محمد بن عَقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجُحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين: هذه السنة لي خمس وستّون سنة، وقد جاوزتُ سنّ أبي، قلت: وكم كان سنّه يوم قُتل؟ قال: ثلاث وستون سنة. ولم يذكر ابن سعد غير هذا القول.
والثاني خمس وستون سنة، رواه حنبل بن إسحاق بإسناده إلى جعفر بن محمد، قال: توفي علي وله خمس وستون سنة، قال: وكذا طلحة والزبير.
والثالث سبعة وخمسون سنة، قاله الهيثم.
والرابع ثمان وخمسون سنة، رواه حنبل أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قُتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها الحسن، وقتل لها الحسين.
وقال جعفر: سمعتُ أبي يقول لعمته فاطمة بنت الحسين أم عبد الله بن حسن بن حسن: هذه السنة لي ثمان وخمسون، فمات لها.
والسادس: ستون قاله أبو اليقظان، والأشهر أنه كان له ثلاث وستون سنة، وقد نص عليه الواقدي كما ذكرنا، وقال الطبري: هو أصحّ ما قيل (١).
ذكر خلافته:
اختلفوا فيها، قال ابن سعد (٢): كانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
وكذا حكى الطبري، عن الخطيب (٣)، عن أبي معشر قال: كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، قال: وكذا قال الواقدي، وقال الهيثم: أربع سنين وستة أشهر، والأول أصح، لأنه بُويع في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه، سنة خمس وثلاثين، وقيل: في رمضان سنة أربعين.
стр. 2977
ذكر من قدم الحجاز بخبر أمير المؤمنين:
ذكر البلاذري (١): أن الذي قدم بخبره سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن [أمية بن] عبد شمس، وكذا ذكر ابن سعد (٢)، قال: وبلغ عائشة فقالت: [من الطويل]
فألقت عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى … كما قَرَّ عينًا بالإيابِ المسافِرُ
وذكره الطبري أيضًا، وزاد عليه وقال: وقالت عائشة بعد ما أَنشدت البيت: مَن قَتَله؟ قالوا: رجلٌ من مُراد، فأنشدت: [من الوافر]
فإن يك نائيًا فلقد نعاه … نَعِيٌّ ليس في فِيه التُّرابُ
فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألأمير المؤمنين تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى فذكِّروني.
قال الطبري: وكان الذي ذهب بنَعيه سفيان بن أمية (٣).
ذكر النَّوْحِ عليه:
قال ابن سعد (٤): حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن طَلْق الأعمى، عن جدته قالت: كنت أنوح أنا وأم كلثوم بنت عليّ على عليٍّ ﵇.
ذكر مراثيه ﵇:
قل أكثرت فيها الشعراء، فمن ذلك ما حكاه الطبري (٥) قال: قال أبو الأسود الدِّيليّ: [من الوافر]
ألا أبلغْ معاويةَ بنَ حَرْبٍ … فلا قَرَّتْ عيونُ الشَّامِتينا
أفي شهرِ الصِّيام فَجَعتمونا … بخيرِ الناسِ طُرًّا أجمعينا
стр. 2978
قتلتُم خيرَ مَن ركب المطايا … ورَحَّلَها ومَن ركبَ السَّفينا
ومن لَبس النِّعال ومَن حَذاها … ومن قرأ المَثَانيَ والمِئينا
إذا استقبلت وَجْهَ أبي حُسَينٍ … رأيتَ البَدْرَ راعَ النَّاظِرينا
لقد علمتْ قريشٌ حيث كانت … بأنَّك خيرَها حَسَبًا ودينا
وقال الهيثم: قال شاعر الخوارج عمران بنُ حِطَّان يرثي ابنَ مُلْجَم: [من البسيط]
يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها … إلا ليَبْلُغَ من ذي العَرْشِ رِضوانا
إني لأذكُرُه يومًا فأحْسِبُه .. أوفى البريَّةِ عند الله مِيزانا
أكرِمْ بقومٍ بُطونُ الأرضِ أَقْبُرُهُم … لم يَخلِطوا دينَهم بغيًا وعُدوانا (١)
ولما وقف أبو الطيّب الطَّبريّ على هذه الأبيات أجابه فقال: [من البسيط]
إني لأبرأُ مما أنت قائلُه … عن ابنِ مُلجم الملعون بُهتانا
إني لأذكُره يومًا فألعَنُه … [دِينًا] وألعنُ عِمرانًا وحِطَّانا
عليك ثم عليه الدَّهرَ مُتَّصِلًا … لعَائنُ اللهِ إشرارًا وإعْلانا
فأنتم من كلاب النَّارِ جاء به … نصُّ الشَّريعة بُرهانا وتِبيانا
يريد قوله ﷺ : "الخوارج كلابُ أهل النار" (٢).
قلت: وهذا عمران بن حِطّان كان من شعراء الخوارج، عاش إلى أيام عبد الملك بن مروان، وبلغ قوله: يا ضربة من تقيٍّ عبد الملك، فنَذر دمَه، وأخذتْه الحميَّة، ووضع عليه العيون ليقتله، فهرب منه، وجعل يتقلَّب في الأمصار والبَراري، فلم يُجِرّه أحد، فأتى رَوْحَ بنّ زِنْباع -وكان خَصِيصًا بعبد الملك- فنزل عليه، وأقام في ضيافته أيامًا ولم يُعَرّفه نفسه، وكان عابدًا مُتَنَسِّكًا، فعارضه يومًا فرآه أديبًا، فأُعجب به رَوْح وقال: مَن أنت؟ قال: رجلٌ من الأزد، وأخبر
стр. 2979
عبدَ الملك بفضله وزُهده وعبادته، ووَصفه له فقال: هو والله عِمران، فطَلَبه فهرب، وكتب إلى روح: [من البسيط]
يا رَوْحُ كم من كريمٍ قد نزلتُ به … وظنَّ ظنَّك من لَخْمٍ وغَسَّانِ
حتى إذا خِفتُه زايَلْتُ مَنزِلَه … من بعد ما قيل عِمرانُ بنُ حِطَّانِ
قد كنتُ ضَيفَك حَوْلًا ما يُرَوِّعُني … فيه طَوارِقُ من إنسٍ ولا جانِ
حتى أردْتَ بي العُظمَى فأوحَشَني … ما يُوحِشُ الناسَ من خَوفِ ابنِ مَرْوانِ
لو كنتُ مُستغفِرًا يومًا لطاغِيةٍ … كنتَ المقدَّمَ في سرٍّ وإعلانِ
لكن أبَتْ ليَ آياتٌ مُفَصَّلةٌ … عِند الولايةِ من طه وعِمرانِ
ثم هرب إلى عمان، فأقام بها عند طائفةٍ من الخوارج حتى هَلَك (١).
ولم أقف على تاريخ وفاته (٢).
وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، فقال: عِمران بن حِطَّان السَّدُوسي، وكأن شاعرًا.
وروى عن أبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهما، هذا صورةُ ما ذكره ابن سعد (٣).
وقال غيره: البَصْري، وقد روى عن ابن عمر وابن عباس، وروى عنه ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، ومُحارب بن دِثار، في آخرين.
وقال قتادة: كان عمران لا يُتَّهم في الحديث، وهو تابعيٌّ ثقة.
وقال يعقوب بن شيبة: أدرك جماعةً من الصحابة، وتزوَّج امرأةً من الخوارج اسمُها خمرة، وكانت من أجمل النساء وأعقلهن، فأراد أن يَردّها عن مذهب الخوارج فردَّتُه هي إليه، وكان قبيحَ المنظر، فقالت له يومًا: أنا وأنت في الجنة، قال: ولم؟ قالت:
стр. 2980
لأنك أُعطيت مثلي فشكرتَ، وأُعطيتُ مثلَك فصَبرتُ، والصابر والشاكر في الجنة (١).
وقال هشام: مرَّ عمران يومًا بالفرزدق وهو يُنشد، فوقف عليه ثم قال: [من الخفيف]
أيُّها المادِحُ العِبادَ ليُعطى … إنّ لله ما بأيدي العِبادِ
فسَلِ الله ما طلبت إليهم … وارْجُ فضل المهيمن العَوَّادِ
لا تقل في الجَوادِ ما ليس فيه … وتُسَمِّي البخيل باسم الجواد
فقال الفرزدق: الحمد لله الذي شغل هذا عنا ببدعته، ولولا ذلك لَلقِينا منه بلاءً وعناءً (٢).
ذكر أزواج أمير المؤمنين وأولاده:
قال ابن سعد: كأن له من الولد: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى، وأمهم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومحمد الأكبر وهو ابن الحنفيّة، وأمُّه خولة بنت جعفر بن قيس بن مَسْلَمة بن ثعلبة [بن يربوع بن ثعلبة] بن الدُّول بن حَنيفة بن لُجَيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل.
وعُبيد الله، قتله المختار بن أبي عبيد بالمَذار، وأبو بكر قُتل مع الحسين، ولا عَقِب لهما، وأمُّهما ليلى بنت مسعود بن خالد بن ثابت بن رِبْعيّ بن سَلْمى بن جَندل بن نَهْشل ابن دارِم بن مالك بن حَنْظلة بن مالك بن زَيد مَناة بن تَميم.
والعباس الأكبر وعثمان وجعفر الأكبر وعبد الله، قتلوا مع الحسين بن علي، ولا بقية لهم، إلا العباس فإن له بَقيّة، وأمُّهم أمّ البَنين بنت حِزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة بن الوحيد بن عامر بن كعب بن كلاب.
ومحمد الأصغر قُتل مع الحسين، وأمُّه أم وَلَد.
ويحيى وعَون، وأمهما أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَمِيّة.
стр. 2981
وعمر الأكبر ورُقَيّة، وأمهما الصُّهباء، وهي أمُّ حَبيب بنت ربيعة بن بُجَير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عُتبة بن سعد بن زهير بن جُشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غَنْم بن تَغْلب بن وائل.
