← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

معاوية أكن بينك وبينه، فوالله لأَفتلَنّ لك حبلًا لا ينقطع وسَطُه، ولا ينتقض طرفاه، فقال علي: والله لأُعطينّه السيف حتَّى يغلبنّ الحقُّ الباطل، قال ابن عباس: أوَغير هذا؟ قال: وما هو؟ قال: تُطاع فلا تُعصى، وعن قليل تُعصى فلا تُطاع، فكان كما قال (١). وجاء الأشعث بن قيس إلى علي ﵇، فاستأذنه في الذّهاب إلى معاوية يسأله عن رفع المصاحف، فأذن له، فأتاه فقال: يا معاوية، لأيّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ فقال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه، تبعثون رجلًا منكم ممن تَرضَون به، ونبعث رجلًا منا ممن نرضى به، ثم نأخذ عليهما العهود أن يَعملا بما في كتاب الله تعالى، ثم نتَّبع ما اتفقا عليه، فقال الأشعث: هذا هو الحق، ثم عاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رَضِينا وقبلنا، وقال أمير المؤمنين: خديعة ومَكيدة. هذه رواية أبي مِخنف. وأما الواقدي وابن إسحاق وهشام بن محمد فإنهم رووا عن مشايخهم أنهم قالوا: لما أجاب أمير المؤمنين إلى حكم القرآن قام معاوية في أهل الشام فقال: أيها الناس، إن الحرب قد طالت بيننا وبين هؤلاء القوم، وإن كلَّ واحد منا يظنُّ أنَّه على الحق وصاحبه على الباطل، وإنا قد دعوناهم إلى كتاب الله والحكم به، فإن قَبلوه وإلا كنا قد أعذرْنا إليهم. ثم كتب معاوية إلى أمير المؤمنين: إن أول ما يُحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك إلى حَقْن الدماء، واجتماع الناس والكلمة، واطِّراح الضغائن، وأن يحكم بيني وبينك القرآن. فكتب إليه أمير المؤمنين: دعوتَ إلى حكم القرآن، وإني أعلمُ أنك لا تُحاول حكمَ القرآن، وقد أجبتُ القرآن إلى حكمه لا إيّاك، ومن لم يَرْضَ بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا. قالوا: وكتب عمرو إلى أمير المؤمنين: أما بعد، فقد أنصف مَن جعل القرآن حكمًا، فصبْرًا أبا حسن؟ فإنا غيرُ مُنيليك إلا ما أنالك القرآن.

стр. 2802

فكتب إليه أمير المؤمنين. أما بعد فإن الدنيا زائلة، فلا تُحبط عملَك بموافقة معاوية على باطله، ولو اعتبرتَ بمَن مضى انتفعتَ بما بقي والسلام. ذكر اجتماع الفريقين على التحكيم قال علماء السير ممن سمَّينا، دخل حديث بعضهم في بعض: لما تراضى الفريقان على تحكيم الحكمين اجتمع قُرّاء العراق [وقرّاء] أهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصاحف يتدارسونها، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترْنا عمرو بن العاص، وقال الأشعث بن قيس ومن معه من قُرّاء أهل العراق: وقد رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني في آخره الآن، إني لا أثق بأبي موسى ولا بحَزْمه، وإنه غير ثقة ولا مأمون، قد خَذّل الناس عني، ثم هرب مني حتَّى آمنتُه، ولكن أجعل لذلك عبد الله بن عباس، فقالوا: والله ما نُبالي أكنت أنت أم ابن عباس، وأيّ فرقٍ بينك وبينه، فأنت منه وهو منك، وأبو موسى لم يزل مُعتزلًا ما نحن فيه، وإنما نُريد رجلًا ليس منك ولا من معاوية. قال علي ﵇: فلِمَ ترضون لأهل الشام بعمرو بن العاص؟ قالوا: أولئك أعلم، إنما علينا أنفُسَنا. قال: فإني أجعل الأشتر، فقال الأشعث بن قيس ويزيد بن خطّاب (١) ومسعود بن فَدَكي ورؤس الخوارج: وهل سَعَّر البلادَ والدنيا غير الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟ فقال علي: فما حُكمُه؟ قالوا: أن يَضرب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتَّى يكون ما أردتَ وما أراد، قال علي: فقد أبيتُم إلا أبا موسى؟! فأصنعوا ما بدا لكم. قال: فبعثوا إلى أبي موسى، وكان قد اعتزل الناس، وهو بعُرْض، مكان بالشام (٢)، فدخل عليه مولى له، فقال له: قد اصطلح الناس، فقال: الحمد لله رب العالمين، قال: وقد جعلوك حَكمًا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال هشام بن محمد: وكان أبو موسى يقول قبل ذلك: إن الفتن لم تزل في بني

стр. 2803

إسرائيل ترفعهم وتضعهم حتَّى يبعثوا حكَمين يحكمان حُكمًا لا يرضى به أحد الفريقين، وهذه الأمة كذلك، فقال له سُويد بن غَفَلة: فإن أدركتَ ذلك الزمان فاحذرْ أن تكون أحد الحَكَمين، فقال: لا جعل الله لي في الأرض مَقعدًا إن فعلتُه، فلما حكم أبو (١) موسى لقيه سُويد فقال: أتذكر كذا وكذا، فقال: اسأل الله العافية. قلت: وقد أخرج هذا المعنى أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" مرفوعًا إلى سُويد بن غَفَلة قال: سمعت أبا موسى يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يكون في هذه الأمة حَكَمان ضالّان؛ ضل من اتَّبعهما". قال سُويد: فقلت له: احذَرْ أن تكون أحدهما، قال: فوالله ما مات حتَّى رأيتُه أحدهما (٢). قالوا: وهذا الحديث لا يصحُّ مرفوعًا، وإنما هو موقوف على أبي موسى. قالوا: وجاء أبو موسى، فدخل عسكر أمير المؤمنين، فولَّوه الأمر فقبله، ورضوا به، وجاء الأحنف بن قيس إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد رُميتَ بحجَر أهل الأرض، وداهية العرب، وبمن حارب الله ورسولَه، وإني قد عَجَمْتُ هذا الرجلَ، وحلبتُ أشطُرَه -يعني أبا موسى- فوجدتُه كَليلَ الشَّفرة، قريبَ القَعْر، وإنه لا يَصلحُ لهذا الأمر إلا رجل يَدنو من صاحبه حتَّى يكون في كفّه، ويَبعد عنه حتَّى يكون بمكان النجم منه، فإن شئتَ أن تجعلني حكَمًا فافعل، وإلا فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا؛ فإنه لن يَعقِد عُقدةً إلا حَلَلْتُها، ولن يَحلَّ عُقدةً إلا عقدتُ له أخرى، فإن قلتَ: إني لستُ من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فاجعلني وزيرًا ومُشيرًا. فقال علي: إن القوم قد أبَوا إلا أبا موسى، والله بالغُ أمرِه. فقال الأحنف للناس: قد أبيتُم إلا عبدَ (٣) الله بنَ قيس؟! فأدفِئوا ظهرَه بالرِّجال، فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام وكان معتزلا للفريقين: [من البسيط] لو كان للقوم رأيٌ يهتدون به … بعد القضاءِ رَمَوكم بابن عبَّاسِ

стр. 2804

لكن رَمَوكم بشيخ من ذوي يَمَنٍ … لم يَدْرِ ما ضَرْبُ أخماسٍ وأسداسِ (١) وقال أمير المؤمنين: وإنهم فعلوا ذلك بغير رِضىً منّي. وقال الجاحظ: قيل لابن عباس ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك في نوبة التحكيم؟ فقال: قد أشرتُ عليه فامتنع؛ لأن الأشعثَ بن قيس ومَن خرج عليه أبَوا ذاك، والله ما منعه إلا حائلُ القَدَر، وقِصَرُ المدّة، ومِحْنَةُ الابتلاء (٢). رجع الحديث: ثم اجتمعوا بين يدي أمير المؤمنين، وكتبوا كتابَ الصُّلح. قال أبو مخنف وهشام وغيرهما: وصورة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عمرو بن العاص: اكتبوا اسمَه واسمَ أبيه فإنه أميركم، فأما أميرُنا فلا، فتوقّف الحال، فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، لا تَمْحُ اسم إمارة المؤمنين؛ فإني أخاف إن محوتَها ألا ترجع إليك أبدًا، لا تمحها وإن قتل بعض الناس بعضًا، والله لقد بايعناك ونحن نعلم أنك أحقُّ بهذا الأمر من جميع الناس، ولو علمنا أن غيرك أحقُّ منك لبايعناه، والله لئن استَنَّيتَ بسُنَّة الكفار لا يرجع إليك هذا الاسم أبدًا. فكان الحسن البصري يقول: لله درُّ الأحنف، قلّما وزن برأيه رأي إلا رجح. وأقام القوم مليًّا من النهار، ثم قال علي امحه، ثم قال: الله أكبر، سُنَة بسنة، ومثل بمثل، والله إني لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية إذ قالوا: لست برسول الله، ولا نشهد لك بذلك، اكتب اسمك واسمَ أبيك. فقال عمرو بن العاص: سبحان الله أنُشَبّه بالكفَّار ونحن مؤمنون أو مسلمون، فقال له أمير المؤمنين: يا ابن النَّابغة، ومتى لم تكن عدوًّا للمسلمين، أو ومتى لم تكن للفاسقين وليًّا، وللمسلمين عدوًّا، وهل تُشبه إلا أمّك التي دفعت بك؟ فقال الأشتر: دعني أضربْ عُنقَ عدوِّ الله، فقال علي: دَعْه، فقام عمرو قائمًا وقال: لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم، فقال أمير المؤمنين: إني لأرجو أن يُطَهِّر الله مجلسي منك ومن أشباهك، وكتبوا الكتاب.

стр. 2805

وذكر الطبري (١) عن الحسن قال: أخبرني الأحنف أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين أن: امْحُ هذا الاسم إن أردتَ أن يكون بيننا صُلْح، فاستشار عليّ بني هاشم، فقال له الأحنف ما قال. وفي رواية هشام: فأُخبر معاوية فقال: بئس الرجل أنا إن أقررتُ أنَّه أمير المؤمنين ثم أقاتله. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف قال: فكتبوا الكتاب وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومَن معه من شيعته من المسلمين والمؤمنين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومَن معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين؛ أنهما نزلا على حكم الله وكتابه، يُحييا ما أحيا، ويُميتا ما أمات، فما وَجد الحكمان في كتاب الله -وهما أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وعمرو بن العاص القرشي- عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله ففي السنة العادلة الجامعة غير المفرِّقة (٢)، والحكمان أمينان على أنفسهما والأمة، وقد وَضعا السلاح بينهما إلى مدة وأجل وهو رمضان، ثم يحكمان بين هذه الأمة، ولا يَرُدَّاها في حرب ولا فُرقة، وإن أحبا أن يُؤخِّرا الأجل عن تراضٍ منهما فعلا، وإن مكان قَضيّهما الَّذي يقضيان فيه مكان عدل بين الكوفة والشام، ولا يحضرهما إلا من أرادا. ثم شهد الشهود على ذلك: الأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمْداني، وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين، ومن أصحاب معاوية: أبو الأعور السُّلَمي، وحبيب بن مَسْلَمة الفِهريّ، وعتبة بن أبي سفيان. وذكر أبو مخنف كلامًا طويلًا اختصرتُه. وقال ابن إسحاق: كان في الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علي ومعاوية وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وأن يقفا عند حكم القرآن، فإن لم

