← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

روى هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن أشياخه قالوا: خطب علي ﵇ الناس قبل مقتل محمد، لما وصل إليه كتابَه يستصرخ به فقال: أما بعد، فإن هذا صَريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النَّابغة عدوُّ الله، وعدوّ مَن والى الله، ووَليُّ مَن عاداه، فلا يكوننّ أهل الضلال والباطل أشدّ اجتماعًا منكم على ضلالهم وباطلهم، وأنتم على الحق، فاعجَلوا إليهم بالمواساة والنّصر، ألا وإن مصر أعظمُ خيرًا من الشام، وأكثر جُندًا، فلا تُغْلَبوا عليها، فإن بقاءها في أيديكم عِزٌّ لكم، وكَبْتٌ لعدوِّكم، اخرجوا إلى الجَرَعة بين الكوفة والحِيرة، وافوني غدًا هناك إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بُكرةً، فأقام بها حتَّى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يُوافِه منهم رجل، فرجع إلى القصر حزينًا كئيبًا، وبعث بالعَشِيّ إلى أشرافهم، فدخلوا عليه فوَبَّخهم وعَنَّفهم وقال: إن الله ابتلاني بكم أيُّها القرية (١)، وبمَن لا يُطيع إذا أَمرتُ، ومَن لا يُجيب إذا دعوت، أوليس عَجَبًا أن معاوية يَدعو الجُفاةَ الطُّغاة فيجيبونه إلى [أي] جهةٍ شاء، على غير عَطاء ولا مؤونة، وأنتم أهل النُّهى، وبَقيَّةُ الناس؛ أدعوكم فتعصونني وتخالفونني، وتختلفون علي. فقال مالك بن كعب الهمْداني ثم الأرحبي: يا أمير المؤمنين، إنه لا عِطْرَ بعد عَروس، لمثل هذا اليوم كُنْتُ أدَّخِرُ نفسي، يا قوم، أجيبوا إمامكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوَّه، وأنا أسير إليها يا أمير المؤمنين. فسار إلى مصرفي ألفين، فودَّعه علي ﵇ وقال: والله ما إخالك تُدركه إلا وقد فات الأمر، فسار خمسًا، فوصل الخبر بهلاك محمد وفتوح مصر، وقدم على أمير المؤمنين رجلان من عيونه؛ أحدهما الحجَّاج بن غَزِيّة الأنصاري، كان مقيمًا بمصر، وعبد الرحمن بن شَبيب الفَزاريّ، كان مقيمًا عينًا له بالشام، فأما الأنصاري فحدّثه بمقتل محمد بن أبي بكر وما عاين، وأما الفزاري فقال: لم أخرج من الشام حتَّى قَدِمت البُشرى من قبل عمرو بن العاص بفتح مصر، ومقتل محمد، قال: يا أمير

стр. 2907

المؤمنين، فما رأيتُ قومًا أسرّ، ولا أتمَّ سرورًا من أهل الشام بهلاك محمد، فقال أمير المؤمنين: إن حُزننا عليه بقَدْر سُرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا، وحزن على محمد حتَّى رُئي ذلك في وجهه، وقال: ما حَزِنتُ على أحدٍ، أو ما جَزِعتُ على أحدٍ مثل جَزَعي على محمد، إنه كان لي رَبيبًا، وكنتُ أعدّه وَلَدًا، وكان بي بارًّا، فعند الله أحتسبه، فعلى مثله يُحزَن. ثم خطب الناس فقال في خطبته: ألا إن مِصر قد افتتحها الفَجَرة الظَلَمة؛ الذين صَدُّوا عن سبيل الله، وبَغَوا الإسلامَ عِوَجًا، ألا إن محمد بن أبي بكر قد استُشهد رحمة الله عليه، فعند الله نحتَسِبُه، أما والله لقد كان فيما علمتُ يَعمل للجزاء، ويحبُّ هدى المؤمنين، وقد استَصْرَخْتكم مُعلنًا، وناديتكم مُستغيثًا، فلم تسمعوا لي قولًا، ولم تُطيعوا لي أمرًا، فأنتم القوم لا يُدرَك بكم الأثْآر، ولا تُجيبون إلى غَواث. وفي رواية: ولا ترفعون العار، ولا تدفعون الشَّنار، دعوتكم إلى نصر إخوانكم منذ خمسين ليلة، فجَرْجَرْتم جَرْجَرَةَ البعير الأشدق، وتثاقلتم ثتاقُلَ مَن ليس له نيَّةٌ في الجهاد، ثم خرجتُ منكم بشِرْذِمَةٍ يسيرة، كأنما تُساقون إلى الموت، ثم قال: أفٍّ لكم، ونزل. وقال أبو مخنف وغيره: وكتب علي ﵇ إلى ابن عباس إلى البصرة يُخبره بهلاك محمد، وفتوح مصر، وأنه نَدب الناس إلى نُصرته فتثاقلوا عليه، ثم قال: أسأل الله أن يَجعل لي منهم فَرَجًا، وأن يُريحَني منهم عاجلًا. فكتب إليه ابن عباس: أسأل الله أن يُعِزَّك بالملائكة المقَرَّبِين، فإن الله مُعينُك وناصرُك، ومُجيبُ دعوتك، وكابتُ عدوِّك، يا أمير المؤمنين، إن الناس ربما تثاقلوا ثم نَشَطوا، فارفِق بهم، ثم استعن بالله عليهم، والسلام (١). وذكر صاحب "العقد" أن معاوية بن حُدَيج ضرب عُنق محمد بن أبي بكر، وبعث برأسه إلى معاوية، فكان أول رأسٍ طِيف به في الإسلام. وذكر في "العقد" أيضًا أن محمد بن جعفر بن أبي طالب كان بمصر مع محمد بن أبي بكر، فلما قُتل ابنُ أبي بكر لجأ محمد بن جعفر إلى أخواله من خَثْعَم، لأن أمَّه أسماء بنت عُميَس كانت خَثْعَمِيّة،

стр. 2908

فقال معاوية بن حُدَيْج: لَتَأتِيَنّي به، فقال: لا والله، ابنُ أختنا لجأ إلينا، لا نُسلِمه أبدًا. فقال له معاوية: إنك لأَوْرَه، أي: أحمق، فقال: أجل، إني لأوره حين أقاتل عن ابنِ عمِّك لأَحقِنَ دمَه، وآتيك بابن أختي لتَسفِكَ دمَه. وفي رواية: إني لأوره حيث أُقدِّم بني عَمّي لتسفك دماءهم دونك، فسكت ابنُ حُدَيج، ولم يعرض لابن جعفر (١). قلت: وقد وهم صاحب "العقد" فإن بني جعفر لم يفارقوا أمير المؤمنين، ولم يذهب أحد منهم إلى مصر. وذكر ابن سعد بمعناه فقال (٢): كان الحسن لا يُسمّيه باسمه، إنما كان يُسمّيه الفاسق، قال: فأُخذ الفاسق ابنُ أبي بكر، فجُعِل في جوف حمار، ثم أُحرق عليه. وقال الواقدي: كان محمد بن أبي بكر يُدْعى عابدَ قريش لزُهده ونُسكه، حتَّى بدا منه في حقِّ عثمان ما بدا، وكان الحسن البصري يُسمّيه الفاسق، فيقول: قال الفاسق وفعل الفاسق. وقال جدي ﵀ في كتاب "الصفوة" و"التَّلقيح" في أولاد أبي بكر: كان محمد من نُسَّاك قريش، إلا أنَّه كان ممَّن أعان على عثمان يومَ الدّار (٣). قلت: ومحمد بن أبي بكر جدُّ جدي ﵀، وسنذكر نسبه في ترجمة جدِّي إن شاء الله تعالى. ذكر أولاد محمد بن أبي بكر: قال علماء السير: كان له من الولد: القاسم وعبد الله، فأما القاسم فسنذكره في لمشة ثمان ومئة، وأما عبد الله بن محمد فقال الموفق (٤) ﵀: روى عبد الله عن عائشة. وقد ذكرنا أن محمدًا تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيل، ولم تلد من محمد

стр. 2909

لأنها كانت قد أسنّت، وقُتل عنها جماعة آخرهم محمد فرثته وقالت: إن تَقتلوا وتُمَثّلوا بمحمّدٍ … فما كان من أهل النساءِ ولا الخَمْرِ (١) وسنذكر عاتكة في سنة إحدى وأربعين. وفيها توفي مَعقِل بن قيس الرِّياحي الكوفي وكان من أصحاب أمير المؤمنين، وهو الَّذي بعثه إلى الخارجي النَّاجي (٢) وبني ناجية، وكان صاحب شرطة أمير المؤمنين، وشهد الجمل أميرًا علي بني أسد، وبعثه عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب بفتح تُسْتَر، وبعثه أمير المؤمنين في عدة أماكن. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: خرج المُسْتَورد بن عَلْقمة (٣)، فلقيه مَعْقِل بن قيس، فقتل كلّ واحدٍ منهما صاحبَه مَبارزة. قال الواقدي: مات سنة ثمان وثلاثين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، وقيل: بعد الأربعين، والله أعلم. * * *

стр. 2910

السنة التاسعة والثلاثون قال علماء السير ممَّن سمَّينا: وفيها فرَّق معاوية جُيوشه نحو العراق، فبعث النعمان بن بَشير في ألفَيْ رجل إلى عين التَّمر، وبها مالك بن كعب مَسْلَحةً لأمير المؤمنين في ألف رجل، [فأذن لهم علي] فأتى، منهم تسع مئة إلى الكوفة، ولم يَبق مع مالك سوى مئة رجل، فكتب مالك إلى علي يُخبره، فصَعِد المنبر، وأمرهم بالنُّهوض فتثاقلوا، فقال: يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بمَنْسِر من مَناسِر أهل الشام قد أظَلّكم؛ انحَجَر كلُّ امرئ منكم في بيته وأغلق عليه بابَه، المغرور والله مَن غَرَرْتموه، ومَن فاز بكم فاز بالسهم الأخْيَب، لا أحرارٌ عند اللقاء، ولا إخوانُ ثِقةٍ عند النَّجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا مُنيتُ به منكم، عُميٌ لا تُبصرون، وبُكْمٌ لا تنطِقون، وصُمٌّ لا تَسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نزل. وأما مالك بن كعب فإنه لما دَهَمه النعمان خرج في المئة رجل الذين بقوا عنده، قد كسروا جُفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام قد فعلوا ذلك ظنوا أنهم مَدَد (١)، فولَّوا على أدبارهم، وتبعهم مالك فقتل منهم نفرًا، وكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح. وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف فارس، وأمره أن يأتي هِيت والأنبار والمدائن فيغير عليها، وكان بهِيت أشرس بن حسان البَلَوي، وقد تفرَّق عنه أصحابه، ولم يبق معه سوى ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم فاقتتلوا، وثبت أشرس، وقاتلهم قتالا شديدًا، فقتلوه وأصحابه، ثم نهبوا أموال أهل هِيت والأنبار، ورجعوا إلى الشام. وبلغ الخبر أمير المؤمنين، فخرج في آثارهم، فمنعه أهل الكوفة وقالوا: نحن

