← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

دخل عليه أشياخُ بني جعفر وشُبَّانهم، فقال: ابْكُوا عليَّ حتى أسمع، فقال شابٌّ منهم: [من الطويل] لِتَبْكِ لَبِيدًا كلُّ قِدْرٍ وجَفْنَةٍ … وتبكي الصَّبا مَن بادَ وهو فَقِيدُ (١) فقال: أحسنتَ يا ابن أخي، زِدْني، فقال: ما عندي غَيرُ هذا البيت. فقال لَبيد: ما أسرع ما أكْدَيتَ. قال ابن سعد: وقال هشام: كان للَبيد بالكوفة بَنون، فرجعوا كلّهم إلى البادية أعرابًا (٢). وليس في الصحابة مَن اسمُه لَبيد بن ربيعة غيره، فأما لَبيد غيرُ ابنِ ربيعة فاثنان: لَبيد بن سَهْل الأنصاري، وهو الذي نُسبت إليه السَّرِقة في قصة بني أُبَيرِق، وقد ذكرناه في السيرة. والثاني: لَبيد بن عُقبة بن نافع، أبو محمود (٣). وهؤلاء الثلاثة لهم صُحبة، وليست لهم رواية. * * *

стр. 3012

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء السابع [٤١ - ٥٩ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد رضوان عرقسوسي

стр. 3013

النسخ الخطية المعتمدة في الأجزاء الخمسة الآتية ذات السنوات (41 - 132 هـ) : ١ - نسخة الخزائنية، ورمزها (خ)، وتتألف من أربعة أجزاء: أ- من سنة (٣٠) إلى سنة (٥٠ هـ). ب- من سنة (٥٠) إلى سنة (٧٣ هـ). جـ - من سنة (٧٤) إلى سنة (١١١ هـ). د - من سنة (١١١) إلى سنة (١٧٩ هـ). ٢ - نسخة باريس، مصورة من مجمع اللغة العربية بدمشق، ورمزُها (ب)، وفيها سنة (٥٠) إلى سنة (٨٩ هـ)، ومن سنة (٩٦) إلى سنة (١٤٩ هـ). ٣ - نسخة أحمد الثالث، ورمزها (أ)، وفيها من سنة (٦٥) إلى سنة (٩٢ هـ). ٤ - نسخة أحمد الثالث (نسخة أخرى)، ورمزها (د)، وفيها من سنة (٦٩) إلى سنة (١٠١ هـ). ٥ - نسخة أياصوفيا، ورمزها (ص)، من سنة (٦٦) إلى سنة (١٣١ هـ). ٦ - نسخة مجهولة المصدر، ورمزها (م)، من سنة (٤١) إلى سنة (٨٠ هـ). وينظر الوصف المفصَّل لهذه النسخ في مقدمة الكتاب. - والأجزاء (٧ - ٨ - ٩ - ١٠ - ١١) حققها محمد رضوان عرقسوسي ما عدا السنوات (٧٦ - ١٠٠ هـ) فقد قام بتحقيقها عمار ريحاوي.

стр. 3014

السنة الحادية والأَربعون فيها سلَّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية، ووَقَع الصُّلْحُ، وتسلَّم معاوية الكوفة والدنيا. قلتُ: ومن العجائب أن كلَّ سادسٍ قامَ بأَمرِ المسلمين من الخُلفاءِ لا بُدَّ أن يُخْلَع أو يَهْلِك بسببٍ، فأَوَّلُ من قام بالأَمرِ محمدٌ رسولُ الله ﷺ ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم الحسنُ بن علي وهو السادس، فخُلع من الخلافة. ثم ولي معاويةُ، ثم يزيد، ثم معاويةُ بنُ يزيد، ثم مروان بن الحَكَم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم عبد الله بن الزبير، فخُلع وقُتِل. ثم وليَ الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو السادسُ، فخُلع وقُتِل، ولم ينتظم لبني أُميَّة بعدُ أَمرٌ. ثم قام بنو العباس: فأوَّلُهم السفَّاح، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأَمين، فخُلع وقُتِل، وهو السادس. ثم وَلِيَ المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكِّلُ، ثم المُنتصر، ثم المُستعين، وهو السادسُ فخُلع وقُتِل. ولا يلزم أن يتخلَّلَ بين السادسِ والسادسِ مخلوعٌ أو مقتولٌ، فإن المتوكل قُتِل. ثم قام بعد المستعينِ المعتزُّ (١)، ثم المهتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر، وهو السادسُ، فخُلع مرَّتَين، ثم قُتل. ثم وَليَ القاهرُ، ثم الراضي، ثم المُتَّقي، ثم المستكفي، ثم المُطيع، ثم الطائع، وهو السادس، فخَلَعَ نَفْسَه. ثم وليَ القادر، ثم القائم، ثم المقتدي، ثم المستظهر، ثم المسترشد، ثم الراشد، وهو السادس، فخُلع وقُتِل.

стр. 3015

ثم وَليَ المُقتفي، ثم المستنجد (١)، ثم المُستضيء، ثم الناصر، ثم الظاهر، ثم المستنصر، وهو السادسُ، ولم يُخلع ولم يُقْتَلْ، وقيل: إنه سُمَّ، فهلك بسبب [ذلك] (٢). وحكى الزُّهريُّ عن أشياخه قال (٣): ولَمَّا بايع أَهلُ العراق الحسنَ؛ طَفِق يقول: أَشترطُ عليكم أنكم سامعون مطيعون؛ تُسالمون مَنْ سالمتُ، وتُحاربون من حارَبْتُ. فارتابَ الناسُ لَمَّا سمعوا منه هذا، وقالوا: ليس هذا من رجالِ الحَرْب. ثم لم يلبث الحسنُ إلا قليلًا حتى طعنوه، فنفر منهم، وبعث إلى معاوية واتفقا على يد ابنِ عامر وسَمُرةَ على ما بيَّنَّا. ثم خرج الحسنُ من المدائن، وسار معاوية من الشام، فالتقيا بمَسْكِن -بكسر الكاف من أَرضِ العراقِ على نهر دُجَيل قريبًا من أَوانا عند دَير الجاثَلِيق (٤)، وفي هذا المكان قُتل مصعب بن الزبير، فاجتمعا به- وسلَّم الحسنُ إليه الأَمرَ، وذلك لخمسٍ بقين من ربيعِ الأَوَّلِ سنةَ إِحدى وأَربعين، ويُسمَّى عامَ الجماعة، فكانت خلافتُه ستَّة أَشهرٍ إلا أَيَّامًا. وقال الموفَّقُ ﵀ (٥) في ترجمةِ الحسنِ بعد أَن أَثنى عليه ثناءً كثيرًا، ثم قال: لَمَّا توفي عليٌّ ﵁، بايع الحسنَ أَكثرُ من أَربعين أَلفًا، وكانوا أَطوعَ له وأحبَّ له منهم

стр. 3016

لأَبيه، فبقي نحوًا من سبعة أشهر خليفةً بالعراق وما وراءَها من خُراسان، ثم سار إليه معاويةُ، وسار هو للقائه. فلما تراءى الجمعانِ بمَسْكِن من أرض السَّواد؛ علمَ أَنَّه لن تَغْلِبَ إِحدى الفئتين حتى تهلك أكثر الأخرى، فكتب إلى معاويةَ يُخبره بأن يصير الأمرُ إليه على أن يشترطَ عليه أَن لا يطلبَ أحدًا من أهلِ العراق والحجاز والمدينة بشيء كان في زمان أبيه، وأَن يكون الأَمرُ له بعده، فأجابه معاويةُ إلى ذلك، وكاد أن يطير فَرَحًا، وبعث إليه معاويةُ بِرَقٍّ أبيضَ وقال: اكتب فيه ما شِئْتَ وأنا ألتَزمُه. فاصطلحا في النصفِ الأول من جُمادى الأول. هذا قول الموفَّق. وأَما يونس بنُ عبد الله؛ فحكى عن الزُّهريّ -وقد حكى الطبريُّ طرفًا منه (١) - قال: بعث معاويةُ إلى الحسن بصحيفةٍ بيضاءَ، مختومٍ على أَسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي بها أَسفلَها ما شئتَ فهو لك، فاشترَطَ الحسنُ أَضعافَ الشروطِ التي سأَل معاويةَ قبل ذلك وأمسكها عنده، وأمسك معاويةُ صحيفةَ الحسن عنده التي كتب إليه يسأله بما (٢) فيها، فلما التقى الحسنُ ومعاويةُ سأله الحسنُ أنْ يعطيَه [الشروط] (٣) التي في السجلّ الذي ختم معاويةُ في أسفله، فأبى معاويةُ أن يُعطيَه ذلك (٤) وقال: إنَما أُعطيك ما كنتَ (٥) تسألُني، وقد أعطيتُك حين جاءني كتابُك. فقال الحسن: وأنا قد اشترطتُ حين جاءني سِجِلُّك، وقد أَعطيتَني الوفاءَ بما فيه. فاختلفا في ذلك، فلم يُنْفِذْ معاويةُ للحسن من الشروط شيئًا. قال الزُّهري: ولا معنى لختم معاوية على أسفل الصحيفة البيضاء إلا مكايدةَ الحسن ومخادعتَه ومغالطتَه.

стр. 3017

وقيل: معناه اشترط في البياض ولا تتعَدَّ الخَتْمَ. وكتب الحسنُ إلى قيس بن سعد -وكان في مقدّمته في اثني عشر ألفًا- بأَن يدخلَ في الصلح مع معاوية، فأبَى، وانصرفَ قيس ولم يبايعْ، واعتزلَ الفريقين. وحكى البلاذري (١) أن سليمان بنَ صُرَد الخُزاعي قال للحسن: ما ينقضي تَعجُّبُنا منك وبيعتك لمعاويةَ (٢) ومعك أَربعون أَلف مُقاتل من أهل الكوفة؟ وكلُّهم على أَبوابِ منازلهم، ومعهم مثلُهم من أبنائهم ومواليهم وأَهاليهم سوى شيعتك من أهلِ البصرة والحجاز، فلو كنتَ أَخَذْتَ لنفسك بالوثيقة وأَشهدتَ على معاويةَ وُجوه الناسِ من أَهلِ المشرقِ والمغرب، وكتبتَ عليه كتابًا أَنَّ الأمر لكَ بعده؛ لهان الأَمرُ علينا، ولكنك صالحتَه فيما بينكما، فأَعطاك شيئًا طفيفًا، ثم لا يفي لك به، فإن أمرتَ أخْرَجْنا عامِلَه من الكوفة، وأَعَدْنا الحَرْبَ جَذَعةً (٣). فقال له الحسنُ: أَما رأَيتَ ما جَرى عليَّ؟! واعتذر بذلك. وقال أَبو اليقظان: قامَ الحسنُ خطيبًا بالنُّخَيلة (٤) فقال: أَيُّها الناسُ، إِنَّ هذا الأَمرَ الذي اختلفتُ فيه أَنا ومعاويةُ إِنَما هو حقٌّ لي تركتُه إرادةً لإصلاحِ هذه الأُمةِ وحَقْنًا لدمائِها، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]. فكانوا يُرَوْنَ أنَّه تأَوَّل الحديث. قلت: والحديثُ الذي تأَوَّله أخرجه البخاريُّ (٥)؛ قال البخاري بإِسناده إلى الحسن البصري قال: استقبلَ واللهِ الحسنُ بنُ علي معاويةَ بكتائب أَمثالِ الجبالِ، فقال عمرو بنُ العاص: إني واللهِ لأَرى كتائبَ لا تُولِّي حتى تَقتُلَ أقرانَها، فقال له معاوية -وكان خيرَ الرجلين-: أي عَمرو، أَرأَيتَ إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاءِ هؤلاء، فمَنْ لي

