← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يزاد فيهم ولا ينقص (١). وقال مقاتل: أقرَّت طائفة منهم على وجه التقيَّة، قال: وركَّب الله فيهم العلم فخاطبوه وخاطبهم. وقال السُّدي: نظر إليهم آدم فرآهم متفاوتين، منهم الغني والفقير، والحسن الصورة والقبيح، فقال: يا ربِّ، هلَّا سوَّيت بينهم؟ فقال: إني أحببت أن أُشكر. وقال مقاتل في "المبتدأ": رأى آدم نور بعضهم كنور الشمس، وهم المرسلون، وبعضهم كنور القمر، وهم النبيُّون، وبعضهم كالنجوم، وهم الصِّدِّيقون، وبعضهم كالشمع، وهم الأولياء، وبعضهم كالسرج وهم العلماء، وبعضهم مرضى وأصحاء، فقال: يا ربِّ، لم لم تسوِّ بينهم؟ فقال: لو تركتهم على حالة واحدة لم تعرف المراتب، فقال: يا ربِّ (٢)، هلَّا خلقتهم صحاحًا؟ فقال: لو خلقتهم صحاحًا لما عرفوا قدر الصحة، ولو خلقتهم كلهم مؤمنين لما عرفوا قدر الإيمان، فقال: يا ربِّ، وأيُّ أرض تتسع لهؤلاء أو لهذه الذريَّة العظيمة؟ فقال: إني أقسمهم أربعة أقسام، قسم في الأصلاب، وقسم في الأرحام، وقسم على وجه الأرض، وقسم في بطنها، فقال: يا ربِّ، كيف يهنيهم عيش بعدما يعاين بعضهم دفن بعض؟ فقال: أركِّب فيهم الغفلة حتى لو دَفَن الواحدُ عشرة من أهل بيته وأقاربه لا يتأثَّر إلا في تلك الساعة. وقال مقاتل أيضًا في "المبتدأ": وخلق الله النِّساء، فجعل الجميلات في أسفل تلِّ، والدَّميمات في أعلاه، ثم قال للرِّجال: خذوهن، فظنَّ الأقوياء أنَّ اللاتي في أعلى التلِّ هن الجميلات، فبادروا إليهنَّ، فأخذوا الدَّميمات، ووقع في قسم الضعفاء الجميلات. قال: ولهذا إنَّ كل من كان أضعف كانت امرأته في الغالب أحسن. وقال مقاتل: جعل الله الذرَّ قسمين: قسم عن يمين العرش، وقال: هؤلاء للجنَّة، وقسم عن شماله، وقال: هؤلاء للنار. قال الحسن البصري: كان عقل آدم في تلك الحال مثل عقل جميع أولاده (٣).

стр. 317

واختلفوا في أي مكان أخذ عليهم الميثاق على أقوال: أحدها: بأرض نَعمَان: وادٍ إلى جانب عرفة، قاله ابن عباس (١)، قال: ولذلك سميت عرفة، إمَّا لأنهم عرفوا ربَّهم هناك، وإمَّا لأنهم عرف بعضهم بعضًا. والثاني: بين مكة والطائف، قاله الكلبي. والثالث: بالدَّهنَاء -موضع بالهند- وفيه أُهبِطَ آدم، وهو رواية ابن عباس. والرابع: بدَحْنا (٢). وحكى الطبري عن السُّديِّ: أنَّ الله أخرج ذريَّة آدم في السماء قبل أن يَهبط إلى الأرض، وبعد أن أخرجه من الجنَّة (٣). والأوَّل أصحُّ، لأنَّ حديث ابن عباس قد نصَّ عليه (٤). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: قال الفراء: هو سؤال تقرير. فإن قيل: فلو قالوا: نعم، هل يكون إقرارًا؟ فالجواب: لو قالوا: "نعم" لكفروا، لأنه يكون جحدًا، وذلك لأنَّ "نعم" جوابُ التصديق، وبلى جواب التحقيق، فإذا قالوا: "نعم" صار معناه: لستَ ربنا، ألا ترى أنه لو قال رجل لآخر: أليس لي عندك وديعة؟ فقال: بلى، يثبت حقه، ولو قال: نعم، لم يثبت، لأنه يكون جحدًا، مثل قول: لا. واختلفوا في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]: فقال السُّدي: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال مقاتل: هو خبر عن إقرار بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض. ومعنى ﴿تَقُولُوا﴾ أي: لئلَّا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عن الميثاق والإقرار.

стр. 318

وما أحسنَ ما قال ذو النون المصري، حين قيل له: أين أنت عن يوم ألَستُ؟ فقال: كأنَه الآن في أذني، وما أراد به سماع الصوت، وإنما أراد به تحقيقَ الإيمان والإقرار. وسئل بعضهم عن أحوال الذرِّيَّة في يوم الميثاق، وأنهم كلهم اعترفوا، فكيف خرج بعضهم إلى الجحد؟ فقال: كلهم قالوا بلى، ولكن عمَّ بعضهم البلاء للقضاء السَّابق. وفي هذا الوقت الذي أخرج الله ذرِّيَّة آدم رأى نورَ داود. قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدَّين قال النبي ﷺ : "أَوَّلُ مَن جَحدَ آدمُ، وذَلكَ لأنَّ الله لما مَسَحَ ظَهرَ آدمَ وأَخرَجَ ما هو ذَارئٌ إلى يَومِ القيَامةِ، فَجَعلَ يَعرِضُ ذرِّيَّته، فرأى رجلًا يَزهَر، فقال: يا ربِّ، مَن هذا؟ فقال: ابنُكَ داودُ، فقال: يا ربِّ، زِد في عُمرِهِ، فقال: لا إلَّا أن تَزيده من عُمرِكَ، وكان عُمرُ آدمَ ألفَ سنةٍ فزادَه أربعين سنة، فكتَبَ الله بِذلِكَ كِتَابًا وأَشهَدَ عليه الملائِكَةَ، فلمَّا احتضَرَ جاءَهُ ملكُ الموتِ فقال: قد بقِيَ لي من عُمري أربَعونَ سنةً، فقال: قد وهبتَها لداودَ، فقال: ما وَهبتُ فأَبرَزَ اللهُ الكِتابَ والشَّهادةَ". وفي رواية: "أتتهُ الملائكةُ" (١). قال رسول الله ﷺ : "جَحدَ آدمُ فَجَحدَت ذُريَّته" (٢) قال ابن عباس: فمن ثَمَّ اتُخِذَت الصِّكَاكُ (٣) والشهادات. وقد أخرجه محمد بن سعد في "الطبقات"، وذكر إسناده كما ذكرنا، وزاد فيه: "فَأَكمَلَ الله لآدم ألفَ سنةٍ، ولداودَ مئةَ سنةٍ" (٤). قال جدي ﵀ في "المنتظم": الحديث محمولٌ على أنَّ آدم نسي لطول المدَّة، لا أنَّه كان ذاكرًا لذلك ثم جحد، لأنه يكون كذبًا، والأنبياء منزَّهون عن الكذب (٥). قلت: إلا أنَّ النبي ﷺ نصَّ على أنه جحد، والجحد يحتمل أن يكون معه نسيان ويحتمل أن لا يكون، فإن كان معه نسيان، فهو معذور، وإن لم يكن، فيحتمل أنَّ الله

стр. 319

ألهمه أن يكمل له ألف سنة ويتم لداود مئة ولا ينقص من ملكه شيء. فإن قيل: فلمَ رأى نور داود ولم ير نور محمد ﷺ ، وكان نوره أبهى من نور داود؟ قلنا: لما قضي في السَّابق أنَّ داود يوافقه في العصيان (١)، لُفِّقَت بينهما مجانسة الذَّنب في ذلك المكان، أمَّا محمد ﷺ فإنَّه قد شاهد نورَهُ على ساق العرش، فسأل الله به وتوسل إليه، فرحمه وتاب عليه. ومن الحوادث ما ذكره مقاتل في "المبتدأ" قال: لما نزل آدم إلى الأرض اسوَدَّ جلده من حرارة الشمس، ويبس من البرد، فأوحى الله إليه: هذا بشؤم معصيتك، فَصُمْ ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وهي أيام البيض، فصامها فابيضَّ لونه. وقال مقاتل أيضًا: لمَّا جنَّ عليه الليل استوحش، فلمَّا طلع الفجر ألهمه الله أن صلِّ ركعتين صلاة الصبح شكرًا لله تعالى. فآدم أول من صلَّاها. قال: وصلى إبراهيم الظهر أربعًا لما فدي ولده بالكبش، وكان وقت الظهر، وصلَّى يونس العصر لما خرج من بطن الحوت. ولما ادَّعت النصارى التثليث صلَّى عيسى المغربَ ثلاثًا: ركعتين عن نفسه، وركعة عمَّن آمن به. وصلى موسى العشاء أربعة ليلةَ الطُّور لما كلَّمه الله تعالى. قلت: والأصحُّ أنَّ الصلوات الخمس إنَّما صلَّاها رسول الله ﷺ ، ورتَّبها على هذا الوجه، وروايات مقاتل فيها مقال معروف. فصل في نبوَّة آدم ﵇ قال ابن سعد عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الأنبياءِ أوَّلُ؟ قال: "آدَمُ" قُلتُ: أَوَنَبِيًّا كان؟ قال: "نعم، نَبيٌّ مُكَلَّم" (٢). وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة، أملاها عليه جبريل، وكتبها آدم بخطِّه بالسُّريانيَّة، وكانت لغته في الجنة العربية، فلما عصى وأهبط إلى الأرض تكلَّم بالسُّريانيَّة (٣). قال: وفرض عليه في اليوم والليلة خمسين ركعة،