стр. 2911

نكفيك، فقال: ما تكفونني؛ ونزل بالنُّخَيلة، فجهَّز في آثارهم قيس بن سعد، ففاتوه (١). وفيها بعث معاوية عبد الله بن مَسْعَدَة الفَزاريّ في ألف وسبع مئة رجل إلى تَيماء، وأمره أن يُصدِّق مَن مَرّ به من أهل البوادي، وأن يَقتل من امتنع من أداء صَدَقَةِ ماله، ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز. فسار الفَزاريّ في جَمعٍ كثير من قومه، وبلغ أمير المؤمنين، فبعث المسيَّب بن نَجَبَة الفَزاريّ في ألفَيْ رجل، فأدرك ابنَ مَسْعَدة بتَيْماء حين زالت الشمس، واقتتلوا قِتالًا شديدًا، وحمل المسيَّب على ابن مَسْعدة، فضربه ثلاث ضَربات على رأسه، كلّ ذلك ولا يلتمس قَتْلَه ويقول له: النَّجاء النجاء، فدخل ابن مسعدة وعامة مَن معه حِصن تَيماء، وهرب الباقون إلى معاوية، وانتهب الأعراب إبلَ الصَّدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره المسيّب ومَن معه ثلاثة أيام، ثم ألقى الحَطَب على الباب، وألهب فيه النار، فاحترق الباب، وأيقنوا بالهلاك، فأشرف ابن مسعدة ومَن معه فقالوا: يا مُسيّب، قومك. فرَقَّ لهم، وكره هلاكَهم، فأمر بالنار فأُطفِئت، وقال المسيب لأصحابه: قد أخبروني عيوني بأن جندًا قد فصل إليكم من الشام، فانضموا في مكان واحد، ففعلوا، فلما جاء الليل خرج ابن مَسعدة وأصحابُه نحو الشام، فقال عبد الرحمن بن شَبِيب للمسيب: سِرْ في طَلَبهم، فأبى عليه، فقال: غَشَشْتَ أمير المؤمنين. وفيها بعث معاوية الضَّحّاك بن قيس في ثلاثة آلاف نحو واقِصة، وأمره بالغارة على مَن هو في طاعة أمير المؤمنين من الأعراب، فسار يَقتل ويَأخذ الأموال، ومر بالثَّعْلبية، وانتهى في غارته إلى القُطْقُطانَة، وأتى الضَّحَّاك على عمرو بن عُمَيس بن مسعود وهو في خيل لأمير المؤمنين، وأمامه أهله يريدون الحج، فأغار الضحاك عليهم، ومنعهم من الحجَّ، وبلغ أمير المؤمنين، فسرَّح حُجْر بنَ عَديّ الكِنديّ في أربعة آلاف، فسار خلف الضحاك، فلحقه بتَدمُر، فقتل من أصحابه تسعة عشر رجلًا، وقتل من أصحاب حجر رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حُجر بمَن معه سالمًا غانمًا. وقال ابن سعد عن الواقدي، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَكية قال: وفي سنة تسع

стр. 2912

وثلاثين سار معاوية بنفسه حتَّى شارف دجلة ثم نَكَص راجعًا، وذكره أبو معشر أيضًا (١). وقد ذكرنا أن أمير المؤمنين وَجّه زيادًا إلى فارس فيما تقدَّم، بعد حريق ابن الحَضَرَمي لما اختلف الناس على علي ﵇، وأخرجوا عُمَّاله. وقال عمر بن شَبَّة: إنما كان ذلك في سنة تسع وثلاثين لما امتنع أهل فارس من الخراج، فاستشار على من يوليه، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك على رجلٍ صليب الرأي، عالم بالسياسة، كافٍ لما ولَي؛ قال: من هو؟ قال: زياد بن أبيه، فقال: هو لها، فسار في أربعة آلاف إلى فارس وكرمانًا؛ فدوَّخ تلك البلاد فاستقاموا. وقال الشعبي: أن الَّذي أشار بتولية زياد عبد الله بن عباس، وكأن زياد مقيمًا بالبصرة، وكان ابن عباس قد قدم على أمير المؤمنين الكوفة، فاستشاره فأشار عليه بزياد، فقال له علي: إذا وصلت البصرة فولِّه، فولّاه، وقد أشرنا إليه فيما تقدّم. قال عمر بن شَبَّه، عن أشياخه: دخل زياد بلاد فارس وهي تضطرم نارًا، فلم يزل بهم بالمُداراة حتَّى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، لم يقف موقفًا واحدًا للحرب، وكان أهل فارس يقولون: ما رأينا سيرةً أشبة بسيرة كسرى أنو شِروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة، والعلم بما يأتي. قال: ولما قدم زياد فارس بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومَنَّاه، وخوّف قومًا وتوعَّدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على عورة بعض، فدانت له البلاد، وأتى إلى اصطَخْر فنزل بها، وحصَّن بها قلعة زياد، وحمل إليها الأموال، ثم تحصّن فيها بعد ذلك منصور اليَشْكُري، وهي اليوم تُسمّى قلعةَ منصور. واختلفوا فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال قوم: عبد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شَجَرة الرُّهاوي ليَحجّ بالناس، فتنازعا، ثم أصطلحا على شَيبة بن عُثمان الحَجَبي، فصَلّى بالناس، ووقف بهم. وقال هشام والواقدي: لم يشهد عبد الله بن عباس في أيام علي ﵇ الموسم، ولا حجّ بالناس.

стр. 2913

وقال الواقدي: بعث علي ﵇ في سنة تسع وثلاثين عُبيد الله بن العباس، وبعث معاوية يزيد بن شَجَرة الرّهاويّ، فتنازعا وهمَّا أن يَقتتلا، فدخل بينهما الناس، فاصطلحا على شَيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وقال الهيثم: بعث علي ﵇ قُثَم بن العباس على الموسم في سنة تسع وثلاثين، فنازعه يزيد بن شَجَرة الرهاوي، وأبي كلّ واحدٍ منهما أن يُسِلم الأمرَ إلى الآخر، وخاف الناس الفَوات، فرضي أهل مكة بشَيبة بن عثمان، فأقام لهم الحج. وكان عمال أمير المؤمنين في هذه السنة على الأمصار بحالهم كما كانوا في السنة الماضية (١). وفيها توفي سعد القَرَظ مولى عمار بن ياسر، والْقَرَظُ وَرَق السَّلَام، وإنما نُسب إليه لأنه كان يَجنيه ويبيعه للدِّباغ. وكان سعد يؤذن على عهد رسول الله ﷺ قُباء، ثم أذَّن على عهد أبي بكر وعمر، وأنزله عمر دارًا بالمدينة، وتوارث الأذانَ بعده أولادُه، وكان يحمل العَنَزة بين يدي أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي في الأعياد، وكان أولادُه يُرجّعون في الأذان، وهو اليوم بمكة على ذلك، وهو مذهب الشافعي وأهل الحجاز، وأما أهل المدينة والشام والعراق فلا يُرَجّعون، وهو مذهب أبي حَنيفة ومالك وأحمد (٢)، وقد بيّناه فيما تقدم. وذكره جدي في "التلقيح" فقال: سعد القرظ بن عائذ الأنصاري، مولى عمار بن ياسر، له صحبة ورواية، وليس في الصحابة من اسمه سعد بن عائذ غيرُه (٣).

стр. 2914

السنة الأربعون قال علماء السير: وفيها بعث معاوية بُسْر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فقَدم المدينة، وعامِلُ أمير المؤمنين عليها يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففرَّ منهم أبو أيوب إلى الكوفة، فلحق بأمير المؤمنين، ودخل بُسْر المدينة، فصعد مِنبرَها - ولم يقاتله أحد - فقال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إليّ أمير المؤمنين معاوية ما تركتُ بها أحدًا -أو مُحتلمًا- إلا قتلتُه، بايعوا لمعاوية. فبايعوه. وهدم دورًا كثيرة، وأخاف أهلها، وأرسل إلى بني سلمة فقال: ما لكم عندي أمان حتَّى تأتوني بجابر بن عبد الله، وبلغ جابر فجاء إلى أم سلمة فقال لها: ماذا تَرين فقد خشيتُ أن أُقتل، وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت له: أرى أن تبايع، فإني قد أمرتُ ابني عمر بن أبي سَلَمة أن يُبايع، وأمرت خَتَني عبد الله بن زمُعة -وكانت ابنتها من أبي سلمة عند عبد الله بن زَمعة- أن يبايع، فأتاه جابر فبايعه. ثم مضى بُسْر إلى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتله فقال بُسْر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله ﷺ ذلك، فخلى سبيله. ثم مضى بُسْر إلى اليمن، وعليها عُبيد الله بن عباس عامِلٌ لعلي ﵇، فخرج عبيد الله فارًّا إلى الكوفة، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المَدان الحارثي، فقتله بُسْر، ولقي في طريقه ابنَين صغيرَين لعبيد الله بن العباس، اسم أحدهما عبد الرحمن، والآخر قُثَمْ، وأمِّهما جُوَيرية بنت قارض كِنانيّة، وكان عبيد الله قد أودعهما عند رجل من بني كنانة لصغرهما، فقُتل الكناني دونهما. وفي صفة قتله قولان: أحدهما أن بسرًا أخذهما من عند الكناني، فقال له: عَلام تقتل هذين الغلامين ولا ذنب لهما؟! فإن كنت قاتلهما فاقتلني قبلهما، فبدأ بالكناني فقتله، ثم قتل الغلامين. والثاني أنَّه طلب من الكناني الغلامين، فخرج الرجل وبيده سيفٌ مسلول وهو يقول: [من الرجز]

