← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

عمرو؟ " فقلتُ: أَردتُ أن أشترطَ، قال: فقال: "تشترط ماذا؟ " فقلتُ: أَن يُغْفَرَ لي، فقال: "أَما علمتَ يا عمرو أَنَّ" الإسلام يهدمُ ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وأَنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَه؟ " فقد رأيتُني ما من إحدٍ من الناسِ أحبَّ إليَّ من رسولِ الله ﷺ ولا أَجلَّ في عيني منه، ولو سُئِلْتُ أن أنعتَه ما أطَقْتُ، لأني لم أكن أُطيقُ أن أَملأ عيني منه إجلالًا له، فلو مِتُّ على تلك الطبقةِ رجوتُ أن أكونَ من أهل الجنة، ثم وَلِينا أشياءَ بعد، فلستُ أدري ما أنا فيها وما حالي فيها. فإذا أنا مِتُّ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار، وإذا دفنتموني فَسُنُّوا الترابَ عليَّ سَنًّا، فإذا فرغتُم من قبري فامكثوا عندي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزورٌ ويُقسَّم لَحمُها، فإني أستأنسُ بكم حتى أعلم ماذا أُراجع به رُسُلَ ربّي. قلت: وقد أخرج مسلم بمعناه وأحمد في "المسند" طريقًا لبعضه. فأما مسلمٌ فقال: حدثنا محمد بن المثنى بإسناده عن ابن شُماسة المَهْريّ، وذكره بعينه ولم يَقُل فيه: قد كُنْتُ على أَطباق ثلاث، ولم ينقص منه سوى هذه اللفظة (١). انفرد بإخراجه مسلم. وأما الطريقُ الذي أخرجه أحمد في "المسند" لبعضِه فقال: حدثنا عفَّان، عن الأسود بن شيبان قال: حدثنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: جَزِع عمرو بن العاص عند الموت جَزَعًا شديدًا، فلما رأى ذلك ابنُه عبد الله قال له: يا أَبَة، ما هذا الجَزَعُ وقد كان رسول الله صلى الله عليه يُدْنِيك ويستعملك؟ قال: يا بنيّ، قد كان ذلك، وإني واللهِ ما أَدري، أَحُبًّا كان ذلك أم تألُّفًا كان يتألّفني، ولكني أشهدُ على رَجُلين أنَّه فارق الدنيا وهو يُحبُّهما: ابن سُميَّةَ، وابن أُمِّ عبد. فلما جَدَّ بِهِ (٢)، وضع يده موضع الغُلِّ من ذقنه وقال: اللهمَّ إنك أَمَرْتَنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا. ولا يسعنا إلا مغفرتُك. فكانت تلك هِجِّيراه حتى مات.

стр. 3047

وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن (١) قال: قال عمرو عند الموت: اللهم لا بريءٌ فأعتذر، ولا عزيزٌ فأَنتصر، وإن لم تُدرِكْني منك برحمة أكُنْ من الهالكين (٢). وفي رواية: ولكن لا إله إلا أنت. فما زال يقولُها حتى مات. وقال ابن سعد (٣): حدَّثنا عُبيد الله بن موسى بإسناده عن أَبِي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه أن يغسله بالماء ثلاثًا، ويجعل في الآخِرةِ كافورًا. وذكر قوله: اللهم إنك أَمرتنا فتركنا، ونهيتَنا فأضعنا. وروى ابن سعد (٤) عن هشام بن محمد الكلبيّ، عن عَوانة بن الحَكَم قال: كان عَمْرو بن العاص يقول: عجبًا لمن نزل به الموتُ وعَقْلُه معه كيف لا يَصِفُه؟ [فلما نزل به قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أَبتِ، إِنَّك كنتَ تقول: عجبًا لمن نزل به الموتُ وعقلُه معه كيف لا يَصِفُه]، فصِفْ لنا الموتَ وعقلُك معك. فقال: يا بُنيّ، الموتُ أَجلُّ من أَن يُوصَفَ، ولكني سأَصفُ لك منه شيئًا، أَجدُني كأنَّ على عُنُقي جبال رَضْوَى، وأَجِدُني كأَنَ في جوفِي شوك السَّعْدان (٥)، وأجدني كأَنَّ نَفَسي يخرج من ثقب إبرة. وفي روايةٍ: يا أَبَة، إنك كُنْتَ تقول: ليتني أَلقى رجلًا عاقلًا عند الموتِ يُخبرني عنه، وأنت ذاك، فأَخْبِرْنا، فقال: كأنَّ في جوفي حَسَكَ السَّعْدان، وكأني أتنفَّسُ من سَمِّ إبْرَة، وكأنَّ غُصْنَ شوكٍ يُجَزُ به من هامتي إلى قَدمي (٦). وقال هشام: قال عبد الرحمن بن شِماسة المصري: دخلتُ عليه أعوده في مرض موته فقلتُ: كيف تجدُك أَبا عبد الله؟ فقال: أجدني أفسدتُ ديني بدنياي، ثم بكى

стр. 3048

وقال: أُنسيتُ لَمّا أسلمتُ أن أقولَ: يا رسولَ الله، اغفر لي ما تأخَّر من ذنبي، ثم أنشد [وجعل يقول]: كم عائدٍ رجلًا وليس يعوده (١) … إلا لينظر هل يَراه يُفِيقُ (٢) وقال الموفَّق ﵀: جعل يقول: اللهم أمرتَنا فترَكْنا. وذكره (٣). واختلفوا في وفاته: فحكى ابن سعد عن الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى عن عمرو بن شعيب قال: توفي عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر سنة اثنتين وأربعين، وهو والٍ عليها. قال: وقال محمد بن عمر، يعني الواقدي: وسمعتُ من يذكر أنه توفي سنة ثلاث وأربعين. وقال محمد بن عمر: وسمعتُ بعضَ أَهلِ العلم يقول: مات سنة إحدى وخمسين. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن سعد عن الواقديِّ (٤). وقال أبو سعيد بن يونس: مات بمصر ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين. وحكى جَدِّي في "التلقيح" (٥) القولين، أعني سنة اثنتين وأربعين، أو سنة ثلاثٍ وأربعين. وقيل: توفي بعد الستِّين، وهو وهم، والأوَّل أصحُّ. واختلفوا في سنِّه: فذكر جَدِّي في "التلقيح" أنه عاش نحوًا من مئة سنة. وقال ابن البَرْقي: عاش تسعين سنة؛ قال: وكان يقول: أَذكُرُ الليلةَ التي وُلد فيها عمر بن الخطاب. وصلى على عمرو ابنُه عبد الله، ودفَنَه، ثم صلى بالناس صلاة العيد. وكان عبد الله مقارِبًا لأبيه في السنِّ، بينهما سنُ البلوغ، ودُفن عمرو بمصر.

стр. 3049

ذِكْرُ أولاده (١): قال ابن سعد: كان له من الولد عبدُ الله، وأُمُّه رَيطَةُ بنت مُنَبِّه بن الحجاج من بني سَهْم، ومحمد، وأُمُّه من بَليّ. وكان لعمرو أَخٌ اسمُه هشام بن العاص، أَسلمَ قديمًا، وكان صالحًا فاضلًا، قُتِل يومَ اليرموك، وقيل: يومَ أجنادين، وأَمرهم عمرو أن يطؤوا جُثَّتَه ويعبروا إلى العدوّ، وقد ذكرناه. أسند عمرو بن العاص عن رسولِ الله صلى الله عليه أحاديث، واختلفوا فيها، قال ابنُ البَرْقيِّ: تسعة وثلاثين حديثًا (٢). وأَخرج له أحمد في "المسند" ثلاثةً وعشرين، منها مُتَّفَقٌ عليه، ومنها أفراد. وأُخرج له في الصحيحين [ستة] أحاديث، المتَّفق عليها منها ثلاثةٌ، وانفرد البخاريُّ بطرفٍ من حديثٍ رواه ابنه عبد الله، وانفرد مسلم بحديثين (٣). وقد ذكرنا طرفًا من مسانيده في ترجمته. وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن العاص غيره، و [أما] غير ابن العاص فكثير. السنة الثالثة والأربعون قال الواقدي: ولما مات عَمرو بن العاص أقرَّ معاويةُ ولدَه عبد الله على مصر سنة ثلاثٍ وأربعين، ثم عزله، فكانت ولايته على مصر سنتين وشهرَين. وفيها اجتمع المُسْتَوْرِد بنُ عُلَّفَة بالخوارج في غُرَّة شعبان للموعد الذي اتَّعدوا عليه في منزل حيَّان بن ظَبْيان، ونزل المستورد بساباط في ثلاث مئة رجل. ذكر القصة: ذكر هشام بن محمد عن أبي مِخْنَف عن أشياخه قالوا: بلغ المُغيرةَ بن شعبة أَنَّ قومًا من الخوارج بالكوفةِ يريدون الخروج عليه، فقام خطيبًا وقال: يا أيها الناسُ، قد

стр. 3050

علمتم أني لم أَزلْ أُحبُّ لكم العافية، وأكفُّ عنكم الأذى، وقد خَشيتُ أن لا يجدَ الحليمُ من الغضب بُدًّا، فكُفُّوا سفهاءَكم قبل أَن يشمل البلاءُ خواصَّكم (١)، فقالوا: إن كان قد سُمِّيَ لك أَحدٌ فأَخبرنا لنكفيَك أمرَه. وخرج الرؤساءُ إلى عشائرهم، فناشدوهم اللهَ والإسلامَ، وكان المغيرةُ بن شعبة قد حَبَسَ منهم جماعة. فقال معاذ بن جُوَين بن حصن من الخوارج يُحرّضُهم على الخروج: أَلا أَيُّها الشارون قد حان لامرئٍ … شرى نفسَه للهِ أَن يترحَّلا أقمتُم بدارِ الخاطئين جَهالةً … وكلُّ امرئٍ منكم يُصاد ليُقْتَلا فشُدُّوا على القومِ العُداةِ فإِنَّما … إقامتُكم للذبح رَأْيًا مُضَلَّلا من أبيات (٢). وبعث المُستورِدُ إلى أصحابه: اخرجوا من بين هذه الأُمَّة الخاطئة. فخرجوا في ليلة، فنزلوا في الصَّراة في ثلاثِ مئة رجل. فجمع المغيرةُ الرؤساءَ وقال: إنَّ هؤلاء الأشقياءَ قد أَخرجهم الحَيْنُ وسوء الرأي، فمن تَرَوْن أن أبعثَ إليهم؟ فاتفقوا على معقل بن قيس، فسار إليهم في ثلاثة آلافٍ؛ معظمُهم من شيعة أمير المؤمنين، وكان ذلك من رأي المغيرة؛ قال: لأنهم أَجرأُ عليهم من غيرهم، ويدينون اللهَ بقتالِهم حيث فعلوا بأمير المؤمنين ما فعلوا. وأَوصى المغيرةُ معقلَ بنَ قيس فقال له: اِعلم أني قد بعثتُ معك فرسانَ هذا المصر، فَسِرْ إلى هذه العصابةِ المارقة الذين فارقوا جَماعتنا وشهدوا علينا بالكفر، فادْعُهُم إلى الطاعة والدخول مع الجماعة، فإنْ تابوا ورجعوا فكُفَّ عنهم، وإن أَبَوْا فناجِزْهُم، واستعِنْ بالله عليهم. وخرج مَعقِل بن قيس، فبات بِسُورا، ثم سار حتى وصل إلى بَهُرَسير (٣) المدينة الغربية، وكان على المدينة الشرقية التي فيها أبيضُ كِسْرى سِماكُ بنُ عُبيد العَبْسيّ،

