الذي دعاك إلى أن أفطرتَ قبل أميرك؟! قال: رأيتُ الهِلال، فقال سعيد: كيف رأيتَه بعين واحدة، والناس يرونه بعينين ولم يَرَوه؟! فقال له هاشم: سبَبْتَ (١) خيرَ عَينَيّ. فضربه سعيد حدًّا مئة جلدة.
فلما قُتل عثمان لحق هاشم بعلي ﵇ فاستعمله على الكوفة، وكان سعيد بالكوفة، فضربه هاشم الحدّ مئةَ جلدة كما فعل به سعيد، وقال هاشم بن عتبة وسعيد يُضرَبُ بين يديه: [من البسيط]
صَبْرًا سعيدُ فإن الحُرَّ مُصْطَبِرٌ … ضَربٌ بضربٍ وتَسْحابٌ بتَسْحابِ
وقال الزبير بن بكار: أسلم عُتبة ومات مسلمًا، وأوصى إلى أخيه سعد، وعُتبة هو الَّذي كَسَر رَباعيَة رسول الله ﷺ يوم أحد.
قال: وابنُه هاشم بن عُتبة كُنيته أبو عمرو، ويعرف بالمِرْقال، كان من الأبطال والفُضَلاء الأخيار، وهو الَّذي فتح جَلُولاء، وكانت تُسمَّى فتحَ الفتوح، بلغت غنائمها ثمانيةَ عشر ألف ألف، وأرسله عمر إلى عمّه سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، فأبلى بلاءً حسنًا، وقام مَقامًا لم يَقُمه أحد، وكان سبب الفتح (٢).
والأصح أن هاشمًا أدرك اليومَ الرابع، وقد ذكرناه هناك.
قال: وحضر هاشم صفّين مع أمير المؤمنين، وكان على الخيل، وقيل: على الرَّجَّالة، فقاتل في اليوم الَّذي قُتل فيه عمار قِتالًا شديدًا، فقُطِعت رجلُه قبلَ أن يُقتل، فجعل يُقاتل على رجلٍ واحدةٍ ويقول:
الفَحلُ يَحمي شَوْلَه مَعْقولا
وقال أبو عبيد القاسم: كانت الرَّايةُ العُظمى بيده يوم صفين، فجعل عمار بن ياسر يتناوله بالرُّمْح ويقول: أقْدِم يا أعور، وكان في مقابله عمرو بن العاص، فقال عمرو: إني لأرى صاحبَ الرَّاية السَّوداء إن دام على هذا ليُفنِيَنّ العربَ اليوم.
وكان مع هاشم أربعة آلاف قد بايعوه على الموت، وحمل هاشم على أهل
стр. 2872
فلسطين، وكان فيهم محمد وعبد الله ابنا عمرو بن العاص، وثار العَجاج، فقال عمرو: ما هذه الغبرة؟ قيل: على ابنيك عبد الله ومحمد، فساق عمرو نحوهما، فقال له معاوية: لا تَنتقضُ صفوف أهل الشام، فقال عمرو: إنك لم تَلدهما، ورآه المِرقال فتركَ ابنيه وقصده، وأردفه معاوية بذي كَلاع في جيوش أهل الشام، فحمل المِرقال عليهم، فقتل هو وأصحابُه من أهل الشام أربعةَ آلاف، منهم ذو الكلاع، وعبيد الله بن عمر، وأعيان القوم، وحمل عليهم الحارث بن المنذر التَّنوخي فقطع رِجله، ثم جاءت الكتيبة الشَّهباء، فحمل عليهم وهو مَقطوع الرِّجْل، فقَتل منهم جماعة وقتلوه.
وقال الموفق: ولما بلغ عائشة ﵂ قتلُه قالت: ذلك الَّذي لم تُرَدّ له راية قط (١).
ذكر أولاده: قال الواقدي: كان له عبد الرحمن، وعبد الله، وعبد الملك، وأمُّهم أميمة بنت عوف بن سَخبَرة من الأَزْد، وإسحاق وأمُّ الحكم، وأمُّهما أمُّ إسحاق بنت سعد بن أبي وقاص، وبَشير وأمُّه السَّيِّدة بنت قَيس بن حسان، من بني مَرْثد، وهاشم بن هاشم لأُمّ وَلَد (٢).
وقال الهيثم: لما قُتل هاشم يوم صفين أخذ الرَّاية ولَدُه عبدُ الله بن هاشم، فقاتل مليًّا، ثم أُسِر، فأُتي به معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اقتُلْه، فأبى وحَبَسه، فقال عَمرو يُعاتِب معاوية: [من الطويل]
أمَرتُكَ أمرًا حازمًا فعَصَيتَني … وكان من التَّوفيقِ قَتلُ ابنِ هاشمِ
أليس أبوه يا ابنَ هِند الَّذي به … رَمانا عليٌّ عندَ حَزِّ الغَلاصِمِ
فهذا ابنُه والفَرْعُ يُشْبِهُ أصلَه … ويُوشِكُ أن تَقْرَع به سنَّ نادِمِ
فكتب عبد الله إلى معاوية فقال: [من الطويل]
مُعاويَ إن المرءَ عَمْرًا أبَتْ له … ضَغِينةُ صَدْرٍ وُدُّها غيرُ سالمِ
يَرى لك قَتلي مُسْتَحِلَّا وإنما … يَرى ما يرى عَمرٌو ملوكُ الأعاجمِ
стр. 2873
على أنَّهم لا يَقتلون أسيرهم … إذا كان فيه منعةٌ للمُسالِمِ
وقد كان منا يومَ صفّين وَقْعَةٌ … عليك جناها هاشِمٌ وابنُ هاشمِ
مضى من قضاءِ الله فيها الَّذي مضى … وما قد مَضى منها كأَضْغَاثِ حالمِ
هي الوَقْعةُ العُظْمى التي سار ذِكرُها … وكلٌّ على ما فات ليس بنادِمِ
فإن تَعفُ عني تَعْفُ عن ذي قرابةٍ … وإن تَرَ قتلي تستحلّ محارمي
فأطلقه معاوية، وأحسن إليه، فحلف عبدُ الله أن لا يَخرجَ عليه (١).
انتهت ترجمتُه والله أعلم
* * *
стр. 2874
السنة الثامنة والثلاثون
فيها قُتل محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وولَّى أميرُ المؤمنين الأشتر مصر، ووفاة الأشتر، وسنذكرهما في آخر السنة.
وفيها بعد مقتل محمد بعث معاوية عبد الله بنَ عمرو الحَضْرَمِيَّ إلى البصرة، يدعو أهلها إلى نفسه، وإلى الإقرار بما حَكم به عمرو بن العاص يوم التَّحكيم.
فحكى الطبري عن عُمر بن شَبَّة، عن علي بن محمد، عن أبي الذَّيَّال، عن أبي نَعامة -حديثًا طويلًا اختصرتُه- قال: لما قُتل محمد بن أبي بكر بمصر؛ خرج عبد الله بن عباس إلى علي ﵇ بالكوفة، واستخلف زياد بن أبيه على البصرة، وقدم ابن الحَضْرميّ من قبل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حُضَين بن المنذر ومالك بن مِسْمَع فقال: أنتم يا معاشر بكر بن وائل أنصارُ أمير المؤمنين وثِقاتُه، وقد نزل ابن الحضرمي حيث تَرون، وأتاه مَن أتاه، فامنعوني حتَّى يأتيَني أمرُ أمير المؤمنين -أو رأيُ أمير المؤمنين- فقال حُضَين: نعم، وقال مالك - وكان مائلًا إلى بني أمية، وهو الَّذي لجأ إليه مروان يوم الجمل: هذا أمر لي فيه شركاء، حتَّى أستشير وأنظر، فلما رأى زياد تثاقُلَ مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع بن خالد - وكان له صديقًا - فسأله أن يُجيرَه ويَمنعه، فأشار عليه نافع بصَبِرة بن شَيمان الحُدَّاني، فأرسل إليه زياد فقال: ألا تُجيرني وبيت مال المسلمين؟ قال بلى. فتحوّل زياد، ونقل معه المِنبر، فكان يُصلّي زياد بهم الجمعة في مسجد الحُدَّان، ويُطعم الناس.
وكان ابن أبي حاضر (١) مع زياد وجماعة من الأشراف، فاختبرهم زياد، ودَسّ إليهم جابر (٢) بن وهب فقال: يا معاشر الأزد، إن تميمًا تَزعُم أنهم يريدون أن يأخذوا جارَكم وبيت المال، ويخرجوكم من البصرة قهرًا، فذكر ابنُ شَيمان كلامًا يدلُّ على أنَّه يحمي زيادًا، وقال: إن جاء الأحْنَف جئتُ، وذكر أشراف بني تميم، فطاب قلب زياد.
стр. 2875
وكتب زياد إلى أمير المؤمنين: أما بعد؛ فإن ابن الحَضْرَميّ قدم من الشام، فنزل في بني تميم، ونَعى ابن عفَّان، ودعا إلى الحرب، وبايعته تميم وأهل البصرة، ولم يبق معي مَن أمتنع به، واستجرتُ بصَبِرة بن شَيمان فأجارني وبيتَ المال، فنزلت فيهم، وشيعةُ عثمان يختلفون إلى ابن الحَضْرمي، والسلام.
فبعث أمير المؤمنين أعين بن ضُبَيعَة المجاشعيّ لتفريق قومه عن ابن الحَضْرمي، وقال له: إن تفرَّقوا عن ابن الحضرمي وإلا فجاهدْهم، فإن رأيتَ ممن قِبَلَك تثاقلًا فاصبر، وطاولْهم حتَّى تأتيَك جنودُ الله تعالى.
فقدم أعين، فنزل عند زياد، وأتى قومَه، وجمع رجالًا، ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم فشتموه، فانصرف عنهم، فدخلوا عليه قوم فقتلوه غِيلَةً وهو على فراشه، فأراد زياد قتالهم، فكرهت الأزْد ذلك وقالوا: إن تعرَّضوا لجارِنا منعناه، وإن كَفُّوا عنا فما لنا حاجةٌ في قتالهم.
فكتب زياد إلى علي ﵇ يُخبِره بقتل أعين وما جرى، فبعث أمير المؤمنين جارِية بنَ قُدامة في خمسين رجلًا من بني تميم، وشريك بن الأعور في خمس مئة، وكتب إلى زياد يُصوِّب رأيَه فيما صنع، ويأمره بمعونة جارية بن قُدامة، والإشارةِ عليه، فقدم البَصرة، فنزل على زياد، فقال له زياد: احذَرْ أن يُصيبك ما أصاب صاحبَك، ولا تَثقَنّ بأحدٍ منهم.
فسار جارية إلى قومه، فقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين، ووعدهم فأجابه أكثرهم، فسار جارية إلى ابن الحَضْرَميّ، فحصره في دار سُنَيبْل (١)، وأحرق عليه الدار وعلى مَن معه؛ وكانوا سبعين رجلًا - ويقال أربعون - وتفرَّق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة (٢). وهذا قول الطبري.
وقال هشام بن محمد عن أبيه: إنما بعث أمير المؤمنين جارية بن قُدامة في أربعة آلاف فارس، وكان ابن الحَضْرميّ قد استولى على البصرة، واتَّبعه أكثرُ أهلها، فحصره جارية في بعض دُور أهل البصرة، وقال له: اخرج فأبى، وتفرَّق القوم عنه، فأحرقه
стр. 2876
ومَن معه في الدار، واستقامت البَصرة لأمير المؤمنين.