стр. 2806

يجدا ففي السنة … وذكر بمعنى ما تقدم، وقال: فإن تُوفّي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة؛ فلشيعته أن يختاروا مكانَه رجلًا ممن يَرْضَون به من أهل الصلاح والعدل … وذكر كلامًا طويلًا. وذكر أنَّه كان من شهود الكتاب من أصحاب أمير المؤمنين: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسهل بن حُنَيف، وعقبة بن عامر الجُهَنيّ، ورافع بن خَديج الأنصاري، وعمرو بن الحَمِق، وحُجْر بن عديّ الكنديّ، وذكر جماعة آخرين منهم الأشتر، وهو وَهْم لأن الأشتر ما حضره. قال: ومن أهل الشام: حَبيب بن مَسْلَمة الفِهريّ، وأبو الأعور السُّلَميّ، وبُسْر بن أرطاة القُرشيّ، ومعاوية بن خَديج الكِنديّ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعُتبة ومحمد ابنا أبي سفيان أخوا معاوية، وذكر جماعة آخرين، وكُتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة [ليلة] بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وإنْ رأيا لم يجتمعا في رمضان في هذا العام أن يُؤخّرا ذلك العام القابل فعلا (١). قلت: وهذه الرواية أحسن من رواية أبي مخنف؛ لأن هؤلاء أعيان الفريقين. رجع الحديث إلى أبي مخنف قال: لما كتب الكتاب دعا علي الأشتر فقال: اشْهَد، فقال: لا صَحبتني يميني، ولا نفعتني بعدها شمالي إن خُطّ لي في هذه الصحيفة اسم على صُلح ولا موادَعة، أو لست على بيّنة من ربي، [ويقين] من إضلال عدوّي، أو لستم قد رأيتم الظَّفَر، أو لم تُجمعوا على الحق؟ فقال الأشعث بن قيس: والله إنك ما رأيت ظَفرًا ولا خَوَرًا، هلُمَّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا، فقال الأشتر: بلى والله إن الرغبة عنك في الدنيا والآخرة، ولقد سَفَك الله بسيفي هذا دمَ رجالٍ ما أنت خير منهم عندي، ولا أحرَمُ دمًا، فسكت الأشعث. وقال أبو مِخنف: وخرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويعرضه عليهم، حتَّى مرَّ بطائفةٍ من بني تميم؛ فيهم عُروة بن أُدَيَّة، وهو أخو أبي بلال، فقال

стр. 2807

عُروة: أتُحكِّمون في أمر الله الرجال؟؛! ثم شدَّ بسيفه فضرب عَجُز دابّة الأشعث ضربةً خفيفة، واندفعت الدابة، وصاح به أصحابه أن املك يدَك، ثم اعتذر أصحاب عروة وسادات بني تميم إلى الأشعث فقبل وصفح. وقال الواقدي: خرج الأشعث بالكتاب فجعل يمرُّ به على القبائل، فقال أخوان من عَنَزَة - اسم أحدهما جعدة والآخر مَعْدان: لا حُكْمَ إلا لله، ثم شَدّا على أهل الشام، فقاتلا حتَّى قُتلا، فهما أول من حكَّم. ثم مرّ على رايات مُراد، فقرأه عليهم، فقال صالح بن سفيان (١) وكان من أفاضلهم: لا حُكم إلا لله وإن كره المشركون، ثم مر الأشعث على رايات بني راسِب فتنادَوا: لا حكم إلا لله. وقال ابن إسحاق: قال عروة بن أدَيَّة: أتُحكِّمون في دين الله [الرجال]؟! فأين قتلانا يا أشعث، ثم حمل عليه بسيفه فأخطأه. وجاء مُحرِز بن حُبَيْش (٢) إلى علي، فقال له: أما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل، أما والله إني لخائف أن يُورثَك ذُلًا، قد انتقضت القبائل عليك، فقال علي: أبعد أن كتبناه نَنقُضُه كيف يجوز ذلك؟! وقد ذكرنا أن تاريخ الكتاب في صفر، وأن يكون اجتماع أمير المؤمنين ومعاوية في رمضان، ومع كلّ واحد منهما نَفَرٌ يسير من أصحابه، إما بدَوْمَة الجَنْدل، أو بأَذْرُح، ومع كل واحد خمس مئة أو أقل، ورحل معاوية إلى الشام بالألفة من أهل الشام، ورحل أمير المؤمنين إلى العراق بالاختلاف والافتراق. وقد حكى ابن سعد طرفًا من هذا فقال: ثم خرج علي يريد معاوية ومن معه من أهل الشام، فالتقوا بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، فلم يزالوا يقتتلون بها أيامًا. وقُتل بصفين عمار بن ياسر، وخُزَيمة بن ثابت، وأبو عَمْرة المازني، وكانوا مع علي. قال ابن سعد: ورفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن

стр. 2808

العاص، أشار بذلك على معاوية وكان معه، فكره الناس الحربَ، وتداعو إلى الصُّلح، وحكَّموا الحكمين، فحكّم علي أبا موسى، وحكّم معاوية عمرًا، وكُتب بينهم كتاب على أن يوافوا رأسَ الحَوْل بأذْرُح، فينظرون في أمر هذه الأمة، فافترق الناس، فرجع معاوية بالألفة من أهل الشام، وانصرف علي إلى الكوفة بالاختلاف والدَّغَل، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومَن كان معه (١). وسنذكر تمامه في موضعه. ذكر عدد الفريقين ومَن قُتل منهم حكى جدّي ﵀ في "المنتظم" (٢) عن أبي الحسن بن البراء قال: قُتل بصفّين سبعون ألفًا، خمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق، وخمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، فمن أصحاب أمير المؤمنين خمسة وعشرون بدريًّا، وكان المقام بصفّين مئة يوم وعشرة أيام، وكان فيه تسعون وقعة. وحكى عن سيف أنَّه قال: أقاموا بصفين تسعة -أو سبعة- أشهر، وكان القتال بينهم سبعين زَحْفًا، وقُتل في ثلاثة أيام سبعون ألفًا من الفريقين. قال: وقال الزهري (٣): بلغني أنَّه كان يُدفن في القبر الواحد خمسون رجلًا. قال: وقال ربيعة بن لَقيط: مطرت السماء عليهم دمًا كانوا يأخذونه بالآنية. وقال أبو اليقظان: سار أمير المؤمنين إلى صفين في تسعين ألفًا، ومعاوية في عشرين ومئة ألف. وقال هشام: قُتل عمار في صباح ليلة الهَرير ومَن معه. وقال الزبير بن بكار: شهد صفين مع علي من أهل بدر سبعة وثمانون رجلًا، منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وتسعون صحابيًّا ممن شهد بيعة الرضوان. قال: وكان بينهم سبعون وقعة، وربما اقتتلوا في اليوم مرتين، وقُتل من أصحاب

стр. 2809

معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وذو كلاع وغيرهما. وسنذكرهم في آخر السنة. وقال أبو مخنف: حدثني فُضَيل بن خَديج قال: قيل لعلي ﵇ بعدما كُتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يُقرُّ بما فيها، ولا يرضى إلا بالقتال، ولا يرى غيره، فقال علي ﵇: وأنا والله ما رضيتُ، ولا أحببتُ أن ترضَوا، فأما إذا أبيتم إلا الرِّضا فقد رضيتُ، ويا ليت لي فيكم مثل الأشتر اثنين، يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوّي ما أرى، وقد نهيتُكم عما أتيتم فعصيتموني، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: [من الطويل] فهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غَوَتْ … غَويتُ وإن تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ ثم أمر أمير المؤمنين الحارث الأعور فنادى في الناس بالرَّحيل (١). ذكر رجوع أمير المؤمنين إلى الكوفة قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جُندب، عن أبيه قال: لما انصرفنا مع أمير المؤمنين من صِفّين أخذ غير الطريق الَّذي أقبل منه، فسلك على شاطئ الفرات، فانتهى إلى هِيت، ثم أخذ على صَنْدُوداء، فخرج إليه الأنصاريُّون بنو سعد بن حرام فاستقبلوه، وعرضوا عليه النُّزول، فبات بهم. ثم سار نحو النُّخَيلَة، ولاحت له بيوت الكوفة؛ وإذا بشيخ جالسٍ في ظلِّ بيت، على وجهه آثار مرض، فسلّم عليه علي فردَّ ردًّا حسنًا ظننا أنَّه قد عرفه، فقال له: أرى على وجهك آثار المرض فلعلك كرهتَه؟ قال: ما أحبُّ أنَّه بغيري، قال: فمن أنت؟ قال: صالح بن سُلَيم، والأصل من سَلامان، فقال: ما أحسن اسمَك واسم أبيك ومَن اعتزيتَ إليه، ثم قال: هل شهدتَ غَزاتنا هذه؟ قال: والله قد أردتُ ذلك، ولكن منعني المرض، فقرأ أمير المؤمنين ﴿لِيسَ عَلَى الْضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ثم قال له علي: أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المَسْرور بما كان بينك وبينهم، وأولئك أغِشاء الناس، وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك، وأولئك نُصحاء الناس، فدعا له علي وجزاه خيرًا وقال: جعل الله ما كان من مرضك حَطًّا لسيئاتك. وذكر ألفاظًا أُخَر.

стр. 2810

قال: ثم سار غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَديعةَ الأنصاري، فسلّم عليه، ودنا منه وسايره، فقال له: ما تقول الناس في أمرنا؟ فقال: منهم المُعجَب به، ومنهم الكاره، كما قال الله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨]، قال: فما قول ذوي الرأي منهم؟ قال: يقولون: إن عليًّا كان له جمعٌ عظيم ففرَّقه، وكان له حِصنٌ حصينٌ فهَدَمه، حتَّى متى يبني ما هَدم، وحتى متى يجمع ما قد فَرّق، فلو أنَّه كان يمضي بمَن أطاعه فيقاتل مَن عصاه حتَّى يَظهر أو يَهلك لكان ذلك الحزم. فقال علي: والله لقد هممتُ بإلاقدام، ووطَّأتُ نفسي على الموت، فنظرتُ [إلى هذين] قد ابتَدراني -يعني الحسن والحسين- ونظرتُ إلى هذين قد استَقْدماني -محمد بن الحنفيّة وعبد الله بن جعفر- فعلمتُ أن هذين -يعني الحسن والحسين- إن يهلكا انقطع نَسْلُ محمد ﷺ من هذه الأمة، فكرهت ذلك، وايم الله لئن لقيتُهم بعد اليوم لا يكون معي أحدٌ منهم (١). وفي رواية أن عليًّا قال: والله ما هدمتُ ولا فرَّقتُ، هم هدموا وفَرّقوا، ولقد هممتُ أن أقاتل بمن أطاعني مَن عصاني، حتَّى رأيتُ هذين الغلامين يتقدَّماني -يعني: الحسن والحسين- وذكر بمعناه وقال: والله لا بكياني (٢) في عسكر أبدًا. رجع الحديث إلى أبي مخنف، قال جندب: ثم مضى حتَّى إذا جاوزنا دورَ بني عَوْف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال علي: ما هذه القبور؟ فقال قدامة بن عجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين، إن خَبَّاب بن الأرَتّ توفّي بعد مَخرجك، فأوصى أن يُدفن في الظَّهْر، ودفن الناس إلى جنبه، فقال: رحم الله خبابًا، لقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلي في جسده أحوالًا، ولن يُضيع الله أجرَ مَن أحسن عملًا، ثم جاء حتَّى وقف عليهم فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المُقْفِرة، أنتم لنا فَرَطٌ، ونحن لكم تبَع، ونحن عما قليل بكم لاحقون، ثم دعا لهم. قال أبو مخنف: ثم أقبل حتَّى حاذى سِكّة الثوريّين، فسمع البكاء فقال: ما هذه

стр. 2811

الأصوات؛ قيل له: البكاء على قتلى صِفّين، فقال: أما إني أشهد لمن قُتل منهم صابرًا مُحتسبًا بالشهادة. قال: وسمع رجلًا من العُثمانية يقال له عبد الرحمن بن يزيد يقول: والله ما صنع علي شيئًا، ذهب ثم عاد في غير شيء، فقال علي لأصحابه: إن قومًا فارقناهم آنفًا خيرٌ من هؤلاء، ثم أنشد علي وقال: [من الطويل] أخوك الَّذي إنْ أجْرَضَتْك مُلِمَّة … من الدهر لم يَبرحْ لها الدهرَ واجِما وليس أخوك بالذي إن تَشَعَّبتْ … عليك أمورٌ ظلَّ يَلْحاك لائما ثم لم يزل يذكر الله تعإلى حتَّى دخل القصر (١). ذكر اعتزال الخوارج أمير المؤمنين روى أبو مخنف، عن أبي جَناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة قال: خرجوا مع علي ﵇ إلى صفين وهم مُتوادُّون أحبَّاء، فرجعوا وهم مُتباغضون أعداء، ما بَرِحوا من عسكرهم حتَّى فشا فيهم التّحكيم وهم بصفّين، ثم أقبلوا إلى الكوفة وهم يتشاتمون، ويضرب بالسِّياط بعضهم بعضًا، تقول الخوارج: يا أعداء الله، داهنتم في أمر الله، وحكّمتم الرجال في دين الله، ويقول الآخرون: خالفتم إمامَنا، وفارقتم جماعتنا. فلما دخل علي الكوفة لم يدخلوا معه حتَّى أتوا حَرُوْراء، فنزلوا بها، وهم اثنا عشر ألفًا، ونادى منافى يهم: إن أمير القتال شَبَث بن رِبعيّ التَّميميّ، وأمير الصلاة عبد الله بن الكَوَّاء اليَشكُريّ، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الجوهري: وحَرُوراء: قريةٌ على النَّهْرَوان، تُمدُّ وتُقْصَر، وتُنسب إليها الخوارج، نزلوها وقالوا: لا حكم إلا لله (٢).