стр. 3051

فقطع الجِسْرَ، ولم يمكّن معقل بن قيس من العبور، ثم مكَّنهم بعد ذلك (١)، والتقَوْا على المذار (٢)، فقال المُسْتَوْرِد: شُدُّوا عليهم ولا تمكّنوهم من تعبئة الخيل، فشَدُّوا عليهم، فانهزم بعضُ أصحاب معقل، فترجَّلَ مَعْقِلٌ وترجَّل مَن كان معه، وقاتل قتالًا شديدًا وحجز بينهم الليلُ، وأبسلوا أيَّامًا، وأخَّر أمرَهم أنَّ معقل بن قيس والمستورد بن عُلَّفَة مشى كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، وبيد المستورد رمحٌ، وبيد معقل بن قيس سيف، فطعن المستوردُ مَعْقِلًا في صدره، فخرج السِّنانُ من ظهره، وضربه معقل بالسيف على رأسه، فخالط أُمَّ دِماغه، فخرَّا مَيِّتَين، وقُتِل باقي الخوارج. وفي رواية أن الواقعة كانت بجُرْجان، وأَنَ الخوارج مَضَوْا إلى ساباط، ولحقهم مَعْقِلٌ وفي مقدّمته أبو الروَّاغ، ولحقه معقل في سبع مئة من الأبطال، فنادى المستورد: يا معقل، ابرز إِليَّ. فبرز إِليه، فحمل عليه، فطعنَه بالرُّمح، وضربه مَعْقِل بالسيفِ، فَخَرَّا مَيِّتَين. فهذا ما انتهى إلينا. والله أعلم (٣). وحجَّ بالناس في هذه السنة -على ما قيل- مروانُ بنُ الحَكَم. وكان واليًا على المدينة، وعلى مكةَ خالد بنُ العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بنُ شعبة، وعلى قضائها شُرَيْح بن الحارث، وعلى البصرة وفارس وخُراسان وسجستان عبدُ الله بنُ عامر، وعلى قضائها عمرو بن يثربي (٤). وفيها توفي عبد الله بن سلام الإسرائيليّ، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الأنصار، وقال (٥): كنيته أبو يوسف، وكان اسمه الحُصين، فلما أَسلم سمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله. قال: وهو

стр. 3052

رجلٌ من بني إسرائيل من ولدِ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وهو حليفٌ للقواقلةِ من بني عَوْف بن الخزرج. وقد ذكرنا إسلامه في السنة الأُولى من الهجرة، وما جرى له مع اليهود بحضرة رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: نزل فيه آياتٌ من القرآن. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق بن عيسى بإسناده عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقَّاص قال: ما سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه يقول لحيٍّ يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنَّة"، إلا لعبد الله بن سلام. أخرجاه في الصحيحين (١). فإِن قيل: فقد شهد رسولُ الله ﷺ للعشرةِ المبشَّرين بالجنَة، فكيف تقولُ هذا؟ فالجواب من وجهين: أَحدهما: أنَّ النبي صلى الله عليه قال هذا القولَ لَمَّا قَدِم المدينةَ وآمن به ابنُ سَلام، وكذَّبَ اليهودَ، ثم شهد بعد ذلك للعشرة. والثاني: أن سعدًا أَراد ما سوى العشرة. وقد أخرج ابن سعد بمعناه فقال: حدَّثنا عفَّان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن جابر بن عبد الله، عن معاذ بن جبل قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عبد الله بن سلام عاشرُ عشرة في الجنَّةِ" (٢). وقال أحمد بإِسناده عن مصعب بن سعد عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بقَصْعَةٍ، فأَكل منها، ففَضَلَت فَضْلَةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يجيءُ رجلٌ من هذا الفَجِّ من أَهلِ الجنةِ يأكلُ من هذه الفضلة". قال سعد: وكنتُ تركتُ أخي عُميرًا يتوضَأُ، فقلتُ: هو عُمَير، قال: فجاء عبد الله بن سلام [فأكلها] (٣).

стр. 3053

وقول ابن سلام (١): يا رسول الله، أَحضِر اليهودَ، فإنَّهم قَوْمٌ بُهْتٌ، فلما حضروا تركه في مَخْدَعٍ وقال لهم: "ما تقولون في ابنِ سلام؟ " فقالوا: سيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وعالمُنا وابنُ عالِمِنا، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَرأيتُم إِن أسْلَم، أَتُسْلمون؟ " قالوا: نُعيذُه بالله من ذلك، فخرج ابنُ سلام وهو يقول: أَشهدُ أنك رسولُ الله، وأنَّهم يعلمون منك ما أَعلمُ، فخرجوا، وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] (٢). وقال مجاهد: الشاهدُ عبد الله بن سلام، والهاء في قوله: على مثله، ترجعُ إلى القُرآن (٣). وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم قال: لَمَّا سمع عبد الله بنُ سلام ما نَزَلَ على النبيِّ ﷺ من القرآن، وعرف صفةَ رسولِ الله ﷺ عنده، وعرف ما نزل عليه من القرآن بما عنده من التوراةِ، وكان أعلَم بني إسرائيل بالتوراة، وأَصدَقَه عندهم، فأسلم وثبت على إسلامه حتى مات (٤). وحكى ابن سعد أيضًا عن جابر بن زيد عن مجاهد وعطاء وعكرمةَ في قوله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قالوا: عبد الله بن سلام. قال: قال الحسنُ بن مسلم: نزلت هذه بمكَّة وعبد الله بن سلام بالمدينة مُسْلِم. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] قال: هو عبد الله بن سلام. وروى ابن سعد بإسناده إلى عطية العَوْفيِّ قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]: كانوا خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامين (٥)، وثعلبة، وأسد، وأسيد.

стр. 3054

وقال ابن سعد بإسناده إلى معاذ بن عبد الله التيمي (١)، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عبد الله قال: أمرني رسولُ الله ﷺ أن أقرأ القُرآن ليلةً، والتوراةَ ليلةً. فإن قيل: فقد كان رسولُ الله صلى الله عليه ينهى عن قراءة التوراة، وقال لعمر: "أَمِطْها أَمِطْها عنك" الحديث. فالجواب: إنما نَهَى عن قراءة التوراة التي بدَّلَها اليهودُ وغيَّروها، أما التوراةُ الصحيحة التي فيها أَوصافُ رسولِ الله ﷺ ، فلا، ولهذا أَمره بقراءتها لئلا ينساها، فيُحاجَّ اليهودَ بها، ألا ترى أنَّ الحالفَ لو حلفَ بالتوراةِ التي أُنزلت على موسى ﵇ فحنث، فإنَّه يلزمُه الكَفَّارةُ؟! حديث رؤيا ابن سَلام: قال أحمد (٢): حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن قيس بن عُباد قال: كُنت جالسًا في مسجدِ رسول الله ﷺ ، فجاء رجل في وجهه أَثرٌ من خُشوع، فقال القوم: هذا رجلٌ من أَهلِ الجنَّة. قال: فصلَّى ركعتين تجوَّز فيهما -أو: فأوجز فيهما- ثم خرج، فاتَّبعته، فدخل منزله ودخلتُ معه، فتحدَّثْنا، فلما استأنس قلتُ: إنك لَمّا دخلْتَ قبلُ المسجدَ قال القومُ: إِنك من أهلِ الجنة. فقال: سبحان الله! ما ينبغي لأَحدٍ أن يقولَ ما لا يعلم. وسأُحدِّثُكم لِمَ ذاك. إني رأيتُ رؤيا على عهدِ رسولِ الله ﷺ فقصصتُها عليه؛ رأيتُ كأني في روضةٍ خضراءَ -قال ابن عون: فذكر من خُضْرَتها وسَعَتها وعُشْبِها (٣) - ووسطَ الروضة عمودٌ من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماءِ، في أعلاه عروةٌ، فقيل لي: اصعد عليه وارْقَه، فقلتُ: لا أستطيع. قال: فجاءني مِنْصَفٌ - قال ابن عون: والمِنْصَفُ: الخادم- فرفع ثيابي -أو قال: بثيابي من خلفي؛ وصف أنه رفعه بيده من خلفه- وقال:

стр. 3055

اصعد. قال: فَرَقِيتُ حتى كنتُ في أعلى العمود، فأخذتُ بالعروة الوُثقى (١)، فقيل لي -أو قال لي-: استمسك بها. فلقد استيقظتُ وإِنَّها لفي يدي. فلما أصبحتُ أَتيتُ رسولَ الله ﷺ فقصصتُها عليه، فقال: "أَما الروضةُ؟ فروضةُ الإسلام، وأَما العمود؛ فعمودُ الإسلام، وأَما العروةُ؛ فالعروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت". قال: والرجل عبد الله بن سلام. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وهو حديثٌ طويلٌ بروايات مختلفة. وأخرجه أحمد في في المسند" (٣) بمعناه من طريقٍ آخر فقال: حدَّثنا حسن بن موسى وعفَّان بن مسلم قالا: حدَّثنا حمّاد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدَلةَ، عن المسيَّب بن رافع، عن خَرَشة بن الحُرِّ قال: قَدِمْتُ المدينةَ فجلستُ إلى مَشْيَخَةٍ -أو أَشْيِخَةٍ- في مسجد رسولِ الله ﷺ فجاء شيخ يتوكأ على عصا، فقال القومُ: من سرَّه أَن ينظر إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّةِ فلينظر إلى هذا. فقام خلف ساريةٍ، فصلّى ركعتين، فلما قضى صلاته قام فخرج، فاتَّبعْتُه وقلت: لأَعلمَنَّ مكانَ بيتِه، فدخل منزله فاستأذنتُ عليه، فأذِنَ لي، فلما دخلتُ قال: ما حاجتُك يا ابنَ أخي؟ قلتُ: قد سمعتُ القومَ يقولون كذا وكذا، فأعجبني أن أكونَ معك، فقال: اللهُ أَعلمُ بأهلِ الجنةِ، يُدخلُها مَنْ يشاء، وسأُحدِّثُك لِمَ قالوا ذلك: بينما أنا نائمٌ إذ أتاني آت -أو رجلٌ- فقال لي: قُم، فأخذ بيدي، فانطلقت معه، إذا بجَوادَّ عن شمالي، فأخذتُ في ناحيةِ الشمال، فقال: لا تأخذْ فيها، فإنها طرقُ أصحاب الشِّمال، ولستَ من أهلها، وإذا جَوادُّ مَنْهَجٌ عظيمٌ عن يميني، فقال: خُذْ هاهُنا، فسلكتُها حتى انتهينا إلى جبلٍ زَلَقٍ، فقال: اصْعَدْ، فجعلتُ إِذا أَرَدْتُ أصعدُ خَرَرْتُ حتى فعلتُ ذلك مِرارًا. وفي رواية: فَزَجَل بي (٤)، فإذا أنا على ذِرْوَته، فلم

стр. 3056

أتقارَّ، ولم أتماسك، فإذا عمودٌ من حديد، رأسُه في السماء، وأسفلُه في الأرض، وفي أعلاه عروة من ذهب، فقال: اصْعَدْ فوقَ هذا، فقلتُ: كيف أصعدُ ورأسُه في السماءِ؟! فأخذ بيدي فَزَجَل بي: فإذا أنا مُعَلَّقٌ -أو متعلِّقٌ- بالحلقة، أو بالعروة. ثم ضَربَ العمود، فَخرَّ، وبقيتُ متعلّقًا بالحلقة حتى أَصبحتُ. فأتيتُ رسول الله ﷺ فقصصتُها عليه، فقال: "رأيتَ خيرًا، أما الطرقُ التي عن يسارك؛ فطرقُ أصحابِ الشِّمال -أو طرق أهلِ النارِ- ولستَ من أَهلِها، وأما الطرقُ التي عن يمينك؛ فطرقُ أهل اليمين والجنة، وأنت من أهلها، وأما المنهج العظيم فالمحشر. وقيل: طريق الإسلام، وأما الجبلُ فجبلُ الشهداء، ولن تناله، والعمود عمودُ الإسلام، والعروةُ عروةُ الإسلام، فاسْتَمْسِكْ بها حتى تموت". وأنا أرجو أن أكون من أهلها. قال: والرجل عبد الله بن سلام. وقد أخرج البخاري عن أبي بُردة بن أبي موسى قال: قدمتُ المدينةَ فلقيتُ ابنَ سَلَام، فقال: ألا تجيءُ فأُطعمَك سَويقًا وتمرًا، وتدخل فتصلي في مسجدٍ صلى فيه رسولُ الله ﷺ في بيتي، وأسقيَك في قَدَح شربَ فيه رسولُ الله ﷺ ؟ قال: فانطلقتُ معه، فَسقاني سَويقًا وأَطعمني تمرًا، وصلَّيتُ في مسجدهِ، وقال لي: إنك بأرضٍ الرِّبا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجلٍ حقٌّ فأهدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شعيرٍ، أَو حِمْلَ قَتٍّ، فلا تأخذه، فإنه رِبًا (١). ذِكْرُ وفاته: اتفقوا على أنه توفي في سنة ثلاث وأربعين [بالمدينة]، ودُفِنَ بالبقيع من غير خلاف. وحكى ابن سعد أنه شهد فَتْحَ نهاوند (٢). وقال أبو القاسم بن عساكر: شهد مع عمرَ الجابية وفتح بيت المقدِس (٣).