وقد اقتضى ذكرُ جاريةَ بن قُدامة هاهنا ذكر ترجمته: وهو
جارية بن قدامة
بجيم وياء منقوطة بنقطتين من تحتا، بن زهير بن الحُصَين بن رزاح بن أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب أبن سعد، بن زيد مَناة بن تميم، وكنيته أبو قُدامة السَّعدي، وقيل: أبو أيوب، وقيل: أبو يزيد، وقيل: اسمُه جُوَيرية.
واختلفوا في صُحبته، فذكره ابن سعد فيمن نزل البصرة من الصحابة وقال: له أخبار ومشاهد، وذكر قصته مع ابن الحضرمي فقال: بعثه علي ﵇ إلى البصرة وبها عبد الله بن عامر [الحَضْرَميّ خليفة عبد الله بن عامر] بن كُرَيز، فحاصره في دار سُنيبل؛ رجلٍ من بني تميم، وكان معاوية بعثه إلى البصرة ليُبايع له.
قال ابن سعد: وكان جارية بن قُدامة فيمن شهد قتلَ عمر بن الخطاب، قال: وكنّا من آخر مَن دخل عليه، فسألناه وَصيَّة، ولم يسأله أيّاها أحدٌ قبلَنا، قال: وقد روى جارية عن النبي ﷺ حديثًا.
قال ابن سعد بإسناده عن الأحنف بن قيس، عن [ابن] عمٍّ له يُقال له: جارية بن قُدامة أنَّه سأل النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، قلْ لي قولًا يَنفعني وأقْلِل، لعلّي أن أعيه، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تغضب"، ثم أعاد عليه فقال: "لا تغضب"، حتَّى أعاد عليه مِرارًا، كلُّ ذلك يقول: "لا تغضب" (١).
قلت: وقد أخرج أحمد هذا الحديث في "المسند" عن عبد الله بن نُمير، عن هشام، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عمٍّ له يُقال له: جارية بن قُدامة، وذكر بمعناه (٢)، ولم يُخرّج أحمد في "المسند" لجارية غيره، ولا لمن اسمُه جارية سواه.
وقد ذكره جدي ﵀ في "التّلقيح" في الصحابة الذين لهم صُحبة ورواية فقال: جارية بن قُدامة التَّميمي، عمُّ الأحنف بن قيس (٣).
стр. 2877
وقال ابن عبد البرّ: عسى أن يكون عمَّه لأمِّه، وإلا فما يجتمعان إلا في [سعد بن] زيد مناة، وقيل: إنه ابنُ عمِّ الأحنف (١).
وشهد جارية صفّين مع أمير المؤمنين.
وقال خليفة بن خيّاط: كانت له دار بالبصرة في سكَّة اصطفانوس (٢).
وقال أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري: جارية بن قُدامة شريف، لحِق رسول الله ﷺ ، وروى عنه الحديث، وكان يقال له: مُحَرِّق؛ لأنه حَرق ابنَ الحَضْرميّ بالبصرة، وكان فارسًا شجاعًا شهمًا سَمْحًا، والدار التي حَرَّق فيها تُعرف بدار سنيبل، وهو الَّذي بعثه أمير المؤمنين إلى اليمن وراء بُسْر بن أرطاة، فهرب منه بُسْر (٣).
وذكره ابن عساكر فقال: قال الفضل بن سُويد: وَفَد جارية بن قُدامة على معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين، فقال له معاوية: أنت السَّاعي مع ابن أبي طالب، والموقِدُ النّار، تَجوسُ البلاد، وتَسْفِك الذماء، فقال: دع عنك هذا يا معاوية، فو الله ما أبغَضْنا أمير المؤمنين بعد ما أحبَبْناه، ولا غَشَشْناه منذ نَصَحْناه، فقال: ما كان أهْوَنك على أهلك حيث سَمَّوك جارية، فقال جارية: أنت أهون على قومِك حيث سَمَّوك معاوية، وهل مُعاوية إلا كَلبةٌ عوت تُعاوي الكِلاب، وهل أُميَّة إلا تصغير أَمَة، والله إن قوائم السيوف التي جاهدناك بها يوم صفّين لفي أيدينا، قال: إنك لتهدِّدُني؟ قال: نعم، إنك لم تَملِكْنا قَسْرًا، ولم تفتحنا عَنْوة، ولكن أعطيتنا عهودًا ومواثيق، فإن وفيتَ لنا وَفَينا لك، وإن غدرتَ بنا فقد تركنا وراءنا رجالًا أمدادًا، وسواعد شِدادًا، وسيوفًا حِدادًا، ولئن مَدَدْت إلينا فِترًا من غَدْر بسطنا إليك باعًا من خَتْر. ثم فارق جارية بن قدامة الشام، ولم يَقبل صِلةَ معاوية (٤).
ولم يُذكر لنا تاريخُ وفاته، وليس في الصحابة مَن اسمُه جارية بن قدامة غيره، فأما غير ابن قُدامة فأربعة: جارية بن أَصْرَم الأَجْداري، في صُحبته نظر، والثاني: جارية بن
стр. 2878
جابر العصري، والثالث: جارية بن جميل بن نُشبة الأشجعي، والرابع: جارية بن ظفر أبو غزوان الحنفي، له رواية ولصاحب هذه الترجمة لا غير (١).
وفيها خرج الخِرِّيت (٢) بن راشد في ثلاث مئة من بني ناجية على علي ﵇ واعتزله.
وقال هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي مِخْنَف، عن أشياخه دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: قدم الخِرِّيت بن راشد على علي ﵇ الكوفة من البصرة في بني ناجية، وكانوا قد شهدوا معه الجمل وصفّين، فلما حكم الحكمين قام الخِرِّيت إلى أمير المؤمنين فقال له: والله يا علي إنا لا نُطيع أمرَك، ولا نُصَلّي خلفك، لأنك حكَّمت في دين الله، فقال له علي: ثَكِلتك أمُّك! إذًا تعصي ربَّك، وتَنكُث عهدَك، ولا تَضُرّ إلا نفسَك، أخبرني لم فعلتَ ذلك؟ فقال: لأنك حكَّمت في كتاب الله، وضَعُفْتَ عن الحق، ورَكَنْتَ إلى القوم الذين ظلموا، فقال له علي: فهَلُمَّ أدارِسْك الكتاب، وأُناظِرْك في السنن التي أنا أعلم بها منك، قال: مَهْلًا عليَّ فإني سأعود إليك.
ثم خرج من عنده وفارقه بأصحابه، فقيل لأمير المؤمنين: إنا نخاف أن يُفسدَ عليك الأمر، ويصير في جماعة كثيرة، فيجري ما جرى يوم النّهر، فقال علي لزياد بن خَصَفة: اخرج وراءهم وعِظْهم، وأنذرهم وخَوِّفهم، فإن رجعوا وإلا فشَأنُك بهم.
ثم قال له أمير المؤمنين: اخرج فأنزل ديرَ أبي موسى حتَّى يأتيَك أمري، وكتب علي ﵇ إلى عُماله بالحَذَر منهم، والمسير مع زياد بن خَصَفة إلى قتالهم، وسار زياد في مئة وعشرين رجلًا، وقطع الجِسْر، ونزل ديرَ أبي موسى، وأقام ينتظر أمرَ علي ﵇.
قال أبو مخنف: فبينما أمير المؤمنين على ذلك إذ جاءه كتابٌ من قَرَظَة بن كعب الأنصاري: أن خيلًا مرَّت متوجّهةً من الكوفة إلى أسفل الفرات، فلقوا رجلًا من
стр. 2879
دهاقين يقال له: زاذان فَرُّوخ (١) فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: لا، بل مسلم، قالوا: فما تقول في علي؟ قال: هو أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وابن عم رسول ربِّ العالمين، فقالوا: كفرت يا عدوّ الله وقتلوه، وكان معه رجل من أهل الذِّمَّة فلم يتعرَّضوا له.
قال: وكتب علي إلى زياد بن خَصَفة يُخبره الخبر، ويأمُره بالمسير إليهم، وأن يَرُدَّهم، فإن أبَوا ناجِزْهم.
فسار خلفه إلى قرقيسيا ثم إلى المذار، وكان زياد بن خصفة، عبد الله بن وَال، وهو الَّذي قدم بكتاب علي على زياد بن خَصَفة.
قال عبد الله: ولما نزلنا قرقيسيا سألْنا عنهم فقيل: أخذوا نحو جَرْجَرايا، فتبعناهم (٢) حتَّى أدركناهم بالمَذَار، وقطعنا دجلة، فلما رأونا ركبوا خيولَهم، ووقفوا عليها، وتقدّم إلينا خِرّيت بن راشد وقال: يا عميان القلوب والأبصار، أمع الله أنتم ومع كتابه وسنّة رسوله أم مع الظالمين؛ فقال له زياد - وكان مُجَرّبًا رفيقًا: إن الَّذي جئنا له لا يُصلحه الكلامُ علانيةً على رؤوس أصحاب وأصحابك، ولكن أنزل [وتنزل] ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرَنا وننظر، فإن رأيت ما جئنا به حقًّا فأقبله، وإلا فاردُدْه.
قال: فأنزل بنا على هذا النهر، قال: فنزلنا وتفرَّق أصحابنا عشرة وتسعة وأقل وأكثر، بعضهم يصنع طعامًا، وبعضهم يسقي، وقد علّقوا مخالي الدواب على رؤوسها، فلم انظر إليهم زياد قال: ويحكم ما هذا أنتم أصحاب حرب؟! والله لو جاءكم القوم على هذه الحال والغِرّة لبلغوا منكم ما أرادوا، قوموا إلى خيلكم فألْجِموها، والبسوا سلاحَكم حتَّى أدنو منهم، وأدعوهم إلى الطاعة، فإن أجابوا وإلا قاتلناهم، قال: ففعلوا ذلك.
стр. 2880
ثم جاء زياد فوقف ناحيةً في خمسة رجال، فقال له زياد: ما الَّذي نَقمْتُم على أمير المؤمنين وعلينا حتَّى فارقتمونا؟ فقال: لم أرْضَ صاحبَكم إمامًا، ولا سيرتكم سيرة، فاعتزلناكم وصرنا مع مَن يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على إمام كنا مع الناس، فقال له زياد: وَيحك، وهل يجتمع الناس على رجل يُداني أمير المؤمنين، وذكر فضائلَ علي وسوابقَه في الإسلام، فقال: ألا إنه خالف كتاب الله وحكَّم الرجال، قال زياد: فلِم قتلتم الرجلَ المسلم؟ قال: ما قتلتُه، وإنما قتله أصحابي، قال: فادفعهم إلينا، قال: لا سبيل إلى ذلك.
ثم تداعَوا إلى القتال، وقُتل منهم جماعة، وحال الليل بين الفريقين، فلما كان وقت السَّحَر ذهبوا تحت الليل، فنزلوا الأهواز، وكتب زياد إلى علي ﵇ مع عبد الله بن وَأْلٍ يقول:
أما بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجي وأصحابَه بالمذار، فدعوناهم إلى الهدى وكلمة الحق، فأخذتهم العِزّة بالإثم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فاقتتلنا قتالًا شديدًا إلى الليل، فاستُشهد منا رجلان صالحان: مولى لزياد كانت معه رايته يُدعى سُويدًا، ورجل من الأبْناء يُدعى وافدَ بنَ بكر، وأصيب من الخرارج خمسة نفر، وفشت فينا وفيهم الجراحات، وساروا تحت الليل نحو الأهواز، ونحن بالبصرة نداوي جراحَنا، وننتظر أمرَك، والسلام.
