← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

روىَ عمر بن شَبَّة عن أشياخهِ قالوا: لَمَّا عزل معاويةُ عبدَ الله بنَ عامر عن البصرة؛ أراد أن يولِّيَها زيادًا، فولَّى الحارث بن عبد الله، وجعله كالفَرَسِ المحلِّل بين عامر وبين زياد (١)، فأقام الحارثُ أربعة أشهر ثم عزله، وولَّى زِيادًا وقد ذكرناه (٢). ذِكْرُ السبب عن ولاية زيادٍ البصرة وما يتعلَّق بذلك: قد اختلفت الرواياتُ فيه؛ فروى عمر بن شَبَّةَ عن بعضِ العلماءِ أنه قال: لما قَدِم زياد الكوفةَ نزلَ بدارِ سلمان بن ربيعة الباهليّ، فظنَّ المُغيرةُ بنُ شعبة أنَّه قَدِم واليًا على الكوفةِ، فأرسل إليه المغيرةُ وائلَ بنَ حُجْر الحَضرميَّ ليعلمَ عِلْمَهُ، فأتاه، فلم يَقْدِرْ من زيادٍ على شيءٍ، فخرج من عنده، وكان زاجرًا، فإذا غُراب يَنْعَقُ، فرجع إلى زياد فقال له: يا أبا المغيرةِ، هذا غرابٌ يَنْعَقُ يُرحِّلُكَ عن الكوفةِ، ثم عاد إلى المُغيرة وقد قَدِم رسولُ معاويةَ على زيادٍ يأمره أن يسيرَ إلى البصرة. وهذه رواية عمر بن شَبَّةَ (٣). وقال مَعْبَد بن خالد الجَدَلي (٤): قَدِمَ علينا زيادٌ الكوفةَ، فأقامَ ينتظرُ إِذْنَ معاويةَ، فظنَّ المغيرةُ بن شعبة أن زيادًا ينتظر أن تجيئه إمارتُه على الكوفةِ، فأرسل إلى قَطَن بن عبد الله الحارثيِّ فقال: هل فيك من خيبر؟ قال: وما هو؟ قال: تكفيني أمرَ الكوفةِ حتى أخرجَ إلى الشام إلى معاوية. فامتنع، فاستخلف عُتَيبة بن نَهَّاس العِجْليِّ، وسار إلى معاوية، فلما دخل عليه سأله أن يعزله، وأن يقطعَ له منازل بقرقيسيا، فخاف معاويةُ بائقتَه وقال: واللهِ لترجعنَ إلى عملك يا أبا عبد الله، فأبى عليه، فلم يَزِدْه على ذلك إلا تُهمةً، فقال معاويةُ: واللهِ لترجعنَّ إلى عملك. فرجع، فطرق الكوفةَ ليلًا، وقرعَ باب القصر وهو يتمثَّلُ: بمِثْلي فافزعي يا أُمَّ عمرٍو … إذا ما هاجني السَّفرُ البعيدُ (٥)

стр. 3082

ثم قال: اذهبوا إلى ابن سُميَّة فرحِّلوه حتى يُصبح من وراءِ الجِسْرِ. ففعلوا. وقال عمر بن شَبَّة عن أشياخه: استعمل معاويةُ زيادًا على البصرة وخُراسان وسِجِسْتان، ثم جمع له الهند والبحرين وعُمان، فقَدِم البصرةَ في آخرِ شهر ربيع الآخِر - أو غُرَّة جُمادى الأُولى - في سنةِ خمس وأربعين، والفِسْقُ بالبصرةِ ظاهرٌ فاشٍ، فخطبهم. ذكر خُطبته البتراء (١): وهي خُطبةٌ طويلةٌ اختصرتُها. وإنما سُمِّيت البتراء لأنَّه لم يحمد الله فيها، وإنما قال: أما بعد؛ فإن الجهالةَ الجهلاء، والضلالةَ العمياء، والفجر المُوقِدَ لأهلهِ النارَ، الملهبَ عليهم سعيرَها هو ما يأتي سفهاؤكم، ويشتملُ عليه حكماؤكم، من الأمورِ العِظام التي يشبُّ (٢) فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تقرؤوا كتابَ الله، ولم تسمعوا نبيَّ الله، ولم تعلموا ما أَعدَّ اللهُ من الثوابِ العظيم لأهل طاعته، والعذابِ الأليمِ لأهلِ معصيته، في الزمن السرمديّ الذي لا يزول. أتكونون كمن طرقَتْ عينَه الدنيا، وسَدَّت مسامعَه الشهواتُ، واختار الفانيةَ على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتُم في الإسلام الحَدَث الذي لم تُسْبَقوا إليه أمِن تَرْكِكُم، هذه المواخِيرَ المنصوبةَ .... وذكر كلامًا طويلًا ثم قال: وإن هذا الأمرَ لا يصلح إلا بما صَلَح به أَوَّلُه؛ ليِنٌ في غيرِ ضعف، وشِدَّةٌ في غيرِ جَبْرِيَّةٍ وعُنْفٍ، وإني أُقسم باللهِ لآخُذَنَّ المُقيمَ بالظاعن، والمُقْبِل بالمُدْبِر، والصحيحَ بالسقيم، حتى يَلْقَى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انْجُ سَعْد فقد هلك سُعيد، أو تستقيمَ لي قَناتكم. لا أُوتَى بفاعلٍ إلا سَفَكْتُ دَمَه، وإيّاكم ودعوى الجاهلية؛ فإني لا أجدُ أحدًا دعا بها إلا قطعتُ لِسانَه. وقد أحدثتُم أحداثًا لم تكن، وقد أحدَثْنا لكلِّ ذَنْبٍ عُقوبة؛ فمن سرق قتلناه (٣)، ومن غرَّقَ غَرَّقْناه، ومن حرَّق

стр. 3083

حرَّقناه، ومن نَقَبَ بيتًا نَقَبْنا عن كَبدهِ وقَلْبه، ومَنْ نَبَشَ قبرًا دَفَنَّاه حيًّا فيه، فكُفُّوا ألسنتكم وأيديَكم أكفَّ لساني ويدي، وإياكم أن يظهر (١) من أحدٍ منكم خلافُ ما عليه عامَّتكم إلا ضربْتُ عُنقَه، ألا وإنَّه قد كانت بيني وبين أقوامٍ إِحَنٌ فجعلتُها دَبْرَ أُذني وتحت قَدمي، فمن كان مُحسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان مُسيئًا فلينزع عن إساءتِه، وإني لو علمتُ أنَّ أحدَكم قتله السُّلُّ من بُغْضي لم أَكشِف له قِناعًا، ولم أَهتِكْ سِتْرَه حتى يُبْدِيَ لي صَفْحتَه، فإذا فعل ذلك لم أُناظِرْهُ، فاستأنفوا أُمورَكم، وأعينوا على أنفسِكم، فرُبَّ بئيسٍ بقُدومِنا سَيُسَرُّ، ومسرورٍ بقُدومنا سيَبْتَئس. أيها الناسُ، إنَّا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادَةً، نَسُوسُكم بسلطانِ الله الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفَيءِ الله الذي خَوَّلنا، فلنا عليكم السمعُ والطاعة فيما أَحبَبْنا، ولكم علينا العدلُ فيما وُلِّينا. واستَوْجِبُوا عَدْلَنا بمُناصحتكم، واعلموا أني مهما قَصَّرتُ عنه؛ فإني لا أُقَصِّرُ عن ثلاث: لستُ مُحْتَجِبًا عن طالبِ حاجةٍ منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا رِزْقًا ولا عطاءً عن أربابه، ولا مُجَمِّرًا لكم بَعْثًا، فادْعُوا الله بالصلاحِ لأئمّتكم، فإنهم ساستُكم المؤدِّبون لكم، وكهفُكم الذي إليه تأوون. وقيل: بل حَمِد الله في أوَّلها. قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهدُ أيُّها الأميرُ أنك أوتيتَ الحكمةَ وفَصْلَ الخطاب. فقال: كَذَبْتَ، ذاك نبيُّ الله داود ﵇. فقال له الأحنفُ بن قيس: أَيُّها الأميرُ، قد قُلْتَ فأَحسَنْتَ، والثناءُ بعد البلاء، والحمدُ بعد العطاء، وإنَّا لن نُثْنيَ حتى نَبْتلي، فقال له زياد: صَدَقْتَ. فقام أبو بلال مرداسُ بن [أُدَيَّة] (٢) يَهْمِسُ وهو يقول: أنبأنا اللهُ بغير ما قُلْتَ، قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩]، فأوعدَنا الله خيرًا مِمَّا أَوْعَدْتَنا، فقال زياد: إِنَّا لا نَجِدُ إلى ما تُريدُ أَنْتَ وأصحابُك سبيلًا حتى نخوضَ إليه الدِّماء.

