← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

العشرة المبشرين، وصهره على ابنته سيدة نساء العالمين، وهو من أعيان الصحابة المنتَجَبين، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين الأولين، ولم يسجد قط لأوثان المشركين. وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت فاطمة بنت أسد في الجاهلية إذا جاءت إلى هُبَل، وهي حامل بعلي ﵇، وأرادت أن تَسجد له تَقَوَّس علي ﵇ في بطنها، فيمنعها من ذلك. وقال الحاكم أبو عبد الله: معنى قولهم علي كرم الله وجهه؛ لم يسجد لصَنَمٍ قطّ. وكذا حكى ابن سعد عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵇: أنه لم يعبد الأوثان (١). وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين نفسه، وبات ليلة الهجرة على فراشه؛ يَقيه بروحه، وخلّفه بمكّة ليّردَّ الودائع التي كانت عنده، وثبت معه يوم أحد لما انهزم الناس، وبايعه على الموت، وكان يَحمل راية رسول الله ﷺ العُظمى في القتال، يتقدَّم بها في نَحْر العدو، إلى غير ذلك من المناقب الجميلة، والفضائل الجليلة. وقد ذكرنا أنه أول مَن صلّى معه، وذكرنا في السيرة اختلافَ الناس في أوّل الصحابة إسلامًا. وقال ابن سعد: أوّل مَن صلّى عليّ، وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن تسع سنين، وقيل: ابن إحدى عشرة سنة (٢). وذكره الشيخ الموفق في "الأنساب" ﵀ فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يُكنى أبا الحسن، ذهب جماعة إلى أنه أول مَن صلّى مع رسول الله ﷺ بعد خديجة، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهدَه كلها، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وقام فيها المقام الكريم، إلا تبوكًا، فإن رسول الله ﷺ خلّفه على المدينة وعلى عياله.

стр. 2942

قال: ولما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، آخى بينه وبين نفسه وقال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (١). وحكاه ابن سعد وفيه: أن النبي ﷺ وضع يده على مَنْكِب علي وقال: "أنت أخي تَرثني وأرِثُك"، فلما نزلت آية المواريث قطعه ذلك. وقد روي أن النبي ﷺ آخى بين علي وبين سهل بن حُنَيف، والأول أشهر (٢). قال الموفَّق: وكان علي ﵇ كثير المناقب. قال أحمد بن حنبل: لم يُرْوَ في فضائل الصحابة بالأسانيد الحسان مثل ما روي في فضائله. قال: وكان أمير المؤمنين من أشجع الناس، لم يُبارز قطّ قِرنًا إلا قتله؛ إلا من اعتصم منه بالفِرار، ومشاهده مشهورة. قال: وكان أقضى الناس بالحديث. وقال عمر: أقضانا علي، وقال ابن عباس: إذا ثبت لنا عن علي شيءٌ لم نَعْدُه إلى غيره. قال: وسار في الناس بسيرة أبي بكر ﵁ في القسم والتسوية بين الناس، وإذا ورد عليه مال لم يُبق منه شيئًا إلا قسمه ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، ولم يكن يَخصُّ به حميمًا ولا قريبًا، ولا يَخصُّ بالولايات إلا أهل الدّيانات. وهذا قول الموفق ﵀ (٣)، وقد جمع له كتابًا مفردًا في فضائله. قلت: وقد جمع الإمام أحمد: ن حنبل كتابًا في فضائل أمير المؤمنين، ورواه النسائي، ووقع إلي بمصر في سنة أربعين، ونقلتُ منه. وقد ذكرنا صفة أمير المؤمنين فيما تقدّم؛ عند ولايته الخلافة، وقد جمعتُ في هذا الكتاب لُمَعًا من فضائله الزاهرة من الكتاب العزيز، والسنة الطاهرة.

стр. 2943

فأما الكتاب فآيات، منها في سورة البقرة قوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣]، روى مجاهد، عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب، هو أول مَن صلّى مع النبي ﷺ . وقال ابن عباس: ما أنزل الله آية إلا وأمير المؤمنين أميرُها ورأسُها، يشير إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [٤٧٤]، روى عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مع أمير المؤمنين أربعة دراهم، فتصدّق بدرهمٍ ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية، فنزلت الآية (١). ومنها في آل عمران ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [٦١]؛ وقد ذكرنا القصة في السنة العاشرة، وفي وفد نَجْران. ومنها في المائدة قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٥٥]، إلى قوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، ذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره" (٢)، عن السدي قال: مرَّ سائلٌ بعلي بن أبي طالب ﵇، فأعطاه خاتَمة وهو راكع، فنزلت الآية. وفي رواية السدِّي: أن رسول الله ﷺ رآه وقد أعطى السائل خاتَمه، فدعاه وقال: "من أين لك هذا؟ " فقال: أعطاني إياه ذلك المصلّي، فكبَّر رسول الله ﷺ ، ونزل جبريل ﵇ بالآية، فقال حسان بن ثابت: [من الطويل] أبا حَسَنٍ تَفديك روحي ومُهجتي … وكلُّ بطيءٍ في الهوى ومُتسارعِ فأنت الذي أعطيت إذ كُنت راكعًا … فدَتْك نفوس الخلْقِ يا خيرَ راكعِ بخاتمك الميمون يا خير سيّدٍ … ويا خير شارٍ ثُمّ يا خيرَ بائعِ فأنزل فيك الله خيرَ ولايةٍ … وبَيَّنها في مُحكمات الشَّرائعِ فإن قيل: فإلقاءُ الخاتم عَبَث، قلنا: قد كان الكلامُ والفعل مباحًا في صدر الإسلام، يتحدّثون في الصلاة، ويَسأل بعضُهم بعضًا، ففي "الصحيحين" من حديث

стр. 2944

زيد بن أرقم قال: كنّا نتكلّم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبّه وهو إلى جنبه، حتى نزل ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمِرْنا بالسّكوت، ونُهينًا عن الكلام (١). وإذا كان الفعل قد كان مُباحًا من غير فائدة، ففي الصدقة أَوْلى. وقد روي أن أمير المؤمنين أشار إلى السائل، فأخذه من يده، فلا يكون عبثًا. ومنها في براءة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [١١٩] قال ابن عباس: نزلت في عليّ فإنه سيّد الصادقين (٢). ومنها في هود قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [١٧] ذكر أبو إسحاق الثّعلبي (٣)، عن ابن عباس: أن الشاهد هنا علي بن أبي طالب في القُرب والنَّسب. ومنها في مريم قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [٩٦] روى الثعلبي (٤)، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵇: "يا علي، قل: اللهمَّ اجعل لي عندك عَهْدًا، وفي قلوب المؤمنين وُدًّا" فأنزل الله هذه الآية، قال ابن عباس: فالوُدّ: ما جعله الله في قلوب المؤمنين. ومنها في سورة الأحزاب ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ [٢٣] قال ابن عباس: نزلت في علي ﵇، وهو الذي ينتظر أشقاها. ومنها في الصافات ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [٢٤] قال مجاهد: عن حب علي ﵇. ومنها في الجاثية قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [٢١] قال ابن عباس: هم عُتبة وشيبة والوليد بن المغيرة ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هم علي ﵇، وقيل: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث.

стр. 2945

ومنها في الواقعة ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠] قال ابن عباس: أول السابقين إلى الإسلام علي ﵇ (١). ومنها في المجادلة قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [١٢] قال ابن المسيّب: تصدَّق أمير المؤمنين بدينار، ثم ناجى الرسول، فاقتدى به الناس. وحكى الثّعلبي (٢)، عن مجاهد قال: قال علي ﵇: إن في كتاب الله آية؛ ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وتلا هذه الآية وآية الرُّخصة. ومنها قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ١ - ٧] قال ابن مسعود: هم علي ﵇ وأهل بيته (٣). وقد ذكرنا قصة الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط، وأنه نزل فيه وفي علي ﵇: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ وهو أمير المؤمنين ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الوليد ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] (٤)، في آيات كثيرة. وأما السنة فأحاديث، منها: استخلاف رسول الله ﷺ إياه في أهله في غزاه تبوك، وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لما خَلّف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزاة تبوك في أهله قال: يا رسول الله، تُخلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي". أخرجاه في الصحيحين (٥)، وهو حديث كثير الروايات وقد أخرجه مسلم وزاد فيه: أن معاوية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسُبَّ أبا تراب؟ فقال سعد: أما ما

стр. 2946

ذكرت [ثلاثًا] قد سمعت رسول الله ﷺ قالهن له؛ فلن أسُبّه أبدًا، لأن تكون لي واحدةٌ منهن أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم، فذكر حديث الراية يوم خيبر - وسنذكره بعد هذا - ولما نزل قوله تعالى ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة والحسن والحسين وقال: "اللهم هؤلاء أهلي"، وسمعت رسول الله ﷺ يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيَّ بعدي" (١). وقد أخرجه ابن سعد بإسناده عن أبي سعيد قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، وخلّف عليًّا في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلا كره صُحبَته، فبلغ ذلك عليًّا، فذكره لرسول الله ﷺ فقال له: "يا ابن أبي طالب، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" (٢). وأخرجه أحمد بن حنبل في "الفضائل" عن ابن بُريدة، عن أبيه (٣) قال: خرج علي مع رسول الله ﷺ إلى ثَنيَّة الوداع يبكي ويقول: خلَّفتَني مع الخَوالِف؟ ما أحبُّ أن تخرج في وَجْهٍ إلا وأنا معك، فقال له: "ألا ترضى … " وذكره. وقال الزهري: إنما خلفه في أهله كما فعل موسى بأخيه هارون لما ذهب إلى المِيقات، وكانت المدينة قد خلت من الرجال، فخاف رسول الله ﷺ عليها، فتحدَّث المنافقون وأرجفوا وقالوا: ما تركه إلا لأنه كَرهه، فقال: "أنت خليفتي في أهلي". وقوله: "لا نبيّ بعدي" إشارة إلى نَسْخ الشرائع بشرعه. وإنما قال معاوية لسعد: ما منعك أن تَسُبَّ أبا تراب؛ لأنه أراد أن يستَفْسِر منه هل يرى ذلك أم لا؟ وكان معاوية يسبُّ أمير المؤمنين، فتورّع سعد عن ذلك. وذكر المسعودي في كتاب "مروج الذهب" (٤): أن سعدًا لما قال هذه المقالة