стр. 320

وحرَّم عليه الميتة والدَّم ولحمَ الخنزير والبغي والظلم والغدر والكذب والزنا. وذكر أبو جعفر الطبري وقال: أول ما أنزل عليه حروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوَّل كتاب كان في الدنيا (١). وذكر أبو إسحاق الثعلبي في أول سورة الرحمن عن ابن عباس قال: كان آدم يتكلَّم بسبع مئة ألف لغة، أفضلها العربيَّة، قالوا: ولو قال: بسبع مئة لغة احتمل، أمَّا بسبع مئة ألف، فهذا ممَّا لا توافقه عليه العقول السليمة. فصل فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وقد جاع وعري، فالجواب: أنه ما جاع وعري في الجنَّة، وإنما كان ذلك في الدُّنيا. والظَّمأ هو العطش ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: تبرز للشمس، والجنَّة ما فيها شمس فيؤذيه حرُّها. فإن قيل: فهما اثنان، فهلَّا قال: أن لا تجوعا، قلنا: غلب المذكَّر على المؤنَّث، لأنَّ نعت آدم كان أكثر، وكذا قوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] كان من حقِّه أن يقول: فتشقيا. فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قلنا: معناه أخطأ وضلَّ ولم ينل مراده، لأنه خالف، والعصيان خلاف الطَّاعة ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢] أي: هداه للتَّوبة، وفَّقه لها. فإن قيل: فهل يجوز إخراج الضَّيف من دار المضيف؟ فالجواب من وجوه: أحدها: نعم، إذا ترك الأدب وطمع فيما لا يجوز له. والثاني: لأنه كان في صلبه الأنبياء والعلماء والأولياء، والجنَّة ليست بدار توالد. والثالث: لولا نزوله ما تصاعدت صعداء الأنفاس، ولا نزلت رسائل، هل من سائل؟

стр. 321

فإن قيل: فلمَ نهاه عن شجرة بعينها؟ قلنا: لأنَّه كان لها ثُفْلٌ، فإذا أكل منها احتاج إلى البول والغائط، وليست الجنَّة موضعه، وقد ذكرناه (١). فإن قيل: بماذا عاقب الله آدم وحوَّاء؟ قلنا: عاقب آدم بأشياء منها: العتاب ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]. والثانية: بإبداء السوءة ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]. والثالثة: بإخراجهما من جواره ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]. والرابعة: بإظهار العداوة له ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]. والخامسة: بإلزامه اسم العصيان ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. والسادسة: بتسليط الشيطان على أولاده ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. والسابعة: بالهموم والأحزان، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] أي: في هَمٍّ ونَصَب. والثامنة: بما لقي من المشقَّات. والتاسعة: بطول بكائه. والعاشرة: بحزنه على هابيل ولده. وكذا حوَّاء عاقبها بخصال، أوَّلها: الحيض، فإنها لما تناولت من الشجرة قيل لها: تدمين في كلِّ شهر، وبالنفاس وبالطَّلق والولادة، وترك الصلاة، ونقصان العقل والميراث والشهادة، والعدَّة، والمنع عن الخروج والبروز، وكونها عورة، ونقصان الدِّية (٢). وقد ذكرنا بعض هذا (٣). ذكر أولاد آدم ﵇ روى العَوفي عن ابن عباس قال: لما طال مقام آدم في الأرض غشيَ حوَّاء، فولدت

стр. 322

له أربعين ولدًا، في عشرين بطنًا، في كل بطن توأَمين، ذكر وأنثى (١). واختلفوا في أول أولاده: فروى مجاهد عن ابن عباس قال: لما حملت حوَّاء في الدنيا جاءها إبليس فقال: أنا أخرجتكما من الجنَّة ولئن لم تطيعيني لأشوِّهن ولدك، فأجعل له قرنين يشقَّان بطنك، وأُخرجه من فيك ميتًا. فلم تلتفت إليه، فخرج الولد ميتًا. ثم حملت بآخر فجاءها فقال لها مثل ذلك، فلم تطعه، فخرج الثاني والثالث ميتًا. فقالت له: ما تريد؟ قال: سمِّه عبد الحارث، وكان إبليس يدعى الحارث، فسمَّته عبد الحارث (٢). قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حوَّاء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي: ليأنس بها ويأوي إليها ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: جامعها، كَنَى عن الجماع بالغشيان ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي: لم تكترث له ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: استمرَّت، قامت وقعدت ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: كبر الولد في بطنها ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ يعني آدم وحوَّاء ﴿لَئِنْ آتَيتَنَا صَالِحًا﴾ أي: خلقًا سويًا مثلنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] وإنما سألا الله هذا لأنَّ إبليس جاءهما فقال: يا حوَّاء، وما يدريك ما في بطنك، لعلَّه أن يكون بهيمة أو مشوَّه الخلق، فأخبرت آدم فحزن. ثم أتاها إبليس فقال: إن كان آدمِيًّا أتسمِّياه عبد الحارث؟ ولم تكن تعرفه، فقالت: نعم. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما حملت حوَّاء جاءها إبليس في صورة شيخ فقال لها: قد حملت، قالت: ومن أين علمت؟ قال: بلى، وما يدريك لعلَّ في بطنك كلب أو خنزير أو حيوان، وما يدريك من أين يخرج: من فيك، أو من أنفك، أو من عينك، أو من دبرك، أو يشقُّ بطنك فيقتلك، فأخبرت آدم فقال لها: لا يغرَّنَّك فإنه اللَّعين. فلم يزل يخدعها حتى سمَّته عبد الحارث (٣).

стр. 323

وفي رواية: فكانت تلِد عبد الله وعبد الرحمن فيموتون، فسمَّته عبد الحارث فعاش (١). وقد أخرج أحمد بن حنبل في "المسند" معنى هذا فقال: حدَّثنا عبد الصمد بإسناده عن سَمُرة بن جُندُب قال: قال رسول الله ﷺ : "كانت حوَّاءُ لا يَعيشُ لها وَلَدٌ فَطافَ بها إِبلِيسُ فقال: سمِّيهِ عبدَ الحارِثِ فإنَه يَعيشُ، فَسمَّتهُ فعاشَ، وكَانَ ذلك وَحْيًا من الشَّيطانِ ومِن أَمرِهِ" (٢). وذكر الربيع بن أنس عن ابن عباس قال: أوَّلُ ولدٍ ولدته سمَّته عبد الله، ثم عبد الرحمن، ثم صالحًا ثم سمَّت الثالث أو الرَّابع عبد الحارث، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] أي: حظًّا ونصيبًا في التَّسمية لا في العبادة، لا أنَّ الحارث ربُّهما، وإنَّما أنه سبب لنجاة الولد (٣). وقد يسمَّى الرجل عبد فلان على وجه التواضع. وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا قال: "خدعها إبليس مرَّتين، مرةً في الجنَّة، ومرَّة في الأرض" (٤). وقال الواقدي: أوَّلُ ولد ولدته قابيل وتوأمته إقليما، وآخِرُ ولد ولدته عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث. وقال مجاهد: اسم قابيل في التوراة: قابين وقاين وقين. وذكر ابن إسحاق، عن بعض أهل الكتاب: أنَّ حوَّاء حملت في الجنَّة بقاين وهو قابيل وبتوأمته إقليما، فلم تجد عليهما وحمًا ولا وصبًا. ولما وضعتهما لم تر معهما دمًا لطهر الجنة، فلمَّا نزلت إلى الأرض حملت بهابيل وتوأمته ليوذا (٥)، فوجدت الوحم والدَّم.

стр. 324

قلت: ولا تصحُّ هذه لوجوه: أحدها: لعدم صحَّة النقل، فإنَّ أحدًا لم يوافقه على هذا. والثاني: لأنَّ الجنَّة مُطهَّرة عن الحبل والولادة. والثالث: لأنَّه لم يذكر قابيل في الهبوط معهم. والرابع: لاتِّفاق أهل السِّير على أنها حملت به في الدنيا؛ وقد نصَّ عليه الواقدي فقال: أوَّل ولد ولدته في الدنيا قابيل. وزعمت المجوس أنَّ آدم لم يخالف في النكاح بين البطنين، وأنَّ صلاحَ الحالِ في تزويج الرجلِ بأخته والأم بولدها، وسنذكر عقائدهم في موضعه إن شاء الله تعالى. والأصحُّ خلاف ما زعموا، لإجماع الأمَّة على أنَّ آدم كان ينكح ولده أيَّ أخواته شاء، إلَّا التي ولدت معه فإنَّه لا تحلُّ له، احتياطًا منه في الفروج، ونظرًا لذوات المحارم، ومراعاة للنسل، فإنه كان قليلًا، وما فعل ذلك إلَّا لضرورة عدمه، فلما كثروا حَرُم ذلك. فصل ومن الحوادث في أيام آدم ﵇ قتل قابيل هابيل قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧] النبأ: الخبر، وابنا آدم هما هابيل وقابيل في قول عامَّة العلماء وابن عمر وابن عباس ومجاهد وقتادة. والقربان: فُعْلان من القربة. وسبب القصَّة ما حكاه السُّديُّ عن أشياخه، ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعطاء وغيرهم عن ابن عباس، قالوا: كانت حوَّاء تلِد لآدم توأمًا، في كل بطن غلام وجارية، إلا شيث فإنها ولدته مفردًا، وكان جميع ما ولدته حوَّاء أربعين ما بين ذكر وأنثى في عشرين بطنًا، ثم بارك الله في نسل آدم، فلمَّا كان بعد مئة سنة من هبوطه إلى الدنيا ولدت له قابيل وتوأمته إقليما، ثم هابيل وتوأمته، وكان آدم إذا شبَّ الغلام زوَّجه جارية البطن الآخر، وزوَّج جارية هذا البطن غُلامَ البطن الآخر، وكان الغلام يتزوَّج أيَّ أخواتِه شاء إلا توأمته التي وُلِدت معه، فإنَّها لا تحلُّ له، وذلك لأنه لم يكن لهم نساء

