← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وقال غير ابن سعد: وإسحاق بن يحيى يُذكر عنه الفقه (١). وأما زكريا بن طلحة فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين تابعي أهل المدينة، وأمُّه أُمُّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁، وأمها حَبيبة بنت خارجة بن زيد، من الخَزرج، وقد ذكرناها (٢). وزكريا شفيقُ يوسف وعائشة ابني طلحة، وكان زكريا جوادًا مُمَدّحًا. وقال ابن سعد: فولد زكريا بن طلحة: يحيى وعبيد الله، وأمهما العَيطل بنت خالد بن مالك، أسديَّة، وأمَّ إسماعيل وأمَّ يحيى، وأمُّهما أم إسحاق بنت جَبَلة بن الحارث، كِنديَة، وأمَّ هارون لأم وَلَد (٣). وأما إسحاق بن طلحة فذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، قال: وأُمُّه أمُّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس (٤). وهي خالةُ معاوية بن أبي سفيان، أختُ هند بنت عُتبة، وهي أمُّ يعقوب بن طلحة، شهدت أمُّ أبان فُتوحَ الشام مع أخيها أبي هاشم بن عُتبة، وزوجها أبان بن سعيد بن العاص، قُتلَ يومَ أجنادِين عنها شهيدًا. وهي أختُ أبي هاشم بن عُتبة لأبيه وأمِّه، فلما قَدِمت الشامَ خطبها عمر، وعلي، وطلحة، والزبير، فتزوَّجتْ طلحة، فقيل لها في ذلك، فقالت: أما عُمر فإن دخل دخل ببَأس وإن خرج خرج بيَأس، قد شغله أمرُ آخرتِه عن أمر دُنياه، كأنه يَنظر إلى ربِّه بعَينَيه، وأما علي فليس لزوجته منه إلا قضاءُ حاجته منها، ويقول: كَيتَ وكَيت، وذَيت وذيت، وكان وكان، وأما الزبير فليس فيمرأته منه إلا شارَةٌ في قَرامِلها، وأما طلحة فإنْ دخل دخل مِضحاكًا، وإن خرج خرج بَسَّامًا، إن سألتُ أعطى، وإن سكتُّ ابتدأ، وإن عَمِلتُ شكر، وإن أسأتُ غَفَر، فذلك زَوجي حقًّا (٥).

стр. 2767

وقال الواقدي: استعمل معاوية إسحاق بن طلحة مع سعيد بن عثمان بن عفان على خُراسان، ومات بالريّ سنة ست وخمسين، وولدت أمُّه لطلحة بن عبيد الله: إسحاق ويعقوب وإسماعيل وعيسى بني طلحة، وأخوه لأمه وأبيه يَعقوب بن طلحة قُتل يوم الحَرَّة (١). ذكر أولاد إسحاق: قال ابن سعد: فولد إسحاق بن طلحة: عبد الله، وأبا بكر، دَرَج، وعبيد الله، وأُمُّهم أم أُناس بنت أبي موسى الأشعري، ومصعبًا لأُمّ وَلَد، ومعاوية، ويعقوب، وحفصة، وأمَّ إسحاق لأُمَّهات أولاد شَتّى (٢). وأما يعقوب بن طلحة فذكره أيضًا ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: كان سخيًّا جَوادًا، قُتل يوم الحَرَّة في ذي الحجة، سنة ثلاثٍ وستّين، [وجاء] بمَقْتَله ومُصابِ أهلِ الحَرَّة إلى الكوفة الكَرَوَّسُ بن زيد الطائي، فقال عبد الله بن الزَّبِير الأسَدي: [من الطويل] لَعَمرِي لقد جاء الكَرَوَّسُ كاظِمًا … على خَبَرٍ للمسلمين وَجيعِ وسنذكر الأبيات في سنة ثلاث وستين في وقعة الحَرَّة. ذكر أولاد يعقوب بن طلحة: قال ابن سعد: فولد يعقوب بن طلحة: يوسف بنَ يعقوب، وأمه أم حُميد بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وأمُّها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁. قال: وطلحةَ، وأمه [أم] الحُلاس بنت عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة. وإسماعيل وإسحاق دَرَجا في حياة أبيهما، وأبا بكرٍ، وأمُّهم جَعدَةُ بنت الأشعث بن قيس الكندي (٣). وأما إسماعيل بن طلحة فكان جَوادًا، وكانت عنده لُبابَة بنت عبد الله بن عبّاس، وأم إسماعيل أمُّ أبان بنت عتبة بن ربيعة. وأما صالح بن طلحة فأُمُّه الفَرْعة، تَغلبيّة، درج في حياة أبيه.

стр. 2768

ذكر بنات طلحة: منهن عائشة شقيقة زكريا ويوسف، وأُمُّهم أم كلثوم بنت أبي بكر ﵁، تزوَّجها مُصعب بن الزبير، فأصدقها ألفَ ألفِ درهم، ثم تزوَّجها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وسنذكرها في سنة ثلاث وعشرين ومئة. وأما أُمُّ إسحاق بنت طلحة فتزوجها الحسن بن علي ﵇، فولدت له طلحة بن الحسن، دَرَج صغيرًا، ثم تزوَّجها الحسين، فوَلدت له فاطمة بنت الحُسين، ثم تزوَّجها عبد الله بن محمد بن أبي عَتيق، فوَلدت له أُميّة (١). ذكر إخوة طلحة: قال علماء السِّيَر: كان له إخوة منهم: عثمان وعبد الرحمن ابنا عبيد الله. قال الموفق رحمة الله عليه: أسلما وصَحِبا رسولَ الله ﷺ ، وقُتل عبد الرحمن يوم الجمل مع أخيه طلحة، وهاجرا، ومات عثمان سنة أربع وسبعين، وولدُه عبد الرحمن بن عثمان بن عُبيد الله أسلم يوم الحُدَيبية، وقيل: يوم الفتح، وقُتل مع عبد الله بن الزبير، وأخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا، وقال: عبد الرحمن بن عثمان القُرَشي (٢). قلت: وقد أخرج له أحمد في المسند ثلاثة أحاديث، منها الحديث الذي انفرد به مسلم، فقال أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن لُقَطَةِ الحاجِّ (٣). انفرد بإخراجه مسلم، يعني لُقَطة الحرم. قلت: وقد اختلف الفُقهاء في هذا، فعند أبي حنيفة: لقطة الحِلِّ والحَرم سواء، إن كانت عَشَرة دراهم فما فوقها عرَّفها حولًا، وإن كانت أقلَّ من عَشرة دراهم عَرَّفها أيّامًا، وعند الشافعي -وهي إحدى الروايتين عن أحمد: أن لُقطة الحَرَم يجب تَعريفُها أبدًا، ولا تُملك لهذا الحديث، ولقوله ﵇: "لا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لمُنْشِد" (٤)، ولأبي حنيفة أن الأخبار المبيحة لأخذ اللُّقطة لا تَفصل بين الحرم وغيره لما عرف (٥).

стр. 2769

وقال الموفَّق: ومن ولده: محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان، كان عالمًا بالمغازي والأنساب (١). وقال مصعب: هو محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الرحمن بن عَتّاب بن عُبيد الله بن عثمان بن عبيد الله، رُوي عنه الحديث، ولم يذكر الموفَّق في أجداده مَن اسمه عَتَّاب. ذكر موالي طلحة: قال هشام: كان له عدَّة موالي، منهم: مُسلم بن يَسار، كان أوحد زمانه في العلم والزُّهد والوَرَع، وسنذكره. ومن موالي طلحة: أبو نُعيم الفَضْل بن دُكين، وسنذكره. ذكر مسانيد طلحة: واختلفوا فيها، قال أبو نعيم: أسند نيِّفًا وثلاثين سوى الطُّرُق. وقال ابن البَرْقي: تسعة عشرَ حديثًا، وقيل: ثمانيةً وثلاثين حديثًا. أخرج له في "الصحيحين" سبعةً، اتَّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة (٢). وأخرج أحمد لطلحة أربعةَ عشر حديثًا، بعضُها في المتَّفق عليه، وبعضها في الأفراد. وروى طلحةُ عن أبي بكر وعمر. وروى عنه بنوه: يحيى، وموسى، وعيسى، ومالك بن أبي عامر الأصبَحيّ، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والأحنف بن قيس، في آخرين. وليس في الصحابة مَن اسمُه طلحة بن عبيد الله غيره، فأما غيرُ ابنِ عُبيد الله فعشرة، وكذا في التابعين، ليس فيهم مَن اسمُه طَلحة بن عُبيد الله غير رجلٍ واحد؛ وهو: طلحة بن عبيد الله بن كَريز -بكاف مفتوحة- وكُنيته: أبو المطَرِّف الخُزاعي، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة (٣)، وكان سيِّدًا شريفًا، واختلفوا فيه: فقال البخاري:

стр. 2770

هو مَدني، وقال غيره: بَصري، وقيل: كوفي. وقال أحمد بن حنبل: ثِقة. وكان يُكثر غِشيان أم الدَّرداء، ويَسمع منها. وقال البخاري: كان قليلَ الحديث. وروى عن ابن عمر، وأبي الدرداء، وأمِّ الدرداء، وعائشة. وروى عنه محمد بن إسحاق وغيره. وهو وإن كان سيِّدًا فاضلًا؛ غير أنه لا يُعدُّ في الطَّلحات المعدودين في الجود، ولم يُذكَر لنا تاريخُ وفاتِه (١). فهذا في التابعين اسمُه طلحة بن عبيد الله ليس فيهم غيره، فأما طلحة غير ابن عبيد الله فخلقٌ كَثير. ومن مسانيد طلحة بن عبيد الله التيمي؛ قال أحمد بإسناده، عن محمد بن عبد الرحمن بن مُجَبَّر، عن أبيه، عن جَدِّه: أن عثمان أشرفَ على الذين حَصروه، فسَلّم عليهم، فلم يَردُّوا عليه، فقال عثمان: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم، فقال عثمان: إنّا لله وإنا إليه راجعون، أُسلِّم على قوم أنت فيهم ولا يَردّون، فقال طلحة: قد ردَدْتُ، فقال عثمان: يا طلحة ما هكذا الردُّ، أُسمِعُك ولا تُسمعني، أَنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "لا يُحلُّ دمَ المسلم إلا واحدةٌ من ثلاث: أن يَكفُرَ بعد إيمانه، أو يَزني بعد إحصانه، أو يَقتل نَفسًا فيُقتَلَ بها؟ " قال طلحة: اللهمَّ نعم، فكبّر عثمان وقال: والله ما أنكرتُ الله منذ عَرفتُه، ولا زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، قد تركتُه في الجاهلية تكرُّمًا، وفي الإسلام تَعفُّفًا، وما قتلتُ نَفسًا يَحلُّ بها قَتلي (٢). فصل في تسمية الطَّلْحات المعدودين في الجود: وهم سبعة؛ أحدُهم صاحب هذه الترجمة، وسمّاه النبي ﷺ يوم أحد طلحةَ الخير، ويوم ذات العُشَيرة طلحة الفيّاض، ويوم حُنين طلحةَ الجُود، وقد ذكرناه. والثاني: طلحة بن عُمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، ويُسمّى طلحةَ الجُود. والثالث: طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، ويُسمَّى طلحةَ الدَّراهِم.