стр. 2915

اللّيثُ [مَن] يمنع حافات الدَّارُ ولا يزال مُصلِتًّا دون الجار ألا فتًى أروع غير غَدَّارُ فقال له بُسْر: ما أردنا قتلك، فلِمَ عرَّضت نفسك للقتل؟ قال: أُقتل دون جاري، فعسى أُعذَر عند الله، ثم ضارب بسيفه حتَّى قُتل، ثم أحضر بُسْر الغلامين فذبحمها بمَحضرٍ من أمِّهما، فصِحن نساء بني كنانة، ووَلْوَلن وقُلن: لعنك الله يا بُسر ومَن بعثك، إن سُلطانًا لا يقوم إلا بذبح الغلمان لسُلطان سوء، لقد نُزعت منك الرحمة، وعَمّت المصيبة. ويقال: إن أُمَّهما عائشة بنت عبد الله بن [عبد] المَدان. ولما ذبح بُسْر ولديها في الحال خُولطت، فهامت على وجهها، وكانت تَنشُدهما في الموسم وتقول: [من البسيط] ها مَن أحسَّ با بنيَّ اللذَين هما … كالدُّراتَين تجلّى عنهما الصَّدَفُ ها مَن أحسَّ با بنيَّ اللذَين هما … سَمعي وقلبي فقلبي اليومَ مُخْتَلِفُ مَن ذا لوالِهَةٍ حَرّى مُفَجَّعَةٍ … على صَبيَين ضَلَّا إذا غدا التَّلَفُ ذكر ترجمة بُسْر قال ابن عبد البر: كان من الطُّغاة (١). ومن قال: بُسْر بن أرطاة فقد وهم، وإنما هو بُسْر بن أبي أرطاة، واسم أبي أرطاة عمير بن [عويمر بن] عمران، أو ابن عمرو، وكذا قال الطبري (٢): ابن أبي أرطاة، قال: وهو من بني عامر بن لؤي. واختلفوا هل له صُحبة أم لا؟ قال مسلم: له صحبة، وقال جدّي في (التلقيح) له رواية، وذكره فيمن له رواية، قال: وهو بشر بن أبي أرطاة، واسم أبيه: عُمير بن عمرو، وكنيته أبو عبد الرحمن (٣) القرشي، قال: ذكر ابن عدي في كتاب "الكامل" عن

стр. 2916

يحيى بن معين قال: أهل المدينة يُنكرون أن يكون بسر سمع من رسول الله ﷺ ، وأهل الشام يروون عنه، عن رسول الله ﷺ (١). وذكره الشيخ الموفق ﵀ وقال: له رواية، ونسبه فقال: هو بُسْر بن أرطاة [بن أبي أرطاة] عويمر بن عمران بن الحُلَيْس، ونسبه إلى عامر بن لؤي، قال: وقال الواقدي: لم يسمع من رسول الله ﷺ لصغره، وكان من الشُّجعان، إلا أنَّه غيرُ مرضيٍّ في دينه، وابتُلي في الفتنة، فكان فيها رأسًا، ومات في أيام معاوية. هذا كلام الموفق (٢). وأما ابن سعد فذكره فيمن مات رسول الله ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان فقال: بُسْر بن أبي أرطاة، واسم أبي أرطاة عُمير بن عُوَيمر بن عمران بن الحُلَيس بن سَيَّار بن نزار بن مَعيص بن عامر بن لُؤيّ، وأُمُّه زينب بنت الأبرص بن الحُلَيس بن سيّار، هذا المذكور. قال: وقال محمد بن عمر: قُبض رسول الله ﷺ وبُسْر صغير، ولم يسمع من رسول الله ﷺ شيئًا، وتحوّل فنزل الشام. قال ابن سعد: وفي غير رواية محمد بن عمر أنَّه سمع من النبي ﷺ ، وأدركه، وروى عنه. قال ابن سعد بإسناده عن عطاء بن أبي مروان قال: بعث معاوية بُسْر بن أبي أرطاة إلى المدينة ومكة واليمن يستعرض الناس، فيقتل من كان في طاعة علي ﵇، فأقام بالمدينة شهرًا، ليس يقال له في أحد: إن هذا ممَّن أعان على عثمان إلا قتَلَه، وقتل قومًا من بني كعب على ماء لهم فيما بين مكة والمدينة، وألقاهم في البئر، ومضى إلى اليمن، وقتل ابني عُبيد الله بن العباس: عبد الرحمن وقُثَمًا، وقتل عمرو بنَ أمِّ أراكَةَ الثَّقفي، وقتل أكثر من مئتين، قال: وعاش بُسْر إلى أيام عبد الملك بن مروان، إلا أن الواقدي قال فيما حكاه عنه ابن سعد أنَّه قتل هؤلاء كلهم بعد ما قُتل علي ﵇ (٣).

стр. 2917

وقال هشام: أغار بُسر في طريقة على الأحياء؛ فقتل النساء، وذبح الأطفال في المهود، وفتك في الإسلام. وذكره أبو القاسم بن عساكر فقال: قال يحيى بن معين: كأن رجل سوع خبيثًا، لا تصح له صحبة (١). وقال الواقدي: أغار في هذه الخَرْجَة على نساء من همْدان مُسلمات، فكُنّ أوَّلَ نساءٍ سُبين في الإسلام. وقال ابن عبد البر: وهو الَّذي بارز أميرَ المؤمنين يومَ صفين، وضربه أمير المؤمنين على رأسه، فسقط وبدت عورثه، كما فَعل بعمرو بن العاص، فقال الحارث بن النَّضر السّهميّ: [من الطويل] أفي كلِّ يومٍ فارسٌ ليس يَنتهي … وعورتُه تحت العَجاجَةِ بادِيَه فكفَّ لها عنه عليٌّ سِنانَه … ويضحك منها في الخَلاء معاويَه فقولا لعمرٍو ثم بُسْرٍ ألا انظُرا … سبيلَكما لا تَلقيا اللَيث ثانيه وكونا بعيدًا حيث لا تَبلغ القَنا … نُحورَكما إن التَّجارب كافيّه (٢) وقال الهيثم: لم يكن في بني عامر بن لؤي أخبث من بُسْر، ولا أسوأ منه، وكان على رجَّالة معاوية يوم صفّين، ووُلد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين، ما رأى رسول الله ﷺ ولا سمع منه، وولد مروان بن الحكم معه في تلك السنة، وخرف بعد قَتْل الغُلامَين، وكان كلما التقى أحدًا يقول: أين شيخى عثمان، وعملوا له سيفًا من خشب فكان يسُلُّه، وله بمصر دار وحَمّام، ومات في أيام معاوية. وقال ابن سعد: مات في خلافة عبد الملك بن مروان (٣). وقال أبو القاسم بن عساكر: كانت داره بدمشق عند درب الشَّعَّارين، وكانت له آثار غير محمودة (٤)، وحكى عن واهب بن عبد الله المعَافِريّ قال: قدِمتُ المدينة، فأتيتُ

стр. 2918

منزلَ زينب بنت فاطمة بنت علي بن أبي طالب لأُسَلّم عليها، وإذا بها جالسة مُسْفِرة، وعندها جماعة عظيمة، فقلت: سبحان الله، قَدرُك قدرُك، وأنت تنجلين (١) للناس مُسْفرة؟! فقالت: لي قصة: لما كان أيام الحَرَّة، ودخل أهل الشام المدينة، وفعلوا ما فعلوا، وكان لي ابنٌ قد ناهز الاحتلام، فلم أشعُرْ به إلا وقد دخل عليَّ يَسعي، وبُسْر بن أرطاة خلفه يسعى، فألقى الغلام نفسَه عليَّ، وبكي بكاء شديدًا فلق كَبِده، فقال بُسْر: ادفعيه إليَّ فأنا خيرٌ ادفعيه إلي فهو خيرٌ له، فدفعتُه إليه، فخرج والسيف بين ثياب بُسر، فقال للغلام: امشِ بين يديّ، فمشي بين يديه، فشهر السَّيف وضربه حتى بَرَد، وجاء إلي الصَّريخ، فخرجتُ حاسرةً، فألقيتُ نفسي على ابني، وآليت على نفسي منذ ذلك اليوم أن لا أستتر من أحدٍ، لأن بُسرًا أول من هتك ستري، وأخرجني للناس، والله حَسِيبُه. وقال الحافظ ابن عساكر: ما زال سُدَيْف الشاعر يَتَتَبّع أولاد بُسْر بن أرطاة حتَّى ذَبح له غُلامين بالساحل، عوض ابنى عبيد الله بن عباس (٢)، وسنذكر سُدَيفًا في سنة خمس وأربعين ومئة، قتله أبو جعفر المنصور، وقتل بُسْر في مَسيره ذلك خَلْقًا من شيعة علي ﵇. وليس في الصحابة من اسمه بُسْر بن أبي أرطاة إن صحَّ له صُحبة غيره، فأما غير ابن أبي أرطاة فأربعة نفر، وقيل: خمسًا؛ أحدهم بُسْر بن جحاش القرشي، والثاني بُسْر بن راعي العير، وقيل: بُسْر بشين معجمة، والثالث بُسْر بن سفيان الكعْبيّ، والرابع بُسْر المازني أبو عبد الله، ويقال: بسر بن أبي بُسْر، والخامس بُسْر بن البراء (٣). والسين في جميع هذه الأسامي مُهملة، وكلُّهم له رواية إلا صاحب هذه الترجمة،

стр. 2919

وقد ذكرنا الخلاف فيه. فأما بُسْر بن سفيان، وبُسْر بن أبي بُسْر فليس لهذين رواية. قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" (١) لبُسْر بن أرطاة حديثَين، فقال أحمد بإسناده عن جُنادة بن أبي أمية: أنَّه قال على المنبر برُوْدِس حين جلد الرَّجلَين اللذين سرقا غنائم الناس: إنه لا يمنعني من قَطعهما إلا أن بُسر بن أرطاة وَجَد رجلًا قد سرق من المَغْنَم، أو في الغزو، يُقال له: مِصْدَر، فجلده ولم يقطع يدَه، وقال: نهانا رسول الله ﷺ عن القَطْعِ في الغزو. وقال جدي ﵀: في إسناده ابنُ لَهِيعة، وابن لهيعة ذاهبُ الحديث (٢). رجع الحديث إلى الأول، قال علماء السير: ولما بلغ أمير المؤمنين فعل بُسْر بالغلامين بكى بكاء شديدًا، وأرسل جارية بن قُدامة في ألفَين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية بن قدامة حتَّى أتى نَجْران، فقتل بها جماعة من العُثمانية؛ ممّن ساعد بُسْرًا على الفساد، وهرب بُسْر وأصحابه، وجاريةُ خلقه، حتَّى أتى مكة والمدينة، وأبو هريرة يُصلّي بالناس في المدينة، فطلبه جارية فهرب منه، فقال: لو أدركتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عُنُقه. ثم سار نحو أطراف الشام، فلقي جماعة من أصحاب بُسْر، فجمعهم وأحرقهم، ثم عاد إلى الكوفة. ويقال: إن أمير المؤمنين استُشهد في غَيبة جارية؛ لأن أبا مخنف روى: أن جارية لما عاد من اليمن إلى مكة قال لأهلها: بايعوا، قالوا: لمن تُبايع، قد هلك أمير المؤمنين؟ قال: بايعوا للحسن، فبايعوهم وأهل المدينة. وفيها جرت مُهادنة بين أمير المؤمنين ومعاوية؛ بعد مكاتبات جرت بينهما على أن يكون لأمير المؤمنين العراق، ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما في عمل الآخر بجيش ولا غارة ولا غزو.

