← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

ملكان، أحدهما يكون معه الحق، والآخر على الباطل، ودليلُه طلوع الشمس من المشرق، وإتيانها من مطلعها، وليس من عادة القمر أن يطلُع من المغرب، فكان شيعيًّا. والثاني: فِراسة عمر في حابس، وجاء كما قال وهو قتلُه بصفّين. والثالث: أنَّه لا بأس بالفأل وتكره (١) الطِّيَرة. والرابع: أن الإنسان إذا قُلّد عملًا ينبغي له أن يُبادر ويسيرَ إليه؛ لأنه التزم الأمانة، فيجب عليه المبادرة إلى أدائها، ولهذا أنكر عمر عليه. وقال ابن لهيعة: اجتمع بصفّين حابس بن سعد وأبو مُسلِم الخَولاني ورَبيعة الحَرَشِيّ -وكانوا مع معاوية- فقالوا: ليَدْعُ كلُّ واحد منا بدعوة، فقال أبو مسلم: اللهمَّ اكِفنا وعافنا، وقال حابس: اللهمَّ اجمع بيننا وبينهم واحكم ليننا، وقال ربيعة: اللهمَّ أبْلِنا بهم وأبْلِهم بنا، قال: فلما التقَوا قُتل حابس، وفُقئت عين ربيعة، وعُوفي أبو مسلم (٢). وقد حكينا أن الأشتر مرَّ مع أمير المؤمنين على حابس بن سعد؛ فرآه مقتولًا فقال: هذا اليَماني عهدتُه مؤمنًا، ثم قُتل على ضلاله، فقال له علي: وهو الآن مؤمن. وذكره أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" فقال: حدّث عن أبي بكر وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وروى عنه جُبير بن نُفَير وسعد بن إبراهيم. وتكلّم فيه الدارقُطني أنَّه مجهول فقال: حابس متروك، وقال مَرَّة أخرى: مجهول (٣)، [وهذا] وَهْم منه، فإن شُهرته ظاهرة لما ذكرنا، وقوله متروك يحتمل أنَّه ضَعَّف روايتَه، حيث لم يَقبَلْه عمر وعَزَله. ولم يختلفوا أنَّه قُتل بصفّين يوم قُتل عمار. وليس في الصحابة مَن اسُمه حابس بن سعد غيرُه، فأما غير ابن سعد فآخر يُقال له:

стр. 2837

حابس أبو حية التَّميمي، له صُحبة ورواية (١)، وليس لصاحب هذه الترجمة رواية. وأخرج أحمد في "المسند" (٢) لحابس أبي حَيَّة التميمي حديثًا، كذا وقع في "المسند": أبي حيَّة، وفي رواية: أبو حبَّة، وحيَّة بنقطتين من تحت؛ قال أحمد: حدثنا عبد الصَّمد بإسناده إلى حيَّة بن حابس التميمي؛ أن أباه أخبره، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيءَ في الهام، والعين حقٌّ، وأصدقُ الطير الفألُ". وفيها توفِّي حَوْشَب ويقال له: ذو ظُلَيم الألْهاني؛ رئيس بني أَلْهان في الجاهلية والإسلام، وهو من الأَذْواء ملوك اليمن، وكان بصفِّين على إحدى مُجَنِّبَتَي معاوية، وذو كَلاع على الأخرى، وقيل: كان على رَجَّالة حِمص. وقال أبو القاسم بن عساكر: وقد اختلفوا في اسم أبيه، وأدرك أبوه رسول الله ﷺ ولم يره (٣)، وكان رسول الله ﷺ قد كاتب حَوْشبًا وذا كلاع على يَدَي جرير بن عبد الله، ولفيروز ليقتلوا الأسود العَنْسِيّ (٤). قال: وقُتل حَوْشَب بصفّين مع معاوية، في اليوم الَّذي قُتل فيه عمار، قتله سُلَيمان بن صُرَد. وفيها توفي خَبَّاب بن الأَرَتّ ابن جَنْدَلَة بن سعد، من بني زيد مَنَاة بن تميم، وكُنيته أبو عبد الله، مولى بني زُهْرَة.

стр. 2838

وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ . قال ابن سعد: سُبي فبيع بمكة، فاشترتْه أمِّ أَنْمار، وهي أمُّ سِباع بن عُرْفُطَة الخُزَاعيّ (١)، وكانوا حُلَفاء عوف بن عَبد عوف بن زُهْرة، وكانت أمُّ أنمار خَتَّانةً بمكّة، وهي التي قال حمزة بن عبد المُطَّلب يوم أُحد لابنها سِباع: يا ابنَ مُقَطَّعَةِ البُظور، وقد ذكرناه (٢)، فانضمَّ خباب إلى [آل] سِباع بهذا السبب. ويُقال: سِباع بن عبد العُزَّى (٣). وقال البَلاذُريّ: كان الأَرَتّ أبو خَبّاب سَوَادِيًّا، فأغار قومٌ من ربيعة على النَّاحية التي هو فيها فسَبَوْه، وأتَوا به الحِجازَ فباعوه، فوقع إلى سِباع، فوَهَبه لأُمِّ أَنْمار فأعتَقَتْه. وزعم أبو اليَقظان البَصْري أن خَبَّابًا كان أخا سِباع لأُمّه. ويُقال: إن الأرتَّ من أهل كَسْكَر. وقال الواقدي: كان قَيْنًا، وكان يُكنى أبا عبد رَبّه (٤). وحكى ابن سعد عن الواقدي: أن خَبَّابًا أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دارَ الأَرْقَم، فكان خامسًا أو سادسًا في الإسلام، أسلم بعد خمسةٍ أو ستَّةٍ، وكان يفتخر بذلك، وهو من المستَضْعَفين الذين كانوا يُعَذَّبون بمكة في الله، ولم يرجع عن دينه. قال الواقدي: آخى رسول الله ﷺ بين خَبَّاب وبين جَبْر (٥) بن عَتيك، وخبَّاب هو الَّذي دخل عمر على أُخته فاطمة وهو يُقرئها القرآن، وقد ذكرناه عند إسلام عمر (٦). وقال ابن سعد بإسناده عن الشَّعبيِّ قال: دخل خَبَّاب بن الأَرَتّ على عمر بن

стр. 2839

الخطاب، فأجلسه على مُتَّكَئه وقال: ما على وجه الأرض أحدٌ أحقّ بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، فقال له خَبَّاب: مَن هو يا أمير المؤمنين؟! قال: بلال، فقال خَبَّاب: ما هو بأحقّ مني، إن بلالًا كان له من المشركين مَن يَمنعُه الله به، ولم يكن لي أحدٌ يَمنعني، ولقد أخذوني يومًا، فأوقدوا لي نارًا، ثم سَلَقوني فيها، ثم وَضَع رجلٌ رِجلَه على صدري، فما اتَّقيتُ الأرض إلا بظَهْري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد بَرِص (١). وأخرج أبو نعيم بمعناه وفيه: أوقَدوا لي نارًا، ما أطفأها إلا وَدَك ظهري، وكشف ظهره، فقال عمر: ما رأيتُ كاليوم (٢). وقال هشام بن محمد: كانت أمُّ أنمار مَولاة خَبَّاب تَحمي الحديدة وتَضَعُها على رأس خَبَّاب، فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا عليها فاشتكتْ رأسَها، وكانت تَعوي مع الكلاب، فقيل لها: اكتوي، وكان خَبَّاب يَحمي الحديدةَ ويكوي بها رأسَها. وقال الواقدي: الَّذي كان يُعذِّب خَبّابًا عُتبة بن أبي وَقَّاص، أخو سعد، وقيل: الأسود بن عبد يَغوث (٣). وقال أحمد (٤) بإسناده، عن مَسروق، عن خَبَّاب قال: كان لي على العاص بن وائل السَّهْميّ دَينٌ، وكنتُ رجلًا قَينًا، فأتيتُه أتقاضاه فقال: لا والله، لا أَقضيك حتَّى تكفر بمحمد، فقلت له: والله لا أكفر به حتَّى تموت ثم تبعث، فقال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: نعم، قال: سوف أقضيك إذا رجعتُ إلى مالٍ وولد، فأنزل الله تعالى ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] الآية. أخرجاه في الصحيحين (٥)، والعاص هو أبو عمرو بن العاص. وقال أحمد بن حنبل -كان خباب قد اكتوى لأمراض كانت به قال: حدثنا يزيد بن

стр. 2840

هارون بإسناده، عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا خَبّابًا نعودُه، وقد اكتوى في بطنه سَبع كَيّات، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به، فقد طال مرضي. ثم قال: إن أصحابَنا الذين مَضَوا لم تَنْقصْهم الدنيا شيئًا، وإنّا أُعطينا بعدهم من الدنيا ما لم نجد له موضعًا إلا التراب، وكان يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليُؤْجَر في نفقته كلِّها إلا في شيءٍ يجعله في التُّراب. متفق عليه (١). وبه عن خَبَّاب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو مُتوسّدٌ بردائه في ظلِّ الكعبة، فقلنا يا رسول الله، ألا تَستَنصِر لنا؟ فجلس مُحْمرًّا وجهُه وقال: "لقد كان مَن كان قبلكم يُؤخذ فيُجعل المِنشار على رأسه، فيُفْرَقُ فرقتَين، ما يَصرِفه ذلك عن دِينه، وليُتِمّنَّ الله هذا الدين -أو هذا الأمر- حتَّى يسيرَ الرَّاكب ما بين صَنْعاء وحَضْرَمَوت؛ لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه". انفرد بإخراجه البخاري (٢). وروى أبو نعيم بإسناده عن شقيق بن سلمة قال: دخلْنا على خَبّاب نَعوده في مرضه فقال: إن في هذا التّابوت ثمانين ألف درهم، والله ما شَددتُ عليها خيطًا، ولا منعتُ منها سائلًا، ثم بكى، فقيل له: ما يُبكيك؛ فقال: أبكي أن أصحابي مَضَوْا ولم تَنْقُصهم الدنيا شيئًا، وإنا بقينا بعدهم حتَّى ما نجِد مَوضعًا للمال إلا التُّراب (٣). ذكر وفاته: قال ابن سعد بإسناده عن طارق بن شهاب قال: دعا خَبّابًا نَفَرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: أبشرْ أبا عبد الله، إخوانك تَقْدَم عليهم غدًا، فبكى وقال: أما إنه ليس بي جَزَع، ولكن ذكَّرتموني أقوامًا، وسمَّيتُم لي إخوانًا، وإن أولئك مَضَوا وأُجورُهم على الله، أو كما هي، وإني أخاف أن يكون ثوابَ ما تَذكُرون من تلك الأعمال مما أُوتينا بعدَهم (٤). وقال الواقدي: نزل خَبّاب الكوفة حين اختطَّها المسلمون، فأقام بها إلى سنة سبع