стр. 3018

بأُمورِ المسلمين؟ مَنْ لي بنسائهم؟ مَنْ لي بضَعيفهم (١)؛ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: سَمُرةَ وعبد الله بن عامر، وقال: اذهبا إِلى هذا الرجل فاعرِضا عليه، وقولا له، واطلبا إِليه. فأَتَياه وكلَّماه، فقال الحسنُ: إنَّا بنو عبد المطلب قد أصَبْنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأُمَّةَ قد عاثت في دمائها. قالا: فإِنه يعرِضُ عليكَ كذا وكذا، ويطلب منك -أو: إليك- ويسألك، قال: فمَنْ لي بهذا الأمر؟ فقالا: نحنُ لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه (٢). قال الحسن البصريّ: ولقد سمعتُ أَبا بكرةَ يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه على المنبر والحسنُ بن علي إِلى جانبه وهو يُقبِلُ على الناسِ بوَجْههِ مرَّةً وعلى الحسنِ أُخرى ويقول: "إنَّ ابني هذا سيِّد وسيُصلح الله به -أَو: لعلَّ الله أن يُصلح به- بين فئتين عظيمتين من المسلمين". انفرد بإخراجه البخاري. قلتُ: وقد أَخرج أحمدُ في "المسندِ" معناه (٣)؛ قال: حدثنا هاشم بإِسناده إِلى أبي بَكْرة (٤) قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه يُصلّي [بالناس]، وكان الحسنُ بن عليّ يثبُ على ظهرهِ إذا سجد، ففعل ذلك غير مرَّة، فقالوا: واللهِ إنك تفعلُ (٥) بهذا أَشياءَ ما رأَيناكَ تفعلها بأحد! فقال: "إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيُصلحُ اللهُ به بين فئتينِ عظيمتينِ من المسلمين". قال الحسنُ البصريّ: فواللهِ بعد أَن وَلِيَ لم يُهْرَقْ في خلافته مِلْءُ مِحْجَمةِ دم (٦). وقال أحمد بإِسناده عن سفينة -وأَخرجه في "الفضائل" أيضًا عن سفينة (٧) - قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون (٨)، ثم تصير مُلْكًا بعد ذلك".

стр. 3019

وفي رواية "الفضائل": قال لي سفينةُ: فنظرنا فإذا خلافة أَبي بكر سنتان وأَشهر، وعمر عشر سنين وأشهر، وعثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافةُ علي والحسن ستُّ سنين (١). قال الحسنُ البصريّ: وقيل: إنه قولُ أَبي بكرةَ. فكان فِعْلُ الحسنِ نَظَرًا لهذه الأُمَّةِ. قال الحسن: وهذا الحديث من مُعجزاتِ رسولِ الله صلى الله عليه لأنه جاء كما قال (٢). وقال الواقدي: قيل للحسن: لِمَ تركْتَ خلافتَك وشَرَفَك [وحقَّك] (٣)، وسلَّمتَه إلى طليق بن طليق؟! فقال: اخترتُ العارَ على النارِ. وقال الهيثم: خطب الحسنُ بالنُّخَيلة وقال: ما بَينَ جابَرْسا وجابَلْقا [أحدٌ] جَدُّهُ نبيٌّ غيري وغير أخي الحسين، وقد رأيتُ حَقْنَ دماءِ أُمةِ محمدٍ ﷺ . جابَرْسا: مدينةٌ بالمَشْرق. وجابَلْقا (٤) بالمغرب (٥). واختلفوا في دخول معاوية الكوفةَ على قولَين: أحدهما: في غُرَّة جُمادى الأُولى سنة إِحدى وأَربعين. والثاني: لخمس بقين من ربيع الأوَّل، وسلَّمها الحسنُ إِليه (٦). قال علماء السِّيَر: وأَقامَ الحسنُ بظاهر الكوفة يتجهَّزُ، ويُداوي جراحتَه التي جُرِحَها بساباط المدائن، وخرج إِليه أَهلُ الكوفة، فقال لهم الحسن: اتقوا الله في جيرانكم وأَهل بيتِ نبيِّكم. فبكى القومُ (٧).

стр. 3020

ثم رحل الحسنُ عن الكوفةِ في عاشر جُمادى الأُولى في هذه السنةِ بإخوتهِ وبني عمِّه وحَشمِه وخَدَمِه وأَثقالِه، وخرج أَهلُ الكوفة يبكون ويتألَّمون لفراقه، وكان يومًا مشهودًا. وقال البلاذريُّ (١): وشيَّعه معاويةُ إلى قنطرة الحيرة. وقال الطبري (٢): تلقّاه ناسٌ بالقادسية فقالوا: يا مُذِلَّ العرب. وقال الخطيبُ في "تاريخه" بإِسناده إِلى أَبِي الغريف قال (٣): كُنَّا على مقدِّمة الحسن بن علي في اثني عشر أَلفًا بمَسْكِن مستميتين من الجدِّ على قتالِ أَهلِ الشام، وعلينا أَبو العَمرَّطة (٤)، فلما جاءَنا صلحُ الحسن؛ كأَنَّما كُسِرت ظهورُنا من الغيظ، فلما قَدِمَ الحسنُ الكوفةَ؛ قال له رجلٌ منَّا يقال له: أبو عامر بن الليل (٥): السلام عليك يا مُذِلَّ العربِ -أو: المؤمنين (٦) - فقال له: لا تَقُل ذلك يا أبا عامر، لستُ بِمُذِلِّ المؤمنين، ولكني كرِهتُ أن أقتلهم على المُلك. وقال أبو اليقظان: لَمَّا نزلَ الثعلبية؛ جاءه قومٌ فقالوا: يا مُذِلَّ بني هاشم، يا مُسَوِّدَ وجوه المؤمنين (٧) وهو يبكي، وإخوته وأَهلُه يبكون. وقال شام بن محمد عن أبيه: ولَمَّا رجع معاويةُ من وداعِ الحسن، أَمَرَ معاويةَ بن حُدَيج (٨) أَن يجمع أَشرافَ أهل الكوفة، فجمعهم، فقال لهم معاوية: بايعوني على

стр. 3021

البراءة (١) من أبي تُراب. فقال له رجل: لا سمعَ لك ولا طاعة، وهل نَشَفَ الكتابُ بينك وبين أبي محمد (٢) بَعْدُ؟!. وفي رواية: فقال له الرجل: لا، بل نُطيع أَحياءَكم، ولا نتبرَّأُ من موتاكم. فأُعجِبَ معاويةُ بكلامه وسكت. ولَمَّا قَدِمَ معاويةُ إِلى العراق أَقْدَمَ معه معاويةَ بنَ حُدَيج (٣)، وجرت للحسنِ معه واقعة؛ حكاها أبو الحسن المدائني؛ قال: لَمَّا قَدِمَ معاويةُ الكوفةَ كان معه ابنُ حُدَيج، فرآه الحسن فقال: وَيحَكَ يا ابن حُدَيج! أنت قاتلُ الرجل الصالح محمد بن أبي بكر، وشاتمُ أَميرِ المؤمنين عندَ (٤) ابنِ آكلةِ الأَكباد! أَمَا واللهِ لئن وَرَدْتَ الحوضَ -ولن تَرِدَه- لتجدَنَّ أَميرَ المؤمنين مُشَمِّرًا عن ساعِدَيه، يذودُ عنه المنافقين مثلك -أو أَمثالك- فسكت ابنُ حُدَيج.

стр. 3022

فصل في ذِكْرِ بني أُمية الباب الأول: في ذكر معاوية بن أبي سفيان صخر (١) بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ. وكنيتُه أبو عبد الله (٢). وهو من مُسْلِمةِ الفتح، وأُمُّه هِنْد بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكانت عند الفاكهِ بن المغيرة المخزويِّ، فاتَّهمها، وخرجا إلى الكاهنِ، فبرَّأَها، وقد ذكرنا القصَّة في سنة أربعَ عشرةَ. ذِكْرُ إسلامِه: حكى ابنُ سعد عن الواقديِّ، عن أشياخه عن معاويةَ قال: لَمَّا كان يومُ الحديبية، وصدَّت قريشٌ رسول الله ﷺ عن البيت، ودافعوه بالرَّاح، وكتبوا بينهم وبينه القَضِيَّةَ، وقع الإِسلامُ في قلبي، فذكرتُ ذلك لأُمِّي، فقالت: إياك أن تُخالِفَ أَباكَ، وأَن تقطعَ أمرًا دونَه، فيقطع عنك القوتَ. قال: وكان يومئذٍ [غائبًا] في سوق عُكاظ، أَو سوق حُباشة. قال: فأسلمتُ وأخفيتُ إسلامي، فواللهِ لقد رحلَ رسولُ اللهِ ﷺ من الحُديبية، وإني لَمُصَدِّقٌ به، وإني على ذلك أَكتُمُه من أبي. ودخل رسولُ الله ﷺ عام القضيَّةِ مكَّةَ وأنا مسلم، وعلم أَبِي بإِسلامي، فقال لي يومًا: لكنْ أخوك خيرٌ منك، هو على ديني. فلما كان يومُ الفتح ودخلَ رسولُ الله ﷺ مكةَ؛ لقيتُه، فأَظهرتُ إسلامي، فرحَّبَ بي وكتبتُ له (٣). قال الواقدي: وكان له يومَ أسلمَ عشرون سنة. وقيل: ثماني عشرة.