стр. 3084

وقال عمر بن شَبَّة عن أشياخِه، عن الشعبيِّ قال: ما سمعتُ متكلِّمًا تكلَّم فأحسنَ إلا أَحببتُ أن يسكتَ خوفًا من أن يسيءَ إلا زيادًا، فإنَّه كلَّما تكلَّم كان أَجْوَدَ كلامًا. وقال عمر بن شبَّة (١): استعمل زيادٌ على شرطتِه عبد الله بنَ حِصْن، وأمره متى وَجَد إِنسانًا بعد ثلث الليلِ الأَوَّلِ في الشارعِ إلا قتلَه. قال: وأُخذ ليلةً أعرابيٌّ، فقال له زيادٌ: أما سَمِعْتَ النداءَ؟ فقال: لا والله، قَدِمتُ بحَلوبتي، وغشيني الليلُ، فاضطررتُها إلى موضع، وأقمتُ لأُصبحَ، ولا عِلْمَ لي بما كان من الأمير، فقال زياد: أظنُّك صادقًا، ولكنْ في قتلك صلاحُ الأُمَّةِ، فضربَ عُنُقَه. قال عمر: فكان زيادٌ أَوَّلَ من شدَّ أمرَ السلطانِ [وأكّد] المُلْكَ لمعاوية (٢)، وألزم الناس الطاعة، وتقدَّم في العقوبة، وأخذَ بالظِّنَّة، وعاقبَ على الشُّبْهَةِ والتُّهمة، فخافه الناسُ في سلطانِه خوفًا شديدًا، حتى كان الشيءُ يسقطُ من الرجلِ أو المرأة؛ فلا يَعْرِضُ له أحدٌ حتى يأتيَه صاحبُه فيأخذَه، وتبيتُ المرأةُ لا تُغْلِقُ عليها بابَها، وهابه الناسُ هيبةً لم يهابوها أحدًا قَبْلَه، وساس الناسَ بسياسةٍ لم يَسُسْها سواه، وأدَرَّ العطاءَ، وأحسن إلى الناس. وأقامَ الشرطةَ أربعة آلافٍ، عليهم عبد الله بن حِصْن، والجَعْدُ بن قيس التميمي، فبينما هما يسيران بين يديه بِحَرْبَتَينِ؛ تنازعا، فقال زيادٌ: يا جَعْدُ، أَلْقِ الحَرْبةَ. فعزَلَه، وأقامَ ابن حِصْنٍ على شرطته حتى مات زياد. وكان يتتبَّع الفُسَّاقَ فيُبيدهم، وكان زيادٌ يقول: لو ضاعَ حَبْلٌ بيني وبين خُراسان لعلمتُ مَنْ أخذَه. وكتب خَمْسَ مئة شيخٍ من أهلِ البصرة في صحابتِه، فكان يرزقهم ما بين الثلاث مئة إلى الخمس مئة درهم. وقال عمر بن شبَّة (٣): ومدحه حارثة بن بَدْرٍ الغُداني فقال:

стр. 3085

أَلا مَنْ مُبْلِغ [عني] زيادًا … فنِعْمَ أَخو الخليفةِ والأَميرُ فأَنْتَ أَميرُ مَعْدَلةٍ وصِدقٍ … وحَزْمٍ حين تحضرك الأُمورُ أَخوك خليفةُ الله ابنُ حربٍ … وأَنْتَ وزير، نعم الوزيرُ بأمرِ اللهِ منصورٌ مُعانٌ … إذا جارَ الرعيَّةُ لا تجورُ يَدرُّ على يديكَ لِما أرادوا … من الدنيا لهم حَلَبٌ غزيرُ وتَقْسِمُ بالسواءِ فلا غَنيٌّ … لضَيمٍ يشتكيك ولا فَقيرُ وكُنْتَ حَيًّا وجئتَ على زمانٍ … خبيثٍ ظاهرٌ فيه شُرورُ تَقاسمتِ الرجالُ به هَواها … فما تُخفي ضغائنَها الصُّدورُ فخاف الحاضرون وكلُّ بادٍ … يُقيم على المخافةِ أو يَسيرُ فلمَّا قامَ سيفُ اللهِ فيهم … زيادٌ، قامَ أبلجُ مُسْتنيرُ قويٌّ لا مِنَ الحَدَثانِ غِرٌّ … ولا جَرحٌ (١) ولا فانٍ كبيرُ وقال عمر بن شَبَّة (٢): واستعانَ زياد بعدَّةٍ من الصحابةِ على أُموره، منهم عمران بنُ الحُصَين، فولَّاه قضاءَ البصرة، والحَكَمُ بنُ عَمرو الغِفاريّ؛ ولاه خُراسان، وسَمُرة بنُ جُنْدُب، وأَنس بنُ مالكٍ، وعبد الرحمن بن سَمُرة. واستعفاه عمران بن الحُصَين عن القضاء، فأَعفاه، واستقضى عبد الله بنَ فَضالة الليثي، ثم أخاه عاصم بن فَضالة، ثم زُرارة بن أَوفى الحَرَشيّ، وكانت أُختُه لبابةُ تحت زياد. وزيادٌ أَوَّلُ من مَشَى الناسُ بين يديه بالبصرة بالحِرابِ والعُمُد، وكان حرسُه لا يُفارِقون المسجدَ. وقال زيادٌ يومًا لحاجبه: ادعُ لي الحَكَم -وهو يريد الحكمَ بنَ أبي العاص الثقفي- فرأى الحاجبُ الحكمَ بنَ عمرو الغِفاريَّ على الباب، فأَدخلَه، فقال زياد: هذا رجلٌ له شرف وصحبة مع رسول الله ﷺ . فعقد له على خُراسان، ثم قال له: ما أردتُكَ ولكنَّ الله تعالى أرادَكَ.