стр. 2841

وثلاثين، فلما احتُضر قال لولده عبد الله- وهو الَّذي ذَبحتْه الخوارج في هذه السنة: يا بُنيّ، إذا متُّ فادفِنيّ بهذا الظّهر -يعني ظهرَ الكوفة، وهو أوَّل مَن دُفِن بظَهْرها- قال: يا بُنيّ، فإنك إذا دَفَنْتَني بظَهْرها قال الناس: هذا رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان الناس يَدفنون في جَبابينهم بالكوفة، فدفنوه بظاهر الكوفة، ثم دفن الناس بعد ذلك مَوتاهم بالظَّهر (١). وقد ذكرنا أن أمير المؤمنين لما عاد من صِفين رأى على الظَّهر قُبورًا سبعة أو ثمانية، فقال: ما هذه؟ فقال له قُدامة [بن] العَجْلان (٢): يا أمير المؤمنين، إن خَبّابًا بعد مَخرجِك توفّي، وأوصى أن يُدفَن في الظَّهر، فنزل عليّ وصلَّى عليه، وقال: ﵀، لقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلي في بدنه أحوالًا، فلن يُضيع الله أجرَ مَن أحسن عملًا. وقال الواقدي: عاش خَبّاب ثلاثًا وسبعين سنة، وقيل: ثلاثًا وستين سنة. أسند خباب عن رسول الله ﷺ اثنين وثلاثين حديثًا، أخرج له في الصحيحين ستة أحاديث، اتّفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديث (٣). وليس في الصحابة مَن اسمُه خبّاب بن الأرتّ سواه، فأما خَبّاب غير ابن الأرتّ فثلاثة: خَبَّاب أبو (٤) إبراهيم الخُزاعيّ، له صُحبة وليس له رواية، وقد ذكرناه. [وخَبّاب أبو يحيى، مولى عُتبة بن غَزوان، وخَبّاب والد عطاء، له إدراك]. وأخرج أحمد لخَبَّاب تسعة أحاديث، قد ذكرنا بعضها. ومن مسانيد خباب: قال أحمد (٥) بإسناده عن عبد الله بن خباب، عن أبيه قال: إنا لَقُعودٌ على باب رسول الله ﷺ ننتظر أن يخرج إلى الصلاة للظُّهر، إذ خرج علينا فقال:

стр. 2842

"اسمعوا"، قلنا: سمعنا، فقال: "اسمعوا"، قلنا: سمعنا، قال: "سيكون عليكم أُمراء، فلا تُعينوهم على ظُلمهم، ولا تُصدّقوهم بكذبهم؛ فإنه مَن أعانهم على ظُلمهم، وصدَّقهم بكَذِبهم، فلن يَردِ عليَّ الحوض". وفي أفراد مسلم، عن خَبّاب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ شِدَّةَ الرَّمْضَاء فلم يُشْكِنا. قال شُعبة: يعني في الظُّهر (١). قلت: وبهذا الحديث يحتجُّ الشافعي على أن المصلّي لو سجد على فاضل ثوبه لم يُجزه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، قال أبو حنيفة ومالك: يجوز، وعلى هذا الخلاف لو سجد على كُور عمامته أجزأه عند أبي حنيفة ومالك، وعند الشافعي لا يجوز، واحتجّ بحديث خبّاب، ولأنه سجد على حائل بينه وبين الأرض، وهو حامل له فصار كما لو سجد على يديه، ولأبي حنيفة ما رَوى البخاري عن أنس قال: كنّا نصلي مع النبي ﷺ ، فيضع أحدنا طرفَ ثوبه من شدَّةِ الحرِّ في مكان سجوده (٢). وأما حديث خَبَّاب فقال أبو عبيد: معنى فلم يُشْكِنا، أي: لم يَدَعْنا في الشِّكاية؛ بل أزال عنا ذلك، وهذه لغة العرب (٣)، بخلاف ما إذا سجد على يديه؛ لأن يديه ليسا بمحلّ السّجود. فصل وفيها توفّي خُزَيمة بنُ ثابت ابن الفاكِه بن ثعلبة بن خَطْمَة (٤) عبدِ الله بن جُشَم (٥)، وخُزيمة بن ثابت من الطبقة الثالثة من الأنصار. قال ابن سعد: كان يكسر أصنامَ بني خَطْمَة، وكنيته أبو عُمارة، شهد أُحدًا

стр. 2843

والمشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ ، ويقال له: ذو الشَّهادَتَين، وأُمُّه: كُبَيشَة بنت أوس بن عديّ [بن أميّة بن عامر بن] خَطْمَة أيضًا (١). قال أحمد بإسناده عن عمارة بن خُزيمة الأنصاري، أن عمَّه حدَّثه وهو من أصحاب رسول الله ﷺ : أن النبي ﷺ ابتاع فرَسًا من أعرابيٍّ، فاستَتْبَعَه رسولُ الله ﷺ ليَقْبْضِ ثَمنَه، فأسرع رسول الله ﷺ المَشْيَ، وأبْطأ الأعرابيّ، وطَفِق رجالٌ يَعترضون الأعرابيّ ويُساومونه الفرس، ولا يَشعرون أن رسول الله ﷺ ابتاعَه، حتى زاد بعضهم في الثَّمن، فنادى الأعرابيُّ رسولَ الله ﷺ : إن كُنتَ مُبْتاعًا لهذا الفَرَس وإلا بعتُه، فقال: "أليس قد ابتَعْتُه منك؟ " قال: لا والله، فقال رسول الله ﷺ : "بلى"، فقال: هَلُمَّ شهيدًا، وطَفِق المسلمون يَلوذون برسول الله ﷺ ويقولون: وَيحك، وإن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقًّا، فجاء خُزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد أنك بايَعْتَه، فقال له رسول الله ﷺ : "بم تَشْهد يا خُزيمة ولم تكن معنا؟ " فقال: أشهد بتصديقك، وإنَّا قد آمنَاك على أكثر من هذا، وفي رواية: أنا أُصدِّقُك في خبر السماء، ألا أُصَدِّقُك في هذا؟ فجعل رسول الله ﷺ شهادتَه بشهادةِ رجُلَين (٢). الكلام على الحديث: قال الواقديّ: لم يُسمّ لنا أخو خُزَيمة راوي هذا الحديث، وكان له أخوان: عبد الله، وهو أخو خُزَيمة لأبيه وأُمّه، وأمهما كُبَيشَة، وله عَقِب، والآخر يُقال له: وَحْوَح، ولا عَقِب له (٣). وقال ابنُ لَهِيعة: اسم الأعرابي الَّذي باع الفَرَس: سَوَّار بن قيس المُحارِبيّ. فإن قيل: فالحكم لا يَثبت إلا بشهادة شاهدَين! فالجواب من وجهين: أحدهما: أن رسول الله ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه، وشهادة خُزيمة أكَّدت ذلك، فصار بمنزلة شاهدَين، أو شاهد ويمين في جميع الأحكام. وهذا جواب أبي سليمان الخَطّابي (٤)، لكن إنما يُخرَّج على قولِ مَن يَرى أن الحُكم يَثبت بشاهد وَيمين، وَيرى أن الحاكم يحكم بعلمه.

стр. 2844

والثاني: أن رسول الله ﷺ كان مخصوصًا بذلك، فحينئذٍ لا خلاف. وقال الواقدي: شهد خُزَيمة يوم مُؤْتَه فقال: بارزتُ رجلًا فأصبتُه، وكان على رأسه بَيضة فيها ياقوتةٌ حمراء، فأخذتُها وأتيتُ بها النبي ﷺ ، فَنَفَلَنيها، فبعتُها في زمن عمر بن الخطاب بمئة دينار، فاشتريتُ بها حديقةَ نخلٍ في بني خَطْمَة (١). ذكر وفاته: عامة العلماء على أنَّه قُتل بصفين. قال سيف: مات في أيام عثمان، وهو وهم منه. قال أحمد بن حنبل بإسناده، عن محمد بن عُمارة بن خُزَيمة بن ثابت قال: ما زال جدّي مع علي ﵇ بصفّين كافًّا سلاحَه - وكذا كان يوم الجمل - حتَّى قُتل عمار يومَ صفين -أو بصفّين - فقال خزيمة: الله أكبر، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لعمار: "تقتلُك الفِئةُ الباغية"، فسَلّ سيفَه، فقاتل حتَّى قُتل (٢). ورواه ابن عبد البر قال: فدخل فُسطاطه فاغتسل، ثم لبس سلاحَه وقال: قد بأن لي الأمر، ثم حمل فقاتل حتَّى قُتل، وهو ابن سبع وسبعين سنة (٣). وكذا حكى جدي ﵀ في "المنتظم" (٤) عن الواقدي أنَّه قال: شهد خُزيمة صفّين مع علي ﵇ وقُتل يومئذ، وكانت يوم الفتح رايةُ بني خَطْمَة مع خزيمة. وكان له من الولد عبد الله ومحبد الرحمن وعُمارة، وأمُّهم جَميلة بنت زيد، وقيل: أمُّ عُمارة: صَفيّة بنت عامر (٥). أسند خُزيمة عن رسول الله ﷺ أحاديث، وأخرج له أحمد منها سبعة، وليس في الصحيح سِوى حديث واحد، انفرد بإخراجه مسلم، وهو في مُسند أسامة بن زيد لاشتراكهما في روايته (٦).

стр. 2845

وروى خزيمة عن علي ﵇ وجماعة من الصحابة، وروى عنه جابر بن عبد الله وابناه عبد الله وعُمارة في آخرين. وليس في الصحابة مَن اسمُه خُزَيمة بن ثابت غيره. وقال أحمد بإسناده عن خُزَيمة بن ثابت: أنَّه رأى في المنام أنَّه يُقَبِّل النبي ﷺ ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره بذلك، فناوله النبي ﷺ فقتل وَجْهه. وفي رواية أحمد أيضًا: أن خزيمة رأى في منامه كأنه سَجد على جَبهةِ رسول الله ﷺ ، فأخبر رسول الله وفقال: "صدقتْ رُؤياك"، واضطجع، فسجد خُزَيمة على جبهة رسول الله ﷺ (١). وفيها توفي ذو الكَلَاع وكُنيته أبو شُرَحْبيل، وقيل: أبو شَراحيل الحِميريّ، وهو ابن عمّ كعب الأحبار، وقد ذكره الجوهريُّ فقال: ذو الكَلاع بالفتح: اسم مَلِكٍ من ملوك اليمن من الأَذْواء، قال: والكَلَع شُقاقٌ يكون في القَدَم (٢). وقال ابن مَنْده: أدرك ذو الكَلاع رسول الله ﷺ وكان في زمانه، ولم يره، وراسله بجرير بن عبد الله البَجَلِيّ. قلت: وقد قرأتُ على شيخنا الموفق ﵀ من كتاب "التوَّابِين" عن الأصمعيّ قال: كان رسول الله ﷺ قد كاتب ذا الكَلاع من ملوك الطّوائف على يد جرير بن عبد الله، يدعوه إلى الإسلام، وكان قد استَعْلى أمرُه حتَّى ادَّعى الرُّبوبيَّة، وأُطيع، حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ قبل عَودة جرير، وأقام ذو الكَلاع على ما هو عليه إلى أيام عمر، ثم رَغِب في الإسلام، فقدم على عمر ومعه ثمانيةُ آلاف عبد، فأسلم على يده، وأعتق منهم أربعة آلاف، فقال له عمر: بِعْني ما بقي وأعطيك ثُلُثَ أثمانهم باليمن، وثُلثًا