стр. 2812

وبلغ أمير المؤمنين فقال: كلمةُ حقّ أُريد بها باطل. وذكر هشام أن الخوارج لما اعتزلت عليًّا ﵇ وحكَّموا كلَّمهم علي، فرجعوا إلى الكوفة، وهو الأصحُّ لما نذكر. رجع الحديث إلى أبي مخنف، عن أبي جَناب، عن عُمارة قال: لما قدم أمير المؤمنين الكوفة وفارقه الخوارج؛ وثَبتْ إليه الشّيعة وقالوا: في أعناقنا لك بيعة ثانية، نحن أولياءُ من واليت، وأعداءُ من عاديت، فقالت الخوارج: استَبَقْتُم أنتم وأهل الشام كفَرَسَيْ رِهان إلى النار، بايع أهلُ الشام معاوية على ما أحبُّوا وكَرِهوا، وبايعتم أنتم عليًّا أنكم أولياءُ مَن والى، وأعداءُ من عادى، فقال لهم زياد بن النَّضْر: والله ما بسط علي يده فبايعنا قطّ إلا على كتاب الله وسنّة نبيِّه محمد ﷺ ، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعتُه فقالوا: نحن أولياء مَن واليت، وأعداء مَن عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحقّ، ومن خالفه ضالٌّ مُضِلّ. والصّحيح من الروايات أن الخوارج لما اعتزلوا عليًّا ﵇ دخلوا الكوفة، ورجعوا إليها، وبعد ذلك مَضَوا حتَّى نزلوا النَّهْرَوان، ولما بلغهم أن شيعة أمير المؤمنين قالوا: نحن أولياء مَن واليت، وأعداء مَن عاديت، راسلوهم بالكلام الَّذي ذكرناه. وقيل: إنه بقي منهم بقية معه في الكوفة؛ طائفة يسيرة، والأول أصح. واختلفت الرّواية هل أرسل إليهم علي رسولًا، أم خاطبهم بنفسه على قولين؛ أحدهما ذكره هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما اعتزلوا عسكر علي ﵇، وهمُّوا بالرحيل؛ وقف عليهم علي فقال: لمَ خرجتم علينا؟ فقالوا: لأنك حكَّمت في دين الله بصفِّين، فقال لهم: نَشَدتكم الله، أما قلتُ لكم يومَ رفعوا المصاحف: لا تخالفوني فإنهم إنما رفعوها مَكيدةً وخَديعة، فردَدْتُم عليّ رأي، وقلتم نفعل بك كما فعلنا بعثمان؟! فقالوا: نحن إنما رضينا بحكم كتاب الله، لا بحكم الرجال، فقال: والله ما حَكَّمتُ مَخلوقًا، وإنما حكَّمتُ القرآن، لأن القرآن لا ينطق، وإنما هو خطٌّ مَسطور بين الدَّفَّتَين، وإنما ينطق به الرجال، وشرطت على الحكمين أن يَحكُما بحُكم

стр. 2813

الله، فيُحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بغير ذلك فنحن من حُكمهما براء. قالوا: فلِم جعلتَ بينك وبينهم أجلًا قال: لعل الله أن يَحقِن به دماءَ هذه الأمة، فيتثبت العالم، ويتعلّم الجاهل، قالوا: فنحن قد أخطأنا، ونحن نتوب إلى الله، وكان ذلك كفرًا منا، فاعترف كما اعترفنا نبايعْك، وإلا فنحن مخالفوك. فرجع عنهم، ورحلوا إلى النهر. والقول الثاني: أنَّه بعث إليهم عبد الله بن عباس، ثم خرج إليهم بعد ذلك، وهو الأصح. وقال أبو اليقظان: لما انقضى الأجل بعث معاوية إلى أمير المؤمنين بمَعْن بن يزيد بن قيس الأسلمي (١)؛ يستبطئه في إرسال الحكم، فجهَّز شُريح بن هانئ، وابنَ عباس وأبا موسى على ما ذكرنا. قال: ولما فصلوا عن الكوفة دخل على علي ﵇ جماعة من الخوارج؛ منهم حُرْقوص بن زهير السَّعديّ، وزُرْعَة بن بُرْج الطائي فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال: نعم لا حكم إلا لله، قالوا: فتب إلى الله من خطيئتك، أو اخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتَّى نلقى ربَّنا، فقال لهم: قد أردْتكم على هذا فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عُهودًا، وقد قال الله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، فقال حُرقوص: فذلك ذَنبٌ ينبغي أن تتوبَ منه، فقال: ليس هو بذنب، وإنما هو من عَجز الرأي، وضعفٍ في العقل، وقد نهيتُكم عنه، فقال له وْعة: أما والله لئن لم تَدع تحكيمَ الرجال لنُقاتلنَّك؛ ونطلب بذلك وجهَ الله ورضوانه، فقال له علي: بُؤسًا لك، ما أشقاك، كأني بك والله قتيلًا تَسْفي عليك الرياح، فقال له زُرعة: وَددتُ أن ذلك كان في ذات الله، فقال له علي: لو كنتَ محقًّا لكان في الموت تَعزِيةٌ عن الدنيا، وإنما الشيطان قد استهواكم. فخرجوا من عنده وهم يقولون: لا حُكم إلا لله.

стр. 2814

حديث الخوارج واختلفوا فيه، وقد ذكرنا عن أبي مخنف أن الخوارج دخلوا على أمير المؤمنين وقالوا: لا حُكم إلا لله، وأنه قال: كلمةُ حق أُريد بها باطل، وقولهم: تُب من خطيئتك، واخرج بنا إلى القوم فقاتلْهم، وقوله: إنا عاهدْنا القوم عُهودًا، وقد قال الله ﴿ولَا تنَقضوا الأيمن بعد توكيدها﴾، فقال له حرقوص بن زهير السعدي: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو ذنب، ولكنه عَجْزٌ من الرّأي، وضَعْفٌ في العقل، وقد نهيتُّكم عنه، وأنهم خرجوا من عنده وهم يقولون: والله لنُقاتلَنك نطلب بذلك وجهَ الله، وكان القائل لهذا زُرْعَة بن البُرْج الطائي، فقال علي: كأني بك والله قتيلًا تسفي عليك الرّياح (١). وقال أبو مخنف عن أشياخه قالوا: لما بعث علي أبا موسى لإنفاذ الحكم اجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وَهب الرَّاسِبيّ، فخطبهم وقال: ما ينبغي لقومٍ يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن؛ أن يرضوا بهذه الأحكام، فاخرجوا بنا من هذه القرية الظَّالمِ أهلُها إلى جانب هذا السَّواد، أو إلى بعض كُوَر الجبال، أو إلى بعض الأماكن، منكرين لهذه البِدَع المُضِلّة، والأحكام الجائرة، ثم زهَّدهم في الدنيا، ورَغَّبهم في الآخرة، وأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأمرهم بقول الحق. فقال حُرقوص بن زهير السَّعدي بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وَشيك، فلا تَدْعُونّكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، فإن الله مع الذين اتقَوْا والذين هم مُحسنون. فقال حمزة بن سنان: يا قوم، إن الرأيَ ما رأيتم، وإن الحقّ ما ذكرتُم، فولُّوا أمرَكم هذا رجلًا منكم، فإنه لا بُدَّ لكم من عِماد وسند، وراية تَحفّون بها وترجعون إليها، فعرضوا ذلك على رؤسائهم: زيد بن حُصَين الطائي، وحُرقوص، وحمزة بن سِنان، وشُرَيح بن أَوفى (٢)، فأبى كلّ واحد، فقال عبد الله بن وَهب الرَّاسِبيّ: أما والله لا آخُذها

стр. 2815

رَغبةً في الدنيا، ولا [أَدَعُهما]، فَرَقًا من الموت، فقبلها. وهذه رواية أبي مخنف (١). وأما ابن إسحاق والواقدي وأبو مَعْشر فذكروا بمعناه، وأن يَجتمعوا عند عبد الله بن وَهب الرَّاسبيّ، فاجتمع عنده عظماؤهم وعُبَّادُهم، فقال عبد الله بن وهب بمعنى ما تقدّم، وفيه: فاخرجوا بنا مُنكرين لهذه الحكومة، فإنه لا حُكمَ إلا لله. وقال حَمزة بن سِنان: لا بدَّ لكم من قائد وسائس وراية تحفُّون بها، فعرضوها على مَن سَمَّينا، فأبَوا قبولها لعبادتهم وزُهدهم، فقال عبد الله بن وهب: هاتوها لا رغبة في الدنيا، ولكن لما أرجوه من عِظم الأجر، فمدّ يده فأخذها، فقاموا إليه فبايعوه. وكان عبد الله بن السَّخبر (٢) حاضرًا، وكان من أصحاب البَرانِس، فبكى وقال: لحا الله امرءًا لا يكون تشريحُ ما بين عظمه ولحمه وعَصَبه أيسرَ عنده من سَخَطِ الله عليه، وأنتم إنما تريدون وجه الله، فاضربوا مَن عصاه بالسيوف، حتَّى يُطاع الله تعالى. ثم ذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى. ذكر كتابهم إلى البصرة قال علماء السير ممّن سَمَّينا: كتبوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن وَهب، وزيد بن الحُصَين، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيح بن أوفى، إلى مَن بلغه كتابُنا من المؤمنين؛ سلامٌ عليكم، فإنه يُحمد إليكم الله الَّذي لا إله إلا هو، الَّذي [جعل] أحبَّ عباده إليه أعلمَهم بكتابه، وأقْوَمَهم بالحقّ في طاعته، وأشَدَّهم اجتهادًا في مرضاته، إن أهل دعوتنا حَكَّموا الرجال في أمر الله، ورَضوا بحكم الفاسقين على عباد الله، وكفروا بذلك وضلُّوا عن السبيل، وقد نابَذْناهم على سواء، إن الله لا يحبُّ الخائنين، وقد خرجنا إلى الجِسْر؛ نُريد بذلك الوسيلة إلى الله والقُربة ليرضى عنا، فسيروا إلينا لتأخذوا نصيبكم من الأجر والثواب، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وقد بعثنا بكتابنا هذا إليكم مع رجل من إخوانكم، ذي دين وأمانة، فسَلوه عما