стр. 3023

ذكرُ صفته: قال علماء السِّيَر: كان أبيضَ طُوالًا، إذا ضَحِك انقلبت شَفتُه العليا، وكان يُغيِّرُ شَيبَه بالحِنَّاءِ والكَتَم (١). ذكر ولايته: قد ذكرنا فيما تقدَّم أن أمير المؤمنين كان يُدعى بالعراق بأميرِ المؤمنين، وأن معاويةَ كان يُدعى بالشام بالأمير، إلى أن عاد عمرو بنُ العاصِ من التحكيم، فخاطبه بإمرة المؤمنين، ولم يوافِقْه إلَّا القليل من الناس، وكانوا يقولون: الأمير. إلى أن بايعه الحسنُ في هذه السنة، فخوطب بأمير المؤمنين. وفيها وُلد علي بن عبد الله بن العباس. وقال الواقدي: إنما وُلد في سنة أربعين في الليلة التي استشهد فيها أمير المؤمنين. واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة، فحكى الخطيب (٢) أنه حجَّ بالناس عتبة ابن أبي سفيان. وقال الواقدي: عنبسة بن أبي سفيان (٣). وفيها توفي رُكانةُ بن عبد يزيد ابن هاشم بن المُطَّلب، وأُمُّه العجلة بنت العجلان. قال الزُّبير بن بكَّار: كان رُكانةُ من أشدِّ الناس، فقال لرسولِ الله ﷺ : يا محمد، إذا صرعتَني آمنتُ بك. فصرعه رسولُ الله ﷺ فقال: أَشهدُ أَنك ساحر (٤). وهل صارعه في الجاهليةِ أَو في الإسلام؟ فيه قولان.

стр. 3024

ثم أسلم، ونزل المدينة، فمات بها في هذه السنة. وليس في الصحابة من اسمهُ رُكانة بن عبد يزيد غيره. وقيل: فيهم آخر يقال له: أَبو محمد، وقيل: هو الأول. ولرُكانة صحبة ورواية. انتهت ترجمته، والله أعلم. السنة الثانية والأربعون فيها ولَّى معاويةُ بنُ أبي سفيان مروانَ بنَ الحكم المدينةَ، فاستقضى مروانُ عبدَ الله بن الحارث بن نوفل. وفيها وُلد الحجَّاجُ بنُ يوسف الثقفي. وفيها تحرَّكت الخوارجُ الذين بقُوا من يوم النهر، وكان عليهم حيَّان (١) بن ظَبْيان السُّلَمي، فالتجؤوا إلى الرّيِّ في خمس مئة، وقيل: في أربع مئة، وكان فيهم جماعةٌ من أعيانهم؛ منهم: سالم بن ربيعة العبسيّ. قال أبو مِخْنَف عن أشياخه (٢): فلما بلغهم قَتْلُ عليّ ﵇؛ قام سالم بن ربيعة فيهم خَطيبًا فقال: أَيها الإخوان، إنَّه قد بلغني أنَّ أخاكم ابنَ مُلْجم جلس عند أغباشِ (٣) الصُّبح عند السُّدَّةَ (٤)، فلما خرج ابن أَبِي طالب لصلاة الصبح؛ شدَّ عليه، فعلاه بالسيف، فلم يَبْقَ غير ليلتين حتى مات، فأخذوا يحمدون الله على قَتْلهِ، فقال لهم حيَّان بن ظَبْيان: انصرفوابنا إلى مِصْرِنا، فلنأتِ إخوانَنا، ونجاهد الأَحزاب، فإنَّه لا عُذْرَ لنا في القُعودِ وولاتُنا ظَلَمة وسنَّةُ الله ورسولِه متروكةٌ. فأَجابوه، وخرجوا معه قاصدين إِلى الكوفة، وقال حيَّان: خليليَّ مالي من عزاءٍ ولا صَبْرِ … ولا إِرْبَةٍ بعد المُصابين بالنَّهْرِ سوى نَهَضاتٍ في كتائبَ جَمَّةٍ … إِلى الله ما تدعو وفي اللهِ ما تَفْري من أبيات.

стр. 3025

وأقبلوا حتى نزلوا الكوفة. وقيل: كانوا تسعةَ عشرَ رجلًا، وخَلَّفوا إِخوانَهم بالرَّيِّ وخُراسان، وكان على الكوفة المغيرةُ بن شعبة، وكان يحبُّ العافية، ويُحسنُ السيرةَ، فإذا قيل له: إِن فلانًا من الشيعة، وفُلانًا من الخوارج؛ يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، وسيحكم الله بينهم يوم القيامة، فأمنَه أَهلُ الأهواء. وكان الخوارجُ يجتمعون ويتذاكرون ما جرى على إخوانهم بالنهر، ويقولون: انهضوا بنا إلى جهادِ المُحلِّين. ثم إنَّهم قدَّموا عليهم ثلاثة: المُستَوْرِد بنَ عُلَّفة (١) التيمي من تَيم الرَّباب، وحيّان بنَ ظَبْيان السُّلَمي، ومعاذ بنَ حصن بن جُوَين (٢) الطائي ابن عم زيد بن حصن (٣)، وكان زيد بن حصن مِمَّن قتله أميرُ المؤمنين بالنهر. ثم اجتمعوا في منزل حيَّان بن ظَبْيان، وتشاوروا فيمن يُقَدِّمون عليهم، فقال المُسْتَورِد: أيُّها المؤمنون، أراكم اللهُ ما تُحبُّون، وعزلَ عنكم ما تكرهون، وَلُّوا عليكم مَنْ أحببتُم، فوالذي يعلم خائنةَ الأَعينِ وما تُخفي الصدور ما أُبالي مَن كان الوالي منكم، وما أُريدُ شرفَ الدنيا، وليس إلى البقاءِ سبيل، وما أُريدُ إلا الخلودَ في دارِ الخلود. فقال حيَّان بنُ ظَبْيان: أَمَّا أَنا فلا حاجةَ لي فيها، فولُّوا مَنْ شِئتُم؛ فأنا أُبايعُه. فقال معاذ بن حصن بن جُوَين: إذا قُلتُما هذا -وأنتما سيِّدا المؤمنين في سنِّكما وصلاحِكما ودينِكما- فمن يرأسُ على المسلمين؟ وإنَّما ينبغي أن يرأس عليهم أَسَنُّهم وأَبصرُهم بالفِقْهِ والفضل، والحربِ والدين، فقالا: أنت ذاك الكاملُ في دينك وفضلِك ورَأُيِك، ثم تنازعوا الأمر بينهم، واتفقوا على المستَوْرِدِ بن عُلَّفَةَ، فبايعوه، واتَّعدوا أن يخرجوا غُرَّةَ شعبان سنة ثلاث وأربعين، وأخذوا في جهادهم وما يحتاجون إليه.

стр. 3026

وقيل: كان اجتماعُهم في شعبان سنة اثنتين وأربعين، والميعادُ في مثلِه من قابل. وفيها بعث معاويةُ المغيرةَ بنَ شعبة إلى زيادِ بنِ أبيه، فخدعه وأَنزله من قلعتِه، وجاء به إلى معاوية. وقد ذكر القصة عمر بن شَبَّةَ وهشام وغيرُهما؛ قال عمر (١): كان لزياد بالبصرةِ أَموالٌ كثيرةٌ عند عبد الرحمن (٢)، فبعث [معاويةُ] المغيرةَ بنَ شعبة إلى البصرة لينظر في أَموالِ زيادٍ، فلما قَدِمَ المغيرة بنُ شعبة البصرة؛ خلا بعبد الرحمن بن أبي بَكْرة وقال له: لئن كان أَبوك أَساءَ إِليَّ؛ فلقد أحسن عمُّك، أي: زياد (٣)، وإني مُجازيه، فلا تَجْزَعْ. ثم أظهر أَنه عَذَّبَه، وكان يجعلُ على وجههِ شيئًا، فيُغْشَى عليه ليُعْذِرَه معاويةُ، وكتب إلى معاويةَ: إني عذَّبْتُه، فلم أُصِبْ عنده شيئًا يَحِلُّ لي أَخْذُهُ. وحفظ المغيرةُ لزياد يدَه التي كانت عنده. ومعناه أَنَّ زيادًا لم يشهد على المغيرةِ بالزنى عند عمر، وشهد أبو بكرة، وقد ذكرناه. فكتب معاويةُ إلى المغيرة أَن يَقْدَمَ عليه (٤)، فسار إِلى الشام، فلما دخل إلى معاوية؛ أخلاه، ثم أنشده فقال: إِنما موضعُ سِرِّ المرءِ إنْ … باحَ [بالسِّرِّ] أخوه المُنتَصِحْ فإذا بُحْتَ بِسِرٍّ فإِلى … ناصحٍ يستُرُه، أو لا تَبُحْ فقال له المغيرة: إنْ تَسْتَوْدِعْني تستودعْ ناصحًا شفيقًا وَرِعًا وثيقًا، فما ذاك؟ قال: لم أَنَمْ في ليلتي هذه: قال: ولم؟ قال: ذكرتُ قلادًا واعتصامَه بأرض فارس وامتناعَه

стр. 3027

بمعاقِلها، وما معه من الأموالِ والرجالِ، وما الذي يُؤْمِنُني أَن يُبايعَ لرجلٍ من أهل هذا البيت؟ فإِذا هو أَعاد الحرب جَذَعةً (١). فقال المغيرة: أتأذنُ لي في إتيانهِ؟ قال: نعم، والطُفْ. فسار المغيرةُ إلى فارس، وبلغ زيادًا فقال: ما قَدِمَ الداهيةُ إلا لأمرٍ عظيم. فلما اجتمع به. قال له: يا أبا المغيرة (٢)، إنَّ الحسنَ قد بايع معاويةَ، وقد استقام له الأمر، فخُذْ لنفسِك قبل أَن يستغنيَ عنك معاويةُ. قال: فما ترى؟ قال: أَن تَصِلَ حبلَك بِحَبْلِهِ. فأنزله من القلعة. وذكر عمرُ بن شَبَّة وجهًا آخر (٣)؛ قال: كتب معاويةُ إلى زياد بعد أَن أَقامَ في قلعته سنةً: علامَ تُهْلِكُ نَفْسَك؟ اِقْدَمْ علينا ولك الأَمانُ، وعَرِّفْني في أيِّ شيءٍ صَرَفْتَ المال، وإِنْ شئتَ أَقَمْتَ عندنا، وإن شئتَ رَجَعْتَ إِلى مَأْمنِك. فركب زيادٌ من القلعة، وسار إِلى الشام، وبلغ المغيرةَ بنَ شعبة أَن زيادًا قد عزم على النزولِ إلى معاوية، فتجهَّز للمسير إلى معاوية، وسلك طريقًا غير طريقِ زياد، وقَدِم زيادٌ على معاوية قبل المغيرة، فسأله عن الأموال، فأخبره بما أَخرج منها، فصَدَّقه. وقَدِمَ المغيرةُ بعده بشهر، فقال له معاويةُ: ما الذي أَخَّرك، وطريقُ زياد أَبعدُ من طريقك؟! فقال له المغيرةُ: إِن زيادًا قَدِمَ يرجو الزيادةَ، وأنا قدِمتُ أَتخوَّفُ النقصان. يعني العَزْل. وقيل: إنَّ زيادًا صالح معاوية على مال، ومنعه من فارسَ أن يذهبَ إليها، فسأله زيادٌ أَن ينزلَ الكوفةَ، فأَذِنَ له، فنزلها، فكان المغيرةُ يُكرمُه ويُعَظِّمُه. وفي روايةِ عمر بن شَبَّة أَنَّ زيادًا لما قَدِمَ الكوفةَ حضر وَقْتُ الصلاة، فقال له المغيرةُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ، فقال زياد: أَنْتَ أَحقُّ بالصلاة في سلطانِك. قال: ودخل عليه زيادٌ يومًا وعنده خديجةُ -وتُكنى أُمَّ أَيوب- ابنةُ عُمارة بن عقبة بن أَبِي مُعَيط، فلم تَسْتَتِر من زياد، فلما مات المغيرةُ تزوَّجها زياد. وكان قد قَدِمَ الكوفةَ بفيل، فكان زيادٌ يأْمرُ بالفيلِ أَن يقفَ عند بابٍ من أبوابِ القَصْرِ، فتنظر إِليه أُمُّ أَيوب، فسُمِّي بابَ الفيل (٤).