стр. 3057

أسند عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه أحاديث؛ قال ابن البَرْقي: خمسة وعشرين حديثًا (١). وأخرج له أَحمد سبعةَ أحاديث منها مُتَّفقٌ عليه، ومنها أفراد. وقد ذكرنا طرفًا مَن أحاديثِه. وروى عن ابنِ سلام أنسُ بنُ مالك، وأبو هريرة، وعبد الله بنُ مُغَفَّل المُزَنيُّ، وابناه يوسف ومحمد، وعبد الله بن حنظلة بن الراهب، وعطاء بن يَسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وزُرارة بن أوفى في آخرين (٢). وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن سلام غيره. وفيها توفي محمد بن مَسْلَمة ابن سَلَمة بن خالد بن عديّ بن مَجْدَعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو -وهو النَّبيتُ- بن مالك بن الأوس. ومحمد حليفٌ لبني عبد الأشهل، وهو من الطبقةِ الأُولى من الأنصارِ، وأُمُّه أُمُّ سهم، واسمُها خُلَيدَةُ بنت أبي عبيد، من الخزرج. قال ابن سعد (٣): أسلم محمد بن مَسْلَمة بالمدينة على يدي مصعب بن عُمَير، وذلك قبل إسلام أُسيد بن الحُضَير، وسعد بن معاذ. وآخى رسولُ اللهِ ﷺ بين محمد وبين أبي عُبَيدَة بن الجرَّاح، وشهد بَدْرًا، وأُحُدًا، والخندقَ، والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ الله ﷺ ما خلا تبوك، فإن رسولَ الله ﷺ استخلفه على المدينةِ حين خرج إلى تبوك، وثبت مع رسولِ الله ﷺ يوم أُحد لَمّا انهزم الناس. وقيل: إنه [قتل] مَرْحَبًا يومَ خيبر، وقد ذكرناه، وكان محمد فيمن قَتَلَ كعب بن الأشرف (٤).

стр. 3058

قال ابن سعد (١): وبعثه رسولُ الله ﷺ إلى القُرَطاء -وهم من بني كلاب (٢) - سَرِيَّةً في ثلاثين فارسًا من الصحابةِ، فسَلِمَ وغَنِمَ. قال: وبعثه إلى ذي القَصَّةِ [سريةً] في عشرة نفرٍ، واستعمله في عمرة القَضِيَّةِ على الخيل، وكانت مئة فَرَس. وقال ابن سعد (٣) بإسناده عن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال: كان محمد بن مَسْلَمة يقول: يا بَنِيَّ، سَلُوني عن مشاهد رسولِ الله ﷺ ومواطنِه، فإني لم أتخلَّفْ عنه في غزوةٍ قطُّ إِلا واحدةً في تبوك، خلَّفني على المدينةِ، وسلوني عن سراياه، فإنه ليس منها سَرِيَّةٌ تخفى عليَّ؛ إمَّا أَن أكونَ فيها، أو أن أعلمها حين خَرَجَتْ. وحكى ابن سعد (٤) أنَّ محمدًا كان رجلًا أسودَ طُوالًا عظيمًا أصلع. قال: وكان يُسَمَّى فارسَ [نبيِّ] الله (٥). وذكره ابن عبد البَرِّ فقال: كُنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو سعيد (٦). وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وكان فيمن طلع الحصنَ مع الزبير بن العوَّام، واختطَّ بمصر، ثم رجع إلى المدينة، وقَدِم مرَّةً أُخرى مصر في مُقاسمةِ عمرو بن العاص، فلم يقبل رِشوَةً، وقد ذكرناه. وروى الحسنُ في مراسيله أنَّ محمدًا مرَّ بين الصفا والمروةِ، ورسولُ الله صلى الله عليه واضعٌ خدَّه على خدِّ رجلٍ، لم يُسَلِّم، فدعاه وقال: "يا محمَّدُ، ما لك لم تُسَلِّمْ"؟ فقلتُ له: رأيتُكَ فعلتَ بهذا الرجلِ شيئًا لم تفعله بغيرِه، فكرهتُ أن أَقطع عليكَ

стр. 3059

حديثَك، مَنْ كان الرجلُ يا رسولَ الله؟ قال: "ذاك جبريلُ، ولو سلَّمتَ لردَّ عليك السلامَ" (١). وحكى أبو القاسم بن عساكر عن خليفة (٢) عن سفيان بن عُيَينة قال (٣): قال عمر بن الخطاب لمحمد بن مسلمة: كيف تراني يا محمد؟ فقال: قويًّا على جمعِ المالِ، عفيفًا عنه، عادلًا في القسمة، ولو مِلْتَ عدَّلناك كما يُعَدَّل السهمُ في الثِّقاف (٤). فقال عمر: الحمد للهِ الذي جعلني في قومٍ إذا مِلْتُ عدَّلوني. وحكى عن الواقديِّ قال (٥): حكى محمدُ بنُ مسلمة أنه كان يومًا جالسًا عند مروان بالمدينةِ وعنده ابنُ يامين [فقال مروان: كيف كان قَتْلُ ابنِ الأشرف؟ قال ابنُ يامين]: كان غَدرًا. فغضب محمد وقال: يا مروان، تسمعُ هذا وأَنْتَ ساكتْ؟! أَيُغَدَّرُ رسولُ الله ﷺ عندَك؟ واللهِ ما قتلناه إلّا بأمره، واللهِ لا يجمعني وإياك سقفٌ أبدًا إلا سقفُ المسجد، وأما أنت يا ابنَ يامين، فللَّهِ عليَّ إن قَدَرْتُ عليك وفي يدي سيفٌ لأضربنَّ به رَأسَكَ. فكان ابنُ يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر إن كان محمدٌ في بعضِ ضِياعه نزل، وإلا فلا. فبينا محمد في جِنازة بالبقيع إذ رأى ابنَ يامين، وكان هناك عُلِّيَّةٌ من جريد، فأخذ منها سَعَفًا (٦)، وجعل يضرب به رأْسَ ابن يامين ويقول: واللهِ واللهِ لو أَنَّ معي سيفي لضربتُك به. وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.

стр. 3060

وقال الواقديُّ (١): بلغ عمرَ بنَ الخطاب أَن سعد بن أبي وقاص بنى قَصْرًا بالكوفة، فأرسل محمد بن مَسْلَمة، فحرق بابَ القصر بالنار. وكان عمر إذا أراد شيئًا من هذه الأشياء بعث محمد بنَ مَسْلَمة فيه. وذكره خليفةُ في عمال رسولِ الله صلى الله عليه وقال: استخلفه في غزاة قَرْقَرَة الكُدر (٢). وقال هشام: كان محمد من فضلاء الصحابة، واعتزل الفِتن فلم يشهد صِفِّين ولا الجمل، وأقامَ بالرَّبَذَة، واتخذ سيفًا من خشب. قال ابن سعد (٣): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسنِ، أن رسولَ الله ﷺ أعطى محمد بنَ مسلمة سيفًا وقال: "قاتِلْ به المشركين ما قاتلوا، فإذا رأَيتَ المسلمين قد أقبلَ بعضُهم على بعض فَائْتِ به أُحُدًا، فاضربْه حتى تقطَعه، ثم اجلِسْ في بيتك حتى تأتيَك يدٌ خاطئةٌ، أو مَنِيَّة قاضية". وقال ابن سعد (٤): حدَّثنا عفَّان بن مُسْلم بإسناده إلى ضُبيعة بن حصن الثعلبي قال: كنَّا جلوسًا مع حذيفة، فقال: إني لأَعلمُ رجلًا لا تَنْقُصُه الفتنةُ شيئًا، فقلنا: من هو؟ قال: محمد بن مَسْلَمة الأنصاري. فلما مات حُذيفةُ وكانت الفتنةُ، خرجتُ فيمن خرج من الناس، فأتيتُ أهلَ ماءٍ، فإذا بفُسطاطٍ مضروب مُتَنَحًّى به تضربُه الرياح، فقلتُ: لمن هذا الفُسطاط؟ فقالوا: لمحمد بن مَسْلَمة. فأتيتُه فإذا هو شيخٌ، فقلتُ له: يرحمك الله، أَراك رجلًا من خِيارِ المسلمين، تركتَ بلدَك ودارَك وأهلَك وجِيرتَك! قال: تركتُه كراهيةَ الشرِّ، ما في نفسي أن تشتمل على مصرٍ من أمصارهم حتى تنجليَ عَمَّا انجلت. وقال ابن سعد (٥) بإسناده عن زيد بن أسلم، عن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسولُ الله ﷺ سيفًا وقال: "جاهِدْ بِهذا السيفِ في سبيلِ الله، حتى إذا رأَيتَ من

стр. 3061

المسلمين فئتينِ تقتتلان؛ فاضربْ به الحجرَ حتى تكسرَه، ثم كُفَّ لسانَك ويدَكَ حتى تأتيَك مَنِيَّةٌ قاضية، أو يدٌ خاطئة". فلما قُتِل عثمان وكان من أمرِ الناس ما كان، خرج إلى صخرة في فِنائه، فضرب بها السيفَ حتى كسره. قال ابن سعد: واتخذ محمد سيفًا من خَشَب، وعلَّقه في الجَفْنِ في بيته وقال: أُهيِّبُ به ذاعِرًا. وقد أخرج أحمد في "المسند" بمعناه فقال: حدَّثنا يزيد بن هارون بإسناده عن أبي بُردة قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذة، فإذا بفُسطاط، فقلتُ: لمن هذا؟ قيل: لمحمد بن مَسْلَمة، فاستَأْذَنْتُ عليه فأَذِنَ، فدخَلْتُ فسلَّمْتُ وقلتُ: يرحمك الله، إنك من هذا الأمرِ بمكان، فلو خرجت إلى الناسِ فأَمَرْتَ ونَهَيتَ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: "إنه ستكون [فتنة و] فُرْقَةٌ واختلاف، فإذا كان ذلك فائْتِ بسيفك أُحُدًا، فاضربْ به عُرْضَهُ، واكْسِرْ نَبْلَك، واقطعْ وَتَرَكَ، واجْلِسْ في بيتك". فقد كان ذلك، وفعلتُ ما أمرني به رسولُ الله ﷺ . ثم استنزل سيفًا كان مُعلَّقًا بعمود الفسطاط، فاخترطه، وإذا سيفٌ من خشب وقال: هذا أُرهبُ به الناس (١). ذِكرُ وفاته: حكى ابن سعد عن الواقديِّ أَنَّه مات بالمدينة في صفر سنة ستٍّ وأَربعين وهو يومئذٍ ابن سبع [وسبعين] سنةً، وصلَّى عليه مروان بن الحكم (٢). وقال جدِّي في "التلقيح" (٣): إنه مات في صفر سنة ثلاثٍ [وأربعين] وقيل: سنة اثنتين وأربعين بالمدينة.