стр. 2771

والرابع: طلحة بن الحسن بن علي ﵇، ويسمى طلحة الخير. والخامس: طلحة بن عبد الله بن عَوف الزُّهري، ابن أخي عبد الرحمن بن عَوف، ويُسمَّى طلحةَ النَّدى. والسادس: طلحة بن عبد الله بن خَلَف، ويُقال له: طلحةَ النَّدى أيضًا. والسابع: طلحة بن عبد الله الخُزاعي، ويقال له: طلحةَ الطَّلحات (١). قال الأصمعي: وكان أجودَ القوم، ولذلك سُمّي طلحةَ الطَّلحات. فنذكر طَرَفًا من أخباره. قال الأصمعي: كُنيته أبو المطَرِّف، وفيه يقول القائل: [من الخفيف] رحم الله أعظُمًا دَفنوها … بسِجِسْتانَ طلحةَ الطَّلْحاتِ (٢) وقد ذكره العلماء في تواريخهم، وأثنوا عليه، فقال يحيى بن مَعين: أبوه عبد الله بن خَلَف بن أسعد، كُنيتُه أبو المطَرِّف، وكُنيةُ ابنه طلحة: أبو محمد، وقُتل أبوه عبد الله يومَ الجمل مع عائشة، وأمّ طلحة الطلحات: صَفيّة بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العَبْدَريّ، وهي بنت أخي عثمان بن طلحة الحُجَبي. وقال ابن دريد: إنما سُمّي طَلحةَ الطلحات من أجل أن أُمَّه بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، وهي بنت أخي عُثمان بن طلحة، ولهم قصرٌ بالبصرة يُعرف بقصر خَلَف جَدِّهم، وفيه نزلت عائشة لما قدمت البصرة. قال: وكان طلحة الطلحات شريفًا، عظيمَ القدر، ولم يكن بالبصرة في زمانه مثلُه، قدم على يزيد بن معاوية شافعًا في يزيد بن ربيعة بن مُفَرِّغ. وقال خليفة بن خيّاط: وفي سنة ثلاث وستين بعث سَلْم بن زياد بن أبيه طلحةَ الطلحات واليًا على سِجِسْتان، وأمره أن يَفدي أخاه أبا عُبيدة بن زياد، ففَداه بخمس مئة ألف، فلحق بأخيه سلم، وأقام طلحةُ واليًا بها حتى مات.

стр. 2772

وقال هشام: قال سلمة بن إبراهيم لطلحة الطلحات (١): ما رأينا ألأم من قومك، يأتونك إذا أيسرتَ، ويَقطعونك إذا أملَقْتَ. فقال: هم أكرم قوم، يأتوننا وبنا قُوَّةٌ على بِرِّهم، والقيام بحقوقهم، ويتأخَّرون عنا حين نَضعُف عن ذلك. قال: وكان طلحة مُمَدَّحًا، مدحه فُحول الشُّعراء، دخل عليه كُثيّر عَزّة وهو مريض، فأنشده [من الكامل] يا ابن الذَّوائِب من خُزاعةَ والذي … لَبِس المكارمَ وارتَدى بنِجادِ حَلَّتْ بساحتك الوفودُ من الوَرى … فكأنما كانوا على مِيعادِ لتَعودَ سيِّدَها وسيِّدَ غيرها … ليت التَّشكِّي كان بالعُوَّادِ فأعطاه حتى حَيَّرَه. وقال الواقدي: وَرَد عليه كتابٌ من الحجاز؛ من عَجوزٍ تَستَميحُه، وفيه: [من الرجز] يا أيها المايح دَلْوي دُونكا إني رأيتُ النّاسَ يَحْمَدونكا يُثنون خَيرًا ويُمَجِّدونكا فقال طلحة: قاتل الله العجوز، تَطلبُ جُبْنَ خُراسان وهي بالحجاز، ثم عَمَد إلى جُبْنَتَين مَملوءتين قطنًا، فأخرج القُطْنَ منها، وجعل مَوضعَه دَنانير، وكتب إليها: إنّا مَلأناها تَفيضُ فَيضا فلن تخافي ما حييتُ غَيضا ففتقت الجُبْنَة فتناثرت الدَّنانير. وقولها: يا أيها المايحُ دَلْوي دُونكا، قد فرَّقت العرب بين المايح والماتِح، فجعلت النُّقطتَين اللتين من تحت لمن هو في أسفل البئر، والنقطتين اللتين من فوق لمن هو في

стр. 2773

أعلا البئر. ولم يذكر لنا تاريخ وفاته، وقال الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور" أن طلحة الطلحات سمع من عثمان بن عفان (١). وأما طلحة النَّدى؛ فهو طلحة بن عبد الله بن عَوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكُنيته أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وأمه فاطمة بنت مُطيع بن الأسود، ووَلي المدينة (٢) وسنذكره. انتهت ترجمة طلحة بن عبيد الله التَّيمي. وفيها توفي عبد الله بن سعد ابن أبي سَرْح بن الحارث بن حُبيّب -بالتصغير مع التشديد- الفِهري. قال ابن البَرْقي: واسم أبي سَرْح الحُسام، وكنيته أبو عبد الله العامري (٣). وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، قال: وأمه مهانة بنت جابر من الأشعريّين (٤). وذكره الموفق ﵀ في "الأنساب"، وقال كما ذكرنا في نسبه، ثم قال: وحُبَيّب بن جَذيمة بن نصر بن مالك [بن حِسْل] بن عامر بن لؤي. أسلم قبل الفتح قديمًا، وهاجر، وكتب لرسول الله ﷺ الوحي، ثم ارتدّ عن الإسلام، وقدم مكة فقال لقريش: كنت أُصرِّف محمدًا حيث أريد؛ فكان يُملي عليّ: حكيم عليم؛ فأقول: عزيز حكيم، فيقول: نعم، فلما كان يوم الفتح أباح النبي ﷺ دمَه فيمن أباح، وكان أخا عثمان من الرضاعة؛ فأخذ له أمانًا. وقد ذكرناه يوم الفتح.

стр. 2774

ثم قال الموفق: وأسلم وحسُن إسلامُه، وكان أحد النُّجباء النُّبلاء العقلاء الكرماء من قريش، وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في فتوح مصر وحروبه كلّها، ثم ولّاه عثمان مصر في سنة خمس وعشرين، فغزا إفريقية؛ ففتحها في سنة سبع وعشرين، ثم عاد، ثم غزا الأساود من النُّوبَة، وهادنهم الهُدنةَ الباقية إلى هلم جرّا، ثم غزا غزاة الصَّواري في سنة إحدى وثلاثين، ثم قدم على عثمان؛ فانتزى محمد بن أبي حذيفة على مصر، فرجع عبد الله فمنعه دخولها، فجاء إلى عَسقلان -وقيل: إلى الرَّمْلة- فأقام بها حتَّى مات في الصلاة سنة ست أو سبع وثلاثين. وهذا قول الموفق (١). وقال عبد الله بن محمد البغوي: استخلف على مصر السائب بنَ هشام بن عمرو العامري، فوثب محمد بن أبي حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس فخلع السائب، وتأمَّر على مصر، فرجع عبد الله فمنعه ابن أبي حذيفة من دخولها، فمضى، إلى عسقلان [فأقام بها]، ولم يبايع أمير المؤمنين ولا معاوية (٢). واختلفوا في وفاته؛ فقال ابن سعد: بنى دارًا بمصر ونزلها، حتَّى إذا كانت الفتنة تحول إلى فلسطين فمات بها (٣). وقال أبو سعيد بن يونس: لما منعه ابنُ أبي حذيفة من دخول مصر رجع إلى عسقلان، فمات بها في سنة ست وثلاثين. وقال ابن مَنده: توفِّي بالرَّملة. وقال أبو القاسم بن عساكر: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفي عبد الله سنة ست وستين (٤)، قال: وهو وهم منه (٥)، والصحيح أنَّه مات في سنة ست أو سبع وثلاثين عند خروج معاوية إلى صِفّين بعَسقلان، ولم يشهد صفّين. ودُفن بمكان يقال له: مقابر قريش، وهو مكان معروف.

стр. 2775

وقال البخاري: مات في الصلاة بالرملة خوفًا من الفتنة (١). وقال يزيد بن أبي حبيب: حضرتْ صلاة الصبح وعبد الله بالرّملة فقال: اللهمَّ اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فقرأ في الأولى بأمّ القرآن والعاديات، وفي الأخرى بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن يمينه، وذهب يسلّم عن يساره فقبض الله روحَه (٢). وكذا قال البخاري والموفّق (٣) أنَّه مات في الصلاة. وقيل: إنه مات بإفريقية، وهو وهم منه. وكان شاعرًا، ومن شعره: [من الطويل] أرى الأمرَ (٤) لا يزداد إلا تفاقُمًا … وأنصارُنا في البلدتين قليلُ وأسلمنا أهلُ المدينةِ والهوى … هوى أهل مصرٍ والدليلُ دليلُ وقال الموفق ﵀: وابنه وَهْب بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، شهد أحدًا والحديبية والخندق وخيبر مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سويد بن عمرو، فقُتلا بمؤته شهيدين. قال: وأخوه عياض بن عبد الله بن سعد تابعي، وروي عنه الحديث. قال: وعمرو بن أُويس بن سعد بن أبي سرح، ابن أخي عبد الله بن سعد؛ استشهد يوم اليمامة. قال: وأروى بنت أويس بن سعد بن أبي سرح، وهي التي خاصمت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل في الأرض، فدعا عليها فعَميت (٥). وليس في الصحابة مَن اسمه عبد الله بن سعد سوى ثلاثة؛ أحدهم صاحب هذه الترجمة، وله صحبة ورواية، والثاني عبد الله بن سعد الأنصاري له صحبة ورواية، والثالث عبد الله بن سعد بن خيثمة الأوسي، له صحبة وليس له رواية (٦).