стр. 3086

[فصل]: وحجَّ بالناسِ في هذه السنةِ على ما قيل مروانُ بنُ الحكم، وهو والي المدينة، وعلى الكوفة المغيرةُ بن شعبة، وشُريح على قضائها، وعلى البصرة والمشرقِ زياد. وفيها تُوفّيت حفصةُ بنت عمر بن الخطاب ﵄ - زوجةُ رسولِ الله ﷺ ، وأُمّها زينبُ بنت مظعون بن حبيب أُختُ عثمان بنِ مظعون. وقال ابنُ سعد (١) بإسناده عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عمر قال: وُلدتْ حفصةُ وقريشٌ تبني البيتَ قبلَ مبعث رسمول الله ﷺ بخمسِ سنين. قال الواقديُّ: تزوَّج خُنَيْس بن حذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سَهْم حفصةَ، فكانت عنده، وهاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها بعد الهجرة، مَقْدَم رسولِ الله ﷺ من بَدْرٍ. فتزوَّجها رسولُ الله ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة. وقد ذكرنا صفةَ تزويجها برسول الله ﷺ هناك. وروى ابن سعد عن الواقديِّ عن أشياخهِ قال: تزوَّج رسولُ الله ﷺ حفصةَ في شعبان على رَأسِ ثلاثين شهرًا من الهجرةِ قبل أُحُد (٢). وقال ابن سعد (٣): حدَّثنا يزيد بن هارون، وعفَّان بن مسلم، وعبد الصمد بنُ عبد الوارث، وسليمان بن حرب، عن حمَّاد بن سلمة قال: حدَّثنا أبو عمران الجَوْني، عن قيس بن زيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ طلَّق حفصةَ بنت عمر، فأتاها خالاها عثمان وقدامةُ

стр. 3087

ابنا مظعون، فبكت وقالت: ما طلَّقني رسولُ الله ﷺ من شِبَعٍ. فجاء رسولُ اللهِ ﷺ ، فدخل عليها، فتَجَلْبَبَتْ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن جبريل أتاني فقال لي: راجع حفصةَ، فإنَّها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنَّة" (١). قلت: وهذا حديث قد رُويَ من طرقٍ ذكرها ابن سعد وأبو نُعيم، وفي بعضِها أنه ﷺ همَّ بطلاقِها، فأمره اللهُ بإمساكها (٢). وقيل: إنَّما طلَّقها لَمّا أفشت سِرَّه إلى عائشة في حديثِ العسل الذي جَرَسَتْ نحلُهُ العُرْفُطَ، وقد ذكرنا ذلك، وكانت تصوم الدهر. قال الواقديُّ (٣): وأَقطعها رسولُ الله ﷺ ثمانين وَسْقًا تمرًا، وعشرين وَسْقًا شعيرًا، ويقال: قَمْحًا. وحفصة شقيقةُ عبد الله بن عُمَر، وأَوصى إليها أبوها عمر، وأوصت هي إلى أخيها عبد الله بن عمر. ذِكْرُ وفاتِها: واختلفوا فيها، فحكى ابن سعد (٤) عن الواقديِّ قال: توفيت حفصةُ في شعبان سنةَ خمسٍ وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وهي يومئذ بنت سِتين سنةً، وصلَّى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذٍ عامل المدينة. قال الواقدي: وحدثنا علي بن مسلم عن المَقْبُريِّ، عن أبيه قال: رأيتُ مروانَ بين أبي هريرة وبين أبي سعيد أمام جنازة حفصة، ورأيتُ مروانَ حملَ بين عمودي سريرِها

стр. 3088

من عند دار آل حَزْمٍ إلى دار المغيرة بن شعبة، وحمله أبو هريرة من دارِ المُغيرة إلى قبرِها. وجلس مروانُ حتى فُرغ من دَفْنِها. قال الواقدي: ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمرَ، وسالمٌ وعبدُ الله وحمزةُ بنو عبد الله بن عمر، وكانت على سريرٍ في نَعْشٍ. وهذا قولُ ابن سعدٍ عن الواقدي (١). وقال محمد بن سلام: ماتت حفصةُ في أيام عثمان سنة ثمانٍ وعشرين، وقيل: في سنة إحدى وأربعين، والكُلُّ وَهم لِما رَوينا عن عمر أنَّها وُلدت في سنة خمسٍ (٢). فإجماعُ المؤرِّخين أنَّها ماتت في هذه السنةِ عن ستين سنةً. أَسْنَدَتْ حفصةُ عن رسولِ الله ﷺ أحاديث. قال ابن البَرْقي: روت نحوًا من ستين حديثًا، وأخرج لها أحمد خمسةَ عشر حديثًا، منها مُتَّفَقٌ عليه، ومنها أفراد (٣). قالوا: أُخرج لها في الصحيحين عشرةُ [أحاديث] اتفقا على أربعة، وانفرد مسلم بسِتَّة (٤). قال أحمد: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أُمُّ مُبَشِّر، عن حفصة قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إني لأرجو أن لا يدخلَ النارَ - إن شاءَ اللهُ - أحدٌ شهد بدرًا والحديبيةَ". قالت: فقلتُ: أَليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢] (٥). وليس في الصحابياتِ من اسمها حفصة سوى اثنتين، صاحبة هذه الترجمة، وحفصة بنت حاطب بن عمرو، وتكنى أُمَّ زُرارة (٦).

стр. 3089

وفيها توفي زيد بن ثابت ابن الضحَّاك بن زيد بن لَوْذان بن عَمْرو بن عبد عوف بن غَنْم بن مالك بن النجار، وأُمُّه النَّوَار بنتُ مالك بن صِرْمة بن عديّ من بني النجار أيضًا. وأخوه يزيد بن ثابت ابنُها أيضًا من ثابت. وقُتِل أبو زيدٍ يومَ بُعاث. وزيد من الطبقةِ الثالثة من الأنصار، وكُنيتُه أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة (١). وحكى ابن سعد عن الواقديِّ قال: حدَّثني إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة (٢) قال: قال زيد بن ثابت: كانت وقعةُ بُعاث وأنا ابنُ ستِّ سنين، وكانت قبل هجرة النبيِّ ﷺ [إلى] المدينةِ بخمسِ سنين، فقَدِم رسولُ اللهِ ﷺ وأنا ابن إحدى عشرة سنةً، وأُتيَ بي إلى رسول الله ﷺ فقالوا: غلامٌ من الخزرج وقد قرأ ستَّ عشرة سورةً، فلم أُجَز في بَدْر، ولا أُحد، وأُجِزْتُ في الخندق (٣). وفي رواية ابن سعد أيضًا؛ قال زيد: لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أتيَ بي إليه، فقيل: يا رسول الله، غلامٌ من بني النجار -أو: هذا غلامٌ من بني النجَّار- قد قرأَ ستَّ عشرةَ سورةً، فأمره رسولُ الله ﷺ أن يتعلَّم كتابَ يهود، وقال: "إني لا آمَنُهم أن يُبدِّلوا كتابي" فتَعَلَّمْتُه في بضع عشرة ليلةً. وفي رواية: في خمس عشرة ليلةً، حتى كان يعلمُ ما حرَّفوا وما بَدَّلوا. وروى ابن سعدٍ عن يحيى بن عيسى الرَّملي بإسناده عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسولُ الله ﷺ "إنَّه تأتيني كُتبٌ من الناسِ لا أُحبُّ أن يقرأَها كلُّ أحدٍ، فهل تستطيعُ أن تتعلَّم السريانية"؟ قلتُ: نعم، فتعلَّمتُها في سبعَ عشرةَ ليلةً. وفي رواية: فهل تستطيعُ أن تتعلَّم العبرانيَّةَ؟ وذكره.

