنيتُه أبو عمرو، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو عكرمة. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكان من أصحاب أمير المؤمنين، وكان خطيبًا، شهد الجمل وصفّين مع أمير المؤمنين، وكان أميرًا على عبد القيس، واختطَّ بالكوفة (٢)، ونفاه عثمان من الكوفة إلى الشام مع المسيَّرِين لما أنكروا عليه. وذكره ابن عبد البر، وأثنى عليه وقال: كان مسلمًا على عهد النبي ﷺ ولم يَره، وكان من سادات عبد القيس، فصيحًا عاقلًا لَسِنًا خطيبًا ديّنًا فاضلًا بليغًا، لم يكن في زمانه أخطبُ منه. قال له عمر بن الخطاب: أنت منّي وأنا منك، وسببه أن عمر أُتي بمال مَبلغُه ألف ألف درهم، فقسمه، فبقيت منه بقيّة، فقال عمر: ما تقولون فيها؟ فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين إنما تُشاور فيما لم يَنزل فيه قرآن، أما إذا نزل فضعْه في مَواضعه التي وَضعه الله فيها، فأُعجب به عمر وقال: صدقتَ أنت منّي وأنا منك (٣). وقال أبو القاسم بن عساكر: أنكر على عثمان وهو على المنبر، وذكر بمعنى ما ذكرناه عن أخيه زيد، وأنه خرج إلى الشام، فلما قدم دمشق أنزله معاوية دارًا (٤).

стр. 2744

وقال هشام: مرض فعاده عمر، وقال له: والله إنك فيما علمتُ لخفيف المؤونة، حسن المعونة. وحكى ابن عساكر عن زُرارة بن أبي أوْفى: أن معاوية خطب فقال: نحن أحقُّ بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله ﷺ وبيضته التي انفلقت عنه، فناداه صَعصعة: وأين بنو هاشم؟ فقال: نحن أَسوَسُ للمُلْك منهم، وهم خيرٌ منا. ثم قال معاوية: أنا لكم جُنَّة، فقال صعصعة: فإن احترقت فكيف تَصنع؟ فقال معاوية: هذا ترابي، من التُّراب خُلقتُ وإلى التراب أصير. ثم قال معاوية: لو وَلد أبو سفيان الناسَ كلّهم لكانوا أكياسًا، فقال صَعصعة: فقد وَلد الناسَ كلَّهم من هو خير من أبي سفيان وهو آدم، ومنهم الكَيّس والأحمق (١). وحكى ابن عساكر أيضًا عَن زُرارة قال: قدم صَعصعة في وَفد العراق على معاوية، فقال لهم: قدمتُم أرضًا بها قبورُ الأنبياء، فقال صَعصعة: مَن مات بها من الفراعنة أكثر مَن مات من الأنبياء، فقال له معاوية: اسكُتْ لا أرضَ لك، فقال: ولا لك يا معاوية، إن الأرض لله يُورثها مَن يشاء من عباده، فقال معاوية: لقد كنتُ أُبغِضُ أن أراك خطيبًا، فقال صعصعة: وأنا والله لقد كنت أبغض أن أراك خليفة. وبهذه الروايات يَحتجُّ ابنُ سعد أن صعصعة مات أيام معاوية، فإنه قال: شهد صعصعة الجمل هو وأخوه زيد وسَيحان، فلما قُتل أخواه أخذ الراية بيده، قال: وتوفي بالكوفة في أيام معاوية، وروى عن علي وعبد الله بن عباس (٢). وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والمِنهال بن عمرو، وعبد الله بن بُريدة وغيرهم. وقال البخاري: مات صعصعة في أيام يزيد بن معاوية (٣). وقال الواقدي: مات سنة ست وثلاثين. ومن فَصاحته ما حكاه أبو القاسم بن عساكر، عن محمد بن سلام قال: مَرَّ صَعصعة

стр. 2745

بقوم وهو يُريد مكة، فقالوا: من أين أقبلت؟ فقال: من الفَجِّ العَميق، قالوا: فأين تُريد؟ قال: البيتَ العَتيق، قالوا: فهل كان من مَطَر؟ قال: نعم، عَفّى الأَثَر، وأنضر الشَّجَر، ودَهْدَه الحَجَر، قالوا: فأي آية في كتاب الله أحكم؟ فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧] (١). وفيها توفي صفوان بن أمية ابن خَلَف بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح. قال ابن منده: واسم جمح تيم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لُؤيّ بن غالب. وأُمُّه صَفيّة بنت معمر بن حَبيب بن وَهْب بن حُذافه بن جُمَح، كذا ذكر ابن سعد (٢)، وقد اختلفوا فيها: فقال أبو اليقظان: أمُّه صَفيَّة بنت عُمير من بني جُمَح. وقال ابن البَرْقي: هي أُنيسة بنت معمر بن حَبيب، جُمحيّة. قال ابن سعد: أسلم صفوان بحُنين، وأعطاه رسول الله ﷺ مع المؤلَّفة قلوبُهم. وحكى ابن سعد، عن ابن المسيّب، عن صفوان قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ يوم حُنين وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما زال يُعطيني حتى إنه لمن أحبِّ الناس إليّ (٣). وقال هشام: قُتل أبوه أمية يوم بدر كافرًا، وقتل رسول الله ﷺ عمَّه أبيَّ بن خَلَف يوم أحد كافرًا، وقد ذكرنا أنه هرب يوم فتح مكة ولم يُسلم، وبعث إليه رسول الله ﷺ بردائه مع ابن عمِّه وَهب بن عُمير، فعاد إلى مكة وقال: أجِّلني يا محمد شهرًا، فأجَّله شهرين وأكثر، وخرج مع رسول الله ﷺ إلى حُنين وهو كافر، ثم أسلم بعد ذلك. وذكره ابن سعد فيمن نزل مكة من الصحابة (٤).

стр. 2746

وقال ابن منده: شهد صفوان حُنينًا والطائف وهو على دينه، واستعار منه رسول الله ﷺ دروعًا يوم الفتح عند خروجه إلى حنين، وقال: أغَصبًا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل عاريّة مُؤدّاة". وأخرجه أحمد في "المسند" (١) وفيه: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يَضمنها، فقال: يا رسول الله، أنا اليوم في الإسلام أرغب، وقد ذكرناه. وكانت امرأتُه البَغُوم بنت الوليد بن المغيرة، وقيل: بنت المعَذّل كنانية، قد أسلمت قبله يوم الفتح، ثم أسلم بعدها بشهر (٢)، وهل ردّها رسول الله ﷺ بنكاح جديد أم بالنكاح الأول؟ فيه قولان. وأقام بمكة، فقيل له: لا إسلامَ لمن لم يُهاجر، فقدم المدينة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "عَزمتُ عليك يا أبا وهب لما رجعتَ إلى أباطح مكة"، فرجع إلى مكة، فأقام بها حتى مات (٣). وقد أخرج أحمد في "المسند" بمعناه فقال: حدثنا رَوْح بإسناده، عن الزهري، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن أبيه: أن صفوان بن أُميّة قيل له: هَلك مَن لم يهاجر، فقال: لا أصِلُ إلى أهلي حتى أسألَ النبي ﷺ ، قال: فركبتُ راحلتي، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله، زعموا أنه هَلك مَن لم يُهاجر، قال: "كلا أبا وَهْب، فارجع إلى أباطحِ مكة". قال: فبينما أنا راقدٌ إذ جاء سارق، فأخذ ثوبي من تحت رأسي، فأدركتُه، فأتيتُ به رسول الله ﷺ فقلت: إن هذا سرق ثوبي، فأمر به رسول الله ﷺ أن يُقطَع، قال: فقلتُ: ما أردتُ هذا يا رسول الله، هو عليه صَدقة، فقال: "هلّا قبل أن تأتيَني به" (٤). وفي رواية: فأُخرج ليُقطع، فتغيَّر وجهُ النبي ﷺ ، فقال صفوان: كأنه قد شَقَّ عليك، قد وهَبتُه منه، فأمر بقَطعه.