стр. 2920

قال ابن (١) إسحاق: ولما لم يُعْط أحد الفريقَين لصاحبه الطاعة كتب معاوية إلى أمير المؤمنين: أما إذا أبيت فلك العراق ولي الشام، وتكُفُّ السيفَ عن دماء هذه الأمة، فأجابه أمير المؤمنين لما رأى من أهل الكوفة من النفاق، وأنهم خذلوه، وتراضيا على ذلك، وأقام أمير المؤمنين بالعراق يجبيها، ويقسم أموالها في الناس، ومعاوية يجبي الشام وما حولها. وفيها خرج عبد الله بن عباس من البصرة ولحق بمكة، وروى هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: كان أبو الأسود الدّيليّ مقيمًا بالبصرة؛ يطالع عليًّا ﵇ بما يبدو فيها من العمال، وعلم به عبد الله بن عباس. قال أبو مخْنَف وغيره: فمرّ ابن عباس يومًا على أبي الأسود فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملًا، ولو كنت راعيًا لما بلغت به المرعى، ولا أحسنتَ مهنته. فكتب أبو الأسود إلى علي ﵇: أما بعد، فإن الله جعلك واليًا مؤتمنًا، وراعيًا مُستوليًا، وقد بلوناك فوجدْناك عظيم الأمانة، ناصحًا للرَّعية، ترفدهم وتظلف (٢) نفسَك عن دُنياهم، وإن ابن عمِّك هذا قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يَسَعْني كتمانُك ذلك، فانظر يرحمك الله فيما هنالك والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد، فإن مثلك من ينصح الإمام والأمة، فلا تَدَعْ إعلامي بما يكون مما فيه صلاح الأمة، فإنه واجب عليك والسلام. وكتب علي إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن الَّذي بلَغَك باطل، وإني لما تحت يدي ضابط، وله حافظ، فلا تصدِّق الظنين، والسلام. فكتب إليه علي: أخبرني بالذي جَبيت من الخراج والجزية، وفي أيِّ شيء وضعتَه؟ فكتب إليه ابن عباس: ابعث إلى عملك مَن أحببتَ، فإني ظاعن والسلام. ثم دعا ابن عباس أخواله من بني هلال بن عامر، فجاءه الضحاك بن عُبيد الله (٣)،

стр. 2921

وعبد الله بن رزَين، وجماعة من قيس فأخذ ما كان في بيت المال. واختلفوا في مبلغه، فقال هشام: أربع مئة ألف درهم، وقيل: سبع مئة ألف، وقال البلاذري: ألف ألف درهم. وتبعتهم بكر والبطون إلى الطّفوف، فاقتتلوا وكثُرت الجراحات في الفريقين، ثم رأوا البقيا بعضهم على بعض فكفوا عنه، وأفلت ابن عباس في عشرين رجلا بالمال إلى مكة، وبلغ عليًّا ﵇ فأرسل وراءه الخيل ففاتهم. وفي رواية: فكتب أمير المؤمنين إلى ابن عباس: أما بعد، فإني أشركتُك في أمانتي، ولم يكن أحدّ من أهل بيتي أوثق في نفسي منك؛ لمؤازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان لابن عمك قد حَرب، والعدوّ عليه قد كَلِب، وأمانة الناس قد خَرِبت، والأمة قد افتُتِنَتُ، قلبت لابن عمك ظَهرَ المِجَنّ؛ بمفارقته مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفتَ ما قَدرت عليه من مال الأمة؛ اختطافَ الذِّئب الإزل (١) فاردَةَ المِعزى، أما تُوقن بالمعاد، وتخاف ربَّ العباد، أو ما يَكبر عليك أنك تأكل الحرام، وتَنكِح الحرام، وتشتري الإماءَ بأموال الأرامل والأيتام، اردُد إلى المسلمين أموالهم، ووالله لئن لم تفعل لأعذرنّ الله فيك، فإن الحسن والحسين لو فعلا ذلك لم يكن لهما عندي هَوادة، والسلام. فكتب إليه ابن عباس: حقي في بيت المال أكثر مما أخذتُ. فكتب إليه علي: العجب كلّ العجب من تزيين نفسك لك! إنك أخذتَ أكثر مما تستحقه، وهل أنت إلا رجل من المسلمين ليست لك سابقة، وقد علمتَ سوابقَ أهل بدر، وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم، ويكفي أنك اتَّخذت مكة وطنًا، وضربت بها عَطَنًا، تشتري من مُوَلَّدات الطائف ومكة ما تقع عليه عينُك، وتميل إليه نفسُك، وتبذل فيهن مال غيرك، فكأنْ قد بلغت المَدَى، وعُرض عليك عَمَلُك غدًا بالمحلِّ الأعلى الَّذي يَتَمَنَّى (٢) المُضيع للتوبة الخلاص، ولات حين مَنَاص.

стр. 2922

فكتب إليه ابن عباس: لأن ألقى الله بكلِّ ما على ظهر الأرض، وبما في بطنها؛ أحبّ إلي أن ألقاه بدمِ مُسلم. فكتب إليه أمير المؤمنين: إن الدِّماء التي أشرت إليها قد خُضْتَها إلى ساقيك، وبذلت في إراقتها جُهدك، ووضعت بإباحتها حظَّك، والسلام. وقال البلاذري (١): ابتاع ابن عباس لما قدم مكة من جُبير مولى بني كعب الخزاعي ثلاث مُوَلِّدات: حوراء، وفُتون، وشادن بثلاث آلاف دينار. قلت: كذا ذكر أرباب السير هذه الواقعة والمكاتبات بين أمير المؤمنين وابن عباس، والظن بابن عباس خلاف ذلك، فإنه كان يُعظّم أمير المؤمنين تعظيمًا لم يُعظّمه غيره، ويري في حقّه ما لم يره سواه، وكأن أمير المؤمنين يعترف بفضل ابن عباس، ويُعدّه للمهام، ويستشيره في أموره كلها، وولّاه البصرة، وولّى إخوته أعظم الولايات، وأفخر الأماكن، ويحتمل أن ابن عباس أخذ من بيت المال ما يَستحقّه في مدة طويلة، فحرف عليه أهل الضغائن والأحقاد ما ذكروه، وشنّعوا بما أثبتوه. وقد قال قوم: إن ابن عباس ما زال بالبصرة حتَّى استشهد أمير المؤمنين، فقال أبو زيد: زعم أبو عبيدة - ولم أسمعه منه - أن ابن عباس لم يزل بالبصرة حتَّى قُتل علي ﵇، فشخص إلى الحسن بن علي، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة، فحمل ثَقَلَه ومالًا من بيت المال، وقال: هي أرزاقي. قال أبو زيد: فذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أن عليًّا ﵇ قُتل وابن عباس بمكة، وأن الَّذي شَهد الصُّلح بين الحسن ومعاوية عُبيد الله بن عباس. قلت: وهذا هو الصحيح، وقد نصّ عليه المدائني وغيرُه: أن ابن عباس كان بمكة لما قتل أمير المؤمنين. وفيها استُشهد أمير المؤمنين، حدثنا عبد العزيز بن محمود البزاز بإسناده، عن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي ﵇ يوم الجمعة فقال: نُبِّئت أن بسرًا -يعني بن أبي أرطاة- قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أنَّه سيظهر هؤلاء القوم عليكم، وما

стр. 2923

يظهرون عليكم بكثرتهم، بل بعصيانكم إمامكم وطاعتهم، وخيانتكم وآمانتهم، وإفسادكم في الأرض وإصلاحهم، قد بعثتُ فلانًا فخان وغدر، وبعثت فلانًا فخان وغدر، وحمل المال إلى معاوية، حتى لو ائتمَنْتُ أحدَكم على قدح لأخذ علاقته، اللهمَّ إني قد سَئمتُهم وسئموني، وكرهتُهم وكرهوني، اللهمَّ فأرِحْني منهم وأرِحْهم مني، فما صلى الجمعة الأخرى حتى قُتل (١). قلت: وهذا يدل على أنه استُشهد قبل رجوع جارية بن قُدامة من اليمن، وسنذكر سيرة أمير المؤمنين في ترجمته في حرف العين. وحج بالناس في هذه السنة المغيرة بن شعبة بكتابٍ افتعله على لسان معاوية، لأنه بلغه أن معاوية بعث أخاه عُتبة بن أبي سفيان على الموسم، فعجل المغيرة فوقف بالناس، ونحر قبل وصول عُتبة، وكان عامل أمير المؤمنين في هذه السنة على مكة والطائف قُتَم بن العباس، وعلى المدينة أبو أيوب الأنصاري، حتى قدم المدينة بُسْر بن أرطاة، وكان عامله على البصرة عبد الله بن عباس إلى أن قدم مكة، وعلى فارس زياد ابن أبيه. وفيها توفي الأشعث بن قيس الكندي ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم من قبائل العرب، ورجع إلى بلاد قومه، فقال: الأشعث بن قيس، وهو الأشَجُّ بن معدي كَرِب بن معاوية بن جَبَلة بن عَدِيّ بن ربيعة بن مُعاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثَوْر بن مُرْتِع ابن كندة، وهو ثور بن عُفَير بن عَديّ بن الحارث بن مُرَّة بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن كَهْلان بن سَبَأ بن يَشْجّب بن يَعْرُب بن قحطان، قال: وإنما سُمِّي كِندة لأنه كَنَد أباه النّعمة، أي: كَفَره. وأمُّ الأشعث كَبْشَة بنت يزيد [بن شُرحبيل بن يزيد] بن امرئ القيس بن عمرو بن حُجْر آكِل المُرار، وكُنية الأشعث أبو محمد.