قال ابن سعد: وكانت سَبِيَّة، أصابها خالد بن الوليد حين أغار علي بني تَغْلِب بناحية عين التَّمْر.
قال: وكان لعمر أولاد: محمد وأم موسى وأم حبيب، وأمهم أسماء بنت عقيل بن أبي طالب.
وقد روى عمر الحديث وكان في ولده عدَّةً يحدّث عنهم، نذكرهم في مواضعهم.
ومحمد الأوسط بن علي، وأمُّه أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس بن عبد مَناف، وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وأم زينب خديجة بنت خويلد.
وأم الحسن ورَمْلَة الكبرى، وأمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفي.
وأم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورَمْلة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأُمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم جعفر، وجُمانة، ونفيسة، وهن لأمهات الأولاد.
قال: وابنة لعلي لم تُسمَّ لنا، توفيت وهي صغيرة لم تبرز، وأمّها مُحيّاة بنت امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُلَيم، من كلب، كانت تخرج إلى المسجد وهي جارية، فيقال لها: مَن أخوالُك؟ فتقول: وَوْوَوْ، تعني كلبًا.
قال: فجيمع أولاد علي ﵇ لصُلبه أربعة عشر ذكرًا، وسبع عشرة امرأةً، وكان النَّسلُ من ولده لخمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابّية وعُمر بن التَّغلبيّة، هذا كلام ابن سعد (١).
стр. 2982
ولا بدّ من بسّط الكلام على هذه الجملة، وإيضاح ما أبْهمه ابن سعد، وما نقل عن العلماء كابن إسحاق والواقدي وهشام والبلاذري وغيرهم، فنقول:
أول أزواجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ولم يتزوّج عليها حتى تُوفّيت عنده، وكان له منها الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كُلثوم الكبرى، ويقال: إنه كان له منها ولدٌ آخر يقال له: مُحَسِّن، مات صغيرًا.
قال الموفق ﵀ في كتاب "الأنساب" مُحَسِّن بن علي ﵇، لا نعرفه إلا في الحديث الذي يرويه هانئ بن هانئ، عن علي قال: لما وُلد الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سمَّيتموه؟ " قال: فقلت: حربًا، قال: "بل هو حسن"، فلما ولد الحسين قال: "ما سمّيتموه؟ " قلت: حربًا، قال: "بل هو حُسَين"، فلما وُلد الثالث قال: "ما سمّيتموه؟ " قلت: حربًا، قال: "بل هو مُحَسّن" ثم قال: "إني سَمِّيُتهم بأسماء ولد هارون: شِبْر وشُبَير ومُشَبِّر".
قال الموفّق: والظاهر أن المُحَسِّن مات طفلًا (١).
وقد ذكرنا هذا الحديث في السنة الثالثة من الهجرة عند ولادة الحسن مُسندًا.
وتزوَّج أمير المؤمنين بعد فاطمة أمَّ البنين بنت حِزام بن ربيعة بن الوليد بن كعب بن عامر بن كلاب، كذا نسبها الطبري (٢)، ونَسَبُ ابن سعد أصحّ.
وقال الهيثم: وحِزام بن ربيعة: أخو لبيد الشاعر. فأولدها العباس، وعثمان، وجعفر، وعبد الله، وقد ذكرنا أنهم قتلوا مع الحسين.
وقال البلاذري: والعبَّاس يُلَقَّب بالسَّفَّاء، ويكنى أبا قِربة، لأنه حَمل للحسين قربةً من الماء يوم الطّفوف، ومالك بن حِزام أخو أم البَنين، قُتل مع المختار بالكوفة (٣).
стр. 2983
ثم تزوج علي ﵇ ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن رِبعيّ بن سَلْمى بن جندب (١) بن نَهْشَل بن دارِم بن مالك بن حَنْظلة بن زيد مناة (٢) بن تميم، كذا نسبها هشام، وحكاه الطبري. ونسب ابن سعد أصح.
فولدت له عُبيد الله وأبا بكر، واختلفوا فيهما، فحكينا عن ابن سعد أن عُبيد الله قتله المختار بالمَذار، وأبا بكر قُتل مع الحسين يوم الطّفوف. وحكى الطبري عن هشام: أنهما قتلا مع الحسين ﵇. وقال الواقدي كما ذكر ابن سعد أن عبيد الله قتله المختار.
ثم تزوج أمير المؤمنين أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَمِيّة، وقد حكينا عن ابن سعد أنها وَلدت له عونًا ويحيى.
وحكى الطبري عن هشام: أنها وَلدت له محمدًا الأصغر، وقيل: إن محمدًا لأم ولد، ولا بقيَّة لهم (٣).
قلت: وهذه أسماء هي التي يقال لها: أم المحمَّدين، قال هشام: لأنها وَلدت لأبي بكر ﵁ محمدًا، ولجعفر قبله محمدًا، ولعلي ﵇ محمدًا، وقد ذكرناها.
وقال الواقدي: لم تلد لعلي ﵇ ولدًا اسمُه محمد، والأول أشهر.
وقال الزبير بن بكار: مات يحيى بن علي صغيرًا.
وقال هشام: ثم تسرَّى علي ﵇ خَولة بنت جعفر من بني حنيفة، أم محمد، من سَبْي اليمامة سِندِيّة.
وقال الهيثم: ويقال لأبيها جعفر جان الصفا، سُبِيَت في أيام أبي بكر، فرآها قوم فعرفوها، فأخبروا عليًّا فاشتراها وأعتقها ومهرها وتزوَّجها.
стр. 2984
ثم تزوج علي أُمامة بنت أبي العاص بن الرَّبيع، فولدت له محمدًا الأوسط.
وقال البلاذري (١): لما استُشهد أمير المؤمنين، كتب معاوية إلى المدينة إلى مروان بن الحكم وهو عاملُه عليها أن يُزوّجه أُمامة، فأرسل إليها فقالت: قد ولَّيتُ أمري المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وبلغه الخبر، فقال المغيرة: اشهدوا أني قد تزوَّجتُها، وبلغ معاوية الخبر فسكت.
ثم تزوج علي ﵇ أم سعيد ابنة عروة بن مَسعود الثقفيّ، فوَلدت له أم الحسن، ورَمْلة الكبرى، كذا حكى ابن سعد، وقد حكاه الطبري أيضًا (٢).
وقال البلاذري: وَلدت له عمر الأصغر، قال: وقيل إنه لأمّ ولد (٣).
ثم تزوج علي ﵇ الصَّهباء، وهي أم حَبيب بنت رَبيعة، وقد نسبها ابن سعد إلى بكر بن وائل (٤)، فوَلدت له عمر الأكبر، ورقيَّة.
وقال الطبري: فعُمِّر عمر بن علي حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراثِ علي ﵇، ومات بيَنْبُع، ولم يذكر الطبري تاريخ وفاته. وقال هشام: مات سنة سبع وستين، وكان أشبه الناس بأبيه.
وقال البلاذري: أم حَبيب بنت جُبَير بن بُجَير، تغلبية (٥).
ثم تزوج أمير المؤمنين مُحَيَّاة ابنة امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُلَيم، من كلب، فولدت له جاريةً هلكتْ وهي صغيرة.
قلت: وهذه البنت التي ذكرها ابن سعد، وأنها كانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فتقول: وَوْوَوْ، وقد ذكرها البلاذري (٦) وقال: كانت تُكنى أم يَعلى، ماتت وهي
стр. 2985
صغيرة، قال: وقال هشام بن الكلبي، عن عبد الله بن حسن قال (١): قدم امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر على عمر بن الخطاب ﵁ وهو الذي أغار علي بني بكر بن وائل، وأسر الدّعّاء بن عمرو- فأسلم، وعقد عمر له لواء علي بني قُضاعة، فلم يُرَ رجلٌ لم يصلّ لله سجدةً قط عُقِدَ له لواءٌ على المسلمين إلا هو.
فخرج ولواؤه يهتزُّ بين يديه، فأدركه علي ﵇، فأخذ بمنكبه وقال: يا عمّ، أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، وهذان ابناي الحسن والحسين، أمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقد أحببتُ مُصاهرتَك لي ولهما فزوِّجنا، فقال: كرامةً ونُعْمَ عين، قد زوَّجتُك يا أبا الحسن المُحيَّاة بنت امرئ القيس، وزوجت حسنًا زينب، والحسين الرّباب ابنتي امرئ القيس، قال: فوَلدت المحيَّاة لعلي ابنة صغيرة يقال لها: أم يَعلى، فكانت تخرج إلى المسجد، فيقال لها: مَن أخوالك؟ فتقول: وَوْوَوْ .... وذكره.
قال: ولم تلد زينب للحسن، وولدت الرّباب سُكَينة بنت الحسين، فتزوجها عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أبا عُذْرِها، فمات عنها، فتزوّجها مصعب بن الزبير، فولدت له فاطمة، ومات مصعب عنها، فخطبها عبد الملك بن مروان فقالت: أبو الذباب، لاهَا الله ذا، وكانت تقول: يا أهل الكوفة، أيتَمتموني صغيرة، وأرْمَلْتموني كبيرة.
وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقال البلاذري: وتزوج أمير المؤمنين أيضًا ميمونة بنت علي بن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب (٢)، ثم خلف عليها كَثير بن العباس.
стр. 2986
قال: وتزوّج كثير بن العباس أيضًا أم كلثوم الصُّغرى قبل أختها زينب، وقيل بعدها.
قال: وتزوّج خديجة بنت أمير المؤمنين: عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب.
قال: وتزوّج نَفيسة بنت أمير المؤمنين: تمّام بن العباس بن عبد المطلب.
وقال المدائني: وفاطمة بنت علي ﵇؛ أمُّها أم وَلدَ، روت عن أسماء بنت عُمَيس، وأخيها لأبيها محمد بن الحنفية، وكانت مع الحسين لما قُتل، وقدموا بها دمشق مع السَّبْي.