стр. 3090

وحكى ابن سعد عن الواقديِّ (١) قال: كان زيدٌ يكتب الكتابَين: العربية والعبرانية جميعًا، وأول مشهدٍ شهده زيدٌ مع رسولِ الله ﷺ الخندقُ، وهو ابن خمس عشرة سنةً، وكان مِمَّن ينقلُ التراب يومئذٍ مع المسلمين، فقال رسولُ الله ﷺ : "أما إنَّه نِعمَ الغُلامُ". وغلبته عيناهُ يومئذٍ، فرقَدَ، فجاء عُمارةُ بن حَزْم، فأخذ سلاحَه وهو لا يشعر، فقال له رسولُ الله ﷺ : "يا أبا رُقاد، نِمْتَ حتى ذهبَ سلاحُك! ". وقال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ له علمٌ بسلاحِ هذا الغُلامِ؟ " فقال عُمارةُ بن حَزم: أنا. فردَّه، فنهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُروَّعَ المؤمنُ، أو أن يؤخذَ متاعُه لاعبًا جدًّا (٢). قال: وكانت رايةُ بني مالك بن النجَّار يومَ تبوك مع عُمارة بن حَزْم، فأدركَه رسولُ الله ﷺ ، فأخذَها منه، فدفعَها إلى زيد بن ثابت، فقال عُمارةُ: يا رسولَ الله، بلغَك عني شيء؟ فقال: لا، ولكنَّ القُرآنَ يُقَدَّمُ. وكان زيدٌ أَكثر أَخْذًا منك للقرآن (٣). وقال هشام: قال له رسولُ الله ﷺ : "يا زيدُ، إنه يأتيني كُتُبٌ بالعبرانية والفارسية والرومية والقِبطية، ولا أُحبُّ أن يقرأَها كلُّ أحد، فتعلَّمْ هذه اللغات". قال: فأتقنها في ثمان عشرة ليلةً. فعجبتِ الصحابةُ منه. وقد أخرج أحمد في "المسند" بمعناه، ولم يذكر غيرَ السريانية، وأنَّه حفظها في سبعَ عشرةَ ليلة (٤). وقد ذكرنا في السنة الثانيةَ عشرةَ أن أبا بكر ﵁ أمره أن يجمعَ القُرآنَ، فجمعه. وحكى ابن سعدٍ عن نافع أنَّ عمر بنَ الخطاب ﵁ استعمل زيدًا على القضاء، وفرضَ له رِزْقًا (٥).

стр. 3091

وروى ابن سعد أيضًا عن مسروق قال: قدِمتُ المدينةَ، فسألتُ عن أصحابِ محمد ﷺ ، فإذا زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وكان مِمَّن جمع القُرآنَ على عهدِ رسول الله ﷺ . وروى ابن سعد عن ابنِ عبّاس أَنَّه أخذ لزيد بن ثابت بالرِّكاب، فقال له زيدٌ: تَنَحَّ يا ابنَ عمِّ رسول الله ﷺ فقال ابن عباس: هكذا أُمِرنا أن نفعلَ بعلمائنا وكُبرائنا (١). وفي رواية: فقال لي زيدٌ: أرني يدَك، فأخرجَها، فقبَّلها وقال: هكذا أُمِرْنا أن نفعلَ بأهلِ بيتِ نَبِيِّنا. وقال أحمد بن حنبل: حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذَّاءِ، عن أبي قِلابة، عن أنس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَرْحَمُ أُمَّتي أبو بكر، وأشدُّها في دين الله عمرُ، وأصدقُها حياءً عثمانُ، وأعلمُها بالفرائض زيدُ بنُ ثابت" (٢). وروى ابن سعد (٣) عن الفضل بن دُكَين قال: حدَّثنا موسى بن عُلَيّ، عن أبيه قال: إن كانَ الرجلُ لَيأتي زيدَ بن ثابت فيسأله عن الشيء، فيقول: اللهِ، أَنَزَلَ هذا؟ فإن قال: اللهِ، نزل هذا، أَفتاه، وإن لم يحلِف؛ تركه. وقال هشام: آخِرُ عَرْضٍ عرضَ رسولُ الله ﷺ القرآنَ على مُصحَفِ زَيدٍ. قال: وكان ابن عباسٍ يقول: لقد علمَ المحفوظون من أصحاب رسولِ الله ﷺ أن زيدَ بنَ ثابت من الراسخين في العلم (٤). قال: وسأله رجلٌ عن مسألة، فقال: أحَدَثَ هذا؟ قال: لا. قال: فَدَعْهُ حتى يكون. قال: وكان زيدٌ مع عمرَ لَمَّا قَدِمَ إلى الشام، وأنَّه كتب له كتابَ الصُّلحِ مع الروم على بيتِ المقدس. وكان يكتبُ لأبي بكرٍ قبل عمر، وكان على بيتِ المال في أيام عثمان، وكان مع عثمان وهو محصورٌ وذَبَّ عنه، وقسم الغنائمَ بتبوك.

стр. 3092

وقال ابن سعد (١): وكان عمرُ يستخلفه على المدينة، وما رجع من مغيبٍ قطُّ إلا وأَقطعَه حديقةَ نَخل، واستخلفه عثمان على المدينةِ لَمَّا حجَّ. ذِكْرُ وفاته: واختلفوا فيها على أقوال: حكى ابنُ سعد عن الواقديِّ قال: مات زيدُ بن ثابت بالمدينة سنة خمس وأربعين وهو ابن ستٍّ وخمسين، وصلَّى عليه مروان بن الحكم. قال ابن سعد: وقال غير الواقديِّ: إنَّه مات سنة إحدى -أو اثنتين- وخمسين. وقال آخر: مات سنة خمس وخمسين. قال ابن سعدٍ: فاختلفوا علينا في موته، فالله أَعلمُ (٢). وقال الهيثم: سنة تسعٍ وأربعين وهو ابن تسع وخمسين. وقال ابن سعد (٣) عن الواقديّ: ونحر مروان عنده جَزورًا، وأطعم الناس. وقال ابن سعد بإسناده عن عمَّار بن أبي عمَّار قال: لَمَّا مات زيدٌ جلسنا عند ابن عباس في ظلّ قصر، فقال: هكذا ذهابُ العِلْم، لقد مات اليومَ علمٌ كثيرٌ (٤)! وقال ابن سعد بإسناده إلى يحيى بن سعيد قال: قال أبو هريرة: مات حَبْرُ هذه الأُمَّة! ولعلَّ اللهَ أن يجعلَ في ابنِ عباسٍ خَلَفًا منه. ذِكرُ أَولاده: قال ابن سعد (٥): فولدَ زيدٌ سعيدًا، وبه كان يُكنى، وأُمّه أُمُّ جميل بنت المخول بن بُجَيْد من بني عامر بن لؤي. وسعدًا، وخارجة، وسليمان، ويحيى، وعُمارةَ دَرَج، وإسماعيلَ، وأسعدَ دَرَج، وعُبادةَ، وإسحاقَ، وأُمَّ إسحاق، وحسنة، وعَمْرة، وأُمَّ

стр. 3093

كلثوم، وأُمُّهم جميلةُ، وهي أُمُّ أسعد (١) بنت سعد بن الربيع بن عمرو الخزرجي. وإبراهيمَ، ومحمدًا، وعبدَ الرحمن، وأُمَّ حسن، وأُمُّهم عميرة بنت معاذ بن أنس من بني النجار. وعبدَ الرحمن، وزيدًا، وعُبيدَ الله، وأُمَّ كلثوم لأُمِّ ولدٍ. وسَلِيطًا، وعمرانَ، والحارثَ، وقريبةَ، وأُمَّ محمد لأُمَّ ولد. وقيل: وثابت. فالحاصل أنه كان له ستَّة وعشرون ولدًا، منهم تسعةَ عشرَ ذكرًا، والباقي إناث. وقال هشام: قُتل من أولاد زيد يومَ الحَرَّة سبعةٌ؛ نذكرهم هناك. وكان لزيدٍ أخٌ اسمُه يزيد بن ثابت (٢)، شَهِد أُحُدًا، وقُتِل يوم اليمامة شهيدًا. وكان له ولدٌ اسمُه عُمارة [بن يزيد] (٣)، وأمُّه دُبْيَةُ بنتُ ثابت من بني النجار. وخارجة بن يزيد (٤)، وكُنيتُه أبو زيد، وهو القائل: كأني رأَيتُ في منامي بنيتُ سبعين درجةً، فلما فرغتُ منها تهوَّرْتُ؛ وهذه السنة لي سبعون سنة. فمات فيها، وذلك في سنة مئةٍ بالمدينةِ. أسندَ زيد بنُ ثابت عن رسول الله ﷺ الحديثَ. قال ابن البَرقي: أسند اثنين وتسعين حديثًا (٥)، أُخرج له منها في الصحيحين عشرة أحاديث، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بأربعةٍ، ومسلمٌ بحديث (٦). والذي أخرج له أحمد أربعةٌ وثلاثون حديثًا، منها مُتَّفَق عليه، ومنها أفراد. وروى زيدٌ عن أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان. وروى عنه ابن عمر، وأبو هريرة، وأنسٌ وأبو سعيد، وسهل بن سعد، وسهل بن حُنَيف، ومروان بن الحكم، وابن المسيِّب،