стр. 2924

وقال ابن سعد: كان اسم الأشعث مَعْدِي كرب، وكان أبدًا أشعثَ الرَّأس؛ فسُمّي الأشعث (١). وقال الجوهري: والأشعث اسمُ رجلٍ، ومنه الأَشاعِثة (٢). وقال الهيثم: قتلت مُراد أباه قيسًا، فخرج يطلب ثأره فأُسر، ففَدى نفسَه بثلاثة آلاف بعير (٣). وقد ذكرنا أنه وفد على رسول الله ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة في وَفْد كِندة، فأسلم وأسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ بعَشْر أواقٍ، وأعطى الأشعث اثتني عشرة أُوقية، ورجع إلى بلاده، فلما توفى رسول الله ﷺ ارتَدَّ، وقد أشرنا إلى رِدَّته في خلافة أبي بكر ﵁ ونذكر هاهنا طرفًا منها: قال ابن سعد بإسناده عن زُرعة بن عبد الله بن زياد بن لَبيد قال: كان رسول الله ﷺ قد استعمل زياد بن لبيد على صدقات حضرموت - الثمار والخُفّ والماشية والكراع والعُشور - وكتب له كتابًا، فكان لا يَعدو إلى غيره، ولا يُقصّر دونه، فلما قبض رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر؛ كتب إلى زياد يُقِرُّه على عمله، ويأمره أن يُبايعَ مَن قِبله، ومَن أبي وطئه بالسيف، ويستعين بمَن أَقْبَلَ على من أَدْبَر، وبعث بكتابه إليه مع أبي هِندٍ البَياضي. فنعى زياد رسول الله ﷺ إلى الناس، وأخذَهم بالبيعة لأبي بكر وبالصَّدقة، فامتنع قومٌ من الصَّدقة ومن إعطائها، وقال الأشعث بن قيس: [إذا اجتمع الناس] فما أنا إلا كأحدهم، ونكص عن البيعة، فقال له امرؤ القيس بن عابِس الكِنديّ: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتَك على رسول الله ﷺ ، وإسلامك أن تَنقُضَه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقاتل مَن خالفه، فإيّاك إياك، وأَبْقِ على نفسك، فإنك إنْ تقدَّمت تقدَّم الناسُ معك، وإن تأخَّرت افترقوا واختلفوا.

стр. 2925

فأبى الأشعث وقال: قد رجعت العرب إلى أديانها، وما كانت تعبد [الآباء]، ونحن أقصى العرب دارًا من أبي بكر، أيَبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ فقال امرؤ القيس: إي والله، وأُخرى: لا يَدَعُك عاملُ رسول الله ﷺ ترجع إلى الكفر، فقال الأشعث: مَن [قال:] زياد بن لَبيد (١)، فتضاحك الأشعث وقال: أما يَرضى زياد أن أُجيرَه؟ فقال امرؤ القيس: سترى. ثم قام الأشعث فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر من الكلام القبيح ما أظهر، من غير أن يَنطق بالردّة، ووقف يَتربَّص إلى آخر الناس. قال: وبايع لأبي بكر بعد الظهر، وصلّى بالناس العصر، ثم غدا على الصدقة -وهو أقوى نَفْسًا، وأشَدّ لسانًا مما كان- فمنعه حارثة بن سُراقة الكِنديّ أن يُصدّق غلامًا منهم، وقام فحلّ عِقال البكرة التي أُخذت في الصدقة، وجعل يقول: [من الرجز] يمَنعُها شيخ بخَدَّيه الشَّيبْ مُلَمَّعٌ كما يُلَمَّعُ الثَّوبْ ماضٍ على الرَّيب [إذا كان الرَّيبْ] فنهض زياد، وصاح في أصحابه المسلمين، ودعاهم إلى النُّصرة لله وكتابه، فانحازت طائفة من المسلمين إلى زياد، وجعل من ارتدَّ يَنْحاز إلى حارثة، فاقتتلوا أيامًا كثيرة. وضوى إلى الأشعث بن قيس بَشَر كثير، فتحصَّن بمن معه في حِصن يقال له: النُّجَير، فحاصرهم زياد بن لبيد، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فقال الأشعث: إلى متى نقيم في هذا الحصن؟ قد غَرِثْنا (٢) فيه وغَرِثَ عيالُنا، وهذه البعوث تَقدم عليكم ما لا قِبَل لكم به، والله لَلموت بالسَّيف أحسنُ من الموت بالجوع، ويؤخذ برَقَبة الرجل، فما يُفعَل بالمرأة؟ ثم نزل وأخذ الأمان، وبعث به زياد إلى أبي بكر في وَثاق، وقد ذكرنا القصّة في

стр. 2926

الردّة، وأن أبا بكر زوَّجَه أختَه أمَّ فَروَة. وقال الواقدي: أقام الأشعث بالمدينة إلى أيام عمر بن الخطاب، وشهد اليرموك على كُردوس أميرًا، وأُصيبت عينه يومئذٍ، ثم عاد إلى المدينة، وخرج إلى العراق مع سعد بن أبي وقاص، فشهد القادسية والمدائن وجَلُولاء ونَهاوَند، واختطّ بالكوفة، وبنى بها دارًا في كِندة ونزلها، وولّاه عثمان أرْمِينية، وقيل: أَذَرْبيجان، وشهد صفّين مع أمير المؤمنين والحكومة، وكان أحدَ شهود الكتاب الذي كتب بين يدي أمير المؤمنين والحكومة ومعاوية. وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الصَّلْت سُليم الحَضْرَميّ قال: شهدتُ صفين، ورأيت الأشعث بن قيس الكندي، وإذا هو رجلٌ أصلع، ليس له في رأسه إلا شُعيرات، وهو يقول: أين معاوية؟ فقيل: هو ذا، فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد، هبوا أنكم قد قَتلتُم أهل العراق، فمَن للثُّغور والذَّراري؟ فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: ٩] فلم يَلبَثُوا بعد ذلك إلا قليلًا حتى كان الصُّلح بينهم، وانصرف معاوية بأهل الشام إلى الشام، وأمير المؤمنين بأهل العراق إلى العراق. وقال ابن سعد: ولما أراد علي ﵇ أن يُحَكِّم عبد الله بن عباس مع عمرو بن العاص، أبي الأشعث ذلك وقال: والله لا يَحكم مُضَرِيَّين أبدًا حتى يكون فيه يماني، فحكّموا أبا موسى (١). وكان الأشعث يقول: كَفَّرتُ عن يميني بالله بخمسة عشر ألفًا. قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن رجاء الزُّبَيديّ قال: سمعت الشّيباني يذكر، عن قيس بن محمد بن الأشعث: أن الأشعث كان عاملًا على أذربيجان، استعمله عثمان، وأنه أتاه رجل من قومه فأعطاه ألفين، فشكاه، فلما قدم الأشعث أرسل إليه فقال: إنما استَودعتُك المال، فقال الرجل: إنما أعطيتنيه صِلةً، فحَمي الأشعث فحلف، فكفّر عن يمينه بخمسة عشر ألفًا (٢).

стр. 2927

وفي رواية عن الأشعث أنه قال: اشتريتُ يميني مرَّةً بسبعين ألفًا. وبسببه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. قال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "مَن حَلَف على يمين هو فيها فاجِرٌ ليَقتطِع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان" فقال الأشعث: فيَّ والله [كان] ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ، فجّحدني، فقدّمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: "ألك بَيِّنة؟ " قلت: لا، فقال لليهودي: "حلف"، قال: قلت يا رسول الله، إذن يَحلف، ويذهب مالي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. أخرجاه في الصحيحين (١). وليس للأشعث في الصحيحين غيره. وأخرج أحمد في "المسند" عن الأشعث، أن الخصومة كانت بين الأشعث وابن عمٍّ له في بئر كانت في يد ابن عمه، فجَحده إيّاها (٢). وحكى ابن سعد: أن أول مَن مَشَت الرِّجال معه وهو راكب الأشعث (٣). وقال قيس بن أبي حازم: شهدتُ جنازةً فيها الأشعث وجرير بن عبد الله، فقال له جرير: تقدّم، فقال: لا بل أنت أولى، لأني ارتددت عن الإسلام، وأنت يا جرير لم ترتد (٤). قال هشام: وكان الأشعث داهيةً من دواهي العرب. قال الخطيب أبو بكر بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس (٥) قال: خطب أمير المؤمنين علي ﵇ أم عمران بنت سعيد بن قيس الهَمْداني على ابنه الحسن بن علي، فقال سعيد: حتى أستأذن أمَّها، فقال: قم فوامرها، فخرج من عنده، فلقيه الأشعث بن قيس بالباب، فأخبره الخبر فقال: ما تريد من الحسن؟ يفخر عليها ويقول:

стр. 2928

جدّي رسول الله، وأمي فاطمة، وأنا ابن أمير المؤمنين، لكن هل لك في ابن عمها؟ قال: ومن هو؟ قال: محمد بن الأشعث، قال: نعم قد زوّجتُه إياها. ثم دخل الأشعث على أمير المؤمنين فقال له: خطبت ابنة سعيد على الحسن؟ قال: نعم، وذكر أنه خرج ليَستأمرَ أمَّها، فقال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: ولم؟ قال قد زوَّجها محمد بن الأشعث، قال: متى؟ قال: الساعة، ولكن هل لك في أشرف منها بيتًا، وأكرم حَسَبًا، وأتمّ جمالًا، وأكثر مالًا؟ قال: ومَن هي؟ قال: جَعْدَة بنت الأشعث، قال: نعم، فزوَّجها الحسن. وعلم سعيد، فلقي الأشعث فقال: خدعتَني يا أعور، فقال: يا أحمق، أتستَشيرُني في ابن بنت رسول الله ﷺ ؟!. ثم جاء الأشعث إلى الحسن فقال له: يا أبا محمد، ألا تزور أهلَك؟ فقال: بلى، فقال: والله لا تمشي إلا على أردِيَةِ قومي، فقامت له كندَةُ سِمَاطين، ومشى على أرديتها من القصر إلى باب الأشعث. وهذه جَعْدة بنت الأشعث هي التي سَمَّت الحسن فقتلَتْه، لما نذكر في ترجمة الحسن. وقد حكينا عن ابن سعد أنه قال: أول مَن مشى بين يديه الناس وهو راكب الأشعث. وقال الواقدي: وهو أول من حَمل بين يديه الرجال الأعمدة، وهو أوَّل مَن دُفِن في منزله (١). ذكر وفاته: قال الخطيب (٢): الأشعث يُعَدّ فيمن نزل من الصحابة الكوفة، وكان على راية كِندة يومَ صفّين مع أمير المؤمنين، وحضر قتال الخوارج بالنَّهروان، وورد المدائن، وعاد إلى الكوفة، فأقام بها حتى مات في الوقت الذي صالح فيه معاوية الحسن، في سنة أربعين، وقيل: في سنة إحدى وأربعين. وقال هشام: مات في سنة اثنتين وأربعين، وهو وهم.