стр. 2947

لمعاوية قال له معاوية: ما كنت عندي أَلْوم منك الآن، هلّا نصرته، ولم قعدتَ عن بيعته، أما إني لو سمعت رسول الله ﷺ يقول له ذلك لكنتُ له خادمًا ما عشت. ولما وَلي معاوية الخلافة دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال: السلام عليك أيُّها الملك، فضحك معاوية وقال: يا أبا إسحاق ما ضَرَّك لو قلتَها -يعني أراد أن يُسلِّم عليه سعد بالخلافة- فقال سعد: والله لا أقولها أبدًا، أتقول هذا يا معاوية وأنت جَذْلان ضاحك، والله إني ما أحبُّ أني وُلِّيتُها بما وُلِّيتَها به (١). والجَذْلان بجيم: الفَرِح. ومنها حديث الراية، قال البخاري بإسناده عن سهل بن سعد؛ أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: "لأُعطيَنَّ الراية -أو هذه الراية- غدًا رجلًا يفتح الله يديه، يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبه اللهُ ورسوله"، فبات الناس يَذكرون أيُّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غَدَوا على رسول الله ﷺ ؛ يرجو كلٌّ أن يُعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: يا رسول الله، هو يشتكي عينه، فأرسلوا إليه، فجاء وهو رَمِدٌ، فبَصق في عينه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مِثلَنا؟ فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ الله تعالى فيه، فو الله لئن يَهتدي بهُداك رجلٌ واحد خير لك من أن تكون لك حُمُر النَّعَم". أخرجاه في الصحيحين (٢)، وإنما ضرب المثل بحُمر النَّعم لأنها من أعزِّ أموال العرب. وفي "المسند" (٣) عن علي قال: ما رَمِدت عيني منذ تَفَل فيها رسول الله ﷺ . وقد أخرج أحمد في "المسند" بمعناه، وفيه: فأخذ رسول الله ﷺ الراية فهزَّها، ثم قال: "من يأخُذُها بحقِّها؟ " فقال فلان: أنا، فقال رسول الله ﷺ : "أمِطْ" أي: اذهب، ثم جاء آخر فقال: أنا، فقال: "أمِط" أي: اذهب، ثم قال: "والذي كَرَّم وجهَ محمد، لأُعطينّها رجلًا لا يَفِرّ، هاك يا علي" فأخذها وانطلق، ففتح الله على يديه (٤).

стр. 2948

ومنها حديث المؤاخاة، قال الترمذي بإسناده عن السدّي، عن عبد الله بن عمر قال: آخى رسول اللهِ ﷺ بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه فقال: يا رسول الله، آخيتَ بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟! فقال له رسول الله ﷺ : "أنت أخي في الدنيا والآخرة". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). حديث ارتقائه على كتفي رسول الله ﷺ : قال أحمد في "المسند" (٢): حدثنا أسباط بإسناده، عن علي بن أبي طالب قال: انطلقتُ أنا ورسول الله ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال لي نبي الله: "اجلس"، فجلستُ، فصَعِد على مَنكبيّ، فذهبتُ لأنهضَ به فلم أُطِق، ورأى مني ضَعْفًا، فنزل، وجلس لي نبيُّ الله ثم قال: "اصعد عليَّ" فصعَدتُ على مَنكبيه، فنهض بي، وإنه ليُخَيَّل إليّ أنني لو شئتُ أن أنال أُفق السماء لنِلتُه، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثالُ صُفْرٍ أو نحاس، فجعلتُ أزاوله من عن يمينه وعن شماله، وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنتُ منه؛ قال لي رسول الله ﷺ : "اقذفه"، فقذفتُه فتكسَّر كما تتكسَّر القوارير، ثم نزلتُ، فانطلقنا نَستَبِقُ حتى توارينا بالبيوت، خَشيةَ أن يلقانا أحدٌ من الناس. وروى عن ابن المسيب أنه قال: فلهذا كان علي ﵇ يقول: اسألوني عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق الأرضين، ولو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقول ذلك غيره. حديث الموالاة: قال أحمد في مسند زيد بن أرقام بمعناه، قال: حدثنا عفان بإسناده، عن ميمون أبي عبد الله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله ﷺ بواد يقال له: وادي خُمٍّ، فأمر بالصلاة فصلّاها بهَجير، قال: فخطبنا رسول الله ﷺ ، وظُلِّل له بثَوبٍ على شَجرة من الشمس، فقال: "ألستم تَعلمون -أو تشهدون- أني أولى بكلِّ مؤمنٍ من

стр. 2949

نَفْسه؟ " قالوا: بل، قال: "فمَن كنتُ مولاه فإن عليًّا مَولاه، اللهمَّ عادِ من عاداه ووالِ مَن والاه" (١). وروي أنه شهد له اثنا عشر من أهل بدر بذلك. واتَّفق علماء السِّير على أنّ قصة الغَدير كانت بعد رجوع رسول الله ﷺ من حجّة الوَداع، في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وكان مع رسول الله ﷺ عشرون ومئة ألف، ممن كان يسكن مكة والمدينة وما حولهما وما بينهما من الأعراب، وقد ذكرنا هذا. وقال أبو إسحاق الثعلبي (٢): ولما قال رسول الله ﷺ : "مَن كنتُ مولاه فعليّ مَولاه" شاع ذلك في الأمصار، وطار في الأقطار، فبلغ الحارث بن النُّعمان الفِهريّ، فقدم المدينة، فأناخ راحلتَه عند باب المسجد، فدخل والنبي ﷺ جالس وحوله أصحابُه، فجاء حتى جثا بين يديه، ثم قال: يا محمد، إنك أمرتَنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقبلنا ذلك منك، وإنك أمرتنا أن نُصلّي في اليوم والليلة خمس صلوات، ونصوم شهر رمضان، ونُزكي أموالنَّا، ونحجَّ البيت، فقبلنا منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعتَ بضَبْعَي ابنِ عمك ففضَّلتَه وقلت: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" فهذا شيءٌ من الله أو منك؟ فاحمرَّت عينا رسول الله ﷺ وقال: "والله الذي لا إله إلا هو، إنه من الله وليس مني"، فقام الحارث وهو يقول: اللهمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك، وفي رواية: اللهمَّ إن كان ما يقول محمد حقًّا فأنزل علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم. قال: فو الله ما بلغ باب المسجد حتى رماه الله بحَجَر من السماء، فوقع على هامته، فخرج من دُبُره فمات، وأنزل الله تعالى ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ الآية [المعارج: ١]. حديث في محبَّته: قال أحمد في "المسند" (٣) بإسناده عن علي كرم الله وجهه قال: والله؛ إنه لمما عَهَد إليّ رسول الله ﷺ أنه لا يُحبّني إلا مؤمن، ولا يُبغضني إلا مُنافق.

стр. 2950

انفرد بإخراجه مسلم (١)، وأخرج الترمذي بمعناه، فقال: حدثنا واصل بإسناده، عن المُساور الحِميريّ، عن أمِّه قالت: دخلتُ على أم سلمة، فسمعتُها تقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يُحبُّ عليًّا منافق، ولا يُبغضه مؤمن". وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: إن كنا لنَعرف المنافقين إلا ببُغْضهم عليَّ بن أبي طالب (٢). حديث الأضحية: قال أحمد في "المسند" (٣) بإسناده عن علي ﵇ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أُضحِّي عنه، فأنا أُضحّي عنه بكَبْشَين أملَحين. قال الزهري: وإنما خَصَّ أميرَ المؤمنين بذلك دون غيره لقربه منه، ومنزلته عنده، فصار كأنه فعل ذلك بنفسه. حديث القضيب الأحمر: قال أحمد في "الفضائل" (٤) بإسناده عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يتمسّك بالقضيب الياقوت الأحمر؛ الذي غرسه الله بيمينه في جنة عدن؛ فليتمسك بحبّ علي بن أبي طالب" كرّم الله وَجهه. حديث ردِّ الشمس: حدثنا غير واحد عن أبي الفضل بإسناده، عن إبراهيم بن الحسن البصري، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: كان رسول الله ﷺ يُوحى إليه ورأسُه في حِجر علي بن أبي طالب، فلم يُصلِّ العصرَ حتى غربت الشمس، فقال: يا علي صلَّيتَ العصر؟ قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردُد عليه الشمس". قالت أسماء: فلقد رأيتُها غربت، ثم رأيتُها طَلعت بعد ما غربت. قلت: وقد طعن في صحّة هذا الحديث جدّي ﵀؛ فإنه ذكره في "الموضوعات" (٥) قال جدي: فإن صلاة العصر صارت قَضاءً بغَيبوبة الشمس، فرجوع

стр. 2951

الشمس لا يَجعلُها أداءً، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُحبس الشمس على أحدٍ إلا على يُوشَع بن نون" (١). هذا صورة كلام جدي. قال: وكان صالح بن أحمد أو أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن يكون سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء؛ لأنه من علامات نبوّة نبينا ﷺ ومعجزاته. وقوله ﷺ : "لم تُحبس الشمس على أحدٍ إلا على يوشع بن نون" فمعناه من بني إسرائيل؛ لأن هذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، ثم لا يخلو حبسها على يوشع إما أن يكون مُعجزةً لموسى أو ليوشع، فإن كان لموسى فنبيُّنا أفضل منه، وإن كان لأجل يوشع فلا خلاف أن عليًّا ﵇ أفضل من يُوشَع، قال ﷺ : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" (٢). فإن قيل: فإن حبسَها ورجوعَها مُشكل؛ لأنها لو حُبِست أو رُدِّت لاختلَّت الأفلاك، ولفَسد النظام، قلنا: حبسُها ورَدُّها من باب المعجزات أو الكرامات، ولا مجال للقياس في خَرْق العادات. وفي الباب حكاية عجيبة جرت ببغداد، ينقلها من مشايخنا خلفٌ عن سلف، حكاها لي جماعة، منهم عبد الوهاب بن علي الصوفي، وعبد الرحمن بن أبي حامد بن عصية الحَربيّ، وعبد العزيز بن محمود البزاز، وجماعة آخرون قالوا: جلس أبو منصور المظفَّر بن أرْدَشِير العبَّادي الواعظ بالتَّاجية مدرسة بباب أبْرز بعد العصر، وذكر حديث: ردّ الشمس ثم شرع بعده في فضائل أهل البيت، فذكر منها بعضها ولم يتمّم، فنشأت سحابةٌ عظيمة، فعَظَّت الشمس، فظنّ الناس أنها قد غربت، فأرادوا أن يَتفرّقوا، فأشار إليهم أبو منصور من المنبر أن لا تتحرّكوا واثبُتوا، ثم أدار وجهه إلى ناحية المغرب، وارتجل في الحال وقال: [من الكامل] لا تَغربي يا شمسُ حتى ينتهي … مَدحي لآل المصطفى ولنَجْلِهِ واثْنِي عِنانَك إن أردْتِ ثَناءهم … أنسيتِ إذ كان الوقوفُ لأجْلِهِ