стр. 2776

وفيها توفي. عبد الرحمن بن عَتَّاب ابن أَسيد بن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس. قد ذكرنا أباه عَتَّابًا، وأن رسول الله ﷺ ولّاه مكة وهو ابن عشرين سنة، وأنه مات بمكة في اليوم الَّذي مات فيه أبو بكر الصديق بالمدينة، وأن عبد الرحمن كان إمام أهل الجمل، وأنه أخذ بزمام الجمل، ولم يزل يقاتل عنده حتَّى قُتل. قال الواقدي: مرَّ به أمير المؤمنين وهو مقتول، فترحّم عليه وقال: لَهفي عليك يَعْسوب قريش، قُتلت اليوم الغَطارفة من بني عبد مناف، ثم قال: أشكو إلى الله عُجَري وبُجَري … الأبيات (١)، فقال له رجل: تجزعُ عليهم وقد أرادوا بك ما أرادوا؟ فقال: إنه قامت عني وعنهم رَحِم. وقد ذكرنا أن عتَّابًا أُخذت كفُّه، وفي أصبعه خاتم عليه منقوش اسمه، فألقته بمكة يوم الوقعة، فعرفوا أنَّه قد قُتل، فصلّوا عليه. وفيها توفي عبد الرحمن بن عُدَيس البَلَوي رئيسُ المصريين الذين ساروا لقتال عثمان. قال علماء السير: وعبد الرحمن من الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولما تُوفّي رسول الله ﷺ نزل مصر فأقام بها، حتَّى سار إلى عثمان، وفعل به ما فعل، فلما قُتل عثمان خرج إلى الشام، فنزل فلسطين، وعلم به والي معاوية فقبض عليه وحبسه، وأرسل إلى معاوية يُخبره، فهرب من الحبس، فبثُّوا الخيل في طلب ابن عُديس، وكان معه في الحبس كِنانة بن بِشر ومحمد بن أبي حذيفة. ولما بثّوا الخيل في طلب ابن عُديس أدركه فارس، فحمل عليه، فقال له ابن

стр. 2777

عُديس: أَنشُدك اللهَ في دمي؛ فإني من أصحاب رسول الله ﷺ الذين بايعوه تحت الشجرة، فطعنه فقتله. وليس في الصحابة مَن اسمه عبد الرحمن بن عُدَيس غيره، وله صُحبة ورواية (١). وفيها توفي قُدامة بن مَظْعون ابن حبيب بن وهب الجُمحي، أخو عثمان بن مَظْعون، وكنيته أبو عمرو، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمه غَزيَّة بنت الحُوَيرث، جمحيّة، وغزية بغين معجمة. وقال البلاذري: هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة بالاتفاق. وفي الثانية (٢) خلاف، والأول أصحّ، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وكان لا يغيِّر شيبَه. وقال ابن سعد: توفي في سنة ستٍّ وثلاثين وهو ابن ثمان وستين، وقيل: ابن ثمانين سنة. وكان له من الولد عمر وفاطمة؛ وأمهما هند بنت الوليد بن عُتبة بن ربيعة، وعائشة وأمُّها فاطمة بنت [أبي] سفيان بن الحارث الخزاعي، ورَمْلة وأمُّها صفية بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب (٣). وذكره الموفق ﵀ فقال: ولّاه عمر بن الخطاب البحرين، ثم عزله بسبب شرب الخمر، وتأوَّل قولَه تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، لم يحدَّ من أهل بدر أحدًا في شرب الخمر إلا قُدامة، وغاضب قدامة عمر وهجاه (٤)، وحجّا معًا، فلما قَفَلا من حجِّهما نزل عمر

стр. 2778

بالسقيا فنام، وانتبه فقال: عجِّلوا عليّ بقدامة؛ فوالله لقد أتاني آتٍ في منامي فقال: سالِمْ قُدامة فإنه أخوك، فأتوه به، فكلَّمه عمر واستغفر له واصطلحا. قال: وقدامة زوج صفية أخت عمر، وأخو زينب بنت مظعون زوجة عمر. قال: وكانت عائشة بنت قدامة من المبايعات. وليس في الصحابة من اسمه قدامة بن مظعون غيره، وله صحبة ورواية. وفيها توفي كعب بن سُور ابن بكر بن عبد الله الأزدي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. ولاه عمر القضاء على البصرة، وأقرَّه عثمان، وسببه ما ذكره الزبير بن بكّار قال: حدثني إبراهيم الحِزاميّ، عن محمد بن مَعْن الغفاري قال: أتت امرأةٌ عمر بنَ الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله، فقال لها: نعم الزوجُ زوجك، فجعلت تكرّر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب، وعنده كعْب بن سُور الأَسْدي (١)، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن هذه المرأة تشكو زوجَها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال له عمر: كما فهمتَ كلامها فاقضِ بينهما. وقد ذكرنا القصة في ترجمة عمر (٢)، وفيها شعر أوَّله أن المرأة قالت: يا أيها القاضي الحكيم رَشَدُهْ وقول زوجها: زَهَّدني في فَرْشِها وفي الحَجَل الأبيات. وحكى ابن سعد عن بعض أهل العلم أنَّه: لما قدمت عائشة البصرة دخل كعب بن سُور بيتًا، وطيَّن بابه، وجعل فيه كُوَّة يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالًا للفتنة، فأرسلوا

стр. 2779

إليه فلم يُجب، فقيل لعائشة: إن خرج معك كعب لم يتخلَّف عنك أحد من المسلمين الأزد، فجاءت بنفسها إلى باب بيته ونادته: يا كعب، فلم يُجبها، فألحَّت عليه وهو ساكت، فقالت: ألستُ أمّك ولي عليك حق؟! فبحقّي عليك إلا خرجتَ؛ فإنما جئت لأُصلح بين الناس، فخرج مُكرهًا، فقُتل بين يدي عائشة، وهو أوَّلُ قتيل قتل يوم الجمل، وقد ذكرناه. وقال الواقدي: أمرته عائشة أن يخرج إلى القوم بالمصحف، فعلّقه في عنقه وخرج، فجاءه سَهْمٌ غَرب فذبحه. وقال ابن سعد: كان كعب معروفًا بالخير والصلاح، وليس له حديث. ومر به أمير المؤمنين فتأسَّف عليه (١). وفيها توفي محمد بن طلحة بن عُبيد الله التَّيمي كان يُسمَّى السَّجَّاد لعبادته، كان يسجد كلَّ يوم ألفَ سَجدة، وله إدراك لرسول الله ﷺ . وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة قال: وحدثنا محمد بن عمر بإسناده إلى حَمْنَة بنت جَحْش بن رِئاب: أنها لما ولدت محمدًا جاءت به إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله سَمّه، فقال: "قد سمَّيتُه محمدًا وكنَّيتُه أبا سليمان، لا أجمع له اسمي وكُنيتي" (٢). وفي رواية ابن سعد أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال: ما سمَّيتموه؟ قلنا: محمدًا، فقال: هذا اسمي وكَنَّيتُه أبا القاسم (٣). وفي رواية: فلما أراد عمر بن الخطاب تغيير الأسامي قال له محمد: يا أمير

стр. 2780

المؤمنين أنشدك (١) الله أن تغيِّر اسمي، فوالله ما سمّاني محمدًا إلّا محمد رسول الله ﷺ ، فقال عمر: لا سبيل إلى تغيير شيء سماه محمد ﷺ . وليس لمحمد بن طلحة في "المسند" غير هذا الحديث. وأخرج له الموفق ﵀ في "الأنساب" حديثًا مرسلًا في صفة السَّحاب (٢). وذكره الموفق وأثنى عليه فقال: كان محمد السجَّاد عابدًا صالحًا بارًّا بأبيه، ولد على حياة رسول الله ﷺ ، فأتى به أبوه رسول الله ﷺ ، فحنّكه وسمّاه باسمه وكنّاه بكنيته، وحضر يوم الجمل مع أبيه وكانت معه رايته، قال: وكان فيما ذُكر مُكرهًا؛ أكرهه أبوه على الخروج معه، وكان أمير المؤمنين قد نهى عن قتله وقال: إيّاكم وصاحب البُرْنُس، فإنه خرج مُكرهًا. واختلفوا في كيفية قتله فقال الموفّق: أمره أبوه بالقتال فتقدّم، فنَثَل دِرعَه بين رجليه، وقام عليها، وجعل كلّما حمل عليه رجلٌ يقول: نشدتك بحم، فينصرف عنه، حتَّى جاء المُكَعْبِر الأسَديّ فطعنه، ولم يكن عليه درع، فقتله وقال: [من الطويل] وأشعثَ قَوَّامٍ بآيات ربِّه … قليلِ الأذى فيما ترى العينُ مُسلمِ هتكتُ له بالرُّمح جَيبَ قميصه … فخرَّ صريعًا لليدين وللفمِ على غير شيء أنه ليس بائعًا (٣) … عليًّا ومن لم يتبعِ الحقَّ يَظلمِ يُذكِّرني حَم والرُّمحُ شاجِرٌ … فهلّا تلا حاميم قبل التَّقدُّمِ وذكر ابن سعد الأبيات لعِصام بن المُقْشَعِرّ (٤)، وهو الَّذي قتل محمدًا، وحكاه ابن سعد. وحكى سيف عن أشياخه قالوا: أخذ محمد بن طلحة بزِمام الجمل، فقالت عائشة:

стр. 2781

مَن أنت؟ قال: محمد بن طلحة، فقالت: يا بُنيّ، كن خير بني آدم. وكان هوى محمد مع علي ﵇، واجتمع عليه جماعة فحمل عليهم وهو يقول: "حم لا ينصرون"، فقتلوه. وادَّعى قتلَه جماعة: المُكَعْبِر الأَسَديّ، والأشتر النَّخَعي، وشُريح بن أوفى، والمشهور، أن المُكَعْبِر قتله (١). وقد ذكره ابن سعد فقال: قاتل محمد بن طلحة يوم الجمل قتالًا شديدًا، وعُقِر الجمل، فتقدّم محمد فأخذ بخِطامه وعائشة عليه، فقال لها: ما ترين يا أُمَّه؟ قالت: أرى أن تكون خير بني آدم، فلم يزل كافًّا، فأقبل عبد الله بن مُكَعْبِر -رجلٌ من بني عبد الله بن غطفان حليف بني أسَد- فقال له محمد: أُذكرك "حَمَ"، فطعنه فقتله. قال الواقدي: مرَّ علي ﵇ على القتلى، ومعه الحسن بن علي وعمار وصَعصعة بن صُوحان والأشتر ومحمد بن أبي بكر، وبأيديهم النيران يطوفون على القتلى، فمرّ عليّ بمحمد بن طلحة وهو قتيل فقال: السَجَّاد وربِّ الكعبة، فردَّ رأسه إلى جسده، وبكى واسترجع وقال: والله هذا قريعُ قريش، والله ما علمتُه إلا صالحًا عابدًا زاهدًا، والله ما صرعه هذا المصرع إلَّا برُّه بأبيه فإنه كان مطيعًا له، ثم جعل يبكي ويحزن عليه، فقال له الحسن: يا أبتِ، قد كُنْتُ أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان، فقال: قد كان ذلك يا بُنيّ، ولَوَدِدتُ أنّي متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وقد روى ابن سعد بمعناه، فقال الحسن لعلي: ما كان أغناك عن هذا؟ فقال علي: ما لي ولك يا بني أو يا حسن، ثم قال: ودَّ أبوك أنَّه مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وقال ابن سعد: قال طلحة يوم الجمل: إنّا داهَنّا في أمر عثمان، فلنَبذُلَنّ دماءنا وأولادنا فيه (٢). قال هشام: الَّذي قتل محمدًا عبد الله بن مُكَعْبِر حليف بني أسد، ولما حمل عليه قال له محمد: أنشدك الله والرَّحم، فطعنه فقتله.