стр. 2929

قال ابن سعد بإسناده عن حكيم بن جابر قال: لما مات الأشعث بن قيس - وكانت ابنتُه تحت الحسن بن علي - قال الحسن إذا غَسّلتموه فلا تَهيجوه حتى تُؤذنوني، فآذنوه، فجاء فوضَّأه بالحَنوط، وصلّى عليه (١). وتوفى الأشعث وهو ابن ثلاث وستين سنة (٢). ذكر أولاده: قال ابن سعد: كأن له من الولد: النُّعمان، ومحمد، وإسحاق، وإسماعيل، وحَبَّانة، وقُرَيبة، وقيس، وجَعْدة. فأما النعمان بن الأشعث فإن الأشعث بُشِّر به وهو عند رسول الله ﷺ فقال: والله، لَجَفْنَةٌ من ثَرِيد أُطعِمُها في قومي؛ أحبُّ إلى منه، فهلك صغيرًا. وأمُّ النعمان أُميَّة بنت جَمْد بن مَعْدِي كَرِب، من بني الحارث الأكبر، ثم خلف على أمية بعد الأشعث حُجْر بن عَدِيّ الأَدْبَر. وأما محمد بن الأشعث وإسحاق وإسماعيل وحَبَّانة وقُرَيبة؛ فأُمُّهم أمّ فَرْوَة بنت أبي قحافة، أخت أبي بكر ﵁. وأما قيس بن الأشعث؛ فقال ابن سعد: هو الذي أخذ قطيفة الحسين بن علي يوم قُتِل، فكان يُقال له: قيس القَطيفَة، وأمُّه مُلَيكَة بنت زُرارة بن قيس، نَخَعِيّة، تزوَّجها الأشعث على حكمها. قال: ووَلَدُ محمد بن الأشعث بالكوفة أكثر من ثلاثين وَلَدًا، والنَّسْلُ لمحمد وإسماعيل وإسحاق. ووَلَدُه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث هو الخارج على الحَجَّاج (٣). ذكر إخوة الأشعث: قال ابن سعد: سيف بن قيس، وأمُّه الشَّحَّاء، قَينةٌ من حَضْرَمَوت، وفد مع الأشعث إلى رسول الله ﷺ ، فأمره رسول الله ﷺ أن يُؤذّن لهم،

стр. 2930

فلم يزل يُؤذّن لهم حتى مات. وأخواهما إبراهيم بن قيس، وَفَد أيضًا مع الأشعث إلى رسول الله ﷺ (١). أسند الأشعث الحديث عن رسول الله ﷺ ، فروى عنه تسعة أحاديث، أخرج له في الصحيحين حديثًا واحدًا، وهو مُشترَك بينه وبين ابن مسعود (٢)، وقد ذكرناه. وأخرج له أحمد في "المسند" ثلاثة أحاديث، منها حديث اليمين، وقال أحمد بإسناده عن زياد بن كُلَيب، عن الأشعث بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَشكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناس"، وفي رواية "إن أشكر الناس لله تعالى أشكرهم للناس" (٣). وروى عن الأشعث: قيس بن أبي حازم، والشّعبي، وأبو وائل شَقيق بن سَلَمة، وإبراهيم النَّخَعي، في آخرين. وليس في الصحابة من اسمه الأشعث بن قيس غيره، فأما في غير الصحابة فاثنان: أحدهما الأشعث بن قيس الجابريّ، روى عن علي بن صالح بن حَيّ، والثاني: الأشعث بن قيس الهَمْدانيَ، كوفي، روى عن مِسْعَر بن كدام (٤). انتهت سيرة الأشعث. وفيها توفي بشير بن عبد المنذر بن رِفاعة وكنيته أبو لُبابَة، وأمُّه نَسيبة بنت زيد بن ضُبَيعة. وأبو لُبابة هو الذي ردَّه رسول اللهِ ﷺ من بعض طريق بدر إلى المدينة، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. قال ابن سعد: ردَّه رسول الله ﷺ من الرَّوْحاء، حين خرج إلى بدر، وضرب له بسَهْمه وأجره، واستعمله على المدينة، وهو الذي ارتبط نفسه بساريةٍ في مسجد رسول الله ﷺ ، في قضيَّة بني قُرَيظة (٥)، وقد ذكرناه فيما تقدَّم.

стр. 2931

وفيها توفي تميم بن أوس ابن خارجة بن سويد بن جَذيمة بن ذِراع بن عدي بن الدَّار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم. وقال ابن ناصر: نُمارة؛ براء مهملة، هو المعروف عند أهل النسب، وهو الصواب. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم من القبائل، وقد ذكرناه في السيرة، ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته، وقد ذكرها جدي ﵀ وقال: مات في سنة أربعين، فينظر هناك (١). وفيها مات الحجاج بن عبد الله الصَّريمي بفتح الصاد، من الخوارج، ولَقَبه البُرَك، وهو الذي وَثب على معاوية، وهو أحد الثلاثة الذين تحالفوا على قتل أمير المؤمنين ومعاوية وابن العاص، وسنذكره في آخر ترجمة أمير المؤمنين. وفيها توفي الحارث بن خَزْمة بزاي معجمة ساكنة، ابن عديّ بن أبي غَنْم بن سالم بن عَون بن عمرو بن عوف بن الخزرج. قال ابن سعد: وهو من القَواقِلة حليف لبني عبد الأشهل، وداره فيهم، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيته أبو بشير، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين إياس بن أبي البُكَير، شهد الحارث بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وروي عنه

стр. 2932

الحديث، وتوفى بالمدينة سنة أربعين وهو ابن سبع وستين سنة، وليس في الصحابة من اسمه الحارث بن خَزمة سواه (١). وفيها توفي خارجة بن خُذافة ابن غانم بن عامر بن عبد الله بن عُبيد بن عَوِيج بن عديّ بن كعب العَدويّ، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمّه فاطمة بنت عمرو بن بُجرة، من بني عدي بن كعب. رأى رسول الله ﷺ وصَحِبه، وروى عنه، ووَلي القضاء بمصر والشّرطة لعمرو بن العاص، وهو الذي قتله الخارجيّ بمصر في هذه السنة، وقد خرج يصلّي بالناس صلاةَ الفجر نيابة عن عمرو بن العاص، وكأن الخارجي يظُنّه عمرًا، وسنذكره. وكان له من الولد: عبد الرحمن، وأبان، وأمهما امرأة من كِنْدَة، وعَوْن وعبد الله لأمّ ولد. فقيل للخارجي: ما هذا؟ فقال: أردْتُ عمرًا، وأراد الله خارجة، فذهبت مثلًا (٢). وليس في الصحابةَ مَن اسمه خارجة بن حُذَافَة غيره (٣). وأخرج له أحمد في "المسند" حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، فقال أحمد بإسناده عن عبد الله بن أبي مُرَّة، عن خارجة بن حُذافة العَدَويّ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداةٍ، فقال: "لقد أمَدَّكم الله بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمر النَّعَم" قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الوتر، فيما بين صلاة العشاء إلى طُلوع الفجر" (٤). قلت: روى أحمد هذا الحديث ولم يضعِّفه، وذكره جدِّي في مَوضعين، وضعَّفه في

стр. 2933

كتاب "التحقيق" وفي كتاب "الواهية" (١)، فقال في "التَّحقيق": الوتر سُنَّة، وقال أبو حنيفة: الوتر واجب، واحتجّ لمذهبه بأخبارٍ، منها: ما أخرجه أحمد بإسناده عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "يا أهل القرآن أوتروا؛ فإن الله يُحبُّ الوتر" (٢). واحتجّ لأبي حنيفة بأخبار، منها: حديث [خارجة بن حُذافَة، وذكره بالإسناد الذي ذكرناه، ثم قال: في إسناده ابن إسحاق، وقد كذّبه مالك، وفيه عبد الله بن راشد، وقد ضعّفه الدارقطني، وقال البخاري: لا يُعرف عبد الله بن راشد إلا بحديث الوتر، وليس له سماع من ابن أبي مُرَّة، وذكره في "الواهية" بمعناه (٣). قلت: أما حديث علي ﵇ وقوله ﷺ "يا أهل القرآن أوتروا" فحجَّةٌ لأبي حنيفة؛ لأن الأمر للوجوب، وخصوصًا إذا كان مَحبوبَ الحقّ. وأما قوله: ابن إسحاق كذَّبه مالك، فقد وثَّقه أحمد بن حنبل وغيره، ومن أين لهم رواية المغازي والسير إلا عن ابن إسحاق، ومن شرف ابن إسحاق وفضله أن أبا بكر الخطيب بدأ في "تاريخه" باسمه، وقدّمه على مَن اسمُه أحمد (٤). وسنذكر ما يتعلّق بهذا في ترجمة ابن إسحاق، وقد أشرنا إليه في حديث معاذ وقوله: وأجتهد رأيي. وفيها توفي خَوَّات بن جُبَير ابن مُطْعِم بن النعمان (٥) بن أُميَّة بن البُرَك، وهو امرؤ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف.

стр. 2934

وهو من الطبقة الأولى من الأنصار بني الخَزْرَج، وأمُّه أم عبد الله من بني غَطَفان (١). وهو أخو عبد الله بن جُبَير أمير الرُّماة يوم أحد، وقد ذكرناه هناك. وكنية خَوَّات أبو صالح في قول الواقدي، وقيل: أبو عبد الله. وذكر ابن سعد أن خَوَّات بن جُبَير خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فلما كان بالرَّوْحاء أصابه حَجَرٌ فكُسِر، فردَّه رسول الله ﷺ إلى المدينة، وضرب له بسَهْمِه وأجرِه، فكان كمن شهدها، وشهد خَوات أحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ . قال: وكان رَبْعَةً من الرجال، يخضب بالحِنَّاء والكَتَم. قال ابن سعد: وهو صاحبُ ذاتِ النِّحْيَين في الجاهلية، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه (٢). وقد أشرنا إلى طرفٍ من حديث ذاتِ النِّخْبَين في صدر الكتاب في باب الأمثال، فنذكره هاهنا أتمّ من ذلك: حدثنا غيرُ واحد عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده، عن عفيف بن سالم الموصليّ، عن عثمان بن واقد قال: قال خُوَّاتُ بن جُبَير: أنا كنتُ صاحبَ ذاتِ النِّحْيَين في الجاهلية - والنِّحْيُ: الزِّقُّ الصَّغير - قال: أتيتُ سوقَ عكاظ، فإذا أنا بجاريةٍ معها نِحْيان من سمن، وكأنها فَلْقَة قَمَر، فقلت لها: من أنت؟ قالت: سلمى بنت يَعار الخَثْعَمِيَّة، فقلت: لعل سمنك هذا مشوبًا؟ قالت: وهل تشوب الحُرَّة؟ فقلت لها: انزلي إلى بطن الوادي حتى أذوقَ سَمُنَك، فنزلت، فأخذتُ إحدى النِّحيَين فذُقْتُه، فقلت لها: ما هذا بمَشوب، ثم ناولتُها إياه في يدها مفتوحًا، ثم أخذتُ الآخر فذُقتُه وقلت: أمسكيه، ودفعتُه في يدها مفتوحًا، ثم شَددتُ عليها فقضيتُ منها حاجتي، وكرِهتْ أن تُرسله لأنه كان قُوتَ أهلها، فذهبت مثلًا: أشْغَلُ من ذاتِ النِّحْيَين (٣). ثم أسلمتُ وهاجرتُ إلى رسول الله ﷺ ، فبينما أنا في بعض طرق المدينة؛ إذا ببَغيِّ كانت لي خِلًّا في الجاهلية، فحَجُبني عنها إسلامي، ودَعَتُني نفسي إليها، فلم أزل