فجهّز علي ﵇ مَعقِل بن قيس من الكوفة في ألفين وكتب إلى ابن عباس إلى البصرة بأن يُجَهّز رجلًا من أهل الصلاح في ألفين، وأمر زياد بن خصفة بأن يوجع إلى الكوفة، وكتب إلى زياد:
أما بعد، فقد وصلني كتابُك، وفهمتُ لما ذكرتَه عن الناجي وأصحابه؛ الذين طبع الله على قلوبهم، وزَّين لهم الشيطان أعمالهم فهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنْعًا، وأما أنت وأصحابُك فلله سَعْيُكم، وعليه جزاؤكم، فأبشروا بثواب الله، خير من الدنيا التي يقتل الجهَّالُ أنفسَهم عليها، ما عندكم ينفد وما عند الله باق، كأنك بالقوم بعد قليل بين أسير وقتيل، فأقبل إلينا أنت وأصحابك مَأجورين مُثابين، أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء، والسلام.
стр. 2881
وقال أبو مخنف: وسار مَعقِل بن قيس من الكوفة في ألفين، وأوصاه علي ﵇ فقال له: يا مَعْقِل، اتّق الله ما استطعتَ، ولا تَبْغِ على أهل القبلة، ولا تظلم أهلَ الذّمّة، ولا تتكَبَّر فإن الله لا يُحبُّ المتكبِّرين.
وسار معقل فنزل الأهواز، وأبطأ عليه مَدَدُ أهل البصرة، فقال لأصحابه: سيروا بنا نلتقي القوم، فإني لأرجو أن ينصرنا الله، فقالوا: سر على اسم الله.
فبينما هو على ذلك إذ جاءه كتاب ابن عباس يقول: قد بعثنا إليك خالد بنَ مَعْدان الطائي، فأقم حيث أنت، فأقام حتَّى وصل الطائي، وسُرَّ القوم بقدومه.
ثم ساروا خلف الخوارج، فلحقوهم عند الجبل، ومعقل أمير الجيش، فصفَّ أصحابَه، فجعل على ميمنته يزيد بن المَعْقِل، وعلى ميسرته مِنجاب بن راشد الضَّبِّي من أهل البصرة، ووقف الخريت بن راشد الناجي بمن معه من العرب والأكراد والعلوج، واقتتلوا ساعة، ثم انهزموا، فقتل معقل منهم ثلاث مئة من العرب والعلوج والأكراد وبني ناجية، وانهزم الخريت بن راشد حتَّى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه، فأقام فيهم يدعوهم إلى الخلاف على أمير المؤمنين، ويأمرهم بحربه؛ حتَّى تبعه منهم خلق كثير، وأقام معقل بأرضِ الأهواز، وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بالوَقْعة، وفيه:
أما بعد، فإنا لقينا المارِقين وقد استظهروا بالمشركين، فقتلناهم قتلَ عادٍ وإرَم، مع أنا لم نَعْدُ فيهم سيرتَك؛ لم نقتل مُدبِرًا، وقد نصرك الله والمسلمين، فالحمد لله رب العالمين.
فاستشار علي أصحابه فقالوا: نرى أن معقل بن قيس يتبع آثار الفاسق حتَّى يقتله، وإلا أفسد علينا الناس، فكتب إليه يأمره بذلك.
فسار معقل خلفه وهو بالأسياف، فجمع الخرِّيت خلقًا عظيمًا من بني ناجية، والتقوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ورأى النُّعمان بن صُهْبان الرَّاسبيّ الخريت بن راشد يجول في الناس، فحمل عليه فطعنه، فسقط عن دابّته، فنزل فقتله، وقتل معه في المعركة عامة بني ناجية، وبعث معقل بن قيس الرِّجال في آثار مَن بقي، فسَبَوا خلقًا كثيرًا، فمن كان مُسلمًا أطلقه معقل، ومَن كان مُرتَدًّا عرض عليه الإسلام، فإن أسلم خلّى سبيله، ومَن أقام على دينه وامتنع من أداء الجِزية أسره.
стр. 2882
وكتب مَعقِل إلى أمير المؤمنين بالفتح، وكان قد سبى من النصارى من بني ناجية نحوًا من خمس مئة إنسان؛ ليرى أميرُ المؤمنين فيهم رأيَه، فرحل مَعقِل وهم معه، فمر بهم على مَصْقَلَة بن هُبَيرَة الشّيباني، وهو عامل علي [على] أردشيرخُرَّة، فبكى النساء والصبيان وصاحوا: يا أبا الفضل، امنُن علينا فأنت حامل الأثقال، وفكّاك العُناة، فقال: أقسم بالله لأتصدقنّ عليكم.
وبعث مَصْقَلَة ذُهْلَ بن الحارث إلى معقل بن قيس فقال: بِعني بني ناجية، فقال: بألف ألف، فلم يزل به حتَّى باعهم بخمس مئة ألف، ودفعهم إليه وقال: عَجِّل إلى أمير المؤمنين بالمال، فقال: نعم أنا أُنفذه شيئًا بعد شيء.
وقدم معقل بن قيس على أمير المؤمنين، فأخبره فقال: أحسنتَ وأصبت، ثم أبطأ مصقلة على علي بالمال، وبلغه أن مَصْقَلَة خلّى سبيل الأسارى، ولم يسألهم أن يُعينوه في فِكاك نفوسهم بشيء، فكتب إليه: يا مصقلة، اقدم بالمال؛ فإنك قد خنت المسلمين، وإلا فقد أمرتُ رسولي بإشخاصك.
فلما قرأ كتابه أقبل حتَّى نزل البصرة، فقال له ابن عباس: أحضِر المال، وكان عمال البصرة يَحملون من كُوَر البصرة المال إلى ابن عباس، فقال مَصقَلَة: أنظِرْني أيامًا، ثم أقبل إلى علي فأدَّى إليه مئتي ألف وعجز عن الباقي، ولحق بمعاوية، فقال علي: ماله قبحه الله، فَعل فِعل السِّيد، وفرَّ فِرار العبد، وخان خيانةَ الفاجر، أما إنه لو أقام وهو عاجز ما أخذنا منه شيئًا، ثم هدم علي دارَ مَصقلة بن هُبَيرة.
وكان أَخوهُ نعيم بن هُبيرة شيعيًّا، ولأمير المؤمنين مُحبّا ناصحًا، فكتب مصقلة من الشام إلى أخيه نعيم: إني كلَّمتُ معاوية فيك، فوعدك الإمارة والكرامة، فأقبِلْ إلينا عند وصول الرسول، وبعث بالكتاب مع رجل نصراني يُقال له: حُلْوان من بني تَغلِب، وعلم به مالك بن كعب الأرحَبيّ، فبعث بحُلْوان وبالكتاب إلى أمير المؤمنين، فقرأه، وقطع يدَ حُلْوان فمات، وبلغ التغلبيّون هلاكَ حُلْوان، فقالوا لمَصقلة: أنت أهلكتَه، فإما أن تُحييَه وإما أن تَدِيَه، فقال: أما إحياؤه فلا أقدر عليه، ولكني سَأدِيه، فوَدَاه (١).
стр. 2883
وفيها ولَّى أميرُ المؤمنين زياد بن أبيه فارس (١)، فحكى الشَّعبيُّ وقال: ولما قتل علي أهلَ النهر، وخرج عليه بنو ناجِية، وقدم ابن الحَضْرميّ البصرة، انتَقَض أهلُ الجباب، وطمع أهلُ الخراج في الخراج وكسروه، وأخرجوا سَهْلَ بنَ حُنَيف من فارس -وكان عامل علي عليها- فاستشار علي ابنَ عباس في ذلك، فقال له: وأين أنت عن زياد، فبعثه في جيش كثيف إلى فارس، فدَوَّخ البلاد ووَطِئها، فأدّوا الخراج، واستقامت الأمور.
وقال أبو معشر: وحجَّ بالناس في هذه السنة قُثَم بن العبَّاس من قِبل أمير المؤمنين، وكان قُثَم عاملَه على مكة والطائف، وكان عامله على اليمن عُبيد الله بن عباس، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى خُراسان خُلَيد بن قُرَّة اليَربوعي، وأما مصر فكانت بيد معاوية وعليها عُمَّالُه.
وفيها توفّيت
أسماء بن عُمَيس
ابن معد بن تَيْم بن الحارث بن كعب بن مالك بن قُحافَة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نَسْر بن وهب الله بن شهران بن عِفْرِس بن أَفْتَل، وهو جماع خَثْعَم، وأمُّها هند، وهي خَوْلة بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حَماطَة بن جُرَش.
قال ابن سعد بإسناده عن يزيد بن رُومان قال: أسلمت أسماء بنت عُمَيس قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بمكة، وبايعت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فوَلَدت له هناك عبد الله وعَوْنًا ومحمدًا بَني جعفر، ثم قتل عنها جعفر [بمؤتة] شهيدًا في جُمادى الأولى سنة ثمانٍ من الهجرة.
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: فتزوَّجها أبو بكر الصدّيق بعد جعفر، فوَلَدت له محمد بن أبي بكر، ثم تُوفّي عنها أبو بكر.
قال الواقدي: ثم تزوَّجها علي بن أبي طالب، فوَلَدت له يحيى وعَوْنًا (٢).
стр. 2884
وفي رواية: ومحمدًا، فهي تُدعى أمّ المحمَّدين.
وقد أشرنا إلى طَرفٍ من أخبارها في ترجمة جعفر بن أبي طالب، وكانت تخدم فاطمة ﵍ إلى أن تُوفّيت فاطمة، وقد ذكرناها، وأسماء أخت ميمونة زوجةِ النبي ﷺ ، وأمِّ الفضل لأمها، وكانت وفاة أسماء في هذه السنة، بعد مقتل ابنها محمد ابن أبي بكر، وقيل: قبله.
ذكر طرف من أخبارها:
قال ابن سعد بإسناده عن الشعبي، وأسنده أبو حمزة قالا: لما قدمت أسماء بنت عُمَيس من أرض الحبشة قال لها عمر: يا حَبشيّة، سبقناكم بالهجرة، فقالت: إي لعَمْري لقد صدقت، كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائعَكم، ويُعَلِّم جاهلَكم، وكنا البُعداء الطُرَداء، أما والله لآتينّ رسول الله ﷺ فلأذكرنّ له ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: "للناس هجرة، ولكم هجرتان".
وفي رواية ابن سعد عنها أنها قالت: يا رسول الله، إن رجالًا يَفخرون علينا، ويَزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأوَّلين، فقال رسول الله ﷺ : "لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة ونحن مُرْهَنون بمكة، ثم هاجرتم بعد ذلك".
وفي رواية ابن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "كذب مَن يقول ذلك، لكم الهجرة مرَّتين: مرة إلى النجاشي، ومرة إلي" (١).
وقد ذكرنا أن أسماء أشارت بالنَّعْش لما توفيت فاطمة ﵍ وقالت: كانوا يصنعونه بالحبشة.
وقد ذكرنا أن النبي ﷺ لما استشهد جعفر أتى إلى بيت أسماء، وعزَّاها في جعفر وقال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا" الحديث.
وروى ابن سعد، عن عبد الله بن نُمَير، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب أن أسماء نَفِست بمحمد بن أبي بكر الصديق ﵁ بذي الحُلَيفة، وهم يريدون حجَّة الوداع، وأن أبا بكر أمرها أن تغتسل ثم تُهلّ بالحج.
стр. 2885
وفي رواية ابن سعد: فهمَّ أبو بكر بردِّها، فسأل النبيّ ﷺ فقال: "مُرْها فلتغتسل، ثم تحرم". قال ابن المسيب: وكانت نُفَساء.
وفي رواية ابن سعد: فأمرها رسول الله ﷺ أن تَسْتَثْفِر بثوب، ثم تغتسل وتُهلّ.
وقال ابن سعد بإسناده عن قيس بن أبي حازم قال: دخلتُ مع أبي على أبي بكر فرأيت يد أسماء مَوشومة، وهي تَذُبُّ عن أبي بكر (١).