стр. 2782

وقال ابن سعد: ويقال: إن الَّذي قتله ابن مكيس الأزدي، قال: وقال بعضهم معاوية بن شدَّاد العَبْسي. قال: وروى محمد الحديث عن عمر، وأمره عمر أن ينزل في قبر خالته زينب بنت جَحش زوجِ النبي ﷺ ، وكان ثقة (١). ذكر ولد محمد بن طلحة: قال علماء السير: كان له إبراهيم وسليمان وداود وأمّ القاسم. فأما إبراهيم بن محمد فكان يُسمّى أسدَ الحجاز، وله قصة مع عبد الملك بن مروان والحجاج، وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما سليمان بن محمد فبه كان يُكنى. وأم سليمان وداود وأم القاسم خَوْلَة بنت منظور بن زبّان، فزاريّة، وأخوهم لأمِّهم حسن بن حسن بن عليّ ﵇، وأمّه خولة هذه. وفيها توفي محمد بن أبي حُذيفة ابن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. استشهد أبوه أبو حذيفة يوم اليمامة، قال علماء السير: ترك ابنَه محمدًا صغيرًا؛ فكفِله عثمان بن عفان، فأحسن كَفالته، وربّاه فأجمل تربيتَه، فلما ترعرع سأل عثمانَ أن يولّيه ولاية فأبى، فتنسَّك وتعبّد، ويُقال: إن عثمان حدّه في الشراب، وهو الَّذي منعه أن يولّيه شيئًا. وذكره الموفق ﵀ فقال: وكنية محمد بن أبي حذيفة أبو القاسم، لم يزل في كفالة عثمان سنين، ثم خرج إلى مصر وبها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح عامل لعثمان، فوفد عبد الله بن سعد على عثمان، فانتزى محمد بن أبي حذيفة على مصر وأخذها، فلما عاد ابن سعد إليها منعه من دخولها، فرجع ابن سعد إلى عَسْقلان، فأقام بها، وأقام ابن أبي حذيفة على مصر؛ حتَّى ولّى علي ﵇ على مصر قيس بن سعد،

стр. 2783

وعزل عنها ابن أبي حذيفة، فخرج إلى الشام، فقتله مولى لعثمان (١). وقال هشام بن الكلبي: استأذن محمد عثمانَ في غزو البحر فأذن له، فخرج إلى مصر، فلما رأى الناس عبادتَه وزهدَه أعظموه وأطاعوه، وكان محمد بن أبي حذيفة جَهوريّ الصوت، فكبّر يومًا خلف عبد الله بن سعد تكبيرةً أفزعتْه، فشتمه ابنُ سعد وقال: أنت حدث أحمق، ولولا ذلك قاربتُ بين خُطاك. وكان محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر يعيبان على عثمان توليتَه لابن سعد، ويؤلِّبان عليه، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان فأخبره، فكتب إليه عثمان: أما ابنُ أبي بكر فيوهَب لأبيه ولعائشة، وأما ابنُ أبي حذيفة فابني وتربيتي، وهو فَرْخُ قريش، فكتب إليه ابن سعد: إن هذا الفَرْخَ قد نَبت ريشُه، وما بقي إلا أن يطير، فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألفًا وكسوة، فجمع محمد المصريين، ووضع المال في المسجد وقال: إن عثمان يريد أن يخدَعَني ويَرشوني على ديني، وفرَّقه فيهم، فازداد في عيون القوم، وازدادوا طغيانًا على عثمان، فاجتمعوا وبايعوا محمدًا على رئاستهم، فلم يزل يؤلِّبُهم على عثمان حتَّى ساروا إليه فقتلوه (٢). وقال أبو سعيد بن يونس ويزيد بن [أبي] حبيب: فقدم معاوية مصر في سنة ستِّ وثلاثين، فنزل عينَ شمس، وامتنع عليه دخول مصر، فكتب إلى محمد بن أبي حُذيفة يَخدعه ويقول: إنا لا نريد قتال أحدٍ من المسلمين، وإنَّا جئنا نطلب القَوَدَ بعثمان، فادفعوا إلينا قاتليه: ابنَ عُدَيس وكنانة بن بِشر فهما رأسا القوم. فكتب إليه ابنُ أبي حذيفة: إني لم أكن لأُقيد بعثمان جَدْيًا [أرطَبَ السُّرَّة]، فقال معاوية: فاجعلوا بيننا وبينكم أجلًا حتَّى يجتمع الناس على إمام، وارهنوا عندنا رَهْنًا، فأجابه محمد إلى ذلك وقال: أنا أستخلف على مصر، وأخرج مع الرُّهُن في هذا العهد، هانما قال ذلك جُبنًا وخَوَرًا منه، فاغتنم معاوية قولَه.

стр. 2784

وخرج ابنُ أبي حذيفة مع معاوية إلى الشام، فلما نزلوا الساحل بقرية يقال لها: لُدّ، سجنهم بها، وقيل: إنه سجن ابنَ أبي حُذيفة بدمشق، وابنَ عُدَيس ببَعْلَبَكّ. قال أبو سعيد بن يونس: فبينما معاوية في مسيره ذلك جاءه بريد؛ فأخبره أن محمد ابن أبي حذيفة قد هرب من السجن، وقيس بنَ عديّ اللّخمي النائب بمصر قد أغار على الشام، وجاء بريدٌ آخر بأن ابنَ عُدَيس وكنانة قد هربا من سجن بعلبك، ثم جاءه بريد آخر بأن هِرَقْل قد نزل الدَّرْبَ، وجاءه بريد آخر أن أمير المؤمنين قد شارف الشام، فقال: خمسة (١) بُرُد في ليلة واحدة، فاهتمَّ معاوية، ثم قال لعموو بن العاص: ماذا ترى؟ فقال: أما قيس بن عديّ فسارق بعير ثم يعود، وأما ابنُ عُدَيس وكِنانة فخذ عليهما الرَّصَد، وكذا ابن [أبي] حذيفة، وأما هِرقل فلم يَعْدُ الدَّرْبَ، وأما علي فإن صحّ مجيئُه لم يمكنْه الإقامة على غير قاعدة، فهوّن عليك. فبعث معاوية عمرو بن عبد الله الخَثْعمي في طلب محمد بن أبي حذيفة وابن عُدَيس وكنانة، وكانوا يسيرون ليلًا وَيكمنون نهارًا، فخرج نَبَطٌ من أنباط الشام يطلبون حمارًا ضاع منهم، فدخلوا غارًا فوجدوهم، فدلُّوا عليهم، فدخل عمرو فقتلهم وأصحابهم. وقال أبو مخنف: إن كنانة بن بِشر قتله جيشُ معاوية الَّذي نَفّذه لافتتاح مصر (٢). وقال خليفة: كنانة قتل يوم الدار، قتله عبدٌ حبشيّ لعثمان، وقد ذكرناه (٣)، وحكاه الطبري. وأما محمد بن أبي حذيفة فقد اختلفوا في مقتله، فقال هشام بن محمد: ضبط مصر قبل قدوم قيس بن سعد، فسار إليه معاوية وعمرو بن العاص، فعالجا دخول مصر فلم يقدرا عليها، فلم يزالا يعالجان محمد بن أبي حذيفة حتَّى خرج إلى عَريش مصر في ألف رجل، فأحدقا به، فالتجأ إلى حصن العَريش، فحاصره عمرو ونصب عليه المناجيق، فأخذه وقتله.

стр. 2785

وفي رواية عن ابن الكلبي (١)، وقد ذكره البلاذري، قال: إنما قتل ابن أبي حذيفة بعد مقتل محمد بن أبي بكر، أخذه عمرو بن العاص فبعث به إلى معاوية بدمشق فحبسه بها، وما كان معاوية يختار قتله لأنه ابن خال معاوية، فكان معاوية يود أنَّه لو هرب من السجن، فأقام مدة ثم هرب، فأرسل خلفه عبد الله بن عمرو الخثعمي، وكان عثمانيًّا، فدخل خلفه الغار فقتله، مخافة أن يُطلقه معاوية. قال البلاذري: وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين (٢). انتهت ترجمته والله أعلم (٣). * * *

стр. 2786

السنة السابعة والثلاثون فيها كانت وقائع صِفِّين، وصِفّين قريةٌ من قرى الروم على شاطئ الفرات، مما يليها غياض ملتفَّه بمقدار فرسخ أو فرسخين، وليس لها طريق إلى الماء إلَّا من مكان واحد. قلت: وعَبرتُ بالمشهد الَّذي عند صِفّين، وسمعتُ أهلَه تقول: هذا مشهد الصَّفَين؛ يعنون صفّ أمير المؤمنين، وصف معاوية، وكان معاوية قد نزل عندها، وأخذ المشرعة على أصحاب أمير المؤمنين، واقتتلوا على الماء، وقد ذكرناه. قال علماء السير: ولما دخلت هذه السنة جرت بين أمير المؤمنين ومعاوية مُوادعة على ترك الحرب؛ طمعًا في الصُّلح، فلم يتمّ. ذكر هشام بن محمد، عن أبي مِخْنَف، عن أشياخه قالوا: بعث عليّ عديَّ بنَ حاتم ويزيد بن قيس الأَرْحَبي وشَبَث بن رِبْعي وزياد بن خَصَفَة (١) إلى معاوية، فلما دخلوا عليه قال له عدي بن حاتم: أما بعد؛ فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به الكلمة، ويحقن به الدماء وتأمن به السُّبُل، ويُصلح الله به ذاتَ البَين، إن ابنَ عمك أمير المؤمنين سيّد المسلمين، وأفضلهم سابقة في الإسلام، وأحسنه أثرًا، قد أجمع عليه الناس، ولم يبق سواك، فبايعه، لا يصيبُك وأصحابَك ما أصاب أهلَ الجمل. فقال له معاوية: يا عديّ، أمُهدِّدًا جئتَ أم مُصلحًا؟ كلا والله إني ابنُ حَرْب، ما يُقعقع لي بالشِّنان، وإنك والله لمن قَتَلة عثمان، وإني أرجو من الله أن يقتلك به. وقال له شَبَث بن رِبعي وزياد وتنازعا جوابًا واحدًا: يا معاوية، أتيناك فيما يصلح الله به بين المسلمين؛ فأخذتَ تضرب لنا الأمثال، دع ما لا يَنفعك من القول، وأجب فيما يَعُمُّ نفعُه. وقال له يزيد بن قيس: اتّقِ الله يا معاوية ولا تخالف أمير المؤمنين، فإنا والله ما رأينا رجلًا أعمل منه بتقوى الله، ولا أزهد منه في الدنيا.