стр. 2935

ألتفتُ إليها حتى تلقاني جدارُ بني خُدْرَة، فهشم وجهي، وسال الدم، فأتيت النبي ﷺ وأنا على تلك الحالة، فقال: "مَهُيَم؟ "، فأخبرتُه فقال: "لا تَعُدْ، فإن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا عَجَّلَ له عُقوبتَه في الدنيا". قال: ثم مرَّ بي رسول الله ﷺ بعد ليالٍ وأنا جالس مع شَوابّ من شَوابّ أهل المدينة، يُناشِدْنَني ويُضاحِكُنَني ويُمازِحْنَني، فمضى ولم يقل شيئًا، فلما أن كان من الغد غَدوتُ عليه فقال: "يا خَوَّات، أما آن لذلك البعير أن يَرجعَ عن شُروده؟ " قال: قلت: والله يا رسول الله ما شَرد منذ أسلم، قال: "صدقت، ولكن لا تَعُدْ إلى ذلك المجلس؛ فإنه مَجلسُ الشيطان". ومعنى الحديث أن النبي ﷺ لامه على مُجالسة النِّساء. وأنبأنا غير واحد عن إسماعيل بن أحمد بإسناده عن وهب بن جرير، عن أبيه قال: سمعتُ زيد بن أسلم يحدِّث: أن خَوَّات بنَ جُبَير قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ ، مَرَّ الظَّهران، فخرجتُ من خِبائي، فإذا نِسوةٌ يتحدَّثْن فأعحَبْنَني، فأخرجتُ حُلَّةً لي من عَيبتي فلبستُها، ثم جلستُ إليهنّ، فخرج رسول الله ﷺ من قُبَّته فقال: "أبا عبد الله، ما يُجِلسُك إليهن؟ " قال: فهِبتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله، جَملٌ لي شَرُود أبتغي له قَيدًا. قال: فمضى رسول الله ﷺ ، ودخل الأراك فقضى حاجتَه، وخرج فتوضّأ ثم قال: "أبا عبد الله، ما فعل شِراد جَملك؟ " قال: فتعجَّلْتُ إلى المدينة، واجتنبتُ دخولَ المسجد ومُجالسةَ رسول الله ﷺ ، فلما طال ذلك عليَّ تحيَّنْتُ ساعة خلوة المسجد، فجعلتُ أصلّي، وخرج رسول الله ﷺ من بعض حُجَر نِسائه، فصلّى ركعتَين خفيفتين، ثم جلس، وطَوَّلْتُ رجاءَ أن يَذهبَ ويَدَعني، فقال: "طَوِّل أبا عبد الله ما شئتَ، فلستُ ببارحٍ حتى تَنصرف"، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "أبا عبد الله ما فعل شِرادُ جَملك، أو ما فَعل شِرادُك؟ " فقلت: والذي بعثك بالحق ما شَرَد ذلك الجمل منذ أسلمتُ، فقال: "رحمك الله" مَرّتين أو ثلاثًا، ثم أمسك عنّي فلم يَعُدْ (١).

стр. 2936

ذكر وفاته: حكى ابن سعد عن الواقدي قال: مات خَوَّات بالمدينة سنة أربعين وهو ابن أربعٍ وسبعين سنة. ذكر أولاده: كان له من الولد: صالح، وحَبيب قُتل يوم الحرَّة، وأمُّهما من بني ثعلبة بن فُقَيم. وسالم، وأمّ سالم، وأمّ القاسم، وأمهم عُميرة بنت حَنْظلة بن حبيب، قُضاعيّة، وكان [حنظلة بن] حبيب بن خَوَّات حليف بني ثعلبة بن عمرو بن عوف. وداود، وعبد الله، وبعبد الله كأن خَوّات يُكنى، وقيل: بصالح (١)، وقد ذكرناه. وليس في الصحابة مَن اسمه خُوّات غيره. وقد روى الحديث عن رسول الله ﷺ ، وقد ذكرنا مَسانيدَه. وفيها توفي دِحْيَة بن خَليفة ابن فرَوة بن فَضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخَزْرج، وهو زيد مَناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة بن ثور بن كلب بن وَبرة بن تَغلب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة. واختلفوا فيه، فعامّة المحدِّثين وأهل اللغة على أنه دِحية بكسر الدال، قال الجوهري: دِحية بالكسر هو دِحية بن خَليفة الكلبي، الذي كان يأتي جبريل ﵇ في صورته، وكان من أجمل الناس. قال: فأما دَحْيَة بالفتح، ودَحْوَة بالواو؛ فهما ابنا معاوية بن بكر بن هَوازِن (٢). وكأن دِحية من الطبقة الأولى من الصحابة، أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد ما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وكان جبريل يأتي رسول الله ﷺ في صورته، لأنه كان جميل الزّيّ حسنًا.

стр. 2937

قال ابن سعد بإسناده عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشبَهُ من رأيتُ بجبريل دِحية الكلبي" (١). وقيل إنما شَبَّهه بجبريل لأنه كان يدخل على الملوك في زيٍّ حَسَن. قال ابن سعد بإسناده عن عامر الشّعبي قال: شَبَّه رسول الله ﷺ ثلاثة نَفَرٍ من أمَّته فقال: دحية الكلبي يشبه جبريل، وعُروة بن مسعود الثَّقَفي يُشبه عيسى بن مريم، وعبد العُزَّى يُشبه الدَّجَّال. وقال ابن سعد بإسناده عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: وَثب رسول الله ﷺ وَثْبةً شديدة، فنظرتُ فإذا معه رجلٌ واقف على بِرْذَون، عليه عمامةٌ بَيضاء، قد سَدَل طَرَفها بين كتفَيه، ورسول الله ﷺ واضعٌ يدَه على مَعْرَفَة برذَوْنه، قالت: فقلت: يا رسول الله، لقد راعَتُني وَتُبْتُك، من هذا؟ قال: "ورأيتِه؟! " قلت: نعم، قال: "مَن رأيتِ؟ " قلت: دِحية بن خَليفة الكلبي، قال: "ذاك جبريل" (٢). وقد ذكرنا هذا المعنى في عدَّة مواضع، وذكرنا أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يَدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دِحية، وأمره أن يَدفعه إلى عظيم بُصرى، ليدفعه إلى قيصر. ذكر وفاته: ذكر ابن سعد (٣) أنه بقي إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان، ولم يذكر تاريخ وفاته. وقال هشام: مات سنة أربعين، وقيل: سنة خمسين، والأول أشهر، وقد ذكره الواقدي. وليس في الصحابة مَن اسمُه دِحية غيره، واتّفقوا على أنه لم يُعقب، وكانت وفاتُه

стр. 2938

بالشام، وببلد النَّاصرة من الساحل مقابل الطُّور على رأس جبل قبر، يقال: إنه قبرُه (١). وروى الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له أحمد في (المسند) حديثين، قال أحمد بإسناده عن الشعبي، عن دِحية الكلبيّ قال: قلتُ: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فَرَس، فيُنتَجَ لك بغلًا فتَركبَه؟ فقال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يَعلمون" (٢). قلت: ولا بأس بذلك في زماننا؛ فإن الدّلدل التي ركبها رسول الله ﷺ من الحمار، وركبت الصَّحابة البغال، وإنما قال رسول الله ﷺ ذلك لأن العرب لم تكن تعرفه في ديارها، وكانوا يستقبحونه، وكان عامَّة مراكيبهم الخيل؛ لأنها مُعَدَّة للقتال. وفيها توفي. أبو مَسعود البَدْريّ واسمُه عُقبة بن عَمرو بن ثَعلبة بن أُسَيرة بن عَسِيرة بن عَطِيّة بن جِدارة بن عوف بن الحارث بن الخرزج. وأبو مَسعود من الطبقة الأولى من الأنصار، وأُمُّه سَلَمة (٣) بنت عازِب بن خالد بن الأَجَشّ بن عبد الله بن عَوف، من قضاعة. واتّفقوا على أنه شهد العَقَبة مع السبعين من الأنصار، وكان أصغرهم، وقد حكاه ابن سعد عن الواقدي. واختلافوا في شهوده بدرًا، فحكى ابن سعد عن الواقدي أنه قال: لم يشهد أبو مسعود بدرًا، وليس بين أصحابنا في ذلك اختلاف. قال: ويَقول الكوفيون: إنه شهدها، وليس ذلك بثبت، ولكنه قد شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد (٤).

стр. 2939

وقال ابن إسحاق: لم يشهد بدرًا، وإنما نزل مَاءً يقال له: بدر، فنُسب إليه. وقال البخاري ومسلم: شهدها، وبها سُمِّي البَدْرِيَّ. وقد أنكر عليهما ابن عبد البر ذلك وقال: ما شهدها، ولا يصحُّ ذلك، ولكنه شهد العَقَبة مع السبعين، وأُحدًا، وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . وذكره خليفة فيمن نزل الكوفة من الصحابة، وقال: داره في سوق المراضع (١). وقال ابن سعد بإسناده عن عامر الشَّعبي قال: لما خرج علي ﵇ إلى صفين استخلف أبا مسعود على الكوفة، وكان رجال من أهل الكوفة قد استَخْفَوا، فلما خرج علي ظهروا، فكان ناسٌ يأتون أبا مسعود فيقولون: قد أظهر الله أمير المؤمنين، وأهلك أعداءه، فيقول أبو مسعود: والله ما أعدّهُ ظَفَرًا ولا عافية أن تَظهر إحدى الطائفتين على الأُخرى، قالوا: فمه؟ قال: يكون بين القوم صُلح، فلما قدم عليٌّ الكوفة ذكروا له ذلك، فقال له: اعتزِلْ عملَنا، قال أبو مسعود: ولم؟ قال: إنا وَجدناك لا تَعقل عَقْلَةً. قال أبو مسعود: أما أنا فقد [بقي] من عقلي أن الأخير شرٌّ (٢). واختلفوا في وفاته، قال المدائني وأبو سليمان بن زَبْر: مات سنة أربعين، وقال ابن عبد البر: مات سنة إحدى وأربعين بالمدينة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة تسع وحمسين، وحكى ابن سعد عن الواقدي أنه قال: توفّي بالمدينة في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وحكى جدّي في "المنتظم" أن أبا مسعود مات سنة تسع وثلاثين (٣). وكان له من الأولاد: بشير، وأمّه هُزَيلَة بنت ثابت، خَزرجيّة، ومسعود، وأم بشير، تزوّجها سعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفَيل، فولدت له، ثم خَلَف عليها الحسن بن علي ﵇، فولدت له زيدًا، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي [ربيعة ابن] المغيرة المخزومي، فوَلَدت له عَمْرًا. وأمُّ غَزيّة بنت أبي مسعود، تزوّجها تميم بن يُعار بن قيس، خزرجيّ، وأمُّ الوليد