стр. 2747

وفي رواية: أنه كان نائمًا في المسجد. وبهذا الحديث يَحتجُّ زفر والشافعي وأحمد؛ بأن السارق إذا مَلك المسروق بالهِبة ونحوها بعد القضاء قبلَ الإمضاء أنه لا يَسقط الحدُّ، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد يَسقط قياسًا على ما إذا مَلكه قبل الخصومة والدعوى، فأورث ذلك شُبهةً في دَرْءِ الحدِّ (١). وقال هشام بن محمد، عن أبيه: لما قدم صفوان المدينة قال له رسول الله ﷺ : "أين نزلتَ، أو على مَن نزلت؟ " فقال: على العباس، قال: "أبَرُّ قُريش بقُريش"، قال: يا رسول الله، بلغني كذا وكذا، فقال له رسول الله ﷺ : "لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّة، أقسمتُ عليك أبا وَهْب لما رجعتَ إلى أباطحِ مكة". وقال الواقدي: لم يَغزُ صفوان. وقال الترمذي: لعن رسول الله ﷺ صفوان بن أمية، وأبا سفيان بن حَرْب، والحارث بنَ هشام، وسُهيل بنَ عمرو في القنوت، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية (٢) [آل عمران: ١٢٨]. وقال محمد بن إسحاق: كان [في] صفوان ثلاثٌ من السنَّة، استعار منه رسول الله ﷺ دُروعًا فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارِيّة مَضمونة"، قال: فضُمنت العارية حتى تُؤدى إلى أهلها. وقدم المدينة بعد الفتح، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع إلى مكة"، فعرف الناس أن الهجرة قد انقطعت. قال: ولما قدم المدينة توسَّد رداءه في مسجد رسول الله ﷺ ، فجاء سارق فسرقه، فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، هي له هِبةٌ، فقال: "هلا قبل أن تأتيني به"، قال: فعرف الناس أنه لا بأس بالعفو عن الحدّ ما لم ينته إلى الإمام (٣). وقال الواقدي: قَنطر صفوانُ وأبوه في الجاهلية، أي: صار لكلّ واحدٍ منهما قِنطار

стр. 2748

من الذهب والفضة. وذكره الموفق رحمه الله تعالى في "الأنساب" فقال: صفوان بن أمية، قُتل أبوه أمية وأخوه ببدر كافرين، وكان صفوان أحدَ أشراف قريش، وإليه كانت الأيسار وهي الأزلام، وكان أحد المطعِمِين، وكان يُقال له: سيّد البَطحاء، وكان من أفصح قريش لسانًا، قال: وصفوان أحد العشرة من عشرة بطون؛ الذين انتهى إليهم الشَّرفُ في الجاهلية، ووَصَله لهم الإسلام (١). ذكر وفاته: واختلفوا فيها؛ أما ابن سعد فحكى عن الواقدي: أن صفوان لما رجع من المدينة إلى مكة وقد سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، أقام بها فلم يزل بها حتى مات أيام خرج الناس إلى الجمل، وذلك في شوال سنة ستٍّ وثلاثين، وكان يُحرّض الناسَ على الخروج إلى الجمل (٢). وقال الشيخ الموفق ﵀: مات في سنة اثنتين وأربعين، هو وحبيب بن مَسلمة وعثمان بن طلحة (٣). وقال الهيثم: سنة أربعين. وقال جدي في "المنتظم" (٤) عن الواقدي: أنه مات في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان. والأوّل أثبت، وقد حكاه الزبير بن بكّار فقال: جاء نَعْيُ عثمان بن عفان حين سُوِّي على صفوان بن أمية، وجاء نَعي أبي بكر ﵁ حين سُوِّي على عَتَّاب بن أسيد بمكة. وذكره ابن عساكر فقال: شهد اليرموك أميرًا على كُردوس، ووَفد على معاوية، فأقطعه الزِّقاق المعروف بزِقاق صفوان. قال: وقال خليفة: مات سنة اثنتين وأربعين (٥).

стр. 2749

أسند صفوان الحديث عن رسول الله ﷺ ، فأخرج له أحمد خمسة أحاديث، منها حديث أخرجه مسلم، وهو قوله: فما زال يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليّ (١). وروى عنه ابنه عبد الله بن صفوان، وابن أخيه حُميد، وابن المسيّب، وطاوس، وعطاء في آخرين (٢). ذكر أولاد صفوان: ذكرهم الموفق ﵀، وذكرهم الزبير بن بكار فقال: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، وعبد الرحمن الأكبر والأصغر، وحكيم، وخالد، وعمرو، وأبو عمرو. قال الزبير: فأما عبد الله الأكبر فإن المهَلَّب بن أبي صُفْرة وَفد على عبد الله بن الزبير، فأطال الخَلوةَ معه، فجاء عبد الله بن صفوان فقال: مَن هذا الذي شَغلَك منذ اليوم؟ فقال ابن الزبير: هذا سيّد العرب بالعراق، فقال: يَنبغي أن يكون المهلَّب، قال: نعم، وقال المهلب لابن الزبير: مَن هذا الذي يَسألُك عني؟ فقال: هذا سيد قريش بمكة، فقال: ينبغي أن يكون عبد الله بن صفوان، قال: نعم. وكان عبد الله يُقوّي أمرَ ابن الزبير بمكة، ولما تَفرَّق الناسُ عن ابن الزبير قال ابن الزبير لابن صفوان: اطلب منهم الأمان، فقد أقلتُك بَيعتي، فقال له ابن صفوان: والله ما قاتلتُ معك للدنيا، وإنما قاتلتُ عن دِيني، فقُتل ابنُ صفوان وهو مُتعلّقٌ بأستار الكعبة. وابنه عمرو بن عبد الله بن صفوان أحد المطعِمين بمكة، وكان من وُجوه قُريش، وفيه يقول الشاعر: [من البسيط] تمشي تَبختَرُ حول البيت مُنْتحيًا … لو كنتَ عمرو بن عبد الله لم تَزِدِ قال الزبير: وسأل معاوية يومًا فقال: مَن يُطعم الناسَ بمكة من قريش؟ فقيل له: عمرو بن عبد الله بن صفوان، فقال: بَخٍ بخ، تلك نارٌ لا تَطْفَأ. قال: ومن ولد عبد الله بن صفوان: صفوان بن عبد الله، روى عنه الزهري.

стр. 2750

وأما عبد الله الأصغر بن صفوان فكان من المطعِمين أيضًا، وكان سيدًا، قال الزبير: وَفد على معاوية، وكانت أمُّ حَبيب بنت أبي سفيان أختُ معاوية أمَّ عبد الرحمن بن صفوان بن أمية، وكان معاوية يُقدّم عبد الله بن صفوان على أخيه عبد الرحمن بن صفوان، فلامتْه أمُّ حبيب في تقديم عبد الله على ابنها فقال: سوف تَرَين، واستدعى ابنَها عبد الرحمن وهي حاضرة، فقال له: ما حاجتُك؟ فذكر دينًا وحوائجَ لنفسه، فقضاها، ثم أذِن لأخيه عبد الله بن صفوان فدخل، فقال: ارفع إليَّ حوائجَك، فقال: تُخرِج العطاء، وتنظُر في أحوال المنقَطِعين فتفرض لهم، وتنظر في أبناء المهاجرين والأنصار، وتفعل وتفعل، فقال: فهلُمَّ حوائجَك، فغضب وقال: وأي حاجةٍ لي إليك غير هذا وأشباهِه، وقد علمتَ أني أغنى قريش، ثم قام وخرج، فقال معاوية لأُخته: كيف رأيتِ؟ فقالت: أنت أعرف بقومك. وعبد الرحمن الأكبر هو الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه استعار من أبيه أدراعًا. وأما حكيم بن صفوان بن أُمية فابنُه يحيى بن حكيم، ولي مكة ليزيد بن معاوية، وكان ابن الزبير بها، فلم يَعرض له يحيى، فعزله يزيد وولّى الحارث، فمنعه ابن الزبير الصلاة (١). قلت: وقد روى ابن أبي الدنيا عن صفوان بن أمية حكاية فقال حُدّثتُ عن سعيد بن محمد الجَرمي بإسناده، عن الشعبي قال: كان صفوان بن أمية ببعض المقابر، فإذا شُعَل نيرانٍ قد أقبلت ومعها جنازة، فلما دَنَوا من المقبرة قال: انظروا قبرَ كذا وكذا، قال: وسمع رجلٌ صوتًا من القبر حزينًا مُوجَعًا يقول: [من الخفيف]: أنعَمَ اللهُ بالظَّعينةِ عَينا … وبمَسْراكِ يا أُمَينَ إلينا جَزعًا ما جَزِعْتُ من ظُلمةِ القبْـ … ـرِ ومن مَسِّك التُّراب أمينا قال: فأخبر القومَ بما سمع، فبكوا حتى أخضَلوا لِحاهم، ثم قالوا: هل تَدري من أُمَينة؟ قلت: لا، قالوا: صاحبةُ هذا السَّرير، هذه أختها ماتت عامَ أوَّل، فقال صفوان: قد علمتُ أن الميت لا يَتكلَّم، فمن أين هذا الصَّوت (٢).