стр. 3094

والقاسم بن محمد، وأبان بن عثمان، وخارجة وسليمان ابنا زيد بن ثابت في آخرين (١). ومن مسانيدِه حديث في الشام؛ قال أحمد (٢): حدَّثنا ابنُ لَهِيعة بإِسناده عن زيد بن ثابت قال: قال رسولُ الله ﷺ : "طوبى للشام، طوبى للشام". قال: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما بالُ الشام؛ فقال: "إنَّ الملائكةَ باسِطو أجنحتها على الشام". وليس في الصحابة من اسمه زيد بنُ ثابت سواه، فأمَّا غيرُ ابنِ ثابت؛ فكثير (٣). وفيها توفي سَلَمة بنُ سلامة ابن وَقْش بن زُغبة بن زَعُوراء بن عبد الأشهل، ويُكنى أبا عوف، وقيل: أبو ثابت. وأُمُّه سلمى بنت [سَلَمة بن] سلامة بن خالد، أوْسِيَّة، وهي عمَّةُ محمد بن مَسْلَمَة. وهو من الطبقة الأُولى من الأنصار (٤)، شهد العقَبتَين، وبدرًا، والمشاهِدَ كلَّها مع رسولِ الله ﷺ . واختلفوا في إخائه، فحكى ابن سعد عن الواقديِّ أنه قال: آخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين أبي سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَّى، من بني عامر بن لؤيّ. وحكى ابن سعد أيضًا عن ابن إسحاق قال: آخى رسولُ اللهِ ﷺ بينه وبين الزبير بن العوَّام. قال: ومات سَلَمةُ بالمدينة في سنة خمسٍ وأربعين، وقد انقرض عَقِبُه، فلم يَبْقَ له عَقِب. قال: وكان له من الولدِ عوف؛ وأُمُّه أُمُّ ولد، وميمونةُ؛ وأُمُّها أُمُّ عليّ بنت خالد؛ أَوْسيّة.

стр. 3095

وليس في الصحابة من اسمه سلمة بن سلامة غيره، وله صحبةٌ ورِوايةٌ. وأخرج له أحمد في "المسند" حديثًا (١) فقال: حدَّثنا يعقوب بإسناده عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، عن سَلَمة بن سلامة بن وَقْش -وكان من أصحابِ بَدر- قال: كان لنا جارٌ من يهود في بني عبد الأشهل [قال: فخرجَ علينا يومًا من بيتهِ قبل مبعث النبيّ ﷺ بيسير، فوقف على مجلس بني عبد الأشهل]، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدثُ مَنْ فيه سِنًّا، عليَّ بُرْدَد مضطجعًا فيها بِفِناءِ أهلي، فذكر البعثَ والقيامةَ، والحسابَ والميزان، والجنَّةَ والنارَ، فقال: ذلك لقومٍ أهلِ شركٍ أصحابِ أوثان، لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى أنَّ هذا كائن أنَّ الناسَ يُبعثونَ بعد مَوْتِهم إلى دارٍ فيها جَنَّةٌ ونار يُجْزَوْن فيها بأعمالِهم؟! قال: نعم، والذي يُحْلَفُ به (٢). قالوا: فما آيةُ ذلك؟ قال: نبيٌّ يُبعثُ من نَحو هذه الدارِ (٣). وأشار بيده إلى مكة، قالوا: ومتى تُراه؟ فنظر إليَّ وأنا من أحدَثِهم سِنًّا، فقال: إِنْ يَسْتَنْفِد هذا الغلامُ عُمُرَه يُدْرِكْهُ. قال سلمةُ: فواللهِ ما ذهب الليلُ والنهارُ حتى بعث الله رسولَه وهو حيٌّ بين أظْهُرِنا، فآمنَّا به وكفر به؛ بَغْيًا وحَسَدًا، فقلنا له: ويلك يا فلان! الستَ بالذي قُلْتَ لنا فيه ما قلتَ؟! قال: بلى، وليس به. وفيها توفي سَهْلُ بنُ عَمرو ابن زيد بن جُشَم الأنصاريُّ.

стр. 3096

واختلفوا فيه؛ فقال ابن سعد: سهل بن عقيب (١)، وقيل: سهل بن عُبيد، ويُعرف بابنِ الحنظلية. واختلفوا فيها، فقال ابن سعد: [هي أمُّ جدّه، وقيل: أمُّه، وقيل: أمُّ أبيه (٢). وذكره ابن سعد] في الطبقة الثالثة فيمن شَهِدَ أُحُدًا والخندقَ وما بعدها مع رسولِ الله ﷺ (٣). وأخوه سعد بن عمرو، ردَّه رسولُ الله ﷺ [يوم أحد] لَمّا استصغره (٤). وذكره أبو القاسم بن عساكر فقال: صحبَ رسولَ الله ﷺ وبايعه تحت الشجرة، وروى عنه أحاديثَ، وسكن دمشق، وروى عنه أبو عبد الرحمن القاسم، وبشر التّغلبيّ، وأبو كبشة السَّلُوليّ. وكان معتزلًا للناس، كثيرَ العبادة، وتوفي في سنة خمس وأَربعين، ودُفن في البابِ الصغيرِ في الحظيرة التي فيها قَبْرُ معاوية، وهناك حَجَرٌ عتيقٌ منقورٌ، وفيه: في هذا المكان قُبورُ أربعةٍ من الصحابة: معاوية، وسهل بن الحنظلية، وواثلة، وفَضالةُ بن عبيد (٥). ولا عَقِبَ لسَهْل. وفي الصحابةِ من اسمُه سهل بن الحنظلية رجلان: أحدُهما صاحبُ هذه الترجمة. والثاني: سهل بن الحنظلية، عبشميّ، له صحبة أيضًا ورواية (٦).

стр. 3097

قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" عن صاحب هذه الترجمة ثلاثة أحاديث، قال (١): وهو سهل بن الحنظلية، وهي اسم أُمِّه، واسمُ أَبيه عُبَيد، أنصاري. قال أحمد: حدثنا وكيعٌ بإسناده عن قيس بن بشر التغلبي، عن أبيه قال: قال ابن الحنظلية: قال رسول الله ﷺ : "إنكم قادمون على إخوانكم فأصْلِحُوا رِحالكم ولِباسكم، فإن الله لا يُحبُّ الفُحشَ ولا التفحُّشَ". وهو حديثٌ طويلٌ هذا طرفٌ منه (٢). وليس لسهل في الصحيح شيء. وفيها توفّي عاصم بن عديّ ابن الجدِّ بن العَجْلان من الطبقة الأُولى من الأَنصار، وكُنيته أبو عمرو (٣) وقيل: أبو عبد الله. وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ لَمّا خرج إلى بَدْر إلى قُباء والعاليةِ لشيءٍ بلغه عنهم، وضرب له بأَجرِه وسَهْمه، فكان كمن شَهِدَها. شهد عاصمٌ أُحُدًا والخندقَ والمشاهِدَ كلَّها مع رسولِ الله ﷺ ، وبعثه من تبوك ومعه مالك بن الدّخْشُم، فأحرقا مسجدَ الضِّرارِ، وقد ذكرناه. وقال ابن سعد عن الواقدي (٤): توفي عاصم في سنة خمسٍ وأربعين بالمدينة، وهو ابن خمس عشرة سنة ومئة سنة، وكان يخضبُ بالحِنَّاءِ. وهو أَخو معن بن عديّ بن العَجْلان الذي قُتِلَ باليمامةِ شهيدًا، وقد ذكرناه (٥). وليس في الصحابة من اسمُه عاصم بن عديّ غيره، وله صحبةٌ ورواية.