стр. 2846

بالشام، وثُلثًا هاهنا، فقال: أَجِّلْني يومي حتَّى أُفَكِّر، ومضى إلى منزله فأعتق الجميع، فلما غدا على عمر قال له: ما رأيك فيما ذكرته لك؟ فقال: قد اختار الله لي ولهم خيرًا مما رأيتَ. قال: وما هو؟ قال: هم أحرار لوَجْهِ الله تعالى. فقال له عمر: أصَبْتَ. ثم قال: يا أمير المؤمنين، لي ذنبٌ ما أظنّ اللهَ يَغفِرْه لي. قال: وما هو؟ قال تَواريتُ عمّن يَتعبَّدُ لي، ثم أشرفتُ عليهم من مكانٍ عالي، فسجد لي زُهاء عن مئة ألف إنسان، فقال له عمر: التوبةُ بالإخلاص، والإنابَةُ بالإقْلاع، يُرجَى بهما مع رَأفةِ الله الغُفران، قال الله تعالى ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الْذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٥٣] (١). وذكر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" زيادةً على هذا، عن يزيد بن هارون قال: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين، فبعث إليه عمر ليَشتريَهم ليَستعينَ بهم على عدوِّ المسلمين، فأعتقهم ذو الكَلاع في ساعةٍ واحدة (٢). وقرأت أيضًا على الموفَّق من كتاب "التوابين" قال: ذكر محمد بن أحمد بإسناده عن علوان بن داود، عن رجل من قومه قال: بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكَلاع، فأقمت على بابه سَنَةً لا أصِلُ إليه، ثم اطَّلع من قصره، فلم يبق مِن حول القصر إلا مَن خَرَّ له لساجدًا، ثم أمر بهديَّتي فقُبِلَتْ. ثم رأيتُه في الإسلام قد اشترى لحمًا بدرهم، وسَمَّطه على فرسه وهو يقول: [من الرمل] أُفٍّ للدُّنيا إذا كانت كذا … كلَّ يومٍ أنا منهما في أَذَى ولقد كنتُ إذا ما قيل مَن … أنعمُ النَّاس معاشًا قيلَ ذا ثم بُدّلْتُ بعيشي شِقْوَةً … حَبَّذا هذا شَقاءً حَبَّذا (٣)

стр. 2847

وذكره أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" وقال: عن جرير بن عبد الله قال: بَعثني رسول الله ﷺ إلى ذي كَلاع وذي عَمرو، فأسلما، وقال لي ذو كلاع: ادخُل على أُمّ شُرَحْبيل، ووالله ما دخل عليها أحدٌ بعد أبي شُرَحبيل قبلك. وقال أيضًا عن جرير: فلقيت ذا كَلاع وذا عمرو، فجعلتُ أُحدِّثُهما عن رسول الله ﷺ ، فأقبلا معي، حتَّى إذا كنا ببعض الطريق رُفِع لنا رَكْبٌ من نحو المدينة، فسألناهم فقالوا: قُبِضَ رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر، فرَجَعا إلى اليمن وقالا: أخبرْ صاحبَك أنّنا سنعود (١). وقال هشام بن محمد: خرج ذو كلاع إلى الشام مجاهدًا بأهله وماله في أيام عمر، واتَّفق قتلُ عثمان بن عفان، فانضاف إلى معاوية، فقدَّمه على جيوشه، وكان شُجاعًا جَوادًا. وحكى ابن عساكر قال: قال معاوية لذي الكلاع: قُمْ فاخطُب الناس، وحرِّضْهم على قتال علي وأهل العراق، فقعد على فرسه، وكان من أعظم أصحاب معاوية خَطَرًا؛ فحمد الله وأثنى عليه وذكر كلامًا طويلًا اختصرتُه، فمنه أنَّه قال: وقد كان من قضاء الله تعالى وقَدَرِه أنَّه جمع بيننا وبين أهلِ ديننا بصفّين، وإنا لنَعلم أن منهم قومًا قد كانت لهم سَوابِقُ مع رسول الله ﷺ ذات شأنٍ وخَطَرٍ عظيم، ولكنّا قَلَّبنا هذا الأمر ظهرًا وبَطْنًا؛ فلم يَسَعْنا أن نَهْدِرَ دمَ عثمان، فإن كان أذنَبَ ذنبًا فقد أذنبَ مَن هو خيرٌ منه؛ قال الله تعالى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، واستغفر فغُفِر له، وقتل موسى نَفْسًا، واستغفر فغُفِر له، وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿لِيغفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، فلم يَعْرَ أحدٌ من ذنب، وإنا لنعلم أنَّه قد كانت لابن أبي طالب [سابقة] حَسَنة مع رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن قد مالأ على عثمان فقد خَذَلَه، وإنه لأخوه في دينه وابن عمّه وابن عَمته، وها هو قد أقبل في أهل العراق حتَّى نزل بساحتكم، ووَطِئ بيضَتَكم، وإنما عامة الذين معه بين قاتلٍ وخاذل، فاستعينوا بالله واصبروا، فقد ابتُليتُم أيتها الأمة، والله لقد رأيتُ في هذه الليلة في منامي كأنا نحن

стр. 2848

وأهل العراق قد اعتَوَرْنا مُصحَفًا، ونحن نضربه بأسيافنا وهو يصيح: الله الله. اللهمَّ أنزِلْ علينا النصر، وأفرغ علينا الصبر (١). وذكر ألفاظًا أُخَر. وحكى ابن عساكر أيضًا، عن أبي نوحٍ الحِميريّ قال: إني لواقفٌ يوم صفّين في عسكر أمير المؤمنين، إذ نادى رجلٌ من أهل الشام: مَن يَدُلُّني على أبي نوحٍ الحِميريّ؟ فقلتُ: أنا أبو نوح، فمن أنت؟ فقال: ذو كَلَع، فسِرْ إليّ، فقلت: مَعاذ الله أن أَسيرَ إليك إلا في كتيبة، فقال: لا بأس عليك، أنت في ذِمَّة الله وذِمَّتي، إنما أُريد أن أسألك عن أمر، قال: فسرتُ إليه فقال: حدثني عمرو بن العاص في أيام عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "يلتقي أهلُ العراق وأهلُ الشام، في إحدى الكتيبتين الحقُّ، ومعهما عمار بن ياسر"، أفيكم عمار بن ياسر؟ قال فقلت: إي والله هو معنا، قال أجادٌّ هو في قتالنا؟ قلت: إي وربّ الكعبة، وإنه يَودُّ لو أنكم حَلْقٌ واحد فذَبَحه. قال ابن عساكر: وكان ذو كَلاع قد سمع من عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفِئة الباغية"، فكان يوم صفين يقول لعمرو: وَيحك يا عمرو ما هذا؟ فيقول عمرو: سيرجع إلينا عمار، فقُتل ذو الكَلاع وعمار في يوم واحد، قتل ذو الكَلاع أولًا. قال: وكان معاوية خائفًا منه أن ينتقل إلى عسكر علي ﵇، فقيل لمعاوية: قُتل ذو كلاع وعمار، فقال معاوية: لا أدري بم أُسَرّ، بقتل عمار أو بذي كلاع؟! وإني لأشدُّ فرَحًا بقتله من فتح مصر، لأنه كان يعترض عليّ في أشياء، وكان ميلُه إلى علي. وقال ابن عساكر أيضًا: ولما قُتل ذو كلاع دخل ابنُه عسكر أمير المؤمنين، فوجده مَربوطًا برِجْله بطُنُبٍ إلى جانب فُسطاط، وكان مع ابنه عبدٌ أسود وبَغْل، فقال: يا أهل الفُسطاط، أتأذلْون لنا في حمله -وكان سمينًا قد انتَفَخ- فأَذِنوا له، ولم يساعدوهم عليه فقال ابنُه: ألا فتى مِعْوانٌ على الخير؟ فخرج إليه رجل من أصحاب أمير المؤمنين يقال له: الخندق، فقال: تَنَحّوا، فقال ابنه: ومَن يَحمله؟ فقال الخندق: الَّذي قتله، ثم احتمله حتَّى رمى به على ظهر البغل، فانطلقا به إلى عسكر الشام.

стр. 2849

وقيل: إنما قتله هاشم المِرقال، وسنذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى. وقال ابن عساكر: أسند ذو الكلاع الحديث عن عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وعوف بن مالك. وروى عنه: زامِل بن عَمرو الجُذَامِيّ، وأبو نوح الحِميريّ، وغيره. وسكن حمص، وكان له بدمشق حَوانيت عند باب الجابية من الجانب القِبلي، قال: وشهد وَقْعةَ اليرموك، وفَتْحَ دمشق (١). وفيها توفي سُحَيْم عَبدُ بني الحَسْحاس كان عَبْدًا حبشيًّا أدرك الجاهلية. قال الزبير بن بَكَّار: اشتراه عبد الله بن عامر (٢)، وأهداه إلى عثمان بن عفان وكتب إليه: إني قد ابتعتُ لك غلامًا حبشيًّا شاعرًا، فردّه عثمان عليه وكتب إليه: لا حاجةَ لي به؛ فإنما قُصارى العبد الشاعر إنْ شَبع شَبَّب بنساء مواليه، وإن جاع هجاهم، فباعه ابن عامر، فاشتراه رجل من بني الحَسْحاس، وكان سُحَيم أعجميَّ اللسان. وقال الزبير بن بكَّار: كان سُحيم يهوى ابنةَ مولاه، واسمها عُمَيرة بنت أبي مَعْبد، وكتم حبّها، فخرج مولاه أبو مَعْبد في سفر، وخرج به معه، فقال سحيم: [من الطويل] عُميَرةَ وَدِّعُ إن تَجَهَّرتَ غازِيا … كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهِيا وأفْحَش فيها فقال: وبِتْنا وسادانا إلى عجَانَةٍ … وحِقْفٍ تَهاداه الرِّياح تهاديا تُوسِّدني كفًّا وتَثْني بمِعْصَمٍ … عليَّ وتحوي رِجلَها من وَرائيا وهَبَّت شَمالٌ آخرَ الليلِ قَرَّةٌ … ولا يُرْدَ إلا دِرْعُها وردائيا (٣)

стр. 2850

وقرأتُ على عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد بن الطُّوسي كتاب "اعتِلال القلوب" لأبي بكر الخرائطي قال: حدثني أبو يوسف الرهري قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لما ذهب أبو مَعْبَد بسُحيم إلى المدينة ليبيعه -قال: وفي رواية. كان سُحيم عبدًا فباعه مولاه- فقال: [من الطويل] وما كُنْتُ أخشى مَعْبدًا أن يَبيعَني … ولو (١) أصحبتْ كفَّاه من ماله صُفْرا أخوكم ومَولاكم وكاتم سِرِّكم … ومن [قد] ربا فيكم وعاشَركم دَهْرا أشوقَا ولما يمضِ (٢) لي غيرُ ليلةٍ … فكيف وقد جدَّ المَطِيُّ بنا عَشْرا وفي غير رواية الخرائطي: فرقّ له مولاه ورَدّه، ثم إنه عَشِق امرأةٌ من أهل بيت مولاه، فأخذوه وأحرقوه. وقال ابن قتيبة: سَقَوه الخمر، وعرضوا عليه نِسوة، فلما موَّتْ به التي كان يُشير إليها، ويُتَّهم بها، أهوى إليها، فقتلوه (٣). وسُحَيْم هو الَّذي دخل على عمر بن الخطاب فأنشده: [من الطويل] عُمَيرَةَ وَدِّع إن تَجَهَّزْتَ غازيا … كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهِيا فقال له عمر: لو قدَّمْت الإسلام على الشَّيب لأجَرْتُك، فقال: يا أمير المؤمنين، الرويُّ والقافية ألجاني إلى هذا، فأجازه. وفيها توفي عبد الله بن الأرْقَم ابن عَبْدِ يَغوث [بن وَهْب] بن عبد مَنَاف بن زُهْرَة، أسلم يوم الفتح، وكتب لرسول الله ﷺ جوابَ كتاب فأعجبه، وكتب لأبي بكر وعمر. وقال هشام: وَرَد على رسول الله ﷺ كتابٌ فقال: "مَن يُجيب عنه؟ " فقال ابن