стр. 2751

وفيها توفي طلحة بن عُبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي، ويلتقي مع رسول الله ﷺ في النّسب عند مرة بن كعب. وأمُّه الصَّعبَةُ بنت عبد الله بن عِماد بن ربيعة الحَضرميّ، أخت العلاء [بن] الحَضْرَميّ، أسلمتْ وبايعت، والحضرميُّ جدُّ طلحة لأُمِّه، وأُمُّ الصَّعبَةِ عاتكة بنت وَهب بن [عبد] قُصيّ بن كِلاب، والعلاء بن الحَضْرمي عاملُ رسول الله ﷺ على البحرين، وقد ذكرناه وذكرنا أخاه مَيمون بن الحَضرميّ، وهو الذي حفر بئر مَيمون بأعلا مكة، فنُسب إليه فقيل: بئر ميمون. ذكر صفته: قال علماء السِّير: كان آدمَ، كثيرَ الشَّعر، ليس بالجَعْدِ القَطَط، ولا بالسّبط، حَسَنَ الوجه، دقيق العِرنين، إذا مشى أسرع، وكان لا يُغيِّر شيبَه. وقال موسى بن طلحة: كان أبيض يضرب إلى الحمرة، مَربوعًا، عَريضَ الصَّدرِ والمنكِبَين، لا أخمصَ لقدميه، ويُسمَّى الأروَح. وقال الفضل بن دُكين: كان في يده خاتمُ ذهبٍ فيه ياقوتةٌ حمراء، وقُتل وهو في يده. وروى ابن سعد عنه أنه كان يَلبَس المعَصفَرات. قال: ورأى عليه يومًا عمر بن الخطاب ثوبَين مَصبوغَين بمِشْقٍ وهو مُحرِم، فقال: ما هذا يا طلحة؟ فقال: إنما صَبغناه بمَدَر، فقال عمر: إنكم أيها الرَّهْط أئمّة يَقتدي بكم الناس، ولو أن جاهلًا رأى عليك هذين الثوبين لقال: هذا طلحة يَلبس الثيابَ المصبَّغةَ وهو مُحرم، وإن أحسن ما يَلبس المحرِم البياض، فلا تُلبسوا على الناس. ذكر إسلامه: قال ابن سعد بإسناده عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: حضرتُ سوقَ بُصرى، فإذا راهبٌ في صومعته يقول: اسألوا أهلَ هذا الموسم، أفيهم من أهل الحرم أحدٌ؟ قال طلحة: فقلتُ: نعم أنا، قال: هل ظهر أحمد بعدُ؟ قلت: ومَن أحمد؟ قال: ابنُ عبد الله بن عبد المطّلب، هذا شهرُه الذي يَخرج فيه، وهو آخر

стр. 2752

الأنبياء، ومَخرجُه من الحرم، ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرَّةٍ وسِباخ، فإياك أن تُسبَق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجتُ سريعًا حتى قدمتُ مكة، فقلت: هل كان من حَدَثٍ؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبَّأ، وقد تَبعه ابنُ أبي قحافة. قال: فخرجتُ حتى دخلتُ على أبي بكر، فقلت: أتبعتَ هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلِقْ إليه، فادخُل عليه فاتَّبِعْه، فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الرّاهب، فخرج أبو بكر وطلحة، فدخل به على رسول الله ﷺ ، فأسلم طلحةُ، وأخبر رسول الله ﷺ بما قال الراهب، فسُرَّ النبي ﷺ بذلك. فلما أسلم طلحة وأبو بكر أخذهما نَوفل بن خُوَيلد بن العَدَوية، فشَدَّهما في حَبلٍ واحدٍ، ولم يَمنعهما بنو تَيم، وكان نوفل بن خُويلد يُدْعى أسدَ قريش، فلذلك سُمّي أبو بكر وطلحة القَرينَين (١). قلت: [وغير] ابن سعد يقول: الذي (٢) أوثقهما عثمان بن عُبيد الله أخو طلحة. قال: وكان لطلحة أخوان: عثمان ومالك، وكان لعثمان قَدْرٌ في الجاهلية، وأدرك الإسلام، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدَّم. ذكر جملة من مناقبه وأخباره: قال علماء السِّير: طلحة من الطبقة الأولى من المهاجرين، والعشرة المبشَّرين، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام من المؤمنين، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الذين كانوا مع رسول الله ﷺ لما تحرَّك بهم الجبل، وأحد الذين عُذِّبوا في الإسلام. وشهد أحدًا والمشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ ، ووَقاه بنفسه يوم أحد، ولم يَمنعه من شهود بدر إلا أن رسول الله ﷺ بعثه هو وسعيد بن زيد إلى بدر يَتحسّسان الخبر خبرَ العير، فمرَّت بهما، وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فرجعا إلى المدينة، ولم يَعلما بخروجه، ثم لَقياه عند رجوعه من بدر، فضرب لهما بسهمَيهما وأجرَيهما، فكانا

стр. 2753

كمن شَهدها، وقد ذكرناه في غزاة بدر. وقال الواقدي: ولما هاجر طلحة إلى المدينة نزل على أسعد بن زُرارة. واختلفوا فيمن آخى رسول الله ﷺ بينه وبين طلحة على قولين؛ أحدهما: بينه وبين سعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفيل، والثاني: بينه وبين أُبيّ بن كعب. حكاهما ابن سعد، عن الواقدي. قال: وشهد طلحة مع رسول الله ﷺ أحدًا، وثَبت معه يومئذ حين ولَّى الناس، وبايعه على الموت، ورمى مالك بن زهير يوم أحدٍ رسولَ الله ﷺ ، فاتّقى طلحة بيده عن وجه رسول الله ﷺ ، فأصاب خِنصره فشَلَّت، فقال حين أصابته الرَّميةُ: حَسِّ، فقال رسول الله ﷺ : "لو قال بسم الله لدخل الجنةَ والناسُ يَنظرون". وفي رواية ابن سعد، عن الشعبي قال: أُصيب أنفُ النبي ﷺ ورَباعيتُه يوم أحد، فوقاه طلحة بيده، فشَلّت إصْبَعُه، وقيل: إصبعاه. وقال ابن سعد بإسناده عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة وأم إسحاق ابنتَي طلحة، قالتا: جُرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شَجَّةٌ مُربَّعة، وقُطع نَساه، يعني عِرق النَّسَا، وشَلَّت إصبَعُه، وغلبه الغَشيُ ورسول الله ﷺ مَشجوج في وَجهه، قد علاه الغَشيُ، وطلحة مُحتَمِلُه يَرجع القَهقرى، كلما أدركه أحدٌ من المشركين قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشِّعب. وقال ابن سعد بإسناده عن عيسى بن طلحة، قال: رجع طلحةُ يومئذٍ بخمسٍ وسبعين، أو سبع وثلاثين جِراحة، رُبِّع فيها جَبينُه، وقُطع فيها نَساه، وشَلَّت إصبَعُه التي تلي الإبهام (١). وقال أبو نعيم بإسناده، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحدٍ قال: ذلك يومٌ كلُّه لطلحة. قال أبو بكر: كنتُ أولَ من جاء يوم أحد، فقال لي رسول الله ﷺ ولأبي عبيدة بن الجراح: عليكما، يريد طلحة، وقد نزف، فأصلحنا من شأن النبي ﷺ ، ثم أتَينا طلحة