وقال الزُّبَير بن بَكَّار: كانت فاطمة بنت علي هذه عند محمد بن أبي سعيد بن عَقيل بن أبي طالب، فوَلدت له حُمَيدة، ثم خلف عليها سعيد بن الأسود بن أبي البَخْتَريّ بن هشام بن الحارث بن عبد العُزَّى بن قصيّ، فولدت له بَرَّة وخالدة، ثم خلف عليها المنذر بن عُبَيدة بن الزبير بن العوّام، فوَلدت له عثمان دَرَج، قال: وتُوفّيت فاطمة هذه وسُكَينة بنت الحسين في سنة تسع عشرة [ومئة] (١) وسنذكرهما.
قال: وكان عامة بنات أمير المؤمنين عند وَلَد عَقيل والعباس، لم يَخرج عنهم منهنّ سوى أربع: أم كلثوم بنت فاطمة، تزوّجها عمر بن الخطاب. وزينب الكبرى وأمّها فاطمة أيضًا، تزوجها عبد الله بن جعفر فوَلدت له. وأم الحسن (٢) بنت علي، كانت عند جَعْدة بن هُبَيرة المَخزومي. وفاطمة بنت علي، كانت [عند] سعيد بن الأسود، من بني الحارث بن أسَد.
وقال هشام: استُشهد علي ﵇ وترك أربع حرائر: أُمامة بنت أبي العاص، ولَيلى التَّميمية، وأمّ البَنين كِلابيّة، وأسماء بنت عُمَيْس، وثماني عشرة أمّ وَلَد.
وقال أبو عمرو الشيباني: دخل الأشعث بن قيس على علي ﵇ وبين يديه صَبّية تَدْرُج، دقال: مَن هذه؟ فقال علي: ابنتي زينب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ،
стр. 2987
فقال: زوِّجنيها، فقال: اغْرُب، بفيك الكَثْكَثُ، ولك الأَثْلَب، أغرَّك ابنُ أبي قُحافة حيث زوَّجك أمَّ فَروة، وإنها لم تكن لا من العَواتِك، ولا من الفَواطم من سُليم، فقال: قد زوَّجتم مَن هو أخمل مني نَسبًا، وأوضع حَسَبًا، قال: ومَن هو؟ قال: المِقداد بن الأسود، قال: فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وهو أعلم بما فَعَل، ولئن عُدتَ إلى مِثلها لأسُوأنّك (١).
والكَثْكَثُ: فُتاتُ الحجارة والتراب، وفيه لغتان: كسر الكاف وفتحها، والأَثْلَبُ أيضًا فيها لغتان الكسر والفتح، وهو مثله (٢)، وقيل: هذا دعاء عليه، مثل قولك: ثَكِلَتك أمُّك.
وأما قول الأشعث عن المقداد فإن رسول الله ﷺ كان قد زوَّجه ضُباعة بنت الزبير، وهي ابنة عمّ رسول الله ﷺ ، وقد ذكرناه في سنة ثلاث وثلاثين في ترجمة المِقداد، وكان المقداد من المهاجرين الأوَّلين وأهل بدر، ولم يكن مثل الأشعث بن قيس؛ فإنه ارتدَّ عن الإسلام، وقد ذكرنا عن أبي بكر ﵁ أنه نَدِم عند الموت على تركه حيث لم يقتله، وكان من المنافقين على أمير المؤمنين، ثم رأى رأيَ الخوارج في آخر عُمره، وجَعْدة ابنتُه هي سَمَّت الحَسَن لما نذكره.
ذكر موالي أمير المؤمنين:
كان له عدة موالي، والمشهور منهم قَنْبَر، ويحيى بن أبي كثير، فأما قَنبر فكان يُلازمه، وأما يحيى فروى عنه الحديث، وروى عنه الأوزاعي، وكان عالمًا فاضلًا. قال أبو إسحاق السَّخْتِياني (٣): ما بقي على وجه الأرض أعلم من يحيى، مات سنة تسع وعشرين ومئة. وروى عنه ابنه عبد الله بن يحيى (٤).
стр. 2988
ذكر عُمّاله ونَقْشِ خاتمه:
كان عامله في هذه السنة على البصرة عبد الله بن عباس، ثم انتقل إلى مكة وقد ذكرناه، وكان قاضيه على البصرة أبو الأسود الدِّيلي.
وكان عامله على فارس وكَرْمان زياد بن أبيه، وقد ذكرنا توليتَه له تلك الأماكن.
وعلى اليمن ومَخاليفها عُبيد الله بن عباس، ولما قصده بُسْر بن أبي أَرْطاة عاد إلى الكوفة.
وكان على مكة والطائف قُثَم بن العباس.
وعلى المدينة أبو أيّوب (١) الأنصاري، وقيل: سَهل بن حُنَيف، ولما قَدِم بُسْر بن أبي أرطاة الحجاز عاد قُثَم إلى الكوفة.
وأما نَقْشُ خاتمه فقال ابن سعد بإسناده عن محمد بن علي قال: كان نَقْشُ خاتم علي بن أبي طالب: اللهُ المَلِك.
وروى ابن سعد أيضًا عن أبي إسحاق الشَّيباني قال: قرأتُ نقشَ خاتم علي ﵇ في صُلْحِ أهل الشام: محمد رسول الله.
وفي رواية هشام، عن أبيه: الله الملِك، عليّ عبدُه.
وروى ابن سعد عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه: أن عليًّا ﵇ كان يتختَّم في اليسار (٢).
ذكر ميراثه:
قال ابن سعد بإسناده عن هُبَيرة بن يَريم قال: سمعتُ الحسن بن علي قام فخطب الناسَ وقال: أيُّها الناس، لقد فارقكم أمسِ رجلٌ ما سبقه الأوَّلون، ولا يُدركه الآخرون، لقد كان رسول الله ﷺ يبعثه البعث، فيعطيه الراية، فما تُرَدُّ حتى يَفتح الله
стр. 2989
له، إن جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ما ترك صَفراء ولا بيضاء إلا سبع مئة دِرهم فضلت من عطاياه؛ أراد أن يَشتري بها خادمًا.
وفي رواية ابن سعد أيضًا: ولقد قُبض في الليلة التي عُرج فيها بروح الله عيسى بن مريم، ليلة سبعٍ وعشرين من شهر رمضان (١).
وروى الواقدي عن الحسن بن علي ﵇ أنه قال: والله ما خَلّف أبي دينارًا ولا درهمًا، ولا بيضاء ولا صفراء؛ سوى سبع مئة درهم؛ أعدّها ليشتري بها خادمًا لأهله.
فإن قيل: فقد قال أحمد بن حنبل (٢) بإسناده عن محمد بن كعب القُرَظِيّ، عن علي ﵇ أنه قال: لقد رأيتُني مع رسول الله ﷺ وإني لأربط الحَجَر على بطني من الجوع، وإن صدقتي لتبلغ اليوم أربعين ألفًا أو لأربعون ألفًا، وهذا يدلُّ على أنه كان له مالٌ كثير.
فالجواب من وجوه: أحدها: أن أبا الحُسين بن فارس اللّغوي قال: سألتُ أبي عن هذا الحديث فقال: معناه أن الذي تصدَّقتُ به منذ كان لي مال إلى اليوم كذا وكذا (٣).
والثاني: أن معناه: كان لي مال فتصدَّقتُ به؛ وأنه كان يبلغ أربعين ألفًا. والثالث: أنه ليس في الحديث أن ما تصدق به وما خرج عنه، فيكون معناه: وإن صَدقتي لتبلغ اليوم أربعين ألفًا؛ ثم خرجتُ عن الجميع لما وَليت الخلافة، والدليل عليه قوله ﵇: يا بيضاء، يا صفراء، غرِّي غيري، وما ذكرنا من خُشونة لِباسه، وخُشونة مطعمه، واقتناعه باليسير من الدنيا.
* * *
стр. 2990
ذكر مقتل ابن مُلْجَم
قد ذكرنا قول أمير المؤمنين لبَنيه: إذا متُّ فألْحِقوا بي ابن مُلجم أخاصمه عند الله.
وقال ابن سعد: وكان ابن ملجم في السجن، فلما دُفن علي ﵇ بعث الحسن بن علي فأخرجه من السجن ليقتله، واجتمع الناس، وجاؤوا بالنفط والبواري والنار، فقالوا: نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومحمد بن الحنفيّة: دعونا حتى نَشفي أنفسَنا منه أولًا، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلّم، فكحل عينيه بمسمارٍ مُحمىً فلم يجزع، وجعل يقول: إنك لتَكحل عيني عَمِّك بمُلْمُولٍ مَضٍّ، وجعل يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ إلى آخر السورة وإن عينيه لتَسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليَقطعه فجَزِع، فقيل له: قطعنا يديك ورجليك، وسَمَلْنا عينيك يا عدوّ الله فلم تَجزع، فلما صِرنا إلى لسانك جَزعتَ؟! فقال: ما ذاك مني جَزَعٌ، إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فُواقًا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه، وجعلوه في قَوْصَرة، وأحرقوه بالنار.
قال ابن سعد: والعبّاس بن علي يومئذٍ صغير، فلم يُستَأْن به بلوغه، قال: وكان ابن مُلجم رجلًا أسمر، حسنَ الوَجْه أفلج، شعره مع شَحمة أُذنيه، في جبهته أثَرُ السُّجود. هذا قول ابن سعد (١).
وحكى الطبري أن أمير المؤمنين قال: يا حسن، إن أنا مت من ضربته فاضربه ضربةً بضربة ولا تُمثّلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إياكم والمُثْلَة ولو بالكلب العَقور".