стр. 2851

الأرقم: أنا، فأجاب فوافق ما كان في خاطر النبيِّ ﷺ ، وبقي ذلك في قلب عمر، فلما وَلي استعمله على بيت المال، وكان عمر يقول: ما رأيتُ أخشى لله منه. وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن جعفر، عن أمِّ بكر بنت المِسْوَر، عن أبيها قال: وَلّى عمر عبد الله بنَ الأرقم الزُّهري بيتَ مال المسلمين، وكان عمر يَستَسلِفُ من بيت المال، فإذا خرج العَطاءُ جاءه عبد الله يتقاضاه فيقضيه، فلما ولي عثمان أقرّه على بيت المال، وكان يستسلف منه ثم يقضيه، فاجتمع عند عثمان مالٌ كثير، وحضر وقت العطاء، فقال لعثمان: أدّ المال الَّذي استسلفتَ، فقال له عثمان: وما أنت وذاك؛ إنما أنت خازني، فخرج عبد الله، فصَعِد المنبر، وصاح بالناس فاجتمعوا، فأخبرهم بما قال عثمان، ثم قال: هذه مفاتيح بيتِ مالكم، فألقاها وذهب (١). ولما ردَّ المفاتيح استخزن عثمانُ زيد بنَ ثابت على بيت المال. وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن الأرقم غيره، وله صُحبة ورواية (٢). وفيها توفِّي عبد الله بن بُدَيْل ابن وَرْقاء الخُزاعي، وأبوه بُدَيْل هو الَّذي كان سببَ فتح مكة، وقد ذكرناه (٣). وقال هشام بن محمد: قُتل ابنُ بُدَيْل يوم صفّين مع علي ﵇، وقُتل معه أخوه عبد الرحمن، وكانا من رؤوس القُرَّاء، ولما مرّ عليهما أمير المؤمنين بكى وتأسّف عليهما، ومرّ معاوية بعبد الله بن بُدَيل، فأراد أن يُمثِّل به، فنهاه عبد الله بن عامر، وغطَّاه بعمامته، وقال: هذا سيِّد خُزاعة غيرَ مُدَافَع. وقال هشام: قتلَه حُمران مولى عثمان بن عفان (٤).

стр. 2852

وفيها توفي عبد الله بن الحارث أخو الأشتر النَّخَعي، كان شجاعًا جوادًا، أفنى خلقًا من أهل الشام حتَّى قتلوه. وفيها توفي عبد الله بن خَبّاب بن الأَرَتّ وُلد في حياة رسول الله ﷺ ، وكان مَوصوفًا بالخير والصّلاح، قتلته الخوارج بالنّهروان، وقد ذكرناه. وروى أبو بكر الخطيب قصَّتَه بإسناده إلى أبي الأحوص، وفيها زيادة، قال أبو الأحوص: كنا مع علي يوم النّهر، فجاءت الحَروريّة فنزلت من وراء النهر، فقال علي: والله لا يُقتَل اليومَ رجلٌ من وراء النَّهر -قالها ثلاثًا- فقالت الحرورية: يرى عليٌّ (١) أنّا نخافه، فذهبوا إلى منزل عبد الله بن خَبَّاب، وكان منزله على شطِّ النهر، فأخرجوه من منزله وقالوا: حدَّثنا بحديثٍ حدَّثَك به أبوك سمعه من رسول الله ﷺ ، فحدّثهم حديثَ الفتنة الَّذي ذكرناه، فذبحوه، وبَقَروا بطنَ أمِّ ولده. فأُخبر أميرُ المؤمنين بما صنعوا فقال: الله أكبر، نادوهم: أَخْرِجوا إلينا قاتلَ عبد الله بن خَبّاب، فقالوا: كلُّنا قتلَه -قالوها ثلاثًا- فقال علي ﵇ لأصحابه: دونكم القوم فقتلوهم (٢). وفيها توفي عبد خَيْر بن يَزيد الخَيْرانيّ الهَمْداني ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقال: وقُتل عبد خَيْر بن محمد بن خولي من ولد كَهلان بن سَبأ، وكُنيته أبو عُمارة (٣).

стр. 2853

واختلفوا في وفاته، قال الهيثم: قُتل بصفّين، وقال أبو القاسم بن عساكر: عاش إلى سنة أربع عشرة ومئة، وأدرك زمان رسول الله ﷺ ولم يَلْقَه (١)، وكان ثقةً، عاش عشرين ومئة سنة، روى أحاديث. وحكى ابن عساكر عن البخاري أنَّه قال: قيل لعَبْد خَير: كم أتى عليك؟ فقال: عشرون ومئة سنة، كُنْتُ غلامًا باليمن، فجاءنا كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلم أبي وأهلي وأنا (٢). قال: وحكي أنَّه حضر مع علي ﵇ النَّهرَوان. وروى عن علي أخبارًا كثيرة، وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وحَبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن السائب، وإسماعيل السُدِّي في آخَرين. وفيها توفي عُبيد الله بن عمر بن الخَّطاب وكنيته أبو عيسى، أدرك رسولَ الله ﷺ ، وقُتل في اليوم الَّذي قُتل فيه عمار بن ياسر. وقال ابن سعد: وأمُّه أمّ كُلثوم بنت جَرْوَل بن مالك، خُزاعية (٣). وكان الإسلام قد فَرَّق بين عمر وبين أمّ كلثوم بنت جَرْوَل. وأخوه لأمّه وأبيه زيد الأصغر، وأخوهما لأمهما عُبيد الله بن أبي جَهْم بن حُذَيفة بن غانِم. وقال أبو نُعيم: ضرب عمر ابنَه عبيد الله بالدِّرَّة، وقال: إنه كني بأبي عيسى، أوَكان لعيسى أب؟ إنما كنيةُ العرب: أبو سلمة، أبو قتادة ونحوه، وليس هذا من كُنى العرب (٤).

стр. 2854

وحكى ابن عساكر: أن عُبيد الله سبّ المقداد بن الأسود، فأراد عمر أن يقطع لسانه، وقال: لئلّا يَجترئ أحدٌ بعده على أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوه فيه فتركه (١). وقد ذكرنا عبيد الله في قَتْلِ الهُرْمُزان وجُفَيْنَة وبنت أبي لُؤلؤة، وأن عثمان أراد قتلَه، ثم وَدَى عثمان الهرمزان. وأقام عبيد الله بالمدينة وعلي ﵇ يَتهدَّدُه، فلما قُتل عثمان هرب عُبيد الله إلى معاوية فجعله على أَعِنَّةِ الخيل، فقُتل معه بصفِّين. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، فيمن وُلد على عهد رسول الله ﷺ (٢). وقال الواقدي: التقى عمار بعُبيد الله يوم صفّين، فقال عبيد الله: أنا الطيِّبُ بن الطيب، فقال عمار: كذَبْتَ، بل أنت الخبيث بن الطيب. قال: وبلغنا أن عبيد الله قطع أُذُن عمار يؤمئذ، قال: والثَّبْتُ عندنا أن أُذُن عمار قُطعت يوم اليمامة (٣). قال: وأقرع معاوية بين الناس بصفين، فخرج سَمهْمُ عبيد الله بن عمر على ربيعة، فبرز إليها، وأحضر امرأتَيه للقتال لينظرا إلى قتاله، وكان عنده أسماء بنت عُطارد بن حاجب بن زُرارة التميمي، وبَحريّة بنت هانئ بن قَبِيصَةَ الشَّيباني، ودفع إليه معاوية الكَتيبة الشَّهباء، وكانت أشدَّ العَسكر، فيها اثنا عشر ألفًا، فقال له بعض مواليه: إنما يُقَدِّمُك معاوية إلى الموت، لأنك قد ثَقُلْتَ عليه، فإن قُتلتَ استراح منك، وإن ظَفِرتَ كان الصِّيتُ له. وقالت له بَحريّة: قد فشا ذِكرُك في الناس، وقد حسدك معاوية، وهذا أمر قد أبرَمَه هو وعمرو بن العاص، وهذه الكتيبة مثل التابوت، ما تَقَدَّمَها أحدٌ فرجع. فلم يلتَفِتْ إليها، وتقدَّم إلى ربيعة وعليها يومئذ زياد بن خَصَفة التَّميمي، فشَدَّت ربيعة على الكتيبة الشهباء، فأنكت فيها فانهزمت، وقتلوا عبيد الله، وضُرب فُسطاط زياد بن

стр. 2855

خَصَفة، فبقي طُنْبٌ ماله وَتد، وعبيد الله قتيلٌ هناك، فشَدُّوا الطُّنب في رِجل عبيد الله. وأقبلت امرأتان فوقفتا عليه، وصرختا وبكتا، فقال زياد: مَن هاتان؟ قالوا: أسماء وبَحرِيَّة، قال: وما يطلبان؟ قالوا: جيفَةَ عُبيد الله، فأرسل إلى أمير المؤمنين يَسألُه في ذلك، فقال: إنما هي جيفة كلب، لا يحلُّ بَيعُها، فدفعه إليهم، فحملوه على بَغْلٍ، فذكروا أن يَدَيه ورجلَيه كانتا تَخطُّان الأرض، قال: وسُرَّ معاوية بقتله، كما سُرَّ بقتل ذي كَلَع. قال الواقدي: ولما حُمل خرج معاوية ومعه سرير، فتلقّاه وحمله عليه، وجعل يبكي ويقول: قُتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم فترحَّموا عليه، ثم حفر له وصلّى عليه ودَفَنَه. وفي رواية ابن سعد عن الواقديّ قال: فلما سمعت بَحرِيّة كلامَ معاوية قالت: أما أنت فقد عَجَّلْتَ يُتْمَ وَلَدِه، وذهابَ نَفْسه، ثم الخوف عليه لما بعد أعظم، فقال معاوية لعمرو: ألا تسمع ما تقول هذه؟ فقال له عمرو: إن لم تُغْضِ عما ترى كنتَ من نفسك في غَمّ، لقد قال الناس فيمن هو خيرٌ منك، فقال معاوية: هذا والله رأي الَّذي ورثتُه عن أبي. وقال أبو اليقظان: قيل لأمير المؤمنين هذا عبيد الله بن عمر عليه جُبَّةُ خَزٍّ، وفي يده مِسواك، وهو يقول: سيعلم عليٌّ إذا التقينا غدًا. فقال علي: دعوه فإنما دَمُه دم عصفور. وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: مرّ الحسن بن علي في الليل على رجلٍ من هَمْدان، وعنده قتيلٌ قد شَدَّ مِقوَدَ فرسعه برجله، فقال: مَن هذا؟ قال: لا أدري، فنزل الحسن فتأمَّله، فإذا به عبيد الله بن عمر، فجاء فأخبر أميرَ المؤمنين، فنفَّله سَلَبه، وكان يساوي أربعة آلاف درهم. واختلفوا في قاتله؛ فحكى ابن سعد عن الواقدي أنَّه قال: قد اختُلف علينا في قاتل عبيد الله بن عمر، فقيل: قتله عمار، وقيل: رجل من بني حَنيفة، وقيل: رجل من هَمْدان، وقيل: الأشتر النَّخَعي، وقيل: المرقال في آخرين. وقيل: إن أمير المؤمنين قتله، فحكى المسعوديّ قال: ضربه أمير المؤمنين ضربةً بالسيف، فقطعت ما عليه من الحديد، وخالطت حُشْوَة جوفه فقتلته، وكان علي ﵇ يقول: لئن فاتني الفاسق يومَ الهرمزان؛ فما فاتني يوم صفين.