стр. 2754

في بعض تلك الحِفار، فإذا به بضعٌ وسبعون ما بين طعنةٍ بُرمح، وضربةٍ بسيف، ورميةٍ بسهم، فأصلحنا شأنَه، وقد قُطعت إصبعه. وقال أبو نعيم بإسناده، عن سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه، عن جده [عن موسى بن طلحة، عن أبيه] طلحة قال: لما رجع رسول الله ﷺ من أحد، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وسَلّم، ثم قرأ هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]، فقام رجل فقال: يا رسول الله، مَن هؤلاء؟ قال: وأقبلتُ وعليَّ ثوبان أخضران، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّها السائل، هذا منهم" (١). وقال ابن سعد بإسناده عن عائشة أم المؤمنين قالت: إني لفي بيتي، ورسول الله ﷺ وأصحابُه بالفِناء، وبيني وبينهم السّترُ، إذ أقبل طلحة بن عُبيد الله، فقال رسول الله ﷺ : "مَن سَرّه أن يَنْظر إلى رجلٍ يمشي على وجه الأرض وقد قضى نَحبَه فليَنْظُر إلى طلحة" (٢). وروى الموفق رحمه في "الأنساب" بمعناه، فقال: قال النبي ﷺ : "مَن أراد أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وَجه الأرض فلينظر إلى طلحة" (٣). وروى أبو نعيم عن سُعدى بنت عَوف امرأةِ طلحة، قالت: دخل عليَّ طلحة يومًا مَغمومًا، فقلت: ما شأنُك؟ قال: المال عندي قد كَثُر، أو قد كَرَبَني، فقلتُ: وما عليك، اقسِمْه، فقسمه حتى ما بقي منه درهم. قال طلحة بن يحيى: فسألتُ خازنَ طلحة: كم كان المال؟ قال أربع مئة ألف. وروى أبو نعيم عن الحسن قال: باع طلحة أرضًا له بسبع مئة ألف، فبات أرقًا من مخافةِ ذلك المال، حتى أصبح ففرَّقه (٤). وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن: أن طلحة بن عبيد لله باع أرضًا من عثمان بن

стр. 2755

عفان بسبع مئة ألف، فحملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلًا تَبيتُ هذه عنده في بيته، لا يَدري ما يَطرُقه من الله لغَرير بالله، فبات ورُسُله تختلف بها في سِكَك المدينة، حتى أسحَر وما عنده منها درهم (١). وروى أبو نُعيم، عن سُعدى بنت عوف امرأة طلحة بن عبيد الله قالت: لقد تصدق طلحة يومًا بمئة ألف، ثم حَبسه عن الرَّواحِ إلى المسجد أن جمعتُ له بين طَرَفَي ثوبِه (٢). وقال الموفق ﵀: قال أمير المؤمنين [علي في خطبته: وإني مُنيتُ بأربعة: أدهى الناس عمرو بن العاص،] وأسخى الناس طلحة، [وأشجع الناس الزبير، وأطوع الناس في الناس عائشة] (٣). ذكر مقتله: واختلفوا فيه على قولين؛ أحدهما: أنه جاءه سَهْمٌ غَرْبٌ، فوقع في نَحْره فقال: وكان أمرُ الله قَدَرًا مَقدورًا. والثاني: أن مروان بنَ الحكَم رماه بسهمٍ فقتله، فقال ابن سعد بإسناده عن عَوف قال: بلغني أن مروان بن الحكم رمى طلحةَ يوم الجمل؛ وهو واقف إلى جنب عائشة بسَهْم، فأصاب ساقَه، ثم قال مروان: والله لا أطلُبُ قاتلَ عثمان بعدك أبدًا، فقال طلحة لمولى له: أبغِني مكانًا أموتُ فيه، قال: لا أقدِرُ عليه، قال: هذا والله سهمٌ أرسله الله، اللهمَّ خُذْ لعثمان مني حتى تَرضى، ثم وُسِّد حجرًا فمات. وفي رواية ابن سعد أيضًا: أن طلحة قال يوم الجمل: إنّا داهَنّا في أمر عثمان، فلا نَجدُ اليوم شيئًا أمْثلَ من أن نَبذُلَ دماءنا فيه، اللهمَّ خُذ لعثمان مني اليوم حتى تَرضى. وقال ابن سعد بإسناده عن نافع قال: كان مروان مع طلحة في الخيل، فرأى فُرجةً في دِرع طلحة، فرماه بسهمٍ فقتله.

стр. 2756

وفي رواية ابن سعد أيضًا: فاعتَنَق فرسَه فركض، فمات في بني تَميم، فقال: تالله ما رأيتُ مَصرَعَ شيخٍ أضيع دماءً مني. وقال ابن سعد: أخبرني مَن سمع أبا حُباب الكلبيّ يقول: حدثني شيخ من كلبٍ قال: سمعتُ عبد الملك بنَ مروان يقول: لولا أنَّ أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو الذي قتل طلحة، ما تركتُ من ولد طلحة أحدًا إلا قتلتُه بعثمان. وقال ابن سعد بإسناده عن قيس بن أبي حازم قال: رمى مروان بن الحكم طلحة يوم الجمل في رُكبَته، فجعل الدم يَغْذو يَسيلُ، فإذا أمسَكُوه استمسك، وإذا تركوه سال، فقال طلحة: والله ما بلغَتْ إلينا سهامُهم بعد، ثم قال: دَعوه فإنما هو سَهمٌ أرسله الله، فمات (١). قلت: والأصحُّ أن مروانَ قتله، وعليه اجتماع العلماء. قال هشام: رماه مروان بسهم فشَكَّ رُكبَته مع الفَرَس. وقال الهيثم: لما أصاب السهمُ رُكبتَه خَلَّها مع السَّرج، فامتلأ مَوزَجُه دمًا، أو خُفَّه، أو جَورَبُه، فقال لمولاه: ويحك اردفني خلفي، وابغِني مكانًا لا أُعرف فيه، فلم أرَ اليوم شيخًا أضيعَ دمًا مني، فرَدَفه مولاه، وأمسكه من خلفه، حتى انتهى به إلى دارٍ خَرِبة بالبصرة، فأنزله فيها فمات. وكذا قال البلاذري: لما وجد مروان غُرَّةً منه رماه بسَهم، وكان أبان بن عثمان واقفًا معه، فقال له مروان: قد كفيتُك أحدَ قَتَلةِ أبيك (٢). وكذا ذكر الشيخ الموفق في "الأنساب"، وجدي رحمة الله عليهما في "التلقيح" و"الصفوة": أن مروان قَتلَه (٣). وقد رُوي أن غير مروان قتله، فقال ابن سعد بإسناده عن محمد الأنصاري، عن أبيه قال: جاء رجلٌ يوم الجمل فقال: ائذنوا لقاتل طلحة، قال: فسمعتُ عليًّا ﵇