стр. 3028

واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنةِ على قولَّين: أَحدهما: عَنْبَسَة بن أَبِي سفيان. قاله أبو جعفر (١). والثاني: عُتبة بن أبي سفيان. وفيها توفي حبيب بن مَسْلَمةَ ابن مالك الأكبر بن وَهْب بن ثعلبة بن وايلة (٢) بن عمرو بن شيبان بن مُحارب بن فِهْر، وكنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو سَلَمة. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة فيمَنْ مات رسولُ اللهِ صلى الله عليه وهم حُدَثاء الأَسنان. قال (٣): وأُمُّه زينب بنت ناقش بن وَهْب، من بني محارب بن فهر. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: قُبِض رسولُ الله صلى الله عليه وحبيبُ بن مسلمة ابن اثنتي عشرة سنة، وإنَّه لم يَغْزُ مع رسول الله شيئًا. قال: وفي رواية غيرنا أنَّه غزا مع رسول الله ﷺ ، وحفظ عنه أحاديث (٤). وكذا حكى ابنُ عساكر عن المفضَّل بن غَسَّان أَنه قال: قد أَنكر العلماءُ (٥) أَن يكونَ حبيبٌ غزا مع رسول الله ﷺ (٦). ثم تحوَّل حبيبٌ إِلى الشام، فلم يزل معاوية يُغْزِيه الرومَ، فيكون له فيهم نكاية.

стр. 3029

وقال ابن سعد (١): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني سعيد بن عبد العزيز قال: استبان فَضْلُ حبيب بن مسلمة بالشام، ولم يكن عمر بن الخطاب يُثبتُه حتى قَدِم عليه حاجًّا، فسلَّم على عمر، فقال له عمر: إِنك لفي قناةِ رجل، فقال حبيب: إي واللهِ، وفي سِنانهِ، فقال عمر: افتحوا له الخزائنَ، فليأخذ ما شاء. قال: فأعرض عن الأموال، وأخذ السلاح. قال: ولم يزلْ حبيبٌ مع معاوية في حروبِه كلِّها؛ صفِّين وغيرِها، وكان شُجاعًا، أَغزاه معاويةُ الرومَ مرارًا. قال الوليد بن مسلم: غزا حبيب بن مسلمة الروم في ستَّةِ آلافٍ من المسلمين، فاهتمَّ بِهم عمرُ بنُ الخطاب، فلما خرجوا سالمين سجد عمر شكرًا لله تعالى. وذكره أَبو القاسم ابن عساكر فقال: خرج حبيبٌ إلى الشام مُجاهِدًا، فكان أميرًا على كُردُوْسٍ في يومِ اليرموكِ، ثم حضر صفّين مع معاوية، وكان صاحبَ ميسرتِه في تلك الحروبِ، ونزل دمشقَ فسكنها، ودارُهُ عند طاحونةِ الثقفيين مُشْرفة على بردى (٢). وحبيبٌ هو الذي بعث معه معاويةُ الجيشَ لنصرةِ عثمان، فلما بلغ وادي القُرى بلغه قَتْلُ عثمان، فرجع. وقال المدائني: لقي الحسنُ بنُ عليّ حبيبَ بنَ مسلمة، فقال له: يا حبيبُ، رُبَّ مسيرٍ لك في غيرِ طاعةِ الله، فقال: أَمَّا مسيري إِلى أَبيك فليس من ذلك، فقال: بلى، ولكنك أَطَعْتَ معاويةَ لأَجلِ دُنْيا فانيةٍ زائلةٍ، ولئن قام بك في دنياك، لقد قعد بك في دينك، ولو أَنَّك إِذ فَعَلْتَ شرّا قلت خيرًا كنتَ كما قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] ولكنك كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] (٣).

стр. 3030

واختلفوا في وفاته، فحكى ابن سعد قال (١): وجَّهه معاويةُ واليًا على أَرمينية، فمات بها في سنة اثنتين وأَربعين، ولم يبلغ خمسين سنةً. وقال الواقدي في كتاب "الصوائف": مات حبيبٌ بدمشق في سنة اثنتين وأَربعين. وقال الهيثم: مات بأرمينية في سنة إحدى وأربعين. والأوَّلُ أصحُّ. قال هشام: مات هو وعمرو بن العاص في سنة واحدة. وقال ابن سعد بإسناده عن ثابت بن عجلان قال (٢): لَمَّا أتى معاويةَ موتُ حبيب بن مَسْلمة سجد، قال: ولَمَّا أتاه موتُ عمرو بن العاص سجد، فقيل له. سَجَدْتَ لهذين، وهما مختلفان! فقال: أَما حبيبٌ فكان يأخذُ (٣) بسنَّةِ أَبِي بكر الصديق وعمر ﵄، فيقول: السُّنَّةَ السُّنَّةَ، وأَمَّا عمرو فكان يقول: الإمرةَ الإمرةَ، فلا أَدري ما أَصنع! واختلفوا في صحبته، فقال البخاريُّ: له صحبة (٤). وذكره في أصحاب الأعداد فقال: روى عن رسول الله ﷺ سبعة أحاديث (٥). وقال قوم: ليس له صحبة، والأول أصحُّ. وقد أخرج له أحمد في "المسند" حديثًا واحدًا، وابنُ سعد في "الطبقات" حديثين. فأما الحديثُ الذي أَخرجه أَحمد بن حنبل فقال: حدَّثنا حمَّاد بن خالد الخياط، عن معاوية بن صالح؛ بإِسناده عن حبيب بن مسلمة، أن رسولَ الله ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ بعد الخُمُس أن بَدْأَتِه؛ ونَفَّلَ الثُّلُثَ بعد الخُمُس] في رَجْعَتِه (٦).

стр. 3031

وهذا الحديث أخرجه أيضًا ابن سعد، فقال: حدَّثنا زكريا بن عديّ بإسناده عن زيد بن جاريةَ، عن حبيب بن مَسْلَمة أَنَّ النبيَّ ﷺ نَفَّلَ في البَدْأَةِ الرُّبُعَ، وفي القَفْلَةِ الثُّلُث. ففي رواية ابن سعد: زيد بن جارية (١). الحديث الثاني: قال ابن سعد بإسناده عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن حبيب بن مَسْلَمة، أَنَّه أَتى النبيَّ صلى الله عليه وهو بالمدينة، فأَدركه أَبوه فقال: يا نبيَّ الله، ابني (٢) يدي ورِجْلي، فقال له النبي ﷺ : "ارجع معه، فإنه يُوشكُ أن يهلك". فهلك في تلك السنة (٣). وقال الواقديُّ: وقد روى عن حبيب من الصحابة عوفُ بنُ مالك الأشجعي، والضحَّاك بن قيس الفِهريُّ، وغيرهما. وقال ابن سعد: فولدَ حبيبُ بنُ مسلمة حبيبَ بنَ حبيبٍ، وأُمُّه مارية بنت يزيد بن جبلة بن لَأْم بن حصن من كلب. وعبدَ الرحمن بن حبيب، وأُمُّه أُمامة بنت يزيد بن جبلة أَيضًا. وليس في الصحابة من اسمه حبيب بن مسلمة غيره. وقال الواقدي: وله عَقِبٌ بحوران. وفيها توفي عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة بن عبد الدار بن قُصي الحَجَبي، كذا نسبه ابن الكلبي. وقال ابن سعد: عثمان بنُ طلحة بنِ أبي طلحة بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصيّ (٤).

стр. 3032

وكذا قال الزُّبير بن بكَّار، وهو الأصحُّ؛ قال الزُّبير: واسم أَبِي طلحة عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار. وأُمُّ عثمان بن طلحة السُّلافة الصغرى. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين مِمَّن أَسلم في هدنةِ الحديبية (١). وهاجر مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص في سنة ثمان، فقال رسولُ الله صلى الله عليه حين رآهم: "لقد رَمَتْكُم مكَّةُ بأَفلاذِ كبدِها" يعني أنهم وجوهُ أهلِ مكة (٢). وقد ذكرناه هناك. وقد ذكره الشيخ الموفَّقُ ﵀ فقال (٣): وكان بنو طلحة من أَشرافِ أَهل مكة، وإِليهم كانت الحجابة واللواء. وقُتل طلحة أبو عثمان، وأَخوه عثمانُ بن أَبِي طلحة، وبنوه: مُسافع والجُلاس وكلاب والحارث بنو طلحة يومَ أُحدٍ كُفَّارًا، وهم أهلُ اللواء؛ كان كلَّما حمله منهم إِنسانٌ قُتِل، وفيهم يقول كعبُ بن مالك يخاطبُ أهلَ مكة: أَبْلِغْ قريشًا، وخيرُ القولِ أَصدقُه … والصدقُ عند ذوي الأَلبابِ مقبولُ أَنْ قَدْ قَتَلْنا بقتلانا سَراتَكمُ … أَهلَ اللواءِ، ففيما يكثرُ القيلُ وقال ابن سعد (٤): حدثنا محمد بن عمر، حدَّثنا إبراهيم بن محمد العَبْدَريّ، عن أَبيه قال: قال عثمان بن طلحة: لَقِيَني رسولُ الله ﷺ بمكة قبل الهجرةِ، فدعاني إلى الإسلام، فقلتُ: يا محمد، العجبُ [لك]! كيف تطمعُ أني أتَّبعُك وقد خالفْتَ دينَ قومِك، وجئتَ بدينٍ مُحْدَثٍ، ففرَّقْتَ جماعتَهم، وشَتَّتَّ أُلفَتَهم، وأَذهبتَ بهاءَهم؟! فانصرف. قال: وكُنَّا نفتحُ الكعبةَ في الجاهليةِ يومَ الاثنين ويوم الخميسِ، فأَقبلَ يومًا يريدُ الدخول مع الناس، فَنِلْتُ منه، وأَغلظتُ له، فحَلُم عني، ثم قال: "يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاحَ بيدي يومًا أَضعُه حيثُ شئتُ". فقلتُ: لقد هلكَتْ قريشٌ يومئذٍ وذلَّت! فقال: "بل عَزَّت وعمرت". ودخل الكعبةَ.