стр. 2787

فقال معاوية: إن صاحبكم قتل خليفتَنا وابنَ عمِّنا، وألَّب عليه، وفرَّق جماعتنا، ثم يزعم أنَّه لم يقتله؟! ونحن لا نردُّ ذلك، ألستم تعلمون أن قتلَةَ عثمان أصحابُه وبِطانتُه، فلْيدفعْهم إلينا حتَّى نقتلَهم به، ثم نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شَبَث بن رِبْعي: أيسرُّك يا معاوية أنك لو مُكِّنْتَ من عمار أتقتلُه؟ فقال له معاوية: وما يمنعُني من ذلك؛ لو مَكَنتُ من ابن سُمَيَّة ما قتلتُه بعثمان، ولكن كُنْتُ أقتلُه بناتِل مولى عثمان. فقال له شبث: وإله السماء، إنك لن تصلَ إليه حتَّى تندُرَ الهامُ عن كواهل الأقوام، ثم تفرَّقوا عن غير شيء. وقول معاوية: لا يُقعْقَع لي بالشِّنان مثلٌ للعرب (١)، والشِّنان جمع شَنَّة؛ وهي القِربة الصغيرة، والقَعْقَعَةُ الصَّوتُ. قال أبو مخنف: ثم أرسل معاوية إلى أمير المؤمنين حَبيبَ بن مَسلَمة الفِهريّ ومعن بن يزيد بن الأخنسَ، قال الطبري: وشُرَحْبيل بن السِّمط، وهو وهم؛ فإن شُرحبيل مات في السنة الماضية، وقد ذكرناه. قال: ولما دخلوا على أمير المؤمنين حمد الله حَبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان كان خليفةً مهديًّا يعمل بكتاب الله، فاستثقلتُم حياته، واستبطأتُم وفاتَه، فعدوتُم عليه فقتلتُموه، فإن زعمت أنك لم تقتله فادفع إلينا قتلتَه، ثم اعتزل الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يُولُّون مَن أجمع عليه رأيُهم. فصاح عليه أمير المؤمنين وقال: اسكت لا أمَّ لك، ما لك ولهذا؟ فقام حبيب وهو يقول: والله لتراني بحيث تكره، فقال له علي: لا أبقى الله عليك إن أبقيت (٢). ثم حمد أمير المؤمنين الله، وصلى على رسوله ﷺ وأثنى على أبي بكر وعمر ﵄، ثم قال: فوَلي عثمان، فأتى بأشياء عابَها الناس عليه، فنهيتُه عنها فما انتهى، وأقام على لَجاجة، وتخلّى عنه المهاجرون والأنصار، فسار إليه الناس فقتلوه، ثم أتاني

стр. 2788

الناس وأنا مُعتزِلٌ أمورَهم فقالوا: إن الأمة لا ترضى إلا بك، فإن أبيت فعلنا بك كما فعلنا بعثمان، فبايعوني، فلم يَرُعْني إلا خلافُ طلحة والزبير وعائشة، فجرى ما جرى، وخالفني معاوية الَّذي لم يجعل الله له سابقةً في الإسلام، ولا سلفَ صِدْق في الدّين، طَليقُ بنُ طليق، لم يزلى هو وأبوه معاندَين لله ورسوله، دخلا في الإسلام مُكرَهَين، وخرجا منه طائعَين، وقد تركتُم أهلَ بيت نبيّكم ﷺ وتبعتموه، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. فقال معن: اشْهَد أن عثمان قُتل مظلومًا، فقرأ أمير المؤمنين: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨٠، ٨١]، فقام معن وخرج. وحدّثنا مشايخنا عن محمد بن ناصر بإسناده إلى عدي بن حاتم قال: قلتُ لعليّ وهو واقف في سبع مئة من ربيعة: يا أمير المؤمنين، ألا تروح إلى القوم فإما لنا وإما علينا، فقال: يا عدي، إن معاوية معه قومٌ يُطيعونه، وأنا معي قوم يعصوني، قال: فرحمتُه والله، وسنذكر هذا المعنى فيما بعد. ذكر بداية القتال وقفت على تاريخ بالشام منسوب إلى أبي جعفر الطبري، والظاهر أنَّه ليس من تصانيفه، يذكر فيه أنهم لم يزالوا يتراسلون شهرا ربيع وجمادى الأولى، وأنهم اقتتلوا في أولى جمادى الآخرة، وليس هذا بشيء، والأصح أنهم اقتتلوا أوّلى صفر. قال علماء السير: ولما انفصل حَبيب ومعن عن أمير المؤمنين أمر مَرْثَد بن الحارث الجُشَمي فنادى: يا أهلَ الشام، إنا دعوناكم إلى الحقّ وقد أبيتُم، وإني قد نَبذتُ إليكم على سواء، إن الله لا يُحبُّ الخائنين (١). وقال أبو مخنف: وأوصى علي ﵇ أصحابه فقال: لا تبدؤوهم بقتال حتَّى يبدؤوكم، وإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مُدبِرًا، ولا تُجهِزوا على جَريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تُمثّلوا، ولا تهتكوا سترًا، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في

стр. 2789

عسكرهم، ولا تُهيِّجوا امرأة وإن شَتَمْنَ أعراضكم؛ فإنهن ضِعاف القُوى والنُّفوس. قال أبو مخنف: وأصبح أمير المؤمنين أول يوم من صفر قد كتَّب الكتائب، فجعل الأشتر على خيل الكوفة، وسَهْلَ بن حُنَيف على خيل البصرة، وقيس بن سعد وهاشم بن عُتْبَة على الرَّجَّالة، وعلى القُرَّاء عمار بن ياسر وعبد الله بن بُدَيل بن وَرْقاء. وجعل معاوية على ميمنته [ابن] ذي كَلاع الحِميري (١)، وعلى ميسرته حبيب بن مَسلمة الفِهري، وعلى مقدّمته أبا الأعور السُّلَمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى الرجَّالة مُسلم بن عُقبة المُرِّيّ والضحاك بن قيس الفهري، وبايع رجال من أهل الشام على الموت فعَقلوا نفوسهم بالعمائم، وكان المعقّلون خمسة صفوف. ورتَّب أمير المؤمنين عساكره كترتيبه يومَ الجمل، وقيل: صفَّ أصحابَه أحد عشر صفًّا، وفعل معاوية كذلك. ولما كان أول يوم من صفر برز الأشتر النَّخَعي في خيل أهل الكوفة، وبرز إليه حَبيب بن مَسلمة وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالا شديدًا إلى آخر النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض. وخرج في اليوم الثاني هاشم بن عُتبة بن أبي وقاص في خيل أهل العراق، وبرز إليه أبو الأعور السُّلَمي، وصبر الفريقان. وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ عمار يقول يا أيها الناس -أو يا أهل العراق- أتريدون أن تنظروا إلى مَن عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين وظاهر المشركين، فلما رأى اللهَ قد أعز دينه، وأظهر الله نبيَّه ﷺ ؛ أتى إلى رسول الله ﷺ فأسلم فيما نُرى راهبًا غير راغب، ثم قبض الله رسوله، وهو والله معروف بعداوة المسلمين فقاتِلوه، وشدَّ عمار فأزال ابن العاص عن موقفه، فانصرف وعمار يصيح وراءه: من أراد أن ينظر إلى عدو الله الباغي على المسلمين، المجتهد في إطفاء نور الله؛ فهو هذا فجاهدوه.

стр. 2790

اليوم الرابع: وخرج فيه محمد بن الحنفيّة، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين كبيرين عظيمين، فاقتتلوا أشدّ قتال، فأرسل عبيد الله إلى محمد بن الحنفيّة: أن اخرُج إليّ، فقال: نعم، وخرج يمشي، فبَصُر به أمير المؤمنين فقال: من هذان المتبارزان؟ فقيل ابن الحنفية وابن عمر، فركض دابتَه وصاح: يا محمد قف، ثم حمل على عبيد الله وقال: يا فاسق، أنا لك، فولّى مُنهزمًا يقول: ليس لي حاجةٌ في مبارزتك، فقال له محمد: يا أمير المؤمنين، تبرُزُ إلى هذا الفاسق، والله لو دعاك أبوه لرغبتُ بك عنه (١)، فقال له: يا بنيّ، لا تقل في أبيه إلّا خيرًا. اليوم الخامس: خرج عبد الله بن عباس، وخرج إليه الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ الوليد يَسُبُّ بني هاشم ويقول: قطعتم أرحامَكم، وقتلتم إمامَكم، ولم تُعطَوا ما طَلبتُم، ولم تُدركوا ما أمَّلتُم، فحمل عليه ابن عباس فانهزم. كذا ذكر الطبري (٢) أن الوليد بن عُقبة برز إلى ابن عباس! قالوا: لم يشهد الوليد صِفّين، والذي برز إلى ابن عباس أبو الأعور. اليوم السادس: خرج قيس بن سعد الأنصاري، وخرج إليه ابنُ ذي الكَلاع الحميريّ، فاقتتلا على السواء. اليوم السابع: خرج الأشتر، وخرج إليه حَبيب بن مَسلمة. فلما كان اليوم الثامن أرزموا (٣) القتال إلى آخر يوم، وهو الَّذي فيه ليلة الهَرير، خطب أمير المؤمنين الناس وقال: إلى متى ما نُناهضهم بأجمعنا (٤)؟! وكان وقت السَّحَر، فأصبحوا يوم الخميس وهم على مَصافّهم، وقيل: إن هذا اليوم كان أعظم الأيام، فقال كعب بن جُعَيل التَّغلِبيّ في ليلته: [من الرجز] أصبحت الأمةُ في أمرٍ عَجَبْ

стр. 2791

والملأ مَجموعٌ غدًا لمن غَلَبْ أقول قولًا صادقًا غيرَ كَذِبْ إنّ غدًا تَهلك أعلامُ العَربْ وقد جرى بينهم أراجيز ومُناشدات عَدَّينا عليها خوفًا من الإطالة، واقتتلوا قتالًا شديدًا إلى الليل. وقال هشام: وكان هذا اليوم من أعظم أيام صِفّين وأشدِّها، كان ابن عباس في الميمنة، والأشتر في الميسرة، وعلى القرّاء عمار وعبد الله بن بُدَيل، وعلى الرجّالة قيس بن سعد، وأمير المؤمنين في القلب ومعه بنوه والمهاجرون والأنصار. وأقبل معاوية في جيوشه وترتيبه المتقدّم، وقد رفع قُبَّة عظيمة قد جعل عليها الكرابيس (١)، فحملت مَيمنة أمير المؤمنين على ميسرة معاوية وألجأتها إلى القُبَّة، وحمل معاوية وبيده سيفان، فحمل عليه عبد الله بن بُدَيل في ثلاث مئة من القرَّاء، وقصد قتلَ معاوية، فقتل حُمران مولى عثمان عبد الله بنَ بُدَيل، واستظهر أهل الشام على ميمنه أهل العراق، فلما رأي ذلك الأشتر صاح على ميمنة أهل العراق: إليَّ، فتراجعوا وعادوا إلى ما كانوا عليه. قال أبو مخنف: وبايع أهل الشام معاوية على الموت، وداروا حول قُبَّته. وقال عبد الله بن بديل قبل أن يُقتل لأصحابه: ألا إن معاوية ادَّعى ما ليس له، ونازع الأمرَ أهلَه، وحاول الباطل ليُدْحِضَ به الحق، ومال عليكم بالأعراب والأحزاب، وقد زَيّن لهم الضَّلالة، وزرع في قلوبهم حبَّ الفتنة، ولبَّس عليهم الأمر، وزادهم رِجسًا إلى رِجسهم، وأنتم على نور من ربكم، وهُدىً وبُرهان مُبين، فقاتلوا الطُّغاة الجُفاة. وذكر كلامًا في هذا المعنى، ثم حمل على قُبَّة معاوية فقتلوه. وقال أبو مخنف: كان النَّبْلُ في ذلك اليوم يمرُّ بين عيني (٢) أمير المؤمنين ومَنكبيه، وهو يأخذه بيده فيلقيه كذا وكذا، وربيعة تقيه بنفسها، فلا يصل إليه منه شيء، والأشتر