فلما قبض بعث الحسن إلى ابن ملجم، فأخرجه من الحبس، فقال للحسن: هل لك في خَصلة؟ إني والله ما أعطيتُ اللهَ عهدًا إلا وَفيتُ به، إني كنتُ أعطيتُ اللهَ عهدًا يوم التّحكيم أن أقتل عليًّا ومعاوية، أو أموتَ دونهما، إن شئتَ خلّيتَ بيني وبين معاوية،
стр. 2991
ولله عليّ إن لم أقتله -أو قتلته وبقيت- أن آتيك، فأضع يدي في يدك، فقال له الحسن: لا والله حتى تُعاينَ النار، ففعل به ما فعل.
وذكر المدائني: أن أمير المؤمنين أمرهم أن يُمَثّلوا به، وهو وَهْمٌ منه لما روينا من النّهي عن المُثْلَة، وأنها حرام، فكيف يأمر بالحرام، وما فعله به أولاد علي ﵇ فكان من رأيهم لا من رأيه، لأنه قال: ضربة بضَرْبة، كما قلنا.
وقيل: إن أم الهيثم بنت الأسود أخذت جُثَّته فأحرقتها، وذكر علي بن عَقيل في كتاب "الفنون" أن ابن مُلْجَم قال للحسن: إني أريد أن أُسَارَّك بشيء، فأبى الحسن وقال: إنه يريد أن يَعَضّ أُذني، فقال ابنُ مُلْجَم: والله لو أمكنني منها لأخذتُها من صِماخها.
ثم قال ابن عقيل: انظرو إلى حُسنِ رأي هذا السَّيِّد؛ الذي قد نزل به من المصيبة الفادحة ما يذهل الخلق، ويقظته إلى هذا الحدّ، وانظروا إلى ذلك اللعين؛ كيف لم يَشْغَلْه حالمه عن استزادة غِشّه (١)!
قلت: وقول ابن سعد: والعباس بن علي صغير فلم يُسْتَأْن به بلوغه؛ دليل لأبي حنيفة: أنه إذا قُتل إنسان وله وَرَثة كبار وصغار فللكبار أن يقتلوا القاتل وإن لم يَبلغ الصغار، وهو قول فقهاء الصحابة، وعند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد أنه ليس للكبار ذلك حتى يَبلغ الصغار، فإذا بلغوا اجتمعوا على الاستيفاء.
وجه قولهم: أنه حقٌّ مُشتَرك، فلا يَنفرد أحدهم باستيفائه كما لو كانوا كبارًا، ولأبي حنيفة استيفاءُ القصاص من ابن مُلْجَم وفي الوَرَثة صِغار، وفَعل الحسن ذلك بمَحضرٍ من أعيان الصحابة، وقد كان فيهم جماعة من أهل بدر، فحلّ محلَّ الإجماع، ولا يقال: فعله سياسة؛ لأن القتل سياسة إنما يُفَوَّضُ إلى رأي الإمام؛ لأنه قد روي أن الحسن إنما قتله قبل أن يُبايَع بالخلافة، وقبلَ أن يَقع الإجماعُ على إمامته، وقولهم:
стр. 2992
حقٌّ مُشتَرَك، قلنا: الصغير عاجز فيقوم الكبير القادِرُ مَقامه (١).
قلت: ونقلتُ من خطّ جدّي ﵀ من جزء فيه فضائل عاشوراء؛ أحضره إليّ أبو سليمان خالد بن يوسف النابلسي المحدِّث الحافظ بدمشق في أواخر سنة إحدى وخمسين وست مئة، قال جدي: روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مَرْدَويه الحافظ في كتاب "مناقب أمير المؤمنين" بإسناده عن أبي منصور بن عمار: قال بعثني هارون الرشيد إلى بلد الروم في بعض أموره، فأنزلني على بِطريق من البطارقة، فكنت عنده زمانًا أو حينًا، فأنِسَ بي، ثم قال لي يومًا: حدثني هذا الرَّاهب -وأومأ إلى راهب في صومعة، وقال: هو فيها منذ أربعين سنة، قلت له: حَدَّثني بأعجب ما رأيتَ في صومعتك هذه- فقال: بينما أنا فيبها إذ خرج من البحر طائر عظيم، أعظم من بُخْتيّ، فرفرف على صومعتي، فهالني ذلك هولًا عظيمًا، ثم سقط إلى الأرض، ورمى من منقاره رأسَ إنسانٍ ويديه ورجليه، ثم استوى ذلك رجلًا قائمًا، فعاد الطائر فابتلعه ورجع إلى البحر، ثم خرج في اليوم الثاني، والثالث ففعل كذلك.
قال: فلما كان في اليوم الثالث قبل أن يَبتلعه قلت للرجل: بالذي ترجوه أن يُفرِّج عنك مما أنت فيه، مَن أنت؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن مُلْجَم قاتل علي بن أبي طالب، وَكَّل الله بي هذا الطائر؛ يفعل بي هذا كلّ يوم إلى يوم القيامة.
ثم قال جدي: ويُصدِّق هذا الحديث ما روى أبو محمد بن قتيبة في كتاب "غريب الحديث" من حديث عكرمة: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : إني مررتُ بجَبوب بدر -والجَبوب: الأرض الغليظة- وإذا برجلٍ أبيض، ورجلٍ أسود بيده مِرْزَبة من حديد؛ يضربه بها الضَّربةَ فيغيب في الأرض، ثم يبدو فيضربه بها فيغيب، ثم يبدو فيضربه، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أبو جهل، يُفعَل به ذلك إلى يوم القيامة" (٢).
стр. 2993
قلت: وقد ذكر الجوهري الجَبوب وقال: هي الأرض الغليظة، ويقال: وجه الأرض، فلا يُجمع (١).
ذكر مسانيده:
واختلفوا فيها، فقال ابن مَنْده: أسند خمس مئة وسبعة وثلاثين حديثًا. وقال أبو نعيم الأصفهاني: أسند أربع مئة ونيّفًا من المتون سوى الطُّرق، وقال ابن البَرْقي: الذي حُفظ عنه نحو من مئتي حديث (٢).
وكذا أخرج له أحمد بن حنبل في "مسنده" مئتي حديث ونيِّفًا.
أخرج له في الصحيحين أربعة وأربعون حديثًا. المتفق عليه منها عشرون، وانفرد البخاري بتسعة عشر، ومسلم بخمسة (٣).
وروى علي عن أبي بكر وعمر ﵁. وروى عنه الجمُّ الغَفير فنذكر أعيانهم: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية بنوه، وطلحة، والزبير، والعبادلة: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن جعفر، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخُدري، وأبو رافع، وأبو أُمامة، وأبو هريرة، وأبو جُحَيفة، وأبو ليلى، وأبو الطُّفَيل، وأبو سَرِيحة حُذَيفة بن أسيد، وصُهَيب الرُّومي، وزيد بن أرقم، وحُذَيفة بن اليَمان، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وخبّاب بن الأَرَتّ، وجَرير بن عبد الله البَجَلي، وسَفِينة، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن سَمُرة، والمغيرة بن شُعبة، وعَمرو بن حُرَيْث، والبراء بن عازب، وعُمارة بن رُوَيبة، وطارق بن شهاب، وطارق بن أَشْيَم الأشجَعيّ، وعبد الرحمن بن أَبْزى الخُزاعي في آخرين، ومن التابعين: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابن المسيّب، والحسن البصري، وابن سيرين، وعَبيدة بن
стр. 2994
عمرو السَّلْماني، والأسود بن يزيد، ومَسروق بن الأجْدَع، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وأبو أراكة، والكُمَيل بن زياد، وعَبْد خَير، والأشعث بن قيس، وأخوه الأحنف، وأبو الأسود الدِّيليّ، وقيس بن عُباد، وأبو رَجاء العُطارِديّ، وعامر الشَّعبيّ، وأبو ساسان حُضَين بن المنذر الرَّقاشيّ، وقَنبر مولاه، ويحيى بن [أبي] كثير مولاه أيضًا، في خلق كثير (١).
فصل
وليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب سواه، فأما من غير الصحابة فجماعة؛ أحدهم: علي بن أبي طالب أبو الحسن [البصري]، روى عن حماد بن سلمة وغيره.
والثاني: علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب: مُهاجر، ويعرف بالدَّهَان، روى عن الهَيْصَم -ويقال: الهيثم- بن شَدّاخ العَبْديّ أو العدوي وغيره.
والثالث: علي بن أبي طالب الجُرْجانيّ، روى عنه أبو سَهْل بن زياد القَطّان.
والرابع: علي بن أبي طالب أبو الحسن الأَسْتراباذي، أخرج عنه أبو بكر الإسماعيليّ.
والخامس: علي بن أبي طالب، تَنوخيّ، واسم أبيه أبي طالب: [محمد بن] أحمد بن إسحاق بن البهلول، روى عن أبي بكر بن مجاهد.
والسادس: علي بن أبي طالب، بَكْر اباذي، مَحلَّةٌ من بلد جُرْجان، روى عن أبي أحمد بن عَديّ الحافظ وغيره.
والسابع: علي بن أبي طالب، يقال له: الرزَّاز، واسم أبيه أبي طالب: أحمد بن محمد بن بَيان، روى عن أبي علي بن شاذان، وهو آخر من روى جزء ابن عَرَفة.
стр. 2995
والثامن: علي بن أبي طالب، قاضي القضاة ببغداد، الزَّينَبي، روى عن أبيه، وعمه طِراد بن محمَّد، وابن البَطِر، وابن العَلَّاف وغيرهم (١).
ذكر مسانيد علي بن أبي طالب:
قال أحمد بن حنبل (٢) بإسناده عن حَنَش، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فانتهينا إلى قومٍ بَنَوْا زُبْيَةً للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سَقط رجل فيها، فتعلّق بآخر، ثم تعلّق رجلٌ بآخر، حتى صارو فيها أربعة، فجَرحَهم الأسد، فانتَدبَ له رجلُ بحَرْبَةٍ فقتله، وماتوا من جِراحته كلّهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، ولَبسوا السلاح، فأتاهم علي على تَفيئةِ ذلك، فقال لهم: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله ﷺ حيّ؟! إني أقضي بينكم بقضاء فإن رضيتموه، وإلا تحاجزوا تأتوا النبي ﷺ فتسألونه، فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمَن عدا بعد ذلك فلا حقَّ له، قالوا: نعم.