стр. 2952

إن كان للمَولى وُقوفُكِ فليكن … هذا الوقوفُ لخَيلِهِ ولرَجْلِهِ ويروى: لوُلْدِه ولنَسْلِه، قال: فطلعت الشمس، فلا يُحصى ما رُميَ عليه من الحلي والثياب (١). ذكر زاهده وورعه ولباسه وتواضعه: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الزهد" لأبيه بإسناده عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب قال: جاءه ابن التيَّاح فقال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء، فقال علي: الله أكبر، وقام مُتوكِّئًا على ابن التيَّاح، حتى قام على بيت المال وقال: [من الرجز] هذا جَنايَ وخياره فيهْ وكلُّ جانٍ يَدُه إلى فيهْ يا ابن التياح، علي بأشياع أهل الكوفة، فنودي في الناس، فأعطى جميع ما كان فيه، وهو يقول: يا صفراء، يا بيضاء، غُرِّي غيري، ها وها، حتى ما بقى فيه دينارٌ ولا درهم، ثم أمر بنَضْحه، وصلّى فيه ركعتين (٢). وقال الواقدي: إنما صلّى في بيت المال ليَشهدَ له يوم القيامة أنه لم يَحبس ما كان فيه عن المسلمين، ولقد كانت الشاة تَيْعَر في بيت المال فيفرّقه (٣). وحدثنا جدي ﵀، حدثنا أبو بكر بن حبيب الصُّوفي بإسناده، عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضَمْرة على معاوية، فقال له: صف لي عليًّا، قال: أوَتعفِيني؟ قال: لا أُعفيك، بل تصفه، فقال: أما إذ لا بُدّ منه؛ فإنه والله كان بعيد المدَى، شديد القُوى، يقول فصْلًا، ويحكم عَدّلًا، يَتفجَّر العلمُ من جوانبه، وتنطق الحِكمة من نواحيه، يستوحش من الدُّنيا وزَهرتها، ويَستأنس بالليل وظُلمته، كان والله غزير الدَّمعة، طويل الفِكرة، يُقلّب كَفَّه، ويخاطب نفسَه، يُعجبه من اللباس ما خَشُن، ومن

стр. 2953

الطعام ما جَشُب، كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويَبتَدِئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دَعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا، وقُربه منا؛ لا تُكَلّمه هيبة له، ولا نبتَدِئُه لعظمه، فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يُعظّم أهلَ الدّين، ويُحبُّ المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيفُ من عَدله، فأشهد بالله لرأيتُه في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سُجوفَه، وغارت نجومُه، وقد مَثَل قائمًا في مِحرابه، قابضًا على لحيته، يَتَملْمَلُ تَمَلْمُلَ السّليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا، أبي تعرَّضتِ؟ أم بي تَشَرَّفتِ؟ هيهات، عُزِّي غيري، قد بَتَتُّك ثلاثًا لا رجعةَ لي فيك، فعُمرك قصير، وعيشُك حقير، وخطرُك كثير، آه من قلَّةِ الزّاد، وبُعْدِ السَّفَر، ووَحْشَةِ الطَّريق. قال: فذرفت دُموع معاوية على لحيته فما يملكها، وهو ينشفها بكُمّه، وقد اختنق القوم من البكاء أو بالبكاء. ثم قال معاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، ثم قال: فكيف حُزنك عليه يا ضرار؟ قال: حُزنَ مَن ذُبح وَلَدُها في حِجرها؛ فلا ترقأ عَبْرَتُها، ولا يَسكن حُزنُها (١). قلت: وقد أخرج أبو القاسم بن عساكر هذه الحكاية في "تاريخه" (٢) عن المدائني، وفي آخرها بعد قول ضرار: ولا يَسكن حزنُها؛ أن معاوية قال له: لكن أصحابي لو سُئلوا عني بعد موتي ما أخبروا بشيءٍ مثل هذا. وقال أبو نعيم الحافظ بإسناده عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: دخلتُ على علي ﵇ بالخَوَرْنق وهو يُرعَد تحت سَمَل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله جعل لك ولأهلك -أو ولأهل بيتك- في هذا المال نصيبًا، وأنت تصنع بنفسك ما تَصنع، فقال: والله ما أرزؤكم من مالكم شيئًا، وإنها لقَطِيفَتي التي خرجتُ بها من المدينة (٣). قال عبد الله بن أحمد بإسناده، عن أبي مُطَرّف (٤) قال: رأيت عليًّا ﵇

стр. 2954

مؤتزرًا بإزار، مرتديًا آخر -أو برداء- ومعه الدّرة كأنه أعرابي يدور، حتى بلغ سوق الكَرابيس، فوقف على شيخ فقال: يا شيخ، أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه يَشترِ منه شيئًا، فأتى غلامًا حَدَثا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ثم جاء أبو الغلام، فأخبره ابنه، فأخذ أبوه درهمًا، ثم جاء به، فوقف على أمير المؤمنين وقال: هذا الدرهم، فقال: ما شأنُه؟ فقال: كان ثمنُ القميص درهمين، فقال: باعني رِضاي، وأخذ رضاه. وحدثنا جدي ﵀ قال: حدثنا عبد الوهاب الأنماطي بإسناده، عن عمرو بن قيس: أن عليًّا ﵇ رُئي عليه إزارٌ مَرقوع، فعُوتب في لبسه فقال: يقتدي بي المؤمن، ويخشع له القلب. وقال أبو نعيم بإسناده عن علي بن الأقمر، عن أبيه قال: رأيت عليًّا ﵇ يبيع سيفًا له في السوق ويقول: مَن يشتري مني هذا السيف، فوالذي فَلَق الحبَّة؛ لطالما كشَفْتُ به الكَرب عن وجه رسول الله ﷺ ، ولو كأن عندي ثَمنُ إزار ما بَعتُه (١). وحكى ابن الكلبي، عن الأحنف بن قيس قال: دخلت على معاوية، فقدَّم إلي من الحُلو والحامض شيئًا كثيرًا، ثم قدّم إلي لونًا لم أره ولم أعرفه، فقلت: ما هذا؟ فقال: مصارين البَطّ، محَشُوَّةٌ بالمخ، ودهان الفستق، وقد ذر عليه السكر، قال الأحنف: فبكيت وقلت: لله درُّ علي بن أبي طالب، لقد جاد بما لم يَسمحوا به، لقد دخلتُ إليه ليلة عند إفطاره، فقال لي: قم فتَعَشَّ مع الحسن والحسين، ثم قام إلى الصلاة فأطال، ثم انفتل من صلاته، فدعا بجِراب مختوم، ففكَّه وأخرج منه شعيرًا مطحونًا، ثم ختمه، فقلت: يا أمير المؤمنين لم أَعهدْك بخيلًا، فما هذا الختم على الشعير؟ فقال: والله ما أختمه بخلًا، ولكني خفتُ أن يَلُتَّه الحسن والحسين بسمن أو إهالة، فقلت: أحرام هو؟ قال: لا، ولكن على أئمة الحق أن يَتأسّوا بأضعف رعيَّتهم حالًا في الأكل واللباس، ولا يتميّزون عليهم بشيء فيزدادون تواضعًا (٢). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن هُبيرة الشيباني، عن عبد الله بن زُرَير (٣)

стр. 2955

الغافقي قال: دخلت على علي بن أبي طالب يوم أضحى، فقَرَّب إلينا خزيرة (١)، فقلت: رحمك الله، لو قرَّبتَ إلينا من غير هذا، فإن الله قد أكثر الخير، فقال: يا ابن زُرَير، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحلُّ للخليفة من هذا المال إلا قَصْعتان: قَصعَةٌ يأكلها هو وأهلُه، وقَصعةٌ يَضَعُها بين يدي الناس". وفي رواية: "لا يحل للخليفة من مال الله … " وذكره. وقال ابن أبي الدنيا بإسناده، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: أُهدي إلى علي ﵇ زِقاق من سَمْن وعسل، فرآها قد نَقصت، فسأل عنها فقيل: بعثت أم كلثوم فأخذَتْ منه، فبعث إلى المقَوِّمين فقوّموه خمسة دراهم، فبعث إلى أم كلثوم: ابعثي لي خمسة دراهم؛ فإنما هو من مال المسلمين (٢). وقال ابن أبي الدنيا بروايته عن الكميل بن زياد قال: جاء إلى بيت المال زِقاق من عسل، فقال الحسن بن علي لقَنبر: قد نزل بي أضياف، فاذهب فائتِني من العسل بمقدار ما يُصيبني، وإذا قسمه أمير المؤمنين فخُذ منه بمقدار ما أخذت، ورُدَّه في بيت المال، ففعل قنبر، وجاء على إلى الزِّقاق فوجد ذلك الزقّ ناقصًا، فسأل قَنبر فخاف، فأخذ يَتعلّل عليه، فناشَده الله ليَصْدُقَنّه، فحدّثه الحديث فقال: عليَّ بالحسن، فجاء فوقع على قدميه وقال: بحقّ عمي جعفر - وكان علي إذا سُئل بحق جعفر سكن غضبه - فقال له: ما حَملك على ما صنعتَ قبل القِسمة؟ قال: أما لي فيه حق؟ قال: بلى، ولكن لم انتفعتَ به قبل المسلمين؟! لولا أنني رأيتُ رسول الله ﷺ يُقَبّل ثناياك لأوجعتُك ضَرْبًا، قم فاشترِ عوضَه، فصُبَّه في الزّقّ، ففعل. وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن مجاهد قال: قال علي ﵇ جُعتُ مرةً بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأةٍ قد جمعت مَدَرًا تُريد بَلَّه، فأتيتُها، فقاطعتُها على كل دَلْوٍ أو ذَنوب بتمرة، فمَدَدْتُ ستة عشر ذَنوبًا، حتى مَجِلت يداي، فأعطتني ست عشرة تمرة، فأتيت بها النبي ﷺ ، فأكل منها (٣).