стр. 2816

أحببتم، واكتبوا إلينا بما أردتُم، وأفضى إليه رأيُكم والسلام. ثم دعَوا عبد الله بن مَعْبَد العبسي -وقيل: عبد الله بن سعد- فبعثوه با الكتاب وقالوا: سِرْ حتَّى تَقدم به على إخواننا بالبصرة، فسار إلى البصرة. قال ابن إسحاق: وخرجوا من الكوفة بعد الكتاب متفرِّقين، وخرج زيد بن الحُصَين على بَغلةٍ يقود فرسًا له بعد العتمة. وقال أبو مخنف: كان بدءُ خروجهم من منزل حُرقوص بن زهير، وهي ليلة الخميس، وقيل: ليلة السبت، لأنهم قالوا: ما تفوتُنا الجمعة، فإن قيل: فإنهم ما كانوا يرون إمامةَ أمير المؤمنين قلنا: ما قاموا الجمعة مع أمير المؤمنين؛ وإنما كانوا يرون يوم الجمعة أفضل الأيام، فيزدادون فيه عبادة وصلاة فُرادى أو في جماعتهم، قيل: وخرجوا ليلة السبت، وجاء بنو عمِّ لترَيح بن أوفى ليمنعوه، فانتَضى سيفَه وقال: والله لئن عَرض لي أحدٌ منكم لأضربنّه بسيفي، فقالوا: أبعدك الله، إنما أشفَقْنا عليك، فأما إذ أَبيتَ إلا هَلاك نفسِك فأنت أبصر، فخرج فلحق بالقوم. قال: وخرج زيد بن حُصَين الطائي راكبًا على بغلة، يقود فرسًا له بعد العَتَمة وهو يتلو: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢١ - ٢٢]، وخرج القعقاع بن نَفْر بن قيس بن جَحْدَر الطائي، فجاء أخوه تميم (١)، فاستغاث بقومه فحبسوه، وخرج عبد الله بن حكيم البَكَّائي فاتّبعه عبد الله بن الطُّفَيل ويزيد بن معاوية (٢)، فهدَّداه فرجع. قال: وخرج زيد بن عديّ بن حاتم الطائي معهم، فخرج أبوه في طلبه وعاد، فقال لعلي: يا أمير المؤمنين، إن ابني خرج مع القوم، وكان الَّذي أفسده عليّ وفَرَّق بيني وبينه زيد بن حُصَين الطائي، وإني اتَّبعتُه حتَّى انتهيتُ إلى المدائن، فلم أقدر عليه فانصرفت، فلما انتهيتُ إلى ساباط لقيتُ عبد الله بن وهب في نحوٍ من عشرين، مقنّعين بالحديد، فاعتزلتُهم ووقفت جانبًا، فنزلوا على شطّ النهر، ولستُ آمَنهم أن يَدخلوا المدائن، فابعث إلى عاملك عليها سعد بن مسعود فحذِّره لا يَبغتوه. فبعث علي زيادَ بنَ

стр. 2817

لَأْم إلى سعد بن مسعود فحذره، وقيل: إنما حذر سعد بنَ مسعود عديُّ بنُ حاتم. قال هشام: ولما خرج عبد الله بن وهب من الكوفة بالليل انضاف إليه جمعٌ كبير، فأخذوا على الأنبار، وتبطَّنوا شطَّ الفرات، حتَّى عبروا من دَير العاقول، فاستقبلهم عديّ بنُ حاتم وقد عاد من المدائن، فأراد عبد الله أخذَه؛ فمنعه منه عمرو بن مالك النَّبهاني وبشير بن يزيد البَوْلاني (١)؛ وكانا من رؤوس الخوارج، واستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابنَ أخيه المختار بن أبي عبيد، وخرج في طلب عبد الله بن وهب في خمس مئة فارس، والخوارج ثلاثون رجلًا، فتناوَشوا ساعة، فقال أصحاب سعد لسعد: أيها الأمير، ما تُريد من هؤلاء وقتالِهم، ولم يأتك فيهم أمر، خلِّهم واكتب إلى أمير المؤمنين، وأخبره بحالهم، فمضى وتركهم. وسار عبد الله بن وهب إلى موضع بغداد، فعبر في معبرها إلى أرض جُوخى، وذلك قبل أن تُبنى بغداد. جواب كتاب الخوارج من أهل البصرة إلى أصحابهم من أهل الكوفة، أما بعد: فقد بلغنا كتابُكم، وفهمنا ما فيه، فهنيئًا لكم الرأي الَّذي جمعكم الله عليه؛ من إنكار المنكر والجَور، ونحن سائرون إليكم والسلام. ثم خرجوا من البصرة في خمس مئة رجل، وكان على البصرة يومئذ عبد الله بن عباس، فبعث أبا الأسود الدِّيليّ في طلبهم في ألف فارس، فلحقهم بجسر تُسْتَر، وحال بينهم الليل ففاتوه، وكانوا في مسيرهم لا يَلْقَون أحدًا إلا سألوه عن الحكَمَين، قالوا: ما تقول فيهما؟ فإن تبرَّأ منهما تركوه، وإن أبي قتلوه، ثم أقبلوا إلى النهر، فنزلوا به عند إخوانهم. وقال أبو مخنف: لما خرجت الخوارج على علي أتاه أصحابه وشيعته، فبايعوه على التَّسليم، وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، وكتب عليهم كتابًا، وشرط فيه سنة الله وسنة رسوله، وجاءه رجل من خَثْعَم، يقال له: ربيعة بن أبي شَدَّاد -وكان قد شهد الجمل وصفّين مع علي، ومعه راية خَثْعَم- فقال له علي: بايع على

стр. 2818

كتاب الله (١) وسنّةِ رسوله، فقال: بل أبايعك على سنَّة أبي بكر وعمر، فقال له: وَيحْك، لو أن أبا بكر وعمر عَمِلا بغير سنُّة الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء من الحقّ، فبايعَ بعد شدّ (٢)، فنظر إليه علي ﵇ نظرة وقال: أما والله كأني بك قد نَفَرتَ في بعض هذه الفتن نَفْرة، فقتلت فَوُطئت بحوافرها (٣). فقُتل يوم النَّهر مع الخوارج، وكانت خوارج أهل البصرة قد أمّرت عليها مِسْعَر بن فَدَكي. ذكر كتاب أمير المؤمنين إلى الخوارج قال علماء السير ممّن سمينا كأبي مخنف وغيره: كتب إليهم علي ﵇: من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن وهب وزيد بن حُصَين ومَن قبلهما من الناس؛ سلام عليكم، أما بعد: فإن الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومة قد خالفا كتاب الله، واتَّبعا أهواءهما بغير هُدى من الله، فلم يَعملا بالسنّة، ولم يُنَفذا للقرآن حكمًا، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأول الَّذي كنا عليه، فنحاربهم حتَّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. فكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربّك، وإنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدتَ على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة بيننا وبينك، وإلا فقد نابَذْناك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين (٤). وفي رواية: فإن شهدتَ على نفسك أنك كفرتَ فيما كان من تحكيمك الحكَمَين، واستأنفْتَ التوبةَ والإيمان؛ نظرْنا فيما سألتَنا من الرجوع إليك، وإن تكن الأخرى فإنا نُنابِذُك على سواء، إن الله لا يهدي كَيدَ الخائنين (٥).

стр. 2819

فلما قرأ كتابهم يَئس منهم، ورأى أن يَدَعهم ويمضي بالناس إلى الشام، فيناجز معاوية وأهل الشام، فعسكر بالنُّخَيلَة، ثم خطب فقال: أما بعد، فإن مَن ترك الجهاد في الله، وداهن في أمره؛ كان على شفا هَلَكَة، إلا أن يَتداركَه الله بنعمته، فقاتلوا من حادَّ اللهَ ورسولَه، وحاول أن يُطفئ نورَ الله، فقاتلوا الخاطئين الضالّين، الفاسقين الناكثين الغادرين، الذين ليسوا بقُرَّاء القرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء بالتأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة ولا إسلام، والله لو وَلُوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، فهيِّئوا للتَّشْمير (١) إلى عدوكم. ثم بعث إلى جميع الأمصار ليَقدموا عليه، فلما قدم كتابُه على ابن عباس قام فخطب بالبصرة، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشَخص منهم ألف وخمس مئة، فقال ابن عباس: ويلكم يا أهل البصرة، جاءني أمرُ أمير المؤمنين بإشخاصكم، فنفر منكم ألف وخمس مئة، وأنتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم؟! ألا انفروا (٢) مع جارية بن قُدامةَ السَّعدي، ولا يَجعلنّ رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني مُوقِعٌ بكل مَن وجدتُه متخلِّفًا عن دعوته، عاصيًا لإمامته، ولأفعلنّ ولأصنعن. وخرج جارية فعسكر بظاهر البصرة، وحشد أبو الأسود الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبع مئة، ثم صاروا ثلاثة آلاف ومئتي رجل. وقال هشام: بعث علي ﵇ إلى ابن عباس بكتابه مع عُتبة بن الأَخْنَس بن قَيس، فأمره بتجهيز الجيوش … وذكره. ثم أقبل جارية حتَّى وافى أمير المؤمنين بالنُّخَيلَة، فقام علي خطيبًا فقال: يا أهل الكوفة، أنتم أنصاري وإخواني، وأعواني على الحق، وبكم أضربُ المُدْبِر، وأرجو تمامَ طاعة المُقْبِل، وقد استنفرتُ أهلَ البصرة، فلم يأتني سوى ثلاثة آلاف رجل ومئتي رجل، فأعينوني بمُناصَحَةٍ خَلِيَّةٍ من الغشّ، إنكم عند مخرجنا إلى صفين ستجمعوا بأجمعكم (٣)، وأن تكتبوا إلي بعشائركم وأموالكم، يفعل ذلك كلّ رئيس منكم.

стр. 2820

فقام سعيد بن قيس الهمْدَاني فقال: يا أمير المؤمنين، سمعًا وطاعة، أنا أول الناس جاءك بما طلبتَ، وقام رؤساءهم مثل: مَعْقِل بن قيس الرِّياحي، وعَدي بن حاتم الطائي، وزياد بن خَصَفة، وحُجْر بن عدي، وأشراف القوم فقالوا مثل ذلك. ثم كتبوا المقاتلة، فكانوا أربعين ألفًا، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء، وثمانية آلاف من الموالي، فكان جمع الكوفة خمسة وستين ألفًا، غير جمع البصرة الذين سميناهم، فصاروا ثمانية وستين ألفًا ومئتين وهو بالنُّخَيلة. وقال الواقدي: اجتمع إليه رؤوس الأسباع والقبائل، وذكر مَن سَمَّينا، وتركوا الضعفاء من الموالي في أعمالهم. وقال أبو مخنف: بلغ عليًّا ﵇ أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحروريّة فبدأ بهم، فقال: أما بعد، فقد بلغني قولكم، وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذِكرهم، وسيروا إلى عدوّكم. فتنادى (١) الناس من كل جانب: يا أمير المؤمنين، سِرْ بنا حيث أحببتَ. وقال له صيفي بن فَسيل الشيباني: يا أمير المؤمنين نحن حِزبُك وأنصارك، نُعادي مَن عاداك، ونُشايع مَن أطاعك، فسِرْ بنا إلى عدوِّك حيث كانوا ومَن كانوا؛ فإنك لن تُؤتى إن شاء الله من ضَعفٍ ولا قِلَّة، وقال له مُحرِز بن شهاب التميمي: إن قلبَ شيعتك كقلبِ رجلٍ واحد في الاجتماع على نُصرتك، والجدِّ في جهاد عدوّك، فأبشِرْ بالنصر، وسِرْ بنا حيث شئت … وذكر بمعناه. وكان أمير المؤمنين يقول: لا تَتَعَرَّضوا لهم ما لم يَنالوا محرمًا، ولم يَسفكوا دمًا حرامًا. وقال ابن إسحاق: اجتمع إلى علي ﵇ ثمانون ألف مقاتل، فلما تهيّأ للمسير أتاه عن الخوارج أمرٌ فَظيع من قتلهم عبد الله بن خبَّاب بن الأرتّ وامرأته، وذلك أنهم لَقَوهما فقالوا: رضيتُما بالحكمين، فقتلوهما وقتلوا أمَّ سِنان الصَّيداويّة،