стр. 325

يومئذٍ إلَّا أخواتهم وأمُّهم حوَّاء. فلمَّا ولدت قابيل وتوأمته وهابيل وتوأمته وبينهما سنتان -وقيل: خمس سنين- وقابيل أكبر، فلمَّا بلغا، أَمرَ الله آدمَ أن ينكح قابيل ليوذا أخت هابيل، وينكح هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل من أجمل النِّساء وأحسنهنَّ. فقال قابيل: لا أفعل وأنا أحقُّ بأختي، وُلدت معي في بطن واحد، ونحن من أولاد الجنَّة، وهابيل وأخته من أولاد الأرض. فقال آدم: فقرِّبا قربانًا فأيُّكما تُقبل قربانه فهو أحقُّ بها. ومعنى قول قابيل نحن من أولاد الجنة: ما حكينا عن ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب الأوَّل: أنَّ آدم كان يغشى حوَّاء في الجنَّة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت بقابيل وتوأمته، ولم تجد وحمًا ولا وصبًا ولا طلقًا ولا دمًا لطهارة الجنَّة، فلمَّا أهبطا إلى الأرض تغشَّاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت الوحم والوصب والطلق والولادة. وقد أجبنا عن هذا فيما تقدَّم (١). وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب غنم، فقرَّب قابيل ميرة من طعام من أردأ زرعه، وأَضمر في نفسه وقال: ما أُبالي أتُقُبِّل منِّي أم لا؟ بعد أن لا يتزوَّج هابيل أختي، وقرَّب هابيل كبشًا سمينًا من خيار غنمه ولبنًا وزبدًا، وأضمر في نفسه الرِّضى بالله تعالى، فوضعا قربانهما على الجبل، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نارٌ بيضاء من السَّماء فأكلتها، وإذا لم تقبل لم تنزل النار وأكلتها السِّباع والطيور. وقام آدم يدعو، وقيل: كان غائبًا بمكة، فنزلت النار فأكلت الحَمَل والزُّبد واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل شيئًا لأنه لم يكن زكيَّ القلب وكان هابيل زكي القلب. قال ابن عباس: فلم يزل الكبش يرعى في الجنَّة حتَّى فدي به إسماعيل (٢)، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧]. واختلفوا في أي موضع كان القربان: فعامَّة العلماء على أنه كان بالهند في المكان

стр. 326

الذي أهبط فيه آدم، وقال ابن قتيبة في "المعارف": كان بمنى، فمن ثم صار بها مذبح الناس اليوم (١). قلت: وهذه من أوهام ابن قتيبة، فإنه لم يوافقه على هذا أحد، وإنَّ الواقعة كانت بالهند. فإن قيل: فلمَ رُفِعتْ هذه النَّار وهذه الأمَّة أحوج إليها من غيرها؟ فالجواب: إنَّما ارتفعت لطفًا بهذه الأمَّة لأنها كانت تُميِّز الخالص من الكدر، فرُفِعت لئلَّا يفتضح المردود منها. وقال مجاهد: ولما تقبِّل قربان هابيل بقي في نفس قابيل، وأضمر له السُّوء، وعزم آدم على الحجِّ إلى مكَّة، فلمَّا أراد أن يتوجَّه إلى مكَّة قال للسَّماء: يا سماء، احفظي ولدي بالأمانة فأبت، فقال للأرض والجبال والشجر: احفظوا ولدي بالأمانة فأبوا فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال: نعم، وسترى في ولدك إذا رجعت ما يسرُّك، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] ومعناه: حين حمل الأمانة ثم خان (٢). فلمَّا غاب آدم جاء قابيل إلى هابيل وهو في غنمه فقال له: لأقتلنَّك، قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّ الله تقبَّل قربانك وردَّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء بغير أمري، وأنكح أختك الدَّميمة، وقد تحدَّث النَّاس أنَّك أفضلُ منِّي، وأنَّ ولدك يفخرون على ولدي. فقال له هابيل: فما ذنبي؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] الذين يتَّقون المعاصي والشرك والقتل ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (٢٨)﴾ (٣) [المائدة: ٢٨]. فإن قيل: فهلَّا دفع هابيلُ عن نفسه؟ فالجواب: ما ذكره مجاهد قال: كان قد كُتِبَ

стр. 327

عليهم في ذلك الوقت إذا أراد الرجل قتلَ رجل أن يتركه ولا يمتنع منه (١). وقد فسَّره ابن عباس وابن عمر فقالا: وايم الله إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التَّحرُّج أن يبسط يده إلى أخيه (٢). وروي: أنه قتله غيلة. قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠] واختلفوا في معناه على أقوال: أحدها: أنَّ معناه تابعت، قاله ابن عباس. والثاني: شجعته، قاله مجاهد. والثالث: زيَّنت، قاله قتادة. والرابع: رخَّصت، قاله الحسن، واختاره الأخفش. والخامس: فعلت من الطَّوع، والعرب تقول طاع لهذه الظبية أصولُ هذا الشجر، حكاه الزجَّاج عن المبرِّد (٣). وقال السُّديُّ: جاءه إبليس فحرَّضه على قتله. واختلفوا في كيفيَّة قتله على أقوال: أحدها: أنَّه أتاه وهو نائم فلم يدر كيف يقتله، فَتمَثَّلَ له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر إليه، فعلَّمه القتل، ففعل بهابيل كذلك، قاله ابن جريج. والثاني: أنه رماه بالحجارة حتَّى قتله، قاله ابن عباس. والثالث: أنه رضخ رأسه بصخرة، رواه مجاهد عن ابن عباس. والرابع: أنه اغتاله فقتله، قاله الربيع (٤). واختلفوا في موضع مصرعه على أقوال:

стр. 328

أحدها: على جبل ثور، قاله ابن عباس. والثاني: بالبصرة مكان الجامع، روي عن جعفر الصادق (١). والثالث: على عَقَبة حِراء، حكاه ابن جرير الطَّبري صاحب التَّاريخ (٢). وحكى المسعودي أنه قتله بدمشق (٣)، وكذا ذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" في حرف القاف فقال: كان قابيل يسكن خارج باب الجابية، وأنَّه قتل أخاه في جبل قاسيون عند مغارة الدَّم (٤). وذكر هابيل في حرف الهاء وكرّر هذا وقال: قتله أخوه قابيل بقاسيون عند مغارة الدَّم؛ وكان هابيل يسكن سطرا. قال: وقال كعب: الدَّم الذي على قاسيون (٥) هو دم ابن آدم (٦). قلت: والعجب من هذه الأقوال، وقد اتفق أرباب السِّير أن الواقعة كانت بالهند، وأن قابيل اغتنم غيبة أبيه بمكَّة، فما الذي أتى به إلى جبل ثور وحراء، وهما بمكة؟ وما الذي أتى به إلى البصرة ولم تكن أُسِّست؟ وأين الهند ودمشق؟ وهل كانت دمشق وجدت أو الجابية أو سطرا؟ وهل وضعت التواريخ إلا لتميِّز بين الصحيح والسَّقيم والسَّالم والسَّليم؟ اللَّهم غفرًا. ثم قد اتفقوا على أن قابيل لما قتل أخاه بالهند هرب في جبال الهند، وقيل: إلى اليمن (٧)، وهلك هناك لما نذكر. واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ على أقوال: أحدها: من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فخسرانه في الدنيا أنَّه أسخط والديه

стр. 329

وبقي بلا أخ، وخسرانه في الآخرة أنَّه أسخط ربَّه وصار إلى النَّار، قاله ابن عباس. والثاني: من الخاسرين للحسنات، قاله الزجَّاج. والثالث: من الخاسرين أنفسهم لأنَّه أهلكها، والمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] قال ابن عباس: لما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، وهو أول قتيل قتل في الدنيا، فقصدته السِّباع، فحمله على عاتقه، فكان إذا مشى تخطُّ يداه ورجلاه في الأرض، وإذا قعد وضعه إلى جانبه. قال مجاهد: وضعه في جرابٍ وحمله على ظهره وقد أروح، والطير عاكفة عليه تنتظر متى يلقيه حتى تأكله. واختلفوا في مدَّة حمله إيَّاه: فقال مجاهد: حمله على عاتقه مئة سنة، وقال مقاتل: ثلاثين سنة، وروي عن مقاتل ثلاثة أيام (١)، وقيل: سنة (٢)، وكل هذه الأقوال فيها مقال. والأصحُّ أنَّه حمله أيامًا، لأنَّ آدم عاد من مكَّة بعد الحادثة بيسير. فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره ورجله، وقابيل ينظر إليه، ثم دفنه. فقال قابيل: و ﴿قَال يَاوَيلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (٣) وفيه قولان: أحدهما عورته، والثاني جيفته (٤)، وهو أعم، وفيه دليل على أن الميت عورة. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. فإن قيل: أليس النَّدَم توبة فلم لم تقبل منه؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ النَّدم توبة لهذه الأمَّة لا لغيرها، لأنَّ الله خصَّها بخصائص لم تكن لسواها، قاله الحسين بن الفضل. والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله. والثالث: أنه ندم على فوات أخيه لا على ركوب الذَّنْب (٥).