стр. 2956

وقال ابن سعد بإسناده عن خالد بن أبي أمية (١) قال: رأيت عليًّا ﵇ وقد لَحِق إزارُه بركبتَيه. وقال ابن سعد بإسناده عن الحُرّ بن جرموز، عن أبيه قال: رأيت عليًّا وهو يخرج من القصر، وعليه قِطريّتان: إزار إلى نصف الساق، ورِداءٌ مُشمّر قريب منه، ومعه دِرّةً له يمشي بها في الأسواق، ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع، ويقول: أَوفوا الكَيلَ والميزان، ولا تَنفُخوا اللّحم. وروى ابن سعد: أنه كان لعليّ عمامة سوداء، قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه، وفي رواية: من خلفه، وهو الأصح. وروى أيضًا عن يزيد بن الحارث قال: رأيت على علي ﵇ قَلَنْسوة بيضاء مُضَرَّبَة (٢). وقال البخاري بإسناده عن محمد بن الحنفيّة قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرُ بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم مَن؟ قال: ثم عمر، قال: وخشيتُ أن أقول ثم من فيقول عثمان، فقلت: ثم أنت فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. انفرد بإخراجه البخاري (٣). وروى أحمد بن حنبل في "الفضائل" عن أبي النوار بائع الكرابيس (٤) قال: اشترى أمير المؤمنين تَمرًا بدرهم، فحمله في مِلحفته، فقال له رجل: ناولني إياه أحمله عنك، فقال: أبو العِيال أولى بحمل حاجته من غيره، ولم يعطه إياه. وحكى البلاذري (٥)، عن المدائني قال: خرج أمير المؤمنين يومًا من القصر، فرأى

стр. 2957

الناسَ مُجتمعين على بابه، فضَربهم بالدّرة حتى تفرقوا، ثم قال لعمرو بن حُرَيث: كنتُ أظن أن الأُمراء يَظلمون الناس، وإذا بالناس يظلمون الأمراء، ما في هؤلاء من خير. وقال الكُميل بن زياد: كان أمير المؤمنين يَرقع ثوبَه، ويَخصف نعلَه، ويتولّى حَوائجَه بنفسه، فعاتبته يومًا على ترك الشّهوات، والتَّقَلُّل من الدنيا، وما هو فيه من شدّة العيش، فبكى وقال: كأن رسول الله ﷺ يَخصِف نَعلَه، ويَرقع ثوبَه، ويَحمل حاجته، ويُجالس المساكين، ويَبيتُ الليالي طاويًا، ويَشُدّ الحَجَر على بطنه، وما شبع من طعام أبدًا، وكنتُ أشدُّ الحَجَر معه، فهل أكرمه الله بذلك أو أهانه؟! فإن قال قائل أهانه فقد فَسق ومرق، وإن قال أكرمه علمنا أن الله أهان غيره، حيث بسط له الدنيا، وزواها عن أعزّ الخلق عليه، وأقربهم إليه، حيث خرج من الدنيا خَميصًا، وورد الآخرة سَليمًا؛ لم يرفع حَجرًا على حجر، ولا لَبِنة على لَبِنة، ولقد سلكتُ سبيلَه بعده، ورَقعتُ مِدرعتي هذه حتى استحييتُ من راقعها، فقيل لي: ألا تستبدل غيرها؟! فقلت للقائل: اغْرُبْ، فعِند الصَّباح يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى. ذكر جملة من كلامه، ولمعة من نثره ونظامه: روى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن رجل من بني شيبان قال: خطب علي ﵇ يومًا، فقال في خطبته: أيَّتها النفوس المختلفة، والقلوب المُشَتَّتة، الشاهدة أبدانُهم، الغائبة قلوبُهم، المختَلَّة عقولهم، كم أدلكم على الحق وأنتم تَنفرون نُفور المعزى من وَعْوَعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم سَنام العدل، أو أقيم بكم اعوجاج الحق. اللهمَّ إنك تعلم أني لم تكن مني منافسةٌ في سلطان، ولا التماسُ شيءٍ من الدنيا، ولكن لأردَّ المعالم من دينك، وأُظهر الصَّلاح في بلادك، وتُقام المُعَطَّلة من حدودك. اللهمَّ إنك تعلم أنه لا ينبغي أن يكون على الدّماء والفُروج والمغانم والإمامة البخيلُ؛ لأن نَهُمَته في جمع المال، ولا الجاهل فتَخْتَلّ الأحكام، ولا الجافي فتنفر الرّعيَّة بجفائه، ولا الخائف فيتخذ قوم دون لشدته (١)، ولا المرتشي في الحكم فتذهب الحقوق، ولا المُعَطِّلُ السننَ، ولا الباغي فيدحض الحق ببغيه، ولا الفاسق فيستن

стр. 2958

الشرع بفسقه. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجل مات وترك ابنتين وأبوين وامرأة؟ فقال: لكل واحد من الأبوين السدس، وللابنتين الثلثان، قال: فالمرأة؟ قال أمير المؤمنين: صار ثُمنها تسعًا. قلت: وهذا الجواب في غاية الفصاحة والرشاقة، وقد وافقه فقهاء الصحابة إلا ابن عباس؛ فإنه كان لا يقول بالعَول، فيُدخل النقص على الابنتَين لا غير، فيكون لكل واحد من الأبوين السدس كاملًا، وللمرأة الثمن كاملًا، وما بقي للابنتين، وعلي ﵇ ومَن يقول بالعول فإنه يدخل النَّقْضَ على الكُلّ لما ضاق عن الوفاء بالمقدرات. وأصل المسألة من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، للزوجة الثمن وهو ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، وللأبوين ثمانية لكل واحد أربعة، فكان أصلها من أربعة وعشرين، إلا أنها زادت بثمنها وهو ثلاثة، فيدخل النقص على الكل نسبة واحدة لما ضاق المال عن الوفاء بالمقدار، فيكون للزوجة ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، فهذا معنى قوله: صار ثمنها تسعًا. وأما على قول ابن عباس ومَن نفى العول، فيُدخل النقص على الابنتين لا غير، فيكون للزوجة ثمن كامل، وهو ثلاثة من أربعة وعشرين، وللأبوين لكل واحد منهما سدس كامل ثمانية، يبقى ثلاثة عشر تكون بين الابنتين، وقد قررناها في الفرائض. ذكر جواب لمعاوية: قال هشام بن محمد: كتب إليه معاوية: أما بعد، فإن أنْصَحَ الناس لله ولرسوله خليفتُه الثالث المظلوم عثمان، وإنك لكلّهم حَسَدْتَ، وعليهم بَغيت، عرفنا ذلك في نَظَرك الشَّزْر، وتنفُّسِك الصُّعَداء، وإبطائك عن بيعتهم، ولم تكن لأحدٍ منهم أكثر حَسَدًا لابن عمك منك (١)، وكان أحقّ أنك لا تفعل معه ذلك؛ لقرابته وصِهره، فقطعتَ رَحِمه، وقبَّحتَ مَحاسنه، وألَّبتَ الناس عليه، وأظهرتَ له الصداقة، وأبطنتَ له

стр. 2959

العداوة، حتى ضُربِت له آباط الإبل من الآفاق، وقِيدت إليه الخيل العِراب، وشُهِر عليه [السلاح] في حرم رسول الله ﷺ ، فقُتل معك في المدينة وأنت تسمع الواعية، لم تردّ عنه ذلك بقولٍ ولا فِعل، ولعمري لو قُمتَ في أمره مُقامًا واحدًا، فنهيت الناس عنه؛ لمحا ذلك ما كان يعرفه الناس منك من المُجانَبة له، ولساعدوك على قَتَلَتِهِ (١)، ولكنك آويتَ قَتَلته مع خذلانهم، فهم أنصارك وأعوانك، وأعضادك (٢) وبِطانتك ويدك، ثم تنتفي من دمه؟! فإن كنتَ صادقًا فمكِّنَّا من قَتَلَتِه لنقتلهم، ثم نحن أسرع الناس سراعًا إليك، وإن أبيتَ فمالك عندنا سوى السيف، والله لنَطْلُبَنَّ قَتّلّة عثمان في البرّ والبحر، والجبال والرمال، حتى نقتلَهم، أو تلحقَ أرواحُنا بعثمان قبل ذلك. فكتب إليه أمير المؤمنين: قد أطلتَ الخُطَب في أمر عثمان، والله ما قتله غيرك، وإن السيف الذي قتلتُ به أخاك وخالك وجدّك عندي، والسلام. جواب أمير المؤمنين في الرُّوح: ذكر الشعبي أن قيصر ملك الروم كتب إلى عمر ﵁ يقول: أخبرني عن الرُّوح التي ذكرها الله في كتابكم ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، ما هي؟ فجمع عمر الصحابة، وأخبرهم الخبر، فلم يجد عندهم جوابًا، غير أنهم قالوا: يَسَعُنا ما وسع رسول الله ﷺ ، فقال لهم كعب الأحبار: إن الخصوم لا يَقنعون منكم بهذا، ولا بدّ من جَوابٍ يصل إلى أفهامهم، فقال: عليَّ بعليٍّ ﵇، فجاء فعرض عليه كتاب قيصر وقال: ليس لها سواك، فقال: نعم، وكتب في الجواب: أما بعد، فإن في كتاب الله مَقْنَع، فإن طَلبتَ زيادة فاعلم أن الروح نُكتة لطيفة، ولمعة شريفة، من صنعة بارئها، أخرجها من خزائن مُلكه، وأسكنها في ملكه، وهي عنده لك سبب، وهي لك عنده وَديعة، فإذا أخذتَ مالك عنده أخذ ماله عندك، والسلام. فلما قرأ قيصر كتابه قال: ما خرج هذا الكلام إلا من بيت نبوة.