стр. 3062

قلتُ: وقد قال هشام: مات في سنة ثلاثٍ وأربعين بالرَّبذَة، ودُفِق إلى جانب أبي ذَرّ. ذِكْرُ أولاده: قال ابن سعد: كان له من الولد عَشَرة نَفَر، وستُّ نسوة: عبد الرحمن، وبه كان يُكنى، وأُمُّ عيسى، وأُمُّ الحارث، وأُمُّهم أُمُّ عمرو بنت سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل، وهي أُختُ سَلَمة بن سلامة. وعبدُ الله، وأُمُّ أَحمد، وأُمُّهما عَمْرَةُ بنت مسعود بن أوس من الخزرج. وسَعْد، وجعفر، وأُمُّ زيد، وأُمُّهم قُتَيلة بنت الحُصَين بن ضمضم من قيس عَيلان. وعمرُ، وأُمُّه زهراء بنت عمّار بن مَعْمر من قيس عَيلان أيضًا. وأَنسٌ، وعُمَيرَةُ (١)، وأُمهما من الأَطْباء؛ بطنٍ من كلب. وقيسٌ، وزيدٌ، ومحمد، لأُمِّ ولد. ومحمودٌ، لا عقب له، وحفصةُ؛ لأُمِّ ولد (٢). أَسند محمد عن رسولِ الله ﷺ الحديثَ، وقد ذكرنا بعض مسانيده. وقال الحُمَيديُّ: أَخرج له البخاريُّ حديثًا واحدًا مشتركًا. وقال ابنُ أبي الفوارس: اتفقا على حديث محمد بن مَسْلَمة (٣). وليس في الصحابة من اسمُه محمد بن مَسْلَمة غيره. السنة الرابعة والأربعون وفيها زاد معاويةُ في مقصورةِ جامع دمشق، وكان قد أحدثَها لَمّا وثب عليه البُرَك (٤)، ثم أَحدثَ مروانُ بالمدينة مقصورة أُخرى.

стр. 3063

وفيها أوغلَ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلادِ الروم، وشتَّى بها، وغزا بُسْرُ بن أبي أَرْطاةَ في البحر. وفيها عزلَ معاويةُ عبدَ الله بنَ عامر عن البصرة. ذكر القصة: سبب ذلك؛ قال علماء السِّيَر: كان عبد الله بنُ عامر كريمًا ليِّنًا، سهلَ الأخلاق، لا يأخذُ على أيدي السفهاء، فطمعوا فيه، وفسدت البصرةُ. قال عمر بن شَبَّةَ: فشكا عبد الله بنُ عامر إلى زياد بن أبيه ظهورَ الفسادِ، وطَمَعَ الزُّغَارِ، فقال له زياد: جَرِّد السيف، فقال: إني أكره أن أُصلحهم بفسادِ نفسي. وكان ابنُ عامر لا يُعاقِبُ أحدًا ولا يقطعُ لِصًّا، فقيل له في ذلك، فقال: كيف أنظر إلى رجل قطعتُ أباه وأخاه (١)؟. قال عمر بن شَبَّة: فوفدَ عبدُ الله بن الكَوَّاءِ على معاوية، فسأَله عن البصرةِ، فقال: قد غلبَ عليها سفهاؤها، وضَعُفَ سلطانُها. فعزلَ ابنَ عامرٍ عنها. وفي رواية عمر بن شَبَّة أيضًا قال (٢): لما ضَعُفَ ابنُ عامرٍ في عملِه، وانتشر الأَمرُ عليه بالبصرةِ، وبلغ معاويةَ، كتب إِليه يستزيرُه في هذه السنة، فاستخلف ابنُ عامرٍ على البصرة قيسَ بنَ الهيثم، وقَدِمَ على معاوية، فأقام عنده، ثم ردَّه إلى عمله، فلما ودَّعه قال له معاويةُ: إِني سائلُك ثلاثًا، فقُلْ: هي لك، فقال ابن عامر: هي لك وأنا ابنُ أُمِّ حكيم. قال: تردُّ عليَّ عملي ولا تغضب، قال: فعلتُ، قال: وتهبُ لي دُورَك [بمكة]. قال: قد فعلتُ، قال: وتهبُ لي مالك بعَرَفة، قال: قد فعلتُ، فقال معاويةُ: وَصَلَتْك رَحِم. قال ابنُ عامر: وأنا أسألك ثلاثًا، فقُل: هي لك، فقال معاوية: هي لك وأنا ابنُ هند، فقال ابن عامر: تردُّ علي مالي بعَرَفةَ، قال: قد فعلتُ، قال: ولا تُحاسب لي عاملًا، ولا تتبع لي أَثرًا، قال: قد فعلتُ، قال: وتُنكحُني ابنتَك هندًا، قال: قد فعلتُ.

стр. 3064

ولم يذكر الطبريّ في "تاريخه" من ولَّى معاويةُ البصرةَ بعد ابن عامر في هذه السنة، وإنَّما ذكر في أوَّلِ سنة خمس وأربعين وقال: استعمل معاويةُ على البصرة الحارثَ بن عبد الله الأزديّ، فأقام أَربعةَ أشهرٍ، ثم عزله. قال: وقد قيل: هو الحارث بن عمرو، وكان من أهل الشام. هذا صورةُ ما ذكره الطبري في أول سنة خمس وأربعين (١). قال: وولى الحارثُ شُرطته عبد الله بنَ عَمْرو بن غيلان الثقفيَّ. قلت: والأصحُّ أنه ولَّى الحارث، وقد اختلفوا فيه، فقيل: الحارث بن عبد الله الأزديّ، وقيل: الحارث بن وَهْب، وقيل: الحارث بن خالد الأزديّ الدَّوْسيّ، له صحبةٌ ورواية، شهد اليرموك، ونزل فلسطين، وقدم الحارث مع أبيه على رسول الله صلى الله عليه في وفد دَوْس، وذكره البخاريُّ في الصحابة، وذكره خليفة وابنُ سعد في الطبقةِ الأُولى من أهلِ الشام (٢). وذكره ابن عساكر (٣) وقال: روى عن خالد بن الوليد، وشهد مع معاوية صِفّين على رَجَّالة فلسطين، ولما ولَّاه معاويةُ البصرةَ أَقامَ أربعةَ أَشهر، فشكاه أَهلُها إلى معاوية، فكتب إليه يستعفي، فأعفاه وولَّى زيادًا. وفي هذه السنة استلحقَ معاوية نسب زيادٍ بأبيه أبي سفيان، واختلفوا فيه: فحكى الطبريُّ (٤) عن عُمر بن شَبَّة أنه حدَّثه قال: زعموا أنَّ رجلًا من عبد القيس كان مع زيادٍ لَمَّا وفد على معاوية، فقال الرجل لزياد، إنَّ لابنِ عامر عندي يدًا، فإِنْ أَذِنْتَ لي أَتيتُه. فقال زياد: على أن تُحَدِّثَني بما يجري بينك وبينه. قال: نعم. فأتَى ابنَ عامرٍ فقال له: هيه هيه! وابن سميَّة يقبِّح آثاري وَيعرِضُ لعُمَّالي، لقد هممتُ أن آتيَ بقَسامةٍ من قريشٍ يحلفون أن أبا سفيان لم يَرَ سُمَيَّةَ.

стр. 3065

فلما عاد الرجلُ سأله زيادٌ، فامتنع أن يُخبره، فلم يَدَعْهُ حتى أَخبره، فأَخبر بذلك زيادٌ معاويةَ، فقال معاويةُ لحاجبه: إذا جاء ابن عامرٍ فاضرب وجه دابتِه عن أقصى الأبواب. ففعل الحاجبُ ذلك، فأتى عامر يزيد بنَ معاوية، فشكا ذلك إليه، فقال: هل ذكرتَ زيادًا؟ قال: نعم. فجاء يزيدُ معه حتى أدخلَه على معاويةَ، فلما نظر إليه معاويةُ قام فدخل، فقال له يزيد: اجلسْ، فكم عسى أن يجلس في البيتِ مَجْلِسَه (١)، فلما أَطالا خرج معاويةُ وفي يده قضيبٌ يضربُ به الأبوابَ ويتمثَّلُ: لنا سياقٌ ولكم سِياقُ … قد عَلمَت ذلكم (٢) الرِّفاقُ فقعد وقال لابن عامر: أَنْتَ القائلُ في زيادٍ ما قُلْتَ؟! أَما والله إني لم أتكثَّرْ بزيادٍ من قِلَّةٍ، ولم أتعزَّزْ به من ذِلَّة، ولكني عرفتُ حقًّا لله، فوضعتُه موضعَه، فقال ابن عامر: فحينئذٍ نرجعُ إلى ما يحبُّ زياد. قال معاويةُ: فإِذَنْ نرجعُ إلى ما تُحِبُّ. فخرج ابن عامر إلى زياد فترضَّاه. وروى الطبريُّ أيضًا عن أبي إسحاق قال (٣): لَمَّا قَدمَ زياد الكوفةَ قال: قد جئتُكم في أمر ما طلبتُه إلا لكم. قالوا: ادعُنا إلى ما شِئْتَ، قال: تُلحقون نسبي بمعاوية، قالوا: أَمَّا شهادة الزُّورِ فلا، فأَتى البصرةَ، فشهد له رَجُلٌ. قلتُ: هذا صورةُ ما ذكر الطبريُّ، وما قام فيه. وقد أتيتُ على أَقوالِ أرباب السِّيَر؛ فذكر البلاذريُّ (٤) أن معاويةَ لَمَّا بعثَ المغيرةَ بنَ شعبة إلى زياد وهو بقلعته وخدعه حتى قَدِمَ على معاوية وأصلح بينهما، وحمل إلى معاويةَ مالًا مبلغه ألفا ألف درهم، ولما فصل زيادٌ عن معاويةَ قاصدًا إلى الكوفة؛ لقيَ في طريقه مَصْقَلةَ بنَ هُبيرة الشيبانيّ، فقال له زياد: إلى أين يا أبا الفَضْل؟ قال: إلى معاوية، قال: هل لك في عشرة آلاف درهم مُعَجَّلة، ومثلِها مؤجَّلة، وتُلقي في سَمْعِ