وقد ذكرنا أن أبا بكر أوصى أن تغسله أسماء بنت عُميس، وأنها غسلته.
وقال ابن سعد: فرض لها عمر ألفَ درهم في العطاء (٢).
قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" عشرة أحاديث ذكرنا بعضَها، وليس لها في الصحيح شيء.
وقال أحمد بإسناده عن أم جعفر ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عُميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابُه جاء رسول الله ﷺ فدخل عليّ وقال: "ائتيني ببني جعفر" فأتيتُه بهم، فشَمَّهم ودمعت عيناه … وذكر الحديث، وفيه: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا" (٣).
وأسماء هي أشارت أن يُلَدَّ رسول الله ﷺ ، وقد ذكرناه (٤).
قلت: وليس في الصحابيّات مَن اسمُها أسماء بنت عُمَيس سواها، فأما أسماء غير بنت عُميس فاثنتا عشرة امرأة:
إحداهن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁، والثانية: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، والثالثة: أسماء بنت مُخَرّبة بن جَنْدل، والرابعة: أسماء بنت سَلامة بن مُخَرِّبة، والخامسة: أسماء بنت مُرْشدة، والسادسة: أسماء بنت قُرْط بن خَنْساء، والسابعة: أسماء بنت النُّعمان الجَوْنيّة، تزوجها رسول الله ﷺ ثم طلَّقها، وقد ذكرناها، والثامنة:
стр. 2886
أسماء بنت زيد بن الخطّاب، والتاسعة: أسماء بنت سلامة، دَارِميّة زوجة عياش بن أبي ربيعة (١)، والعاشرة: أسماء بنت عمرو بن عديّ، سُلَميّة، ويُكنى أمّ منيع، والحادية عشرة: أسماء بنت مُحْرِز بن عامر، أنصاريّة من بني النَّجّار، والثانية عشرة: أسماء بنت عُميس بنت مرشد بن حير، أخت بني حارثة (٢)، والثالثة عشرة: أسماء بنت يزيد، أنصاريّة وتكنى أم سلمة، وقيل: هي بنت السَّكَن.
ذكر أعيانهن:
أما أسماء بنت أبي بكر فسنذكرها عند مَقتل ابنها عبد الله بن الزبير.
وأما أسماء بنت يزيد بن السَّكَن فهي من بني عبد الأَشْهَل، وكُنيتُها أمّ عامر، وقيل: اسمُها فُكَيْهَة، وقد أخرج لها أحمد في "المسند" نيّفًا وعشرين حديثًا، ولم يُخرّج أحمد في "المسند" عمّن اسمُها أسماء سوى ثلاثة؛ هذه، وأسماء بنت أبي بكر، وأسماء بنت عُمَيس.
ومن مسانيد أسماء بنت يزيد بن السَّكَن: قال أحمد بإسناده عن شَهْرِ بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ: "إنه عَمِلَ غير صالح" [هود: ٤٦] قالت: وسمعتُه يقرأ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
ولها أحاديث حِسان.
وأما أسماء بنت مُخَرِّبة بن جَنْدل بن أُبَيْر بن نَهْشَل بن دارِم، من بني تميم، وأمُّها العَناق بنت الجَبَّار بن عَوْف بن أبي حارثة، من تَغلبِ بن وائل، تزوَّجها هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم، فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام، ثم مات عنها هشام، فخلف عليها أخوه أبو رَبيعة بن المغيرة، فولدت له عياشًا وعبد الله وأمَّ حُجَير بني أبي رَبيعة، وأسلمت أسماء وبايعت، وقدِمت المدينة، وبقيت إلى خلافة عمر بن الخطاب أو بعدها (٤).
стр. 2887
وأما أسماء بنت سلامة بن مُخَرّبة بن جَندل فتميميّة، وأمُّها لسلمى بنت زهير، تميميّة أيضًا، أسلمت قديمًا وبايعت، وهاجرت إلى الحبشة الهجرة الثانية مع زوجها عَيَّاش ابن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخزوم، فولدت له هنالك عبد الله بن عيَّاش (١).
وأما أسماء بنت مُرْشِدة بن جَبْر، من بني حارثة، وأمُّها سَلامة بنت مسعود بن كعب بن عامر بن عَدِيّ بن مَجدَعة بن حارثة، تزوَّجها الضحَّاك بن خليفة، من بني عبد الأشهل، فولدت له ثابتًا، وأبا جبيرة، وأبا بكر، وعمر، وثبيتة التي تزوَّجها محمد بن مسلمة، وبكرة، وحمَّادة، وصفيَّة. أسلمت أسماء وبايعت النبي ﷺ (٢).
وأما أسماء بنت قُرْط بن خَنْساء بن سِمنان بن عُبيد بن عَدِيّ بن غَنْم بن كعب بن سَلَمة، وأمُّها ماويّة بنت القَيْن بن كعب بن سواد، من بني سَلِمة، تزوَّجها الطُّفَيل بن النعمان بن خَنْساء بن مَبْذول (٣)، فولدت له الربيّع، أسلمت أسماء وبايعت رسول الله ﷺ .
وأما أسماء بنت مُحْرِز بن عامر، أنصاريّة، وأمُّها أمُّ سهل، نَجَّاريّة، تزوَّجها قيس بن عُبيد، وكُنيته أبو بَشير، أنصاريّ، فولدت له بشيرًا والجعد، أسلمت وبايعت (٤).
ذكر سَلْمى بنت عُمَيْس
أخت أسماء بنت عُمَيس بن مَعْد بن تَيم، وأمُّها هند، وهي خَوْلَة بنت عوف، فسَلمى أخت أسماء لأمّها وأبيها.
أسلمت قديمًا مع أختها أسماء، وتزوّجها حمزة بن عبد المطَّلب بن هاشم، فوَلَدت له ابنتَه عُمارة، وهي التي كانت بمكّة، فأخرجها علي في عُمرة القضيَّة، واختصم فيها علي وزيد وجعفر، وقد ذكرناها.
ولما قُتل حمزة تأيّمت سلمى، فتزوَّجها شَدّاد بن الهاد اللّيثي، فوَلَدت له عبد الله بن
стр. 2888
شَدَّاد، فهو أخو عمارة بنت حمزة لأمّها، وهو ابن خالة وَلَد العباس بن عبد المطلب أمِّ الفضل، وهو ابن خالة خالد بن الوليد بن المغيرة، وقد ذكرناه (١).
وليس في الصحابيّات مَن اسمُها سَلْمى بمْت عُمَيْس غير هذه، فأما سلمى غير بنت عُمَيْس فعشرة نساء: إحداهن سَلمى مولاة رسول الله ﷺ ، قال ابن سعد: وقد سمعتُ مَن يقول: إنها مولاة صفيّة بنت عبد المطَّلب، زوّجها رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه، وهي أمُّ أولاده، وكانت قابلة خديجة في جميع أولادها من النبي ﷺ ، وهي التي قَبِلت مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وخرجت إلى زوجها فأعلَمَتْه، فبَشّر رسولَ الله ﷺ ، فوهب له غلامًا، وشهدت سَلمى خيبر مع رسول الله ﷺ (٢).
والثانية: سلمى بنت يَعار، حكى ابن سعد عن الواقدي أنها أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، وهي أخت ثُبَيْتَة بنت يعار، امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وثُبَيتة هي التي أعتقت سالمًا، فتبنّاه أبو حذيفة، وقد ذكرناه.
أسلمت ثبيتة وبايعت رسول الله ﷺ (٣).
والثالثة: سلمى بنت زيد بن تَيْم بن أمية، من بني بياضة من الأوس، أمها الرَّحَّالة بنت المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي، تزوجها عمرو بن عبَّاد بن عمرو، من الخزرج، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ (٤).
والرابعة: سلمى بنت عمرو بن خُنَيْس بن لَوْذان، من بني ساعدة، وأمُّها هند بنت المنذر بن الجموح بن يزيد بن حَرام، وهي أخت المنذر بن عمرو، والمنذر شهد العقبة وبدرًا، وكان نقيبًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وهي أخته لأبيه وأمه.
تزوّجها عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أسلمت سلمى وبايعت النبي ﷺ (٥).
стр. 2889
والخامسة: سلمى بنت أسلم بن حَرِيش، وتكنى أمّ عبد الله (١).
والسادسة: سلمى بنت زيد بن تَيْم (٢).
والسابعة: سلمى بنت صخر، أم أبي بكر، تُكنى أمّ الخَير (٣).
والثامنة: سلمى بنت قيس بن عمرو، تكنى أمّ المُنذر، أنصارية (٤).
والتاسعة: سلمى بنت نصر، مُحاربيّة.
والعاشرة: سلمى أمّ رافع، لها إدراك، وقيل: سلمى أخرى غير منسوبة، وقيل: هي مولاة صَفيّة (٥).
وفيها توفي
سَهْل بن حُنَيْف
ابن واهب بن العُكَيم بن ثعلبة بن (٦) الحارث بن مَجْدَعة بن عمرو بن حَنَش بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاريّ، من أهل مسجد قُباء، وكُنيته أبو سَهْل، واسم أمّه هند بنت رافع بن عُمَيس، وقيل: أبو عبد الله.
وسهل من الطبقة الأولى من الأنصار، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين علي بن أبي طالب، وشهد سهل بدرًا وأحدًا والخَندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وثبت معه يوم أحد حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت وجعل يَنْضَح يومئذٍ بالنَّبل عن رسول الله ﷺ ، قال ابن سعد: فقال رسول الله ﷺ : "نَبّلوا سَهْلًا فإنه سهل".
وروى ابن سعد عن الزهري قال: لم يُعطِ رسول الله ﷺ من أموال بني النَّضير أحدًا من الأنصار إلا سهل بن حُنَيف وأبا دُجانَة سِماك بن خَرَشَة؛ فإنهما كانا فقِيرَين.
стр. 2890
وقد شهد سهل صفين مع أمير المؤمنين (١).
واختلفوا في وفاته على قولين: أحدهما: أنَّه توفّي بالكوفة، قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: مات سهل بن حُنيف بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصَلّى عليه علي ﵇.
والثاني: أنَّه توفي بالرَّحْبة عند عَود علي من صفين، قال ابن سعد بإسناده عن حَنَش بن المُعْتَمِر قال: لما توفي سهل بن حُنيف أتي به إلى علي ﵇ في الرحبة، فكبَّر عليه ستّ تكبيرات، فكأن بعض القوم أنكر ذلك، فقيل إنه بَدريّ.
وروى ابن سعد عن عبد الله بن معقل قال: كبّر علي في سلطانه كله أربعًا أربعًا على الجنازة، إلا على سهل بن حُنيف فإنه كبَّر عليه خمسًا ثم التفت إليهم وقال: إنه بدري.
وفي رواية ابن سعد: أنَّه لما كبَّر عليه خمسة قالوا: ما هذا التكبير؟ فقال علي: هذا سهل بن حُنيف من أهل بَدْر، ولأهل بدرٍ فضلٌ على غيرهم، فأردت أن أعلمكم فضلَهم (٢).
ذكر أولاده: قال ابن سعد: كان له من الولد: أبو أُمامة، واسمه أسعد باسم جدِّه أبي أُمامة، وعثمان، وأمُّهما حبيبة بنت أبي أُمامة أسعد بن زُرارة بن عُدَس، من بني النجار. وسعد وأمُّه أمّ كلثوم بنت عُتبة بن أبي وَقّاص الزهري. قال: ولسهل اليوم عَقِبٌ بالمدينة وبغداد، وأخوا سهل بن حُنَيف لأمّه عبد الله والنعمان ابنا أبي حَبيبة بن الأزْعر بن زيد بن العَطّاف بن ضُبَيعة، وسهل بن حُنَيف أخو عثمان بن حُنَيف (٣).