стр. 2821

واعترضوا الناس يقتلونهم. حديث عبد الله بن خبَّاب قد ذكر قصَّته أحمد في "المسند" وابن إسحاق والواقدي وهشام وغيرهم، قال: حدثنا أحمد بإسناده، عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خَبّاب بن الأرتّ ذَعِرًا يجرُّ رِداءه، فقالوا: لا تُرَعْ، فقال: والله لقد رُعْتُموني، قالوا: إنك عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتّ صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يُحدِّث به عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم سمعتُه يُحدّث عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فإن أدركتَ ذلك فكن عبدَ الله المقتول". قال أيوب (١): ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن عبدَ الله القاتل"، قالوا: أنتَ سمعت هذا [من أبيك يحدّثه عن] رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، فقدَّموه إلى ضفّة النهر، فضربوا عُنُقَه، فسال دمه كأنه شِراك نَعْل، وبقروا بطنَ أمِّ ولده عما في بطنها. وقتلوا ثلاث نسوة من طيئّ، وقتلوا أمَّ سِنان الصَّيداوية، واعترضوا الناس يقتلونهم. ذكر الرسول الَّذي بعثه إليهم علي ﵇ - قال أبو مخنف: وبلغ عليًّا ﵇ ما فعلوا، فبعث إليهم الحارث بن مُرَّة النَّهْدي (٢)، وقيل الفَقْعَسي، ليأتيهم وينظرَ فيما بلغه عنهم، ويكتبَ إليه به على وجهه، فخرج حتَّى أتى إلى النهر، فلما دنا منهم ليسألهم خرجوا إليه فقتلوه، وبلغ الخبر أمير المؤمنين والناس، فقام الناس إليه وقالوا: علام تَدع هؤلاء يَخلُفوننا في عيالنا وأموالنا، سِرْ بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم سِرْ بنا إلى عدوِّنا من أهل الشام. قال: وقام إليه الأشعث بن قيس الكندي، فكلَّمه بمثل ذلك، وكان الناس يَرون أن

стр. 2822

الأشعث يرى رأي الخوارج؛ لأنه كان يقول يوم صفين: لقد أنصفَنا قومٌ يدعون إلى كتاب الله، فلما قال ذلك عُلم أنَّه لم يكن على رأيهم. ذكر مسير أمير المؤمنين إليهم قال أبو مخنف: ونادى علي ﵇ بالرَّحيل، فعَبَر الجسر، وصلى ركعتين بالقَنْطرة، ثم نزل دير أبي عبد الرحمن (١)، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دَباها، ثم على شاطئ الفرات. قال: فلقيه في مَسيرِهِ ذلك مُنَجِّم، أشار عليه أن يسير في وقتٍ من النهار وقال: إن سرتَ في غير ذلك الوقت لقيتَ أنت وأصحابك شِدَّة، فخالفه وسار في الوقت الَّذي نهاه عن المسير فيه. فلما فرغ أمير المؤمنين من أمر الخوارج حمد الله وأثنى عليه وقال: لو سِرْنا في الساعة التي أمرَنا بها المنجِّم لقال الجُهّال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره المنجِّم فظفر. قلت: كذا ذكر أبو مخنف، وحكاه عنه الطبري (٢)، ولم يذكر اسم المنجِّم. ووقعتُ بقصَّة هذا المنجِّم واسمه في فضائل أمير المؤمنين، وذكرها عند خبر، قال (٣): سرْنا مع أمير المؤمنين إلى النَّهروان، فاعترضه مُنَجِّم يقال له: مُسافر بن عوف الأحمر، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسِرْ في هذا اليوم، وتربّصْ ليستوي الطَّالع، فقال علي: الله لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكّل المؤمنون، وقال الله لنبيه محمد ﷺ ، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن صَدّق مُنَجِّمًا بما يقول فقد كَذّب بما أنزل الله على محمد"، وما كان لرسول الله ﷺ مُنَجّم، ولا للخلفاء بعده، ثم قال لمسافر: هل تعلم ما في بطن فرسي هذه؟ قال: إن حَسبتُ علمتُ، قال: مَن صدَّقك بهذا القول فقد كَذَّب بالقرآن؛ قال الله تعالى ﴿إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْسَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، ما كان محمد ﷺ يَدَّعي ما ادَّعيتَ علمَه، فمن صَدّقك كان كمن اتَّخذ

стр. 2823

من دون الله أندادًا، اللهمَّ لا طائر إلّا طائرك، ولا خير إلا من عندك. ثم قال: نحن نُكذِّبك ونسير في الساعة التي نهيتَ عنها، ثم قال أيها الناس، إيّاكم وتعلُّم النُّجوم، إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، المنجم كافر، والكافر في النار، والمنجمون أعداء الله والرسل، يخالفون الله ويخالفونهم، والله يا أحمر، لئن بلغني بعد اليوم أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها؛ لأجْلِدَنّك جَلْدَ المفتري، ولَأُخَلِّدَنَّك في الحبس ما بقيت، ولَأَحرِمَنَّك العطاء ما كان لي سلطان. ثم قال: فتحنا بلاد كسرى وقيصر وتُبَّع بغير قول منجِّم، المنجِّمون أضداد الأنبياء، لا يرجعون إلى كتاب، ولا إلى شريعة، وإنما يتستَّرون بالإسلام ظاهرًا، ويستهزؤن بالأنبياء باطنًا، فهم الذين قال الله ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١). وفي رواية أن الأحمر قال له: لا تَسِرْ في هذ! اليوم؛ فإن القمر في العقرب، فقال أمير المؤمنين: قَمرُنا أو قَمرُهم. ثم سار إلى المدائن، فخرج إليه سعد بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار بن أبي عبيد، فسار معه إلى النهر. وقال هشام بن محمد وأبو مخنف وغيرهما: لما نزل أمير المؤمنين قريبًا من النهروان بعث إلى الخوارج: ادفعوا إلينا قَتَلَة إخواننا منكم أقتلْهم بهم، ثم إني تاركُكُم وعافٍ عنكم حتَّى ألقى العدوّ، ولعل الله أن يُقبل بقلوبكم، ويرُدّكم إلى أحسن ما كنتم عليه من أمركم. فبعثوا إليه: كلّنا قتلهم، وكلّنا مُستَحِلٌّ لدمائكم وأموالكم، أو لدمائهم. وفي رواية أبي مخنف: أن رسول علي ﵇ كان قيس بن سعد بن عُبادة، فقال لهم: عباد الله، أخرِجوا طَلِبَتَنا منكم، فادخلوا في هذا الأمر الَّذي خرجتم منه، وعودوابنا إلى قتال عدوّنا وعدؤكم؛ فإنكم قد ركبتم عظيمًا من الأمر، تشقُّون عصى المسلمين، وتسفكون دماءهم، وتعدُّونهم مشركين. فقال له عبد الله بن شجرة السُّلَمي: إن الحقَّ قد أضاء لنا، فلسنا متابعيكم، أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما نعلمه غير صاحبنا، قالوا: لا نعرفه، قال: نَشَدْتُكم في أنفسكم أن تهلكوا، فإني لا أرى الفتنة إلا

стр. 2824

قد غلبت عليكم. وخطبهم أبو أيوب الأنصاري بمثل ذلك، فأبوا إلا الإقامة على ما هم عليه. وقال أبو مخنف وهشام: لما ورد أمير المؤمنين النهروان نزل قريبًا منهم على فرسخ، وبعث إليهم أبا أيوب الأنصاري، وقيس بن سعد، فقا لا لهم: إنكم قد ارتكبتم أمرًا عظيمًا باستعراضكم الناس تقتلونهم، وتشهدون علينا بالشرك، وهو ظلم عظيم، فقال لهما: عبد الله بن السَّخبر: إليكما عنا، فإن الحق قد أضاء لنا كالصبح، ولسنا براجعين إليكم، أو تأتوا بمثل عمر بن الخطاب، فقال قيس بن سعد: ما نعرفه الآن إلا علي بن أبي طالب، قالوا: فنحن ما نعرفه. وتكلّم أبو أيوب الأنصاري بنحوٍ من هذا فقالوا: يا أبا أيوب، إنَّا إنْ بايعناكم اليوم حَكَّمتم غدًا آخر، فاقال: فإنا نَنْشُدكم الله أن تتعجَّلوا فتنة [العام] مخافة ما نأتي به في قابل، فقالوا: إليكما عنا، فقد نابَذْنَاكم على سواء. فانصرفا إلى أمير المؤمنين فأخبراه بذلك، فأقبل حتَّى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامَه. ذكر الخطبة قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب - وذكرها هشام - أن عليًّا ﵇ أتى أهل النهر، فوقف عليهم وقال: أيّتها العِصابة التي أخرجها المِراء والفجاجة، وصدَّها الهوى عن الحق، وطمح بها تزيين الشيطان، فأصبحتا في لُبْس وخطأ، إني نذير لكم أن تتمادوا في ضالالكم، فتُلْفَوا غدًا صرعى بأفناء هذا النهر بغير بَيِّنةٍ من ربّكم ولا بُرهان، أدم تعلموا أني نَهيتُكم عن الحكومة، وأخبرْتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دِينٍ ولا قرآن، وأنكم إن خالفتموني جانبتم الحَزْمَ، فعصيتموني، ثم أخذتُ على الحكَمين أن يُحيِيا ما أحيا القرآن، ويُميتا ما أمات، فاختلفا وخالفا كتابَ الله وسنةَ وسوله، فنبَذْنا أمرَهما، ونحن على الأمر الأول، فأخبروني من أين أُتيتُم؟! فقالوا: إنا حكَّمنا، فلما حكَّمنا أثِمْنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تُبنا، فإن تبتَ كما تُبنا فنحن معك ومنك، وإن أبيتَ نابَذْناك على سواء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين.

стр. 2825

فقال علي: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابِر (١)، أبعد إيماني بالله ورسوله، وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهدُ على نفسي بالكفر؟! لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. وفي رواية هشام: ثم قال: ليَخرجْ إليَّ رجلٌ منكم تَرضَون به أُحدِّثه ويُحدِّثني، فإن وجبتْ عليَّ الحُجَّة أقررتُ لكم، وتُبتُ إلى الله، وإن وجبتْ عليكم فارجعوا. فقالوا لعبد الله بن الكَوَّاء -وكان من كُبرائهم- اخرج إليه حتَّى تُحاجّه، فخرج إليه، فقال له علي: ما الَّذي نَقمتم عليّ بعد رضاكم بولايتي، وجهادكم معي وطاعتكم؟! وهلّا تبرَّأتُم مني يوم الجمل؟ فقال ابن الكَوّاء: لم يكن هناك تحكيم، فقال علي: ويحك، فأنا أهدى أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: بل رسول الله. قال: فما سمعت قول الله تعالى ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، أكان الله يشكُّ أنهم الكاذبون؟ فقال: إن ذلك احتجاجٌ عليهم، وأنتَ شككتَ في نفسك، حتَّى رضيت بالحكَمَين، فنحن أحْرى أن نشكَّ فيك. ولم يزل أمير المؤمنين يُحاجّ ابنَ الكواء بهذا وشبهه حتَّى قال ابن الكَوّاء: أنت الصادق في جميع ما قلت، غير أنك كفرتَ حيث حكَّمتَ الحكَمين. فقال: إنما حكَّمتُ أبا موسى وحدَه! قال: إن أبا موسى كفر، قال: فما ذنبي أنا؟ قال: رضاك. فصاح القوم: يا ابن الكَوَّاء، انصرف ودَعْ خطابَ الرجل، فلا حُكم إلا لله. وتأهّب الخوارج للقتال، فعبّأ عليّ عسكرَه، فجعل على الميمنة حُجْر بنَ عَديّ، وعلى الميسرة شَبَث بن رِبْعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرّجَّالة أبا قتادة. وجعل الخوارج على ميمنتهم زيد بن حُصَين، وعلى ميسرتهم شُرَيح بن أوفى (٢) العَبْسيّ - وكان من نُسَّاكهم - وعلى الرجَّالة حُرقوص بن زُهير، وعلى الخيل كلها عبد الله بن وهب. ورفع علي ﵇ رايةً وقال: مَن لجأ إليها فهو آمن، فقال فَرْوَةُ بن نَوْفَل