стр. 3033

قال: فوقعَتْ كلمتُه منّي موقعًا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمرَ سيصير إلى ما قال، وأَرَدْتُ الإسلامَ، فزَبَرَني قومي زَبْرًا شديدًا. فلما هاجر؛ خافَتْ قريشٌ منه أن يرجع عليهم، وجاء النفيرُ إلى بَدْرٍ، فخرجتُ مع قومي، وشهدتُ المشاهدَ كلَّها معهم. فلما كان عامُ القضيَّةِ ودخل مكَّةَ؛ غَيَّر الله قلبي عمَّا كان عليه، ودخلَني الإسلام، وجعلتُ أُفكِّرُ فيما نعبدُ من حجرٍ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يسمع ولا يُبصر، وأَنظرُ إلى ظَلَفِ (١) رسولِ الله ﷺ وأصحابِه عن الدنيا، فيقعُ ذلك مني، فأقولُ: ما عَمِل القومُ إلا على الثوابِ لِما يكون بعدَ الموت، وجعلتُ أُحبُّ النظر إلى رسول الله ﷺ إلى أن رأَيتُه خارجًا من باب بني شيبة يُريد منزله بالأبطح، فأردتُ أن آتيَه، وأُسلِّمَ عليه، وآخُذَ بيده، فلم يُعْزَم لي على ذلك. وانصرف رسولُ الله ﷺ راجعًا إلى المدينة، ثم عُزم [لي] على الخروج إليه، فأدلجتُ إِلى بطن يَأْجَج (٢)، فألقى خالدَ بنَ الوليد، فاصطحبنا حتى نزلنا الهَدَّة (٣)، فما شَعَرْنا إلا بعمرو بن العاص، فانقمعنا منه، وانقمعَ منَّا (٤)، ثم قال: أَين يُريد الرجلان؟ فأخبرناه، فقال: وأنا أُريد الذي تريدان، فاصطحبنا حتى قَدِمنا المدينةَ على رسول الله ﷺ ، فبايعتُه على الإسلام، وأقمتُ عنده حتى خرجتُ معه في غزاةِ الفتح ودخل مكة، فقال: "يا عثمان، ائتني بالمفتاح". فأَتيتُه به، فأَخذه مني، ثم دفعه إليَّ وقال: "خُذْها تالدةً خالدةً، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إنَّ الله استأمنكم على بيتِه، فكُلوا مِمَّا يصلُ إليكم من هذا البيت بالمعروفِ".

стр. 3034

قال عثمان: فلما ولَّيتُ ناداني، فرجعتُ إليه فقال: "أَلم يكن الذي قُلْتُ لك؟ " قال: فذكرتُ قوله لي بمكة قبل الهجرة: "لعلك سترى هذا المفتاحَ بيدي أَضعه حيث شئتُ" فقلتُ: بلى، أَشهدُ أنك رسول الله (١). قلتُ: وقد ذكرنا ما يتعلَّق بهذا في غزاة الفَتْح، وامتناع أُمِّ عثمان من دفع المفتاح إلى رسول الله ﷺ ونحو ذلك. ومعنى قوله صلى الله عليه: "لا ينزعها منكم إلَّا ظالم"، يعني حجابة الكعبة. واختلفوا في وفاة عثمان بن طلحة على أقوال: حكى ابن سعد عن الواقديّ قال: لم يزل عثمانُ مقيمًا بالمدينة حتى قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه، فرجع إلى مكة، فنزلها حتى مات بها في أول خلافة معاوية ابن أبي سفيان (٢). وكذا قال خليفة: مات بها في سنة اثنتين وأربعين (٣). وقال المدائني: في سنة إحدى وأربعين. وقيل: إنه استُشهد بأجنادين. وقيل: إنه عاش إلى أيام يزيد بن معاوية، وهو وَهْم، وقولُ الواقديِّ أَصحُّ. وقد قال الواقدي: وعثمان هذا هو الذي هاجر بأُمّ سَلَمة إلى المدينةِ وهو كافر، فكان يُرَحِّلُ جَمَلَها وينتحي عنها ناحيةً، ثم يقودُ جَمَلَها ولا يُكَلِّمُها حتى أوصلها المدينةَ، وعاد إلى مكة، وقد ذكرناه. وكان لعثمان بن طلحة من الولد: عبدُ الله -وهو أَبو شيبة-[وأُمامة، وجميلة. وأمُّهم أمُّ شيبة] بنت سماك بن سعد بن شهيد من بني عمرو بن عوف من الأنصار (٤).

стр. 3035

أسند عثمان الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له أحمد في "المسند" حديثًا واحدًا؛ قال أحمد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عثمان بن طلحة: إنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في البيت ركعتين وُجاهَك حين تدخلُ بين الساريتين (١). وليس في الصحابة منِ اسمُه عثمان بنُ أبي طلحة غيرُه. وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة ابن عمِّ صاحب هذه الترجمة نذكره في سنة سبع وخمسين، وأبوه [عثمان] (٢) يُعرف بالأوقص، أحدُ حملة اللواء، قُتل يومَ أُحد (٣). وفيها توفي عمرو بنُ العاص ابن وائل بن هاشم -بتقديم الألف على الشين- بن سُعَيد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة. وهُصَيص بهاء مضمومة، وصادين مهملتين. وكان أبوه العاص من المستهزئين برسول الله ﷺ . قال ابن عباس: وفي العاص نزل قولُه تعالى: ﴿إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. وكنيةُ عمرو بنِ العاص أبو عبد الله. وأُمُّ عمرو النابغةُ بنت خُزَيمة؛ قال ابن سعد: كانت سَبِيَّةً من عَنَزَةَ (٤). وذكرها هشام ابنُ الكلبيّ عن أبيه في كتاب "المثالب" وقال: كانت من البغايا أصحاب الرايات بمكة في الجاهلية، وقع عليها أَربعةٌ في طُهْرٍ واحدٍ: العاص بن وائل، وأبو لهب، وأُمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، وادَّعى كلُّهم عمرًا، فغلبَهم العاص بتصديقها إيّاه، فقيل لها: لم اخترتِ العاصَ على غيرهِ؟ فقالت: لأنه كان يُنفق على بناتي.

стр. 3036

قال هشام: وكان عمرو يُعَيَّرُ بها، فيقال له: يا ابنَ النَّابغة، وقد عيَّره عثمان وعليّ ﵉، والحسنُ وعمَّار، وغيرهم. وقال الأصمعي: خطب عمرو يومًا بمصر، فتخاطر رجلانِ على أَن يقومَ أَحدُهما إليه فيُبكِّتَهُ، فقام أحدُهما فقال له: أَيُّها الأَميرُ، مَنْ أُمُّك؟ فقال عمرو: النابغة بنت عبد الله، أصابَتْها رِماحُ العرب، فبيعت بسوق عكاظ، فاشتراها عبد الله بن جُدْعان (١) للعاص بن وائل (٢)، فولدت فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئًا فخُذْه. فأُعجبَ الناسُ بجوابه. ثم قال الأصمعي: أَلا تعجبون من هذا الذي يفتخر بأُمِّه، ويعلم ما كانت عليه! وقال ابن سعد (٣): وأخواه لأُمِّه: عَمرو بن أُثاثة بن عبَّاد بن المُطَّلب بن عبد مناف بن قُصيّ، وأَرنبُ بنتُ عفيف بن أَبِي العاص بن أُمية بن عبد شمس. وذكر ابن سعد عمرًا في الطبقة الثالثة من المهاجرين مِمَّن أسلم في سنة ثمانٍ من الهجرة، وقَدِمَ على رسولِ الله ﷺ ، وبعثَه رسولُ الله ﷺ في غَزاةِ السلاسل، وعَقَدَ له على جماعة. قال ابن سعد: ثلاث مئة؛ فيهم أبو بكر وعمر (٤)، ثم ولّاه رسولُ اللهِ ﷺ عُمان، ثم قَدِمَ بعد وفاه رسولِ الله صلى الله عليه، فولَّاه أبو بكر أَحدَ أجنادِ الشام، فهو أحد أمرائها الأربعة، وهم: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرَحْبيل بن حَسَنَة، والرابع عمرو، وقد ذكرناه. وعمرو بن العاص هو الذي صلَّى بأَصحابِه وهو جُنُب (٥). ذكر طرفٍ من أخبارِه: قال الواقدي: أرسله عمر بن الخطاب ففتح مصر والإسكندريةَ، وهو أَحدُ الدُّهاة المُقدَّمين في الرأي والدهاء.

стр. 3037

قال: وكان عمر بن الخطاب إذا استضعفَ رجلًا في رأيه قال: أَشهدُ أَنَّ خالقَك وخالقَ عمرو بنِ العاص واحدٌ. يريدُ أنَّه خالقُ الأضداد (١). وقال أبو اليقظان: كان عمرو يومَ بدر وأُحد والخندق والحديبية مع الكفار على رسولِ الله ﷺ ، وحضرَ اليرموكَ وأجنادين وفِحْلَ (٢)، وحصار دمشق، وفَتحَ بَرْقَةَ (٣)، وطرابلس المغرب. وولَّاه عمر بعضَ الشام ومصر، وأَقرَّه عثمان أَوَّلَ خلافته، ثم عزله عن مصر، وولَّى عبدَ الله بنَ سعد بن أبي سَرْح على مصر وإفريقية، فقَدِم عمرو المدينةَ، فكان يُؤلِّبُ على عثمان حتى الرُّعاة في رؤوس الجبال إلى أَن قُتل عثمان، فأَظهر التَّشفِّي به، ثم وافق معاويةَ. وقد ذكرنا جميع ذلك. وقال ابن سعد (٤) بإسناده عن موسى بن عُلَيِّ بن رَباح اللخمي عن أبيه قال: سمعتُ عمرًا يقول: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا عمرو، اشْدُدْ عليك ثيابك وسلاحك وائتني". قال: ففعلتُ وجئتُه، فقال: "إني أُريدُ أن أبعثَكَ وَجْهًا يسلِّمُك الله ويُغنِّمك، وأَزْعَبُ لك من المالِ زَعْبَةً صالحةً". [قال: قلت:] إنَّما أسلمتُ رغبةً في الجهاد والكينونة معك، فقال: "يا عَمرو نِعِمَّا بالمالِ الصالح للمرءِ الصالح". وأخرجه أحمد في "المسند" بمعناه (٥). والزَّعبَةُ من المال؛ بزاي معجمة: الدُّفْعَة. وكذا الزُّعْبَة بالضَّم.