أسند سهل عن رسول الله ﷺ أحاديث، قال قوم: أربعين حديثًا، وأخرج له أحمد في "المسند" اثني عشر حديثًا، منها في الصحيحين ستة، اتفقا على أربعة منها، وحديثان لمسلم.
قال أحمد بإسناده عن محمد بن سليمان الكرماني، سممعت أبا أُمامة بن سَهل بن
стр. 2891
حُنَيف يقول: قال أبي: قال رسول الله ﷺ : "مَن خرج حتَّى يأتيَ هذا المسجد" مسجد قُباء "فيصلّي فيه ركعتين، كان كعَدْلِ عُمْرَة". وفي رواية: ولم يذكر الركعتين (١).
وليس في الصحابة من اسمه سهل بن حُنيف سواه، فأما غير ابن حنيف فكثير (٢).
وفيها توفي
صُهيب بن سنان
ابن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مَناة بن النَّمِر بن قاسط بن هِنْب بن أَفْصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
كذا نسبه ابن سعد والبَلاذري، ومنهم مَن يجعل جَذِيمة مكان خُزَيمة (٣).
وأمُّه سلمى بنت قَعيد بن مَهِيض، من تميم.
واختلفوا فيه؛ فقال ابن سعد: كان أبوه سِنان بن مالك، أو عمه، عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، وقيل: كانوا في قرية على شطِّ الفرات مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الرُّوم على تلك النّاحية، فسَبَتْ صُهَيبًا وهو غلام صغير، فقال عمُّه: أنشد الله الغلامَ النَّمريّ، دجَّ وأهلي بالثني، والثني اسم القرية التي كان بها. فنشأ صُهيب بالروم، فابتاعتْه كَلْبٌ منهم، فقدِمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدعان، وبُعث رسول الله ﷺ لما أراد الله به من الكرامة، ومَنّ عليه من الإسلام.
قال: وأما أهل صهيب ووَلَدُه فيقولون: بل هرب من الروم حين بلغ وعَقَل، فقدم مكة، فحالف عبد الله بنَ جُدعان، وأقام معه إلى أن هَلَك (٤).
وقد أخرج الحميدي [في] "الجمع بين الصحيحين" عن البخاري، عن عبد الرحمن
стр. 2892
ابن عوف قال: قلتُ لصهيب: اتَّق الله ولا تَدَّعِ إلى غير أبيك. فقال صُهيب: ما يَسُرُّني أن لي كذا وكذا وأني فعَلتُ ذلك، ولكن سُوقتُ وأنا صبيّ (١).
قلت: ولم أجد هذا اللفظ في مسند عبد الرحمن بن عوف.
وكنية صُهيب: أبو يحيى، كَناه به رسول الله ﷺ .
قال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن حمزة بن صُهَيب، عن أبيه: أنَّه كان يُكنى أبا يحيى ويقول إنه من العرب، ويُطعم الكثير، فقال له عمر بن الخطاب: يا صُهيب، ما لك تُكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ وتقول إنك من العرب وأنت رجل من الروم؟ وتُطعم الطعام الكثير وذلك سَرَفٌ في المال؟
فقال صهيب: إن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى، وأما قولك في النسب وادّعائي إلى العرب فإني رجل من النَّمِر بن قاسط، من أهل الموصل، ولكن سُبِيت، سبَتْني الرُّوم غلامًا صغيرًا بَعد أن عَقَلْتُ أهلي وقومي، وعرفت نَسَبي، وأما قولك في الطعام وإسرافي فيه؛ فإن رسول الله ﷺ كان يقول: "إن خِيارَكم مَن أطعم الطعام، ورَدَّ السلام"، فذلك الَّذي يَحملُني على أن أُطِعم الطعام (٢).
وفي رواية: وكناني رسول الله ﷺ أبا يحيى قبل أن يُولد لي.
ذكر صفته:
قال ابن سعد: كان رجلًا أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، وكان كثيرَ شَعر الرَّأس، وكان يَخضب بالحِنَّاء (٣).
وقال هشام: سُمِّي صهيبًا لأنه كان أصْهَبَ اللون، وقد ذكرنا أنَّه أسلم مع عمار بن ياسر.
ذكر بعض مناقبه:
قال علماء السير: صُهيب من الطبقة الأولى من المهاجرين، وكان من المُسْتَضْعَفِين الذين يُعَذَّبون بمكة في الله تعالى، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله
стр. 2893
ﷺ ، وهو من السابقين الأوَّلين، ويُسَمَّى سابقَ الرّوم.
قال ابن سعد باسناده عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "صُهيب سابِقُ الرُّوم" (١).
ذكر هجرته إلى المدينة:
قال ابن سعد بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني أن صهيبًا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكة: أتيتنا هاهنا صُعلوكًا حقيرًا فكَثُر مالُك عندنا، وبلغتَ ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، فقال: أرأيتم إن تركتُ مالي، مُخَلُّون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فجعل لهم ماله أجمع، فبلغ النبي ﷺ فقال: "رَبح صُهَيب، ربح صهيب".
وقال ابن سعد بإسناده عن سعيد بن المسَيّب قال: أقبل صهيب مُهاجرًا نحو المدينة، واتّبعه نفرٌ من قريش، فنزل عن راحلته، وانْتَثَل ما في كِنانته، ثم قال: يا معاشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وايمُ الله، لا تَصِلوا إليّ حتَّى أرمي بكلِّ سهمٍ معي في كنانتي، ثم أضربَكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دَلَلْتكم على مالي وخَلَّيتم سبيلي؛ قالوا: نعم، ففعل، فلما قدم على النبي ﷺ قال: "ربح البيعُ أبا يحيى، ربح البيع"، قال: ونزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وحكى ابن سعد عن الواقدي، عن عاصم بن سويد، عن محمد بن عمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: قدم آخِرَ الناس في الهجرة إلى المدينة علي بن أبي طالب وصُهيب بن سنان، وذلك للنصف من ربيع الأول، ورسول الله ﷺ بقُباء لم يَرِمْ بعد (٢).
وقال الواقدي: لما هاجر صهيب إلى المدينة نزل على سعد بن خَيثَمة، وكان منزل العُزَّاب من الصحابة، قال: وآخى رسول الله ﷺ بين صُهيب والحارث بن الصِّمَّة (٣).
وقال أبو نعيم بإسناده عن علي بن عبد الحميد (٤) بن زياد بن صَيفي بن صُهَيب، عن
стр. 2894
أبيه، عن جدّه، عن صهيب قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مَشهدًا قط إلا وكنت حاضرَه، ولم يبايع بيعةً قط إلّا كنت حاضرها، ولم يَسر سَرِيّةً قط إلا كُنْتُ حاضرها، ولا غزا غزاة قط أول الزمان وآخره إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامَهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كُنْتُ وراءهم، ولا جعلتُ رسول الله ﷺ بيني وبين العدوّ قط؛ حتَّى توفي رسول الله ﷺ .
وقد ذكرنا أن عمر بن الخطاب أمرَ صهيبًا أن يصلي بالناس أيام طُعن، وأنه صلّى على عمر.
ذكر وفاته:
حكى ابن سعد عن الواقدي، عن أبي حذيفة رجلٍ من ولد صهيب، عن أبيه، عن جدّه قال: توفي صُهيب في شوّال بالمدينة، سنة ثمان وثلاثين، ودُفن بالبقيع وهو ابن سبعين سنة (١).
وقال هشام: ابن أربع وثمانين سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقَّاص.
وعامة المؤرخين أنَّه توفيّ بالمدينة، إلا أحمد بن هارون فإنه قال: توفي بالشام، والأول أشهر، ودُفن بقِبلي دمشق.
عند ميدان الحصى قبر يقال: إنه قبر صهيب، بناه خلف المصري صاحب المعظَّم عيسى ﵀، وبنى عليه قُبة ومَنارة، وقال: رأيت في المنام قائلًا يقول: هذا قبرُ صُهَيب.
ذكر أولاده:
وهم عثمان وصيفي وحمزة وسعد وعبادة وحبيب وصالح ومحمد بنو صهيب، رووا عنه كلهم. كذا ذكر ابن عساكر في "تاريخه" وزاد ابن قتيبة: وعُمارة بن صهيب (٢). وليس في أولاده من اسمه يحيى، فلعل رسول الله ﷺ كناه تأوّلًا بطول العمر.
أسند صهيب عن رسول الله ﷺ أحاديث، أخرج له أحمد في "المسند" ثمانية، منها ثلاثة تفرّد بها مسلم، ولم يخَرّج له البخاري شيئًا.
وروى صُهيب عن عمر بن الخطاب وغيره، وروى عن صهيب ابن عمر وجابر بن
стр. 2895
عبد الله، ومن التابعين: ابن المسيّب، وابن أبي ليلى، وعُبَيد بن عُمَير، وكعب الأحبار، في آخرين.
ومن مسانيده: قال أحمد بإسناده، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: إذا دخل أهلُ الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، نادى مُنادٍ: يا أهل الجنّة، إن لكم عند الله مَوعدًا يُريد أن يُنجِزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثَقّل موازينَنا، ويُبيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنّة، ويُزحزحنا عن النار؟ قال: فيُكشف لهم الحِجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبّ إليهم من النظر إليه، ولا أَقَرَّ لعيونهم. انفرد بإخراجه مسلم (١).
وذكر ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة صُهيب قال: خرجت مع عمر إلى الشام، فبينما أنا عنده بالجابية إذ جاءه يهودي قد شُجَّ، فغضب عمر غضبًا [شديدًا]، وقال صهيب: انطلق فانظر مَن شَجَّه، قال صهيب: فمضيتُ وإذا به عوف بن مالك الأشجعي، قال: فقلت لعوف: إنه قد غضب غضبًا شديدًا، وأخاف أن يَبْدُرَ منه بادرة في حقّك، فاذهب إلى معاذ بن جبل فكلِّمه، قال: وأتيت عمر فأخبرتُه، وجاء معاذ ومعه عوف، فقال معاذ لعمر: لا تعجل، إن عوفًا رأى هذا اليهودي يسوق حمارًا وعليه امرأة قد اكتَرتْه منه، فرآه عوف وقد ألقاها عن الحمار وغَشِيَها، وجاءت المرأة ومعها أخوها فاعترفت، فقال عمر لليهودي: ما على هذا صالحناكم، ومن فعل مثل هذا فلا ذِمَّةَ له، وأمر عمر باليهودي فصُلب، فهو أوَّل يهودي صُلب في الإسلام (٢).
وليس في الصحابة من اسمه صهيب بن سنان غيره، فأما صُهيب غير ابن سنان صهيب بن النعمان غير منسوب، وهل له رواية؟ على قولين، ولم يذكر جدّي في "التَّلقيح" مَن اسمُه صُهيب غير هذين، صهيب بن سنان وصهيب بن النعمان، وذكر البخاري في "تاريخه" سبعة من الرواة؛ اسم كلّ واحدٍ صهيب (٣).
стр. 2896
وفيها توفي
عبد الله بن عامر الحَضْرَمي
الَّذي حَرَّقه جارية بن قدامة بالبصرة، واسم الحَضْرَميّ عبد الله بن عماد، من كِندة، ومنزله بحَضْرَمَوت، حليف لبني عبد شمس بن عبد مناف، وعامر أبو صاحب هأه الترجمة قُتل يوم بدر كافرًا. وعبد الله بن عامر صاحب هذه الترجمة ابن بنت عمة رسول الله ﷺ ، واسمها أرْنب، وأمُّها أمّ حكيم بنت عبد المطلب وتُسمّى أمّ طلحة، وقيل: بل هي كُنيتها.