стр. 2826

الأشجعي لقومه - وكان من رؤوس الخوارج: يا قوم، والله ما ندري علام نُقاتل عليًّا! وليس لنا في قتاله حُجّةٌ ولا بيان، فانصرِفوا حتَّى يتَّضح لنا بصيرةٌ في قتاله أو في اتباعه، ثم اعتزل الخوارج، ومضى في خمس مئة رجل إلى البَنْدَنِيْجين، وخرجت طائفة أخرى فلحقوا بالكوفة، واستأمن إلى الراية منهم ألفُ رجل، فلم يبق مع عبد الله بن وهب منهم إلا أقل من أربعة آلاف، وقيل بقي معه ألف وثمان مئة، وكانوا اثنَي عشر ألفًا. وقال علي لأصحابه: لا تبدؤوهم بقتال حتَّى يبدؤوكم، فتنادت الخوارج: لا حُكم إلا لله، الرَّواح إلى الجنّة، ثم شَدُّوا على أصحاب علي شدَّةً واحدة، فلم تثبت لهم خيل علي، وافترقت الخوارج فرقتين: فرقة منهم نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وحمل قيس بن معاوية البُرْجُمي من أصحاب أمير المؤمنين على شُريح بن أَوْفى، فضربه بالسيف على ساقه فأبانها، فجعل يقاتل برِجْلٍ واحدة ويقول: [من الرجز] الفَحْلُ يَحمي شَوْلَه مَعْقُولا (١) فحمل عليه قيس بن سعد فقتله. وحكى أبو مِخْنَف، عن عبد الملك بن مُسلم، عن حكيم بن سعد قال: ما هو إلا أن لقِينا أهل النهر فما ألْبثناهم، كأنهم قيل لهم موتوا فماتوا. وفي رواية: فما لبثوا أن أناموهم. وقال له أبو أيوب الأنصاري (٢): يا أمير المؤمنين، قتلتُ زيد بن حُصَين، قال فما قلت وما قال؟ قال: طعنتُه بالرُّمح في صدره فنجَم من ظهره، وقلت: أبشِر يا عدوَّ الله بالنار، فقال: ستعلم أيُّنا أولى بها صِلِيَّا، فسكت علي عليها. وفي رواية أبي مخنف أيضًا فقال علي: هو أولى بها صِلِيًّا. واختلف هانئ بن خطّاب الأرْحَبِيّ وزياد بن خَصَفَة في قتل عبد الله بن وهب الرَّاسِبيّ، فقال علي: كيف صنَعتُما؟ قالا: طعنَّاه، فقال: كلاكما قتله. وقتل أبو

стр. 2827

النعمان الكِنانيّ (١) حُرقوص بنَ زُهير. قال أبو مخنف: وكان شُريح بن أوفى الَّذي قُطعت رِجلُه يحمل ويقول: [من الرجز] أضرِبُهمْ ولو أرى أبا الحَسَنْ … ضَربتُه بالسَّيف حتَّى يَطمَئنّ أضرِبُهمْ ولو أرى عَليَّا … ألْبَسْتُه أبيضَ مَشْرَفِيَّا (٢) حديث ذي الثُّدَيَّة قال مسلم (٣): حدثنا عَبُد بن حُميد، بإسناده إلى سَلَمة بن كُهَيل قال: حدثني زيد بن وَهْب الجُهَنيّ؛ أنَّه كان في الجيش الَّذي كان مع علي ﵇، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قومٌ من أُمَّتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامُكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن، يَحسبون أنّه لهم وهو عليهم، لا يُجاوز تَراقِيَهم، يَمرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّة"، لو يَعلم الجيشُ الذين يُصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيّهم لنَكَلوا (٤) عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُد، وليس له ذِراع، على رأس عَضُدِه مثلُ حَلَمَةِ الثَّدْي، عليه شَعَراتٌ بيض، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سَفَكوا الدَّمَ الحرام، وأغاروا في سَرْحِ النّاس، فسِيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنَزَّلَني زيدُ بن وَهْب منزِلًا حتَّى قال: مرَرْنا على قَنطرة، فالتقَينا، وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وَهْب الرَّاسِبِيّ، فقال لهم ألْقُوا الرِّماح، وسُلُّوا سُيوفكم من جُفونها، فإني أخاف أن يُناشِدوكم كما ناشَدوكم يومَ حَروراء، فرجعوا فوَحَّشوا برِما حهم، وسَلُّوا السُّيوف، وشَجَرهم الناسُ برِماحهم، وقُتِل بعضُهم على بعض (٥)، وما أُصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان، فقال علي ﵇:

стр. 2828

التمسوا فيهم المُخْدَج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه فطاف في القتلى، فأخرجوه من بينهم، فكبَّر علي ثم قال: صدق الله، وبَلَّغ رسولُه، فقام إليه عَبِيدَةُ السَّلْمانيّ فقال: يا أمير المؤمنين، ألله الَّذي لا إله إلا هو لسمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟! فقال: إي، والله الذيَ لا إله إلا هو، حتَّى استَحْلَفه ثلاثًا وهو يَحلِفُ له. انفرد بإخراجه مسلم. معنى وَحَّشُوا برماحهم، أي: ألقَوْها، وشَجَرهم الناس، أي: شَبَكُوهم بالرِّماح. قال أَبو عُبيد: اسم ذي الثُّدَيَّة بلبول. وقال هشام بن محمد: وهذا ذو الثُّدَيَّة هو أبو الخوارج وأصلُهم، ويقال له: ذو الخُوَيصرة، وهو الَّذي قال لرسول الله ﷺ وهو يقسم غنائم حُنين: يا محمد، اعدِلْ فما عدَلْتَ، وقد ذكرناه هناك (١). ويُقال له: المُخْدَج، أي: النَّاقِص. وقال أبو مِخْنَف: لما مر علي ﵇ على القتلى تطوف على ذي الثدية، وكان معه سُلَيم بن ثُمامة الحنَفيّ، والرَّيَّان بن صَبرة بن هَوْذة، فوجده الرَّياّن في حُفرة على شاطئ النهر، في أربعين أو خمسين قتيلًا، فلما استُخرج نظر إلى عَضُده، فإذا لحمٌ مجتَمِعٌ على مَنكِبِه كثَدْي المرأة، [له] حَلَمة عليها شَعرات سود، فإذا مُدَّت امتدّت حتَّى تُحاذي يدَه الأخرى، فإذا تُركت عادت إلى منكبه، فكبَّر علي وقال: والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ، وذكره … قال: ووقف عليهم عليّ ﵇ وهم صَرْعى فقال: بُؤسًا لكم، لقد ضرَّكم مَن غَرَّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين ومَن غَرَّهم؟ قال الشيطان وأنْفُسٌ أمارةٌ بالسُّوء، غَرَّتهم بالأماني، وزينت لهم عمل السوء. قال: وطُلب مَن به رَمَق منهم فكانوا أربع مئة رجل، فقال علي لعَشائرهم: احمِلوهم معكم وداووهم، فإذا بَرِؤوا فوافوني بهم الكوفة، وما وجد من السِّلاح والدَّوابّ وآلةِ القتال قَسمه بين الناس، وأما العبيد والإماء فردَّهم على أهلهم. وطلب عَدِيّ بن حاتم (٢) ولدَه طَرَفة بن عدي، فوجده قتيلًا، فدفنه وقال: الحمد لله

стр. 2829

الَّذي ابتلاني بيومك عن (١) حاجتي إليك، ودَفَن بعض الناس قتلاهم، وبلغ عليًّا ﵇ فقال: أتقتلونهم ثم تدفنونهم؟! ارتَحِلُوا فارتحلوا. قال أبو مخنف أيضًا: لم يُقتل من أصحاب عليٍّ (٢) إلا سبعة. قال الخطيب بإسناده: أوّلهم يزيد بن نُويرة من الأنصار، قال أبو حازم المدني (٣): شهد له رسول الله ﷺ بالجنَّة مرَّتَين؛ يوم أحد قال رسول الله ﷺ "مَن جاوز التَّلَّ فله الجنّة"، فقاتل يزيد حتَّى جاوزه، واختلف ابنُ عمٍّ ليزيد مع يزيد في قتيل قتلاه يوم أُحد، فقال رسول الله ﷺ : "كلاكما (٤) قد وَجبت له الجنّة"، ثم كان يزيد أوّلَ قتيل قُتل بالنَّهْرَوان. وقال هشام: قُتل رؤوس الخوارج: عبد الله بن وَهْب الرَّاسِبِيّ، ويزيد بن حُصَين الطائي -ويقال: زيد- وشُرَيح بن أوفى، وأبو حسَّان الزِّياديّ، وهؤلاء كانوا رؤوس القرَّاء مع علي قبل التَّحكيم. وأما عبد الله بن الكَوَّاء فإنه بأن له الحق، فرجع في خمس مئة رجل، ولم يقاتل عليًّا فسلم. وهذا عبد الله بن الكَوَّاء هو عبد الله بن أوْفَى، ويقال: عبد الله بن عمرو بن النُّعمان بن ظالم اليَشْكرِيّ، قال هشام: كنيته أبو عمرو، وقال أحمد بن حنبل. كنيته أبو الكَوَّاء. قدم دمشق مع الذين نفاهم عثمان من الكوفة: الأشتر وصَعْصَعة بن صُوحان وغيرهما، فأنزلهم معاوية دارًا وأضافَهم، فأقاموا يقرؤون، فمرَّ بهم يومًا معاوية زائرًا لهم، فسمعهم يقرؤون القرآن، فقال: هذا خير لكم من الفتنة، ثم نَشَدهم الله وقال: أيُّ رجلٍ أنا؟ فقال له ابنُ الكَوَّاء: أنت رجلٌ واسع الدنيا ضيِّق الآخرة، قريب المَرْعى

стр. 2830

بعيد المَرْمَى (١)، تجعل الظّلمات نورًا والنور ظلمات، فسكت. ثم عاد ابن الكَوَّاء إلى العراق، وخرج مع الخوارج، ثم رجع عنهم، ولم أقف على تاريخ وفاته. واختلفوا في أيّ سنة كانت هذه الوَقْعة، فعامَّة المؤرِّخين على أنها في هذه السنة، وحكينا عن الواقدي أنها كانت في سنة ثمان وثلاثين، وقال أبو عبيدة: في سنة تسع وثلاثين، والأول أشهر. وقد أخرج أحمد في "المسند" في مسند علي ﵇؛ حديثًا مطولًا في قصة الخوارج - اختصرتُه - فقال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطبَّاع بإسناده، عن عُبيد الله بن عِياض بن عَمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شَدّاد فدخل على عائشة، ونحن عندها جلوس، مَرجِعَه من العراق ليالي قُتل علي ﵇، فقالت له عائشة: يا ابن شَدّاد، هل أنت صادِقي عما أسألُكَ عنه؟ قال: نعم، قالت: حدِّثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فقال: لما حَكَّم علي الحكَمَين خرج عليه ثمانية آلاف من القُرَّاء، فنزلوا حَرُوْراء، وعَتِبوا عليه وقالوا: انسَلَخْتَ من قميصٍ ألبسك الله إياه، واسمٍ سَمَّاك الله به، ثم حكَّمتَ في دين الله، ولا حُكم إلا لله. وفارقوه. فأمر بإدخال القُرّاء عليه، وقال: لا يَدخُل عليَّ إلا قارئ، فاجتمع عنده أناس، فدعا بمصحف عظيم، فوضعه بين يديه، وجعل يَصُكُّه ويقول: أيُّها المصحف، حَدِّث الناس. وناداه الناس: يا أمير المؤمنين، ماذا تسأل؟! إنما هو مِداد في وَرَق، فماذا تريد؟ فقال: أصحابُكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله في امرأة ورجل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الآية [النساء: ٣٥] فأمَّةُ محمد ﷺ أعظمُ دمًا وحُزمَةً من امرأة ورجل. ونقَمُوا عليّ أني مَحَوتُ اسمي، وقد فعله رسول الله ﷺ في غزاة الحُدَيبِيَة، وكتب: محمد بن عبد الله، ولي في رسول الله أُسوةٌ حَسَنة.