стр. 330

وقال ابن قتيبة: حمله حتى أتى به واديًا من أودية الهند فكَمَنَ فيه. وصاح به صائح من السَّماء قتلته لعنك الله، فهرب من الصَّوت حتى اختلط بالوحش. وحكى أبو إسحاق الثعلبي قال: لما قتل قابيل أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيَّام، ثم شربت الأرض دمه كما تشرب الماء، فناداه الله : يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ فقال: ما كنتُ عليه رقيبًا. فقال: إنَّ صوت دم أخيك ليناديني من الأرض فلمَ قتلته؟ وأين دمه؟ فحرَّم الله على الأرض يومئذٍ أن تشرب دمًا بعده. وذكر الثعلبي عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل أخاه كان آدم بمكَّة فتغيَّرت الثمار والأطعمة، وحمضت الفواكه، ويبست الشجر، وأمرَّ الماء، واغبرَّت الأرض (١). وفي رواية: وبلغ آدم ما صنع قابيل فجاء على أثر ذلك فوجد الأرض قد نَشِفَتْ (٢) دمه، فلعن الأرض، فمن أجل ذلك أن الأرض لا تَنْشِفُ دمًا (٣)، وأنبتت الشوك من أجل لعنته. وفي رواية: لما يبس الشجر وتغيَّرت الدنيا قال آدم: حدث في الأرض حَدَثٌ، فأتى الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل وهرب إلى اليمن، فأقام آدم مئة سنة لم يضحك حزنًا على هابيل (٤). قال أبو إسحاق الثعلبي فأنشأ يقول وهو أول من قال الشِّعر [الوافر]: تغيَّرتِ البلادُ ومَن علَيها … فوَجهُ الأرض مغبرٌّ قبيحُ وبُدِّل أهلُها أثَلًا وخَمْطًا … بجنَّاتٍ من الفِردوس فِيح تغيَّر كلُّ ذي لونٍ وطعم … وقلَّ بشاشةُ الوَجهِ الصبِيحِ (٥) وقابيلٌ أذاق الموت هابِلْ … فواحزَني لقد فُقِدَ المليحُ

стр. 331

وما لي لا أجود بسكب دمعٍ … وهابيلٌ تضمّنه الضريحُ وجاءت شَهلَةٌ (١) ولها رنينٌ … لهابِلِها وقابِلِها تصيحُ لقتل ابن النَّبيِّ بغير جُرمٍ … فقلبيَ عند قتلته جريحُ أرى طولَ الحياةِ عليَّ غمًّا … فهل أنا مِن حياتيَ مستريحُ وجاوَرْنا عدُوًّا ليس يفنى … لعينًا ما يموت فنستَريح (٢) وقالت حوَّاء: دع الشكوى فقد هلكا جميعا … بهلكٍ ليس بالثَّمن الرَّبيحِ وما يُغني البكاءُ عنِ البواكي … إذا ما المرء غُيِّبَ في الضَّرِيحِ فبَكِّ النَّفسَ منك ودَع هَواهَا … فلست مُخلَّدًا بعد الذَّبِيحِ فأجابهما إبليس شامتًا بهما: تنحَّ عن البلاد وساكِنِيها … فقد في الخُلدِ ضاقَ بِك الفسِيحُ وكنتَ بها وزَوجُكَ في رخاءٍ … وقلبُكَ من أذى الدنيا مريحُ فما زالت مُكَايَدَتي ومَكرِي … إلى أن فاتك الخُلدُ المرِيحُ فلولا رحمةُ الجبَّارِ أضحى … بكفِّك من جِنانِ الخُلدِ رِيحُ هذه صورة ما ذكر الثعلبي (٣)، وهو شعر ركيك مزحوف، وقد أنكر ابن عباس هذا الشعر. حدَّثني أبو القاسم الحَبِيبي بإسناده عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أنَّه قال: من قال إنَّ آدم قال شعرًا فقد كذب على الله ورسوله، ورمى آدم بالمأثم. إنَّ محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ولكن لما قَتل قابيلُ هابيلَ رثاه آدم، وهو سريانيٌّ، وإنما يقول الشعر من يتكلم بالعربيَّة. فلما قال آدم مرثيته في ابنه هابيل -وهو أوَّل شهيد كان على وجه الأرض- قال آدم

стр. 332

لشيث: يا بني، إنَّك وصيَّتي (١) فاحفظ هذا الكلام ليُتَوارث فيرق الناسُ عليه. فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلَّم بالعربية والسُّريانية، وهو أوَّل من خطَّ بالعربيَّة، وكان يقول الشعر، فنظر في المرثية فإذا هي سجع فقال: إنَّ هذا ليقوم شعرًا فردَّ المؤخَّرَ إلى المقدَّم والمقدَّم إلى المؤخَّر فوزنه شعرًا، وما زاد فيه ولا نقص منه، تحريًا في ذلك فقال الأبيات. وذكر الحسن البصري: أنَّ الرجلين اللذين قربَا القربان كانا من بني إسرائيل، وكانا أخوين (٢). وهذا قول ضعيف، والعلماء على خلافه. والدَّليل عليه ما روى الأئِمَّة: فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلَّا كَانَ على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ منها، لأنَّه أوَّلُ من سنَّ القَتلَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). والكفل: الضعف. وكذا قوله تعالى: ﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] دليل عليه، لأنه لو كان من بني إسرائيل لعرف الدَّفن. وهل قتل قابيل هابيل بعد تزويج أخت قابيل أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنَّه قتله قبل ذلك لئلا يدخل بها. والثاني: أنَّه قتله بعدما دخل بها غيرة وحَنَقًا وحسدًا له، والله أعلم. ذكرُ ما تجدَّد من الحوادث بعد قتل هابيل حكى الثعلبي عن سالم بن أبي الجعد قال: أقام آدم باكيًا حزينًا مئة سنة لا يضحك، ثم جاءته الملائكة فعزَّته لما نذكر (٤). وفي التوراة: أنه كان لهابيل لما قتل عشرون سنة، ولقابيل خمسة وعشرون سنة. وكان قتله إيَّاه في يوم الثلاثاء.

стр. 333

قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ عن يوم الثلاثاء فقال: "ذاك يومُ دمٍ، فيه حاضت حوَّاء، وفيه قَتل ابن آدم أخاه" (١). إلَّا أنَّ الحديث غريب. وقد روينا في صدر الكتاب في حديث أبي هريرة الذي أوَّله: "خَلقَ اللهُ التُربةَ يَومَ السَّبتِ … " وفيه: خلق المكروه يوم الثلاثاء (٢). فصل في تعزية الملائكة لآدم ﵇ روى مجاهد عن ابن عباس قال: لما أقام آدم مدَّة لم يضحك وهو حزين جاءته الملائكة من عند الله بالتعزية، فتقدَّم جبريل فقال له: حيَّاك الله وبيَّاك، أي: أضحَكَكَ، ثم أقاموه من العزاء بأمر الله تعالى فصار ذلك سنة. فصل في هلاك قابيل وعذابه قال علماء السِّير: لما وصل آدم إلى الهند هرب قابيل إلى اليمن، وقيل: إلى الصين، وأفرد آدم أولاده عن أولاده، فهربوا إلى الجبال، وأمر أولاده أن لا يناكحوهم ولا يحاضروهم، فاعتزلوهم في رأس جبل لا ينزل إليهم منهم أحد ولا يصعد إليهم أحد، فقاموا على ذلك زمانًا حتى مات آدم، فنزلوا من الجبل واختلطوا ببنيه، وشاع فيهم الفساد والزِّنا. وكان نسل قابيل صِباح الوجوه، وهم الذين أهلكهم الله تعالى بالطوفان (٣) لما نذكر. وأمَّا قابيل فقد اختلفوا في صورة هلاكه على أقوال: أحدها: أنَّه لما طرده أبوه كان لا يراه أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ومعه ولد يقوده، فقال الابن لأبيه الأعمى: هذا أبوك قابيل، فرماه الأعمى فقتله، فقال له ابنه: ويحك قتلت أباك، فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات. فقال الأعمى: ويلي قتلت أبي برميتي، وابني بلطمتي (٤)، قاله مجاهد.

стр. 334

والثاني: أنَّ الله رماه بحجر من السَّماء فقتله، قاله مجاهد. والثالث: أن جماعة من أهل عدن قتلوه ولم يعرفوه. والرابع: أنه علقت إحدى رجليه بساقها إلى فخذه ووجهه في الشمس حيث ما دار دارت، وعليه في الصَّيف حظيرة من نار، وفي الشِّتاء حظيرة من ثلج إلى يوم القيامة، رواه ابن جريج عن مجاهد (١). والخامس: أنه معلق بين السماء والأرض يعذب بأنواع العذاب. والسادس: أنَّه معلَّق على جبل بالهند يصيح: العطش، ولا يسقى إلى يوم القيامة، قاله الربيع بن أنس. والسابع: أنَّه عُلِّق برجليه ثمانين سنة، ثم خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّا لنجد في الكتب أنَّ ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار شطرَ عذابهم قسمة صحيحة (٢)، أشار إلى قوله ﷺ : "لا تُقتَلُ نفسٌ ظُلمًا إلَّا كَانَ على ابنِ آدم كِفلٌ مِنها … " الحديث (٣). وقال سالم بن أبي الجعد: مكتوب في التوراة: قال الله: ليذهبْ قابيل طريدًا شريدًا مذمومًا مرعوبًا. فذهب وبيده أخته إقليما، فوصل إلى عدن، فأتاه إبليس فقال: إنّما أكلت النَّار قربان أخيك لأنه كان يعبدها ويخدمها، فانصب لها بيتًا واعبدها فيه أنت وولدك، ففعل، فهو أوَّل من عبد النَّار في الأرض (٤). ولم يبق لهما نسل، أمَّا القاتل فهلك نسله بالطوفان، وأمَّا المقتول فلم يعقب. وإنَّما الناس كلهم من شيث، فإنه ولد بعد قتل هابيل لما نذكر.