стр. 3098

وأخرج له أحمد في "المسند" حديثًا واحدًا، فقال: حدَّثنا عبد الرحمن بإسناده عن أبي البَدَّاح بن عاصم بن عديّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ رخَّص لرِعاء الإبلِ في البيتوتة عن منًى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغَدَ، أو من بعد ليومين (١)، ثم يرمون يومَ النَّفْر. وفيها توفي عثمانُ بنُ حُنَيف ابن واهب بن عُكَيم بن ثعلبة بن الحارث بن مَجْدَعة بن عمرو بن حنش، من الطبقة الثانية من الأنصار، وهو أخو سهل بن حُنَيف، وأُمُّهما هند بنتُ رافع بن عُمَيس، من الأوس. قال ابن سعد (٢): وجَّه عمر بنُ الخطاب عثمان بن حُنَيف على خَراجِ السَّوادِ ومساحة الأرض، ورزقَه كلَّ يوم رُبْعَ شاةٍ وخمسةَ دراهم. وقد ذكرناه. وقال: أمره عمر أن يمسح السَّوادَ عامِرَهُ وغامِرَهُ، ولا يمسحَ تلًّا ولا سَبْخة، ولا مُسْتَنْقَع ماء، ولا ما لا يبلغُه الماء. فمسح عثمانُ كلَّ شيء دون الجبل، يعني دون حُلْوان إلى أرض العرب، وهو أسفل الفُرات، وكتب إلى عمر يُخبرُه، وقد تقدَّم هذا. وقال ابن سعد (٣): ولَمَّا خرج عبد الله بن عامر من البصرةِ، وقُتِل عثمان، بعث عليُّ ابنُ أبي طالب عثمان بن حُنيف إلى البصرة واليًا عليها، وقَدِم طلحة والزبير وعائشةُ، فقاتلَهم، وقد ذكرناه أيضًا. قال: وكُنيةُ عثمان: أبو عبد الله. قال: وتوفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وله عَقِبٌ (٤)، ولم يذكر ابن سعد [تاريخ] وفاته.

стр. 3099

وقال هشام: مات في هذه السنة. قال ابن سعد: وكان له من الولد عثمان، وأُمُّه أُمُّ سعد بنت سعد بن أبي وقَّاص، وعبد الله لأُمِّ ولد، والبراءُ لأُمِّ ولد أيضًا، وحارثةُ وأُمُّه من كِنْدَة، ومحمد وعبد الله وأُمُّ سَهْل لأُمّ ولد (١). وليس في الصحابة من اسمُه عثمان بنُ حُنَيف سواه، وله رواية. وأخرج له أحمد في "المسند" حديثَين. قال أحمد: حدَّثنا رَوْحٌ، حدثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني قال: سمعتُ عُمارةَ بن خُزَيمة بن ثابت يُحَدِّثُ عن عثمان بن حُنيف أنَّ رجلًا ضريرًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، ادعُ الله أن يُعافِيَني، فقال: "إن شئتَ أَخَّرْتَ ذلك فهو أفضلُ لآخرتك، وإن شئتَ دعَوْتُ لك". فقال: لا بل ادعُ الله لي، فأمره أن يتوضَّأ، وأن يُصلّيَ ركعتين، وأن يدعوَ بهذا الدعاء، وهو: "اللهم إني أسألك، وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد، إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه فتُقْضَى لي، وتُشفِّعه فيَّ". قال: ففعل الرجلُ، فبرأ بإذن الله تعالى (٢). انتهت ترجمته. السنة السادسة والأربعون فيها رجع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، وقد كان شَتَا بها، وفتح حُصونًا كثيرةً، فسقاه ابنُ أُثال النصراني شربةً مسمومةً، فمات. وفيها خرج الخَطِيم -واسمُه يزيد (٣) بن مالك الباهليُّ- وسهم بن غالب الهُجَيميُّ وتبعهما خَلْقٌ كثيرٌ من الخوارج، وحكَّما؛ قالا: لا حُكْمَ إلَّا لله. وكان خروج سهم

стр. 3100

بأطرافِ الأهوازِ، وتفرَّق عنه أصحابُه خوفًا من زياد، فرجع إلى البصرة واختفى، فلم يزل زيادٌ [يطلبه] حتى وقع عليه، فقتله. وأما الخَطيمُ؛ فكان زيادٌ قد ولَّاه البحرين (١)، فحكَّم، ثم خاف فرجع إلى البصرة، وأمَّنَه زياد على أن لا يبيتَ في غير منزله، وضَمِنَه مسلم بن عَمرو، فغاب ليلة فأخبر مسلم زيادًا. وقيل: لم يضمنه مسلم وإنَّما قال لزياد: إن بات في غير منزله أخبرتُكَ، فلما غاب تلك الليلةَ أخبر زيادًا، فأخذه وضرب عُنُقَه. وحجَّ بالناسِ [في هذه السنة] عتبةُ بن أبي سفيان (٢). وفيها توفّي سالم بن عُمَير ابن ثابت بن كُلْفة بن ثعلبة بن عمرو بن عوف، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. قال ابن سعد (٣): شهد بدرًا (٤)، وأُحدًا، والخندقَ، وما بعدها من المشاهد مع رسولِ الله ﷺ ، وهو أَحدُ البكّائين الذين جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ وهو يُريدُ الخروجَ إلى تبوك، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ﴾ [التوبة: ٩٢]. وقد ذكرناه هناك. وهو الذي قتل أبا عَفَك اليهوديَّ لَمّا قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، وكان يُحرِّضُ على رسولِ الله ﷺ . وقد ذكرناه في السيرة. وقال ابن سعد: مات سالم في خلافة معاوية، وله عَقِب. وكان له ابن يقال له: سلمة بن سالم. وليس في الصحابة من اسمه سالم بن عُمَير غيره، وله صحبة، وليس له رواية.

стр. 3101

وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (١) ذكره العلماءُ فيمن له إدراكٌ ورؤيةٌ (٢) وكان يومَ اليرموك على كردوسٍ وهو ابن ثمان عشرة سنة. واختلفوا في أُمِّه، فقال خليفة (٣): هو دمشقي، وفي رواية: حمصي، وأُمُّه ابنةُ أنس بن مُدْرِك الخثعمي، وأخوه لأبيه وأُمِّه المُهاجرُ بن خالد، وهذه أُمُّه. وقال أبو أحمد الحاكم: وأُمّ عبد الرحمن أُمُّ تميم بنت الحارث بن جُنْدب ثقفية. قال: ويقال: إِنَّها بنت أنس بن مُدْرك الخثعمي. وذكره أبو القاسم بن عساكر فقال: كُنيتُه أبو محمد، أدرك رسولَ الله ﷺ ، وكان مع أبيه يومَ اليرموك، وسكن حمص (٤)، وشهد صفِّين مع معاوية وكان بيده اللواءُ، واستعمله معاويةُ على غزو الروم، وله معهم وقائع. وكان شريفًا مُمَدَّحًا من فرسان قريش وفضلائهم، وكانت له دارٌ بدمشق. وروى عن رسولِ الله ﷺ مرسلًا، وروى عنه خالد بن سَلَمة، والزُّهري (٥) وعمرو بن قيس الشامي، ويحيى بن أبي عمرو السَّيباني، وأبو هِزّان. وقال أبو عبد الله بن مَنْدَه: استعمله معاويةُ على الصوائف سنة اثنتين [وأربعين]، فشتَّى بهم سنة ثلاثٍ وأربعٍ وخمسٍ وستٍّ. وذكره أبو زُرعة الدمشقي وقال: كان في جيشه أبو أيوب الأنصاريُّ، فجيءَ بأربعةٍ من الروم، فأمر بهم فجُعلوا غَرَضًا للنبل حتى ماتوا، فجاء أبو أيوب فَزِعًا وقال له: أصبرتَهم بعد نَهْيِ رسولِ الله ﷺ عن ذلك؟! فأعتق أربعة أَعْبُد (٦).