стр. 2856

وقال هشام: وقع عبيد الله إلى الأرض وبه رَمَق، فرآه المِرقال هاشم بن عُتبة وهو جريح، وكان قريبًا منه، شدبّ إليه، فقبض على ثُنْدُوَتِه بأسنانه حتَّى مات (١). وحكى أبو الفرج الأصفهاني في "مقاتل الطّالبيين" قال: خرج عُبيد الله بن عمر في كتيبة يُقال لها: الخضراء، وكان بإزائه محمد بن جعفر بن أبي طالب، وبيده راية أمير المؤمنين، ويقال لها: الجموح، وكانا في عشرة آلاف، فاقتتلوا قِتالا شديدًا، فصاح عبيد الله بن عمر: فحتى متى هذا الحَذَر؟ ابرز إلي حتَّى أُناجزك، فبرز إليه محمد، فتَطاعنا حتَّى تكَسَّرت رماحهما، ثم تضاربا حتَّى انكسر سيفُ محمد، ونشب سيف عبيد الله في الدَّرَقة، فتعانقا، وعضّ كلُّ واحد منهما [أنفَ] صاحبه، فوقعا عن فرسيهما، وحمل أصحابهما فقتل منهما خلقٌ كثير، حتَّى صار عليهما مثل التَّلِّ العظيم من القتلى. وحمل أمير المؤمنين فأزال أهلَ الشام وقال: اكشفوا لي هؤلاء القَتلى عن ابن أخي، فكشفوهم، وإذا بهما مُتعانقان ميّتان، فقال علي ﵇: والله لَعَنْ غير حُبٍّ تعانقتما. ثم قال أبو الفرج الأصفهاني: وهذه رواية الضَّحاك بن عثمان، ولم أعلم أن أحدًا من أهل السِّير ذكر أن محمد بن جعفر قَتَل عُبيد الله بن عمر، ولا سمعتُ لمحمد بن جعفر في كتاب أحدٍ منهم ذكر مَقتل. ثم قال أبو الفرج: واختلفوا في قاتله؛ فقالت هَمْدَان: قتله هانئ بن الخطَّاب، وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو النَّاطِفي (٢)، وقالت بكر بن وائل: قتله رجل من تَيْم الله بن ثَعلبة يُقال له: مالك بن الصَّحْصَح بصري، وأخذ سيفَه ذا الوِشاح، فلما بويع لمعاوية بعث إليه إلى البصرة فأُخِذ منه، وكان سيفًا لا يُوجد مثله. وقال ابن منده: لا يُعرف لعبيد الله بن عمر مسند يَصحّ.

стр. 2857

وقال الموفّق ﵀: ولد على عهد النبي ﷺ ، ولا يُحفَظُ له رواية، ولا سمع منه، وكان من أَنْجاد قريش وفُرسانهم (١). ذكر أولاده: قال ابن سعد: كان له من الولد: أبو بكر وعمر وعثمان ومحمد (٢) وأمّ عثمان، وأمُّهم أسماء بنت عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدُس التّميمي. والحُرّ بن عبيد الله لأمِّ وَلَد. وأمُّ عَبْس بنت عبيد الله، وأمها تَهْلُل بنت يزيد بن عَمرو بن عُدُس، من بني البَكّاء. وحَفْصة بنت عبيد الله، وأمّها أسماء بنت زيد بن الخَطّاب أخي عمر. وأم سلمة بنت عُبيد الله، وأمها تَهْلُل بنت يزيد، وقيل: أمّها أسماء بنت عُطارد. وأتم حكيم لأمّ ولد. وكان لعبيد الله ابنةٌ تزوَّجها المختار بن أبي عُبيد، فوَلَدت له رجُلين، وأمها أمّ وَلَد (٣). انتهت ترجمة عبيد الله. وفيها توفي عمار بن ياسر ابن عامر بن مالك، ونسبه ابن سعد (٤) إلى يَعرب بن قَحْطان. وعمّار حَليفُ بني مَخزوم، وكنيته أبو اليَقظان، وكان جَدُّه مالك من رَهْط الأسود العَنْسِيّ. وقال البَلاذُري (٥): عَنْس بالنون، وكان عنْس يُسمَّى زيدًا، وكُنية ياسر أبو عمار. وقال ابن سعد: قدم ياسر وأخواه الحارث ومالك (٦)؛ بنو عامر من اليمن إلى مكة،

стр. 2858

يريدون أخًا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحال أبا حُذَيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، فزوّجه أبو حُذَيفة أَمَةً له يُقال لها: سُمَيّة بنت خُيّاط، فولَدت له عمارًا، فأعتقه أبو حُذَيفة، ولم يزل ياسر وعمار مع أبي حُذَيفة حتَّى مات، وجاء الإسلام فأسلم ياسر وعمار وسُميَّة وأخوه عبد الله بن ياسر. قال: وكان لياسر ابن آخر أكبر من عمار يُقال له: حُرَيث، قتلَتْه بنو الدِّيل في الجاهلية. قال: ومات ياسر، فخلف على سُميَّة بعده الأزْرَق، غلامٌ رومي للحارث بن كَلَدة الثّقفي، وكان قَيْنًا، وهو ممّن خرج من الطائف إلى رسول الله ﷺ مع أبي بَكْرة، فأعتقهم رسول الله ﷺ . فولدت سُمَيّة للأزرق سَلَمة بن الأزرق، فهو أخو عمار لأمِّه، وكانت سمية ممن تُعَذّب في الله لتَرجعَ عن دِينها فلم ترجع، فمرّ بها أبو جَهْل، فطعنها بَحرْبَةٍ في قُبُلها فماتت، فهي أوّلُ شهيدةٍ في الإسلام، وكانت عجوزًا كبيرة، وقد ذكرناها في السيرة. قلت: وقد تشتبه أمُّ عمار بسميّة أم زياد بن أبيه من حيث جرى للحارث بن كَلَدة في تزويجها بغُلامه الرومي ذكر، والفرقُ بينهما أن سمية أم عمار كانت في الجاهلية لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وسمية أمّ زياد كانت أمَةً للحارث بن كَلَدة المخزومي، وكانت من البغايا بالطّائف، وكان لها رايةٌ مثل رايةِ البيطار تُعرَف بها، وسنذكرها في سنة أربع وأربعين عند استلحاق معاوية زيادًا. ذكر صِفة عمار: قال علماء السير: كان شيخًا آدَمَ طُوالًا، أشْهَلَ العَينين، بعيدَ ما بين المَنْكِبَين، ولا يُغيِّر شَيبه. وروى أبو نعيم، عن خالد بن سُمَيْر قال: كان عمار طويلَ الصّمت، طويل الحُزنِ والكآبة، وكان عامّة كلامه عائذًا بالله من فتتة (١). قال: وعرضت بعد ذلك فتنةٌ عظيمة.

стр. 2859

ذكر إسلامه: حكى ابن سعد عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه قال: قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فقال ما تريد أنت؟ قال: فقلت: أريد أن أدخل على محمد فأسمع كلامه، فقال: وأنا أريد ذلك، فدخل على رسول الله ﷺ ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكَثْنا يومنا على ذلك حتَّى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون، فكان إسلامُ عمار وصهيب بعد بضعة وثلاثين رجلًا. ذِكرُ نبْذَةٍ من فضائله: قال علماء السِّيَر: عمّار من الطبقة الأولى من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهِجرَتَين، وقيل: الثانية، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، ولم يشهد بدرًا مَن (١) أبواه مؤمنان سواه، وشهد اليَمامة، وقُطعت أذُنه فيها، وكان من المُسْتَضعَفين الذين يُعَذّبون في الله تعالى ليَرجع عن دينه. وقال ابن سعد بإسناده عن عمرو بن مَيمون قال: أحرق المشركون عمارًا بالنار، فكان رسول الله ﷺ يَمرُّ به ويُمِرُّ يدَه على رأسه يقول: "يا نار كوني بَرْدًا وسلامًا على عمار، كما كنتِ بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم، يا عمار تقتلُك الفِئةُ الباغية". وفي رواية ابن سعد أيضًا بإسناده عن عثمان قال: أقبلتُ أنا ورسول الله ﷺ إلى البَطْحاء، وأبو عمار وأمُّه وعمار وهم يُعذَّبون، فقال يا سر: الدَّهرُ هكذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "اصبروا يا آل ياسر فإن مَوعدَكم الجنّة، اللهمَّ اغفر لآل ياسر وقد فعلتَ" (٢). وقال أبو نُعَيم بإسناده عن عُبيد الله بن عمرو بن محمد بن عَمّار قال (٣): أخذ المشركون عمار بنَ ياسر، فلم يَدَعوه حتّى سَبَّ رسولَ الله ﷺ . وفي رواية: ذكر آلهتَهم بخير، ونال من رسول الله ﷺ ، فلما أتى رسول الله قال له:

стр. 2860

"ما وراءك؟ " قال: شَرٌّ، وأخبره فقال: "كيف تَجِدُك؟ " أو "كيف تجد قلبَك؟ " فقال: مُطمئنًّا بالإيمان، قال: "فإن عادوا فعُدْ". وفي رواية: ثم أنزل الله ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيِمَانِ﴾ [النحل: ١٥٦]. وقد أخرج ابن سعد عن الواقدي، عن أشياخه بمعناه وقال: قال المشركون لعمار: لا نَدَعُك حتَّى تقول: واللّات والعُزّى خيرٌ من دين محمد، وتهدَّدوه بالقتل، فقالها فتركوه، فلما جاء إلى رسول الله ﷺ قال له: "أفلح وجهك" فقال والله ما أفلح، وأخبره الخبر فنزل فيه ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيِمَانِ﴾ ففي عمار نزلت هذه الآية (١). وحكى عن ابن عباس قال: وفي عمار نزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ أَانَا اللِّيلِ﴾ الآية [الزمر: ٩]. قال: وعمار أول مَن بنى مسجدًا لله تعالى يُصلّى فيه (٢). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵇ قال: جاء عمار يَستأذن على النبي ﷺ فقال: "ائذَنوا له، مرحبًا بالمُطَيَّب" (٣). وقال الترمذي (٤) بإسناده عن أبي ربيعةَ الإياديّ، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الجنّةَ لتَشْتاقُ إلى ثلاثة: علي وعمار وسَلْمان". وحكى البَلاذري (٥) عن هُزَيل بن شُرَحْبيل قال: أُتي رسول الله ﷺ فقيل له: وقع على عمار حائطٌ فمات، فقال: "ما مات عمار". قال الزهري: وهذه من مُعجزات النبي ﷺ . وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: رأيتُ عمارًا يوم اليَمامة على صحرة وقد أشرف وهو يَصيح: يا معاشر المسلمين، إليّ إليّ فأنا عمار بن ياسر، أمن الجنّة تَفِرّون؟ قال: وقد قُطعت أُذُنه، وأنا أنظرُ إليها تَذَبْذب، وهو يُقاتل أشدَّ قِتال.