стр. 3066

معاويةَ ما أَقولُ لك؟ قال: نعم. قال: تقول له: كان عندك زيادٌ وقد أَكل العِراقَ بَرَّهُ وبَحْرَه، فخدعك حتى رضيتَ منه بألفي ألف درهم، ما أرى ما تقولُ الناسُ من أن زيادًا ابنُ أبي سفيان إلَّا حقًّا. فجاء مصقلةُ إلى معاوية، فقال له: أكان عندك زيادٌ؟ قال: نعم، فذكر له قولَ زياد، فلما سمع ذلك قال: أَوَ قَدْ قالوها؟ قال: نعم، فأرسل إلى زياد، فاستدعاه وادَّعاه. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه قال: كانت سُمَيَّةُ جاريةَ الحارث بن كَلَدةَ طبيب العرب من البغايا بالطائف، وكانت لها رايةٌ تُعرفُ بها، وكانت تؤدِّي الضريبةَ إلى مولاها كلَّ يومٍ في الجاهليةِ، وأن أبا سفيان فَجَرَ بها في الجاهلية، فلما أرادَ معاويةُ أن يَدَّعيَ زيادًا قام على منبر دمشق، وأخذَ بيد زياد وقال: أيُّها الناسُ، إني قد عرفتُ في زيادٍ شَبَهًا بأبي، فمن كانت عنده شهادةٌ فليُقِمْها، فقام ابنُ مريم السلولي -وكان خمَّارًا في الجاهليةِ- فقال: أشهدُ أنَّ أبا سفيان قَدِم علينا الطائفَ فقال: ابغني بَغِيًّا، فقلت: ما هنا إلا سُميَّة جارية الحارث بن كَلَدة، فقال: ائتني بها، فأَتيتُها وقلتُ: قد عرفتِ شرفَ أبي سفيان، وإنَّه يطلبكِ، فقالت: اصبرْ حتى يأتيَ زوجي عبيد (١) من غَنمه، فإذا نام أَتيتُه، وجاء زوجُها فنام، وجاءت، فاحتبستُها مع أبي سفيان إلى الصباح، فخرج وهو يمسح جبينَه من العرق، فقلتُ له: كيف رأَيتَها؟ فقال: ما رأيتُ مثلها، لولا ذَفَرٌ بين إبْطَيها ورُفْغَيها، وذكر مكانًا آخَرَ. فصاح زيادٌ: يا أبا مريم، مهلًا! أشامتًا جئتَ أَم شاهدًا؟ فقال: إِنَّما أشهدُ بما رأَيتُ، ولو أَعفيتموني لكان خيرًا لكم وأحبَّ إليَّ. فقال معاوية لمالك بن ربيعة: ما عندكَ؟ قال: أَشهدُ أَنَّ أبا سفيان واقع سميَّةَ في الجاهلية، ثم خرج وهو يقول: لعنها اللهُ ما أَنتَنَها! فقال زيادٌ: أَدِّ شهادتَك ولا تُفْحِشْ. وقام آخرُ فقال: أشهدُ أنَّ عمر بنَ الخطاب أخذ بيد زياد وقال: للهِ دَرُّهُ لو كان له عُنْصُرٌ! قال: وكان أبو سفيان إلى جانبي فقال: والله أنا قذفتُه في رَحِمِ سُميَّةَ، وما له أَبٌ غيري، قال: فقلتُ: ما لك ما تَدَّعيه؟ فقال: خوفًا من دِرَّةِ هذا. يعني عمر.

стр. 3067

وشهد جماعةٌ بذلك. فقام زياد على المنبر وقال: أيها الناس، إنَّ معاويةَ قد قال ما سمعتُم، وقد شَهِد الشهودُ بما علموا، ولستُ أدري ما حقُّ هذا من باطله؟ وهو وَهُم أعلمُ، وإنما عُبَيدٌ أبٌ مبرورٌ مشكورٌ، ومعاويةُ والٍ. فقال يونس بن عُبَيْد الثقفي: يا معاويةُ، قضى رسول الله ﷺ أنَّ: "الولدَ للفراش وللعاهر الحَجَرُ" وقد قَضَيتَ أَنْتَ أَنَّ الولد للعاهرِ، وأَن الحَجَر للفراش، وإِن كان زيادٌ بنَ أبي سفيان؛ فإنه والله لَعبدي أعتقَتْه عمَّتي صفيَّة، فقال له معاويةُ: أتركْتَ شرْبَ ما في الدِّنان؟ قال: نعم، وتركَ أبي الزِّنى في الجاهلية. يُعرِّضُ بأبي سفيان، يا معاويةُ، رُدَّ عليَّ ولاءَ عمتي من زياد. فتوعَّده معاويةُ وقال: كُفَّ وإلَّا فعلتُ وصَنَعْتُ، فقال: أو ليس المرجعُ بي وبك إلى الله تعالى؟! وقال البلاذريُّ (١): أَرسل معاويةُ إلى سعيد بن عُبَيد أخي يونس بن عُبَيد فأَرضاه، فأقرَّ بما صنع معاويةُ، وأَبى يونسُ أن يرضى. وذكر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" (٢) عن ابن سيرين، عن أبي بَكْرةَ قال: قال لي زياد: ألم تَرَ أن معاويةَ أرادني على كذا وكذا وقد وُلِدت على فراشِ عُبيد، وأَشْبَهْتُه، وقد علمتَ أن رسولَ الله صلى الله عليه قال: "منِ ادَّعى إلى غيرِ أبيه فهو ملعون، أو: فليتبوّأ مقعده من النار". ثم جاء العام القابلُ فادَّعاه. وقد أخرج أَحمد في "المسند" (٣) بمعناه، فقال: حدَّثنا هُشيم، حدثنا خالد، عن أبي عثمان قال: لَمّا ادَّعى معاويةُ زيادًا لقيتُ أبا بَكْرة، فقلتُ: ما هذا الذي صنعتُم؟! إني سمعتُ سعد بن أبي وفاص يقول: سَمِعَتْ أُذُنايَ من رسول الله ﷺ وهو يقول: "من ادَّعى في الإسلام إلى غير أبيه فالجنَّةُ عليه حرامٌ". فقال أبو بَكْرة: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 3068

وقال الهيثم: ولَمّا فعل معاويةُ ذلك ذمَّه الناسُ، وعابوا عليه، وسقط من أعينهم، وزالت حُرمته وهيبتُه. وقال جدِّي في "التلقيح" (١): كان الحسنُ البصريُّ يذمُّ معاوية ويقول: استلحق زيادًا؛ وقد قال رسولُ الله ﷺ : "الولد للفراش" الحديث. وقال أبو اليقظان عن الحسن البصريّ أنَّه كان يقولُ: أَوَّلُ ذُلِّ دخل على الإسلام ادّعاءُ معاويةَ زيادًا، وقد كانت في معاويةَ هَناتٌ أَوَّلها هذه، وما جرَّأ ابنَ زياد على قتل (٢) الحسين إلا ذلك (٣). قلت: وقد أَكثر الشعراءُ في هذا المعنى، فذكر الأصمعيُّ أنَّ عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخا مروان بن الحكم قال: أَلا أَبْلِغْ معاويةَ بنَ حربٍ … مُغَلْغَلَةً من القومِ الهجانِ أَتغضبُ أن يُقال أبوك عَفٌّ … وترضى أن يُقال أبوك زانِ وأشهدُ أن رِحْمَكَ من زيادٍ … كَرِحْمِ الفيلِ من ولدِ الأتانِ وأشهدُ أنها ولَدَتْ زيادًا … وصخرٌ من سُمَيَّة غيرُ دانِ وبلغ معاويةَ فغضب، وحلف أن لا يرضى عن عبد الرحمن حتى يرضى عنه زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد، فقال له: أنت القائل، الأبيات، فقال: [لا]، ولكني قلتُ: حلفتُ بربِّ مكَّةَ والمُصلَّى … وبالتوراةِ أحلفُ والقُرانِ لأَنتَ زيادٌ في آل حربٍ … أَحبُّ إليَّ من وُسْطَى بَناني سُرِرْتُ بقُرْبِه وفرحتُ لَمَّا … أتاني الله منه بالبيانِ وقلتُ أتى أَخو ثقةٍ وعمٌّ … بعونِ الله في هذا الزمانِ

стр. 3069

فرضي زياد وكتب كتابًا إلى معاوية بالرضى عنه، فلما دخل على معاوية قال له: أنشدني ما قُلْتَ في زياد، فأنشده الأبياتَ، فتبسَّم وقال: قبَّحَ اللهُ زيادًا ما أجهلَه! والله إن [قولك]: لأنت زيادةٌ في آل حربٍ، شرٌّ عليه من الأول، ولكنك خدعتَه فانخدعَ (١). وقد اختلفوا في قائل الأبيات الأُوَلِ وهي: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ فقال الأصمعي: هي لعبد الرحمن بن الحكم. وذكر صاحبُ "العِقْدِ" أَنها لعبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت (٢). وقيل: ليزيد بن مُفَرِّغ، وسنذكرها في سنة تسعٍ وخمسين في هجاء ابن مُفَرِّغ لبني زياد. وقال ابن عبد البَرِّ (٣): إنَّ معاويةَ لَمَّا ادَّعى زيادًا كان عبد الرحمن بن الحكم هذا حاضرًا، فقال لمعاويةَ: واللهِ لو لم تجد إلا الزِّنْج لاستكثَرْتَ بهم علينا، قلَّةً وذِلَّةً. فغضبَ معاوية وقال لمروان: أَخْرِجْ عنَّا هذا الخليعَ، فقال: والله إنَّه لَخليعٌ ما يُطاقُ، فقال معاوية: واللهِ لولا حلمي وتجاوزي لَعلمتُ أنه يُطاق أم لا (٤). أَليس هو القائل: أَلا أَبْلِغْ معاويةَ بنَ حَرْبٍ الأبيات وحجَّ بالناس في هذه السنة معاوية. وقال هشام بن محمد عن أبيه: لَمَّا حجَّ معاويةُ دخلَ المدينةَ، فصعد المنبر وقال: يا معاشِرَ بني قَيْلَةَ، أتطلبونَ ما عندي وقد فَلَلْتُم حَدِّي بصِفِّين حتى رأيتُ المنايا تتلظَّى من أسِنَّتِكم؟ ولقد هجوتموني بأشدَّ من وَخْز الأشافي (٥)، حتى إذا قام منّا ما حاولتُم مَيلَه قلتُم: اِرْعَ فينا وصيَّةَ رسول الله ﷺ . هيهات هيهات! فناداه قيس بن سعد بن عُبادة،

стр. 3070

وكان مقيمًا بالمدينة، يا معاويةُ، أمَّا قولُك: إنَّا نطلبُ ما عندك، فوالله مالكَ فيما في يَدَيك إلا مثل ما لرجل من المسلمين، وأما عداوتُنا لك؛ فإن شئتَ رَدَدْناها، وأمَّا هجاؤنا إياكَ فقولٌ ثَبَتَ حقُّه، وزال باطلُه، وأما وصيَّةُ رسولِ الله ﷺ بنا؛ فَمَنْ آمَنَ به يحفظُها من بعده، فدوند ما أنْتَ فيه، فإنما مثلك كقول القائل: يا لكِ من قُبَّرَةً بِمَعْمَرِ … خلا لكِ الجوُّ فبِيضي واصْفِرِي ونَقِّري ما شئتِ أَنْ تُنَقِّرِي (١) فلم يردَّ عليه معاويةُ جوابًا (٢). واختلفوا لِمَ ادَّعى معاويةُ نَسَبَ زيادٍ وأَلحقه لأبيه؟ على قولين: أحدهما: لمَّا كان زياد قد جمع من الأموال، فأرادَ استخلاصَها منه. والثاني: لأنَّه خافَ منه أن يُوَلّيَ بعضَ أهل البيتِ؛ لأنه كان واليًا على المشرق، وبيده نصف الدنيا، فخاف منه، فاستماله. ذكر القولين أبو اليقظان. وفيها توفي الحارث بن خَزْمَة ابن عديّ بن أُبيّ بن غَنْم بن سالم بن عون بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهو من القَواقِلة؛ حليفٌ لبني عبد الأشهل. وكُنيةُ الحارث أبو بشير، وهو من الطبقةِ الأُولى من الأنصار، وآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين إياس بن [أبي] البُكَير. وشهد الحارثُ بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ . قال ابن سعد (٣): ومات بالمدينةِ سنة أربعين وهو ابن سبعٍ وستين سنةً، ولا عَقِبَ له.