стр. 2792

يحمل ويقول: [من الرجز] الغَمراتِ ثم ينجلينا وفي هذا اليوم قُتل عمار لما نذكره في موضعه. وقال هشام: قاتلت ربيعة في ذلك اليوم دون أمير المؤمنين قتالًا عظيمًا، والراية بيد حُضَين بن المنذر، ولما مَرّ أمّير المؤمنين بعمار فرًاه قتيلًا بكى بكاء عظيمًا، وبكى الناس، وقال لربيعة وهَمْدَان، أنتم دِرعي ورُمحي، وكانوا قد أبلَوا بلاء حسنًا، فانتدب له اثنا عشر ألفًا، وحمل على بغلته، وحملوا معه حملةَ رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفٌّ إلا انتقض، وانتهَوا إلى صفِّ معاوية، وأمير المؤمنين يقول: [من الرجز] أضرِبُهمْ ولا أرى معاويه الجاحِظَ العينِ العظيمَ الحاويه ثم صاح: ويحك يا ابنَ هند، علامَ تفنى الناس، هلمَّ أحاكمك إلى السيف؛ فأيّنا قُتل استقام الناس للآخر، فخاف معاوية وانتفض، فقال له عمرو: قد أنصفك وما يَحسن بك إلا مبارزتُه، فقال له: طمعتَ فيها بعدي، أما علمتَ أنَّه ما بارزه رجلٌ إلا قتله. وقال هشام: وبيان أمير المؤمنين قد أبرز في ذلك اليوم لواء رسول الله ﷺ الَّذي كان يقاتل تحته، ولم يكن أبرزه قبل ذلك اليوم، وأعطاه لقيس بن سعد بن عبادة، فضجّ المسلمون بالبكاء، واجتمع حوله المهاجرون والأنصار، فقال قيس بن سعد: [من البسيط] هذا اللواء الَّذي كنا تَحُفُّ به … دون النبيِّ وجبريلٌ لنا مَدَدُ ما ضَرَّ مَن كانت الأنصار عَيبتَه … أن لا يكون له من غيرهم مَدَدُ (١) وقدَّم معاوية بين يديه كبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف ينادون: يا دم عثمان، وعبيد الله يقول: [من الرجز]

стр. 2793

أنا عبيد الله يَنْميني عمرْ خيرُ قريشٍ من مَضى ومن غَبَر قد أبطأت في نصر عثمانَ مُضرْ فصاح به أمير المؤمنين: يا فاسق كم تتعلَّل بدم عثمان والله، وأنا أطلبكم بدم الهُرْمُزان، والله لأقطعنّك إرْبًا إربًا وقال للأشتر: احمِلْ عليه، فحمل عليه فانهزم، والأشتر يقول: [من الرجز] إني أنا الأشتر معروفُ السِّيَر إني أنا الأفعى العراقيُّ الذَّكَرْ وقال أبو مخنف: خطب أمير المؤمنين بصفِّين فقال: يا أيها الناس، ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] وقرأ آيات الجهاد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدِّموا الدّارع، وأخِّروا الحاسر. وأوصاهم (١) وقال: وإن هؤلاء القوم لم يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيَّعناه، وإحياء حقٍّ رأونا أمتناه، وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا؛ ليكونوا فيها جبابرة ملوكًا، ولو ظهروا عليكم لرموكم بمثل سعيد، والوليد، وابن عامر الضال السَّفيه، فقاتلوا عباد الله المارقين الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومةُ لائم، فمتى ظهروا عليكم أفسدوا دنياكم ودينكم. قال هشام: واتَّصل القتال من ليلة الجمعة إلى الصباح، وهي ليلة الهَرير، وكانت ليلةً عظيمة مثلَ ليلة الهَدْأة بالقادسية، تطاعنوا بالرماح حتَّى تقصَّفت، وترامَوا بالنَّبْل حتَّى نَفِد، وتضاربوا بالسيوف حتَّى كَلَّت، وخفيت الأصوات، وغابت الأخبار عن أمير المؤمنين وعن معاوية. ويقال: إن أمير المؤمنين ثلم في تلك الليلة ثمانيةَ أسياف، وجُرح خمس جراحات؛

стр. 2794

ثلاثة في رأسه واثنان في وجهه. فلما طلع الصباح نادى منادٍ: يا أمَّة محمد، البقية البقية، تركتم الإسلام بعد ما دخلتم فيه، وأضعتم الصلاة، الله الله. وأصبح القتال بحاله، وحمل الأشتر بأهل العراق وربيعة على أهل الشام، فقتل صاحب رايتهم، فانتقضت صفوف أهل الشام، وأيقن معاوية بالهلاك. وقال ابن عبد البر، نادى حَوْشب الحميريّ: يا ابن أبي طالب، انصرف عنا، نَنشُدك اللهَ في دمائنا ودمك، ونُخلّي بينك وبين عراقك، وتُخلّي بيننا وبين شامنا، فقال أمير المؤمنين: هيهات يا ابن [أم] ظُلَيم، لو علمتُ أن المداهنة تَسَعُني في دين الله لفعلت، ولكن الله لم يَرض من أهل القرآن بالمداهنة وهم يطيقون الدفاع، حتَّى يَظهر أمرُ الله تعالى (١). وقال ابن إسحاق: أقاموا يتراسلون شهرًا، ويَفْزَعون فيما بين ذلك [الفَزعةَ بعدَ الفَزعة]، ويحجز بينهم القراء والصالحون، فيفترقون عن غير حرب، وكانوا يكرهون اللقاء مخافةَ الاستئصال، غير أنَّه كان يخرج الجماعة من هؤلاء وهؤلاء فيقتتلون بين العسكرين. قال: ودخل أبو أُمامة الباهليّ على معاوية فقال له: علام تقاتل عليًّا وهو أحق بهذا الأمر منك؟ فقال: أقاتله على دم عثمان، قال: أهو قتله؟ قال: آوى قتلتَه، فاسأله أن يُسلمهم إلينا فأنا أول مَن بايعه. فدخل على علي ومعه جماعة من الصحابة فقال: سلم إليهم قَتلَة عثمان، فاعتزل من عسكر علي زهاء عشرين ألف رجل، فصاحوا: نحن قتلْنا عثمان، فخرج [أبو] أُمامة فلحق بالساحل، ولم يشهد شيئًا من تلك الحروب (٢). ولما نَشِبت الحرب جعل علي ﵇ عمار بن ياسر على الخيل، وعلى الرجَّالة عبد الله بن بُدَيل بن وَرْقاء الخُزاعي، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عُتبة المِرقال، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس، وعنى الميسرة عبد الله بن عباس، وعلى رجَّالة الميمنة سُليمان بن صُرَد، وعلى رجّالة الميسرة الحارث بن مُرَّة العبدي، وفي القلب [مضر، وقي الميمنة] ربيعة، وضمَّ قريشًا وأسدًا إلى ابن عباس، وضم كِندَة

стр. 2795

إلى الأشعث بن قيس، وضم بكرًا إلى الحُضَين بن المنذر، وجعل عَمرو بنَ الحَمِق على خُزاعة، وكتَّب الكتائب، وفرَّق الأُمراء على القبائل (١). وأما معاوية فاستعمل على الخيل عمرو بن العاص، وعلى الرجَّالة مُسلم بن عُقبة المُرِّي، وعلى الميمنة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى الميسرة حَبيب بن مَسلمة، ودفع اللوء الأعظم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، واستعمل على أهل دمشق الضَّحَّاك بن قيس، وعلى أهل حمص ذا كَلاع، وعلى أهل قِنّسرين زُفَر بن الحارث، وعلى أهل الأردن أبا الأعور السُّلَمي، وكتّب الكتائب، وفَرّق القبائل. ولما كان في اليوم الأول تقابلت الصفوف، فكان كلّ فريق سبعةَ صفوف، فوقفوا تحت رايتهم لا يَنطق أحدٌ منهم بكلمة، فخرج رجل من أهل العراق يُسمَّى حَجْل (٢) بن أثال، وكان من فُرسان العرب، وطلب البراز وهو مُقَنّع بالحديد، فبرز إليه أبوه أثال وكان في أهل الشام، ولم يعرف أحدهما صاحبَه، فتطاعنا وتضاربا وتطاردا، فلم يترجّح أحدهما على الآخر، فحمل الأب على الابن فاحتضنه فقلعه من سرجه، فسقط وسقط الأب عليه، فانكشفت وجوههما فتعارفا، فرجع كلُّ واحدٍ إلى عسكره، ثم فصل بينهم الليل. ثم خرج في بعض الأيام عُتبة بن أبي سفيان، فوقف بين الصفين، فبرز إليه جَعْدَةُ بن هُبَيرة بن أبي وَهْب القرشي، فتجاولا وتقاولا، فأغضب جَعدةُ عُتبة، فشتمه عتبة، فحمل عليه جَعدة فانهزم، ثم خرج كلُّ واحد من الفريقين إلى الآخر على ما ذكرنا. قال: وحمل عبد الله بن بُدَيْل بن وَرْقاء على صفوف أهل الشام في القُرَّاء فخرقها، وقتل جماعةً، حتَّى انتهى إلى الرابية التي عليها معاوية فحالوا بينهما، ولم يعمل في ابن بُدَيل حديد لما كان عليه من اللّبس، فصاح معاوية: ويحكم إن الحديد لم يُؤذن له في هذا، فعليكم بالحجارة، فضربوه بالحجارة حتَّى مات، وجاء معاوية فوقف عليه وقال: هذا كَبْش القوم، وهو واللهِ كما قال الشاعر (٣): [من الطويل]

стр. 2796

أخو الحربِ إن عَضَّت به الحربُ عَضَّها … وإن شَمَّرت عن ساقها الحربُ شَمَّرا كلَيثِ عَرِين بات يحمي عَرينَه … رَمَتْه المنايا قَصْدَها فَتَقَطَّرا قالا: ونادى علي معاوية: ابرُز إليّ يا ابنَ هند حتَّى نُريحَ الناس، فقال معاوية لعمرو: ما ترى؟ قال: قد أنصفك الرجل، فابرز إليه، فقال معاوية: أتخدعُني عن نفسي، ثم قال: [من الكامل] ما للملوك وللبِراز وإنما … حَظُّ المبارِزِ خَطْفَةٌ من بازِ ثم هجر معاويةُ عمرًا أيامًا. وقال أبو مَعْشَر: قال عمرو: أنا خارجٌ إلى علي غدًا، فبرز من الغد ونادى: يا أبا الحسن، اخرج إليّ فأنا عمرو بن العاص، فانتضى أمير المؤمنين سيفه، وحمل عليه، فلما أراد أن يَغشاه رمى بنفسه عن فرسه، ورفع إحدى رجلَيه فبدت عورته، فصرف أمير المؤمنين وجهه عنه وتركه، فانصرف عمرو إلى معاوية فقال له: يا عمرو، أحمد الله وسواد استِك. قال: وخرج عبيد الله بن عمر في بعض أيام صفّين فقال: أنا الطيّب بن الطيّب، فناداه عمار: يا ملعون، بل أنت الخبيث بن الطيّب. قال ابن إسحاق: وكان أهل العراق وأهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كلّ فريق منهم في الفريق الآخر، فلا يتعرَّض أحد لصاحبه، يستخرجون قتلاهم فيدفنونهم ناحية عن المعركة. وروى أبو مخنف، عن الأعمش، عن أشياخه قالوا: شاع خبر أمير المؤمنين في تلك الأيام أنَّه يقصد أهل الشام فيقاتلهم حتَّى يحكم الله بينه وبينهم، ففزع أهل الشام خوفًا على الفريقين من البوار، وبلغ معاوية فصفّ الصفوف، فصفّ أهلَ الشام على ترتيبهم، وارتجز عمرو بن العاص بين يدي الصفوف فقال: يا أيها الجيشُ الصَّليبُ الإيمانْ قوموا قيامًا فاستغيثوا الرحمانْ