стр. 2960

ويرى أن عمر ﵁ قال عند ذلك: أعوذ بالله من مُعضِلةٍ ليس لها أبو حسن. وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لولا علي هلك عمر. قلت: وله سبب، أنبأنا جدي ﵀، حدثنا محمد بن عبد الملك بإسناده إلى حَنَش بن المُعتمر أن رجلين أتيا امرأةً، فاستودعاها مئة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى واحد منا دون الآخر حتى نجتمع. فلبثا حولًا، فجاء أحدهما إليها فقال: إن صاحبي قد مات، فادفعي إليَّ الدنانير، فقالت: إنكما قلتما كذا وكذا، فلستُ أدفعها إلا إليكما، فثقل عليها بأهلها وجيرانها، فدفعتها إليه، فلبثتْ حولًا، وجاء الآخر فقال: ادفعي إليّ الدنانير، فقالت: إن صاحبك جاء فزعم أنك مت، وثقل علي فدفعتها إليه. فاختصما إلى عمر بن الخطاب، فأراد أن يَقضي عليها، فقالت المرأة: أنشدك الله إلا رفعتَنا إلى علي، فرفعهما إليه، فعلم أنهما قد مَكرا بها، فقال للرجل: ألستُما قلتُما لا تدفعيها إلا إلينا جميعًا؟ قال: بلى، قال: فإن مالك عندنا، فاذهب فأتِ بصاحبك حتى نَدفعها إليكما، فذهب ولم يعد (١). ومن كلامه في صفة الأولياء: قال ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي أراكة قال: صليتُ مع علي ﵇ صلاةَ الفجر، فلما سلّم انفتل عن يمينه، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قِيدَ رُمح أو أو رُمحين، قلب يديه وقال: لقد رأيتُ أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئًا يُشبههم، لقد كانوا يُصبحون شُعثًا غُبْرًا صُفْرًا، بين أعينهم أمثال ركب المعْزى، قد باتوا لله سُجَّدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله يُراوحون بين جِباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا عند ذكره كما يَميد الشجر في يوم ريح عاصف، وهملت أعينهم حتى تَبلَّ ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين.

стр. 2961

ثم نهض فما رؤي مُفترًا حتى ضربه ابنُ مُلْجِم. ومن كلامه في الرقائق: قال أبو نعيم الأصفهاني بإسناده عن العلاء بن المسيب، عن عبد خير، عن علي ﵇ قال: قال لي: ليس الخير أن يَكثُر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويَعظم حِلمك، فلا خير في الدنيا إلا لأحد الرجلين: رجل أذنب ذنوبًا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يَقِلّ عمل في تقوى، وكيف يقل ما يُتقبّل. وروى أبو نعيم أيضًا بإسناده إلى علي ﵇ قال: إن أخوف ما أخاف اتّباعُ الهوى، وطول الأمل، فأما اتّباع الهوى فيَصُدّ عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد تَرَحَّلت مُدبِرة، ألا وإن الآخرة قد ترحّلت مُقبلة، ولكل واحد منهما بَنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حِساب ولا عمل. وروى أبو نعيم أيضًا عن علي ﵇: أنه شَيَّع جنازة، فلما وُضعت في اللّحد ضجَّ أهلها، أو عَجّ أهلُها، وبَكَوا، فقال: وممّ يَبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين مَيّتهم لأذهلهم معاينتهم عنه، وإن له إليهم لعَودة ثم عودة، حتى لا يُبقي منهم أحدًا (١)، ثم قام وذكر موعظة بليغة طويلة. وقال علي ﵇: أقلّ ما يَلومكم الله تعالى لا تستعينوا على معاصيه بنعمه. قال: وقال: اتقوا الله في الخلوات؛ فإن الشاهد هو الحاكم. قال: وقال: الزُّهد كلّه في كلمتين من القرآن ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. قال: والعجب ممن يدعو ويستبطئ الإجابة، وقد سدّ طُرُقَها بالمعاصي. ومن كلامه في قوس قَزَح؛ حكى الحارث الأعور عنه قال -وكنية الحارث أبو

стр. 2962

زهير، وأبوه عبد الله، ويقال: عُبيد، الهَمْداني الكوفي، من أصحاب ابن مسعود، حمل عنه العلم، قال - قال علي ﵇: لا تقولوا: قوس قُزَح، وإنما قولوا: -قوس الله، وأمانٌ من الغَرَق. وأول ما رؤي في الجاهلية على قُزَح، وهو الجبل الذي يُؤخذ منه الجِمار فينسب إليه، والعامة تقول: قوس قدح بالدال، وهو غلط فاحش (١). ومن كلامه في القضاء والقدر؛ روى العوفي، عن ابن عباس قال: قال رجل لأمير المؤمنين: أخبرني عن القدر ما هو؟ فقال: طريق مظلم فلا تَسلُكه، قال: أخبرني عنه، قال: سرُّ الله الخفيّ في خلقه فلا تُفْشه، قال: أخبرني عنه، قال: بحرٌ عميق فلا تَلِجْه. ثم قال: أيها السائل، خلقك كما تشاء أو كما يشاء؟ قال: كما يشاء، قال: أيُميتك على ما يشاء أو على ما تشاء؟ قال: على ما يشاء، قال: ألك مشيئة فوق مشيئة الله، أو دون مَشيئة الله، أو مع مشيئة الله؟! فإن قلت: فوق مشيئة الله؛ فقد ادّعيت الغَلَبة لله، وإن قلت: مع مشيئة الله؛ فقد ادَّعيت الشركة، وإن قلت: دون مشيئة الله؛ فقد اكتفيتَ بمشيئتك عن مشيئة الله. قال: صدقتَ، فما تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قُوَّة على طاعته إلا بمعونته، أعقَلتَ عن الله؟ قال: نعم، فقال لأصحابه: الآن أسلم أخوكم فصافحوه (٢). وقال: [من الوافر] إذا عَقَد القضاءُ عليك أمرًا … فليس يحلُّه إلا القضاءُ

стр. 2963

فما لك قد أقمتَ بدار ذُلٍّ … وأرض الله واسعةٌ فضاءُ تَبلَّغْ باليسير فكلُّ شيءٍ … من الدنيا يكون له انقِضاءُ (١) وقال: [من البسيط] لا تَخْضَعنَّ لمخلوقٍ على طَمْعٍ … فإن ذاك مُضِرٌّ منك بالدَّينِ واسترزقِ الله مما في خزائِنه … فإن ذلك بين الكافِ والنُّونِ (٢) وقال: [من الهَزج] ولا تَصحبْ (٣) أخا الجَهلِ … وإيَّاك وإياهُ فكم من جاهلٍ أردى … حكيمًا حين آخاهُ يُقاسُ المرءُ بالمرءِ … إذا ما المرءُ أدناهُ وللشيءِ على الشيءِ … علاماتٌ وأَشباهُ وذكر الغزالي (٤) في كتاب "سر العالمين" وقال: قال أمير المؤمنين: [من البسيط] المرء في زَمنِ الإقبالِ كالشَّجَرةْ … وحولَها الناسُ ما دامت بها الثَّمرَهْ حتى إذا ما عَرَتْ عن حَملها انصرفوا … عنها عُقوقًا وقد كانوا بها بَرَرَهْ وحاولوا قَطعها من بعد ما شَفَقوا .. دَهرًا عليها من الأرباح والغَبرهْ قَلَّت مُروآتُ أهلِ الأرضِ كلهم … إلّا الأقل فليس العشر من عَشَرَهْ لا تَحْمَدَنَّ امرءًا حتى تُجَرِّبَه … فرُبَّما لم يُوافق خُبرُه خَبَرَهْ

стр. 2964

ذكر مقتله: قال علماء السير: ما زال الناس خائفين على أمير المؤمنين منذ حكَّم الحَكَمين، وقتل الخوارج، وكان دائمًا يجري على لسانه أنه يُقتل، ويَستَبطيء القاتل فيقول: متى يُبعث أشقاها؟ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن زيد بن وهَب قال: قدم على علي ﵇ قومٌ من أهل البصرة من الخوارج، فيهم رجل يقال له: الجَعْد بن بَعجة، فقال له: اتق الله يا علي فإنك ميت، فقال علي: بل مَقتول ضَرْبَةٌ على هذه تخضب هذه، يعني لحيته من رأسه، عَهدٌ مَعهود، وقَضاءٌ مَقضيّ، وقد خاب من افترى، وعاتبه في لباسه فقال: ما لكم وللباسي، هو أبعدُ من الكِبر، وأجدر أن يَقتدي بي المسلمون (١). وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن الحارث بن عبد الله (٢) قال: قال علي ﵇: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي أتدري مَن أشقى الأوَّلين والآخِرين؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أشقى الأولين عاقِرُ الناقة، وأشقى الآخِرين مَن يَخضِب هذه من هذه". يعني: لحيته من هامَتِه. وقال ابن سعد بإسناده عن أبي الطُّفَيل قال: دعا علي الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن مُلْجَم المراديّ فردّه مرتين، ثم أتاه فقال: ما يَحْبِسُ أشقاها؟! لتُخْضَبَنّ -أو لتُضْبَغَنّ- هذه من هذه، ثم تمثّل بهذين البيتين: اُشْدُدْ حيازيمَك للمَوتِ … فإن الموت لاقيكَ ولا تَجزعْ من الموت … إذا حلَّ بواديكَ وقال ابن سعد بإسناده عن أبي مِجْلَز قال: جاء رجل من مُراد إلى علي ﵇ وهو يصلي في المسجد، فقال: احتَرِسْ، فإن ناسًا من مُراد يريدون قَتلَك، فقال: إن

стр. 2965

مع كلِّ رجل مَلَكَين يَحفظانه مما لم يُقَدّر، فإن جاء القَدَر خلَّيا بينه وبينه، إن الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصينة. قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن عُبيدة قال: قال علي ﵇: ما يَحبِسُ أشقاكم أن يجيءَ فيَقْتُلَني؟ اللهمَّ قد سَئِمتُهم وسئموني، فأرِحْهم مني، وأرِحْني منهم. وقال ابن سعد بإسناده: أن النبي ﷺ قال لعلي ﵇: "يا عليّ، من أشقى الأوَّلين والآخِرين؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "إن أشقى الأوَّلين عاقرُ الناقة، وأشقى الآخرين الذي يَطعَنُك يا علي" وأشار إلى حيث طُعِن. قال ابن سعد: [أخبرنا الفضل بن دكين قال] حدثنا سليمان بن القاسم الثَّقَفي قال: حدَّثَتْني أمي، عن أم جعفر سُرِّيّة علي بن أبي طالب قالت: إني لأصُبّ على يديه الماءَ إذ رفع رأسَه، فأخذ بلحيته، فرفعها إلى أنفه وقال: واهًا لك، لتُخْضَبِنّ بدم، قال: "فأُصيب يوم الجمعة (١). ذكر اجتماع الخوارج على قتله وقتل معاوية وعمرو بن العاص: قال علماء السِّيَر كابن إسحاق والواقدي وهشام وابن سعد وغيرهم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، ونبدأ برواية ابن سعد قال: انتدب ثلاثةُ نَفَرٍ من الخوارج: عبد الرحمن بن مُلْجَم المُراديّ -وهو من حِمْيَر- والبُرَك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بُكَير التميمي. وقال البلاذري: اسم البُرَك: الحجّاج بن عبد الله الصَّريمي، قال: واسم عمرو بن بُكير زاذَويه مولى بني حارثة. وقال ابن الكلبي: عبد الرحمن بن [عمرو بن] مُلْجَم بن المَكْشوح بن نَفَر بن كَلَدة الحِميريّ، وكان كَلَدة أصاب دمًا في قومه من حِمير، فأتى مُرادًا فقال: جئتكم تَجوب بي ناقتي الأرض، فسُمّي تجوب، فابن مُلْجَم تجوبي بالواو، وقاتل عثمان تُجيبي،