وعبد الله بن عامر وأبو كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مَناف ابنا خال طلحة بن عبيد الله.
وعبد الله ابنُ أخي العلاء بن الحَضْرمي عامل النبي ﷺ على البحرين، وبئر ميمون التي بأعلا مكة ينسب إليهم، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين بنَخْلَة في صدر الإسلام، وقد ذكرناه، والصَّعبة بنت الحَضْرميّ أم طلحة بن عُبيد الله.
وكان عبد الله صاحب هذه الترجمة قد استماله معاوية بالمال فمال إليه، وبعثه معاوية إلى البصرة، فنزل في بني تميم وأسعر الفتنة، فأحرقه الله تعالى في الدنيا (١)،
وقد ذكرناه.
وفيها توفي
مالك بن الحارث
ابن عبد يَغوث بن مَسْلَمة بن ربيعة بن الحارث بن جَذيمة بن سعد بن مالك النَّخَعي الكوفي، والنَّخع أبو قبيلة من العرب، ويُلقَّب بالأشْتَر، والشَّتَر: انحرافُ جَفْنِ العين.
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكان من أصحاب أمير المؤمنين؛ شهد معه الجمل وصفّين والنّهروان ومشاهدَه كلَّها (٢).
стр. 2897
وذكره أبو سعيد بن يونس فقال: كان فيمن نفاه عثمان إلى الشام، وكان من المؤلّبين على عثمان، وشهد حَصْرَه، وكان قد حضر اليرموك وأبلى فيه بلاء حسنًا، وذهبت إحدى عينيه، وانشترت الأخرى، وقد ذكرنا فعلَه يوم الجمل، وأنه هو الَّذي عقر الجمل، وصرع عبد الله بن الزُّبير حتَّى قال ابن الزبير: اقتلوني ومالكًا، ولما دخل على عائشة بعد وَقْعة الجمل قالت له: أنت الَّذي أردتَ قتلَ ابن أختي؟ فقال: [من الطويل]
فوالله لولا أنني كُنْتُ طاويًا … ثلاثًا لألفَيتِ ابنَ أُختِك هالِكا (١)
وقد ذكرناه هناك، ووَلده إبراهيم بن الأشتر الَّذي قتل عبيد الله بن زياد على الزّاب، وسنذكره.
ذكر ولاية الأشتر على مصر ووفاته:
قال علماء السير كابن إسحاق وهشام والواقدي: ولما اختلّ أمرُ مصر على محمد بن أبي بكر، وبلغ أمير المؤمنين قال: ما لمصر إلا أحد الرجلين؛ صاحبنا الَّذي عزلناه عنها؛ يعني قيس بن سعد، أو مالك بن الحارث، يعني الأشتر.
وكان أمير المؤمنين حين انصرف من صفين ردّ الأشتر إلى عمله على الجزيرة، وكان عاملًا عليها، فكتب إليه وهو يومئذ بنصيبين: سلام عليك يا مالك، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدِّين، وأقمع به نَخْوة الأثيم، وكنتُ قد ولَّيتُ محمد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه خوارج، وهو غلام حَدَثٌ غِرّ، ليس بذي تَجربةٍ للحرب، ولا مُجَرِّبٍ للأشياء، فاقدم عليّ لننظر من ذلك فيما ينبغي، واستخلِفْ على عملك أهلَ الثقة النَّصفة (٢) من أصحابك، والسلام.
فأقبل مالك حتَّى قدم على علي ﵇، فأخبره بحديث محمد وما جرى عليه، وقال: ليس لها غيرك فاخرج رحمك الله، فإني إن لم أُوصِك اكتفيتُ برأيك، فاستعن بالله على ما أهَمّك، واخلط الشدَّة باللين، وارفق ما كان الرّفق أبلغ، واعتزم بالشدَّة حين لا يغني عنك إلا الشّدَّة.
стр. 2898
فخرج الأشتر من عند علي، فأتى رحلَه، وتهيّأ للخروج إلى مصر، وكتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر على مصر، فشقّ عليه، وعَظُم ذلك لديه، وقد كان طمع في مصر، وعلم أن الأشتر متى قَدِمها كان أشد عليه [من محمد بن أبي بكر].
فكتب معاوية إلى الخانسيار (١) -رجلٍ من أهل الخراج، وقيل: كان دِهقان القُلْزُم - يقول: إن الأشتر واصل إلى مصر قد وَليها، فإن أنت كفيتَني إياه لم آخذ منك خراجًا ما بَقيت، فاحتل لهلاكه بكلّ ما تقدر عليه.
فخرج الخانسيار حتَّى قدم القُلْزُم فأقام به، وخرج الأشتر من العراق يُريد مصر، فلما قدم القلزم استقبله الخانسيار وقال: انزل فأنا رجل من أهل الخراج، وقد أحضرتُ ما عندي، فنزل، فأتاه بطعامٍ وعلَف، وسقاه شَربة من عَسَل جعل فيها سُمًّا، فلما شربه مات.
وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليًّا بعث الأشتر إلى مصر، فاسألوا الله أن يَكفيكموه، فكانوا كلّ يوم يدعون على الأشتر.
وبعث الخانسيار إلى معاوية، فأخبره بهلاك الأشتر، فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإنه قد كانت لابن أبي طالب يدان يمينان، فقُطعت إحداهما يوم صفّين -يعني عمار بن ياسر- وقُطعت الأخرى الآن، يعني الأشتر.
وفي رواية: وإن معاوية قال: وإن لله جنودًا من عسل (٢).
وقال ابن سعد: ولاه علي ﵇ مصر، فخرج إليها، فلما كان بالعَرِيش شرب شَربةَ عسلٍ فمات، قال: وروى عن خالد بن الوليد أنَّه كان يضرب الناس على الصلاة بعد العصر (٣).
وقال ابن الكلبي عن أبيه: لما سار الأشتر إلى مصر أخذ على طريق الحجاز، فقدم المدينة، فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له: نافع، فأظهر له الوُدّ وقال: أنا مولى
стр. 2899
عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقرَّبه، ووَثِقَ به، وولّاه أمرَه، فلم يزل معه إلى عين شمس، وتلقّاه أهل مصر بالهدايا، فسقاه نافع العسل فمات.
وذكر ابن سعد أنَّه سُمَّ بالعَرِيش، قال الصوري: صوابه بالقلزم (١).
وقد ذكر أبو تمام الأشتر في شعراء "الحماسة" (٢).
وفي الشعراء مَن لقبه الأشتر ثلاثة، هذا، والثاني الأشتر بن عامر، أحد بني عَوف من تَيمْ الرَّباب (٣)، والثالث الأشتر الحَمامي الأزْديّ، من أزْد عُمان، من بني حَمامة.
وقال المدائني: ذكر الأشتر عند معاوية، فذمّه رجل، فقال له رجل من النَّخع: اسكت فإن حياتَه أذلَّتْ أهلَ الشام، وموتَه أذلَّ أهلَ العراق، فنظر إليه معاوية ولم يَقُلْ شيئًا.
واختلفوا في وفاته، فقال أبو سعيد بن يونس: مات مَسمومًا سنة سبعٍ وثلاثين، وقال هشام: سنة ثمانٍ وثلاثين في رجب.
وقال أبو اليَقظان: كان قد ثَقُل على أمير المؤمنين أمرَه، وكان مُتَجَرِّبًا عليه مع شدَّة محبَّته له.
وحكي عن عبد الله بن جعفر أنَّه قال: كان علي قد غضب على الأشتر، وقَلاه واستَثْقَلَه، فكلّمني أن أكلِّمه فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، وَلِّه مصر، فإن ظفر وإلا استرحتَ منه، فوَلّاه، فلما بلغه موته قال: لليدين وللفم (٤)، قال عبد الله: وكانت عائشة قد دعت عليه فقالت: اللهمَّ ارمِهِ بسَهْم من سهامك.
وحكى أبو مخنف عن مولى الأشتر قال: لما مات الأشتر وجدوا في ثَقَله رسالة من أمير المؤمنين إلى أهل مصر.
انتهت ترجمة الأشتر والله أعلم.
وفيها توفي
стр. 2900
محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ -
وكنيته أبو القاسم، وأمُّه أسماء بنت عُمَيْس الخَثْعَمِيّة، وُلد عام حجَّةِ الوداع بذي الحُلَيفَة، في عقب ذي القعدة، فأراد أبو بكر أن يَرُدَّ أسماء إلى المدينة، فسأل النبي ﷺ فقال: "مُرْها أن تَغتسلَ وتُهِلّ"، وقد ذكرناه، وكان في حِجر علي ﵇ لما تزوَّج بأمّه أسماء، فتولّى تربيته، وذكرنا ما جرى لمحمد مع عثمان بن عفان، ولما سار علي إلى الجمل سار معه محمد، وكان على الرَّجَّالة، وشهد معه صفّين، وولاه مصر بعد عزل قيس بن سعد بن عبادة عنها (١)، وقد ذكرنا سبب عزل قيس بن سعد عن مصر، وأن أمير المؤمنين اتَّهمه بمعاوية، ثم بان له أنَّه ناصحٌ له.
ولما قدم قيس بن سعد مصر وأقام بها عَزله علي ﵇ عنها بمحمد بن أبي بكر، فلما قدم محمد خلا به قيس وقال له: يا أبا القاسم، إنك قد جئتَ من عند أمير لا رأيَ له، وليس عَزلُه إيّاي بمانعي أن أنصح لك وله، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني أدُلُّك على الَّذي كُنْتُ أكيد به معاوية وعمرًا وأهل خَرِبْتا، فكايدْهم به، فإنك إن كايَدْتَهم بغيره تهلك.
ووصف له قيس بن سعد المُكايدة التي كان يكايدهم بها، فاستَغَشَّه محمد بن أبي بكر، وخالفه في كلِّ شيءٍ أمره به، فسار إليه معاوية وعمرو بأهل الشام فافتتحا مصر، وقتلا محمدًا (٢).
وقد ذكرنا أن الأشتر سار واليًا عليها، وسُقي السّم، وأن أمير المؤمنين كتب إلى محمد بن أبي بكر يُشَجّعه، ويُقوّي عَزمَه.
وقال أبو مخنف عن أشياخه: إن أهل الشام لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلما اختلف الناس بالعراق على أمير المؤمنين طمع معاوية في مصر، وكان أهل خَرِبْتا عثمانية، ومَن كان من الشيعة كان أكثر منهم، فكان معاوية يهاب مصر لأجل شيعة أمير المؤمنين، وكان قَصْدُ معاوية أن يستعين بفتوح مصر على
стр. 2901
حَرْب أمير المؤمنين.
قال: فاستشار معاوية أصحابَه: عمرو بن العاص، وحَبيب بن مَسلمة، وبُسْر بن أبي أرطاة، والضّحّاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور عَمرو بن سفيان السُّلَمي، وغيرهم، وهؤلاء كانوا بِطانتَه، فقال: هل تَدرون لماذا أدعوكم؟ قالوا: لا يَعلم الغيب إلا الله، فقال له عمرو: نعم، أهمَّك أمر مصر وخراجها الكثير، وعَدد أهلها، فدعوتنا لنُشير عليك فيها، فاعزم وانهض، فإن في افتتاحها عِزّك وعِزّ أصحابك، وكَبْتَ عدوِّك.