стр. 335

فصل واختلفوا فيمن عبد النار بعد قابيل فقال قوم: الملك جم لأنَّه قال: هي تشبه الشمس والكواكب. وقال الشرقي بن القطامي: أوَّل من عبدها بعد قابيل أفريدون، قال: هي واسطة بين الربِّ العظيم وخلقه، وبها شرف العالم وبقاؤه، وبنى لها بيتًا بطوس وبيتًا ببخارى وبيتًا بسجستان. وقال عمرو بن بحر الجاحظ: أوَّل من عَبَدها بَهْمَن بن اسفنديار، وبنى لها بيتًا بأرَّجَان ثمَّ تتابع الفرس على عبادتها، لما نذكره. فصل في وصية آدم ووفاته روى وهب بن مُنبِّه عن ابن عباس قال: لما كثُرت ذريَّة آدم اجتمع إليه من ولده وولد ولده أربعون ألفًا، فجعلوا يتحدَّثون وهو ساكت، فقالوا له: يا أبانا، ما بالنا نتكلَّم وأنت ساكت؟ فقال: يا بنيَّ، إنَّ الله لمَّا أهبطني من جواره عهد إليَّ فقال: يا آدم أقللْ من الكلام حتى ترجع إلى جواري (١). فلما احتضر دعا شيئًا فأوصاه وعهد إليه، وكتب وصيَّته، وأمره أن يخفيها عن بني قابيل، وخصَّ شيئًا وولده بها، وعلَّمه عبادة الخالق، وساعات الليل والنَّهار، والحدود والشرائع، وقال: يا بنيَّ، إن الله أوحى إليَّ أني مُخرِج منك نوري الذي أريد به السُّلوك في الأرومات الشريفة، والقنوات الطاهرة، والأصلاب النقية، والأرحام الزَّكيَّة، أباهي به الأنوار، وأجعله خاتم الأنبياء، وأجعل أمَّته خير الأمم، وفيهم الخلفاء والعلماء، أقدس الأرض بوجودهم. وإني غشيت حوَّاء وانتقل ذلك النُّور إليك، فاحتَفِظ به. وذكر كلامًا في هذا المعنى (٢). وكان آدم يحبُّ شيئًا حُبًّا شديدًا، وخصوصًا منذ انتقل إليه النور، وكان شيث أَسْرى

стр. 336

ولدِ آدم وأتمَّهم وقارًا وأحسنهم صورة، متجلِّلًا بالنُّور، متوشِّحًا بالجلال، عليه الهيبة والوقار والسَّكينة (١) وكان نورُ النبيِّ ﷺ يشرق في وجه شيث، وفي وجوه ولده إلى زمان عبد الله بن عبد المطَّلب. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. قال مجاهد: وكان في وصيَّته لشيث: يا بنيَّ، لا تركن إلى الدنيا، فإني ركنت إلى الجنَّة فأُخرجت منها، ولا تعمل عملًا بغير مشورة، فإني لو شاورت الملائكة قبل أن آكل من الشجرة لما أكلت منها، ولا تستشيرنَّ امرأة، فإنَّ حوَّاء أمُّك فعلت بي ما فعلت، ومتى اضطرب في قلبك أمر فلا تفعله، فإني كنت مضطرب القلب عند أكلي من الشجرة. وقال ابن عباس: مرض آدم أحد عشر يومًا. وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن الحسن قال: رأيت شيخًا يتكلم بالمدينة فسألت عنه فقالوا: هذا أبيُّ بن كعب، فقال: لما احتضر آدم، جاءته الملائكة فعرفتهم حوَّاء، فلاذت به، فقال آدم: إليك عنِّي فإنَّما أُتيت من قبلك، خلِّي بيني وبين ملائكة ربِّي، فقبضوه (٢). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن سعيد بن المسيَّب عن أُبيِّ بن كعب قال: لما احتضر آدم قال لبنيه: أشتهي من ثمار الجنَّة أو قِطْفًا منها، فذهبوا يطلبون له منها، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم الأكفان والحَنوط والفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا: ارجعوا فقد قضى أبوكم. وكانت حوَّاء قد لاذت به عند الموت تبكي فقال: إليك عني فإنما أتيت من قبلك خلِّي بيني وبين ملائكة ربي، فقبضوه وغسَّلوه وكفَّنوه ثم حفروا له وألحدوه، وقالوا: يا بني آدم، هذه سنَّة أبيكم. وقال أُبيُّ بن كعب موقوفًا محليه ومرفوعًا: لما وضع آدم على سريره قال شيث لجبريل: تقدَّم فصلِّ عليه، فقال جبريل: إنما أنت أولى بالصَّلاة على أبيك، فتقدَّم

стр. 337

شيث فصلى وكبَّر ثلاثين تكبيرة، وقال: أربع للصَّلاة، وست وعشرون إظهارًا لفضل آدم، فقال له جبريل: أصبت (١). وقيل: إنَّ جبريل تقدَّم فصلى عليه، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم (٢). وقال عطاء الخراساني: بكت الخلائق على آدم سبعة أيام (٣). واختلفوا في سنِّه على أقوال: أحدها: أنه توفي يوم الجمعة لستٍّ خلَون من نيسان في السَّاعة التي خلقه الله فيها بعد ألف سنة (٤). قاله مجاهد، وذكره القضاعي في "تاريخه". والثَّاني: أنه عاش تسع مئة سنة وثلاثين سنة (٥)، حكاه كعب عن التوراة. والثالث: ثمان مئة سنة، قاله مقاتل. والرابع: ألف سنة إلا أربعين عامًا، حكاه الضحاك عن ابن عباس (٦). وقال ابن عباس: ما مات آدم حتى رأى في ولده الزِّنا والفساد وشرب الخمر (٧). واختلفوا في المكان الذي توفي فيه على أقوال: أحدها: بالهند على جبل سرنديب الذي أهبط عليه، وعليه قبره، رواه أبو صالح عن ابن عباس (٨)، وهو قول الكلبي. والثاني: أنه توفي بمكَّة وكان قد حجَّ في تلك السَّنة، ومعه ولده شيث فدفنه في أبي قبيس في غار يقال له: الكنز (٩)، قاله مقاتل.

стр. 338

والثالث: أنه توفي بمنى، ودفن بمسجد الخيف وعفي قبره، قاله عطاء، وحكاه عن ابن عباس قال: حملته الملائكة من منى إلى الكعبة فصلَّت عليه عندها، وطافوا به، ثم ردُّوه إلى مسجد الخيف فدفن به (١). قال: ولما ركب نوح ﵇ السفينة حمله معه، فلمَّا انقضى الطوفان أعاده إلى أبي قبيس فدفنه في غار الكنز، وقيل: دفنه بالبيت المقدَّس (٢). قال عبد الله بنُ أبي فراس: قبر آدم في مغارة فيما بين بيت المقدس وقبر الخليل ﵇، فرأسه عند مسجد إبراهيم، ورجلاه تحت صخرة بيت المقدس، وبينهما ثمانية عشر ميلًا (٣). قلت: فأقصى ما كان طول آدم ستِّين ذراعًا، فكيف يكون طوله ثمانية عشر ميلًا؟! وقال أبو جعفر الطَّبري: أوَّل من مات في الأرض آدم، يعني على فراشه، وإلَّا فقد قُتِلَ هابيل قبله (٤). فصل في حجِّ آدم ﵇ روى مجاهد عن ابن عباس قال: حجَّ آدم من الهند إلى مكَّة ثمانين حجَّة. وقال محمد بن إسحاق: بلغنا أن آدم لما أهبط إلى الأرض حزن على ما فاته مما كان فيه من نعيم الجنَّة، فبوَّأه الله تعالى البيت الحوام، وأمره أن يقيم به، فلم تزل مكَّة داره حتى قبضه الله بها (٥). وقد روي في هذا المعنى حديث مرفوع إلى النبيِّ ﷺ : أنبأنا به غير واحد عن ميمون بن مهران قال: قال ابن عباس: كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنَّة، وكان له بابان من زمرد أخضر: باب شرقي وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة. فلما

стр. 339

أُهبِطَ آدم أنزل معه الحجر الأسود وهو يتلألأ نورًا، فأخذ آدم الميثاق من ولده وأودعه الحجر الأسود. ولما وصل إلى مكَّة تلقَّتهم الملائكة فقالوا: يا آدم، برّ حجّك، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي سنة. قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فقالها آدم في الطَّواف. ثم قال آدم: يا ربِّ، اجعل لهذا البيت عُمَّارًا من ذُرِّيَتي، فقال الله: إني معمِّره بنبيّ من أمَّتك اسمه إبراهيم أتخذه خليلًا وأعلِّمه المناسك. فقال: يا ربِّ، أسألك مَنْ حجَّ هذا البيتَ من ذرِّيَّتي لا يشرك بك شيئًا أن تدخله الجنَّة، فقال: يا آدم، ومن مات في الحرم لا يشرك بي شيئًا أدخلته الجنَّة. إلَّا أنَّ جدي ﵀ ذكر هذا الحديث في "الواهية" (١). والظاهر أنه موقوف على ابن عباس (٢). * * *

стр. 340

فصل في ذكر شيث بن آدم ﵉ روى مجاهد عن ابن عباس قال: هو بالسُّريانيَّة شث وشاث، وبالعبرانيَّة شيث (١). وذكر أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذُري قال: لما قتل هابيل ولدت حوَّاء لآدم شيئًا، فقال آدم: هذا هبةُ الله وخلفُ صدقٍ من هابيل، فسماه شيئًا (٢)، وشيث اسم أعجمي. وحكى أرطاة بن المنذر قال: بلغني أنَّ حوَّاء حملت بشيث الوصيِّ حتَّى نبتت أسنانه، وكانت تنظر إلى وجهه من صفائه في بطنها، ولما وضعته أخذته الملائكة فمكث عندهم أربعين يومًا، فعلَّموه المهن ثم ردُّوه إليها (٣). وقال مقاتل: أنزل الله على شيث سبعين صحيفة، وإليه تنتهي أنساب بني آدم لأنَّ جميع النَّسل انقرض، ولم يبق إلا نسله. قال: وأنزل الله مئة كتاب وأربعة كتب (٤)، منها صحائف آدم وشيث. وكان شيث أفضل أولاد آدم وأشبههم بأبيه، ووليَّ عهده، وهو أبو البشر كلِّهم، وهو الذي بنى الكعبة بالطِّين والحجارة، يعني أنَّه رثَّ فجدَّده. ولما مات آدم جاء إلى مكَّة فأقام بها يحجُّ ويعتمر. وضمَّ صحفه إلى صحف أبيه، وعمل بالجميع (٥). وقال الرَّبيع بن أنس: ولد بعد هابيل بخمس سنين. وفي أيَّام شيث توفِّيت حوَّاء بعد آدم بسنة، فدفنها مع آدم في غار الكنز، فلما جاء الطوفان حملهما نوح في السفينة ثم ردَّهما إلى مكانهما (٦).