стр. 2757

يقول: بَشِّره -أو بَشِّروه- بالنار. وقال ابن سعد بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرني قيس بن أبي حازم قال: لما مات طلحة دفنوه على شَطّ الكلأ فرآه بعضُ أهله في المنام فقال: ألا تُريحوني من هذا الماء، فإنني قد غَرِقتُ؟ ثلاث مرات، فنبشوه من قبره أخضرَ كأنه السِّلْق، فنَزَفوا عنه الماء، ثم استخرجوه، فإذا ما يَلي الأرض من لحيته ووجهِه قد أكلته الأرض، فاشترَوْا دارًا من دور آل أبي بَكرة، فدفنوه فيها (١). وقال هشام: دُفن في بني سعد، في مكان يُقال له قَنْطرةُ بني قُرَّة، ثم رأته ابنتُه عائشة بنت طلحة في منامها بعد ثلاثين سنة، وهو يشكو إليها كَثرة الماء، فأرسلت فأخرجتْه أخضرَ طريًّا مثلَ السِّلق، بعد أن نَزَفوا عنه الماء، ولم يَذهب منه شيءٌ سوى إصبَع واحدة، فدُفِن في دارٍ بالبصرة هي قَبرُه اليوم، وهو ظاهر يُزار، وتولّى إخراجَه عبد الرحمن بنُ سَلامة التميمي. وقال ابن سعد عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: قُتل طلحة يوم الجمل، وكان يوم الخميس؛ لعشر خَلَون من جُمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين (٢). ذكر سِنِّه: واختلفوا فيه؛ حكى ابن سعد عن الواقدي قال: كان يومَ قُتل ابنَ أربع وستين سنة. وحكى أيضًا عن الواقدي: ابن اثنتين وستين سنة (٣)، وقال هشام: ابنَ ستين سنة. ذكر أمواله: حكى ابن سعد، عن الواقدي، عن أشياخه: أن طلحة كان يُغَلُّ له كل يوم ألفَ درهم ودانِقَين. وفي رواية الواقدي أيضًا: أنه كان يُغَلُّ له بالعراق ما بين أربع مئة ألف إلى خمس مئة ألف، ويُغَلُّ بالسَّراة عشرة آلاف دينار، وكان لا يَدع أحدًا من بني تَيم عائلًا إلا كَفاه مُؤنتَه ومُؤنةَ عياله، وزوَّج أياماهم، وأخدَم عائلَهم، وقضى دَينَ غارِمِهم، وكان يُرسل

стр. 2758

إلى عائشة ﵂ كلَّ سنةٍ إذا جاءت غلَّتُه بعَشرة آلاف، ولقد قَضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم. وروى الواقدي أيضًا بإسناده، عن موسى بن طلحة وسأله معاوية: كم ترك أبو محمد من العَين؟ فقال: ألفي ألف درهم، ومئتي ألف درهم، ومئتي ألف دينار، وكان يغلُّ كلَّ سنة من العراق مئةَ ألف، سوى غَلّاته من السَّراة وغيرها، وكان يَزرع بقَناة على عشرين ناضحًا، وأوّلُ مَن زرع القمح بقناة هو، فقال معاوية: يَرحمه الله، لقد عاش حَميدًا سَخيًّا شريفًا، وقُتل فَقيدًا. وروى الواقدي، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: كان قيمة ما ترك طلحة بن عُبيد الله من العقار والأموال، وما ترك من النّاضّ: ثلاثين ألف ألف درهم، وترك من العَين ألفَيْ ألف ومئتي ألف درهم ومئتي ألف دينار، والنّاضّ: النَّقد. وروى الواقدي أيضًا، عن علي بن رَبَاح، عن عمرو بن العاص قال: حُدّثتُ أن طلحة ترك مئةَ بُهار، في كلّ بُهار ثلاثة قناطير ذهب، وسمعتُ أن البُهار جِلدُ ثَور (١). وفي رواية هشام، عن عمرو بن العاص أنه قال: إن ابنَ الصَّعْبةِ ترك مئةَ بُهار، ويعني بابن الصَّعْبة: طلحة. واختلفوا في البُهار، فقال الجوهري: البُهار بالضم: شيءٌ يُوزَن به، وهو ثلاث مئة رطل، قال: وقال عمرو بن العاص: إن ابن الصَّعْبة ترث مئة بُهار، وقال أبو عُبيد: البُهار في كلامهم ثلاث مئة رِطل، وأحسبها غير عربية، أُراها قِبطيّة، بالقاف (٢). ذكر أولاده: قال ابن سعد: كان له من الولد محمد السَّجَّاد، وبه كان يُكنى، قُتل يوم الجمل في المعركة، وعِمران، وأمُّهما حَمنة بنت جَحش بن رئات بن يَعمر، وأمها أُميمة بنت عبد المطلب بن هاشم.

стр. 2759

وموسى بن طلحة، وأُمُّه خولة بنت القعقاع بن مَعبد بن زُرارة بن عُدَس، تميميّة، وكان يُقال للقعقاع بن معبد: تَيّار الفرات لسخائه. ويعقوب بن طلحة، وكان جَوادًا، قُتل يوم الحَرَّة، وإسماعيل وإسحاق، وأمهم أم أبان بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وزكريا ويوسف وعائشة، وأمهم أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. وعيسى ويحيى، وأمهما سُعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المرِّي. وأم إسحاق بنت طلحة، تزوجها الحسن بن علي ﵇، فوَلدت له طلحة، ثم توفّي عنها، فخلف عليها الحسين بن علي، فوَلدت له فاطمة، وأمُّها الجَرْباء، وهي أم الحارث بنت قَسامة بن حَنظلة، من طيئ. والصَّعبة بنت طلحة لأُمّ وَلد، ومريم بنت طلحة، لأم ولد أيضًا. وصالح بن طلحة دَرَج، وأُمُّه الفَرْعَة بنت علي، تَغلبيّة (١). قلت: هذا صورة ما ذكر ابن سعد، وذكرهم الزبير بن بكار وهشام وغيرهما، فالحاصل أن الجملة أربعة عشر، منها عشرة ذكور وأربع بنات، فأما محمد فنذكره في حرف الميم من هذه السنة إن شاء الله تعالى. وأما عِمران بن طلحة فهو أخو محمد لأمه وأبيه، وأمهما حَمنَة بنت جَحش، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وقال: فولد عمران بن طلحة: عبدَ الله، وإسحاق، ومحمدًا، وحُميدًا، وأُمُّهم بنتُ أوفى بن الحارث، وكان لولده وَلدٌ فانقرضوا، ولم يبق لعمران أحد (٢). هذا صورة ما ذكر ابن سعد في طبقات التابعين من أهل المدينة، وذكر أيضًا عمران بنَ طلحة في ترجمة أبيه طلحة، وأنه قَدم على أمير المؤمنين بعد الجمل، فقال ابن سعد بإسناده، عن أبي حَبيبة مَولى طلحة قال: دخل عِمران بن طلحة على علي عليه

стр. 2760

السلام بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحَّب به وقال: إني لأرجو أن يَجعلَني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، قال: ورجلان جالسان على ناحية البساط، فقالا: الله أعدلُ من ذلك، تقتلُهم بالأمس، وتكونون إخوانًا على سُررٍ متقابِلين في الجنة؟! فقال علي: أبعد الله أرضَك وأسحقَها، فمَن إذا لم أكن أنا وطلحة؟ ثم قال لعمران: كيف أهلُك، مَن بقي من أمهات أولاد أبيك؟ أما إنا لم نَقبض أرضكم هذه السنين ونحن نُريد أن نأخذَها، إنما أخَذناها مخافةَ أن ينتهبها الناس، يا فلان، اذهب معه إلى ابن قَرَظة، فليَدفَعْ إليه أرضَه، وغَلَّة هذه السنين، يا ابن أخي، وأتنا في الحاجة إذا كانت لك. وفي رواية ابن سعد أيضًا، عن عمران لما دخل [على] عليٍّ قال له: تعال ها هنا يا ابن أخي، فأجلسه على طِنْفِسة، وقال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبو هذا ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: ابن الكَوَّاء: الله أعْدلُ من ذلك، فقام إليه أمير المؤمنين بدِرَّتِه فضربه بها، وقال: أنت وأصحابُك تنكرون هذا. وفي رواية ابن سعد: إن أمير المؤمنين لما رَحّب بابن طلحة، قال له: يا أَمير المؤمنين، تُرَحِّب بي وقد قتلتَ والدي، وأخذتَ مالي؟! قال: أما مالُك فهو مَعزول في بيت المال، فاغْدُ إليه فخُذْه، وأما أبوك فوالله ما قتلتُه، ولا أمرتُ بقتله، وإني أرجو أن أكون أنا وإياه من الذين قال الله في حقهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية، فقال رجل أعور من همدان: الله أعدل من ذلك، فصاح عليّ صيحةً تداعى لها القصر وقال: وَيلَك، فمَن ذاك إذا لم نكن نحن أولئك؟ وفي رواية ابن سعد: وكان علي بالكوفة لما قدم عليه عمران، وأن القائل: الله أعدل من ذاك، الحارت الأعور الهَمداني، وذكره (١). هذا آخر كلام ابن سعد. وقد ذكر الهيثم: أن عِمران لما دخل على أمير المؤمنين تَرحَّم على طلحة، وردَّ