стр. 3071

وقال هشام: مات في هذه السنة. وليس في الصحابة من اسمه الحارث بن خَزْمَة غيره. واختلفوا في الزّاي في خَزْمة؛ قال أبو الحسن الدارقطني: بسكون الزاي. وذكر بحضهم تحريكها، وله صحبةٌ وروايةٌ (١). فصل: وفيها توفيت أُمُّ حَبيبة بنتُ أبي سفيان واسمُها رَمْلَةُ، وهي أُختُ معاوية بن أبي سفيان لأبيه، وأُمُّها صفيَّة بنت أبي العاص بن أمية بن عَبْد شمس. وهي ابنةُ عقَة عثمان بن عفَّان، وعثمان أيضًا ابنُ عمِّ أبيها، وكذا خالد بن سعيد بن العاص بن أميَّة، ولهذا تولَّى خالدٌ وعثمانُ تزويجها بالحبشة من رسول الله ﷺ . وقال ابنُ سعد (٢): تزوّجَها عُبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صَبْرة بن مُرَّة بن كبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة حليف حرب بن أمية، فولدت له حبيبة، فكنيت بها، وتزوَّج حبيبةَ داود بنُ عروة بن مسعود الثقفي. وكان عُبيد الله بن جحش قد هاجر بأُمّ حبيبة معه إلى الحبشةِ في الهجرة الثانية، فتنصَّر هناك، وثبتت أُمُّ حبيبة على إسلامها وهجرتِها، وكانت معها ابنتُها حبيبة لَمّا خرجت من مكة إلى الحبشة، ورجعت بها إلى مكة، كذا ذكر ابن سعد. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي (٣) أنَّ أُمَّ حبيبة ولدت حبيبةَ بمكة قبل أن تُهاجرَ إلى الحبشة. وحكى ابن سعد عن الواقدي أيضًا أنها خرجت من مكة وهي حاملٌ بها، فولدتها بالحبشة.

стр. 3072

وقد ذكرنا أنَّ النجاشيَّ زوَّجَ أُمَّ حبيبة من رسولِ الله ﷺ في سنة سِتّ أو سبع من الهجرة، وأنه أصدقَها أربع مئة دينار، وأعطاها طِيبًا وحُلِيًّا كثيرًا. وحنظلةُ الذي قُتِل يومَ بدرٍ كافرًا أخو أُمَّ حبيبة لأبيها وأُمِّها، ولا عَقِبَ له. وكذا أُمَيمة بنت أبي سفيان - وهي أُمُّ حبيب - أُختُها لأبيها وأمِّها (١). وهذا الذي ذكرنا أنَّ [أُمَّ] أُمِّ حبيبة صفيةُ بنتُ أبي العاص إنَّما هو قولُ ابنِ سعد. وقال ابن مَنْدَه: أُمُّ رَمْلَةَ آمنةُ بنت عبد العُزَّى من بني عديّ بن كعب. وقال الزبير بن بكَّار: آمنة هذه هي جَدَّةُ أُمِّ حبيبة، أُمُّ صفية بنت أبي العاص، ويقال لها: صفيا. وقال الكَلَاباذيّ: تزوَّج رسولُ الله صلى الله عليه أُمَّ حبيبة بالمدينةِ لَمَّا قَدِمت من الحبشة؛ خطبها فزوَّجَها عثمانُ منه (٢). وهو وَهْمٌ من الكَلَاباذيّ؛ ما تزوَّجَها رسولُ الله ﷺ إلا وهي بالحبشة. ذكره ابن سعد، والواقديُّ، وابن إسحاق، وغيرُهم (٣). وقال ابن سعد (٤): حدثنا محمد بن عمر بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم قال: كان الذي زوَّجها وخطب إليه النجاشيُّ خالدُ بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وكان لها يومَ قُدِم بها المدينةَ بِضْعٌ وثلاثون سنةً. وكذا قال المدائنيُّ قال: وكانت قد أَسلمتْ قديمًا، وبعثَ رسولُ الله ﷺ شُرَحبيل بنَ حسنة، فأحضرها إليه إلى المدينة. وكذا ذكر [ابن] سعد عن الواقديّ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزُّهري، وأخرج أحمد في "المسند" بمعناه (٥).

стр. 3073

وحكى ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي سهيل، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] قال: حين تزوَّج النبيُّ صلى الله عليه أُمَّ حبيبة بنتَ أبي سفيان. وروى ابنُ سعد (١) عن محمد بن عُمر، بإسناده عن الزُّهريّ، أن أبا سفيان لَمّا قَدِمَ المدينةَ ورسولُ الله ﷺ يُريدُ غَزْوَ مكَّة، فكلَّمه أَن يزيدَ في الهُدْنة، فلم يُكلِّمه، ودخل على ابنته أُمّ حبيبة، وذهب ليجلس على فراشِ رسولِ الله ﷺ فطَوَتْهُ وقالت: أَنْتَ مُشْرِكٌ. وقد ذكرناه هناك. وحكى ابن سعد عن الواقديّ قال (٢): أَطعم رسولُ الله ﷺ أُمَّ حبيبة بنت أبي سفيان بخيبر ثمانين وَسْقًا تمرًا، وعشرين وَسْقًا شعيرًا. ذكْرُ وفاتها: واختلفوا فيها، فقال ابن سعد بإسناده عن عوفِ بن الحارث قال (٣): سمعتُ عائشة ﵁ تقول: دعَتْني أُمُّ حبيبة زوجةُ النبيّ ﷺ عند موتِها وقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفرَ الله لي ولكِ ما كان من ذلك. فقلتُ: غفر الله لكِ ذلكَ كلَّه، وتجاوزَ عنك، وحلَّلَكِ من ذلك، فقالت: سَرَرْتِني سَرَّكِ اللهُ. وأرسلت إلى أُمِّ سلمة فقالت لها مثلَ ذلك. قال: وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وقال هشام: توفيت في هذه السنة التي حجَّ فيها معاويةُ، وصلَّى عليها مروان، ودُفنت بالبقيع. وقيل: ماتت في سنة اثنتين وأربعين بدمشق، وهو وَهْم، وإنَّما زارت أخاها بدمشق، ثم عادت إلى المدينة، فتوفيت بها في هذه السنة. وقيل: إنَّها ماتت في سنة تسع وخمسين قبل موت أَخيها بسنة، وهو وَهْم أيضًا.

стр. 3074

وقال الموفَّقُ ﵀ (١) عن علي بن الحسين ﵇ قال: هَدَمْتُ منزلي في دارِ أميرِ المؤمنين عليّ بالمدينة، فحفرنا في ناحيةٍ منها حُفَيرَةً، فإذا حَجَرٌ عليه مكتوبٌ: هذا قبرُ رملةَ بنتِ صخر بن حرب. فأعدناه مكانه. وكذا حكى الزُّبير بن بكَّار أنهم حفروا حُفَيرةً في المدينة، فوجدوا حجرًا مكتوبًا عليه: هذا قبرُ رملةَ بنتِ أبي سفيان. أَسندت أُمُّ حبيبة الحديث عن رسولِ الله ﷺ أخرج لها أحمدُ سِتَّةَ عشرَ حديثًا؛ قالوا: ولها في الصحيحين منها أربعة أحاديث، اتفقا على حديثين، ولمسلم حديثان (٢). قال أحمد (٣) بإسناده عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أن أُمَّ حبيبة مات نَسِيبٌ لها، فدعَتْ بصُفْرَة، فمسحت بها ذِراعَيها وقالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن تَحُدَّ على مَيّتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زَوْج، فإنَّها تَحُدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا". أخرجاه في الصحيحين (٤). وفي لفظ: جاء نَعيُ أَبيها، وأخرجه ابن سعد كذلك (٥)، فقال فيه: لَمّا مات أبوها دعَتْ بطيب، فطَلَتْ به ذِراعَيها وقالت: إنْ كُنْتُ عن هذا لَغَنِيَّةً؛ لولا أني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول. وذكَرَتْه. وأخرج لها ابنُ سعد حديثًا آخر، قال: حدثنا الضحَّاك بن مَخْلد الشيباني أبو عاصم النبيل، عن ابن جُرَيج، عن عطاء قال: أَخبرني ابنُ شَوَّال أنَّ أُمَّ حبيبة أَخبرته أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمرها أن تَنْفِرَ من جَمْعٍ بليل (٦).

стр. 3075

روى عن أُمِّ حبيبة: أنسُ بنُ مالك، ومعاويةُ بن حُديج، وأخواها: معاوية وعَنْبَسَة ابنا أبي سفيان، وابنُ أخيها عبد الله بنُ عُتبة بن أبي سفيان، وعروة بنُ الزبير، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة. وذكرها أبو زرعة الدمشقي فيمن حدَّث بالشام (١). وذكر أبو القاسم بن عساكر فيمن روى عن أُمِّ حبيبة اسمًا عجيبًا، فقال: روى عنها شُتَير بن شَكَل (٢). وليس في الصحابيَّات من اسمُها رَمْلَةُ بنت أبي سفيان أغيرها، فأما رَمْلَة غير بنت أبي سفيان] (٣) فأربع نسوة: إحداهن: رَمْلَة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأُمُّها أُمُّ شِراك بنت وَقْدان بن عبد شمس بن عَبْد وُدّ من بني عامر بن لؤي. أسلَمَتْ رملةُ وبايعَتْ رسولَ الله ﷺ . تزوَّج رملةَ عثمانُ، فولدت له عائشة وأُمَّ أبان وأُمَّ عمرو؛ بناتِ عثمان. وكان أبو الزِّناد - واسمُه عبد الله بن ذكوان - مولى رملة بنت شيبة (٤). والثانية: رَمْلَةُ بنت أبي عَوْف بن صُبَيرةَ بن سعيد [بن سعد] بن سَهْم، وأُمُّها أُمُّ عبد الله، وهي صَرْماءُ بنت الحارث بن عَوْف بن عمرو بن يربوع بن ناضرة بن غاضرة بن حُطَيط، وهو راعي الشمس. أسلمت رَمْلَةُ بمكة قديمًا قبل أن يدخلَ رسولُ الله ﷺ دارَ الأَرقم، وبايعت وهاجرت إلى الحبشة الهجرة الثانية مع زوجها المُطَّلب بن أَزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة، فولدت له هناك عبد الله بن المُطَّلب (٥). والثالثة: رَمْلَةُ بنتُ عبد الله بن أُبَيّ المنافقِ، وأُمُّها لُبْنى بنت عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العجلان من بني سالم بن عوف أيضًا.

стр. 3076

أسلمت رملة وبايعت رسولَ الله ﷺ (١). والرابعة: رَمْلَة بنت الحارث بن [ثعلبة بن الحارث بن] زيد من بني غَنْم بن النجار، وتكنى أُمَّ ثابت، وأُمُّها كبشة بنت ئابت بن المنذر (٢) من بني النجَّار، تزوَّجها معاذ بن الحارث بن رِفاعة من بني النجار، وبايعت رسولَ الله ﷺ . وفيها توفي عتبةُ بن أبي سفيان ابن حرب، أَخو معاوية بن أبي سفيان لأبيه وأُمِّه هند، شهد يومَ الدارِ مع عثمان. وقال الحافظ ابن عساكر (٣): قَدِمَ على أخيه معاوية دمشق، وكانت له بها دارٌ في درب الحبَّالين، ووَليَ المدينةَ والطائفَ والموسمَ لأخيه معاوية غير مرَّة. وشهد الجمل مع عائشة، ثم انهزم، فعيَّره عبد الرحمن بنُ الحكم فقال: لَعمري والأُمورُ لها دواعٍ … لقد أَبعدتَ يا عُتْبَ الفِرارا وقد ذكرناه. وقال ابن عساكر (٤): وولاه معاويةُ الطائفَ، وعزل عنه أخاه عنبسة بن أبي سفيان، وعاتبه عنبسةُ على عزلهِ، فقال له [معاوية: يا عَنْبَسَة، إن عُتبةَ ابنُ هند، فقال] عَنْبَسَة: كُنَّا لصخرٍ صالحًا ذاتُ بيننا … جميعًا فأَمسَتْ فرَّقت بيننا هندُ فإن تك هندٌ لم تَلِدْني فإِنني … لبيضاء تَنْميها غطارِفةٌ مُجْدُ أبوها أبو الأضيافِ في كلّ شَتْوةٍ … ومأوى ضعافٍ قد أَضرَّ بها الجَهْدُ له جَفَنات لا تزال مُقيمة … لمن ساقه غَوْرا تِهامةَ أَو نَجْدُ فقال له معاويةُ: لا تسمعُها مني بعد اليوم.