стр. 3038

وقال ابن سعد بإسناده عن موسى بن عمران بن متَّاح، وغيرهما (١) أَنَّ عمرو بنَ العاص كان عاملًا لرسولِ الله ﷺ على عُمان، فجاء يهوديٌّ من يهود عُمان، فقال لعمرو: أَرأَيتَ إِن سألتُك عن شيءٍ، أيُخشَى عليَّ منك؟ قال: لا، قال اليهودي: أَنشدُك بالله، مَنْ أَرسلك إِلينا؟ قال: اللهمَّ رسولُ الله. قال اليهوديُّ: آللهِ لَتعلمُ أَنَّه رسولُ الله؟ فقال له عمرو: اللهم نعم، فقال له اليهوديُّ: لئن كان ما تقوله حقًّا لقد مات اليومَ. فلما سمع ذلك عَمرو جمع عليه أَصحابه وفَواشِيَه، وكتب ذلك اليومَ الذي قال فيه اليهوديُّ ما قال، ثم خرج عمرو ومعه خُفَراءُ من الأَزْدِ وعبدِ القيس يأمنُ بهم (٢) حتى قَدِم أَرضَ بني حنيفة، فأَخذ منهم خُفَراء إِلى أَرضِ بني تميم، ثم إلى أرضِ بني عامر، فنزل على قُرَّةَ بن هُبَيرة القُشَيريِّ، فأحسن ضيافتَه، ثم قال له: لك عندي نصيحةٌ، إنَّ صاحبكم قد تُوفِّي. فقال له عمرو: وصاحبُنا هو دونَك! لا أُمَّ لك، وأَغلظ له، فنَدِمَ قُرَّةُ على مقالتِه. فإِن قيل: فمن أين علمَ اليهوديُّ بوفاةِ رسولِ الله ﷺ ؟ قلنا: قد كانت صفته على الحقيقةِ عندهم في التوراة، ومقدار عمره، فلما انقضت أيَّامُه عرفوا ذلك. وقُرَّة كان قريبًا من المدينة. وقال الجوهوي: والفَواشي كل شيءٍ ميسّر من المال، مثل الغنمِ السائمة والإِبل وغيرِها. وفي الحديث: "ضُمُّوا فَواشِيَكم حيق تذهبُ فحمةُ العِشاء" (٣). وحكى ابن سعد (٤) عن محمد بن عمر، عن الضحاك بن عثمان قال: سمعتُ الزُّهريَّ يقول: جاءت وفاةُ رسولِ الله ﷺ عمرَو بنَ العاص وهو بعُمان، فحرج بخُفَراء

стр. 3039

من الأَزْد حتى قَدِمَ هَجَر، ثم خرج بخُفراء من عبد القيس، فلما جاء أَرضَ بني حنيفة سمع به مُسَيْلِمة، فخرج في أَصحابهِ يعرضُ له، وعلم عمرو، فهرب عمرو منه ومعه ثُمامة بن أُثال في قومِه من بني حنيفة، واقتطع مسيلمة رجلين من أَصحابِ عمرو: حبيب بن زيد بن عاصم -وهو ابنُ أُمِّ عُمارة- وعبد الله بن وَهْب الأَسلمي، فأَخذهما وقال: أَتشهدانِ أَني رسولُ الله؟ فأقرَّ الأسلميُّ بما قال، فأَمَرَ به، فحُبس في الحديد، ثم أفلت بعد ذلك إلى خالد بن الوليد. وأَما حبيب فلم يوافِقْه وقال: أَشهد أَن محمدًا رسولُ الله، فأَمر به، فقُطِعت يداه من المنكبين، ورجلاه من الوركين (١)، ثم حرقه بالنار (٢). وحكى ابن سعد عن الواقدي، عن أشياخِه قالوا: كان عمرو بنُ العاص واليًا لعمر بن الخطاب على فلسطين، فخرج في ثلاثة آلاف (٣) وخمس مئة إلى مصر، وخَلَّف ابنَه عبد الله على عملِه، ولم يستأذن عمر بن الخطاب في ذلك، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عمر يخبره، فشَقَّ عليه، ودعا عقبةَ بنَ عامر الجُهَنيَّ، وكتب معه كتابًا إِلى عمرو وقال: انطلق في طلبه، وادفع إليه كتابي، فلحقه عقبةُ وهو قريبٌ من مصر، فسأله عن عُمر وعن حالهِ. ولم يأخذ منه الكتاب، حتى حصل في أرضِ مصر، فقال له: هاتِ الكتابَ، فدفعه إِليه، فكان فيه: أَما بعد، فإِنَه لم يحضرك رُشْدُك ولا ما كان يُنْسَبُ إِليك من العقلِ والتجرِبةِ بإِقدامِك على ما أَقدَمْتَ عليه من الأُمور دوني، وتغريرك بمن معك من المسلمين؛ تسوقُهم حيث تُريدُ، واللهِ لولا أَني أَظنُّ أن ذلك على النظرِ [منك] للمسلمين؛ لبعثتُ إِليك مَنْ يُقْدِمُك عليَّ ماشيًا من حيثُ أَدركك، أو يحملُك على أَوعَرِ المراكبِ، فيكون أَشدَّ عليك من المشي، فإذا جاءَك كتابي هذا ولم تكن دَخَلْتَ أرضَ مصر؛ فارجع بمن معك إِلى عملك، حتى يأتيَك أَمري، والسلام.

стр. 3040

فتغيَّر وجهُ عَمرو وقال: قد دخلنا أرضَ مصر، ثم انتهى إلى الفَرَما، فقاتل أَهلَها، فانهزموا، فسار إلى الفُسطاط، فقاتلهم (١). وبعث إِليه عمر بن الخطاب ﵁ الزبيرَ في عشرة آلاف من المسلمين، فقَدِم وهو يُحاصرهم، فاقتتلوا أَيامًا، ثم لجأ العدوُّ إلى الحِصن، وأَغلقوه عليهم، فدعا الزبير بسُلَّمٍ، فنصبه على الحصن، ثم صعد عليه، وكبَّرَ وكبَّر المسلمون، ثم تسوَّروا عليهم الحصن، ففتحوه عَنْوَةً، ثم صالحهم عمرو بعد ذلك على الجزيةِ، وخراج الأَرض. ثم كتب إلى عمر بالفتح، وبعث بالغنائم، فكتب إِليه عمر: إياكَ إياك أَن تفتاتَ عليَّ بمثلِ هذا، إلا أن يكونَ أَمرٌ يحضُرُك (٢) يُخاف على المسلمين منه، فتَناهَضْه بمن معك. ثُم فتح عمرو الإسكندرية بعد ذلك، وقد ذكرناه. قلت: وهذه رواياتُ ابن سعدٍ عن الواقديِّ (٣). والأَصحُّ أَن عمرَ بن الخطابِ لَمَّا قَدِم الشام وفتح البيتَ المُقَدَّسَ جَهَّز عمرًا إلى مصر، وأتْبَعَهُ بالزبير بن العوَّام، وقد ذكرناه. وقال الواقدي (٤): لما فتح عمرو بن العاص مصر؛ أرسل عقبةَ بن نافع بن عبد قيس -وكان أخا العاص بن وائلٍ لأُمِّه- فدخلت خيولُهم أَرضَ النُّوبةِ كصوائفِ الروم، فرشق النُّوبة المسلمين بالنبل، فلم يُفْلِتْ من المسلمين إلَّا القليل، وجُرحوا جراحات كثيرةً، وفُقِئت عيونٌ كثيرةٌ، فسمَّوهم رُماة الحَدَقِ، ولم يزالوا على ذلك حتى ولَّى عثمانُ عبدَ الله بنَ سعد بن أبي سَرْحٍ مصر، فسأله النُّوبةُ الصلحَ والمُوادعةَ، فأَجابهم إلى ذلك، فاصطلحوا على غير جزية؛ على هَدِيَّةٍ ثلاث مئة رأسٍ في كلِّ سنةٍ، ويُهدي إليهم المسلمون طعامًا مثل ذلك.

стр. 3041

وحكى ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن عَمرًا لما فتح الإسكندرية؛ سار في جُنْده يريد المغربَ حتى قَدِم بَرْقَةَ، فصالح أَهلها على الجزية، وهي ثلاثةَ عشرَ أَلف دينار، وأن يبيعوا مِن أَبنائهم ما أَحبُّوا في جزيتهم. وبعث عقبةَ بنَ نافعٍ الفِهْريَّ حتى بلغ زَويلَةَ، وكتب إلى عمر بن الخطاب يُخبره أَنَّ ما بين بَرْقَة وزَوِيْلةَ سِلْمٌ، وأَنَّه وضع عليهم ما يُطيقونه، فصوَّب عُمرُ رَأْيَه. قال الواقديُّ: وكان عمرو يحمل الطعامَ من مصر إلى المدينة في المراكبِ، فيخرج عمر ومعه الأكابرُ من الصحابةِ، فيقبضونه ويفرحون، ويقسمه عمرُ في الناس، ويكتب للذين حملوه بالصكاكِ، وكانوا يَرْسُون إِلى الجار، وهو المَرْفأ. وبعث إليه مرَّةً عشرين مركبًا؛ في كلِّ مركبٍ ثلاثة آلاف إرْدَبّ. وحكى ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه قالوا (١): قَدِم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عُمر بن الخطاب مِصْرَ غازِيينِ، وكان عُمر يكتبُ إلى عَمْرو: إِيّاك أَن يَقْدَمَ عليك أحدٌ من أهلِ بيتي فتَحْبُوه بأمرٍ لا تصنعه بغيره، فأفعلُ بك ما أَنْتَ أَهلُه. فما جَسَرَ عَمْرو يمضي إِليهما ولا يبعث إِليهما، قال عَمْرو: فواللهِ إِني لفي منزلي إذ أقبلَ عبد الرحمن بن عُمر وأبو سَرْوَعَة (٢) على البابِ يستأذنان! فأَذِنْتُ لهما، فدخلا وهما منكسران، فقالا: أَقِمْ علينا الحدَّ فإِنا قد أَصبنا البارحةَ شرابًا فسَكِرنا، قال: فطردتُهما، فقالا: لئن لم تفعل لنُخْبرنَّ عُمَرَ، وإذا بعبدِ الله بن عمر قد جاءَ، فقُمتُ إِليه ورحَّبْت به، فقال: ما أَتيتُك إلا عن أَمر، فإن أبي نهاني عن الإتيانِ إِليك، ولكن أَتيتُك لأَجلِ أخي، إنَّه لا يُحْلَقُ على رؤوسِ الناس، أَما الضرب فنعم، وكانوا يحلقون مع الحَدِّ. قال: فضربتُهما الحدَّ، ودخل ابنُ عمر ناحيةً إلى بيت في الدارِ، فحلق رأْسَه ورأسَ أبي سَرْوَعة. وإذا بكتابِ عمر يقول: من عبد الله أَميرِ المؤمنين إِلى العاصي بن العاصي، لقد عجبتُ من جرأتك عليَّ، ولقد خالفتُ فيك من أَهل بدر مَن هو خيرٌ منك، وما أُراني