стр. 341

فصل في وفاة شيث قال علماء السِّير: أقام يُعمِّر الأرض ويقيمُ الحدود على المفسدين كما كان يفعل أبوه حتَّى توفي، وهو ابن تسع مئة سنة واثنتي عشرة سنة (١). واختلفوا في أي مكان توفي فيه على أقوال: أحدها: بالهند، قاله مجاهد. والثاني: بمكَّة، لأنَّه لم يفارقها بعد وفاة أبيه، قاله مقاتل. قال: وكان له لما مات آدم مئتان وخمسون سنة. ودفن بغار الكنز مع أبويه (٢). وببلد بعلبك مزارٌ يقال: إنه قبره، والله أعلم. فصل في ذكر ولده أَنُوش قال علماء السِّير: ولد أنوش في زمن آدم، فلمَّا احتضر شيث أوصى إليه، وأخبره بالنُّور الذي انتقل إليه منه، وأمره أن ينبِّه ولده على هذا الشَّرف كابرًا عن كابر وسلفًا بعد سلف (٣). فقام ولده أَنُوش بعده بالأمر أحسن قيام، ودبَّر الرَّعايا وعمل بالشَّرائع على ما كان عليه أبوه. وهو أوَّل من غرس النَّخل وزرع الحَبَّ (٤) وعاش تسع مئة وخمسين سنة، وقيل وخمسة وستين (٥)، وفي التوراة: تسع مئة وخمس سنين (٦) وولد أَنُوش بعدما مضى من عمر والده شِيث ست مئة وخمس وستون سنة، وفي التوراة: بعد أن مضى له ست مئة وخمس سنين.

стр. 342

فصل في ولده قَيْنَان قالوا: ولما احتضر أَنُوش أوصى إلى ولده قَينَان وأخبره بالسرِّ الذي أودعه فيه، وأم قينان نعمة أخت أبيه أَنُوش، وهي بنت شيث. وولد قينان بعد مضي سبعين سنة من عمر أنوش، ومن عمر آدم ثلاث مئة ونيِّف (١)، وانتقل النُّور إلى قَينَان، فسار بسيرة أبيه ثم مات وله تسعمائة وعشرون سنة (٢). فصل في ولده مَهلائِيل ولما احتضر قينان أوصى إلى ولده مَهلائِيل بن قَينَان، وأعلمه بالنُّور الذي انتقل إليه، فسار بالنَّاس سيرة أبيه وعاش ثمان مئة سنة (٣). وقال جدي في "أعمار الأعيان": عاش مَهْلائِيل ثمان مئة وخمسًا وتسعين سنة (٤). قال أبو حنيفة الدِّينوَري: كثر ولد آدم في زمان مَهْلائِيل، وكان سيِّد ولد آدم في عصره والقائم بأمورهم، فوقع التنازع بين يدي آدم في الأوطان، ففرَّقهم في مهابِّ الرياح الأربع، وخصَّ ولد شيث بأفضل الأرض، فأسكنهم العراق وما والاه. وفي التوراة: أن مولد مَهْلائِيل بعد أن مضى من عمر آدم ثلاث مئة وخمس وتسعون سنة (٥). فصل في ذكر يَرذ بذال معجمة وقيل: بدال مهملة، وهو ابن مَهْلائِيل، أوصى أبوه إليه، وأخبره بالسرِّ المكنون، وانتقال النور إليه وكان حسن السِّيرة، بنى المدن واستخرج المعادن، وهو الذي بنى بابل والسُّوس، وهما أولُ مدينة بنيتا على وجه الأرض من المدن، وملك الأقاليم السَّبعة، وأمر الناس ببناء المساجد، وقتل السِّباع الضَّارية، وذبح البقر والغنم.

стр. 343

وقال جدي ﵀ في "أعمار الأعيان": عاش يرذ تسع مئة وتسعًا وستين سنة (١)، وقيل: ألف سنة. قال ابن إسحاق: عاش مهلائيل بعدما ولد له يرذ ثمان مئة سنة وثلاثين سنة (٢). وفي التوراة: أن يرذ ولد بعدما مضى من عمر آدم أربع مئة وستون سنة (٣). واختلفوا فيه: فقال البلاذُري: هو اليارذ بألف، وقال مقاتل: هو أوشنج، وقال ابن مسكويه في "تجارب الأمم": هو أوشهنج بهاء (٤). والأصحُّ أنَّ يرذ غير أوشنج، لأنَّ طائفة زعموا أنَّ أوشنج ولد آدم لصلبه، وأنه عاش أربعين سنة. أما يَرْذ فقد عاش زمانًا طويلا. وفي أيام يَرْذ عُبدت الأصنام (٥). ذكر هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: لما مات آدم جعله شيث في مغارة بالهند في الجبل الذي أهبط عليه، فكان بنو شيث يعظِّموثه ويدورون حوله، حتَّى مات شيث (٦). وقام يَرْذ بن مَهْلائيل، فقال بنو قابيل: إنّ لبني شيث دَوَارًا يدورون حوله ويُعظِّمونه وليس لكم شيء، فتصوَّر لهم إبليس في صورة شيخ، فنحت لهم صنمًا على صورة آدم، فهو أوَّل صنم عمل وعبد في الأرض (٧). وذكر الشَّرقي بن قُطامي قال: كان وَدٌّ وسُواع ونسر ويَغوث ويَعوق قومًا صالحين، فماتوا في شهر، فجزع عليهم أهاليهم وأقاربهم، فقال لهم رجل من ولد قابيل: هل لكم أن أعمل لكم خمسة أشخاص على هيئتهم؟ قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام

стр. 344

على هيئة أشخاصهم، ونصبها لهم، فعظَّموها. وذهب ذلك القرنُ وجاء آخر فعبدوها، وقالوا: ما عظَّم أوَّلونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم. فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله إدريس فنهاهم عن عبادتها، فلم ينتهوا، حتى بعث الله نوحًا فأهلكوا بالطُّوفان، وأحدرها الطوفان من الهند إلى الحجاز، فأرست على جُدَّة، فتقاسمها العرب بعد ذلك، فكان وَدٌّ بدُومَة الجَنْدَل لكلب، وسُواع لهُذَيل، ونَسْر لحِميَر آل ذي الكَلاع، ويَغوث لمُراد وغطفان بالجُرف، ويَعوق لهَمْدان (١). وذكر ابن إسحاق: أن الأصنام إنما عبدت في زمن أنوش. وذكر قوم من الأوائل: أن سبب عبادة الأصنام أن طوائف من الهند والصين كانوا يزعمون أن الباري جسم، وأن الملائكة أجسام، وأنهم احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أنهم اتخذوا تماثيل وأصنامًا على صور تخيَّلوها بالوهم في الباري سبحانه والملائكة مختلفة (٢) القدود والأشكال، وصوَّروا أيضًا على صور بني آدم من مات من الفضلاء والحكماء، وأقاموا يعبدونها ويقربون لها القرابين وينذرون لها النذور، وأقاموا على ذلك مدّة حتَّى نبَّههم بعض حكمائهم وقال لهم: هذه الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام إلى الباري، وهي حيَة ناطقة، وما يتجدَد في العالم إنما هو بتأثيرها، فعظِّموها فهي أولى بالتَّعظيم لتقرِّبكم إلى الباري. فأقاموا على ذلك مدَّةً، فلما رأوا بعضها يطلع نهارًا وبعضها ليلًا ويخفى نهارًا، صنعوا لها أصنامًا على هيئتها، وأشهر ما بنوا لها سبعة هياكل على عدد الكواكب السَّبعة، وجعلوا لكل كوكب هيكلًا وصنمًا. فالهيكل الأول: للقمر بنى له مِنُوشِهْر بيتًا بالنُّوبَهار، وسادنه يدعى بَرمك، وإليه ينسب يحيى بن خالد البرمكي. وكتبوا على بابه: أبواب الملوك تحتاج إلى عقل وصبر ومال. فمرَّ به بعض الحكماء فكتب تحته: الواجب على الحرِّ إذا كان معه إحدى الثلاث أن لا يقرب أبواب الملوك.