стр. 2831

وبعث إليهم محبد الله بن عباس وكنتُ معه، فلما تَوَسَّط عسكرَهم قام ابنُ الكَوّاء فقال: يا حَملَة القرآن، هذا ابن عباس الَّذي نزل [فيه و] في قومه: ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] رُدُّوه إلى صاحبه، ولا تُواضعوه كتابَ الله، فقام خطباؤهم فقالوا: والله لنُواضِعَنّه كتابَ الله، فإن جاء بحقٍّ نعرفه لنَتَّبِعَنّه، وإن جاء بباطلٍ لنُبَكِّتَنَّه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتابَ ثلاثةَ أيّام، فرجع منهم أربعة آلافٍ كلُّهم تائب، منهم ابن الكَوَّاء، حتَّى أدخلهم علي الكوفة، وبعث إلى بقيَّتهم يقول: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقِفوا حيث شئتم، حتَّى تجتمع أمّةُ محمد ﷺ ، وبيننا وبينكم أن لا تسفِكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا ذِمَّةً، فإن لم تفعلوا فقد نَبَذْنا إليكم الحربَ على سواء، إن الله لا يُحبُّ الخائِنين. فقالت عائشة: يا ابنَ شَدّاد، فقد قتلَهم؟! فقال: والله ما فعل حتَّى قَطعوا السّبيل، وسفكوا الدّمَ الحرام، واستحلُّوا أهلَ الذِّمَّة، فقالت: الله؛ قال: آلله الَّذي لا إله إلا هو لقد كان ذلك، فقالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق؟ يقولون: ذو الثَّدي، وذو الثّدي، قال: قد رأيتُه، قمتُ مع علي ﵇[عليه] في القتلى، فدعا الناس فقال: أتعرِفون هذا؟ ما أكثر من جاء يقول: قد رأيتُه في مسجد بني فلان يصلي، قالت: فما قال علي حين وقف عليه؟ قال: سمعتُه يقول: صدق الله ورسولُه، فقالت: يرحم الله عليًّا، إنه كان إذا رأى شيئًا يُعجبه قال: صدق الله ورسوله (١)، فيذهبُ أهلُ العراق يكذِبون عليه، وَيزيدون في الحديث. ذكر رجوع أمير المؤمنين من النهروان إلى النُّخَيلَة قال أبو مخنف عن أشياخه: إن عليًّا ﵇ لما فرغ من أهل النهر حَمِد الله وأَثنى عليه ثم قال: إن الله قد أحسن إليكم، وأعزَّ نُصرَتكم، فتوجَّهوا من فوركم هذا إلى قتال عدوِّكم، فقالوا: با أمير المؤمنين، نَفِدَت نِبالُنا، وكَلَّت سيوفُنا، ونَصَلَتْ أسِنَّة رِماحنا، فارجع بنا إلى المِصر، فلنَسْتَعِدّ بأحسن عُدَّة، فإنه أقوى لنا على عدوّنا. وكان

стр. 2832

الذي كلَّمه بهذا الأشعث بن قيس. فأقبل حتَّى نزل النَّخَيلَة، وأمر الناس أن يَلزَموا عسكرَهُم، وأن يُقِلُّوا زيارةَ بيوتهم ونسائهم حتَّى يسيروا إلى عدوِّهم، فأقاموا أيامًا، ثم تسلَّلوا من مُعسكرهم فدخلوا الكوفة، إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وبقي العسكر خاليًا، فلما رأى علي ذلك انكسر رأيُه في المسير إلى الشام، ودخل الكوفة. وقال هشام: وكان الأشعث بن قيس مُنافقًا، وهو الَّذي ارتدّ عن الإسلام، ونافق على أمير المؤمنين لما عزله عن أرمينية، وإنما عزله عنها لأن أبا بكر وعمر ما كانا يُولِّيان من ارتَدَّ ولايةً، والأشعث هو الَّذي قال أبو بكر في حقّه عند وفاته: لو قتلتُه لأرحتُ الناس منه، وهو الَّذي أفسد الأمور على علي بصفين، وقد ذكرناه، ثم إنه كان يكاتب معاوية ويطالعه بالأخبار، وكان معاوية يبعث إليه بالأموال الكثيرة إلى أشراف الكوفة ورؤسائهم، فمال إلى معاوية بعد صفّيق، [فكان معاوية] يقول: لقد حاربتُ ابنَ أبي طالب بغير جيش ولا قتال (١). ذكر خطبة أمير المؤمنين حين قعدوا عنه وقد خطب خُطبًا كثيرة اخترتُ منها خُطبتين: الخطبة الأولى؛ ذكرها أبو مخنف وهشام وغيرهما، عن أشياخهم قالوا: خطب أمير المؤمنين الناسَ لما تقاعدوا عن المسير إلى قتال معاوية فقال: أيُّها الناس، استعدُّوا للمسير إلى جهاد عدوِّكم … وذكر كلامًا، وقال: ما بالكم إذا دعوتُكم إلى قتالِ أهل الضَّلال تثاقلتُم إلى الأرض، أرضيتُم بالحياة الدنيا من الآخرة؟! أوَكلَّما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينُكم في رؤوسِكم، كأن فيها كَمَهًا فأنتم لا تُبصرون، وقلوبكم قاسية كأنكم لا تعقلون، والله ما أنتم إلا أُسود شَرَى في الدَّعَة، وثعالبُ رَوَّاغة حين تُدعون إلى البَأس، ما أنتم لي بثِقات … في كلام آخر. وفيها؛ إن عدوّكم لا يَنام عنكم، وأنتم في غَفْلةٍ ساهون، إن لي عليكم حقًّا، ولكم عليَّ حقًّا؛ أما حقكم فقِسمةُ الفَيءِ فيكم، وأما حقَي فالوفاء بالبيعة، والسمعُ والطَّاعة،

стр. 2833

والمناصحة في المَشْهد والمَغيب، والإجابة حين أدعوكم، وامتثال الأمر حين آمُركم … وذكر كلامًا آخر (١). تفسير غريبها: الكَمَه: العَمَى، وقال الجوهريّ: الأكمه الَّذي يُولَد أعمى. قال: والشَّرى: طريقٌ في سَلْمى كثيرُ الأُسْد، والرَّوَغان: المَيل، ومنه رَوَغان الثعلب (٢). الخطبة الثانية: منها: أيُّها [الناس] المجتمعةُ أبدانُهم، المُتفَرِّقةُ قلوبُهم وأهواؤهم، ما عَزّت دعوةُ مَن دَعاكم، ولا استراح مَن اعتَضَد بكم، كلامُكم يُوْهِن الصُّمَّ [الصِّلاب]، وفِعلُكم يُطمِعُ فيكم عدوَّكم، إذا دعوتُكم إلى الجهاد قلتم: كَيتَ وكَيت، وذَيتَ وذَيت، أعاليلٌ وأباطيل، وسألتموني التَّأخير فِعلَ ذي الذَينِ المَطْول (٣) … مع كلام طويل، وفيه: فَرَّق الله بيني وبينكم، وأبدَلَني مَن هو خيرٌ منكم، إنكم لو نَصَرْتموني فستذكرون ما أقول لكم. وحكى البَلاذُريّ طَرفًا منه وقال: فقام أبو أيُّوب الأنصاري فقال (٤): إن أمير المؤمنين قد أسمع مَن كانت له أُذُنان وقلبٌ حَفيظ، إن الله قد أكرَمَكم به، فاقبلوا كَرامتَه حقّ قَبولها، إنه أنزل ابنَ عمِّ نبيّكم ﷺ بين ظَهْرانَيكم يُفَقِّهكم ويرشِدُكم، ويَدعوكم إلى ما فيه الحظُّ لكم. وقال البَلاذُريّ أيضًا، عن أبي صالح قال: شهدتُ أميرَ المؤمنين وقد حَمل المصحفَ على رأسه وقال: اللهمَّ إني سألتُهم ما فيه فمَنَعوني إيّاه، اللهمَّ إني قد مَلَلْتُهم ومَلّوني، وأبغَضْتُهم وأبغضوني، وحَملوني على أخلاق لم تكن تُعرف فيّ، اللهمَّ فأبْدِلْني خيرًا منهم، وأبْدِلْهم شرًّا منّي، ومِثْ قلوبَهم مَيثَ المِلح في الماء (٥). وقال الأصمعي: بلغني أن أمير المؤمنين قال في خُطبة: ويحكم، ألا انفِروا إلى غَزْو عَدوِّكم، فوالله ما غُزِي قومٌ في عُقْرِ دارِهم إلا ذَلُّوا (٦).

стр. 2834

وقال البَلاذُريّ. كتب عُمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيط من الكوفة إلى معاوية يُخبره: أن قد خرج على أمير المؤمنين قُرَّاءُ أصحابه ونُسَّاكُهم، وأنه سار إليهم فقتلهم، وقد فَسَد عليه جُندُه وأهلُ مِصره، ووقعت العَداوةُ بينهم، وتفرَّقوا أشدَّ فُرقة. وقال البلاذري أيضًا: ولما بلغ معاوية أن أمير المؤمنين مُجِدٌّ في غَزوه، وأنه يَدعو الناس إلى جهاده، وإعادةِ الحرب بينه وبينه؛ هاله ذلك، وخرج عن دمشق، فعسكر بظاهِرها، وبعث المُسْتَصرِخين إلى كُوَر الشّام يُنادون: ألا إن عليًّا قد أقبل إليكم، وإنا كنَّا حَكَّمنا حكَمَين؛ فخلعه حكَمُه، وأثبتني حَكَمي، وكان بيننا شُروطٌ فنكثَها، وقد أقبل إليكم بخَيله ورَجِله، ناكثًا ظالمًا باغِيًا، فاستعِدُّوا لقتاله، انفروا خِفافًا وثِقالًا، فنَفَر إليه من كلِّ أَوْبٍ، ثم أراد معاوية المسيرَ إلى صفِّين فتوقّف (١). وقال الشعبي: وفي هذه السنة بعث أمير المؤمنين لما عاد من صفّين جَعْدَة بن هُبَيرَة المَخْزومي -وكان ابنَ أختِ علي أمِّ هانئ بنت أبي طالب- إلى خُراسان، وكانوا قد كفروا، فحاصروا أهلَ مَرْو ونَيسابور، فصالحوه على ما أراد، وعاد. وحجّ بالناس في هذه السنة عُبيد الله بنُ العبَّاس، وكان عامل علي ﵇ على اليمن ومَخاليفِها، وكان على مكة والطّائف قُثَم بنُ العبّاس، وعلى المدينة سَهْل بن حُنيف الأنصاري - وقيل: كان عليها تَمَّام بنُ العبّاس - وكان على البصرة عبد الله بن عباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدِّيلي، وكان على الكوفة أبو مَسعود الأنْصَاريّ؛ استَخْلَفه علي لما خرج إلى صفّين، وعلى خُراسان خُلَيد بن قُرَّة اليَرْبوعيّ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر ﵁ (٢). وفيها توفي حابِس بن سعد بن ربيعة الطّائي اليماني واختلفوا في صُحبته؛ فقال البخاري وأبو حاتم: أدرك رسول الله ﷺ (٣).