стр. 3102

وذكره ابن عبد البَرِّ وقال: كان من فرسانِ قريش، إلَّا أَنَّه كان منحرفًا عن عليّ بن أبي طالب وبني هاشم، فخالفه أخوه المُهاجرُ بن خالد، فكان يُحِبُّ عليًّا وبني هاشم. قال ابن عبد البَرِّ (١): ولَمَّا أراد معاويةُ البيعةَ لابنه يزيد خطب الناسَ فقال: يا أهل الشام قد كَبِرَتْ سِنِّي، وقَرُبَ أجلي، وقد أرَدْتُ أن أعقدَ لرجلٍ يكون نِظامًا لكم، فاختاروا لأنفُسِكم، فإِنَّما أنا رجلٌ منكم. فاختاروا عبد الرحمن، فَشقَّ ذلك على معاوية، وأسمرَّها في نَفْسِه، فدَسَّ إليه طبيبًا، فسقاه السُّمَّ، فمات. ذكر وفاته: اتفقوا على أن معاويةَ دسَّ إليه من سقاه سُمًّا فهلك، كابن عبد البَرِّ وأبي أحمد الحاكم، وهشام، والواقدي، والطبري، وحكاه جَدِّي في "المنتظم"، وحكاه ابن عبد البَرّ عن أشياخه، دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض؛ قالوا (٢): كان عبد الرحمن بن خالد قد عَظُمَ شأنُه بالشام ومال إليه الناسُ، لِما كان عندهم من آثار أبيه ولغَنائه عن المسلمين في الجهاد، ورياسته وفَضلِه وكرمِه، وشجاعتِه وهَدْيِه وسَمْتِه ودينِه، فخافَه معاويةُ، فأمر ابنَ أُثال أن يحتال في قَتْله، وضَمِنَ له إنْ هو فَعَلَ ذلك أن يضع عنه خَراجَه ما عاش، وأن يولِّيَه جِبايةَ خراج حمص. فلما قَدِم عبد الرحمن من الروم ونزل حِمْص؛ دسَّ إليه ابنُ أُثال شَربَةً مسمومةً مع بَعْضِ مماليكه، فشربها، فمات بحمص. قال الطبري (٣): فوفَّى معاويةُ لابن أُثال بما ضَمِنَ له، وولَّاه خَراج حمص، ووضع عنه خَراجَه.

стр. 3103

وقال ابن عبد البَرِّ (١): لَمّا شاورَ معاويةُ أهلَ الشامِ فيمن يولِّيه الخلافة، وأشاروا بعبد الرحمن؛ أَسَرَّها معاويةُ في نَفْسِه، ثم إن عبد الرحمن مرضَ، فأمر معاويةُ طبيبًا يهوديًّا كان مكينًا عنده، واسمُه ابن أُثال، وضَمِنَ له معاويةُ مالًا مع إسقاط خَراجِه وتَوْليته حمص، فسقاه شَرْبَة، فمات. وقيل: كان الطبيبُ نصرانيًّا. قال مَنْ سمَّينا من العلماء (٢): ولما شاع ذلك قَدِمَ [خالد بن] عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينةَ، فجلس إلى عروة بن الزبير، فسلَّم عليه، فقال: من أَنْتَ؟ [فعرّفه نفسه]، فقال له عروة: ما فعل ابنُ أُثال؟ كأنَّه عَيَّره. ففهم خالد ولم يتكلَّم، وقام من ساعتِه، فسار إلى دمشق -وقيل: إلى حمص- ومعه نافع مولاه، وكان ابنُ أُثال يَسْمُرُ عند معاويةَ، فرصداه ليلةً، فخرج، فضرباه بالسيف حتى قتلاه (٣). وأرسل معاويةُ فحبس خالدًا وغرَّمه دِيَةَ ابنِ أُثال، ولم يُقِدْه منه. ولَمّا ضربَ خالدٌ ابنَ أُثال قال: أنا ابنُ سيفِ الله فاعرفوني … لم يَبْقَ إلا حَسَبي وديني وصارمٌ صلَّ به يميني ثم رجع خالدٌ إلى المدينة، فأتى عروةَ، فسلَّم عليه، فقال له عروةُ [ما فعل ابنُ أُثال؟ قال: قد كفيناك إياه، ولكن] ما فعل ابنُ جرموز (٤)؟ فسكت عروةُ. وذكره الشيخ الموفَّق ﵀ فقال (٥): لما انصرف خالد بن عبد الرحمن إلى المدينة بعد قتل ابنِ أثال قال:

стр. 3104

قضى لابنِ سيفِ الله بالحقِّ سيفُهُ … وعُرِّيَ من حَمْلِ الذُّحول رواحِلُهْ فإِنْ كان حقًّا فهو حقٌّ أصابَهُ … وإن كان ظَنًّا فهو بالظنِّ فاعِلُهْ سَلِ ابنَ أثالٍ هل ثأَرْتُ ابن خالد … وهذا ابنُ جُوْموزٍ فهل أَنت قاتِلُهْ أراد أنَّ بني الزبير كان ابن جرموز بينهم، ولم يقتلوه بأبيهم. وقال الموفق ﵀ (١): قال معاويةُ لكعب بن جُعَيْل الشاعر: ليس للشاعر عَهْدٌ، قد كان عبد الرحمن صديقَكَ، فلما ماتَ نَسِيتَه، فقال: واللهِ ما نسيتُه، ولقد قُلتُ بعد موته: ألا تبكي وما ظَلَمَتْ قريشٌ … بإِعوالِ البكاءِ على فتاها ولو سُئِلَتْ دمشقُ وبَعْلَبَكُّ … وحِمْصٌ من أباحَ لكم حِماها فسيفُ اللهِ أدخلها المنايا … وهَدَّمَ حِصْنَها وحوى قراها وأنزلَها معاويةَ بنَ صخرٍ … وكانت أرضُه أرضًا سِواها ومن شعر كعب بن جُعَيْل فيه: أبوك الذي قادَ الجيوشَ مُغرِّبًا … إلى الرومِ لَمَّا أَعطتِ الخَرْجَ فارسُ وكم من فتًى نَبَّهْتَه بعد هَجْعَةٍ … بقَرْعِ اللجامِ وهو [أكتعُ] ناعسُ وما يستوي الصفَّانِ؛ صفٌّ لخالدٍ … وصفٌّ عليه من دمشقَ البرانسُ (٢) وقد ذكرنا أن عبد الرحمن ماتَ بحمص في هذه السنة، وعليه عامَّة العلماء. وقد وَهِمَ الواقديُّ فقال في كتاب "الصوائف": إن عبد الرحمن بن خالد مات بأرضِ الروم في سنة تِسْعٍ وأربعين (٣). وكذا ذكر الوليد بن مسلم. قال ابن عساكر: وهو وَهْمٌ منهما (٤)، مات بحمص في هذه السنة، وذكر القصَّة.