قال: اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر رُبُعَ الدِّية، وثُلُث الدّية، ونِصف الدية، والدية كاملة، فللأول الربع لأنه أهلك مَن فوقه، وللثاني ثُلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة. فلم يَرضَوْا، وأتَوا رسول الله ﷺ وهو عند مقام إبرهيم، فقَصُّوا عليه القصة، فقال: "أنا أقضي بينكم" واحتبى، فقال رجل من القوم: إن عليًّا قضى فينا بكذا وكذا، وقَصُّوا عليه القصة، فأجازه رسول الله ﷺ .
قلت: وفي هذا الحديث كلام طويل؛ فإن محمد ﵀ قال في "الجامع الصغير" وغيره: إن الإنسان إذا حفر بئرًا في مِلكه فتَلِف بذلك إنسان أو بَهيمة؛ فلا ديةَ عليه، ولا ضَمانَ في البهيمة، وإن كان في غير مِلكه ضَمِن؛ لأنه في الأوَّل غيرُ مُتَعَدٍّ بخلاف الثاني، وينبغي أن يكون حافرُ الزُّبْيَةِ على هذا، وكذا جِراحةُ الأسَد تكون هَدَرًا.
قال محمد ﵀: رجلٌ شَجَّ نفسَه، وشَجَّه غيرُه، وعقره أسد، ونهشته حية،
стр. 2996
فمات من ذلك، فالحيَّةُ والأسَد شيءٌ واحد، وعلى الأجنبي ثلث الدِّية (١)؛ لأن جِراحة الأسَدِ والحيَّةِ بمَنْزِلَةِ جراحةٍ واحدة؛ لأن كليهما يَرجعان إلى حُكم الإهدار، فقد تَلِفَتْ نفسُه بثلاث جِراحات: جِراحة نفسه، وجِراحة الأسد، وجِراحة الحيَّة، وقد ذكرنا أنهما هدر، بقي فعل الأجنبي فيجب فيه ثُلثُ الدِّيَة، وما يتعلّق بهذا وبالديات ذكرناه في "شرح الجامع الصغير".
ذكر ما جرى للبُرَك مع معاوية
قال علماء السير: قعد في تلك الليلة التي ضُرب فيها أمير المؤمنين لمعاوية، فلما خرج ليُصَلّي بالناس الفجر وَثب عليه بالسيف، فضربه فوقع في أَلْيته وفاته، فأُخِذ، فجيء به إلى معاوية فقال: وَيحك، ما الذي حَمَلك على هذا؟ فقال: إن لك عندي خبرًا أَسُرُّك به، فإن أخبرتُك فنافعي هو عندك؟ قال: وما هو؟ قال: إن أخًا لي قتل عليًّا في هذه الليلة، قال: فلعلّه لم يَقدِرْ عليه؟ قال: بلى، إن عليًّا ليس معه مَن يَحرُسُه، فأمر به فقُطعت يداه ورجلاه، ثم ضرب عُنُقَه، واتَّخذ معاوية المقصورة في جامع دمشق، وهو أوّل مَن اتَّخذها، وأقام الحرس.
ثم أحضر معاوية الساعدي وكان طبيبًا حاذِقًا فقال: داوني، فقال: اختر إحدى خَصلتين: إما أن أحمِيَ حديدةً فأضعها موضعَ اليسف، وإما أن أسقيَك شَربةً تقطع عنك الولد وتبرأ منها؛ فإن ضَرْبتَك مَسمومة؟ فقال معاوية: أما النار فلا صبرَ لي عليها، وأما انقطاعُ الولد ففي يزيد وعبد الله ما تَقَرُّ به عيني، فسقاه تلك الشربة فبَرِئ، وانقطع نَسْلُه، وكان إذا سجد أقام الحرس على رأسه.
وقال البلاذري (٢): لم يقتل معاوية البُرَك، وإنما قطع يديه ورجليه -أو يده ورجله- ثم أطلقه، فصار إلى البَصرة ووُلِدَ له في زمان زياد بن أبيه، فأخذه زياد وقال له
стр. 2997
وَيلك، تركتَ أمير المؤمنين لا نَسْلَ له، فقتله وصَلَبه.
والأول أصح، ذكره الطبريّ (١) وغيره.
ذكر ما جرى لعمرو بن بكر مع عمرو بن العاص
قال هشام: جلس في تلك الليلة عند السُّدّةِ بمصر ينتظر عمرو بن العاص، فاتّفق أن عَمْرًا اشتكى بطنَه في تلك الليلة، فأمر خارجة بن أبي حَبيبة (٢) أن يُصلّي بالناس، وكان صاحب شُرطته، فشَدَّ عليه عمرو وهو يظنّ أنه عَمْرًا، فقَتَله.
وقد ذكرنا ترجمةَ خارجة في هذه السنة، وأخذ عَمرًا الناسُ، فأتَوا به إلى عمرو بن العاص، وسلّموا عليه بالإمرة فقال عمرو: مَن هذا؟ قالوا: عَمرو بنُ العاص، فقال: يا فاسق، والله ما ظننتُه غيرك، فقال عمرو: أردتَ عَمرًا، وأراد الله خارجة، فذهبت مَثَلًا، وقد ذكرنا ذلك.
وأمر بقطع يديه ورجليه وقَتْله، فلما أراد قَتْلَه بكى، فقال له: أجَزِعتَ؟ قال: لا والله، وإنما أبكي كيف قتلَ صاحباى عليًّا ومعاوية ولم أقتل أنا عَمْرًا، وكتب معاوية إلى عمرو: [من الطويل]
وَقَتْكَ وأسبابُ المَنُون كثيرةٌ … مَنِيَّةُ شيخٍ من لؤيِّ بن غالبِ
فيا عَمرو مَهْلًا إنما أنت عَمُّه … وصاحِبُه دون الرِّجالِ الأقارِبِ
نَجوتَ وقد بَلَّ المُرادِيُّ سيفَه … منْ ابنِ أبي شيخِ الأباطحِ طالبِ
ويَضربني بالسيفِ آخرُ مثلُه … فكانت عليه تلك ضَربَةَ لازب
وأنت تُناغي كلَّ يومٍ وليلةٍ … بمِصْرِك بِيضًا كالظِّباء السَّواربِ (٣)
стр. 2998
وفي هذه السنة -وهي سنة أربعين- بُويع الحسن بن علي ﵇ بالخلافة.
فصل في ذكر بيعته وما يتعلّق بها
اتفقوا على أنه بويع بالخلافة في شهر رمضان هذه السنة، وإنما اختلفوا في الوقت الذي بويع فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: في اليوم الذي استُشهد فيه أمير المؤمنين، قاله الواقدي.
والثاني: في الليلة التي دُفن فيها أمير المؤمنين.
والثالث: بعد وفاته بيومين، قاله ابنُ الكلبي.
وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة قال: امدد يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله، فكان ذلك يأتي على كل شرط، وبايعه الناس.
وفي رواية: أن قيس بن سعد قال له: وعلى قتال المخالفين، فقال له الحسن: كتاب الله وسنة رسوله يأتي على ذلك كله، فبايعه.
قلت: وولي الحسن الخلافة وسِنُّه ما بين الثلاثين إلى الأربعين، ولم يبلغ الأربعين؛ لأنه ولد في السنة الثالثة من الهجرة على ما ذكرنا، وقد اتفق لجماعة من الخلفاء مثل هذا؛ منهم: عبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد، وأخوه إبراهيم بن الوليد، وهشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، ومن بني العباس: السفّاح، والمهدي (١)، والهادي، والواثق، والمهتدي، والمعتضد، والقاهر، والمتقي، والمطيع، والطائع، كلُّ هؤلاء وَلوا الخلافة ولم يبلغوا الأربعين.
وقال الزهري: كان تحت يد قيس بن سعد سبعون ألفًا، وقيل: أربعون ألفًا، وهو الأصح لما نذكر.
وقال الواقدي: لما بويع الحسن خطب فقال:
стр. 2999
يا أهل العراق، لقد قتلتُم رجلًا ما سبقه مَن كان قبلَه، ولا يُدركه مَن يأتي بعده، قبضه الله في الليلة التي رفع فيها إليه عيسى بن مريم، وقُبض فيها يُوشَع بن نون، وأنزل الله فيها القرآن على محمد ﷺ (١). وأقام الحسن أيامًا يُفكّر في أمره.
وحكى ابن يونس (٢) عن الزهري، وذكر هشام: أن عليًّا ﵇ جعل قيس بن سعد على مُقَدّمة أهل العراق في أربعين ألفًا، وولّاه أذربيجان، فبينما قيس على ذلك استُشهد علي ﵇، واستخلف الحسن، وكان الحسن لا يُريد القتال، ولكن يريد أن يأخُذَ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يُوافقه على رأيه، فنزعه عن أَذْرَبيجان، وأمَّر عليها عُبيد الله بن عباس، ولما علم عُبيد الله بما في نفس الحسن كتب إلى معاوية يَطلب الأمان لنفسه، ولما أصاب من الأموال، فأجابه معاوية إلى ذلك.
وكتب ابن عباس إلى الحسن كتابًا يُعزّيه فيه بأمير المؤمنين، ويقول له: شَمِّر للحرب، وجاهد عدوَّك، واشتر مِن الظَّنين دينه بما لا يَثْلُم دينك، وولّ أهل البيوتات لتَستَصلِحَ به عشائرهم (٣).
وقال هشام: ولما بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين خطب فقال: إن الله أباح ابنَ أبي طالب مَن قتله؛ ببغيه وظُلمه وقطيعته لرَحمه، وقد وَلي مكانه ابنُه، وهو غِرّ حَدَث لا خِبرة له بالسياسة والحرب.
وقد كتب إلي مَن قِبَلُه يلتمسون الأمان، وكان ذلك مَكيدة من معاوية (٤).