стр. 2861

وفي رواية قال: فكان أعداؤه إذا نَبَزوه قالوا: العبد المُجَدّع، فيقول: خيرَ أعضائي سبَبتُم. وقال ابن سعد بإسناده عن طارق (١) بن شهاب قال: غزا أهلُ البصرة وعليهم رجل من آل عُطارد التميمي، فأمدَّهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر، فقال الَّذي من آل عطارد لعمار: يا أجْدَع، أترُيد أن تُشاركنا في غنائمنا، فكُتب إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة. وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: لما هاجر عمار إلى المدينة نزل على مُبَشِّر بن عبد المنذر. وقيل: إنه آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حُذيفةَ بن اليَمان (٢). ذكر مَقتل عمّار بن ياسر: قال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن سَلمة قال: رأيتُ عمار بن ياسر يومَ صِفّين شيخًا آدم في يده الحَرْبة، وإنها لتَرْعَد، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الرَّاية، فقال عمار: إن هذه راية قد قاتلتُ بها مع رسول الله ﷺ ثلاثًا، وهذه الرابعة، ولو ضَربونا حتَّى يُبَلّغونا سَعَفاتِ هَجَر لعَرفتُ أن مَصلَحتنا على الحق، وهم على الضَّلالة. وفي رواية ابن سعد: هذه الراية قد قاتلتُ بها بين يدي رسول الله ﷺ مرَّتين، وهذه الثالثة. وفي رواية ابن سعد أيضًا، عن عمار أنَّه قال يوم صفّين: الجنّة تحت البارِقة، اليوم ألقى الأحبَّة، محمدًا وحِزْبَه (٣). وفي رواية: إن عمارًا نادى: هل من رائحٍ إلى الجنّة، أو إلى تحت العَوالي، والذي نفسي بيده، لنُقاتلَنّهم على تاويله كما قاتلناهم على تَنزِيله، ثم قال: نحن ضَرَبناكم على تنْزِيلهِ واليوم نَضْربْكم على تأويلهِ

стр. 2862

ضَرْبًا يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلهِ ويُذهِلُ الخليلَ عن خَليلهِ أو يرجعَ الحقُّ إلى سَبيلهِ ثم نادى عمار هاشمًّا المِرْقال: أقْدِم يا هالثمم، فالجنّة اليوم تحت ظِلال السُّيوف، والموتُ في أطراف الأَسَل، وقد فُتحت أبوابُ الجنّة، وتزيّنت الحورُ العِين، وحملا فقُتلا جميعًا (١). وقال ابن سعد بإسناده عن أبي البَخْتَرِيّ قال: قال عمار يوم صِفّين: ائتوني بشَرْبَةِ لَبَن؛ فإن النبي ﷺ قال لي: "إن آخر شَرْبَةٍ تَشربُها من الدنيا شَربةُ لَبَن"، فأُتي به فشَرِبه، ثم حمل فقاتل حتَّى قُتل (٢). وقال أحمد (٣) بإسناده عن أبي البَخْتَريّ: أن عمارًا أُتي بشَرْبَةِ لَبَن، فضحك وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن آخر شراب أشرَبُه اللّبَن حتَّى أموت". وقال أبو نُعيم (٤) بإسناده، عن أبي سِنان الدُّؤلي صاحب رسول الله ﷺ قال: دعا عمار في ذلك اليوم بشرابٍ، فأُتي بقَدَح من لَبن، فشربه وقال: الله أكبر، صدق رسول الله ﷺ ، قال لي: "يا عمار، إن آخر زادِك من الدُّنيا ضَيحَةُ لَبَن". الضَّيح: اللَّبَنُ الرَّقيق. وفي رواية: إن عمارًا استسقى ماءً، فجاءته امرأةٌ من بني شَيبان بعُسٍّ فيه لبن، فرفعه إلى فيه وقال: الله أكبر، اليوم أَلْقى الأحبَّة محمدًا وحِزْبَه، ثم نادى عمار: أين مَن يَبتغي رضوان الله، ولا يُوَلّي إلى مالٍ ولا وَلَد؟! فأتَتْه عصابة من الناس، فقال: أيُّها الناس، اقصدوا هذه العصابة التي تَتَعلَّل بدم عثمان، ووالله ما قَصدُهم إلا الدنيا، وقد علموا أن الحقّ إذا لَزِمَهم حال بينهم وبين ما قصدوا إليه، والله لو ضربونا حق يُلحِقونا بسَعَفاتِ هَجَر لعَلمنا أننا على الحقِّ وهم على الباطل، والله لنَضْرِبَنّ اليوم هامَ هؤلاء

стр. 2863

الفاسقين ضَرْبًا يرتاب منه المُبْطِلون، والله ما يطلبوا دم عثمان إلا لصيروا جَبابرةً ومُلوكًا، ولولا ذلك لما تَبعهم اثْنان. ثم دنا من عمرو بن العاص وقال: ويلك يا عمرو، بِدْتَ في ينك بمِصر، تبًّا لك، وصاح بعبيد الله بن عمر: ويحك يا فاسق، بعتَ دِينك من عدوِّ الله وابنِ عدوِّه بالدُّنيا (١). وحكى ابن سعد (٢) عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: قال عمار: اللهمَّ لو أعلم أنَّه أرضى لك عني أن أُوقدَ نارًا عظيمة فأقَعَ فيها، أو أُغرِق نَفْسي في الماء لفعلت، وإني لا أقاتل هؤلاء إلا أُريد وَجهك، وأنا أرجو أن لا تُخَيِّبَني، ويده ترتعش على الحَرْبة. واختلفوا في قاتله على أقوال: أحدها: أنَّه أبو الغادية، واسمُه يَسار بن سبع المُرِّي من بني مُرَّة. وذكره ابن سعد فيمن نزل البصرة من الصحابة، وذكره البُخاري وابن أبي حاتم فيمن نزل بواسط من الصحابة (٣). وذكره جدّي في "التَّلقيح" (٤) فيمن له صُحبة ورواية، وقال: يسار بن سبع -وقيل: ابن سُبيع- قاتِل عمار، وكُنيته أبو الغادِية. وذكره أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" وقال. قد اختلفوا في صحبته، وكانت له دارٌ بدمشق بسوق الطَّير، وشهد الجابية مع عمر ﵁. وقال: بايعتُ رسول الله ﷺ ، وخطبنا يوم العَقَبة فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام … " الحديث. قال: وكنا نعدُّ عمارًا حَنانًا فينا، فوالله إني لبمسجد قُباء إذ سمعته يَقع في عثمان فقلت: لئن أمكنني الله منك لاقتُلَنّك، فلما كان يوم صفّين حملتُ عليه، فطَعَنْتُه في رُكبته فقتلتُه (٥).

стр. 2864

وحكى ابن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: لما استَلْحَم القتالُ يومَ صفّين وكادوا يَتفانَون قال معاوية: هذا يومٌ تَفانى فيه العرب؛ إِلا أن تُدرِكَهم فيه خِفَّةُ العبد، يعني عمارًا، وكان القتالُ الشَّديدُ ثلاثةَ أيَّام ولَياليهن، آخرهنّ ليلةُ الهَرير، فلما كان يوم الثالث قال عمار لهاشم بن عُتبة ومعه اللواء يومئذٍ: احمِلْ فداك أبي وأمي، فقال له هاشم: يا عمار إنك رجلٌ تَستخِفُّك الحربُ، وإني إنما أزحف باللّواء زَحْفًا رَجاء أن أبلغَ بذلك ما أريد. فلم يزل به حتَّى حَمل، فنهض عمار في كتيبته، فنهض إليه ذو الكَلَاع في كتيبته، فاقتتلوا فقُتلا جميعًا، وحمل على عمار حُوَيّ السَّكْسَكِيّ وأبو الغادية المُزَنيّ فقتلاه، ضربه أبو الغادية بسيفه حتَّى بَرَد، ونادى الناسُ: قتلتَ أبا اليقظان؟! قتلك الله، ولم يعرفه يومئذٍ. وقال عمار: ادفنوني في ثيابي فإني مُخَاصَم، ولا تغسلوا عني دمًا (١). والقول الثاني: عُقبة بن عامر الجُهَني، وعقبة هو الَّذي ضرب عمارًا بأمر عثمان فأصابه الفَتقُ. والثالث: عُمر بن حارث الخَوْلانيّ. والرابع: شَريك بن سَلَمة المُراديّ، حكاه ابن سعد عن الواقدي (٢). والأول أصحّ، وعليه عامّة المؤرِّخين، ونصَّ عليه البَلاذُريّ وغيره (٣). وحكى ابن سعد عن محمد بن عمر قال: طعنه أبو الغادِية فوقع، فاحتزَّ رأسَه حُوَيُّ ابن ماتِع بن زُرْعَة السَّكسَكيّ، ثم أقبلا به إلى معاوية، فاختصما فيه كلُّ واحدٍ يقول: أنا قتلتُه، فقال لهما عمرو بن العاص: والله إنْ تختصمان إلا في النّار، فقال له معاوية: ما صنَعتَ! قومٌ بَذلوا نفوسهم دوننا تقول لهم هذا؟ فقال عمرو: هو والله ذلك، وإنّك لتَعلَمه، وَدِدْتُ أنِّي متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة (٤).