стр. 2797

إني أتاني خبرٌ فأبكان (١) أن عليًّا قتلَ ابنَ عَفَّانْ رُدُّوا علينا شيخَنا كما كانْ وصعد معاوية على رابية، ونصب سريرًا عاليًا، وقعد عليه ينظر إلى الفريقين، فحمل أمير المؤمنين، وكبَّر وكبر الناس، فانتقضت صفوف أهل الشام، وانتهت الهزيمة إلى معاوية، فتطاعنوا بالرِّماح حتَّى تقصَّفت، وتثلَّمت السُّيوف، وتكادموا بالأفواه، ثم تنادوا من كل جانب يا معشر العرب، اللهَ الله، البقيَّة البقية. وأمير المؤمنين يَنغمس في القوم، فما يَنصرف حتَّى يَنثني سيفُه، وقربوا من سُرادق معاوية، فهرب معاوية وعمرو بن العاص عن السّرادِق، فغَشَوه بأسيافهم فقطّعوه. وكان عامة المهاجرين والأنصار ومَن شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد ممن حضر الجمل وصفين لم يشهروا سيفًا، ويقولون: الأمر مُلتَبِس، إلى أن قُتل عمار، فتنادَوا: استبان الأمر بقتل العبد، وكبَّروا تكبيرةً ارتجَّ لها العسكر، وصاحوا: طاب الضِّراب اليوم، وحملوا فقتلوا في أهل الشام مَقتلةً لم يُرَ مثلُها، وجعل المهاجرون والأنصار يقولون: صدق رسول الله ﷺ ، وقُتل المِرْقال. حديد رفع المصحف واختلفوا فيه: روى أبو مخنف عن أشياخه قالوا: لما رأى عمرو بن العاص صفوف أهلِ الشام قد انتَقضت خاف الهلاك، فقال لمعاوية: هل لك في أمر أعرِضه عليك لا يَزيدنا إلا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلا فُرقة؟! قال: نعم. وفي رواية هشام أن السائل لعمرو معاوية؛ لما رأى الغَلَبة وخاف الهلاك قال لعمرو: هل من حيلة، فهذا وقت مُخَبّآتك وهناتك. رجع الحديث إلى أبي مِخنف قال: فقال له عمرو: نرفع المصاحف على رؤوس الرماح، ثم تقول: ما فيهم حَكَمٌ بيننا وبينكم، فإن أبي بعضُهم أن يقبلها وجدتَ فيهم

стр. 2798

من يقول: بل ينبغي أن نَقبل، فتقع الفرقة بينهم، وإن قالوا: بلى نقبل ما فيها؛ رفعنا هذا القتال والحربَ إلى أجل. فرفعوا المصاحف على الرِّماح وقالوا: هذا كتابُ الله بيننا وبينكم، مَن لثُغور المسلمين من أهل العراق، مَن لثغور أهل الشام؟ فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نُجيب إلى كتاب الله ونُنيب إليه. وقال هشام: قال الأشعث بن قيمص لقومه: قد رأيتم ما كان في اليوم الماضي من الحرب المُبيرة (١)، وإنا والله لئن التقينا غدًا إنه لبَوار العرب، فانطلقت العيون بكلام الأشعث إلى معاوية فقال: صدق الأشعث، لئن التقينا غدًا لتميلَنّ الرومُ على ذَراري أهل [الشام، وليميلنّ دَهاقين فارس على دراري أهل] العراق (٢)، وما يُبصر هذا الأمر إلا ذوو الأحلام، اربطوا المصاحف على أطراف القنا، فرُبِطت. فأولُ مُصحفٍ رُبط مصحف دمشق الأعظم، ورُفع على خمسة أرماح، يحملها خمسة رجال، ثم رفعوا جميع ما كان معهم على القنا، وأقبلوا في الغَلَس ولم يعلم أهل العراق ما معهم حتَّى أضاء الصبح، فتقدّم بين يدي المصاحف جماعة منهم: شُرَيح (٣) الجُذاميّ، ووَرْقاء بن المُعَمّر (٤)، فنادَوا: الله الله [في نسائكم وأولادكم]، بيننا وبينكم كتاب الله، فقد فَنينا، فقال أمير المؤمنين: والله ما الكتابَ تريدون، وإنما المكر تُحاولون. وتكلّم أصحاب عليّ ﵇؛ فقال الحُضَين بن المُنذر: أيَّها الناس، إن لنا داعيًا قد حَمِدنا ورْدَه وصَدَرَه، وهو المأمون على [ما فعل، فإن قال لا، قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا نَعم. فتكلّم علي وقال:] عباد (٥) الله، نحن أولى مَن أجاب إلى كتاب الله، غير أن القوم قد عضَّتهم الحربُ فقصدوا المكرَ والخَديعة.

стр. 2799

وقال الأشعث بن قيس: يا أمير المؤمنين، نحن لك اليوم على ما نحن عليه -أو على ما كنّا عليه لك أمس- غير أن الرَّأي إن رأيتَ إجابة القوم إلى كتاب الله حكمًا. وأما عديّ بن حاتم وعمرو بن الحَمِق فلم يريا ذلك، ولم يُشيرا على عليٍّ به. رجع الحديث إلى أبي مِخْنف قال: قال عليّ لما رُفعت المصاحف وقال أصحابُه: نُجيبُ إلى كتاب الله: يا عباد الله، امضوا على حقِّكم وصدقكم وقتال عدوَّكم، فإن معاوية وعمرو بنَ العاص وابنَ أبي مُعَيط وحَبيب بنَ مَسْلَمة وابنَ أبي سَرْح والضَّحّاك بن قيس ليسوا لأصحاب دِينٍ ولا قرآن، أنا أعرفُ بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالًا ورجالًا؛ فكانوا شرّ أطفال وشرَّ رجال، ويحكم والله ما رفعوها أنهم يعلمون ما فيها، وإنما هو مَكرٌ وخديعة، ووهن (١) ومَكيدة، فقالوا: ما يَسَعُنا أن نُدعى إلى كتاب الله فنتأبّى عليه، وإنما نقاتلهم ليَدينوا بحكم الكتاب (٢). وكان أشدَّهم عليه الأشعث بن قيس لعزله إياه عن أرمينية، فنهاهم أمير المؤمنين فما انتَهوا، وناداه مِسْعَر بن فَدَكيّ التّميمي وزيد بن حُصَين الطّائي ثم السِّنْبِسيّ في عصابة من القُرَّاء الذين صاروا خوارج بعد؛ منهم ابن الكَوّاء: يا عليّ، أجب إلى كتاب الله إذْ دُعيتَ، وإلا ندفعك برُمَّتك إلى القوم، أو نفعل بك كما فعلنا بعثمان، أو بابن عفّان. قال: احفظوا مقالتكم هذه، فإن أطعتموني فقاتلوا، وإن عصيتموني فاصنَعوا ما بدا لكم، فقالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك. قال: فأرسل علي إلى الأشتر يزيد بن هانئ السَّبيعي: أن أئتِني، فأتاه فقال: ائت أميرَ المؤمنين، فقال: قل له: قد لاح الفتحُ فلا تعجلْني، وليست هذه الساعة التي ينبغي أن آتيك فيها، ولا تُزِلْني عن موقفي، فرجع يزيد إلى علي فأخبره، فارتفعت الأصوات من قِبل الأشتر، فقال القوم: والله ما نراك أمرتَه إلا بالقتال، فقال: رأيتموني سارَرْتُه؟ أما كلَّمتُه على رؤوس الملأ، فقالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا اعتزلناك، فعاد إليه يزيد وقال: ويحك أقبلْ فقد وقدت الفتنة، فقال: أرُفعت المصاحف؟ قال: نعم، قال: والله إنها لمَشورة ابنِ العاهرة؛ يعني عمرو بن العاص،

стр. 2800

ويحك أما ترى الفتح؟ فقال: أقبل إليه فقد قالوا: إنا نفعل به كما فعلنا بابن عفّان. فأقبل الأشتر إليهم وقال: يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق والنَّفاق، يا أهل الذُّلِّ والوَهَن، حين عَلَوتم القوم ظَهْرًا، وظَنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؛ وقد تركوا والله ما أنزل الله فيها، وسنَّةَ مَن أُنزلت عليه. ويحكم، أمهلوني فُوَاقًا (١)؛ فإني قد أحسستُ بالفتح، قالوا: لا، قال: أَمهلوني عَدْوَ الفرس، قالوا: إذًا ندخك معك في خطيئتك، وجرت بينهم مُنازعات، قال: ويحكم، كيف بكم وقد قُتل خيارُكم وبقي أراذلُكم؟! فمتى كنتم مُحقّين؟ أخَير كنتم تقاتلون أم الآن خير، فما حال قتلاكم الَّذين لا تُنكرون فضلَهم؟ أفي الجنّة أم في النار؟ قالوا: قاتلناهم في الله، ونَدَعُ قتالهم في الله، فقال الأشتر: يا أصحاب الجِباه السُّود، كنا نظنُّ صلاتكم زهادةً في الدنيا، وشوقًا إلى الله، فلا أرى فِرارَكم إلا من الموت، فسَبُّوه وسَبَّهم، وضربوا وجه دابّته، وضرب وجوه دوابّهم بسَوْطه، فصاح بهم علي: كفُّوا فكفُّوا. وكان الأشتر في ناحية المَيْمنة وقد أشرف على النَّصْر والظَّفَر، فامتنع من المجيء إلى عليّ، فقال له يزيد: ويحك، أينفعُك الظَّفَرُ هاهنا وأمير المؤمنين بين أعدائه يتهدَّدونه بالقتل. وقال ابن إسحاق: رفعوا خمس مئة مصحف، فقال النجاشي بن الحارث: [من الطويل] فأصبح أهلُ الشام قد رفعوا القَنا … عليها كتابُ الله خيرُ قُرانِ ونادَوا عليًّا يا ابنَ عمِّ محمدٍ … أما تتَّقي أن يَهلك الثَّقَلانِ (٢) ثم قال أمير المؤمنين: واعجبًا، يُطاع معاوية وأُعصى أنا، لله دَرُّ ابنِ عبّاس فإنه ينظر إلى الغيب من سِترٍ رقيق. قال ابن الكلبي: كان ابن عباس قد قال لأمير المؤمنين في أول الأمر: ابعثني إلى