وبلغ الحسن فكتب إلى معاوية: من الحسن بن علي أمير المؤمنين وابن أمير
стр. 3000
المؤمنين، إلى معاوية بن صخر، أما بعد، فإنك نَزَوتَ على هذا الأمر من غير سابقةٍ لك في الإسلام، ولا أثرٍ محمود في الدّين، فسفكتَ الدمَ الحرام، بقتل عثمان وأنت قتلته، وإني لأرجو أن أُلحِقَك به، وبلغني تَشفّيك بأمير المؤمنين، فإن الله اختار له دارَ أنبيائه، ومقرَّ أوليائه، وقد بايعني المهاجرون والأنصار وأشراف القبائل، وأنا سائر اليك بمئة ألف، قد بايعني منهم سبعون ألفًا -أو أربعون ألفًا- على الموت، حتى يَحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين.
وقال الواقدي: وأقام الحسن بالكوفة شهر شوال وذي القعدة، واجتمع إليه الرؤساء والأشراف وقالوا: سِر بنا إلى الشام.
وقيل: إنما أقام بالكوفة ستة أشهر، وقال له [قيس بن] سعد بن عُبادة: سِرْ بنا إلى قتال عدوِّنا، فنزل المدائن (١) بجيوشه، وبعث قيس بن سعد في مُقدّمته في اثني عشر ألفًا، وأقبل معاوية من الشام فنزل مَنْبج، وكتب إلى أشراف الكوفة، وبعث إليهم بالأموال، فخذلوا الحسن كما فعلوا بأبيه.
وسار قيس بن سعد حتى نزل بمَسْكِن على دُجَيل، والحسن نازل على المدائن في العسكر، فبينما الناس على هذا إذ نادى منادٍ: ألا إن قيس بن سعد قد قُتل، فانفروا فنَفروا، وكانت مَكيدة من معاوية، وهَجم جماعة على الحسن إلى سُرادِقه فنهبوا متاعَه، حتى نازعوه بِساطًا كان تحته، وطعنه رجل بمِشْقَص فأدماه، فذُعر منهم، ودخل المقصورة البيضاء التي بالمدائن.
والمِشْقَص -بالكسر- من النِّصال: ما طال وعرض.
قال هشام: وكان على المدائن من قِبل أمير المؤمنين سعدُ بنُ مسعود عمّ المختار بن أبي عُبيد، فقال له المختار وهو يومئذٍ غلام حدث: هل لك في أمرٍ تَسود به العرب،
стр. 3001
ويَحصل لك به الغنى والشَّرف؟ قال: وما هو؟ قال: تستوثق من الحسن (١)، وتُسلّمه إلى معاوية، فقال له سعد: لعنك الله، أَثِبُ على ابن بنت رسول الله ﷺ ، فأُوثِقُه وأُسْلِمُه إلى ابن هند، بئس الرَّجل أنا إن فعلتُ ذلك.
وفي رواية: فقال له سعد: يا مَلعون، ما هذا بلاؤهم عندنا أهل البيت.
وقد أخرج القصةَ ابنُ سعد، عن موسى بن إسماعيل بإسناده، عن ثابت بن زهير (٢) قال: لما أتى الحسن بن علي قصرَ المدائن قال المختار لعمّه: هل لك في أمرٍ تَسود به العرب؟ قال: وما هو؟ قال: تَدَعني أضربْ عُنُق هذا، وأذهب برأسه إلى معاوية، فقال: ما ذاك بلاؤهم عندنا أهل البيت.
وقال البلاذري: وبلغ الشيعة: ظبيان بن عُمارة التميمي، والحارث الأعور، وغيرهما، قول المختار، فقصدوه ليقتلوه، فنهاهم الحسن عن قتله.
وقال البلاذري: كان المختار عثمانيًّا؛ إلى أن بعث الحسين مسلمَ بنَ عَقيل إلى الكوفة، فجاء المختار فبايعه سرًّا (٣).
وقال البلاذري أيضًا: إن الحسن قبل وصوله المدائن نزل بساباط دون الجسر، وكان قد علم بواطنَ القوم، فقام فخطب وقال: إني لأرجو أن أكونَ أنصحَ خلقِ الله لهذه الأمة، وما أنا بمُحتمِلٍ على أحدٍ ضَغينة ولا حِقْدًا، ألا وإن الجماعة خيرٌ من الفرقة.
فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: خار والله وضَعُف، وقد عزم على الصُّلح، وشدُّوا على فُسطاطه فنهبوه، وشدَّ عليه عبد الرحمن بن أبي جِعال الأزدي، فنزع مِطرَفَه عن عاتقه.
стр. 3002
وانطلق الجَرَّاح بن سِنان -وكان يرى رأيَ الخوارج- فقعد له في مُظْلِمٍ ساباط، فلما جاء الحسن وثب إليه، فأخذ بلجام فرسه، وقال: أشركتَ يا حسن كما أشرك أبوك، ثم طعنه في فَخِذه بمِعْوَل، فشقَّ فخذه، وكاد أن يصل إلى العظم، فضربه الحسن في وجهه، واعتنقا وسقط الحسن إلى الأرض، ووَثب عبدل بن الحصل فنزع المعول من يد الجراح، ووثب ظبيان بن عُمارة التميمي على الجرّاح فقتله، وحمل سعد بن مسعود الحسنَ إلى أبيض المدائن، وجاء بطبيب فعالجه فبرئ (١).
وقال الواقدي: وكان معاوية قد كتب إلى الحسن سرًّا يسأله الصلح ويقول: لو لم أعلم أنك ما تقوم بهذا الأمر قيامي لسَلَّمتُه إليك، ولكني أشدُّ سياسةً منك، وأقدم تَجربة، وأكبر سنًّا، وأجمع للمال، وأرهب للعدو، وأرفق بالمسلمين منك، فإن سلَّمتَ إليَّ الأمر فلله علي أن لا تُنازَعه بعدي، وأنني لا أستبدُّ بأمرٍ يُراد به وَجه الله دونك، ولك جميع ما في بيت مال العراق بالغًا ما بلغ، ولك خراج أيّ الكُوَر شئت بسبب نَفقتك، والسلام.
فلم يجبه الحسن ظنًّا منه أن أهل العراق ينصرونه، فبعث الحسن بكتاب معاوية إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أَنشدُك الله في دماء هذه الأمة؛ أن تسفكها لتُصيبَ سلطانًا من الدنيا، عسى أن لا تُمتَّع به إلا قليلًا، وحرّضه على صُلْحِ معاوية.
فإن قيل: هذا يُخالف كتابه الأول، قلنا: لما بلغ ابن عباس أن معاوية قد كاتب أهل العراق، ووَعدهم بالولايات، وبعث إليهم بالأموال واستمالهم، وليس مع الحسن إلا قيس بن سعد، وأنه لا يقوم مقام أمير المؤمنين، فخاف أن يُسلموه إلى معاوية، وجرت هذه الكائنة على الحسن في ساباط المدائن، فتحقق الحال، وبعث إلى معاوية يسأله الصُّلْح، فقال له أخوه الحسين: يا أخي، أَنشدك الله أن تُصدِّق أُحدوثةَ معاوية، وتُكذّبَ أُحدوثةَ أبيك، فقال له: يا أخي ما ترى ما نحن فيه؟! والله ما ننتظر إلا أن
стр. 3003
يُسلمونا إلى معاوية برقابنا، فقال له الحسين وعبد الله بن جعفر وابن الحنفيّة: لا تكذّب أبانا في قبره، ققال: أنا أكبر منكم وأعرف بالأمر، قالوا: فافعل ما بدا لك.
وقال الهيثم: استدعى الحسنُ عبد الله بنَ جعفر وقال له: يا ابن العم، قد شاهدت ما جرى عليّ، وقد طالت الغَيبة فسُفِكَت الدّماء، وقُطّعت الأرحام، وأُخِيفَت السُّبُل، وتَعَطَّلَت الثُّغور، وقد عزمت على نزول المدينة، وأُخلّي بين معاوية وبين هذا الأمر، فقال: جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خيرًا، وأنا معك على هذا الحديث (١).
وقد أخرج ابن سعد بمعناه عن عمرو بن سلمة بن عَمِيرة الهَمْدَاني -ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، ممن روى عن علي ﵇، وكان شريفًا- قال ابن سعد: بعثه الحسن بن علي إلى معاوية مع محمد بن الأشعث بن قيس في الصُّلح بينه وبين معاوية، فلما رآه معاوية أعجبه ما رأى من جَهْره وفَصاحته وجِسمه، فقال له: أمُضَريٌّ أنت؟ قال: لا، ثم قال: [من الطويل]
إنّي لَمن قومٍ بنى الله مَجْدَهم … على كلِّ بادٍ في الأنامِ وحاضِرِ
من أبيات، ثم قال: أنا من هَمْدَان.
قال ابن سعد: وكان عمرو ثِقةً قليلَ الحديث (٢).
وبعث معاوية إلى الحسن عبد الله بنَ عامر وعبد الرحمن بنَ سَمُرة وقال: مَنِّياه وأعطِياه ما أراد، فقَدِما عليه المدائن، فأعطياه ما أراد، وكان في كتاب الصُّلْح:
هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان، أنني صالحتُه على أن الأمرَ له بعدي، وله علي عَهدُ الله ومِيثاقُه، وذِمَّةُ رسوله ﷺ ؛ أنني لا أَبغيه ولا أهل بيته مَكروهًا ولا غائلةً، وأن له ما في بيت المال بالكوفة؛ وهو خمسة آلاف ألفِ درهم، وأن لا أذكرَ عليًّا بسوء، وأن لا أعرض لأحدٍ من شيعته بسوء .... وذكر شروطًا كثيرة شرطها عليه الحسن، وأشهد عليه أعيانَ الناس: عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سَمُرة بن
стр. 3004
حبيب بن عبد شمس، وغيرهما (١).