стр. 2865

وأخرج أحمد في "المسند" (١) بمعناه فقال: حدثنا يزيد بن هارون بإسناده، عن حَنْظَلة بن خُوَيلد قال: بينما أنا عند معاوية؛ إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، كلُّ واحدٍ يقول أنا قتلتُه، فقال لهما عبد الله بن عمرو بن العاص: ليَطِبْ به أحدُكما نفسًا لصاحبه، فقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول له: "يا عمار تقتُلك الفئةُ الباغية" فقال معاوية لعبد الله: فما بالك معنا؟ قال: طاعةُ هذا الشيخ، فإن رسول الله ﷺ قال لي: "أَطِعْ أباك ما دام حيًّا" ولعَمري ما سللتُ سيفًا، ولا رميتُ بسَهْمٍ، ولا حملتُ سلاحًا ولا أحمله، وأنا معكم ولا أقاتل. وأخرج ابن سعد بمعناه فقال: حدثنا أبو معاوية الضَّرير بإسناده، عن عبد الله بن الحارث قال: قال عبد الله بن عمرو لأبيه: يا أبَتِ قتلتُم عمارًا، وسمعتَ رسول الله ﷺ يقول له: "تقتلُك الفئةُ الباغية"؟!، وسمعه معاوية فقال: إنك شيخٌ خَرِف؛ لا تزال تأتينا بهَنَةٍ تَدحَضُ بها في بَولك، أنحنُ قتلْناه؟! قتله الَّذي أخرجه (٢). وفي رواية: فبلغ عليًّا فقال: ونحن قتلنا حَمْزَة لأننا أخرجناه إلى أُحُد (٣). وروى أيضًا عن عبد الله بن الحارث قال: بينما أنا أَسيرُ مع معاوية في مُنْصَرفه من صِفِّين بينه وبين عمرو بن العاص؛ إذ قال عبد الله بن عمرو: يا أبتِ، قتلتُم عمارًا وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول له: "ويحك يا ابن سُمَيَّة، تقتلُك الفئةُ الباغية" فكيف قتلتموه؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهَنَةٍ، أنحن قَتَلْناه؟! إنما قتله الذين جاؤوا به (٤). وأخرج أحمد في مسند عمرو بن العاص (٥) بمعناه فقال: حدثنا عبد الرزّاق بإسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه قال: لما قُتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار، وقد قال رسول الله ﷺ : "تقتلُك الفِئةُ الباغية" فقام عمرو بن العاص فَزِعًا حتَّى دخل على معاوية، فقال له: ما شأنُك؟ قال:

стр. 2866

قُتل عمار، قال معاوية: قُتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"، فقال له معاوية: دَحَضْتَ في بولك، أوَ نحن قتلناه؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابه، جاؤوا به فألقَوْه بين رماحنا وسُيوفنا. وقال ابن سعد بإسناده إلى جعفر بن محمد (١) قال: سمعتُ رجلًا من الأنصار يحدِّث أبي، عن هُنَيّ مولى عمر بن الخطاب قال: كان أصحاب معاوية يقولون: إن قتلْنا عمارًا فنحن الفئةُ الباغية، قال هُنَيّ: فذهبتُ أطوف بين القَتْلى، فإذا بعمار بينهم قتيل، فأتيتُ عمرو بنَ العاص فقلتُ له: ما سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول في عمار؟ فذكر الحديث، قال: فقلتُ: ها هو قتيل، قال: هذا باطل، فقلت: قم فانظرْه، فجاء، فلما رآه امتُقِع لونُه، ثم قال مثل ما قال معاوية: إنما قتله الَّذي أخرجه. وفي رواية: ولما بلغ ذا الكَلاع قتلُ عمار قال لعمرو: ويحك، أنحن الفئة الباغية؟! وأضمر الرجوع إلى عسكر أمير المؤمنين وكانت تحت يده ستون ألفًا، واختلط الناس فقتله المِرْقال. قلت: وقد روى حديث "تقتُلُك الفئة الباغية" جماعة؛ منهم أبو قتادة: قال أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخُدريّ قال: أخبرني مَن هو خير منّي أبو قتادة، أن رسول الله ﷺ قال لعمار بحَفْرِ الخندق، وجعل يَمسح رأسَه ويقول: "بُؤسَ ابنِ سميّة، تقتُلُك الفئةُ الباغية". انفرد بإخراجه مسلم (٢)، البُؤْس: الفقر (٣). وهذا خُرِّج على عادة العرب، كقوله ﵇ لمعاذ: "ثكلتْكَ أُمُّك". ولهذا وقع في بعض نسخ البخاري: بُؤْسًا لعمار (٤).

стр. 2867

ورَوَينا في حديث أبي سعيد؛ أن عمارًا كان يَحمل في بناء مسجد رسول الله ﷺ لَبِنَتَين لبنتين، فرآه النبيُّ ﷺ ، فجعل يَمسح التُّرابَ عن وَجْهه ويقول: "وَيحَ عمّار، [تقتله الفئة الباغية]، يَدعوهم إلى النَّجاة، ويَدعونه إلى النار (١) ". وقال ابن عبد البر: لما احتُضر عبد الله بن عمرو قال: ما أَجِدُ في نفسي من أمر الدنيا شيئًا إلا أني لم أُقاتل الفئةَ الباغية مع علي ﵇ (٢). وقال هشام عن أبيه: ولما بلغ أميرَ المؤمنين قتلُ عمار جاء، فرآه مقتولًا وإلى جانبه هاشم المِرقال، فنزل وجلس عندهما يبكي، وترحّم عليهما وقال: رَحِمك الله أبا اليقظان، ما زلتَ آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر. ولفَّهما في ثيابِهما ولم يَغْسِلْهما، وصلّى عليهما، فجعل عمارًا مما يليه، والمِرقال مما يلي القِبلة (٣). قال ابن سعد: وكبَّر عليهما خمسًا أو ستًّا أو سَبعًا (٤)، فلما أدخلهما القبر جعل عمارًا أمامه. واختلفوا في سنّ عمار، فحكى ابن سعد عن الواقدي قال: والذي أُجمِع عليه في قتل عمار أنَّه قُتل بصِفّين في صفر، سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن هناك. وذكر ابن سعد أيضًا أنَّه قُتل وهو ابنُ أربعٍ وتسعين سنة (٥). وذكره البَلاذري وقال: وهو الثبت عندنا (٦). وحكى جدّي في "المنتظم" أنَّه قُتل وهو ابن إحدى وتسعين سنة (٧).

стр. 2868

وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الضُّحى قال: رأى أبو ميسرة في المنام رَوضةً خضراء فيها قِبابٌ مَضروبة، فيها عمار وذو كلاع. وفي رواية حَوْشَب قال: قلتُ: كيف هذا وقد اقتتلوا؟ قال: فقيل لي: وَجدوا ربًّا واسِعَ المَغْفِرة (١). قلت: وكان لعمار بن ياسر ولدًا اسمُه محمد بن عمار، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، قال: وقد رُوي عنه الحديث (٢). ذكر مسانيده: واختلفوا فيها، فقال قومٌ أسند اثنين وستين حديثًا، وقال ابن البَرْقي: بِضْعًا وعشرين حديثًا، وأكثرها لأهل الكوفة، وبعضها لأهل المدينة. أخرج له في الصحيحين خمسة أحاديث، اتفقا على حديث واحد في التيمم، وانفرد البخاري بثلاثة أحاديث (٣)، ومسلم بحديث. وليس في الصحابة مَن اسمُه عمّار سواه. وأخرج له أحمد سبعةً وعشحرين حديثًا بعضُها في الصحيح. ومن مسانيده: قال أحمد بإسناده عن واصِل بن حَيّان قال: قال أبو وائل: خَطَبنا عمار فأبلَغَ وأوجَز، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغتَ وأوجزْتَ، فلو كنتَ تَنَفَّسْتَ، فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن طولَ صلاةِ الرَّجل وقِصَرَ خُطْبَته مَئِنَّةٌ من فِقهه، فأطيلوا الصلاةَ، وأَقْصِروا الخُطبَة، فإن من البيان سِحْرًا". انفرد بإخراجه مُسلم (٤)، ومعنى مَئِنَّةٌ؛ أي: عَلامَة. انتهت ترجمة عمار بن ياسر وفيها توفي قيس بن المَكْشُوح واسم المكشوح: هُبَيْرة بن عبد يَغوث المُرادي، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من مُراد.

стр. 2869

قال: وإنما سُمِّي أبوه المَكْشوح لأنَّه كُشِح بالنار، أي: كُوي على كَشْحِه (١). وكان قيس فارسَ مَذْحِج، وسَيِّدَ مُراد، وكنية قيس أبو حَسَّان، كان أحد فرسان العرب. وقيس ابنُ أخت عمرو بن مَعْدي كَرِب، وكان ممَّن أعان على قَتْلِ الأسْودَ العَنْسِيّ. شهد قيس اليرموك، وأُصيبت عينُه فيه، ولما جهَّز أبو بكر ﵁ أبا عبيدة إلى الشام أوصاه أبو بكر بقَيْس وقال: قد صَحِبك رجلٌ عظيم الشَّرَف، فارس العرب، ولا غَناء للمسلمين عن رأيه ومشورتِه، وبارز يوم اليرموك بِطْرِيقَين عظيمَين من الروم فقتلهما مُبارَزَةً، فسُرَّ به أبو بكر. وكان قيس من أصحاب أمير المؤمنين، قُتل معه بصفّين في اليوم الثاني الَّذي قُتل فيه عمار. وقال أبو القاسم بن عساكر: أدرك النبي ﷺ ولم يَرَه (٢). وقال جدي ﵀ في "التَّلقيح" (٣): قيس بن المَكشوح، واسم المكشوح هُبَيرَة بن عبد يَغوث، له صُحبة ورواية. قلت: وقد استوفى أخبارَه ابنُ سعد وقال: وقيس هو الَّذي قَتَل الأسْودَ العَنْسي الَّذي تَنبَّأ، فسَمَّتْه مُضَر: قيس غُدَر، فقال: لستُ غُدَر، ولكنّي حَتْفُ [مُضَر] (٤). وفيها توفي هاشم بن عُتْبَة ابن أبي وَقَّاص الزُّهري، ابن أخي سعد بن أبي وَقّاص، واختلفوا فيه؛ ذكره ابن سعد فقال: هو من الطبقة الرابعة من مُسلمة الفَتح، وكذا قال الخطيب (٥).

стр. 2870

قال أبو القاسم بن عساكر: لم تَثبت لهاشم صُحبة، ووُلد على عهد النبي ﷺ (١). قال المدائني: وأبوه عُتبة هو الَّذي كَسَر رَباعِيَة رسول الله ﷺ يوم أُحُد، فكان أشياخ المدينة يقولون: لم يبلغ أحدٌ من ولد عُتبةَ الحُلُمَ إلا هُتِم أو بَخِر، لما صنع عُتبة برسول الله ﷺ (٢). وأمُّ هاشم بنتُ خالد بن عُبَيد بن سُوَيد، ويُلَقّب هاشم بالمِرْقال. واختلفوا لم سُمِّي بذلك؛ فقال الهيثم: لأن أمير المؤمنين قال له يوم صفين: تقدم بالرَّاية فأرقِلْ بها. وقد ذكره الجوهريّ فقال: الإرْقَال: ضَرْبٌ من الخَبَب، وقد أَرْقَل البَعيرُ، وناقَةٌ مِرْقال ومُرْقِل؛ إذا كانت كثيرة الإرقال، قال: والمِرْقال: لقبُ هاشم بن عُتبة بن أبي وَقّاص الزُّهريّ، لأن أميرَ المؤمنين دفع إليه الرَّايةَ يومَ صِفين، فكان يُرْقِل بها إرقالا (٣). قال البَلاذري (٤): سُمِّي بذلك لأنه قال: والله لأُرْقِلَنّ إلى هذا العدوِّ إرقال الجَملِ الصَّعْب. وقال الخطيب: حضر هاشم حصار دمشق ووقعة اليرموك والقادسية وكان أميرًا على كُرْدوس، ولم يزل مع أمير المؤمنين في حروبه (٥). وقال خليفة: وفي سنة سبع عشرة هرب يَزْدَجِرْد من المدائن، فعقد سعد لهاشم بن عُتبة، فسار خلفَه، فهزم الله الفُرس، وغَنمهم هاشم. قال: وفي سنة ثمان عشرة فُتحت حُلْوان على يدي هاشم بن عُتبة (٦). قال البلاذري: كان هاشم قد أفطر في آخر يوم من شهر رمضان، فشهدوا عليه بذلك عند سعيد بن العاص؛ عامل عثمان على الكوفة، فاستدعاه سعيد وقال له: ما