стр. 2761

عليهم أموالهم، وفرض لأُمَّهات أولاد طلحة، وأكرم عِمران، وأن عليًّا ﵇ خذف الحارث الأعور لما قال: الله أعدل من ذاك، خَذفه بالدَّواة وقال: وَيحك يا أعور، إذا لم أكن وطلحة، فأنا وأبوك لا أُمَّ لك؟! وقال الواقدي: كان عِمران من رجالات ولد طلحة، سمع أباه، وعليًا، وأمَّه حَمْنَة بنت جَحش، وهي التي كانت تُستحاض على عهد رسول الله ﷺ فلا تَطْهُر، وأختُهما لأُمِّهما زينب بنت مُصعب بن عُمير (١). وأما موسى بن طلحة بن عُبيد الله فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وقال: وأُمُّه خَولة بنت القعقاع [بن مَعْبد] بن زُرارة، [وكان يُقال للقعقاع:] تيّار الفرات لسخائه (٢). ويقال: إنه وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو الذي سمّاه موسى، وقيل: كُنيته أبو محمد. وكان موسى من خيار ولد طلحة، وكُنيته أبو عيسى، وكان يَخضب بالسَّواد، ويَشُدُّ أسنانَه بالذَّهب (٣). وذكره الشيخ الموفَّق ﵀، وقال: كان من وُجوه بني طلحة، وكانوا يُرونه المهدي في زمانه، سكن الكوفة ثم خرج منها فارًّا من المختار (٤). وقد أشار ابن سعد إلى هذا فقال: حدثنا رَوْحُ بن عُبادة وسُليمان بن حرب قالا: حدثنا الأسود بن شيبان، حدثنا خالد بن سُمَير قال: قدم الكذّاب المختار بنُ أبي عُبَيد الكوفة، فهرب منه وُجوه أهل الكوفة، فقدموا علينا ها هنا البصرة، وفيهم موسى بن طلحة بن عُبيد الله، وكان الناس يُرونه في زمانه المهدي، قال: فغَشِيه الناسُ وكنتُ فيهم، فإذا شيخٌ طويلُ السُّكوتِ، قليلُ الكلام، طويل الحُزنِ والكآبة، إلى أن قال

стр. 2762

يومًا: والله لأن أكون أعلمُ أنها فتنة لها انقضاء؛ أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي كذا وكذا، فأعظم الخَطَر. فقال رجلٌ من القوم: يا أبا محمد، ما الذي تَرهب؟ قال: أرهَبُ الهَرْجَ، قال: وما الهَرْجُ؟ قال: الذي كان أصحابُ رسول الله ﷺ يُحدِّثون أنه القَتلُ بين يدي الساعة، لا يَستقرُّ الناسُ على إمام حتى تقوم الساعة عليهم وهم كذلك، وَايم الله، لئن كان هذا لوَدِدتُ أني على رأس جبلٍ؛ لا أسمعُ لكم صوتًا، ولا أرى لكم داعيًا، حتى يأتيني داعي الله تعالى. ثم قال: يَرحم الله أبا عبد الرحمن، يعني عبد الله بن عمر، والله إني لأحسبه على عهد رسول الله ﷺ الذي عهده إليه، لم يُفتَن بعده ولم يَتغيَّر. قال: فقلت في نفسي: إن هذا ليُزري على أبيه في مقتله. قال ابن سعد: مات موسى بن طلحة بالكوفة، سنة ثلاث أو أربع ومئة، وصلّى عليه الصَّقْر بن عبد الله المزني، وكان عاملًا لعمر بن هُبيرة على الكوفة، قال: وكان ثقةً من أهل الدين، كثير الحديث (١). أسند موسى بن طلحة عن أبيه، وعثمان، والزبير، وأبي أيوب، وزيد بن خارجة، وأبي ذر، وحكيم بن [حِزام، وروى عنه أبو إسحاق] السَّبيعي، وسِماك بن حَرْب وغيرُهم. قال هشام: ووَفَد على الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقال له: ما دخلتَ عليَّ إلا هَممتُ بقتلك، لولا أن أبي أخبرني أن مَروان قتل طلحة (٢). ذكر ولده: قال ابن سعد: كان لموسى بن طلحة من الولد: عيسى، ومحمد، وإبراهيم، وعائشة، وقَريبة، وأُمُّهم أم حكيم بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعِمران بن موسى، وأمه أم وَلد، يقال لها: جَيداء (٣). وقال الشيخ الموفق ﵀: كان عبد الملك بن مروان قد وَلّى محمد بن موسى

стр. 2763

ابن طلحة على شيءٍ من فارس، فنَفَسه الحجاج بن يوسف، فقال له: إنك تَمرُّ وشَبيب الخارجي قريبٌ منك، فلو عدلتَ فقاتلتَه، فعسى أن يكون الفتح لك، فُزتَ بذلك. فلما سار إلى فارس عدل إلى شبيب، فدعاه إلى البِراز، فقال له شَبيب: قد كنتَ لي جارًا بالكوفة، وأنا أكره قتلَك، فلك نفسك، ولستُ في عملك، فقال: لا بدّ، فقال له شبيب: إن الحجَّاج حسدك، فخَدعك وأراد قتلَك، فامضِ إلى عَملك، فأبى ودعاه إلى المبارزة، فقال له شبيب: أما إذا أبيت، فإني سأَنظر لك، معك جمعٌ كثير، ومعي عددٌ يَسير، فألقى القليلَ بكثيرك، ولا تَلْقَ رجلًا واحدًا وحدك، فأنك لا تدري لمن الدّبَرة، فأبى إلا مُبارزةَ شَبيب، فبارزه فقتله شبيب، وغَنم عسكرَه، وهَزم جمعَه (١). قلت: لله درُّ شَبيب، فما كان أحزمَه وأعقلَه، وأنصفَه وأشجعَه، وما كان أسفَه رأي محمد بن موسى، وأقلَّ نظرَه لنفسه، وصح فيه المثل: أتَتْك بحائِنٍ رِجْلاه (٢). وقال ابن سعد: كان محمد بن موسى بن طلحة على [أهل] الكوفة أيام ساروا إلى قتال أبي فُديك الخارجي. وقال ابن سعد: وأما عائشة بنت موسى بن طلحة فتزوّجها عبد الملك بن مروان، فوَلدت له بَكّارًا، ثم خلف عليها عليّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (٣). وأما عيسى بن طلحة بن عُبيد الله فكُنيتُه أبو محمد، وكان من حُلَماء قُريش، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال: وأمُّه سُعْدى بنت عَوف بن خارجة بن سِنان بن أبي حارثة المرِّي، قال: وتُوفّي عيسى في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة كثيرَ الحديث (٤). وقال هشام بن محمد: كان عيسى بن طلحة من ظُرَفاء قريش، سمع جاريةَ ابنِ حُمران بالمدينة تُغَنِّي لعبد الله بن مسلم: [من الطويل] تَعالوا أعينوني على الليلِ إنه … على كلِّ عينٍ لا تنامُ طَويلُ فطرق عيسى باب عبد الله بن مُسلم في الليل، فأشرف عليه عبد الله وقال: ما الذي