стр. 3042

إلا عازلَك، تَضْرِبُ عبد الرحمن بنَ عمر في بيتك، وتَحْلِقُهُ في بيتك! وقد عَرَفْتَ أَن هذا يسوءُني؛ إِنَّما هو رجل من رعيتِك تفعل به ما تفعل برجل من رعيتك، ولكنك قُلْتَ: هو ولدُ أَميرِ المؤمنين. وقد عَرَفْتَ أَنه لا هَوادةَ لأَحدٍ من الناسِ عندي في حقٍّ يجبُ لله عليه، فإِذا جاءَك كتابي فابعثْ به في عباءةٍ على قَتَبٍ. قال: فبعثتُ به كما قال أبوه، فدخل على عمرَ وهو لا يقدرُ على المشي من مَرْكبِه، فقال: عليَّ بالسِّياط، يا عبدَ الرحمن، فَعَلْتَ وفَعَلْتَ! فقال له عبد الرحمن بن عوف: قد أَقمتم عليه الحدَّ مرَّةً، فليس عليه ثانيةً! فلم يلتفت، وضربه الحدَّ وهو يصيحُ: أنا مريض وأَنْتَ قاتلي، فضربه الحدَّ ثانيًا وحبسه، فمرض فمات (١). وقد ذكرنا طرفًا من هذا في أَولادِ عمر بن الخطاب، فكان عمرو بن العاص يقول: ما رأَيتُ أَخوفَ للهِ من عمر؛ لا يُبالي على مَنْ وقع الحقُّ، على والدٍ أَو ولد. وحكى ابن سعد (٢) عن الواقديّ ما حكينا عن عمرو عند مقتل عثمان، وأَنَّ عثمان لَمَّا عزله عن مصر قَدِم المدينةَ، وجعل يَعيبُ على عثمانَ ويطعن عليه، وأن عثمانَ قال له: يا ابنَ النابغةِ، ما أسرعَ ما قَمِل فَرْوُكَ! أو: قَمِلَ جُرُبَّانُ جُبَّتِك (٣)! وإِنَّما عهدُك بالعملِ عن قريب، أَوَتَطْعَنُ عليَّ وتأتيني بوَجْهٍ، ثم تذهبُ عني بآخر؟! وأنَّه خرج إلى الشام، فنزل فلسطين بأرضٍ له يقال لها: السَّبْع، وأقام في قَصْر يقال له: العجلان، ولَمَّا أَتاه قتلُ عثمان قال: أَنا أَبو عبد الله، إذا حَكَكْتُ قَرْحةً نكَأْتُها. ومعناه أني قتلتُه بتحريضي عليه، ثم قال: أتربَّصُ أيامًا، وأنظر ما يصنع الناسُ، فأتاه الخبرُ بقتل طلحة والزبير، فأُرْتجَ عليه أَمرُهُ، وأَنه استشار ابنَيه: عبد الله ومحمدًا، ومولاه وَرْدان، وأَنه رجَّح المُضِيَّ إلى معاوية، وبايعه على قتال أَميرِ المؤمنين، وأَعطاه مصر طُعْمَةً، وحضر معه صِفِّين، وقاتل فيها وجُرِح فيها عِدَّة جراحات، وأَمرَ معاويةَ برفع المصاحف،

стр. 3043

وحضر تحكيمَ الحكَمَين وخَدَعَ أبا موسى، وقد ذكرنا جميع ذلك، واستوفاه محمد بن سعد في كتابِ "الطبقات" عن الواقديِّ وغيره (١). وحكى الواقديُّ وغيرُه أَن عمرًا لَمَّا خَدَع أَبا موسى قال ابن عمر: انظروا إِلى ماذا صار أَمرُ هذه الأُمة؛ إلى رجلِ لا يُبالي ما صنع -يعني عَمْرًا- وآخر ضعيف. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: لو مات أبو موسى الأشعري من قَبْل هذا لكان خيرًا له. وقال ابن سعد عن الواقديِّ (٢): ولَمَّا خرجت الخوارجُ على أمير المؤمنين قال عَمْرو لمعاوية: كيف رأيتَ تدبيري لك حيث ضاقت عليك الدنيا، وكنتَ منهزمًا على فرسِك الوَرْدِ، تَسْتبطئُه، وعرفت أنَّ أهلَ العراق أهلُ شُبَهٍ، وأنَّهم يختلفون عليك، فقد اشتغل بهم عليٌّ عنك، وهم في آخرِ الأَمرِ قاتِلُوه، وليس جندٌ أَوهنَ كيدًا منهم. وقال الواقدي أيضًا: لَمَّا صار الأمرُ إلى معاوية استكثر طعمة مصر لعمرو، ورأى عمرٌو أنَّه دبَّر الأمور، وكان يظنُّ أن معاويةَ يزيدُه الشام، وتنكَّر كلُّ واحدِ منهما لصاحبه، ودخل معاويةُ بن حُدَيج بينهما، فأَصلح الحال (٣). ذِكْرُ ما نُقِل عن عمرو من الكلامِ: قال ابن سعد بإسناده عن حِبَّان بن أبي جَبَلة قال: قيل لعمرو: ما المروءةُ؟ فقال: أن يُصلحَ الرجلُ ماله ويحسنَ إلى إخوانه (٤). وذكر الهيثم وهشام وأبو اليقظان عنه ألفاظًا منها أنَّه قال (٥): لا سلطانَ إلَّا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارةَ إلَّا بعَدْل. وقال: السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه، وما أحوجَه إلى ناصح، وليس عليه أضرَّ من صاحبٍ يُحسِنُ القولَ ولا يُحْسن الفِعْلَ، ولا خَيرَ في القول إلا مع الفعل، ولا في

стр. 3044

المال إلا معِ الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في العفَّة إلا مع الورع، ولا في الحياة إلا مع الصحة. وقال: السلطان إذا كان صالحًا (١) وجلساؤه جُلساءَ سوء، امتنع خيرُه عن الرعيّة، فإن التِّمساح إذا كان في الماءِ الصافي لم يقدر أحدٌ من الدنوِّ منه مع الحاجة إليه (٢). قلتُ: وقد جاء عن بعض الحكماء مثل هذا، ولعلَّ عَمرًا أخذه منه (٣). وقال: ما استودعتُ أَحدًا سِرًّا فأَفشاه فلُمْتُه؛ لأنّي كُنْتُ أَضيقَ صدرًا منه حين استودعتُه إياه فأفشاه؛ أخذه شاعر فقال: إذا ضاقَ صَدْرُ المرءِ عن سِرِّ نَفْسِه … فصدرُ الذي يُسْتودعُ السِّرَّ أضيقُ (٤) وذكره الموفق ﵀ في "الأنساب" (٥) فقال: وكان حَسَنَ الشِّعْر، ومِمَّا حُفِظ من شعره يخاطبُ عمارةَ بنَ الوليدِ لَمَّا خَرَجا إلى النجاشي: تَعَلَّمْ عُمارَ أَنَّ مِنْ شَرِّ شِيمةٍ … لِمثلِكَ أن يُدعى ابنُ عمٍّ له ابنَما أَأَن كُنْتَ ذا بُرْدَينِ أحوى مُرَجَّلًا … فلستَ براءٍ لابنِ عمِّك مَحْرَما إذا المرءُ لم يترك طعامًا يحبُّه … ولم يَنْهَ قلبًا غاويًا حيث يمَّما قضى وَطَرًا منه وغادر سُبَّةً … إذا ذُكرتْ أَمثالُها تملأُ الفَما وقد ذكر الأبيات. وأن عُمارة تعرَّض (٦) لامرأة عمرو، ووَشَى بعُمارةَ إلى النجاشيّ، فأمرَ السواحرَ فنفَثْنَ في إحليل عُمارة حتى هامَ مع الوحش في البرِّيَّة (٧).

стр. 3045

وقال هشام: لَمَّا استُشهد أمير المؤمنين واستقام الأمرُ لمعاوية، قَدِمَ ابنُ عباس الشامَ، فاجتمع به عمرو، فقال: إن هذا الأمرَ الذي نحنُ فيه ليس بأوَّل أَمر قاد البلاء، وقد بلغ بنا وبكم إلى ما ترى، وما أبقت الحربُ لنا ولكم جَلَدًا ولا صَبْرًا، ولسنا نقول: ليت الحربَ عادت لنا، بل نقول: يا ليتها لم تكن، وإنَّما هو أَميرٌ مطاع، ومأمورٌ مطيعٌ، ومأمون مستشار، وأنت هو، والسلام. فأَعجبَ ابنَ عباس قولُه (١). ذكر وفاته: ذكر ابنُ سعدٍ (٢) عن الواقديّ عن أشياخه قال: لَمّا أَصلح معاوية بن حُدَيج بين عمرو بن العاص ومعاويةَ بنِ أبي سفيان، وكتب بينهما كتابًا وشرطَ فيه شروطًا، منها أن لعمرو ولايةَ مصر سبعَ سنين، وعلى عَمْرو السمع والطاعة لمعاوية، وتواثقا، وأشهدا عليهما شُهودًا، ومضى عَمْرو إلى مصر في آخر سنة تسع وثلاثين، قال: فواللهِ ما مكثَ بها إلا سنتين أو ثلاث سنين حتى مات. وقال ابن سعد (٣): حدثنا الضحاك بن مَخْلَد أبو عاصم الشيبانيّ النبيل بإسناده عن ابن شُماسة المَهْريِّ قال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاص وهو في سِياقَةِ الموت، فحوَّل وجهه إلى الحائط، فبكى طويلًا، وابنُه يقول: ما يبكيك؟ أما بشَّرك رسولُ الله صلى الله عليه بكذا وكذا؟ وهو في ذلك يبكي ووجهُه إلى الحائط، قال: ثم أقبل بوجهه إلينا فقال: إن أفضلَ مِمّا تَعُدُّ عليَّ شهادةُ (٤) أَن لا إله إلَّا الله، وأَن محمدًا رسول الله، ولكني قد كُنْتُ على أَطباقٍ ثلاث: قد رأيتُني ما من الناسِ من أَحد أَبغضَ إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا أَحبَّ إليَّ من أن أَستمكنَ منه فأَقتلَه، فلو مِتُّ على تلك الطبقةِ لكنتُ من أهلِ النار، ثم جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي، فأَتيتُ رسولَ الله ﷺ لأُبايعه، فقلتُ: اُبْسُطْ يمينك أُبايِعْكَ يا رسولَ الله. قال: فبسط يده، ثم إني قبضتُ يدي، فقال: "ما لك يا