стр. 2871

الذي دعاك إلى أن أفطرتَ قبل أميرك؟! قال: رأيتُ الهِلال، فقال سعيد: كيف رأيتَه بعين واحدة، والناس يرونه بعينين ولم يَرَوه؟! فقال له هاشم: سبَبْتَ (١) خيرَ عَينَيّ. فضربه سعيد حدًّا مئة جلدة. فلما قُتل عثمان لحق هاشم بعلي ﵇ فاستعمله على الكوفة، وكان سعيد بالكوفة، فضربه هاشم الحدّ مئةَ جلدة كما فعل به سعيد، وقال هاشم بن عتبة وسعيد يُضرَبُ بين يديه: [من البسيط] صَبْرًا سعيدُ فإن الحُرَّ مُصْطَبِرٌ … ضَربٌ بضربٍ وتَسْحابٌ بتَسْحابِ وقال الزبير بن بكار: أسلم عُتبة ومات مسلمًا، وأوصى إلى أخيه سعد، وعُتبة هو الَّذي كَسَر رَباعيَة رسول الله ﷺ يوم أحد. قال: وابنُه هاشم بن عُتبة كُنيته أبو عمرو، ويعرف بالمِرْقال، كان من الأبطال والفُضَلاء الأخيار، وهو الَّذي فتح جَلُولاء، وكانت تُسمَّى فتحَ الفتوح، بلغت غنائمها ثمانيةَ عشر ألف ألف، وأرسله عمر إلى عمّه سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، فأبلى بلاءً حسنًا، وقام مَقامًا لم يَقُمه أحد، وكان سبب الفتح (٢). والأصح أن هاشمًا أدرك اليومَ الرابع، وقد ذكرناه هناك. قال: وحضر هاشم صفّين مع أمير المؤمنين، وكان على الخيل، وقيل: على الرَّجَّالة، فقاتل في اليوم الَّذي قُتل فيه عمار قِتالًا شديدًا، فقُطِعت رجلُه قبلَ أن يُقتل، فجعل يُقاتل على رجلٍ واحدةٍ ويقول: الفَحلُ يَحمي شَوْلَه مَعْقولا وقال أبو عبيد القاسم: كانت الرَّايةُ العُظمى بيده يوم صفين، فجعل عمار بن ياسر يتناوله بالرُّمْح ويقول: أقْدِم يا أعور، وكان في مقابله عمرو بن العاص، فقال عمرو: إني لأرى صاحبَ الرَّاية السَّوداء إن دام على هذا ليُفنِيَنّ العربَ اليوم. وكان مع هاشم أربعة آلاف قد بايعوه على الموت، وحمل هاشم على أهل

стр. 2872

فلسطين، وكان فيهم محمد وعبد الله ابنا عمرو بن العاص، وثار العَجاج، فقال عمرو: ما هذه الغبرة؟ قيل: على ابنيك عبد الله ومحمد، فساق عمرو نحوهما، فقال له معاوية: لا تَنتقضُ صفوف أهل الشام، فقال عمرو: إنك لم تَلدهما، ورآه المِرقال فتركَ ابنيه وقصده، وأردفه معاوية بذي كَلاع في جيوش أهل الشام، فحمل المِرقال عليهم، فقتل هو وأصحابُه من أهل الشام أربعةَ آلاف، منهم ذو الكلاع، وعبيد الله بن عمر، وأعيان القوم، وحمل عليهم الحارث بن المنذر التَّنوخي فقطع رِجله، ثم جاءت الكتيبة الشَّهباء، فحمل عليهم وهو مَقطوع الرِّجْل، فقَتل منهم جماعة وقتلوه. وقال الموفق: ولما بلغ عائشة ﵂ قتلُه قالت: ذلك الَّذي لم تُرَدّ له راية قط (١). ذكر أولاده: قال الواقدي: كان له عبد الرحمن، وعبد الله، وعبد الملك، وأمُّهم أميمة بنت عوف بن سَخبَرة من الأَزْد، وإسحاق وأمُّ الحكم، وأمُّهما أمُّ إسحاق بنت سعد بن أبي وقاص، وبَشير وأمُّه السَّيِّدة بنت قَيس بن حسان، من بني مَرْثد، وهاشم بن هاشم لأُمّ وَلَد (٢). وقال الهيثم: لما قُتل هاشم يوم صفين أخذ الرَّاية ولَدُه عبدُ الله بن هاشم، فقاتل مليًّا، ثم أُسِر، فأُتي به معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اقتُلْه، فأبى وحَبَسه، فقال عَمرو يُعاتِب معاوية: [من الطويل] أمَرتُكَ أمرًا حازمًا فعَصَيتَني … وكان من التَّوفيقِ قَتلُ ابنِ هاشمِ أليس أبوه يا ابنَ هِند الَّذي به … رَمانا عليٌّ عندَ حَزِّ الغَلاصِمِ فهذا ابنُه والفَرْعُ يُشْبِهُ أصلَه … ويُوشِكُ أن تَقْرَع به سنَّ نادِمِ فكتب عبد الله إلى معاوية فقال: [من الطويل] مُعاويَ إن المرءَ عَمْرًا أبَتْ له … ضَغِينةُ صَدْرٍ وُدُّها غيرُ سالمِ يَرى لك قَتلي مُسْتَحِلَّا وإنما … يَرى ما يرى عَمرٌو ملوكُ الأعاجمِ

стр. 2873

على أنَّهم لا يَقتلون أسيرهم … إذا كان فيه منعةٌ للمُسالِمِ وقد كان منا يومَ صفّين وَقْعَةٌ … عليك جناها هاشِمٌ وابنُ هاشمِ مضى من قضاءِ الله فيها الَّذي مضى … وما قد مَضى منها كأَضْغَاثِ حالمِ هي الوَقْعةُ العُظْمى التي سار ذِكرُها … وكلٌّ على ما فات ليس بنادِمِ فإن تَعفُ عني تَعْفُ عن ذي قرابةٍ … وإن تَرَ قتلي تستحلّ محارمي فأطلقه معاوية، وأحسن إليه، فحلف عبدُ الله أن لا يَخرجَ عليه (١). انتهت ترجمتُه والله أعلم * * *

стр. 2874

السنة الثامنة والثلاثون فيها قُتل محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وولَّى أميرُ المؤمنين الأشتر مصر، ووفاة الأشتر، وسنذكرهما في آخر السنة. وفيها بعد مقتل محمد بعث معاوية عبد الله بنَ عمرو الحَضْرَمِيَّ إلى البصرة، يدعو أهلها إلى نفسه، وإلى الإقرار بما حَكم به عمرو بن العاص يوم التَّحكيم. فحكى الطبري عن عُمر بن شَبَّة، عن علي بن محمد، عن أبي الذَّيَّال، عن أبي نَعامة -حديثًا طويلًا اختصرتُه- قال: لما قُتل محمد بن أبي بكر بمصر؛ خرج عبد الله بن عباس إلى علي ﵇ بالكوفة، واستخلف زياد بن أبيه على البصرة، وقدم ابن الحَضْرميّ من قبل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حُضَين بن المنذر ومالك بن مِسْمَع فقال: أنتم يا معاشر بكر بن وائل أنصارُ أمير المؤمنين وثِقاتُه، وقد نزل ابن الحضرمي حيث تَرون، وأتاه مَن أتاه، فامنعوني حتَّى يأتيَني أمرُ أمير المؤمنين -أو رأيُ أمير المؤمنين- فقال حُضَين: نعم، وقال مالك - وكان مائلًا إلى بني أمية، وهو الَّذي لجأ إليه مروان يوم الجمل: هذا أمر لي فيه شركاء، حتَّى أستشير وأنظر، فلما رأى زياد تثاقُلَ مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع بن خالد - وكان له صديقًا - فسأله أن يُجيرَه ويَمنعه، فأشار عليه نافع بصَبِرة بن شَيمان الحُدَّاني، فأرسل إليه زياد فقال: ألا تُجيرني وبيت مال المسلمين؟ قال بلى. فتحوّل زياد، ونقل معه المِنبر، فكان يُصلّي زياد بهم الجمعة في مسجد الحُدَّان، ويُطعم الناس. وكان ابن أبي حاضر (١) مع زياد وجماعة من الأشراف، فاختبرهم زياد، ودَسّ إليهم جابر (٢) بن وهب فقال: يا معاشر الأزد، إن تميمًا تَزعُم أنهم يريدون أن يأخذوا جارَكم وبيت المال، ويخرجوكم من البصرة قهرًا، فذكر ابنُ شَيمان كلامًا يدلُّ على أنَّه يحمي زيادًا، وقال: إن جاء الأحْنَف جئتُ، وذكر أشراف بني تميم، فطاب قلب زياد.

стр. 2875

وكتب زياد إلى أمير المؤمنين: أما بعد؛ فإن ابن الحَضْرَميّ قدم من الشام، فنزل في بني تميم، ونَعى ابن عفَّان، ودعا إلى الحرب، وبايعته تميم وأهل البصرة، ولم يبق معي مَن أمتنع به، واستجرتُ بصَبِرة بن شَيمان فأجارني وبيتَ المال، فنزلت فيهم، وشيعةُ عثمان يختلفون إلى ابن الحَضْرمي، والسلام. فبعث أمير المؤمنين أعين بن ضُبَيعَة المجاشعيّ لتفريق قومه عن ابن الحَضْرمي، وقال له: إن تفرَّقوا عن ابن الحضرمي وإلا فجاهدْهم، فإن رأيتَ ممن قِبَلَك تثاقلًا فاصبر، وطاولْهم حتَّى تأتيَك جنودُ الله تعالى. فقدم أعين، فنزل عند زياد، وأتى قومَه، وجمع رجالًا، ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم فشتموه، فانصرف عنهم، فدخلوا عليه قوم فقتلوه غِيلَةً وهو على فراشه، فأراد زياد قتالهم، فكرهت الأزْد ذلك وقالوا: إن تعرَّضوا لجارِنا منعناه، وإن كَفُّوا عنا فما لنا حاجةٌ في قتالهم. فكتب زياد إلى علي ﵇ يُخبِره بقتل أعين وما جرى، فبعث أمير المؤمنين جارِية بنَ قُدامة في خمسين رجلًا من بني تميم، وشريك بن الأعور في خمس مئة، وكتب إلى زياد يُصوِّب رأيَه فيما صنع، ويأمره بمعونة جارية بن قُدامة، والإشارةِ عليه، فقدم البَصرة، فنزل على زياد، فقال له زياد: احذَرْ أن يُصيبك ما أصاب صاحبَك، ولا تَثقَنّ بأحدٍ منهم. فسار جارية إلى قومه، فقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين، ووعدهم فأجابه أكثرهم، فسار جارية إلى ابن الحَضْرَميّ، فحصره في دار سُنَيبْل (١)، وأحرق عليه الدار وعلى مَن معه؛ وكانوا سبعين رجلًا - ويقال أربعون - وتفرَّق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة (٢). وهذا قول الطبري. وقال هشام بن محمد عن أبيه: إنما بعث أمير المؤمنين جارية بن قُدامة في أربعة آلاف فارس، وكان ابن الحَضْرميّ قد استولى على البصرة، واتَّبعه أكثرُ أهلها، فحصره جارية في بعض دُور أهل البصرة، وقال له: اخرج فأبى، وتفرَّق القوم عنه، فأحرقه
следующие страницы →