стр. 2966

وقد ذكرناه في ترجمة عثمان بن عفان ﵁. قال: فاجتمعوا بمكّة، فتذاكروا قتلى النَّهْرَوان، وبكوا وترَحَّموا عليهم وقالوا: ما نَصنع بالبقاء بعدهم، فإنهم إخواننا، لم تأخذهم في الله لَومةُ لائم، ثم تذاكروا ما جرى من سَفْك الدّماء يوم الجمل وصفين، وعابوا عَملَ الولاة، وقالوا: فلو شَرَينا نُفوسَنا، فالتمسنا قتلَ أئمة الضَّلال، فأرحنا منهم العباد والبلاد، وثأرنا بهم إخواننا الشهداء بالنَّهْرَوان. فقال ابن مُلْجَم: أنا أكفيكم ابن أبي طالب، وقال البُرَك: وأنا لمعاوية، وقال عَمرو بن بكير: وأنا لعمرو بن العاص. فتعاهدوا وتعاقدوا في الكعبة؛ على ألا يَنكُص واحدٌ منهم عن صاحبه الذي وُجِّه إليه حتى يَقتله أو يُقتل دونه، وسَمّوا أسياقهم، واتَّعدوا فيما بينهم ليلة سبعَ عشرة من شهر رمضان؛ أن يثب كلّ واحد منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه. وقال هشام: كان الوَعْد بينهم أن يوقع كلُّ واحدٍ منهم بصاحبه في سابع وعشرين من رمضان. وانفصلوا عن مكة بعد انقضاء الموسم. وحكى البلاذري (١) عن المدائني: أن بني مُلْجَم؛ وهم: عبد الرحمن وقيس ويزيد؛ أجمعوا على قتل أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص، فنهاهم أبوهم عن ذلك، وأمرتهم أمهم به، فقال أبوهم: وَدَّعوا أهلَكم فإنكم غير راجعين، فخرج ابن ملجم إلى الكوفة، وقيس إلى الشام، ويزيد إلى مصر. ثم قال البلاذري: وهذا خبر شاذ لا يرويه إلا قوم من الخوارج. فأما ابن مُلْجَم فقدم الكوفة، فلقي أصحابَه الخوارج، فكاتَمهم بما يريد، وأقام بينهم يَزورهم ويَزورونه، وهو ساكت مخافةَ أن يظهر منه شيء مما قَدِم له، فاتَّفق أنه

стр. 2967

زار يومًا أصحابًا له من تَيم الرّباب، وكان أمير المؤمنين قد قتل منهم جماعة يوم النَّهروان، فرأى امرأةً منهم يقال لها: قَطام -وقد نسبها ابن سعد فقال: بنت شجنة بن عديّ بن عامر بن عوف بن ثَعلبة بن سعد بن ذُهل بن تيم الرّباب، وكان علي ﵇ قتل أباها وأخاها يوم النَّهْر، وكانت فائقة الجمال. وقد نسبها البَلاذري فقال: قطام بنت علقمة (١) من تيم الرباب- فلما رآها ابن مُلْجَم عَشِقها، وأخذت بمجامع قلبه، ونسي الحاجة التي قدم لأجلها فخطبها. قال هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: قالت له: لا أتزوَّجك إلا على حكمي، قال: احتكمي، قالت: ثلاثة آلاف درهم، ووَصيفًا ووصيفة وقينة، وقتل علي ﵇ فقال لها: لك جميع ما طلبت إلا ما كان من قتل علي، وما أراك ذكرتيه لي وأنت تريديني فكيف أصنع به؟ قالت: بلى، التمس عَثرتَه، فإن أصبتَه شفيتَ نفسي ونفسك، وأخذتَ بثأر الأحبة، ونفعك العيش معي، وإن أنت قُتلت فما عند الله خير وأبقى من الدنيا. فقال: والله ما أقدمني إلى هذا المِصر إلا قتلُ علي. وعامة المؤرخين على أنه لم يَدخل بها؛ إلا ما رواه أبو اليقظان، فإنه قال: ودخل بها، فلما فرغ منها ازداد لها عشقًا، فقالت له: والله ما أُمكّنك من نفسي بعدها حتى تقتل عليًّا، وسأطلب لك مَن يُعينك على ذلك، فأرسلت إلى رجل من تَيم الرِّباب يقال له: وَرْدان بن مُجالد، فأخبرتْه الخبر، فأجابها إلى ذلك. قال ابن سعد: ولقي ابن مُلجم رجلًا من أشجع يقال له: شَبيب بن بَجَرة، فأعلمه ما يُريد، ودعاه إلى أن يكون معه، فأجابه إلى ذلك. وفي رواية: أن ابن مُلجم أتى شبيبًا الأشجعي، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذالك؟ قال: قتلُ علي، وكان الأشجعي يرى رأي الخوارج، فقال له: ثكلتْك أمُّك، لقد جئتَ شيئًا نُكرًا! وكيف نصل إليه؟

стр. 2968

وفي رواية: لقد جئت شيئًا إذا، كيف تقدر عليه؟ قال: نكمُن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شدَدُنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا نفوسَنا، وأخذنا ثأرَ إخواننا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، فقال له: وَيحك، قد عرفتَ سابقةَ عليٍّ وبلاءه في الإسلام، ومن الذي يُساعدك على قتله؟ قال له: أليس قتل بالنهر عباد الله الصالحين، وإخواننا المؤمنين؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمَن قتل منهم. فلم يزل به حتى أجابه. وكانت قطام مُعتكفةً في المسجد الأعظم، فأخبروها فقالت: إذا أردتم ذلك فأتوني. ثم جاء ابن ملجم وصاحباه في الليلة التي قُتل في صبيحتها علي ﵇ إلى المسجد، وقطام معتكفه فيه، فدعت بالحرير فعصذَبتهم به في صدورهم ورؤوسهم، وكانوا قد ألقوا إلى الأشعث بن قيس الكندي [يناجونه] في مسجده حتى كاد يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح، فقام ابن مُلْجم وشَبيب بن بجرة، فأخذا أسيافهما، ثم جاءا حتى جلسا مُقابل السّدَّة التي يخرج منها أمير المؤمنين. قلت: وقد ثبت بهذه الرواية أن الأشعث بن قيس كان يرى رأي الخوارج، مضافًا إلى ارتداده. قال ابن سعد: قال الحسن بن علي: أتيت أمير المؤمنين سُحَيرًا، فجلستُ إليه فقال: يا بني، إني بِتُّ الليلة أوقظ أهلي، فملكتني عيناي وأنا جالس، فسَنَح لي رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما لقيت من أمّتك من الأَوَدِ واللّدَد، فقال لي: ادعُ الله عليهم، فقلت: اللهمَّ أبدِلْني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرًّا مني. ودخل ابن النبَّاح المؤذن على ذلك فقال: الصلاة، فأخذت بيده، فقام يمشي وابن النبَّاح بين يديه وأنا خلفه، فلما خرج من الباب نادى: أيّها الناس الصلاةَ الصلاةَ، كذلك كان يصنع في كلّ يوم، يخرج ومعه درّتُه يوقظ الناس. قال: فاعترضه الرجلان، فقال بعضُ من حضر ذلك: فرأيتُ بريقَ السيف،

стр. 2969

وسمعتُ قائلًا يقول: لا حُكمَ إلا لله، أو الحكمُ لله يا علي لا لك، ثم رأيتُ سيفًا ثانيًا فضربا جميعًا، فأما سيف ابن مُلجَم فأصاب جبهَته إلى قَرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شَبيب فوقع في الطَّاق فسمعتُ عليًّا يقول: لا يفوتَنّكم الرجل، وشدّ الناس عليهما من كل جانب، فأما شَبيب فأفلت، وأُخِذ ابنُ مُلْجَم فأدخل على علي ﵇، فقال: أطِيبوا طعامَه وألينوا فراشَه، فإن أعِشْ فأنا وليُّ دمي، عفوًا أو قصاصًا، وإن أمُتْ فألحقوه بي أخاصمه عند ربّ العالمين. فقالت أم كلثوم بنت علي: يا عدوَّ الله، قتلتَ أمير المؤمنين؟! فقال ابن مُلجم: ما قتلتُ إلا أباك، قالت: فوالله إني لأرجو أن لا يكون على أبي أمير المؤمنين بأس. قال: فلم تبكين إذًا، والله لقد سَمَمَتُه شهرًا -يعني سيفه- فإن أخْلَفَني فأبعده الله وأسْحَقَه. هذا صورة كلام ابن سعد (١). وأما مَن سمَّينا من العلماء فإنهم قالوا: كانوا ثلاثة: ابن مُلْجَم وشبيب ووَرْدان، من تيم الرباب، لما خرج أمير المؤمنين للصلاة وهم مُقابل السّدَّة؛ وثب عليه شبيب، فضربه بالسيف فوقع في عَضادة الباب، أوفي الطَّاق، وضربه ابن ملجم فأقر السيف فيه، وهرب وَرْدان فدخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو يَنزع الحرير عن رأسه وصدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان، فخرج الرجل وجاء بسيفه، فضرب به وَرْدان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كِندة في الغَلَس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عُوَيمر، فأخذ السيف من يد شبيب، وجَثَم عليه الحضرمي، فلما رأى الناسَ قد أقبلوا في طَلَبه، وسيف شَبيب بيده، خشي على نفسه فتركه، فنجا شَبيب في غِمار الناس. وأما ابن مُلْجَم فشَدُّوا عليه فأخذوه، وضرب رجل من هَمْدان يُكنى أبا أَدْماء رِجلَ