стр. 2764

جاء بك في هذا الوقت؟ فقال: سمعت جاريةَ ابن حُمران تُنشدك: تعالوا أعينوني على الليل إنه … وذكره، فجئتُ لأُعينَك على الليل، فقال له: أدَّى الله عنك الحق، أبطأتَ عليّ حتى أتى الله بالفَرَج (١). وقد ذكرنا أن أم عيسى سُعْدى بنت عوف، وكذا هي أم يحيى بن طلحة. وقال ابن قتيبة: وَفَد عيسى على عبد الملك بن مروان، فسأله عَزْل الحَجَّاج عن الحِجاز (٢). قلت: وقد وَهم ابن قتيبة، الذي وَفَد على عبد الملك في القصّة إبراهيم بن محمد بن طلحة، وسنذكره. وقال الموفَّق ﵀: وعيسى هو الذي دخل على عروة بن الزبير لما قُطعت رِجلُه، فذكر له ما أسلاه (٣). ذكر أولاد عيسى: قال ابن سعد: فولد عيسى بن طلحة يحيى، وأُمُّه عائشة بنت جرير بن عبد الله البَجَلي، ومحمد بن عيسى، وأمه أم حَبيب بنت أسماء بن خارجة بن حِصن بن حُذيفة بن بدر الفَزاري، قال: وعيسى بن عيسى، وأُمُّه أم عيسى بنت عِياض بن نَوفل، من بني أسد (٤). قلت: وقد ذكر الموَفَّق ﵀ من أولاد عيسى بن طلحة: محمد بن عيسى، وأُمُّه أم حَبيب، وقد ذكرناها، فقال: ومحمد هو القائل: [من الوافر] فلا تَعجَلْ على أحدٍ بظُلمٍ … فإن الظُّلمَ مَرتَعُه وَخيمُ ولا تَفحَش وإن مُلّئتَ غَيظًا … على أحدٍ فإن الفُحشَ لُومُ ولا تَقطعْ أخًا لك عند ذَنبٍ … فإن الدَّنبَ يَغفِرُه الكريمُ ولكن دارِ عَورتَه برِفقٍ … كما قد يُرقَعُ الخَلِقُ القديمُ

стр. 2765

ولا تَجزَعْ لرَيْبِ الدَّهرِ واصبِرْ … فإن الصَّبرَ في العُقْبى سَليمُ فما جَزَعٌ بمُغْنٍ عنك شيئًا … ولا ما مات تُرجِعُه الهُمومُ قال: ومن شعره: [من السريع] لا تَلُمِ المرءَ على فِعلِه … وأنت مَنْسوبٌ إلى مِثله مَن ذَمَّ شيئًا وأتى مِثلَه … فإنما يَزْري على عَقلِه (١) حَدَّث عيسى عن ابن عمر، وأبيه طلحة، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، ومعاوية، وروى عنه الزهري وغيره. وأما يحيى بن طلحة فكان من رُؤساء قريش، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قال: وأُمُّه سُعدى بنت عوف بن خارجة بن سِنان بن أبي حارثة المرِّي. قال: فولد يحيى بن طلحة: طلحة بنَ يحيى، وأُمُّه أُمُّ أبان. وأمّ أناس بنت أبي موسى الأشعري، ويُقال لها: أم إسحاق (٢). قال: وإسحاق بن يحيى، وأُمُّه الحَسناء بنت زَبَّار بن الأبرد، كلبيّة. وقال غيرُ ابنِ سعد: إن أمَّ إسحاق أمُّ أبان بنت أبي موسى الأشعري. قال ابن سعد: وسَلَمة بن يحيى، وعيسى، وسالم، وبلال الذي مَدحه الحَزين الكِناني فقال: [من الطويل] بلالُ بنُ يحيى غُرَّةٌ لا خَفا بها … لكلِّ أُناسٍ غُرَّةٌ وهِلالُ قال: ومِهجَع، ومسَلمة، وأمّ محمد بنو يحيى بن طلحة، وهم لأُمَّهات الأولاد. قال: وأمّ حكيم، وسُعدى، تزوَّجها سليمان بن عبد الملك بن مروان، فهلكتْ ولم تَلِد شيئًا، وفاطمة، وأُمُّهن سَوْدة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي (٣).

стр. 2766

وقال غير ابن سعد: وإسحاق بن يحيى يُذكر عنه الفقه (١). وأما زكريا بن طلحة فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين تابعي أهل المدينة، وأمُّه أُمُّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁، وأمها حَبيبة بنت خارجة بن زيد، من الخَزرج، وقد ذكرناها (٢). وزكريا شفيقُ يوسف وعائشة ابني طلحة، وكان زكريا جوادًا مُمَدّحًا. وقال ابن سعد: فولد زكريا بن طلحة: يحيى وعبيد الله، وأمهما العَيطل بنت خالد بن مالك، أسديَّة، وأمَّ إسماعيل وأمَّ يحيى، وأمُّهما أم إسحاق بنت جَبَلة بن الحارث، كِنديَة، وأمَّ هارون لأم وَلَد (٣). وأما إسحاق بن طلحة فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، قال: وأُمُّه أمُّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس (٤). وهي خالةُ معاوية بن أبي سفيان، أختُ هند بنت عُتبة، وهي أمُّ يعقوب بن طلحة، شهدت أمُّ أبان فُتوحَ الشام مع أخيها أبي هاشم بن عُتبة، وزوجها أبان بن سعيد بن العاص، قُتلَ يومَ أجنادِين عنها شهيدًا. وهي أختُ أبي هاشم بن عُتبة لأبيه وأمِّه، فلما قَدِمت الشامَ خطبها عمر، وعلي، وطلحة، والزبير، فتزوَّجتْ طلحة، فقيل لها في ذلك، فقالت: أما عُمر فإن دخل دخل ببَأس وإن خرج خرج بيَأس، قد شغله أمرُ آخرتِه عن أمر دُنياه، كأنه يَنظر إلى ربِّه بعَينَيه، وأما علي فليس لزوجته منه إلا قضاءُ حاجته منها، ويقول: كَيتَ وكَيت، وذَيت وذيت، وكان وكان، وأما الزبير فليس فيمرأته منه إلا شارَةٌ في قَرامِلها، وأما طلحة فإنْ دخل دخل مِضحاكًا، وإن خرج خرج بَسَّامًا، إن سألتُ أعطى، وإن سكتُّ ابتدأ، وإن عَمِلتُ شكر، وإن أسأتُ غَفَر، فذلك زَوجي حقًّا (٥).

стр. 2767

وقال الواقدي: استعمل معاوية إسحاق بن طلحة مع سعيد بن عثمان بن عفان على خُراسان، ومات بالريّ سنة ست وخمسين، وولدت أمُّه لطلحة بن عبيد الله: إسحاق ويعقوب وإسماعيل وعيسى بني طلحة، وأخوه لأمه وأبيه يَعقوب بن طلحة قُتل يوم الحَرَّة (١). ذكر أولاد إسحاق: قال ابن سعد: فولد إسحاق بن طلحة: عبد الله، وأبا بكر، دَرَج، وعبيد الله، وأُمُّهم أم أُناس بنت أبي موسى الأشعري، ومصعبًا لأُمّ وَلَد، ومعاوية، ويعقوب، وحفصة، وأمَّ إسحاق لأُمَّهات أولاد شَتّى (٢). وأما يعقوب بن طلحة فذكره أيضًا ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: كان سخيًّا جَوادًا، قُتل يوم الحَرَّة في ذي الحجة، سنة ثلاثٍ وستّين، [وجاء] بمَقْتَله ومُصابِ أهلِ الحَرَّة إلى الكوفة الكَرَوَّسُ بن زيد الطائي، فقال عبد الله بن الزَّبِير الأسَدي: [من الطويل] لَعَمرِي لقد جاء الكَرَوَّسُ كاظِمًا … على خَبَرٍ للمسلمين وَجيعِ وسنذكر الأبيات في سنة ثلاث وستين في وقعة الحَرَّة. ذكر أولاد يعقوب بن طلحة: قال ابن سعد: فولد يعقوب بن طلحة: يوسف بنَ يعقوب، وأمه أم حُميد بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وأمُّها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁. قال: وطلحةَ، وأمه [أم] الحُلاس بنت عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة. وإسماعيل وإسحاق دَرَجا في حياة أبيهما، وأبا بكرٍ، وأمُّهم جَعدَةُ بنت الأشعث بن قيس الكندي (٣). وأما إسماعيل بن طلحة فكان جَوادًا، وكانت عنده لُبابَة بنت عبد الله بن عبّاس، وأم إسماعيل أمُّ أبان بنت عتبة بن ربيعة. وأما صالح بن طلحة فأُمُّه الفَرْعة، تَغلبيّة، درج في حياة أبيه.