فقال له: يا ابن العاص إنما أهمَّك الَّذي كان بيننا، يعني أنَّه كان قد أعطاه مِصر طُعْمَةً لما صالحه على قتال أمير المؤمنين، وقال معاوية للقوم: ما ترون؟
قالوا: ما نرى إلا رأي عمرو، قال: فكيف أصنع؟! فقال عمرو: ابعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجلٌ حازمٌ صارم، تثق به، فيأتي إلى مصر، فإنه سيأتيه مَن كان من أهلها على رأينا، فيظاهره على من بها من أعدائنا. فقال معاوية: أو غير هذا؟
قال: وما هو؟
قال: نُكاتب مَن بها من شيعتنا، نأمرهم [بالثبات] على أمرهم، ونُمنيهم قُدومَنا عليهم، فتقوى قلوبُهم، ونعلم صديقَنا من عدوّنا، وإنك يا ابن العاص بُورك لك في العَجَلة، ولي في التُّؤَدَة.
قال عمرو: فاعمل برأيك، فو الله ما أرى أمرَكم إلا صائرًا إلى الحرب.
قال: فكتب إليهم معاوية كتابًا يُثني عليهم ويقول: هنيئًا لكم بطلب دَم الخليفة المظلوم، وجهادكم أهلَ البغي، وقال في آخره: فاثبتوا فإن الجيش واصل إليكم، والسلام.
وبعث بالكتاب مع مَولىً يقال له: سُبَيع، فقدم مصر ومحمد بن أبي بكر أميرها يؤمئذٍ، فدفع الكتاب إلى مَسلمة بن مخلّد الأنصاري، وإلى مُعاوية بن حدَيج، فكتبا جوابه:
أما بعد: فعَجِّل علينا بخَيلك ورَجْلك، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين، فإن أتانا
стр. 2902
المَدَد من قِبلك يَفتح الله علينا … وذكر كلامًا طويلًا.
وكان مسلمة ومعاوية بن حُدَيج مقيمان في عشرة آلاف في خَرِبْتا، قد باينوا محمد بن أبي بكر، ولم يُحسن تَدبيرَهم كما كان قيس بن سعد يفعل، فانتقضت عليه الأمور، وانخَرَمَت القواعد.
ولما وقف معاوية على جوابهما -وكان يومئذ بفلسطين- جَهّز عمرو بن العاص في ستة آلاف، وخرج معه معاوية يُودّعه، وأوصاه بما يفعل، وقال له: عليك بتقوى الله، وبالرِّفق فإنه يُمْن، والعَجَلةُ من الشيطان، وأن تَقبل ممّن أقبل، وتعفو عمّن أدبرَ؛ فإن قَبل فبها ونِعمتْ، وإن أبي فإن السَّطْوَةَ بعد المَعْذِرة أقطع من الحجّة، وادعُ الناس إلى الصُّلح والجماعة، فإذا أنت ظهرتَ فليكن أنصارُك أَبَرَّ الناس عندك.
فسار عمرو، فلما دانى مصر اجتمعت العثمانيّة إليه، فكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتَنَحّ عني بدمك، فإني لا أحبُّ أن يُصيَبك مني قُلامَة ظُفْر، والناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، فاخرج إني لك من الناصحين.
وجاءه كتاب معاوية يقول: يا محمد، إن البغي والظُّلم عظيم الوَبال، وسَفْكَ الدم الحرام من النّقمة في الدنيا والآخرة، وإنا لا نَعلم أحدًا كان على عثمان أشدَّ منك؛ سعيتَ عليه مع السَّاعين، وسفكتَ دمَه مع السَّافكين، ثم أنت تظنُّ أني نائم عنك أو ناسٍ لك فعلَك، حتَّى تأتي فتتأمّر على بلاد أنت فيها جاري، وجلُّ أهلها أنصاري، يَرون رأي، ويَرقبون قولي، ويستصرخون عليك، وقد بعثتُ إليك قومًا حِناقًا، يستسقون بدمك، ويتقرّبون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدًا ليُقاتلُنَّك، وذكر فعلَه بعثمان، وضربه بالمشاقِص، ثم قال في آخر الكتاب: ولن يُسْلِمَك الله من القِصاص أينما كنت، والسلام.
فطوى محمد الكتابَين، وبعث بهما إلى أمير المؤمنين، وكتب إليه: أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أداني مصر، واجتمع إليه مَن كان يرى رأيَه، وقد جاء بجيش جرّار، وقد رأيتُ ممَّن قِبَلي بعض الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمِدَّني بالأموال والرجال، والسلام.
فكتب إليه علي ﵇: أما بعد، فقد قرأتُ كتابَك، وفهمت ما قلت، وإن
стр. 2903
نزولَ ابن العاص بأداني مصر، وخروج مَن خرج إليه، فذلك خير لك من إقامتهم عندك، وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَن قِبَلك فَشَلًا، فلا تفشل أنت، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كِنانة بن بِشر، المعروف بالنّصيحة والنّجدة والبأس، فإني نادِبٌ إليك الناس على الصَّعبِ والذَّلول، فاصبر لعدوّك، وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيَّتِك، وجاهدهم محتسبًا، وإن كانت فِئتُك أقلَّ الفئتين فإن الله يُعزّ القليل، وقد يَخذل الكثير، وقد قرأت كتاب الفاجِرَين، والمتحابَّين على المعصية، والمتَّفِقَين على الضّلالة، والمتواطِئين على الفاحشة، الذين استمتعوا بخَلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، ولا يَهُلْك إبراقُهما وإرعادُهما، وأجبهما إن كنت مُجيبهما بما هما أهلُه، فإنك تجد مقالًا ما شئت، والسلام.
فكتب محمد إلى عمرو: أما بعد، فإنك يا ابن العاص زعمتَ أنك تكره أن يُصيبَني منك ظُفْر، وأشهد أنك من المُبْطِلين، وزعمتَ أنك لي من الناصحين، وإنك من الغاشّين.
وكتب إلى معاوية: أما بعد، فإني لا أعتذر إليك من أمر عثمان، وإنني أرجو أن تكون لي عليكم دائرة، فإن نُصرتم عليّ في الدنيا فلَعَمري كم ظالمٍ قد نَصرتُم، ومؤمنٍ قد قتلتم، والله المستعان على ما تصفون.
ثم قام خطيبًا في الناس فقال: أما بعد، فإن القوم الذين ينَتهكون الحُرْمَة، ويُشبّون نارَ الفتنة، قد نَصبوا لكم العدواة، وساروا إليكم بجيوشهم، فمَن أراد الجنّة فلْيخرج إليهم، فليُجاهدهم في الله، انتدِبوا مع كنانة بن بشر.
فانتدب مع كنانة نحو من ألفَي رجل، وخرج محمد بن أبي بكر في ألفين، واستقبل عمرو بن العاص كِنانة وهو على مقدّمة محمد، ومحمد يُسَرِّح إلى كنانة الكتائب، فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حُدَيج السَّكوني.
وفي رواية: فلما رأى عمرو كِنانة قد أقبل سَرَّح إليه الكتائب من أهل الشام كتيبة بعد كتيبة، وكنانة يهزمها، فاستنجد عمرو بمعاوية بن حُدَيج السَّكوني، فسار في أصحابه وأهل الشام، فأحاطوا بكنانة، فلما رأى كِنانة ذلك ترجَّل عن فرسه، وترجَّل أصحابه، وقرأ كنائة ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَسَنَجْزِى الْشَّاكِرينَ﴾ [آل
стр. 2904
عمران: ١٤٥]، ثم أبلى بلاءً حسنًا، وقتل من أهل الشام مَقتلة عظيمة، وقتلوه.
ولما رأى أصحاب محمد بن أبي بكر ذلك تفرَّقوا عنه، فنزل محمد عن فرسه، ومشى حتَّى انتهى إلى خَرِبة، فأوى إليها، وجاء عمرو فدخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدَيْج في طلب محمد، فسأل قومًا من العُلوج -وكانوا على الطريق- فقال: هل رأيتم رجلًا من صِفته كذا وكذا؟ فقال واحد منهم: دخلتُ تلك الخَرِبة وإذا برجل جالس، فقال ابن حديج: هو وربّ الكعبة، فدخلوا فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا، فأقبلوا به نحو الفُسطاط.
ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص -وكان في جُنده- فقال: أتقتل أخي صَبْرًا؟ فأرسل عمرو إلى معاوية بن حُدَيْج يأمره أن يأتيَه بمحمد، فقال معاوية: أتقتل كنانة بن بِشر وأُخلّي أنا عن محمد، هيهات هيهات؟!
فقال محمد: اسقوني ماءً، فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتُك قطرةً، إنكم منعتم عثمان الماء، ثم قتلتموه صائمًا فتلَقَّاه الله بالرَّحيق المختوم، والله لأقتلنَّك يا ابن أبي بكر، فليسقِك الله من الحميم، فقال له محمد: يا ابن اليهودية النسَّاجة، ليس ذلك إليك، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا.
فقال معاوية أتدري ما أصنع بك؟ أُدخِلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار.
فقال محمد: إن فعلتم ذلك فطالما فعلتموه بأولياء الله، وإني لأرجو أن النار التي تُحرِقُني أن يَجعلَها الله عليّ بَرْدًا وسلامًا، كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يَجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نُمروذ وأوليائه، يحرقك ووليّك معاوية وعمرو بن العاص بنارٍ تَلَظَّى كلّما خَبَتْ زدناهم سَعيرًا.
فقال له معاوية بن حُدَيج: إنما أقتلُك بعثمان. فقال له: وما أنت وعثمان! إن عثمان عَمل بالجَوْرِ، ونَبَذ حُكم القرآن، فنَقم المسلمون عليه فقتلوه، وأغلظ له، فغضب ابن حُدَيج وقتله، ثم ألقاه في جِيفة حمار، ثم حَرقه بالنار.
وبلغ عائشة فجَزِعت عليه جَزَعًا شديدًا، وقنتت في دُبُرِ كلِّ صلاة تدعو على معاوية بن حُدَيج وعَمرو، وقبضت عيال محمد إليها وولده، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.
стр. 2905
وهذه روايات أبي مِخنف (١).
وأما الواقدي فإنه قال: حدثني سُويد بن عبد العزيز، عن ثابت، عن القاسم بن أبي عبد الرحمن: أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف، فيهم معاوية بن حُدَيج، وأبو الأعور السُّلَمي، فالتقوا بالمُسَنَّاة، فاقتتلوا قتالا شديدًا، ثم أقبل كِنانة بن بِشر بن عتاب التُّجِيبي فقاتل، وانهزم محمد بن أبي بكر فاختبأ عند جَبَلة بن مَسْروق، فدُلَّ عليه معاوية بن حُدَيج، فأحاط به، وخرج محمد فقاتل حتَّى قُتل.
قال الواقدي: وكانت وقعة المسنّاة في صفر سنة ثمان وثلاثين (٢).
قال الواقدي: وإنما وَلّى علي الأشتر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، والأول أشهر.
وذكر أبو سعيد بن يونس: أن معاوية بن حُدَيْج بعث إلى المدينة بمَولى له يُقال له: سليم؛ يُبَشّر بقَتْل محمد، ومعه قميص محمد، فدخل به دار عثمان، واجتمع إليه من آل عثمان نساء ورجال، وأظهروا السُّرور بمَقتله، وأمرت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بكَبْش فشُوي، ثم بعثت به إلى عائشة فقالت: هكذا شُوي أخوك، فلم تأكل عائشة شِواء حتَّى لَقيتْ الله تعالى.
قلت: وقد روى لنا هذه الواقعة غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل محمد بن ناصر، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مَنْده، عن أبيه عن أبي سعيد بن يونس الحافظ، عن أسامة بن أحمد التُّجيبي بإسناده، عن يزيد بن أبي حَبيب، وذكر القصة فقال: بعث مُعاوية بن حُدَيج إلى المدينة بمَولى يُقال له: سليم، وذكره (٣).