стр. 345

والهيكل الثاني: لعُطارد على جبل بأصبهان يقال له: مارس، بناه بعض الأوائل. والهيكل الثالث: للزُّهَرة بناه الضحاك بغُمْدان، ولم يزل حتى أخرب في أيام عثمان بن عفَّان ﵁. والهيكل الرابع: هيكل للشمس بفَرْغانة بناه كاوس الملك، وسمَّاه كاوسان، ولم يزل حتى أخربه المعتصم. والهيكل الخامس: للمريخ بالهند على جبل يقال له: شَرْوان، أخربه المأمون. والهيكل السادس: للمشتري ببلاد الصين، وهو الذي ذكرناه في العجائب، وحوله المقاصير، وهو عظيم. والهيكل السابع: لزُحَل، وهو بأقصى الصِّين، ويقال: إنه قائم إلى هلمَّ جرًّا. وزعم قوم أنه بالحجاز وهو الكعبة، ولهذا طال بقاؤها على ممر الدهور والعصور، لأنَّ زحل تولَّاها ومن شأنه البقاء والثبوت (١). * * *

стр. 346

فصل في ذِكْر إدريس ﵇ (١) قال ابن إسحاق: واسمه أَخْنُوخ، وقيل: إنه أَحْنُوخ (٢)، وهو ابن يَرْذ بن مَهْلائيل بن قَينان بن أَنُوش بن شِيث بن آدم ﵇. وقال الجوهري: إنما سمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى (٣). وأوحي إليه وأبوه يَرْذ حيٌّ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]. قيل: إنَّ الله تعالى ذكره في موضعين (٤). قال ابن سعد بإسناده عن ابن عباس قال: وهو أوَّل من أعطي النبوة، وبعثه الله بعد آدم، وهو خَنُوخ بن يَرْذ (٥). قلت: وهو وهم. أوَّل نبيٍّ بعد آدم شِيث، وقد ذكرنا أنَّ الله تعالى أنزل عليه صحائف. والصَّابئة تسمِّي إدريس هِرمِس، ومعناه: حكيم الحكماء، وتزعم أنه يملك الدنيا وينزل من السماء، وقد أشار إلى هذا أبو العلاء المعرِّي فقال (٦) [الطويل]: إذا دخل الهِرماسُ جِلِّقَ واليًا … فما كذَبَتْ فيما تَقولُ الهَرَامسُ يعني الحكماء. وقال ابن إسحاق: وُلد إدريس في حياة آدم، وقد مضى لآدم لست مئة واثنان وعشرون سنة، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة. وهو أوَّل من خطَّ بالقلم وخاط الثياب، وكان الناس يلبسون الجلود.

стр. 347

وهو أوَّل من سبى بني قابيل واسترقَ منهم. وأوَّل من طرز الطرز، وخطَّ بالرَّمل، ونظر في علم النُّجوم وسمَّاها، ووضع أسماء البروج والكواب السيَّارة ورتَّبها في بيوتها، وأثبت لها الشَّرف والوبال والحضيض والأوج والتربيع والتثليث والتسديس والمقاربة والمقابلة والرجوع والاستقامة ونحو ذلك، لأنه صعد إلى السماء، وألهمه الله تعالى معرفة هذه الأشياء. وهو أوَّل من جاهد في سبيل الله. وقال ابن عباس، موقوفًا عليه ومرفوعًا: أربعة من الرُّسل سُريانيُّون: آدم وشِيث وخَنُوخ ونوخ (١). قال: وجَمَع بني آدم ووعظهم وأمرهم ونهاهم عن مداناة بني قابيل، فخالفه جماعة فقتل وسبى واسترقَّ (٢). قال: وكان يصعد له في اليوم من العمل ما لا يصعد لبني آدم في السنة، فحسده إبليس وعصاه قومه، فرفعه الله إليه، وأدخله الجنَّة، ورُفعَ وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة (٣). قال جدي ﵀ في "التبصرة": وعاش أبوه بعد رفعه إلى السماء مئة وخمسًا وثلاثين سنة (٤). ذكر رفعه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] اختلفوا في المكان الذي رفع إليه على أقوال: أحدها: في السماء الرابعة، وفي "الصحيحين" من حديث مالك بن صَعصَعة في

стр. 348

المعراج أن النبي ﷺ رآه فيها (١). والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه في السماء السابعة. حكاه أبو سليمان الدمشقي (٢). والرابع: في الجنَّة، قاله ابن زيد. وقيل: إنَّ الجنَّة في السماء الرابعة. وفي سبب صعوده إلى السّماء أقوال: أحدها: أنه كان يصعد له في كل يوم من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم في زمانه، فتعجَّبت منه الملائكة، واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربَّه في زيارته فأذن له، فهبط إليه في صورة بني آدم وصحبَهُ، وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه، فأبى أن يأكل معه، فعل ذلك ثلاث ليالٍ، فأنكره إدريس وقال له: مَن أنت؟ فقال: لا تخف، أنا ملك الموت، استأذنت ربي في زيارتك وصحبتك فأذن لي، فقال له إدريس: لي إليك حاجة، فقال: وما هي؟ قال: تقبض روحي. فأوحى الله تعالى إليه: اقبض روحه، ففعل، ثم ردَّها الله إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: وما الفائدة في سؤالك؟ فقال: لأذوق الموت وكربه فأكون له أَشدَّ استعدادًا. ثم قال له إدريس: لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء وتريني الجنَّة والنار، فأذن الله له في رفعه إلى السماء، وسأل ملك الموت أن يسأل مالكًا خازن النار أن يفتح له بابًا من أبوابها، ففعل، فرآها فقال لملك الموت: كما أريتني النّار فأرني الجنة، فذهب به إلى الجنَّة فأدخله إيَّاها، فلما طاف فيها قال له ملك الموت: اخرج منها وعدْ إلى مستقرِّك، فتعلَّق بشجرة فقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكًا فحكم بينهما، فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ فقال: لأنّ الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقته. وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد وردتها، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨] فلست أخرج. فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل وبأمري فعل ما فعل، فخلِّ عنه، فتركه، قاله

стр. 349

ابن عباس ووهب، ورواه زيد بن أسلم مرفوعًا (١). فإن قيل: فمن أين لإدريس هذا وكيف علم ما في كتابنا، وهو لم ينزل عليه؟! فالجواب: إنَّ الله تعالى ألهم إدريس ما فعل، وعلَّمه وجوب الورود وامتناع الخروج من الجنَّة. وفيه أيضًا دليل على قدم القرآن، وأنهم قد كانوا يعرفون بعضه من اللوح المحفوظ، وإليه وقعت الإشارة بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩] وإن لم يكن فيها بهذه العبارة. والقول الثاني: أنَّ بعض الملائكة أحبّ إدريس، فنزل إليه وصادقه، فلمّا عرف إدريس أنه ملك قال له: هل بينك وبين ملك الموت معرفة؟ قا. ل: نعم، هو أخي من الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني عنده ليرفق بي عند الموت؟ قال: نعم، اركب على جناحي، ففعل فصعد به إلى السماء فمرَّ به على ملك الموت فرآه جالسًا على كرسي وبين يديه لوح فيه أسماء الخلائق، فكلمه في إدريس، فقال له: تكلمني في رجل قد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجَله إلا طرفة عين؟ فمات إدريس بين جناحي الملك، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: إن إدريس سار يومًا في الشمس فأصابه وهجها، فقال: اللَّهم خفف ثقلها عن من يحملها، فأصبح الملك الموكَّل بها وقد خفَّ عنه ما لم يعهده، فسأل الله عن ذلك فأخبره بدعاء إدريس له، فقال: يا رث اجمع بيني وبينه واجعلْ بيننا خُلَّة، فأذن له فأتاه فقال له إدريس: اشفع لي إلى ملك الموت أن يؤخر أجلي، فقال: إنّ الله لا يؤخّر نفسًا إذا جاء أجلها، ولكن أكلِّمه فيك فما استطاع أن يفعل معك فعل. ثم حمله الملك على جناحه فوضعه عند مطلع عين الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال: لي إليك حاجة، فقال. وما هي؟ قال: صديق لي من بني آدم أسالك أن تؤخّر أجله، فقال: ليس لي إلى ذلك سبيل، ولكن إن أحببت أخبرتك متى يموت، فنظر في اللوح وقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدًا. قال: وكيف؟ قال: لأني لا أراه يموت إلا

стр. 350

عند مطلع عين الشمس. قال: فإني خلَّفته هناك، قال: انطلق فما تجده إلا ميتًا، فرجع فوجده ميتًا. رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال كعب (١). قال: وذكر إدريس في التوراة فقال: أخنوخ أحسن خدمة الله فرفعه الله إليه. وقال ابن عباس: أربعة من الأنبياء أحياء فيهم أرواحهم: إدريس وعيسى في السماء وإلياس والخضر في الأرض وكلهم يموتون إلَّا إدريس، فإنه إذا مات الخلق أصابته دهشة، فيبقى في عداد الموتى وهو حيٌّ. وقيل: هو الذي يجيب الله تعالى إذا مات الخلق وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيقول إدريس: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وقال كعب الأحبار: في التوراة: إنه استجاب لإدريس ألف إنسان ممن دعاهم إلى الله تعالى. وقال الهيثم بن عدي: أوصى إدريس قبل رفعه إلى ابنه مُتُّوشَلْح -بالحاء المهملة، ويقال: مُتُّوشَلْخ بالخاء المعجمة- وكان صالحًا، ولد على مضي ثلاث مئة سنة من عمر والده إدريس. ومُتُّوشَلْخ أول من ركب الجمل، وسلك طرائق الخير والصلاح. ولما عهد إليه إدريس عرفه بالنور الذي انتقل إليه منه، وعاش تسع مئة وتسعًا وستين سنة، ويقال: إنَّه ولد في حياة آدم. وأقام إدريس في النبوة مئة وخمسًا وستين سنة، ورفعه وهو ابن أربع مئة وخمسٍ وستين سنة، كذا روى الضحاك عن ابن عباس، وحكاه الخطيب. فصل في ولد مُتُّوشَلْخ منهم لَمْك أبو نوح ﵇، وبربر وروس وصقلاب، وإليه تنسب الصقالبة، وصابئ وإليه تنسب الصابئة، ولم ينتقل النور إلا إلى لَمْك ويقال لامَك، لما نذكر، وإليه أوصى مُتُّوشَلْخ.