стр. 2768

ذكر بنات طلحة: منهن عائشة شقيقة زكريا ويوسف، وأُمُّهم أم كلثوم بنت أبي بكر ﵁، تزوَّجها مُصعب بن الزبير، فأصدقها ألفَ ألفِ درهم، ثم تزوَّجها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وسنذكرها في سنة ثلاث وعشرين ومئة. وأما أُمُّ إسحاق بنت طلحة فتزوجها الحسن بن علي ﵇، فولدت له طلحة بن الحسن، دَرَج صغيرًا، ثم تزوَّجها الحسين، فوَلدت له فاطمة بنت الحُسين، ثم تزوَّجها عبد الله بن محمد بن أبي عَتيق، فوَلدت له أُميّة (١). ذكر إخوة طلحة: قال علماء السِّيَر: كان له إخوة منهم: عثمان وعبد الرحمن ابنا عبيد الله. قال الموفق رحمة الله عليه: أسلما وصَحِبا رسولَ الله ﷺ ، وقُتل عبد الرحمن يوم الجمل مع أخيه طلحة، وهاجرا، ومات عثمان سنة أربع وسبعين، وولدُه عبد الرحمن بن عثمان بن عُبيد الله أسلم يوم الحُدَيبية، وقيل: يوم الفتح، وقُتل مع عبد الله بن الزبير، وأخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا، وقال: عبد الرحمن بن عثمان القُرَشي (٢). قلت: وقد أخرج له أحمد في المسند ثلاثة أحاديث، منها الحديث الذي انفرد به مسلم، فقال أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن لُقَطَةِ الحاجِّ (٣). انفرد بإخراجه مسلم، يعني لُقَطة الحرم. قلت: وقد اختلف الفُقهاء في هذا، فعند أبي حنيفة: لقطة الحِلِّ والحَرم سواء، إن كانت عَشَرة دراهم فما فوقها عرَّفها حولًا، وإن كانت أقلَّ من عَشرة دراهم عَرَّفها أيّامًا، وعند الشافعي -وهي إحدى الروايتين عن أحمد: أن لُقطة الحَرَم يجب تَعريفُها أبدًا، ولا تُملك لهذا الحديث، ولقوله ﵇: "لا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لمُنْشِد" (٤)، ولأبي حنيفة أن الأخبار المبيحة لأخذ اللُّقطة لا تَفصل بين الحرم وغيره لما عرف (٥).

стр. 2769

وقال الموفَّق: ومن ولده: محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان، كان عالمًا بالمغازي والأنساب (١). وقال مصعب: هو محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الرحمن بن عَتّاب بن عُبيد الله بن عثمان بن عبيد الله، رُوي عنه الحديث، ولم يذكر الموفَّق في أجداده مَن اسمه عَتَّاب. ذكر موالي طلحة: قال هشام: كان له عدَّة موالي، منهم: مُسلم بن يَسار، كان أوحد زمانه في العلم والزُّهد والوَرَع، وسنذكره. ومن موالي طلحة: أبو نُعيم الفَضْل بن دُكين، وسنذكره. ذكر مسانيد طلحة: واختلفوا فيها، قال أبو نعيم: أسند نيِّفًا وثلاثين سوى الطُّرُق. وقال ابن البَرْقي: تسعة عشرَ حديثًا، وقيل: ثمانيةً وثلاثين حديثًا. أخرج له في "الصحيحين" سبعةً، اتَّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة (٢). وأخرج أحمد لطلحة أربعةَ عشر حديثًا، بعضُها في المتَّفق عليه، وبعضها في الأفراد. وروى طلحةُ عن أبي بكر وعمر. وروى عنه بنوه: يحيى، وموسى، وعيسى، ومالك بن أبي عامر الأصبَحيّ، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والأحنف بن قيس، في آخرين. وليس في الصحابة مَن اسمُه طلحة بن عبيد الله غيره، فأما غيرُ ابنِ عُبيد الله فعشرة، وكذا في التابعين، ليس فيهم مَن اسمُه طَلحة بن عُبيد الله غير رجلٍ واحد؛ وهو: طلحة بن عبيد الله بن كَريز -بكاف مفتوحة- وكُنيته: أبو المطَرِّف الخُزاعي، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة (٣)، وكان سيِّدًا شريفًا، واختلفوا فيه: فقال البخاري:

стр. 2770

هو مَدني، وقال غيره: بَصري، وقيل: كوفي. وقال أحمد بن حنبل: ثِقة. وكان يُكثر غِشيان أم الدَّرداء، ويَسمع منها. وقال البخاري: كان قليلَ الحديث. وروى عن ابن عمر، وأبي الدرداء، وأمِّ الدرداء، وعائشة. وروى عنه محمد بن إسحاق وغيره. وهو وإن كان سيِّدًا فاضلًا؛ غير أنه لا يُعدُّ في الطَّلحات المعدودين في الجود، ولم يُذكَر لنا تاريخُ وفاتِه (١). فهذا في التابعين اسمُه طلحة بن عبيد الله ليس فيهم غيره، فأما طلحة غير ابن عبيد الله فخلقٌ كَثير. ومن مسانيد طلحة بن عبيد الله التيمي؛ قال أحمد بإسناده، عن محمد بن عبد الرحمن بن مُجَبَّر، عن أبيه، عن جَدِّه: أن عثمان أشرفَ على الذين حَصروه، فسَلّم عليهم، فلم يَردُّوا عليه، فقال عثمان: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم، فقال عثمان: إنّا لله وإنا إليه راجعون، أُسلِّم على قوم أنت فيهم ولا يَردّون، فقال طلحة: قد ردَدْتُ، فقال عثمان: يا طلحة ما هكذا الردُّ، أُسمِعُك ولا تُسمعني، أَنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "لا يُحلُّ دمَ المسلم إلا واحدةٌ من ثلاث: أن يَكفُرَ بعد إيمانه، أو يَزني بعد إحصانه، أو يَقتل نَفسًا فيُقتَلَ بها؟ " قال طلحة: اللهمَّ نعم، فكبّر عثمان وقال: والله ما أنكرتُ الله منذ عَرفتُه، ولا زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، قد تركتُه في الجاهلية تكرُّمًا، وفي الإسلام تَعفُّفًا، وما قتلتُ نَفسًا يَحلُّ بها قَتلي (٢). فصل في تسمية الطَّلْحات المعدودين في الجود: وهم سبعة؛ أحدُهم صاحب هذه الترجمة، وسمّاه النبي ﷺ يوم أحد طلحةَ الخير، ويوم ذات العُشَيرة طلحة الفيّاض، ويوم حُنين طلحةَ الجُود، وقد ذكرناه. والثاني: طلحة بن عُمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، ويُسمّى طلحةَ الجُود. والثالث: طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، ويُسمَّى طلحةَ الدَّراهِم.
следующие страницы →