стр. 2940

بنت أبي مسعود، تزوَّجها سعد بن زيد بن وَدِيعة، من بني عوف، فولدت له عبد الواحد، وغَزيّة بنت أبي مسعود، تزوّجها عبد الرحمن بن تميم، خزرجيّ، فولدت له زكريا ويحيى، وقد انقرض نسل أبي مسعود كلهم (١). أسند أبو مسعود عن رسول الله ﷺ أحاديث، أخرج له منها في الصحيحين سبعة عشر حديثًا، اتّفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة (٢). وأخرج له أحمد في "المسند" ستّة وعشرين حديثًا، منها مُتَّفق عليه، ومنها أفراد، فمن مسانيده: قال أحمد بإسناده عن علقمة، عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: "مَن قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفَتاه". أخرجاه في الصحيحين (٣)، ومعنى كفتاه: من قيام الليل. وروى عنه ابنه بشير بن أبي مسعود، وعبد الله بن يزيد الخَطْميّ -وله صحبة- وقيس بن أبي حازم، وعلقمة بن قيس، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والشعبي، ورِبْعيّ بن حِراش في آخرين (٤). وليس في الصحابة مَن اسمه عقبة بن عمرو سوى رجلين؛ أحدهما هذا، والثاني عُقبة بن عمرو بن نابي أنصاري، له صُحبة، وليس له رواية، فأما عُقبة غير ابن عمرو فكثير (٥). وفيها توفي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ - وقد ذكرنا نسبه من الطَّرفَين، وسنذكر من فواضله وفضائله ما تَقَرُّ به العين، فنقول: هو أمير المؤمنين، وأول مَن صَلّى مع سيِّد المرسَلين، وابن عم خاتم النبيين، وأحد

стр. 2941

العشرة المبشرين، وصهره على ابنته سيدة نساء العالمين، وهو من أعيان الصحابة المنتَجَبين، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين الأولين، ولم يسجد قط لأوثان المشركين. وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت فاطمة بنت أسد في الجاهلية إذا جاءت إلى هُبَل، وهي حامل بعلي ﵇، وأرادت أن تَسجد له تَقَوَّس علي ﵇ في بطنها، فيمنعها من ذلك. وقال الحاكم أبو عبد الله: معنى قولهم علي كرم الله وجهه؛ لم يسجد لصَنَمٍ قطّ. وكذا حكى ابن سعد عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵇: أنه لم يعبد الأوثان (١). وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين نفسه، وبات ليلة الهجرة على فراشه؛ يَقيه بروحه، وخلّفه بمكّة ليّردَّ الودائع التي كانت عنده، وثبت معه يوم أحد لما انهزم الناس، وبايعه على الموت، وكان يَحمل راية رسول الله ﷺ العُظمى في القتال، يتقدَّم بها في نَحْر العدو، إلى غير ذلك من المناقب الجميلة، والفضائل الجليلة. وقد ذكرنا أنه أول مَن صلّى معه، وذكرنا في السيرة اختلافَ الناس في أوّل الصحابة إسلامًا. وقال ابن سعد: أوّل مَن صلّى عليّ، وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن تسع سنين، وقيل: ابن إحدى عشرة سنة (٢). وذكره الشيخ الموفق في "الأنساب" ﵀ فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يُكنى أبا الحسن، ذهب جماعة إلى أنه أول مَن صلّى مع رسول الله ﷺ بعد خديجة، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهدَه كلها، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وقام فيها المقام الكريم، إلا تبوكًا، فإن رسول الله ﷺ خلّفه على المدينة وعلى عياله.

стр. 2942

قال: ولما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، آخى بينه وبين نفسه وقال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (١). وحكاه ابن سعد وفيه: أن النبي ﷺ وضع يده على مَنْكِب علي وقال: "أنت أخي تَرثني وأرِثُك"، فلما نزلت آية المواريث قطعه ذلك. وقد روي أن النبي ﷺ آخى بين علي وبين سهل بن حُنَيف، والأول أشهر (٢). قال الموفَّق: وكان علي ﵇ كثير المناقب. قال أحمد بن حنبل: لم يُرْوَ في فضائل الصحابة بالأسانيد الحسان مثل ما روي في فضائله. قال: وكان أمير المؤمنين من أشجع الناس، لم يُبارز قطّ قِرنًا إلا قتله؛ إلا من اعتصم منه بالفِرار، ومشاهده مشهورة. قال: وكان أقضى الناس بالحديث. وقال عمر: أقضانا علي، وقال ابن عباس: إذا ثبت لنا عن علي شيءٌ لم نَعْدُه إلى غيره. قال: وسار في الناس بسيرة أبي بكر ﵁ في القسم والتسوية بين الناس، وإذا ورد عليه مال لم يُبق منه شيئًا إلا قسمه ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، ولم يكن يَخصُّ به حميمًا ولا قريبًا، ولا يَخصُّ بالولايات إلا أهل الدّيانات. وهذا قول الموفق ﵀ (٣)، وقد جمع له كتابًا مفردًا في فضائله. قلت: وقد جمع الإمام أحمد: ن حنبل كتابًا في فضائل أمير المؤمنين، ورواه النسائي، ووقع إلي بمصر في سنة أربعين، ونقلتُ منه. وقد ذكرنا صفة أمير المؤمنين فيما تقدّم؛ عند ولايته الخلافة، وقد جمعتُ في هذا الكتاب لُمَعًا من فضائله الزاهرة من الكتاب العزيز، والسنة الطاهرة.

стр. 2943

فأما الكتاب فآيات، منها في سورة البقرة قوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣]، روى مجاهد، عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب، هو أول مَن صلّى مع النبي ﷺ . وقال ابن عباس: ما أنزل الله آية إلا وأمير المؤمنين أميرُها ورأسُها، يشير إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [٤٧٤]، روى عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع أمير المؤمنين أربعة دراهم، فتصدّق بدرهمٍ ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية، فنزلت الآية (١). ومنها في آل عمران ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [٦١]؛ وقد ذكرنا القصة في السنة العاشرة، وفي وفد نَجْران. ومنها في المائدة قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٥٥]، إلى قوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، ذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره" (٢)، عن السدي قال: مرَّ سائلٌ بعلي بن أبي طالب ﵇، فأعطاه خاتَمة وهو راكع، فنزلت الآية. وفي رواية السدِّي: أن رسول الله ﷺ رآه وقد أعطى السائل خاتَمه، فدعاه وقال: "من أين لك هذا؟ " فقال: أعطاني إياه ذلك المصلّي، فكبَّر رسول الله ﷺ ، ونزل جبريل ﵇ بالآية، فقال حسان بن ثابت: [من الطويل] أبا حَسَنٍ تَفديك روحي ومُهجتي … وكلُّ بطيءٍ في الهوى ومُتسارعِ فأنت الذي أعطيت إذ كُنت راكعًا … فدَتْك نفوس الخلْقِ يا خيرَ راكعِ بخاتمك الميمون يا خير سيّدٍ … ويا خير شارٍ ثُمّ يا خيرَ بائعِ فأنزل فيك الله خيرَ ولايةٍ … وبَيَّنها في مُحكمات الشَّرائعِ فإن قيل: فإلقاءُ الخاتم عَبَث، قلنا: قد كان الكلامُ والفعل مباحًا في صدر الإسلام، يتحدّثون في الصلاة، ويَسأل بعضُهم بعضًا، ففي "الصحيحين" من حديث

стр. 2944

زيد بن أرقم قال: كنّا نتكلّم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبّه وهو إلى جنبه، حتى نزل ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمِرْنا بالسّكوت، ونُهينًا عن الكلام (١). وإذا كان الفعل قد كان مُباحًا من غير فائدة، ففي الصدقة أَوْلى. وقد روي أن أمير المؤمنين أشار إلى السائل، فأخذه من يده، فلا يكون عبثًا. ومنها في براءة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [١١٩] قال ابن عباس: نزلت في عليّ فإنه سيّد الصادقين (٢). ومنها في هود قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [١٧] ذكر أبو إسحاق الثّعلبي (٣)، عن ابن عباس: أن الشاهد هنا علي بن أبي طالب في القُرب والنَّسب. ومنها في مريم قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [٩٦] روى الثعلبي (٤)، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵇: "يا علي، قل: اللهمَّ اجعل لي عندك عَهْدًا، وفي قلوب المؤمنين وُدًّا" فأنزل الله هذه الآية، قال ابن عباس: فالوُدّ: ما جعله الله في قلوب المؤمنين. ومنها في سورة الأحزاب ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ [٢٣] قال ابن عباس: نزلت في علي ﵇، وهو الذي ينتظر أشقاها. ومنها في الصافات ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [٢٤] قال مجاهد: عن حب علي ﵇. ومنها في الجاثية قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [٢١] قال ابن عباس: هم عُتبة وشيبة والوليد بن المغيرة ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هم علي ﵇، وقيل: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث.

стр. 2945

ومنها في الواقعة ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠] قال ابن عباس: أول السابقين إلى الإسلام علي ﵇ (١). ومنها في المجادلة قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [١٢] قال ابن المسيّب: تصدَّق أمير المؤمنين بدينار، ثم ناجى الرسول، فاقتدى به الناس. وحكى الثّعلبي (٢)، عن مجاهد قال: قال علي ﵇: إن في كتاب الله آية؛ ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وتلا هذه الآية وآية الرُّخصة. ومنها قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ١ - ٧] قال ابن مسعود: هم علي ﵇ وأهل بيته (٣). وقد ذكرنا قصة الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط، وأنه نزل فيه وفي علي ﵇: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ وهو أمير المؤمنين ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الوليد ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (٤)، في آيات كثيرة. وأما السنة فأحاديث، منها: استخلاف رسول الله ﷺ إياه في أهله في غزاه تبوك، وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لما خَلّف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزاة تبوك في أهله قال: يا رسول الله، تُخلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي". أخرجاه في الصحيحين (٥)، وهو حديث كثير الروايات وقد أخرجه مسلم وزاد فيه: أن معاوية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسُبَّ أبا تراب؟ فقال سعد: أما ما
следующие страницы →