стр. 351

ذكر الجاهلية الأولى واختلفوا فيهم: فقال الشعبي: كانوا بين عيسى ومحمّد صلى الله عليهما وسلّم (١). قال أبو العالية: بين داود وسليمان (٢). وقال مجاهد: بين إبراهيم وموسى. وقيل: في زمان نمرود، كانت المرأة تلبس قميصًا من الدّرّ فيرى باطنها فيه، ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، تعرض نفسها على الرِّجال (٣). وروى عطاء عن ابن عباس قال: وفي زمان متوشلخ كانت الجاهلية الأولى، وهما بطنان من بني آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِباحًا وفي النساء دَمامة، ونساء السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، فجاء إبليس إلى رجل من السهل فأخذ زمارة فزمر بها فظهر له منها صوت لم يسمع مثله، فاجتمع إليه الرجال والنِّساء ونزلوا من الجبل، فاختلطوا وتبرَّج النِّساء، فكثرت الفواحش حتى أغرقهم الطوفان، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٤). وإبليس أوَّل من زمر وناح (٥). * * *

стр. 352

فصل في الحوادث التي كانت في زمان إدريس ﵇ - قصَّة هاروت وماروت وهما اسمان سريانيَّان لا ينصرفان للعُجمة والتعريف، وكانت قصتهما على ما ذكره ابن مسعود وابن عباس والمفسرون: أنَّ الملائكة رأت ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة، ودْلك في زمان إدرشى، فعيَّروهم بذلك، ودعوا عليهم وقالوا: يا ربنا هؤلاء الذين اخترتهم وجعلتهم في الأرض خلفاء وهم يعصونك، فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا. فقالوا: سبحانك ما كان لنا -أو ما ينبغي لنا- أن نعصيك. فقال لهم الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أُهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم. وقال الكلبي: قال الله: اختاروا ثلاثة، فاختاروا عزائيل، ووعزا وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت، وإنما غُيِّر اسمهما لمَّا قارفا الذنب-[كما غُيِّر] (١) اسم إبليس وكان اسمه عزازيل- قال: فركّب فيهم الشهوة وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن القتل والزنا، والشرك وشرب الخمر. فأمَّا عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال، وسأل الله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله ورفعه، وسجد أربعين سنة لم يرفع رألممه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وقيل: إنه بقي على حاله. وأمَّا الآخران فإنهما ثبتا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، فصعدا إلى السماء. قال قتادة: فما مرَّ عليهما شهر حتى افتتنا. قالوا جميعًا: وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النساء، قال علي كرَّم الله وجهه: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها، فلمّا رأياها

стр. 353

أخذت بعقولهما أو بقلوبهما فراوداها عن نفسها، فأبت ثم انصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك، فأبت، وقالت: لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل لنا إلى هذه الأشياء، فإنَّ الله تعالى نهانا عنها. فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت لهما بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر فانتشيا، ووقعا على المرأة فزنيا، فلمَّا فرغا رآهما الشاب (١) فقتلاه. قال الرَّبيع بن أنس: وسجدا للصنم؛ فمسخ الله الزهرة كوكبًا. قال علي بن أبي طالب والسُّدي والكلبي: إنها قالت لهما: لن تدركاني حتَّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتما بمدركيَّ حتى تعلّماني إياه، فقال أحدهما للآخر: علِّمها، قال: إني أخاف الله، قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلَّماها ذلك، فتكلَّمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبًا (٢). قال الثعلبي: فعلى قول هؤلاء هي الزهرة بعينها، وقيَّدوها فقالوا: هي الكوكبة الحمراء، واسمها بالفارسية أناهيد (٣)، وبالنِّبطية بيدخت. قال الثعلبي: ويدل على [صحة] هذا القول ما حدَّثنا [به] يحيى بن إسماعيل الحربي بإسناده عن عليّ ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رأى سهيلًا قال: "لَعَنَ الله سُهَيلًا إنه كانَ عَشَّارًا باليمنِ، لَعَنَ الله الزُّهرَة فإنَّها فَتَنَتِ المَلَكَينِ" (٤). قال: وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي: ارمق الكوكبة، يعني

стр. 354

الزهرة، فإذا طلعت فآذنِّي أو فأيقظني قال: فلما طلعت أيقظته، فجعل ينظر إليها ويسبُّها سبًّا شديدًا، فقلت: رحمك الله، أتسبُّ نجمًا سامعًا لله مطيعًا؟! فقال: إنَّ هذه كانت بغيًا فلقي الملكان منها ما لقيا (١). قال نافع: وكان ابن عمر إذا رأى الزهرة قال: لا مرحبًا ولا أهلًا (٢). وروى أبو عثمان النَّهدي عن ابن عباس بنحو ما روى مجاهد عن ابن عمر. وقال الثعلبي: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا: إنَّ الزهرة من الكواكب السبعة السَّيارة التي جعلها الله قوامًا للعالم وأقسم بها فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦] وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت وماروت امرأة تسمى الزهرة من جمالها، فلما بغت جعلها الله شهابًا، فلما رأى رسول الله ﷺ الزهرة، ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذا سهيل العشَّار كان رجلًا عشّارًا باليمن، فلما رأى رسول الله ﷺ النجم ذكره فلعنه. يدل عليه ما روى قيس بن عُباد عن ابن عباس (٣) قال: كانت الزهرة امرأة فُضِّلَتْ بالحسن على الناس كما فضلت الزهرة على سائر الكواكب (٤). ومثله قال كعب الأحبار وغيره، والله أعلم. قلت: هذا صورة ما ذكره أبو إسحاق، ولم يبيّن ما في الأحاديث من المقال، وما رواه عن النَّبي ﷺ في الزهرة وسهيل لا يصح، وكذا ما روي عن ابن عمر. والدليل عليه أن جدي ﵀ ذكر هذه الأخبار في "الموضوعات": أنبأنا جدي ﵀ قال أنبأنا أبو منصور القزَّاز بإسناده عن معاوية بن صالح عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر فلما كان آخر اللَّيل قال: يا نافع طلعت الحمراء؟ فقلت: لا، فلمَّا طلعت أخبرته، فقال: لا مرحبًا ولا سهلًا. قلت: سبحان الله، نجم سامع مطيع تقول له هذا؟! فقال: ما قلت إلّا ما سمعته من رسول الله ﷺ ، أو قال: قال رسول الله: ﷺ إنَّ الملائكة قالت: "يا ربِّ كيفَ صبرُك على بني آدمَ في الخطايا

стр. 355

والذّنوب؟ قال: إنِّي ابتليتُهم وعافيتُكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملَكَين منكم. فلم يَألوا أن اختاروا هاروتَ وماروتَ فنزلا، فأَلقَى عليهما الشَّهوة، فجاءت امرأةٌ يقال لها: الزُّهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كلُّ واحد منهما يخفي ما في نفسه عن صاحبه. ثم راوداها فقالت: لا أمكِّنكما حتى تعلِّماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان، فامتنعا، ثم أجابا ففعلا، فمسخها الله كوكبًا، وقطع أجنحتهما. ثم سألا التوبة من ربِّهما فخيَّرهما بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدُّنيا، فأوحى الله إليهما: انطلقا إلى بابل، فانطلقا فهما منكوسان بين السماء والأرض يُعذَّبان إلى يوم القيامة". قال جدّي ﵀: هذا حديث لا يصح (١). وأمَّا حديث سُهيل وقول النبيِّ ﷺ : "لعن الله سُهيلًا كان عشَّارًا باليمن" فقال جدي في "الموضوعات" أيضًا: لا يصحّ مرفوعًا إلى رسول الله ولا موقوفًا، تفرَّد به إبراهيم بن يزيد الخوزي، اتفقوا على تركه (٢). وقد رُويت لنا هذه القصة وليس فيها أنَّ الزهرة مُسخت كوكبًا: قرأتُ على شيخنا الموفَّق المقدسي ﵀ قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النَّقور، بإسناده عن عبد الله بن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنَّ آدمَ لمَّا أَهبَطَه الله تعالى إلى الأرض قالتِ الملائِكَةُ: يا ربّ، أتجعَلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها ونَحن أَطْوَع لك من بَني آدَمَ؟، فقال الله: هَلمُّوا ملَكَين منكُم حتى نُهبِطَهما إلى الأرضِ فننظر كيف يعملان، فاختاروا هارُوتَ ومارُوتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ (٣) ومَثُلَت لهما الزهرة امرأة من أحسنِ البَشَر، فسألاها نَفسَها، فقالت: لا والله حتى تتَكلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: لا واللهِ لا نشركُ بالله شيئًا، فذهبت عنهما. ثم رجَعَتْ بصبي تحملُه، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتُلا هذا الصبيَّ، فقالا: لا والله لا نقتُلُه أبدًا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحملُه، فسألاها نَفسَها فقالت: لا واللهِ حتى تَشرَبا هذا القدَحَ، فشَرِبا القدَحَ حتى سَكرا فوَقَعا عليها، وقَتلا الصبيَّ، وتكلَّما بالكلمةِ. فلمَّا أفاقا قالت
следующие страницы →