стр. 3046

عمرو؟ " فقلتُ: أَردتُ أن أشترطَ، قال: فقال: "تشترط ماذا؟ " فقلتُ: أَن يُغْفَرَ لي، فقال: "أَما علمتَ يا عمرو أَنَّ" الإسلام يهدمُ ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وأَنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَه؟ " فقد رأيتُني ما من إحدٍ من الناسِ أحبَّ إليَّ من رسولِ الله ﷺ ولا أَجلَّ في عيني منه، ولو سُئِلْتُ أن أنعتَه ما أطَقْتُ، لأني لم أكن أُطيقُ أن أَملأ عيني منه إجلالًا له، فلو مِتُّ على تلك الطبقةِ رجوتُ أن أكونَ من أهل الجنة، ثم وَلِينا أشياءَ بعد، فلستُ أدري ما أنا فيها وما حالي فيها. فإذا أنا مِتُّ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار، وإذا دفنتموني فَسُنُّوا الترابَ عليَّ سَنًّا، فإذا فرغتُم من قبري فامكثوا عندي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزورٌ ويُقسَّم لَحمُها، فإني أستأنسُ بكم حتى أعلم ماذا أُراجع به رُسُلَ ربّي. قلت: وقد أخرج مسلم بمعناه وأحمد في "المسند" طريقًا لبعضه. فأما مسلمٌ فقال: حدثنا محمد بن المثنى بإسناده عن ابن شُماسة المَهْريّ، وذكره بعينه ولم يَقُل فيه: قد كُنْتُ على أَطباق ثلاث، ولم ينقص منه سوى هذه اللفظة (١). انفرد بإخراجه مسلم. وأما الطريقُ الذي أخرجه أحمد في "المسند" لبعضِه فقال: حدثنا عفَّان، عن الأسود بن شيبان قال: حدثنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: جَزِع عمرو بن العاص عند الموت جَزَعًا شديدًا، فلما رأى ذلك ابنُه عبد الله قال له: يا أَبَة، ما هذا الجَزَعُ وقد كان رسول الله صلى الله عليه يُدْنِيك ويستعملك؟ قال: يا بنيّ، قد كان ذلك، وإني واللهِ ما أَدري، أَحُبًّا كان ذلك أم تألُّفًا كان يتألّفني، ولكني أشهدُ على رَجُلين أنَّه فارق الدنيا وهو يُحبُّهما: ابن سُميَّةَ، وابن أُمِّ عبد. فلما جَدَّ بِهِ (٢)، وضع يده موضع الغُلِّ من ذقنه وقال: اللهمَّ إنك أَمَرْتَنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا. ولا يسعنا إلا مغفرتُك. فكانت تلك هِجِّيراه حتى مات.

стр. 3047

وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن (١) قال: قال عمرو عند الموت: اللهم لا بريءٌ فأعتذر، ولا عزيزٌ فأَنتصر، وإن لم تُدرِكْني منك برحمة أكُنْ من الهالكين (٢). وفي رواية: ولكن لا إله إلا أنت. فما زال يقولُها حتى مات. وقال ابن سعد (٣): حدَّثنا عُبيد الله بن موسى بإسناده عن أَبِي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه أن يغسله بالماء ثلاثًا، ويجعل في الآخِرةِ كافورًا. وذكر قوله: اللهم إنك أَمرتنا فتركنا، ونهيتَنا فأضعنا. وروى ابن سعد (٤) عن هشام بن محمد الكلبيّ، عن عَوانة بن الحَكَم قال: كان عَمْرو بن العاص يقول: عجبًا لمن نزل به الموتُ وعَقْلُه معه كيف لا يَصِفُه؟ [فلما نزل به قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أَبتِ، إِنَّك كنتَ تقول: عجبًا لمن نزل به الموتُ وعقلُه معه كيف لا يَصِفُه]، فصِفْ لنا الموتَ وعقلُك معك. فقال: يا بُنيّ، الموتُ أَجلُّ من أَن يُوصَفَ، ولكني سأَصفُ لك منه شيئًا، أَجدُني كأنَّ على عُنُقي جبال رَضْوَى، وأَجِدُني كأَنَ في جوفِي شوك السَّعْدان (٥)، وأجدني كأَنَّ نَفَسي يخرج من ثقب إبرة. وفي روايةٍ: يا أَبَة، إنك كُنْتَ تقول: ليتني أَلقى رجلًا عاقلًا عند الموتِ يُخبرني عنه، وأنت ذاك، فأَخْبِرْنا، فقال: كأنَّ في جوفي حَسَكَ السَّعْدان، وكأني أتنفَّسُ من سَمِّ إبْرَة، وكأنَّ غُصْنَ شوكٍ يُجَزُ به من هامتي إلى قَدمي (٦). وقال هشام: قال عبد الرحمن بن شِماسة المصري: دخلتُ عليه أعوده في مرض موته فقلتُ: كيف تجدُك أَبا عبد الله؟ فقال: أجدني أفسدتُ ديني بدنياي، ثم بكى

стр. 3048

وقال: أُنسيتُ لَمّا أسلمتُ أن أقولَ: يا رسولَ الله، اغفر لي ما تأخَّر من ذنبي، ثم أنشد [وجعل يقول]: كم عائدٍ رجلًا وليس يعوده (١) … إلا لينظر هل يَراه يُفِيقُ (٢) وقال الموفَّق ﵀: جعل يقول: اللهم أمرتَنا فترَكْنا. وذكره (٣). واختلفوا في وفاته: فحكى ابن سعد عن الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى عن عمرو بن شعيب قال: توفي عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر سنة اثنتين وأربعين، وهو والٍ عليها. قال: وقال محمد بن عمر، يعني الواقدي: وسمعتُ من يذكر أنه توفي سنة ثلاث وأربعين. وقال محمد بن عمر: وسمعتُ بعضَ أَهلِ العلم يقول: مات سنة إحدى وخمسين. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن سعد عن الواقديِّ (٤). وقال أبو سعيد بن يونس: مات بمصر ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين. وحكى جَدِّي في "التلقيح" (٥) القولين، أعني سنة اثنتين وأربعين، أو سنة ثلاثٍ وأربعين. وقيل: توفي بعد الستِّين، وهو وهم، والأوَّل أصحُّ. واختلفوا في سنِّه: فذكر جَدِّي في "التلقيح" أنه عاش نحوًا من مئة سنة. وقال ابن البَرْقي: عاش تسعين سنة؛ قال: وكان يقول: أَذكُرُ الليلةَ التي وُلد فيها عمر بن الخطاب. وصلى على عمرو ابنُه عبد الله، ودفَنَه، ثم صلى بالناس صلاة العيد. وكان عبد الله مقارِبًا لأبيه في السنِّ، بينهما سنُ البلوغ، ودُفن عمرو بمصر.

стр. 3049

ذِكْرُ أولاده (١): قال ابن سعد: كان له من الولد عبدُ الله، وأُمُّه رَيطَةُ بنت مُنَبِّه بن الحجاج من بني سَهْم، ومحمد، وأُمُّه من بَليّ. وكان لعمرو أَخٌ اسمُه هشام بن العاص، أَسلمَ قديمًا، وكان صالحًا فاضلًا، قُتِل يومَ اليرموك، وقيل: يومَ أجنادين، وأَمرهم عمرو أن يطؤوا جُثَّتَه ويعبروا إلى العدوّ، وقد ذكرناه. أسند عمرو بن العاص عن رسولِ الله صلى الله عليه أحاديث، واختلفوا فيها، قال ابنُ البَرْقيِّ: تسعة وثلاثين حديثًا (٢). وأَخرج له أحمد في "المسند" ثلاثةً وعشرين، منها مُتَّفَقٌ عليه، ومنها أفراد. وأُخرج له في الصحيحين [ستة] أحاديث، المتَّفق عليها منها ثلاثةٌ، وانفرد البخاريُّ بطرفٍ من حديثٍ رواه ابنه عبد الله، وانفرد مسلم بحديثين (٣). وقد ذكرنا طرفًا من مسانيده في ترجمته. وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن العاص غيره، و [أما] غير ابن العاص فكثير. السنة الثالثة والأربعون قال الواقدي: ولما مات عَمرو بن العاص أقرَّ معاويةُ ولدَه عبد الله على مصر سنة ثلاثٍ وأربعين، ثم عزله، فكانت ولايته على مصر سنتين وشهرَين. وفيها اجتمع المُسْتَوْرِد بنُ عُلَّفَة بالخوارج في غُرَّة شعبان للموعد الذي اتَّعدوا عليه في منزل حيَّان بن ظَبْيان، ونزل المستورد بساباط في ثلاث مئة رجل. ذكر القصة: ذكر هشام بن محمد عن أبي مِخْنَف عن أشياخه قالوا: بلغ المُغيرةَ بن شعبة أَنَّ قومًا من الخوارج بالكوفةِ يريدون الخروج عليه، فقام خطيبًا وقال: يا أيها الناسُ، قد

стр. 3050

علمتم أني لم أَزلْ أُحبُّ لكم العافية، وأكفُّ عنكم الأذى، وقد خَشيتُ أن لا يجدَ الحليمُ من الغضب بُدًّا، فكُفُّوا سفهاءَكم قبل أَن يشمل البلاءُ خواصَّكم (١)، فقالوا: إن كان قد سُمِّيَ لك أَحدٌ فأَخبرنا لنكفيَك أمرَه. وخرج الرؤساءُ إلى عشائرهم، فناشدوهم اللهَ والإسلامَ، وكان المغيرةُ بن شعبة قد حَبَسَ منهم جماعة. فقال معاذ بن جُوَين بن حصن من الخوارج يُحرّضُهم على الخروج: أَلا أَيُّها الشارون قد حان لامرئٍ … شرى نفسَه للهِ أَن يترحَّلا أقمتُم بدارِ الخاطئين جَهالةً … وكلُّ امرئٍ منكم يُصاد ليُقْتَلا فشُدُّوا على القومِ العُداةِ فإِنَّما … إقامتُكم للذبح رَأْيًا مُضَلَّلا من أبيات (٢). وبعث المُستورِدُ إلى أصحابه: اخرجوا من بين هذه الأُمَّة الخاطئة. فخرجوا في ليلة، فنزلوا في الصَّراة في ثلاثِ مئة رجل. فجمع المغيرةُ الرؤساءَ وقال: إنَّ هؤلاء الأشقياءَ قد أَخرجهم الحَيْنُ وسوء الرأي، فمن تَرَوْن أن أبعثَ إليهم؟ فاتفقوا على معقل بن قيس، فسار إليهم في ثلاثة آلافٍ؛ معظمُهم من شيعة أمير المؤمنين، وكان ذلك من رأي المغيرة؛ قال: لأنهم أَجرأُ عليهم من غيرهم، ويدينون اللهَ بقتالِهم حيث فعلوا بأمير المؤمنين ما فعلوا. وأَوصى المغيرةُ معقلَ بنَ قيس فقال له: اِعلم أني قد بعثتُ معك فرسانَ هذا المصر، فَسِرْ إلى هذه العصابةِ المارقة الذين فارقوا جَماعتنا وشهدوا علينا بالكفر، فادْعُهُم إلى الطاعة والدخول مع الجماعة، فإنْ تابوا ورجعوا فكُفَّ عنهم، وإن أَبَوْا فناجِزْهُم، واستعِنْ بالله عليهم. وخرج مَعقِل بن قيس، فبات بِسُورا، ثم سار حتى وصل إلى بَهُرَسير (٣) المدينة الغربية، وكان على المدينة الشرقية التي فيها أبيضُ كِسْرى سِماكُ بنُ عُبيد العَبْسيّ،
следующие страницы →