стр. 2835

وذكره أبو زرعة وابن سعد ممن نزل الشام من الصحابة، وذكره جدي في "التلقيح" (١) فيمن له صحبة، ولم يذكره فيمن له رواية. وقال أبو زرعة: بعثه أبو بكر الصديق إلى الشام، فنزل حمص، وولّاه عمر بعد ذلك قضاء حمص. وقال ابن عبد البر: ولّاه عمر ناحية من نواحي الشام، فرأى في منامه كأن الشمس والقمر يقتتلان، ومع كلِّ واحدٍ منهما كواكب، فقصّ رؤياه على عمر ﵁، فقال له: مع مَن كنتَ؟ فقال: مع القمر، فقال: كنتَ مع الآية الممحوَّة، واللهِ لا تلي لي (٢) ولايةً أبدًا، يُشير إلى قوله ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّلْيلِ﴾ [الإسراء: ١٢] قال: فقُتل مع معاوية بصفين، وكان على الرجَّالة، وبيده راية طيّئ، وهو خَتَنُ عديّ بن حاتم، وخالُ ابنه زيد بن عديّ. وذكر أبو البَخْتَريّ قصة حابس مع عمر أتمّ مما ذكرها ابن عبد البر فقال: ولّاه عمر قضاء حمص، وقال له: كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟ قال: أجتهد رأي واستشير جُلسائي، فقال له عمر: أصبتَ وأحسنت. ثم لقيه عمر بعد ذلك فقال: ما منعك أن تسير إلى عملك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ رؤيا هالتني، قال: وما رأيت؟ قال: رأيتُ كأن الشمس والقمر يقتتلان، أقبلت الشمس من المشرق في جمع كثير من الكواكب، وأقبل القمر من المغرب في جمع كثير من الكواكب، فاقتتلا، فقال عمر له: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر، فقرأ عمر ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّلْيلِ﴾ الآية، ثم قال: اردُدْ علينا عهدَنا، فرَدَّه (٣). وقتل بصفين مع معاوية. قلت: وفي هذا الأثر فوائد منها: أن عمر كان يَعرف التأويل، فكأنه فهم أنَّه سيقتتل

стр. 2836

ملكان، أحدهما يكون معه الحق، والآخر على الباطل، ودليلُه طلوع الشمس من المشرق، وإتيانها من مطلعها، وليس من عادة القمر أن يطلُع من المغرب، فكان شيعيًّا. والثاني: فِراسة عمر في حابس، وجاء كما قال وهو قتلُه بصفّين. والثالث: أنَّه لا بأس بالفأل وتكره (١) الطِّيَرة. والرابع: أن الإنسان إذا قُلّد عملًا ينبغي له أن يُبادر ويسيرَ إليه؛ لأنه التزم الأمانة، فيجب عليه المبادرة إلى أدائها، ولهذا أنكر عمر عليه. وقال ابن لهيعة: اجتمع بصفّين حابس بن سعد وأبو مُسلِم الخَولاني ورَبيعة الحَرَشِيّ -وكانوا مع معاوية- فقالوا: ليَدْعُ كلُّ واحد منا بدعوة، فقال أبو مسلم: اللهمَّ اكِفنا وعافنا، وقال حابس: اللهمَّ اجمع بيننا وبينهم واحكم ليننا، وقال ربيعة: اللهمَّ أبْلِنا بهم وأبْلِهم بنا، قال: فلما التقَوا قُتل حابس، وفُقئت عين ربيعة، وعُوفي أبو مسلم (٢). وقد حكينا أن الأشتر مرَّ مع أمير المؤمنين على حابس بن سعد؛ فرآه مقتولًا فقال: هذا اليَماني عهدتُه مؤمنًا، ثم قُتل على ضلاله، فقال له علي: وهو الآن مؤمن. وذكره أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" فقال: حدّث عن أبي بكر وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وروى عنه جُبير بن نُفَير وسعد بن إبراهيم. وتكلّم فيه الدارقُطني أنَّه مجهول فقال: حابس متروك، وقال مَرَّة أخرى: مجهول (٣)، [وهذا] وَهْم منه، فإن شُهرته ظاهرة لما ذكرنا، وقوله متروك يحتمل أنَّه ضَعَّف روايتَه، حيث لم يَقبَلْه عمر وعَزَله. ولم يختلفوا أنَّه قُتل بصفّين يوم قُتل عمار. وليس في الصحابة مَن اسُمه حابس بن سعد غيرُه، فأما غير ابن سعد فآخر يُقال له:

стр. 2837

حابس أبو حية التَّميمي، له صُحبة ورواية (١)، وليس لصاحب هذه الترجمة رواية. وأخرج أحمد في "المسند" (٢) لحابس أبي حَيَّة التميمي حديثًا، كذا وقع في "المسند": أبي حيَّة، وفي رواية: أبو حبَّة، وحيَّة بنقطتين من تحت؛ قال أحمد: حدثنا عبد الصَّمد بإسناده إلى حيَّة بن حابس التميمي؛ أن أباه أخبره، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيءَ في الهام، والعين حقٌّ، وأصدقُ الطير الفألُ". وفيها توفِّي حَوْشَب ويقال له: ذو ظُلَيم الألْهاني؛ رئيس بني أَلْهان في الجاهلية والإسلام، وهو من الأَذْواء ملوك اليمن، وكان بصفِّين على إحدى مُجَنِّبَتَي معاوية، وذو كَلاع على الأخرى، وقيل: كان على رَجَّالة حِمص. وقال أبو القاسم بن عساكر: وقد اختلفوا في اسم أبيه، وأدرك أبوه رسول الله ﷺ ولم يره (٣)، وكان رسول الله ﷺ قد كاتب حَوْشبًا وذا كلاع على يَدَي جرير بن عبد الله، ولفيروز ليقتلوا الأسود العَنْسِيّ (٤). قال: وقُتل حَوْشَب بصفّين مع معاوية، في اليوم الَّذي قُتل فيه عمار، قتله سُلَيمان بن صُرَد. وفيها توفي خَبَّاب بن الأَرَتّ ابن جَنْدَلَة بن سعد، من بني زيد مَنَاة بن تميم، وكُنيته أبو عبد الله، مولى بني زُهْرَة.

стр. 2838

وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ . قال ابن سعد: سُبي فبيع بمكة، فاشترتْه أمِّ أَنْمار، وهي أمُّ سِباع بن عُرْفُطَة الخُزَاعيّ (١)، وكانوا حُلَفاء عوف بن عَبد عوف بن زُهْرة، وكانت أمُّ أنمار خَتَّانةً بمكّة، وهي التي قال حمزة بن عبد المُطَّلب يوم أُحد لابنها سِباع: يا ابنَ مُقَطَّعَةِ البُظور، وقد ذكرناه (٢)، فانضمَّ خباب إلى [آل] سِباع بهذا السبب. ويُقال: سِباع بن عبد العُزَّى (٣). وقال البَلاذُريّ: كان الأَرَتّ أبو خَبّاب سَوَادِيًّا، فأغار قومٌ من ربيعة على النَّاحية التي هو فيها فسَبَوْه، وأتَوا به الحِجازَ فباعوه، فوقع إلى سِباع، فوَهَبه لأُمِّ أَنْمار فأعتَقَتْه. وزعم أبو اليَقظان البَصْري أن خَبَّابًا كان أخا سِباع لأُمّه. ويُقال: إن الأرتَّ من أهل كَسْكَر. وقال الواقدي: كان قَيْنًا، وكان يُكنى أبا عبد رَبّه (٤). وحكى ابن سعد عن الواقدي: أن خَبَّابًا أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دارَ الأَرْقَم، فكان خامسًا أو سادسًا في الإسلام، أسلم بعد خمسةٍ أو ستَّةٍ، وكان يفتخر بذلك، وهو من المستَضْعَفين الذين كانوا يُعَذَّبون بمكة في الله، ولم يرجع عن دينه. قال الواقدي: آخى رسول الله ﷺ بين خَبَّاب وبين جَبْر (٥) بن عَتيك، وخبَّاب هو الَّذي دخل عمر على أُخته فاطمة وهو يُقرئها القرآن، وقد ذكرناه عند إسلام عمر (٦). وقال ابن سعد بإسناده عن الشَّعبيِّ قال: دخل خَبَّاب بن الأَرَتّ على عمر بن

стр. 2839

الخطاب، فأجلسه على مُتَّكَئه وقال: ما على وجه الأرض أحدٌ أحقّ بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، فقال له خَبَّاب: مَن هو يا أمير المؤمنين؟! قال: بلال، فقال خَبَّاب: ما هو بأحقّ مني، إن بلالًا كان له من المشركين مَن يَمنعُه الله به، ولم يكن لي أحدٌ يَمنعني، ولقد أخذوني يومًا، فأوقدوا لي نارًا، ثم سَلَقوني فيها، ثم وَضَع رجلٌ رِجلَه على صدري، فما اتَّقيتُ الأرض إلا بظَهْري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد بَرِص (١). وأخرج أبو نعيم بمعناه وفيه: أوقَدوا لي نارًا، ما أطفأها إلا وَدَك ظهري، وكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيتُ كاليوم (٢). وقال هشام بن محمد: كانت أمُّ أنمار مَولاة خَبَّاب تَحمي الحديدة وتَضَعُها على رأس خَبَّاب، فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا عليها فاشتكتْ رأسَها، وكانت تَعوي مع الكلاب، فقيل لها: اكتوي، وكان خَبَّاب يَحمي الحديدةَ ويكوي بها رأسَها. وقال الواقدي: الَّذي كان يُعذِّب خَبّابًا عُتبة بن أبي وَقَّاص، أخو سعد، وقيل: الأسود بن عبد يَغوث (٣). وقال أحمد (٤) بإسناده، عن مَسروق، عن خَبَّاب قال: كان لي على العاص بن وائل السَّهْميّ دَينٌ، وكنتُ رجلًا قَينًا، فأتيتُه أتقاضاه فقال: لا والله، لا أَقضيك حتَّى تكفر بمحمد، فقلت له: والله لا أكفر به حتَّى تموت ثم تبعث، فقال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: نعم، قال: سوف أقضيك إذا رجعتُ إلى مالٍ وولد، فأنزل الله تعالى ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] الآية. أخرجاه في الصحيحين (٥)، والعاص هو أبو عمرو بن العاص. وقال أحمد بن حنبل -كان خباب قد اكتوى لأمراض كانت به قال: حدثنا يزيد بن

стр. 2840

هارون بإسناده، عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا خَبّابًا نعودُه، وقد اكتوى في بطنه سَبع كَيّات، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به، فقد طال مرضي. ثم قال: إن أصحابَنا الذين مَضَوا لم تَنْقصْهم الدنيا شيئًا، وإنّا أُعطينا بعدهم من الدنيا ما لم نجد له موضعًا إلا التراب، وكان يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليُؤْجَر في نفقته كلِّها إلا في شيءٍ يجعله في التُّراب. متفق عليه (١). وبه عن خَبَّاب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو مُتوسّدٌ بردائه في ظلِّ الكعبة، فقلنا يا رسول الله، ألا تَستَنصِر لنا؟ فجلس مُحْمرًّا وجهُه وقال: "لقد كان مَن كان قبلكم يُؤخذ فيُجعل المِنشار على رأسه، فيُفْرَقُ فرقتَين، ما يَصرِفه ذلك عن دِينه، وليُتِمّنَّ الله هذا الدين -أو هذا الأمر- حتَّى يسيرَ الرَّاكب ما بين صَنْعاء وحَضْرَمَوت؛ لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه". انفرد بإخراجه البخاري (٢). وروى أبو نعيم بإسناده عن شقيق بن سلمة قال: دخلْنا على خَبّاب نَعوده في مرضه فقال: إن في هذا التّابوت ثمانين ألف درهم، والله ما شَددتُ عليها خيطًا، ولا منعتُ منها سائلًا، ثم بكى، فقيل له: ما يُبكيك؛ فقال: أبكي أن أصحابي مَضَوْا ولم تَنْقُصهم الدنيا شيئًا، وإنا بقينا بعدهم حتَّى ما نجِد مَوضعًا للمال إلا التُّراب (٣). ذكر وفاته: قال ابن سعد بإسناده عن طارق بن شهاب قال: دعا خَبّابًا نَفَرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: أبشرْ أبا عبد الله، إخوانك تَقْدَم عليهم غدًا، فبكى وقال: أما إنه ليس بي جَزَع، ولكن ذكَّرتموني أقوامًا، وسمَّيتُم لي إخوانًا، وإن أولئك مَضَوا وأُجورُهم على الله، أو كما هي، وإني أخاف أن يكون ثوابَ ما تَذكُرون من تلك الأعمال مما أُوتينا بعدَهم (٤). وقال الواقدي: نزل خَبّاب الكوفة حين اختطَّها المسلمون، فأقام بها إلى سنة سبع
следующие страницы →