واختلفوا في مقتل محمد بن أبي حُذيفة، فقال الواقدي: قُتِل في سنة ست وثلاثين، وقال هشام بن محمد الكلبي: إنما قُتل بعد مقتل محمد بن أبي بكر، ودخول عمرو بن العاص إلى الفُسطاط (٤)، وقد ذكرنا ذلك فيما تَقَدَّم.
ذكر وصول الخبر إلى أمير المومنين بمقتل محمد بن أبي بكر الصديق:
стр. 2906
روى هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن أشياخه قالوا: خطب علي ﵇ الناس قبل مقتل محمد، لما وصل إليه كتابَه يستصرخ به فقال:
أما بعد، فإن هذا صَريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النَّابغة عدوُّ الله، وعدوّ مَن والى الله، ووَليُّ مَن عاداه، فلا يكوننّ أهل الضلال والباطل أشدّ اجتماعًا منكم على ضلالهم وباطلهم، وأنتم على الحق، فاعجَلوا إليهم بالمواساة والنّصر، ألا وإن مصر أعظمُ خيرًا من الشام، وأكثر جُندًا، فلا تُغْلَبوا عليها، فإن بقاءها في أيديكم عِزٌّ لكم، وكَبْتٌ لعدوِّكم، اخرجوا إلى الجَرَعة بين الكوفة والحِيرة، وافوني غدًا هناك إن شاء الله تعالى.
فلما كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بُكرةً، فأقام بها حتَّى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يُوافِه منهم رجل، فرجع إلى القصر حزينًا كئيبًا، وبعث بالعَشِيّ إلى أشرافهم، فدخلوا عليه فوَبَّخهم وعَنَّفهم وقال: إن الله ابتلاني بكم أيُّها القرية (١)، وبمَن لا يُطيع إذا أَمرتُ، ومَن لا يُجيب إذا دعوت، أوليس عَجَبًا أن معاوية يَدعو الجُفاةَ الطُّغاة فيجيبونه إلى [أي] جهةٍ شاء، على غير عَطاء ولا مؤونة، وأنتم أهل النُّهى، وبَقيَّةُ الناس؛ أدعوكم فتعصونني وتخالفونني، وتختلفون علي.
فقال مالك بن كعب الهمْداني ثم الأرحبي: يا أمير المؤمنين، إنه لا عِطْرَ بعد عَروس، لمثل هذا اليوم كُنْتُ أدَّخِرُ نفسي، يا قوم، أجيبوا إمامكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوَّه، وأنا أسير إليها يا أمير المؤمنين.
فسار إلى مصرفي ألفين، فودَّعه علي ﵇ وقال: والله ما إخالك تُدركه إلا وقد فات الأمر، فسار خمسًا، فوصل الخبر بهلاك محمد وفتوح مصر، وقدم على أمير المؤمنين رجلان من عيونه؛ أحدهما الحجَّاج بن غَزِيّة الأنصاري، كان مقيمًا بمصر، وعبد الرحمن بن شَبيب الفَزاريّ، كان مقيمًا عينًا له بالشام، فأما الأنصاري فحدّثه بمقتل محمد بن أبي بكر وما عاين، وأما الفزاري فقال: لم أخرج من الشام حتَّى قَدِمت البُشرى من قبل عمرو بن العاص بفتح مصر، ومقتل محمد، قال: يا أمير
стр. 2907
المؤمنين، فما رأيتُ قومًا أسرّ، ولا أتمَّ سرورًا من أهل الشام بهلاك محمد، فقال أمير المؤمنين: إن حُزننا عليه بقَدْر سُرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا، وحزن على محمد حتَّى رُئي ذلك في وجهه، وقال: ما حَزِنتُ على أحدٍ، أو ما جَزِعتُ على أحدٍ مثل جَزَعي على محمد، إنه كان لي رَبيبًا، وكنتُ أعدّه وَلَدًا، وكان بي بارًّا، فعند الله أحتسبه، فعلى مثله يُحزَن.
ثم خطب الناس فقال في خطبته: ألا إن مِصر قد افتتحها الفَجَرة الظَلَمة؛ الذين صَدُّوا عن سبيل الله، وبَغَوا الإسلامَ عِوَجًا، ألا إن محمد بن أبي بكر قد استُشهد رحمة الله عليه، فعند الله نحتَسِبُه، أما والله لقد كان فيما علمتُ يَعمل للجزاء، ويحبُّ هدى المؤمنين، وقد استَصْرَخْتكم مُعلنًا، وناديتكم مُستغيثًا، فلم تسمعوا لي قولًا، ولم تُطيعوا لي أمرًا، فأنتم القوم لا يُدرَك بكم الأثْآر، ولا تُجيبون إلى غَواث. وفي رواية: ولا ترفعون العار، ولا تدفعون الشَّنار، دعوتكم إلى نصر إخوانكم منذ خمسين ليلة، فجَرْجَرْتم جَرْجَرَةَ البعير الأشدق، وتثاقلتم ثتاقُلَ مَن ليس له نيَّةٌ في الجهاد، ثم خرجتُ منكم بشِرْذِمَةٍ يسيرة، كأنما تُساقون إلى الموت، ثم قال: أفٍّ لكم، ونزل.
وقال أبو مخنف وغيره: وكتب علي ﵇ إلى ابن عباس إلى البصرة يُخبره بهلاك محمد، وفتوح مصر، وأنه نَدب الناس إلى نُصرته فتثاقلوا عليه، ثم قال: أسأل الله أن يَجعل لي منهم فَرَجًا، وأن يُريحَني منهم عاجلًا.
فكتب إليه ابن عباس: أسأل الله أن يُعِزَّك بالملائكة المقَرَّبِين، فإن الله مُعينُك وناصرُك، ومُجيبُ دعوتك، وكابتُ عدوِّك، يا أمير المؤمنين، إن الناس ربما تثاقلوا ثم نَشَطوا، فارفِق بهم، ثم استعن بالله عليهم، والسلام (١).
وذكر صاحب "العقد" أن معاوية بن حُدَيج ضرب عُنق محمد بن أبي بكر، وبعث برأسه إلى معاوية، فكان أول رأسٍ طِيف به في الإسلام. وذكر في "العقد" أيضًا أن محمد بن جعفر بن أبي طالب كان بمصر مع محمد بن أبي بكر، فلما قُتل ابنُ أبي بكر لجأ محمد بن جعفر إلى أخواله من خَثْعَم، لأن أمَّه أسماء بنت عُميَس كانت خَثْعَمِيّة،
стр. 2908
فقال معاوية بن حُدَيْج: لَتَأتِيَنّي به، فقال: لا والله، ابنُ أختنا لجأ إلينا، لا نُسلِمه أبدًا.
فقال له معاوية: إنك لأَوْرَه، أي: أحمق، فقال: أجل، إني لأوره حين أقاتل عن ابنِ عمِّك لأَحقِنَ دمَه، وآتيك بابن أختي لتَسفِكَ دمَه.
وفي رواية: إني لأوره حيث أُقدِّم بني عَمّي لتسفك دماءهم دونك، فسكت ابنُ حُدَيج، ولم يعرض لابن جعفر (١).
قلت: وقد وهم صاحب "العقد" فإن بني جعفر لم يفارقوا أمير المؤمنين، ولم يذهب أحد منهم إلى مصر.
وذكر ابن سعد بمعناه فقال (٢): كان الحسن لا يُسمّيه باسمه، إنما كان يُسمّيه الفاسق، قال: فأُخذ الفاسق ابنُ أبي بكر، فجُعِل في جوف حمار، ثم أُحرق عليه.
وقال الواقدي: كان محمد بن أبي بكر يُدْعى عابدَ قريش لزُهده ونُسكه، حتَّى بدا منه في حقِّ عثمان ما بدا، وكان الحسن البصري يُسمّيه الفاسق، فيقول: قال الفاسق وفعل الفاسق.
وقال جدي ﵀ في كتاب "الصفوة" و"التَّلقيح" في أولاد أبي بكر: كان محمد من نُسَّاك قريش، إلا أنَّه كان ممَّن أعان على عثمان يومَ الدّار (٣).
قلت: ومحمد بن أبي بكر جدُّ جدي ﵀، وسنذكر نسبه في ترجمة جدِّي إن شاء الله تعالى.
ذكر أولاد محمد بن أبي بكر: قال علماء السير: كان له من الولد: القاسم وعبد الله، فأما القاسم فسنذكره في لمشة ثمان ومئة، وأما عبد الله بن محمد فقال الموفق (٤) ﵀: روى عبد الله عن عائشة.
وقد ذكرنا أن محمدًا تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيل، ولم تلد من محمد
стр. 2909
لأنها كانت قد أسنّت، وقُتل عنها جماعة آخرهم محمد فرثته وقالت:
إن تَقتلوا وتُمَثّلوا بمحمّدٍ … فما كان من أهل النساءِ ولا الخَمْرِ (١)
وسنذكر عاتكة في سنة إحدى وأربعين.
وفيها توفي
مَعقِل بن قيس الرِّياحي الكوفي
وكان من أصحاب أمير المؤمنين، وهو الَّذي بعثه إلى الخارجي النَّاجي (٢) وبني ناجية، وكان صاحب شرطة أمير المؤمنين، وشهد الجمل أميرًا علي بني أسد، وبعثه عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب بفتح تُسْتَر، وبعثه أمير المؤمنين في عدة أماكن.
وقال أبو عبيدة مَعْمَر: خرج المُسْتَورد بن عَلْقمة (٣)، فلقيه مَعْقِل بن قيس، فقتل كلّ واحدٍ منهما صاحبَه مَبارزة.
قال الواقدي: مات سنة ثمان وثلاثين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، وقيل: بعد الأربعين، والله أعلم.
* * *
стр. 2910
السنة التاسعة والثلاثون
قال علماء السير ممَّن سمَّينا: وفيها فرَّق معاوية جُيوشه نحو العراق، فبعث النعمان بن بَشير في ألفَيْ رجل إلى عين التَّمر، وبها مالك بن كعب مَسْلَحةً لأمير المؤمنين في ألف رجل، [فأذن لهم علي] فأتى، منهم تسع مئة إلى الكوفة، ولم يَبق مع مالك سوى مئة رجل، فكتب مالك إلى علي يُخبره، فصَعِد المنبر، وأمرهم بالنُّهوض فتثاقلوا، فقال:
يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بمَنْسِر من مَناسِر أهل الشام قد أظَلّكم؛ انحَجَر كلُّ امرئ منكم في بيته وأغلق عليه بابَه، المغرور والله مَن غَرَرْتموه، ومَن فاز بكم فاز بالسهم الأخْيَب، لا أحرارٌ عند اللقاء، ولا إخوانُ ثِقةٍ عند النَّجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا مُنيتُ به منكم، عُميٌ لا تُبصرون، وبُكْمٌ لا تنطِقون، وصُمٌّ لا تَسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نزل.
وأما مالك بن كعب فإنه لما دَهَمه النعمان خرج في المئة رجل الذين بقوا عنده، قد كسروا جُفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام قد فعلوا ذلك ظنوا أنهم مَدَد (١)، فولَّوا على أدبارهم، وتبعهم مالك فقتل منهم نفرًا، وكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح.
وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف فارس، وأمره أن يأتي هِيت والأنبار والمدائن فيغير عليها، وكان بهِيت أشرس بن حسان البَلَوي، وقد تفرَّق عنه أصحابه، ولم يبق معه سوى ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم فاقتتلوا، وثبت أشرس، وقاتلهم قتالا شديدًا، فقتلوه وأصحابه، ثم نهبوا أموال أهل هِيت والأنبار، ورجعوا إلى الشام.
وبلغ الخبر أمير المؤمنين، فخرج في آثارهم، فمنعه أهل الكوفة وقالوا: نحن