стр. 2801

معاوية أكن بينك وبينه، فوالله لأَفتلَنّ لك حبلًا لا ينقطع وسَطُه، ولا ينتقض طرفاه، فقال علي: والله لأُعطينّه السيف حتَّى يغلبنّ الحقُّ الباطل، قال ابن عباس: أوَغير هذا؟ قال: وما هو؟ قال: تُطاع فلا تُعصى، وعن قليل تُعصى فلا تُطاع، فكان كما قال (١). وجاء الأشعث بن قيس إلى علي ﵇، فاستأذنه في الذّهاب إلى معاوية يسأله عن رفع المصاحف، فأذن له، فأتاه فقال: يا معاوية، لأيّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ فقال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه، تبعثون رجلًا منكم ممن تَرضَون به، ونبعث رجلًا منا ممن نرضى به، ثم نأخذ عليهما العهود أن يَعملا بما في كتاب الله تعالى، ثم نتَّبع ما اتفقا عليه، فقال الأشعث: هذا هو الحق، ثم عاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رَضِينا وقبلنا، وقال أمير المؤمنين: خديعة ومَكيدة. هذه رواية أبي مِخنف. وأما الواقدي وابن إسحاق وهشام بن محمد فإنهم رووا عن مشايخهم أنهم قالوا: لما أجاب أمير المؤمنين إلى حكم القرآن قام معاوية في أهل الشام فقال: أيها الناس، إن الحرب قد طالت بيننا وبين هؤلاء القوم، وإن كلَّ واحد منا يظنُّ أنَّه على الحق وصاحبه على الباطل، وإنا قد دعوناهم إلى كتاب الله والحكم به، فإن قَبلوه وإلا كنا قد أعذرْنا إليهم. ثم كتب معاوية إلى أمير المؤمنين: إن أول ما يُحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك إلى حَقْن الدماء، واجتماع الناس والكلمة، واطِّراح الضغائن، وأن يحكم بيني وبينك القرآن. فكتب إليه أمير المؤمنين: دعوتَ إلى حكم القرآن، وإني أعلمُ أنك لا تُحاول حكمَ القرآن، وقد أجبتُ القرآن إلى حكمه لا إيّاك، ومن لم يَرْضَ بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا. قالوا: وكتب عمرو إلى أمير المؤمنين: أما بعد، فقد أنصف مَن جعل القرآن حكمًا، فصبْرًا أبا حسن؟ فإنا غيرُ مُنيليك إلا ما أنالك القرآن.

стр. 2802

فكتب إليه أمير المؤمنين. أما بعد فإن الدنيا زائلة، فلا تُحبط عملَك بموافقة معاوية على باطله، ولو اعتبرتَ بمَن مضى انتفعتَ بما بقي والسلام. ذكر اجتماع الفريقين على التحكيم قال علماء السير ممن سمَّينا، دخل حديث بعضهم في بعض: لما تراضى الفريقان على تحكيم الحكمين اجتمع قُرّاء العراق [وقرّاء] أهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصاحف يتدارسونها، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترْنا عمرو بن العاص، وقال الأشعث بن قيس ومن معه من قُرّاء أهل العراق: وقد رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني في آخره الآن، إني لا أثق بأبي موسى ولا بحَزْمه، وإنه غير ثقة ولا مأمون، قد خَذّل الناس عني، ثم هرب مني حتَّى آمنتُه، ولكن أجعل لذلك عبد الله بن عباس، فقالوا: والله ما نُبالي أكنت أنت أم ابن عباس، وأيّ فرقٍ بينك وبينه، فأنت منه وهو منك، وأبو موسى لم يزل مُعتزلًا ما نحن فيه، وإنما نُريد رجلًا ليس منك ولا من معاوية. قال علي ﵇: فلِمَ ترضون لأهل الشام بعمرو بن العاص؟ قالوا: أولئك أعلم، إنما علينا أنفُسَنا. قال: فإني أجعل الأشتر، فقال الأشعث بن قيس ويزيد بن خطّاب (١) ومسعود بن فَدَكي ورؤس الخوارج: وهل سَعَّر البلادَ والدنيا غير الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟ فقال علي: فما حُكمُه؟ قالوا: أن يَضرب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتَّى يكون ما أردتَ وما أراد، قال علي: فقد أبيتُم إلا أبا موسى؟! فأصنعوا ما بدا لكم. قال: فبعثوا إلى أبي موسى، وكان قد اعتزل الناس، وهو بعُرْض، مكان بالشام (٢)، فدخل عليه مولى له، فقال له: قد اصطلح الناس، فقال: الحمد لله رب العالمين، قال: وقد جعلوك حَكمًا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال هشام بن محمد: وكان أبو موسى يقول قبل ذلك: إن الفتن لم تزل في بني

стр. 2803

إسرائيل ترفعهم وتضعهم حتَّى يبعثوا حكَمين يحكمان حُكمًا لا يرضى به أحد الفريقين، وهذه الأمة كذلك، فقال له سُويد بن غَفَلة: فإن أدركتَ ذلك الزمان فاحذرْ أن تكون أحد الحَكَمين، فقال: لا جعل الله لي في الأرض مَقعدًا إن فعلتُه، فلما حكم أبو (١) موسى لقيه سُويد فقال: أتذكر كذا وكذا، فقال: اسأل الله العافية. قلت: وقد أخرج هذا المعنى أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" مرفوعًا إلى سُويد بن غَفَلة قال: سمعت أبا موسى يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يكون في هذه الأمة حَكَمان ضالّان؛ ضل من اتَّبعهما". قال سُويد: فقلت له: احذَرْ أن تكون أحدهما، قال: فوالله ما مات حتَّى رأيتُه أحدهما (٢). قالوا: وهذا الحديث لا يصحُّ مرفوعًا، وإنما هو موقوف على أبي موسى. قالوا: وجاء أبو موسى، فدخل عسكر أمير المؤمنين، فولَّوه الأمر فقبله، ورضوا به، وجاء الأحنف بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد رُميتَ بحجَر أهل الأرض، وداهية العرب، وبمن حارب الله ورسولَه، وإني قد عَجَمْتُ هذا الرجلَ، وحلبتُ أشطُرَه -يعني أبا موسى- فوجدتُه كَليلَ الشَّفرة، قريبَ القَعْر، وإنه لا يَصلحُ لهذا الأمر إلا رجل يَدنو من صاحبه حتَّى يكون في كفّه، ويَبعد عنه حتَّى يكون بمكان النجم منه، فإن شئتَ أن تجعلني حكَمًا فافعل، وإلا فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا؛ فإنه لن يَعقِد عُقدةً إلا حَلَلْتُها، ولن يَحلَّ عُقدةً إلا عقدتُ له أخرى، فإن قلتَ: إني لستُ من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فاجعلني وزيرًا ومُشيرًا. فقال علي: إن القوم قد أبَوا إلا أبا موسى، والله بالغُ أمرِه. فقال الأحنف للناس: قد أبيتُم إلا عبدَ (٣) الله بنَ قيس؟! فأدفِئوا ظهرَه بالرِّجال، فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام وكان معتزلا للفريقين: [من البسيط] لو كان للقوم رأيٌ يهتدون به … بعد القضاءِ رَمَوكم بابن عبَّاسِ

стр. 2804

لكن رَمَوكم بشيخ من ذوي يَمَنٍ … لم يَدْرِ ما ضَرْبُ أخماسٍ وأسداسِ (١) وقال أمير المؤمنين: وإنهم فعلوا ذلك بغير رِضىً منّي. وقال الجاحظ: قيل لابن عباس ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك في نوبة التحكيم؟ فقال: قد أشرتُ عليه فامتنع؛ لأن الأشعثَ بن قيس ومَن خرج عليه أبَوا ذاك، والله ما منعه إلا حائلُ القَدَر، وقِصَرُ المدّة، ومِحْنَةُ الابتلاء (٢). رجع الحديث: ثم اجتمعوا بين يدي أمير المؤمنين، وكتبوا كتابَ الصُّلح. قال أبو مخنف وهشام وغيرهما: وصورة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عمرو بن العاص: اكتبوا اسمَه واسمَ أبيه فإنه أميركم، فأما أميرُنا فلا، فتوقّف الحال، فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، لا تَمْحُ اسم إمارة المؤمنين؛ فإني أخاف إن محوتَها ألا ترجع إليك أبدًا، لا تمحها وإن قتل بعض الناس بعضًا، والله لقد بايعناك ونحن نعلم أنك أحقُّ بهذا الأمر من جميع الناس، ولو علمنا أن غيرك أحقُّ منك لبايعناه، والله لئن استَنَّيتَ بسُنَّة الكفار لا يرجع إليك هذا الاسم أبدًا. فكان الحسن البصري يقول: لله درُّ الأحنف، قلّما وزن برأيه رأي إلا رجح. وأقام القوم مليًّا من النهار، ثم قال علي امحه، ثم قال: الله أكبر، سُنَة بسنة، ومثل بمثل، والله إني لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية إذ قالوا: لست برسول الله، ولا نشهد لك بذلك، اكتب اسمك واسمَ أبيك. فقال عمرو بن العاص: سبحان الله أنُشَبّه بالكفَّار ونحن مؤمنون أو مسلمون، فقال له أمير المؤمنين: يا ابن النَّابغة، ومتى لم تكن عدوًّا للمسلمين، أو ومتى لم تكن للفاسقين وليًّا، وللمسلمين عدوًّا، وهل تُشبه إلا أمّك التي دفعت بك؟ فقال الأشتر: دعني أضربْ عُنقَ عدوِّ الله، فقال علي: دَعْه، فقام عمرو قائمًا وقال: لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم، فقال أمير المؤمنين: إني لأرجو أن يُطَهِّر الله مجلسي منك ومن أشباهك، وكتبوا الكتاب.

стр. 2805

وذكر الطبري (١) عن الحسن قال: أخبرني الأحنف أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين أن: امْحُ هذا الاسم إن أردتَ أن يكون بيننا صُلْح، فاستشار عليّ بني هاشم، فقال له الأحنف ما قال. وفي رواية هشام: فأُخبر معاوية فقال: بئس الرجل أنا إن أقررتُ أنَّه أمير المؤمنين ثم أقاتله. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف قال: فكتبوا الكتاب وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومَن معه من شيعته من المسلمين والمؤمنين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومَن معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين؛ أنهما نزلا على حكم الله وكتابه، يُحييا ما أحيا، ويُميتا ما أمات، فما وَجد الحكمان في كتاب الله -وهما أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وعمرو بن العاص القرشي- عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله ففي السنة العادلة الجامعة غير المفرِّقة (٢)، والحكمان أمينان على أنفسهما والأمة، وقد وَضعا السلاح بينهما إلى مدة وأجل وهو رمضان، ثم يحكمان بين هذه الأمة، ولا يَرُدَّاها في حرب ولا فُرقة، وإن أحبا أن يُؤخِّرا الأجل عن تراضٍ منهما فعلا، وإن مكان قَضيّهما الَّذي يقضيان فيه مكان عدل بين الكوفة والشام، ولا يحضرهما إلا من أرادا. ثم شهد الشهود على ذلك: الأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمْداني، وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين، ومن أصحاب معاوية: أبو الأعور السُّلَمي، وحبيب بن مَسْلَمة الفِهريّ، وعتبة بن أبي سفيان. وذكر أبو مخنف كلامًا طويلًا اختصرتُه. وقال ابن إسحاق: كان في الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علي ومعاوية وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وأن يقفا عند حكم القرآن، فإن لم
следующие страницы →