стр. 3077

وأُمُّ عَنبَسة عاتكةُ بنتُ أبي الأزهرِ أَزْديَّة، وأما عتبةُ؛ فأمُّه وأُمُّ معاوية وجُوَيريةَ وأُمِّ الحكم هندُ بنتُ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وقال ابن عساكر (١) عن الهيثم بن عَديّ قال: ذكر ابنُ عيَّاش عُتبةَ بن أبي سفيان في العُورِ؛ ذهبت عينُه يومَ الجملِ مع عائشة. وروى ابن عساكر عن السُّدِّيّ قال (٢): قال عتبةُ بنُ أبي سفيان: أتعجَّبُ من علي بن أبي طالب وطلبه الخلافةَ، وما هو وهي؟! فقال له معاويةُ: اسكُت يا وَرِه (٣)، فواللهِ إنه فيها كخاطب الحُرَّة إذ يقول: لئن كان أولى خاطبٍ فتعذَّرت … عليه وكانت رائدًا فتخطَّتِ لما تركَتْه رغبةً عن حِبالهِ … ولكنها كانت لآخرَ حَطَّتِ وقال الخطيب (٤): حجَّ عتبةُ بن أبي سفيان بالناسِ سنة إحدى وأربعين، واثنتين وأربعين. وقال الأصمعي: الخطباءُ من بني أمية: عتبةُ بنُ أبي سفيان، وعبدُ الملكِ بنُ مروان. وقد ذكرنا أنه توفي بالإسكندرية سنة ثلاث -أو أربع- وأربعين في ذي القَعْدة. وحكى ابن عساكر (٥) عن عتبة بن أبي سفيان أنَّه مرَّ برجلٍ عند بعضِ ولدهِ يشتم رجلًا، فقال له: يا بُنيّ، نَزِّهْ سَمْعَك عن استماع الخَنا؛ كما تُنَزِّهُ لسانَك عن الكلامِ به، فإنَّ المستمعَ شريكُ القائل، ولو رُدَّتْ كلمة جاهل في فيه؛ لَسَعِدَ بها مَنْ رَدَّها؛ كما شَقِيَ بها قائلُها.

стр. 3078

قلت: وقد ذكرنا مثلَ هذا في ترجمة عمرو بن عبيد، ولعلَّه حكاه عنه. وعُتْبَة أبو الوليدِ بنِ عُتبة؛ حكى ابن أبي الدنيا عن الوليد بن عتبة قال (١): أَسرَّ معاويةُ إليَّ حديثًا، فقلتُ لأبي: يا أَبَة، قد أسرَّ إليَّ أميرُ المؤمنين حديثًا، وما أظنُّه ينطوي عنك، فقال: اكتُمه عني، فإنَّ مَنْ كتم سِرَّه كان الخيارُ له، ومن أفشاه كان الخيارُ عليه. فأتيتُ معاوية فحدَّثتُه فقال: أعتقَك أخي من رِقِّ الخطأ. وقال ابن قُتيبة (٢): كان عُتبةُ يَعِظُ بنيه دائمًا فيقول: تلقَّوا النِّعَم بحُسْنِ مجاورتها، والتمسوا المزيدَ منها بالشكرِ عليها، واعلموا أنَّ النفوسَ أقبلُ شيءٍ لِما أُعطيت، فاحملوها على مطاياها إذا ركبتم لا تُسبق. فقيل له: وما هذه المطايا؟ قال: التوبةُ. وقال أبو حاتم: أَوصى عتبةُ بنُ أبي سفيان مؤدِّبَ ولده فقال: ليكن أَوَّلَ إصلاحك بَنيَّ إصلاحُك لنفسك، فإِن عيوبَهم معقود بعَيبك، فالحَسَن عندهم ما فَعَلْتَ، والقبيحُ ما تركْتَ، وعلِّمهم كتابَ الله، ولا تُمِلَّهم فيتركوا (٣)، ولا تدعهم منه فيهجروا. ورَوِّهِمْ من الحديثِ أشرفَه، ومن الشِّعْرِ أَعَفَّه، ولا تُخْرِجْهم من بابٍ من العلم إلى غيره حتى يُحكموه، فإن ازدحامَ الكلامِ في السمعِ مَضَلَّة للفهم، وهَدِّدْهم بي وأَدِّبْهم [دوني] وكُنْ لهم كالطبيبِ الرفيقِ الذي لا يَعْجَلُ بالدواء حتى يعرفَ الداء، وامْنَعْهم من محادثةِ النساء، واشْغَلْهُم بِسِيَرِ الحكماء، واستزدْني بآدابهم أَزِدْكَ، ولا تَتَّكِلَنَّ على عُذْرٍ مني، فقد اتَّكَلْتُ على كفايةٍ منك. وقال أبو عبيد القاسم: مات عتبة بنُ أبي سفيان سنة أربع وأربعين. وفيها توفيت أُختُه أُمُّ حَبِيبة بنت أبي سفيان (٤).

стр. 3079

وفيها توفي أبو بُردةَ بن نِيار ابن عمرو بن عُبَيد بن عمرو بن كلاب بن دُهمان من قُضاعة. واسمُ أبي بُردة هانئ بن نيار، وهو من الطبقةِ الأولى من الأَنصار (١). وهو خالُ البراءِ بن عازِب، شهد العقبةَ مع السبعين، وبَدْرًا وأُحدًا والمشاهِدَ كلَّها مع رسولِ الله ﷺ وكانت معه رايةُ بني حارثة يومَ الفتح. وقال البلاذري (٢): هو بَلَويٌّ حليف لبني حارثة من الأوس. قلتُ: ومعنى قوله: بَلَوي؛ أنَّ دُهمان الذي ذكرناه في آخرِ نسبه هو دُهمان بن غَنْم بن ذُهْل بن هُميم (٣) بن ذُهْل بن هَنيّ (٤) بن بَلِيّ بن عمرو بن الحارث بن قُضاعة. ولأبي بُردة عَقِبٌ. وقال هشام: مات أبو بُردة في سنة أربع وأربعين. وحكى ابن سعد عن الواقديّ أنه مات في خلافة معاوية من غير تاريخ (٥). وليس في الصحابة من اسمُه هانئ بنُ نيار غيره. فأمَّا هانئ غيرُ ابن نيار مِمَّن له روايةٌ فاثنان: أحدهما: هانئ بن يزيد .... (٦) وكُنْيتُه أبو بُرْدة فاثنان: هذا، وأبو بُردةَ ابنُ أخي أبو (٧) موسى الأشعري، ولهما روايةٌ عن رسولِ الله ﷺ (٨) وكذا لمن ذكرنا مِمَّن اسمُه هانئ - وهما اثنان - روايةٌ.

стр. 3080

فأما من اسمُه هانئ من الصحابة وليس له رواية فكثير (١). قلت: وذكر جَدّي ﵀ أبا بُردة بن نيار صاحبَ هذه الترجمة في موضعين: في بابِ مَنْ روى عن رسولِ الله ﷺ ، ثم ذكره في باب من لم يَرْو عن رسولِ الله صلى الله عليه، ولعلَّه سهوٌ من الكاتب (٢)، فإن أبا بُرْدَةَ بنَ نيار أَخرج له أحمدُ في "المسند" ستَّة أحاديث، منها حديثٌ متَّفق على صحَّتِه. قال أحمد: حدثنا هاشم وحجَّاج قالا: حدثنا ليث بن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بُرْدَة، أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يُجْلَدُ فوق عَشْرِ جَلدَات إلا في حدٍّ من حدودِ الله تعالى" أخرجاه في الصحيحين (٣). وأخرج له أحمد أيضًا عن [البراءِ بن عازب] قال (٤): لقيتُ خالي أبا بُردةَ ومعه الرايةُ، فقلتُ: أين تُريدُ؟ فقال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى رجلٍ تزوَّجَ بامرأة أَبيه من بعده أن أضربَ عُنُقَه، وآخُذَ ماله. وأخرج أحمد أيضًا (٥) أنَّه ذبح قَبْلَ الصلاة، فقال له رسولُ الله ﷺ : "تلك شاةُ لحم". فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عندنا عَناقًا جَذَعةً هي [أَحبُّ] إلينا من مُسِنةٍ، فقال: "تُجزئُ عنك، ولا تُجزئ عن أحدٍ بعدك". السنة الخامسة والأربعون فيها ولَّى معاويةُ زيادَ ابن أبيه البصرةَ، وعزل عنها الحارث بن عبد الله الأزدي.

стр. 3081

روىَ عمر بن شَبَّة عن أشياخهِ قالوا: لَمَّا عزل معاويةُ عبدَ الله بنَ عامر عن البصرة؛ أراد أن يولِّيَها زيادًا، فولَّى الحارث بن عبد الله، وجعله كالفَرَسِ المحلِّل بين عامر وبين زياد (١)، فأقام الحارثُ أربعة أشهر ثم عزله، وولَّى زِيادًا وقد ذكرناه (٢). ذِكْرُ السبب عن ولاية زيادٍ البصرة وما يتعلَّق بذلك: قد اختلفت الرواياتُ فيه؛ فروى عمر بن شَبَّةَ عن بعضِ العلماءِ أنه قال: لما قَدِم زياد الكوفةَ نزلَ بدارِ سلمان بن ربيعة الباهليّ، فظنَّ المُغيرةُ بنُ شعبة أنَّه قَدِم واليًا على الكوفةِ، فأرسل إليه المغيرةُ وائلَ بنَ حُجْر الحَضرميَّ ليعلمَ عِلْمَهُ، فأتاه، فلم يَقْدِرْ من زيادٍ على شيءٍ، فخرج من عنده، وكان زاجرًا، فإذا غُراب يَنْعَقُ، فرجع إلى زياد فقال له: يا أبا المغيرةِ، هذا غرابٌ يَنْعَقُ يُرحِّلُكَ عن الكوفةِ، ثم عاد إلى المُغيرة وقد قَدِم رسولُ معاويةَ على زيادٍ يأمره أن يسيرَ إلى البصرة. وهذه رواية عمر بن شَبَّةَ (٣). وقال مَعْبَد بن خالد الجَدَلي (٤): قَدِمَ علينا زيادٌ الكوفةَ، فأقامَ ينتظرُ إِذْنَ معاويةَ، فظنَّ المغيرةُ بن شعبة أن زيادًا ينتظر أن تجيئه إمارتُه على الكوفةِ، فأرسل إلى قَطَن بن عبد الله الحارثيِّ فقال: هل فيك من خيبر؟ قال: وما هو؟ قال: تكفيني أمرَ الكوفةِ حتى أخرجَ إلى الشام إلى معاوية. فامتنع، فاستخلف عُتَيبة بن نَهَّاس العِجْليِّ، وسار إلى معاوية، فلما دخل عليه سأله أن يعزله، وأن يقطعَ له منازل بقرقيسيا، فخاف معاويةُ بائقتَه وقال: واللهِ لترجعنَ إلى عملك يا أبا عبد الله، فأبى عليه، فلم يَزِدْه على ذلك إلا تُهمةً، فقال معاويةُ: واللهِ لترجعنَّ إلى عملك. فرجع، فطرق الكوفةَ ليلًا، وقرعَ باب القصر وهو يتمثَّلُ: بمِثْلي فافزعي يا أُمَّ عمرٍو … إذا ما هاجني السَّفرُ البعيدُ (٥)