стр. 2970

ابنِ ملجم فصرعه، وألقوا عليه قَطيفة، وأخذوه إلى بين يدي أمير المؤمنين. قال هشام: فلعنته أم كلثوم وقالت له: قتلتَ أمير المؤمنين؟! فقال: إنما قتلتُ أباك، والله لقد ضربتُه بسيفٍ اشتريتُه بألف، وسمَمْتُه بألف، ولو قُسمت هذه الضَّربة على أهل الأرض لأهلكتهم. ودفع أمير المؤمنين بيده في ظهر جَعْدة بن هُبَيرة بن أبي وَهْب، فصلى بالناس الفجر، وحُمل علي ﵇ إلى القصر فقال: عليَّ بعدوّ الله، فأُدخل عليه فقال: يا عدوَّ الله، ألم أُحسن إليك -وكان قد أحسن إليه في العطاء- فما حَملك على هذا؟ فقال: شَحذتُه أربعين صباحًا، وسألتُ الله أن يَقتل به شرَّ خلقه، فقال علي: لا أراك مقتولًا إلا به، لأنك من شرار خلق الله، ثم أمر به إلى الحبس، فأُخرج والناس ليأكلون لحمه بأسنانهم؛ كأنهم سباع ضَارية، فسجنوه. ثم قال علي ﵇ لولده: إن متُّ فاقتلوه كما قتلني، وإن عشتُ رأيتُ فيه رأيي. وفي رواية محمد بن حنيف (١): أنه جيءَ بابن مُلْجم وهو مكتوف إلى بين يدي الحسن، فقالت له أم كلثوم وهي تبكي: يا عدوّ الله، لا بأس على أبي، والله مُخزيك، فقال: فعلى مَن تبكين، والله لقد اشتريتُ سيفي بألف، وسَمَمْتُه بألف، ولو كانت هذه الضَّربة بجميع أهل المصر ما بقي منهم أحد. فكانت أم كلثوم تبكي وتقول: مالي ولصلاة الفجر! قُتل فيها بَعْلي، وقُتل فيها أبي. قال الواقدي: وأقبل الناس أرسالًا فقالوا: يا أمير المؤمنين، خلِّ بيننا وبين مُراد، فلا تقوم لهم قائمة بعد اليوم، فقال: لا، إنما القاتل واحد، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن فَقدناك - ولا نفقدك - نُبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، افعلوا ما شئتم.

стр. 2971

وقال ابن سعد (١): بعث الأشعث بن قيس ابنَه قيس بن الأشعث صَبيحةَ ضُرب أمير المؤمنين، [فقال:] يا بني، انظر كيف أصبح أمير المؤمنين، فذهب فنظر فرجع إليه فقال: رأيتُ عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عَينَي دَمِيغ وربِّ الكعبة. ذكر وصية أمير المؤمنين: قال علماء السير: دعا ولديه الحسن والحسين ﵉ فأوصاهما، فكان مما أوصاهما به أن قال: أوصيكما بتقوى الله وطاعته، ولا تَبغِيا الدنيا وإن بَغَتكما، ولا تبكيا على شيءٍ زوي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وكونا للظالم خَصيمًا، وللمظلوم ناصرًا، واعمَلا بما في كتاب الله وسنَّة نبيه ﷺ ، ولا تأخُذكما في الله لومةُ لائم. ثم قال لمحمد بن الحنفية وكان حاضرًا: هل حفظتَ ما أوصيتُ به أخَويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتَوقير أخوَيك، وتعظيم حقّهما عليك، ولا تقطع دونَهما أمرًا. ثم قال: أوصيكما به فإنه ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يُحبّه. فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيّته (٢): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٣] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢)﴾ الآية [الأنعام: ١٦٢] إلى قوله: "وأنا من المسلمين". وأوصيك يا حسن وجميعَ ولدي وأهلي بتقوى الله ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٢] فإني سمعت أبا القاسم يقول: "إن صلاح ذات البين أفضلُ من الصلاة والصوم"، وانظروا إلى ذوي الأرحام فصلوهم؛ يُهوِّن الله عليكم الحساب.

стр. 2972

اللهَ اللهَ في الأيتام، لا تقربوا أموالهم فإن الله يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. الله الله في جيرانكم، فإنهم وصيّةُ نبيكم ﷺ ، فإني سمعته يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُوَرّثه". الله الله في صيامكم؛ فإن الصَّوم جُنَّةٌ من النار. الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. الله الله في الزكاة فإنها تُطفئ غضب الربّ. الله الله في ذُرِّيَّة نبيكم ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ الآية [الشورى: ٢٣]. الله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله ﷺ صى بهم. اللهَ اللهَ فيما ملكت أيمانكم. اللهَ اللهَ في الفقراء والمساكين؛ فإنهم إخوانكم، ولا تَدَعوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فيوُلَّى الأمرَ شرارُكم، ثم تَدعون فلا يُستجاب لكم، وعليكم بالتَّواصُلِ والتَّباذُل، وإياكم والتفرُّق والتقاطُع والتدابُر، وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعُدوان، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله وحده لا شريك له حتى قبض. وقال الواقدي: كان آخر كلامه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. واختلفوا في وقت وفاته؛ فقال ابن سعد (١): مكث علي ﵇ يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين. وذكر جدي في "الصفوة" (٢) قال: ضربه ابن ملجم يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت

стр. 2973

من رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين من رمضان. وقال أبو اليقظان: ضربه في الليلة السابعة عشر من رمضان، ومات في الليلة التاسعة عشر. وقال الهيثم: ضربه في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وقيل: في الليلة الخامسة والعشرين من رمضان، ومات في الليلة السابعة والعشرين، وهي ليلة القدر. قال الحسن: كانت ليلة القدر، والليلة التي عرج فيها بعيسى ﵇، ونُبِّئ فيها رسول الله ﷺ ، ومات فيها موسى ويوشع بن نون، وأشار ابن سعد بمعناه (١). وقد حكى الطبري أنه قُتل في شهر ربيع الآخر، وليس هذا القول بشيء (٢)، والمشهور عن الواقدي وأبي مَعْشر أنه ضُرب يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، كما ذكر ابن سعد. وحكى الطبري (٣) عن علي بن محمد أنه قال: قُتل أمير المؤمنين يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان. ذكر غسله وتكفينه والصلاة عليه: قال الواقدي: غسله أولاده: الحسن والحسين ومحمد وعبد الله بن جعفر، وكان عنده من بقايا حَنُوط رسول الله ﷺ ، فحَنَّطوه به. وقال ابن سعد: وكُفِّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص. قال ابن سعد فيما رواه عن أشياخه: أن الحسن صلّى عليه وكبّر أربعًا. وحكى الطبري: أن الحسن كبَّر عليه تسعًا (٤)، وقال الهيثم: خمسًا، وقال أبو اليقظان: ستة.

стр. 2974

ذكر المكان الذي دُفن فيه: واختلفوا فيه اختلافًا واسعًا على أقوال؛ فحكى ابن سعد (١) عن أشياخه: أنه دُفن عند مسجد الجماعة، في الرَّحْبة، مما يلي أبواب كندة، قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر، ثم انصرف الحسن من دفنه، فدعا الناس إلى بيعته فبايعوه. والثاني: أنه في قصر الإمارة بالكوفة، قال البلاذري: عمل الحجاج عملًا في قصر الإمارة بالكوفة، فحفروا فظهر شيخ أبيض الرأس واللحية، فقال الحجّاج: أبو تراب والله. وأراد أن يشهره، فنهاه عَنْبَسَة بن سعيد فقال: ناشدتُك الله أن تفعل، فكفَّ عنه (٢). والثالث: أنهم دفنوه وقت السَّحَر، وغيَّبوا قبرَه، وقد ذكره الخطيب في "تاريخه" عن [أبي] مُسلم صالح العِجْلي (٣) قال: قُتل علي ﵇ بالكوفة ودُفن، ولا يُعلَمُ موضع قبره. قال الهيثم: إنما غَيَّبوا موضع قبره خوفًا عليه من بني أمية. والرابع: في قِبلة مسجد الكوفة، في المكان الذي قتل فيه. ذكره ابن إسحاق. والخامس: أن الحسن حوله إلى المدينة معه، ودُفن عند أمه فاطمة ﵉ بالبقيع. والسادس: أنهم جعلوه في صندوق، وسيَّروه إلى المدينة، فضلَّ به البعير، فوقع إلى طيئ، فظنوه مالًا، ففتحوا الصندوق، فوجدوه فدفنوه عندهم. قاله الفضل بن دكين. والسابع: أنه دفن في كوخ زادوه، ثم حمل إلى البقيع.