واختلفوا؛ هل كان الصُّلح في هذه السنة، أم في سنة إحدى وأربعين؟ والأصح أنه في سنة إحدى وأربعين.
فنذكر من توفي في هذه السنة، وقد ذكرنا تراجمَ مَن توفّي فيها إلى حرف العين ترجمة علي ﵇، وقد بقيت ترجمتان: ترجمة كعب بن مالك، وترجمة لَبيد الشّاعر، فنذكرهما.
وفيها توفي
كعب بن مالك
ابن أبي كعب بن القَين بن كعب بن سَواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة، شاعر رسول الله ﷺ .
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من الأنصار من الخزرج، قال: وأُمُّه ليلى بنت زيد بن ثعلبة بن عُبيد، من بني سَلِمة (٢).
وكعب أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك، وتاب الله عليهم، وكُنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو بَشير.
وقال الواقدي: وكانت كُنيته في الجاهلية: أبو بشير، فكَناه رسول الله ﷺ أبا عبد الله، ولم يكن لأبيه مالك ولدٌ سواه (٣).
قال ابن سعد: شهد أُحدًا، والخندق، والمشاهدَ كلّها مع رسول الله ﷺ ما خلا بدرًا وتبوك.
стр. 3005
واختلفوا في شهوده بدرًا، فقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين الزبير بن العَوّام وبين كعب بن مالك، قال الزبير: فلقد رأيتُ كعبًا أصابته الجِراحة بأُحُد، فقلت: لو مات لَورِثْتُه، حتى نزلت هذه الآية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فصارت المواريث بَعْدُ إلى الأرحام والقرابات، وانقطعت تلك المواريث في المُؤاخاة.
ثم قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: وهذا عندنا ليس بثَبْتٍ، ولم يكن بعد بدر مُوارثة، وإنما جُرح كعب بن مالك بأُحُد بِضعةَ عشر جِراحة، وارتُثَّ، ولم يَشهد بدرًا (١).
وهو وَهْمٌ منه، ولا خِلاف أنه شهد العَقَبة مع السبعين من الأنصار.
وقال ابن أبي حاتم: كان من أهل الصُّفَّة (٢).
وهو الذي أرسله رسول الله ﷺ وأوس بنَ الحَدَثان فناديا في أيام التَّشْريق: إنها أيامُ أَكْل وشُرْب.
قلت: وقد أخرج حديثهما مُسلم، وفيه: أن رسول الله ﷺ أمرهما أن يُناديا أن: "لا يدخل الجنةَ إلا مؤمن" (٣).
وقال سفيان بن عُيينة: هو عَقَبي، وليس ببدريّ.
وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين الزبير، ويقال: بينه وبين طلحة بن عبيد الله.
قال: وكعب أوَّل مَن بَشَّر المسلمين بحياة رسول الله ﷺ يوم أُحد، وأعطى رسولَ الله ﷺ لَأمَته يوم أُحد -وكانت صفراء- فلَبِسها وقاتلَ فيها.
قال كعب: عرفتُ رسول الله ﷺ بعينيه وهما يَزْهَران من تحت المِغْفَر، ولم يعرفه
стр. 3006
غيري، فناديت: يا معاشر المسلمين، هذا رسول الله ﷺ ، فأومأ إليَّ: أن اسكُت، وقد ذكرناه في غَزاة أُحد.
وكان كعب شاعرًا مُفْلِقًا، قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ أتى كعبَ بن مالك على جَمل قد شنق له حتى بلغ رأس المَوْرِك، فقال: أين هو؟ فجاء من خلفه فقال: "هِيه"، فأنشده، فقال رسول الله ﷺ : "لَهو أشَدُّ عليهم من وَقْعِ النَّبْلِ" (١).
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، قد أنزل الله في الشعر ما أنزل، فكيف أصنع؟ فقال النبي ﷺ : "المؤمن يُجاهد بنَفْسه وبسيفه وبلسانه، والذي نفسي بيده، لكأنَّ ما تَرمونهم به نَضْحُ النَّبْل" (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لما حَضرتْ كعب بنَ مالك الوفاةُ أتَتْه أمُّ بِشر بن البَراء بن مَعْرور، فقالت: يا أبا عبد الرحمن، إن لَقيتَ ابني فلانًا فأقرئه مني السلام، فقال: يغفر الله لك يا أمَّ بِشر، لنحن أشغلُ من ذلك، فقالت: أما سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "إن أرواحَ المؤمنين طيرٌ خُضرٌ تَعْلُق من شجر الجنة"؟ قال: بلى، قالت: فهو ذاك (٣).
قلت: الحديث المشهور: "إن أرواح الشهداء" (٤)، وإنما وقع هذا الحديث كذا.
وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب بن مالك: أنه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَد الأَسلميّ مالٌ، فلَقيه فلَزِمه، فتكلّما حتى ارتفعتْ
стр. 3007
الأصواتُ، فمرّ بهما رسول الله ﷺ فقال: "يا كعب" وأشار بيده كأنه يقول النِّصف، فأخَذ نِصْفًا مما عليه، وترك نِصفًا (١).
قلت: وقد أخرجاه في الصحيحين (٢) بمعناه، وأن رسول الله ف ﷺ كان في بيته، وكانا في المسجد، فارتفعت أصواتُهما، فخرج رسول الله ﷺ إليهما فقال: "يا كعب، ضَعْ من دَينك الشطر"، قال: قد فعلتُ، فقال: "قم فاقْضِه".
وقال الواقدي: وَفَد كعب وحسان بن ثابت -وكانا عُثمانيَّيَن- على معاوية بعد قتل عثمان، فأعطى كلَّ واحدٍ منهما ألفَ دينار.
وحكى ابن سعد عن الواقدي: أن كعبًا ذهب بَصَرُه في آخر عمره (٣).
واختلفوا في وفاته، فقال عامّة المؤرّخين: إنه توفي في سنة أربعين، وحكى ابن سعد عن الواقدي: أنه تُوفّي في سنة خمسين في خلافة معاوية وهو ابن [سبعٍ و] سبعين سنة (٤).
ذكر أولاده:
قال ابن سعد: فوَلَد كعب بن مالك: عبد الله، وعُبيد الله، وفَضالة، ووَهبًا، ومَعْبَدًا، وخَوْلة، وسُعاد، وأمُّهم عميرة بنت جُبَير بن صَخْر بن أميَّة، من بني سَلِمة. وأم عُمر، تزوَّجها زياد بن عبد الله بن أنيس، حَليف بني سَواد. وعبد الرحمن، وأم قيس، تزوّجها عطية بن عبد الله بن أنيس، حَليف بني سواد، وأُمّهم أم وَلَد. ورَمْلَة، وأمُّها تُماضِر بنت مَعْقِل بن جُنْدب بن النَّضْر، من بني ثَعلبة بن سعد بن قيس. وسُمَيكَة، وكَبْشَة، وأمُّهما صَفِيّة من أهل اليمن. وصَفِيَّة لأُمّ وَلَد. وليلى وأمُّها أمُّ بِشر من جُهَينَة (٥).
أسند كعب الحديث عن رسول الله ﷺ ، أخرج له أحمد في "المسند" أربعة عشر
стр. 3008
حديثًا، منها حديث غزاة تبوك لما تخلّفوا عنها، وحديث ليلة العَقَبة، وقد ذكرناه، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث، المُتَّفق عليه منها ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين (١).
وروى عنه بنوه: محبد الله، وعُبيد الله، وعبد الرحمن بنو كعب، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وأبو أُمامة الباهليّ، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵇، وقيل: روى عنه ابنٌ له اسمُه محمد بن كعب (٢)، ولم يَذكره ابنُ سعد.
وليس في الصحابة مَن اسمُه كعب بن مالك سوى رجلين؛ أحدهما هذا، والثاني كعب بن مالك بن مَبْذُول، أبو هُبَيرَة (٣)، له صحبة وليس له رواية.
وفيها توفي
لَبيد بن ربيعة
ابن كِلاب بن مالك بن جعفر بن كِلاب (٤)، الشاعر العامري، وكُنيته أبو عَقيل، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من القبائل الذين أسلموا بعد الفتح (٥)، وقد ذكرنا أنه وفد على رسول الله ﷺ في سنة تسعٍ من الهجرة، فأسلم هو وقومه، ورجعوا إلى بلادهم، ولما مات رسول الله ﷺ نزل الكوفة.
قال ابن سعد بإسناده عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة
стр. 3009
وهو عاملُه على الكوفة: أن ادعُ مَن قِبَلِك من الشعراء، فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام، ثمّ اكتُب إليّ بذلك.
فدعاهم المغيرة، فقال للييد بن ربيعة: انشِدْني ما قلتَ من الشعر في الجاهلية والإسلام، فقال: قد أبدلني الله سورةَ البقرة، وسورة آل عمران، وقال للأَغْلَب العِجْلِيّ: أنشِدْني فقال: [من الرجز]
أَرَجَزًا تُريد أم قَصِيدا … لقد سألتَ هَيِّنًا مَوجودا
فكتب المغيرة إلى عمر بذلك، فكتب إليه: أن انقص الأغلب خمس مئة من عطائه، وزِدْها في عطاء لبيد، فرحل إليه الأغْلب فقال: يا أمير المؤمنين، أتَنقُصني وقد أطعتك؟! فكتب عمر إلى المغيرة: أن رُدَّ على الأغلب الخمس مئة، وأقْرِرها في عطاء لبيد (١).