стр. 3082

ثم قال: اذهبوا إلى ابن سُميَّة فرحِّلوه حتى يُصبح من وراءِ الجِسْرِ. ففعلوا. وقال عمر بن شَبَّة عن أشياخه: استعمل معاويةُ زيادًا على البصرة وخُراسان وسِجِسْتان، ثم جمع له الهند والبحرين وعُمان، فقَدِم البصرةَ في آخرِ شهر ربيع الآخِر - أو غُرَّة جُمادى الأُولى - في سنةِ خمس وأربعين، والفِسْقُ بالبصرةِ ظاهرٌ فاشٍ، فخطبهم. ذكر خُطبته البتراء (١): وهي خُطبةٌ طويلةٌ اختصرتُها. وإنما سُمِّيت البتراء لأنَّه لم يحمد الله فيها، وإنما قال: أما بعد؛ فإن الجهالةَ الجهلاء، والضلالةَ العمياء، والفجر المُوقِدَ لأهلهِ النارَ، الملهبَ عليهم سعيرَها هو ما يأتي سفهاؤكم، ويشتملُ عليه حكماؤكم، من الأمورِ العِظام التي يشبُّ (٢) فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تقرؤوا كتابَ الله، ولم تسمعوا نبيَّ الله، ولم تعلموا ما أَعدَّ اللهُ من الثوابِ العظيم لأهل طاعته، والعذابِ الأليمِ لأهلِ معصيته، في الزمن السرمديّ الذي لا يزول. أتكونون كمن طرقَتْ عينَه الدنيا، وسَدَّت مسامعَه الشهواتُ، واختار الفانيةَ على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتُم في الإسلام الحَدَث الذي لم تُسْبَقوا إليه أمِن تَرْكِكُم، هذه المواخِيرَ المنصوبةَ .... وذكر كلامًا طويلًا ثم قال: وإن هذا الأمرَ لا يصلح إلا بما صَلَح به أَوَّلُه؛ ليِنٌ في غيرِ ضعف، وشِدَّةٌ في غيرِ جَبْرِيَّةٍ وعُنْفٍ، وإني أُقسم باللهِ لآخُذَنَّ المُقيمَ بالظاعن، والمُقْبِل بالمُدْبِر، والصحيحَ بالسقيم، حتى يَلْقَى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انْجُ سَعْد فقد هلك سُعيد، أو تستقيمَ لي قَناتكم. لا أُوتَى بفاعلٍ إلا سَفَكْتُ دَمَه، وإيّاكم ودعوى الجاهلية؛ فإني لا أجدُ أحدًا دعا بها إلا قطعتُ لِسانَه. وقد أحدثتُم أحداثًا لم تكن، وقد أحدَثْنا لكلِّ ذَنْبٍ عُقوبة؛ فمن سرق قتلناه (٣)، ومن غرَّقَ غَرَّقْناه، ومن حرَّق

стр. 3083

حرَّقناه، ومن نَقَبَ بيتًا نَقَبْنا عن كَبدهِ وقَلْبه، ومَنْ نَبَشَ قبرًا دَفَنَّاه حيًّا فيه، فكُفُّوا ألسنتكم وأيديَكم أكفَّ لساني ويدي، وإياكم أن يظهر (١) من أحدٍ منكم خلافُ ما عليه عامَّتكم إلا ضربْتُ عُنقَه، ألا وإنَّه قد كانت بيني وبين أقوامٍ إِحَنٌ فجعلتُها دَبْرَ أُذني وتحت قَدمي، فمن كان مُحسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان مُسيئًا فلينزع عن إساءتِه، وإني لو علمتُ أنَّ أحدَكم قتله السُّلُّ من بُغْضي لم أَكشِف له قِناعًا، ولم أَهتِكْ سِتْرَه حتى يُبْدِيَ لي صَفْحتَه، فإذا فعل ذلك لم أُناظِرْهُ، فاستأنفوا أُمورَكم، وأعينوا على أنفسِكم، فرُبَّ بئيسٍ بقُدومِنا سَيُسَرُّ، ومسرورٍ بقُدومنا سيَبْتَئس. أيها الناسُ، إنَّا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادَةً، نَسُوسُكم بسلطانِ الله الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيءِ الله الذي خَوَّلنا، فلنا عليكم السمعُ والطاعة فيما أَحبَبْنا، ولكم علينا العدلُ فيما وُلِّينا. واستَوْجِبُوا عَدْلَنا بمُناصحتكم، واعلموا أني مهما قَصَّرتُ عنه؛ فإني لا أُقَصِّرُ عن ثلاث: لستُ مُحْتَجِبًا عن طالبِ حاجةٍ منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا رِزْقًا ولا عطاءً عن أربابه، ولا مُجَمِّرًا لكم بَعْثًا، فادْعُوا الله بالصلاحِ لأئمّتكم، فإنهم ساستُكم المؤدِّبون لكم، وكهفُكم الذي إليه تأوون. وقيل: بل حَمِد الله في أوَّلها. قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهدُ أيُّها الأميرُ أنك أوتيتَ الحكمةَ وفَصْلَ الخطاب. فقال: كَذَبْتَ، ذاك نبيُّ الله داود ﵇. فقال له الأحنفُ بن قيس: أَيُّها الأميرُ، قد قُلْتَ فأَحسَنْتَ، والثناءُ بعد البلاء، والحمدُ بعد العطاء، وإنَّا لن نُثْنيَ حتى نَبْتلي، فقال له زياد: صَدَقْتَ. فقام أبو بلال مرداسُ بن [أُدَيَّة] (٢) يَهْمِسُ وهو يقول: أنبأنا اللهُ بغير ما قُلْتَ، قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩]، فأوعدَنا الله خيرًا مِمَّا أَوْعَدْتَنا، فقال زياد: إِنَّا لا نَجِدُ إلى ما تُريدُ أَنْتَ وأصحابُك سبيلًا حتى نخوضَ إليه الدِّماء.

стр. 3084

وقال عمر بن شَبَّة عن أشياخِه، عن الشعبيِّ قال: ما سمعتُ متكلِّمًا تكلَّم فأحسنَ إلا أَحببتُ أن يسكتَ خوفًا من أن يسيءَ إلا زيادًا، فإنَّه كلَّما تكلَّم كان أَجْوَدَ كلامًا. وقال عمر بن شبَّة (١): استعمل زيادٌ على شرطتِه عبد الله بنَ حِصْن، وأمره متى وَجَد إِنسانًا بعد ثلث الليلِ الأَوَّلِ في الشارعِ إلا قتلَه. قال: وأُخذ ليلةً أعرابيٌّ، فقال له زيادٌ: أما سَمِعْتَ النداءَ؟ فقال: لا والله، قَدِمتُ بحَلوبتي، وغشيني الليلُ، فاضطررتُها إلى موضع، وأقمتُ لأُصبحَ، ولا عِلْمَ لي بما كان من الأمير، فقال زياد: أظنُّك صادقًا، ولكنْ في قتلك صلاحُ الأُمَّةِ، فضربَ عُنُقَه. قال عمر: فكان زيادٌ أَوَّلَ من شدَّ أمرَ السلطانِ [وأكّد] المُلْكَ لمعاوية (٢)، وألزم الناس الطاعة، وتقدَّم في العقوبة، وأخذَ بالظِّنَّة، وعاقبَ على الشُّبْهَةِ والتُّهمة، فخافه الناسُ في سلطانِه خوفًا شديدًا، حتى كان الشيءُ يسقطُ من الرجلِ أو المرأة؛ فلا يَعْرِضُ له أحدٌ حتى يأتيَه صاحبُه فيأخذَه، وتبيتُ المرأةُ لا تُغْلِقُ عليها بابَها، وهابه الناسُ هيبةً لم يهابوها أحدًا قَبْلَه، وساس الناسَ بسياسةٍ لم يَسُسْها سواه، وأدَرَّ العطاءَ، وأحسن إلى الناس. وأقامَ الشرطةَ أربعة آلافٍ، عليهم عبد الله بن حِصْن، والجَعْدُ بن قيس التميمي، فبينما هما يسيران بين يديه بِحَرْبَتَينِ؛ تنازعا، فقال زيادٌ: يا جَعْدُ، أَلْقِ الحَرْبةَ. فعزَلَه، وأقامَ ابن حِصْنٍ على شرطته حتى مات زياد. وكان يتتبَّع الفُسَّاقَ فيُبيدهم، وكان زيادٌ يقول: لو ضاعَ حَبْلٌ بيني وبين خُراسان لعلمتُ مَنْ أخذَه. وكتب خَمْسَ مئة شيخٍ من أهلِ البصرة في صحابتِه، فكان يرزقهم ما بين الثلاث مئة إلى الخمس مئة درهم. وقال عمر بن شبَّة (٣): ومدحه حارثة بن بَدْرٍ الغُداني فقال:

стр. 3085

أَلا مَنْ مُبْلِغ [عني] زيادًا … فنِعْمَ أَخو الخليفةِ والأَميرُ فأَنْتَ أَميرُ مَعْدَلةٍ وصِدقٍ … وحَزْمٍ حين تحضرك الأُمورُ أَخوك خليفةُ الله ابنُ حربٍ … وأَنْتَ وزير، نعم الوزيرُ بأمرِ اللهِ منصورٌ مُعانٌ … إذا جارَ الرعيَّةُ لا تجورُ يَدرُّ على يديكَ لِما أرادوا … من الدنيا لهم حَلَبٌ غزيرُ وتَقْسِمُ بالسواءِ فلا غَنيٌّ … لضَيمٍ يشتكيك ولا فَقيرُ وكُنْتَ حَيًّا وجئتَ على زمانٍ … خبيثٍ ظاهرٌ فيه شُرورُ تَقاسمتِ الرجالُ به هَواها … فما تُخفي ضغائنَها الصُّدورُ فخاف الحاضرون وكلُّ بادٍ … يُقيم على المخافةِ أو يَسيرُ فلمَّا قامَ سيفُ اللهِ فيهم … زيادٌ، قامَ أبلجُ مُسْتنيرُ قويٌّ لا مِنَ الحَدَثانِ غِرٌّ … ولا جَرحٌ (١) ولا فانٍ كبيرُ وقال عمر بن شَبَّة (٢): واستعانَ زياد بعدَّةٍ من الصحابةِ على أُموره، منهم عمران بنُ الحُصَين، فولَّاه قضاءَ البصرة، والحَكَمُ بنُ عَمرو الغِفاريّ؛ ولاه خُراسان، وسَمُرة بنُ جُنْدُب، وأَنس بنُ مالكٍ، وعبد الرحمن بن سَمُرة. واستعفاه عمران بن الحُصَين عن القضاء، فأَعفاه، واستقضى عبد الله بنَ فَضالة الليثي، ثم أخاه عاصم بن فَضالة، ثم زُرارة بن أَوفى الحَرَشيّ، وكانت أُختُه لبابةُ تحت زياد. وزيادٌ أَوَّلُ من مَشَى الناسُ بين يديه بالبصرة بالحِرابِ والعُمُد، وكان حرسُه لا يُفارِقون المسجدَ. وقال زيادٌ يومًا لحاجبه: ادعُ لي الحَكَم -وهو يريد الحكمَ بنَ أبي العاص الثقفي- فرأى الحاجبُ الحكمَ بنَ عمرو الغِفاريَّ على الباب، فأَدخلَه، فقال زياد: هذا رجلٌ له شرف وصحبة مع رسول الله ﷺ . فعقد له على خُراسان، ثم قال له: ما أردتُكَ ولكنَّ الله تعالى أرادَكَ.
следующие страницы →