стр. 2975

والثامن: أنه على النَّجف، في المكان المشهور اليوم، قال أبو اليقظان: كانوا قد خرجوا به في الليل من الكوفة، فأبعدوا خوفًا عليه، فدفنوه في هذا المكان، وأقام مدّة أيام بني أمية على حاله، فلما زالت أيامهم ووصل الأمر إلى بني العباس، ومضت مدة إلى زمان هارون الرشيد، فخرج يتصيَّد بنواحي الكوفة، فأرسل فهْدًا على ظبي، فطرده حتى انتهى به إلى مكان الضَّريح اليوم، فوقف الفَهد ولم يُقدم عليه، فعجب هارون، فنزل هنالك، واستدعى شيوخ الحيرة والكوفة، فسألهم عنه، فقال له شيخ كبير قد أتت عليه مئة سنة: هذا قبر ابن عمك علي بن أبي طالب، وقد أظهر الله لك هذه الآية، وهي وقوف الفهد عن الظبي، وأيضًا فقد كنت أجيء مع أبي إلى هذا المكان وأنا صغير، فيقول: يا بُنيّ هذا قبر أمير المؤمنين. قال: وكان أبي يقول عن أبيه: إنه كان يزوره مع زين العابدين علي بن الحسين ﵇. فأمر الرشيد ببناء القبة عليه والمشهد، وهو الباقي إلى الآن. وقال أبو نعيم الأصفهاني: سمعت أبا بكر الطَّلحي، يذكر عن مطين: أنه كان ينكر أن يكون القبر الذي على النَّجفَ قبر علي ﵇، قال: ولو علم به زُوَّاره رَجُموه، وإنما هو قبر المغيرة بن شعبة. قلت: وقد وهم أبو نعيم ومُطَيّن في هذا، فإن المغيرة بن شعبة مات بالكوفة في الطاعون، ودُفن بجانبها عند خبَّاب بن الأَرَتّ لما نذكر في ترجمته. ذكر سن أمير المؤمنين: واختلفوا فيه على أقوال: أحدها ثلاث وستون، مثل عمر رسول الله ﷺ ، وقال ابن سعد بإسناده إلى ابن إسحاق (١) قال: توفي علي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال الواقدي: وهو الثبت عندنا، قال: وقال محمد بن عمر بإسناده عن عبد الله بن

стр. 2976

محمد بن عَقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجُحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين: هذه السنة لي خمس وستّون سنة، وقد جاوزتُ سنّ أبي، قلت: وكم كان سنّه يوم قُتل؟ قال: ثلاث وستون سنة. ولم يذكر ابن سعد غير هذا القول. والثاني خمس وستون سنة، رواه حنبل بن إسحاق بإسناده إلى جعفر بن محمد، قال: توفي علي وله خمس وستون سنة، قال: وكذا طلحة والزبير. والثالث سبعة وخمسون سنة، قاله الهيثم. والرابع ثمان وخمسون سنة، رواه حنبل أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قُتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها الحسن، وقتل لها الحسين. وقال جعفر: سمعتُ أبي يقول لعمته فاطمة بنت الحسين أم عبد الله بن حسن بن حسن: هذه السنة لي ثمان وخمسون، فمات لها. والسادس: ستون قاله أبو اليقظان، والأشهر أنه كان له ثلاث وستون سنة، وقد نص عليه الواقدي كما ذكرنا، وقال الطبري: هو أصحّ ما قيل (١). ذكر خلافته: اختلفوا فيها، قال ابن سعد (٢): كانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. وكذا حكى الطبري، عن الخطيب (٣)، عن أبي معشر قال: كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، قال: وكذا قال الواقدي، وقال الهيثم: أربع سنين وستة أشهر، والأول أصح، لأنه بُويع في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه، سنة خمس وثلاثين، وقيل: في رمضان سنة أربعين.

стр. 2977

ذكر من قدم الحجاز بخبر أمير المؤمنين: ذكر البلاذري (١): أن الذي قدم بخبره سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن [أمية بن] عبد شمس، وكذا ذكر ابن سعد (٢)، قال: وبلغ عائشة فقالت: [من الطويل] فألقت عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى … كما قَرَّ عينًا بالإيابِ المسافِرُ وذكره الطبري أيضًا، وزاد عليه وقال: وقالت عائشة بعد ما أَنشدت البيت: مَن قَتَله؟ قالوا: رجلٌ من مُراد، فأنشدت: [من الوافر] فإن يك نائيًا فلقد نعاه … نَعِيٌّ ليس في فِيه التُّرابُ فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألأمير المؤمنين تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى فذكِّروني. قال الطبري: وكان الذي ذهب بنَعيه سفيان بن أمية (٣). ذكر النَّوْحِ عليه: قال ابن سعد (٤): حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن طَلْق الأعمى، عن جدته قالت: كنت أنوح أنا وأم كلثوم بنت عليّ على عليٍّ ﵇. ذكر مراثيه ﵇: قل أكثرت فيها الشعراء، فمن ذلك ما حكاه الطبري (٥) قال: قال أبو الأسود الدِّيليّ: [من الوافر] ألا أبلغْ معاويةَ بنَ حَرْبٍ … فلا قَرَّتْ عيونُ الشَّامِتينا أفي شهرِ الصِّيام فَجَعتمونا … بخيرِ الناسِ طُرًّا أجمعينا

стр. 2978

قتلتُم خيرَ مَن ركب المطايا … ورَحَّلَها ومَن ركبَ السَّفينا ومن لَبس النِّعال ومَن حَذاها … ومن قرأ المَثَانيَ والمِئينا إذا استقبلت وَجْهَ أبي حُسَينٍ … رأيتَ البَدْرَ راعَ النَّاظِرينا لقد علمتْ قريشٌ حيث كانت … بأنَّك خيرَها حَسَبًا ودينا وقال الهيثم: قال شاعر الخوارج عمران بنُ حِطَّان يرثي ابنَ مُلْجَم: [من البسيط] يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها … إلا ليَبْلُغَ من ذي العَرْشِ رِضوانا إني لأذكُرُه يومًا فأحْسِبُه .. أوفى البريَّةِ عند الله مِيزانا أكرِمْ بقومٍ بُطونُ الأرضِ أَقْبُرُهُم … لم يَخلِطوا دينَهم بغيًا وعُدوانا (١) ولما وقف أبو الطيّب الطَّبريّ على هذه الأبيات أجابه فقال: [من البسيط] إني لأبرأُ مما أنت قائلُه … عن ابنِ مُلجم الملعون بُهتانا إني لأذكُره يومًا فألعَنُه … [دِينًا] وألعنُ عِمرانًا وحِطَّانا عليك ثم عليه الدَّهرَ مُتَّصِلًا … لعَائنُ اللهِ إشرارًا وإعْلانا فأنتم من كلاب النَّارِ جاء به … نصُّ الشَّريعة بُرهانا وتِبيانا يريد قوله ﷺ : "الخوارج كلابُ أهل النار" (٢). قلت: وهذا عمران بن حِطّان كان من شعراء الخوارج، عاش إلى أيام عبد الملك بن مروان، وبلغ قوله: يا ضربة من تقيٍّ عبد الملك، فنَذر دمَه، وأخذتْه الحميَّة، ووضع عليه العيون ليقتله، فهرب منه، وجعل يتقلَّب في الأمصار والبَراري، فلم يُجِرّه أحد، فأتى رَوْحَ بنّ زِنْباع -وكان خَصِيصًا بعبد الملك- فنزل عليه، وأقام في ضيافته أيامًا ولم يُعَرّفه نفسه، وكان عابدًا مُتَنَسِّكًا، فعارضه يومًا فرآه أديبًا، فأُعجب به رَوْح وقال: مَن أنت؟ قال: رجلٌ من الأزد، وأخبر

стр. 2979

عبدَ الملك بفضله وزُهده وعبادته، ووَصفه له فقال: هو والله عِمران، فطَلَبه فهرب، وكتب إلى روح: [من البسيط] يا رَوْحُ كم من كريمٍ قد نزلتُ به … وظنَّ ظنَّك من لَخْمٍ وغَسَّانِ حتى إذا خِفتُه زايَلْتُ مَنزِلَه … من بعد ما قيل عِمرانُ بنُ حِطَّانِ قد كنتُ ضَيفَك حَوْلًا ما يُرَوِّعُني … فيه طَوارِقُ من إنسٍ ولا جانِ حتى أردْتَ بي العُظمَى فأوحَشَني … ما يُوحِشُ الناسَ من خَوفِ ابنِ مَرْوانِ لو كنتُ مُستغفِرًا يومًا لطاغِيةٍ … كنتَ المقدَّمَ في سرٍّ وإعلانِ لكن أبَتْ ليَ آياتٌ مُفَصَّلةٌ … عِند الولايةِ من طه وعِمرانِ ثم هرب إلى عمان، فأقام بها عند طائفةٍ من الخوارج حتى هَلَك (١). ولم أقف على تاريخ وفاته (٢). وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، فقال: عِمران بن حِطَّان السَّدُوسي، وكأن شاعرًا. وروى عن أبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهما، هذا صورةُ ما ذكره ابن سعد (٣). وقال غيره: البَصْري، وقد روى عن ابن عمر وابن عباس، وروى عنه ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، ومُحارب بن دِثار، في آخرين. وقال قتادة: كان عمران لا يُتَّهم في الحديث، وهو تابعيٌّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: أدرك جماعةً من الصحابة، وتزوَّج امرأةً من الخوارج اسمُها خمرة، وكانت من أجمل النساء وأعقلهن، فأراد أن يَردّها عن مذهب الخوارج فردَّتُه هي إليه، وكان قبيحَ المنظر، فقالت له يومًا: أنا وأنت في الجنة، قال: ولم؟ قالت:

стр. 2980

لأنك أُعطيت مثلي فشكرتَ، وأُعطيتُ مثلَك فصَبرتُ، والصابر والشاكر في الجنة (١). وقال هشام: مرَّ عمران يومًا بالفرزدق وهو يُنشد، فوقف عليه ثم قال: [من الخفيف] أيُّها المادِحُ العِبادَ ليُعطى … إنّ لله ما بأيدي العِبادِ فسَلِ الله ما طلبت إليهم … وارْجُ فضل المهيمن العَوَّادِ لا تقل في الجَوادِ ما ليس فيه … وتُسَمِّي البخيل باسم الجواد فقال الفرزدق: الحمد لله الذي شغل هذا عنا ببدعته، ولولا ذلك لَلقِينا منه بلاءً وعناءً (٢). ذكر أزواج أمير المؤمنين وأولاده: قال ابن سعد: كأن له من الولد: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى، وأمهم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومحمد الأكبر وهو ابن الحنفيّة، وأمُّه خولة بنت جعفر بن قيس بن مَسْلَمة بن ثعلبة [بن يربوع بن ثعلبة] بن الدُّول بن حَنيفة بن لُجَيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل. وعُبيد الله، قتله المختار بن أبي عبيد بالمَذار، وأبو بكر قُتل مع الحسين، ولا عَقِب لهما، وأمُّهما ليلى بنت مسعود بن خالد بن ثابت بن رِبْعيّ بن سَلْمى بن جَندل بن نَهْشل ابن دارِم بن مالك بن حَنْظلة بن مالك بن زَيد مَناة بن تَميم. والعباس الأكبر وعثمان وجعفر الأكبر وعبد الله، قتلوا مع الحسين بن علي، ولا بقية لهم، إلا العباس فإن له بَقيّة، وأمُّهم أمّ البَنين بنت حِزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة بن الوحيد بن عامر بن كعب بن كلاب. ومحمد الأصغر قُتل مع الحسين، وأمُّه أم وَلَد. ويحيى وعَون، وأمهما أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَمِيّة.
следующие страницы →