وقال أبو عبيدة مَعْمَر: لم يقل لَبيد في الإسلام بعد ما أسلم إلا بيتًا واحدًا، وهو هذا: [من البسيط]
الحمدُ لله إذْ (٢) لم يَأتِني أَجَلي … حتى لَبِسْتُ من الإسلامِ سِرْبالا
وقال عمر بن شَبَّة: كان لبيد من أجواد العرب، وكان قد آلى أن [لا] تَهُبَّ الصَّبا إلا أطعم، وكان له جَفْنتان يُغْدا بهما ويُراح في كلِّ يومٍ على مسجد قومه، فهَبَّت الصَّبا يومًا -والوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيط عامل عثمان على الكوفة، فصَعد الوليد المنبر وقال: إن أخاكم لَبيد بنَ ربيعة نَذر في الجاهلية أن لا تَهُبَّ الصَّبا إلا أطعم، وهذا يومٌ قد هَبَّت فيه الصَّبا، فأعينوه، وأنا أوّل مَن فعل ذلك، ثم نزل عن المنبر، وأرسل إلى لبيد بمئة ناقة، وكتب إليه الوليد هذه الأبيات: [من الوافر]
أرى الجَزَّارَ يَشْحَذُ شَفْرَتَيهِ … إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلِ
стр. 3010
أَشَمُّ الأَنْفِ أَصْيَدُ عامِريٌّ … طَويلُ الباعِ كالسَّيفِ الصَّقيلِ
فقال لبيد لابنته: أجيبيه، وكان لبيد قاصرًا في الجواب (١)، فقالت: [من الوافر]
إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلٍ … دَعونا عند هَبَّتِها الوَليدا
أَشَمَّ الأَنْفِ أرْوَعَ عَبْشَمِيًّا … أعانَ على مُروءتِهِ لَبيدا
بأمثالِ الهِضابِ كأنَّ رَكْبًا … عليهما من بني حامٍ قُعودا
أبا وَهْبٍ جَزاكَ اللهُ خَيرًا … نَحَرْناها وأَطَعْمنا الثَّرِيدا
فعُدْ إنّ الكَريمَ له مَعادٌ … وظَنِّي يا ابنَ أَرْوى أن تَعودا
قال لها لَبيد: أحسنتِ؛ لولا أنّك استَطعَمتيه بقولك: أن تَعودا، فقالت: إن الملوك لا يُستحيا من مَسْألَتهم، فقال: يا بُنيّة، وأنت في هذا أشعر (٢).
قلت: وهذا الوليد هو الذي أنزل الله فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ﴾ الآية (٣) [الحجرات: ٦]، وجَلده علي ﵇ في الخمر.
واختلفوا في وفاته، فقال ابن سعد بإسناده عن عبد الملك بن عُمير (٤) قال: مات لَبيد بن رَبيعة ليلةَ نزل معاوية النُّخَيلَة لمُصالحة الحسن بن علي.
وفي رواية ابن سعد: ودُفن في صحراء بني [جعفر بن] كِلاب، وكان قد هاجر إلى الكوفة، ودُفن في هذا المكان.
وقيل: مات سنة إحدى وأربعين، والأوّل أصحّ.
واختلفوا في سِنِّه على أقوال؛ أحدها: أنه عاش عشرين ومئة سنة، والثاني: مئة وسبعًا وخمسين سنة، والثالث: ثلاثين ومئة سنة (٥).
وحكى ابن سعد عن هشام، عن جعفر بن كِلاب، عن أشياخه قالوا: لما حُضِرَ لَبيد
стр. 3011
دخل عليه أشياخُ بني جعفر وشُبَّانهم، فقال: ابْكُوا عليَّ حتى أسمع، فقال شابٌّ منهم: [من الطويل]
لِتَبْكِ لَبِيدًا كلُّ قِدْرٍ وجَفْنَةٍ … وتبكي الصَّبا مَن بادَ وهو فَقِيدُ (١)
فقال: أحسنتَ يا ابن أخي، زِدْني، فقال: ما عندي غَيرُ هذا البيت. فقال لَبيد: ما أسرع ما أكْدَيتَ.
قال ابن سعد: وقال هشام: كان للَبيد بالكوفة بَنون، فرجعوا كلّهم إلى البادية أعرابًا (٢).
وليس في الصحابة مَن اسمُه لَبيد بن ربيعة غيره، فأما لَبيد غيرُ ابنِ ربيعة فاثنان:
لَبيد بن سَهْل الأنصاري، وهو الذي نُسبت إليه السَّرِقة في قصة بني أُبَيرِق، وقد ذكرناه في السيرة.
والثاني: لَبيد بن عُقبة بن نافع، أبو محمود (٣).
وهؤلاء الثلاثة لهم صُحبة، وليست لهم رواية.
* * *
стр. 3012
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
تصنيف
شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله
المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ)
الجزء السابع
[٤١ - ٥٩ هـ]
حقق هذا الجزء وعلق عليه
محمد رضوان عرقسوسي
стр. 3013
النسخ الخطية المعتمدة في الأجزاء الخمسة الآتية ذات السنوات (41 - 132 هـ) :
١ - نسخة الخزائنية، ورمزها (خ)، وتتألف من أربعة أجزاء:
أ- من سنة (٣٠) إلى سنة (٥٠ هـ).
ب- من سنة (٥٠) إلى سنة (٧٣ هـ).
جـ - من سنة (٧٤) إلى سنة (١١١ هـ).
د - من سنة (١١١) إلى سنة (١٧٩ هـ).
٢ - نسخة باريس، مصورة من مجمع اللغة العربية بدمشق، ورمزُها (ب)، وفيها سنة (٥٠) إلى سنة (٨٩ هـ)، ومن سنة (٩٦) إلى سنة (١٤٩ هـ).
٣ - نسخة أحمد الثالث، ورمزها (أ)، وفيها من سنة (٦٥) إلى سنة (٩٢ هـ).
٤ - نسخة أحمد الثالث (نسخة أخرى)، ورمزها (د)، وفيها من سنة (٦٩) إلى سنة (١٠١ هـ).
٥ - نسخة أياصوفيا، ورمزها (ص)، من سنة (٦٦) إلى سنة (١٣١ هـ).
٦ - نسخة مجهولة المصدر، ورمزها (م)، من سنة (٤١) إلى سنة (٨٠ هـ).
وينظر الوصف المفصَّل لهذه النسخ في مقدمة الكتاب.
- والأجزاء (٧ - ٨ - ٩ - ١٠ - ١١) حققها محمد رضوان عرقسوسي ما عدا السنوات (٧٦ - ١٠٠ هـ) فقد قام بتحقيقها عمار ريحاوي.
стр. 3014
السنة الحادية والأَربعون
فيها سلَّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية، ووَقَع الصُّلْحُ، وتسلَّم معاوية الكوفة والدنيا.
قلتُ: ومن العجائب أن كلَّ سادسٍ قامَ بأَمرِ المسلمين من الخُلفاءِ لا بُدَّ أن يُخْلَع أو يَهْلِك بسببٍ، فأَوَّلُ من قام بالأَمرِ محمدٌ رسولُ الله ﷺ ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم الحسنُ بن علي وهو السادس، فخُلع من الخلافة.
ثم ولي معاويةُ، ثم يزيد، ثم معاويةُ بنُ يزيد، ثم مروان بن الحَكَم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم عبد الله بن الزبير، فخُلع وقُتِل.
ثم وليَ الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو السادسُ، فخُلع وقُتِل، ولم ينتظم لبني أُميَّة بعدُ أَمرٌ.
ثم قام بنو العباس: فأوَّلُهم السفَّاح، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأَمين، فخُلع وقُتِل، وهو السادس.
ثم وَلِيَ المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكِّلُ، ثم المُنتصر، ثم المُستعين، وهو السادسُ فخُلع وقُتِل.
ولا يلزم أن يتخلَّلَ بين السادسِ والسادسِ مخلوعٌ أو مقتولٌ، فإن المتوكل قُتِل.
ثم قام بعد المستعينِ المعتزُّ (١)، ثم المهتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر، وهو السادسُ، فخُلع مرَّتَين، ثم قُتل.
ثم وَليَ القاهرُ، ثم الراضي، ثم المُتَّقي، ثم المستكفي، ثم المُطيع، ثم الطائع، وهو السادس، فخَلَعَ نَفْسَه.
ثم وليَ القادر، ثم القائم، ثم المقتدي، ثم المستظهر، ثم المسترشد، ثم الراشد، وهو السادس، فخُلع وقُتِل.
стр. 3015
ثم وَليَ المُقتفي، ثم المستنجد (١)، ثم المُستضيء، ثم الناصر، ثم الظاهر، ثم المستنصر، وهو السادسُ، ولم يُخلع ولم يُقْتَلْ، وقيل: إنه سُمَّ، فهلك بسبب [ذلك] (٢).
وحكى الزُّهريُّ عن أشياخه قال (٣): ولَمَّا بايع أَهلُ العراق الحسنَ؛ طَفِق يقول: أَشترطُ عليكم أنكم سامعون مطيعون؛ تُسالمون مَنْ سالمتُ، وتُحاربون من حارَبْتُ.
فارتابَ الناسُ لَمَّا سمعوا منه هذا، وقالوا: ليس هذا من رجالِ الحَرْب.
ثم لم يلبث الحسنُ إلا قليلًا حتى طعنوه، فنفر منهم، وبعث إلى معاوية واتفقا على يد ابنِ عامر وسَمُرةَ على ما بيَّنَّا.
ثم خرج الحسنُ من المدائن، وسار معاوية من الشام، فالتقيا بمَسْكِن -بكسر الكاف من أَرضِ العراقِ على نهر دُجَيل قريبًا من أَوانا عند دَير الجاثَلِيق (٤)، وفي هذا المكان قُتل مصعب بن الزبير، فاجتمعا به- وسلَّم الحسنُ إليه الأَمرَ، وذلك لخمسٍ بقين من ربيعِ الأَوَّلِ سنةَ إِحدى وأَربعين، ويُسمَّى عامَ الجماعة، فكانت خلافتُه ستَّة أَشهرٍ إلا أَيَّامًا.
وقال الموفَّقُ ﵀ (٥) في ترجمةِ الحسنِ بعد أَن أَثنى عليه ثناءً كثيرًا، ثم قال: لَمَّا توفي عليٌّ ﵁، بايع الحسنَ أَكثرُ من أَربعين أَلفًا، وكانوا أَطوعَ له وأحبَّ له منهم