стр. 3105

وكان لعبد الرحمن بن خالد إخوة: المُهاجر، وعبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، وسليمان، وقد ذكرناهم في ترجمة خالد. وفيها توفي هَرِمُ بنُ حَيَّان العَبْديُّ الأزْديُّ البصريُّ. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الفقهاء والمحدِّثين والزُّهَّاد من أهل البصرة (١). وقال هشام: إنما سُمِّيَ هَرِمًا لأن أُمَّه حملت به ثلاثَ سنين، وولدته وقد بَدَت ثناياه. واستعمله عمر بن الخطاب (٢)، وهو يُعَدُّ في عُمَّاله، وهو أَحدُ الزهَّاد الثمانية (٣). وقال أبو نُعيم بإسناده عن أبي نضرة (٤): إن عمرَ بعث هَرِمَ بنَ حيَّان على الخيلِ، فغضب على رجل، فأمر به فوجِئت عُنُقُه، ثم انتبه، فأقبل على أصحابه فقال: لا جزاكم الله خيرًا، ما نصحتُموني ولا كفَفْتُموني عن غضبي، والله لا أَلِي لكم عملًا. ثم كتب إلى عمر يقول: لا طاقة لي بالرعيَّة، فابعثْ إلى عملك مَن شئتَ. وقد ذكرنا اجتماعه بأُويس القَرني في ترجمة أُويس. وقال ابن سعد بإسناده عن حُميد بن هلال عن هَرِم بن حيان قال (٥): ما رأيتُ مثل النار؛ نام هاربُها، ولا مثل الجنَّة؛ نام طالبُها. وقال ابن سعد بإسناده عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار قال (٦): استُعمل هَرِم بنُ حيَّان، فظنَّ أن قومَه سيأتونه، فأمر بنارٍ فأُوقِدت بينه وبين مَنْ يأتيه من القوم،

стр. 3106

فجاء قومُه فسلَّموا عليه من بعيد، فقال: مرحبًا بقومي، ادنوا، فقالوا: ما نستطيع أن ندنوَ منك لأجلِ النار، قال: فأنتم تُريدون أن تُلقوني في نارٍ أعظمَ منها، نار جهنَّم، فرجعوا. وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن الزُّهريِّ قال (١): بات هَرِم بنُ حَيَّان عند حُمَمَةَ صاحب رسول الله ﷺ ، فبات حُمَمَةُ يبكي إلى الصباحِ، فقال له هَرِمٌ: ما أبكاك؟ فقال: ذكرتُ ليلةً صبيحتُها تبعثرُ القبور، فيخرجُ من فيها. قال: وبات حُمَمةُ عند هَرِم، فبات هَرِم يبكي ليلتَه حتى أصبح، فسأله حُمَمَةُ عن بكائِه، فقال: ذكرتُ ليلةً صبيحتُها تتناثر النجوم. وكانا يأتيان بالنهارِ سوقَ الحدَّادين، فيسألان الله أن يُعيذَهما من النارِ، ثم يفترقان. ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاة هَرِم، وقال الهيثم: مات في سنة ستٍّ وأربعين. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن مَخْلَد بن الحُسين قال: سمعت هشامًا يذكر عن الحسن قال (٢): مات هَرِم بن حيَّان في غَزاة له في يوم صائف، فلما فُرغَ من دفنه جاءت سحابةٌ، فرشَّت القَبْرَ حتى تَرَوَّى، ولا يُجاوزُ القبرَ منها قطرةٌ واحدةٌ، ثم عادت عَوْدَها على بَدْئِها. وروى ابن سعد أيضًا عن قتادة قال: أُمطر قبرُ هَرِم بن حيَّان من يومِه، ونبت العشبُ من يومِه. وذكره جَدّي في "الصفوة" وقال: لا يُعرفُ لهرمٍ مسندٌ أصلًا (٣). قلت: وقال ابن سعد في "الطبقات": كان لهرمٍ فَضلٌ وعبادةٌ. روى عنه الحسنُ البصريُّ، وكان ثقةً (٤). وقال هشام: روى عنه الحسنُ البصري وابنُ سيرين وغيرُهما (٥).

стр. 3107

السنة السابعة والأربعون قال الواقدي: وفيها عَزلَ معاويةُ عبدَ الله بنَ عَمرو بن العاص عن مصر، وولَّاها معاويةَ بنَ حُدَيْج، فمرَّ به عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصديق وقد قَفَل من الإسكندرية، فقال له: يا ابن حُدَيْج، لقد أَخَذْتَ من معاوية جَزاءَك حين قتلتَ محمدَ بنَ أبي بكر، إِنَّما فعَلْتَ ذاك لهذا، فقال: ما قتلتُه إلا لِما صنع بعثمان، فقال عبد الرحمن: لو كان كما قُلْتَ لَما كُنتَ أوَّلَ مبايعٍ معاويةَ بعد التحكيم، لأنك لو طلبتَ دمَ عثمان لم تَشْرَكْهُ فيما صنع (١). وفيها بعثَ زيادٌ الحَكَمَ بنَ عمرو الغِفاريَّ إلى خُراسان، فغزا جبال الغَوْر، فأَصابَ غنائمَ كثيرةً، فلما قَفَلَ الحَكَمُ من غَزاتِه مات بمرو. كذا قال الطبري (٢). وذكر ابنُ سعد أته مات سنة خمسين (٣)، وسنذكره هناك. وفيها سار عبد الله بن سَوَّار العبدي إلى قِيقان في بلاد التّرك، فأَوغل فيها من غير دليل، ففتح حصونًا كثيرة، وغنم أموالًا عظيمة، ثم رجع وقد كمن له التركُ في المضايق، فقتلوه، وأخذوا ما كان معه (٤). واختلفوا فيمن حجَّ بالناس، فقال الواقديُّ: عتبة بن أبي سفيان، وقال هشام: عنبسة بن أبي سفيان (٥). وفيها توفي قيس بنُ عاصم ابنِ سِنان بن خالد بن مِنْقَر بن عُبيد بن مُقاعِس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ذكره ابنُ سعد (٦) في الطبقة الرابعة مِمَّن أسلم من العرب، ورجع إلى بلاد قومِه، وكُنيتُه أبو علي، وقيل: أبو قَبِيصة.

стр. 3108

وقد ذكرنا أنه وفد عدى النبي ﷺ ، فأكرمه وأجازه وقال: "هذا سيِّدُ أهلِ الوَبَر". وقال هشام: كان جَوادًا حليمًا، وإليه انتهى الحِلْمُ في زمانه. حدَّثنا عبد الوهَّاب بنُ علي الصوفيّ بإسناده عن أبي عثمان المازني قال: سمعتُ الأصمعيَّ يقول: سمعتُ أبا عمرو بنَ العلاء يقول: قيل للأحنف بنِ قيس: مِمَّن تعلَّمْتَ الحِلْمَ؟ قال: من قيس بن عاصم، بينا نحن جلوسٌ عنده إذ جاءت خادمٌ بسَفُّودٍ (١) فيه شِواء، وبين يديه ولدٌ صغيرٌ له، فوقع السَّفُّود من يَدها على الولدِ، فَنَشَّ (٢) ومات، فبُهتت الجاريةُ، فقال لها قيس: لا بَأْسَ عليكِ، أَنْتِ حرَّةٌ لوجه الله تعالى (٣). وبالإسناد عن أبي عمرو بن العلاء قال: قيل للأَحنفِ بن قيس: مِمَّن تعلَّمْتَ الحِلْمَ؟ قال: من قَيس بن عاصم: بَينا نحن جلوس عنده وهو قاعد مُحْتبٍ بفِناءِ بيتِه بكِسائِه، إذ جاء جماعةٌ قد أقبلوا وفيهم مقتول وآخَرُ مكتوف، فقالوا: هذا ابنُك مقتول، قتله ابنُ أَخيك، وهو المكتوف، قال: فوالله ما حلَّ حَبْوَتَه، ولا قطعَ كلامه حتى فرغ منه، ثم التفت إلى ابنٍ له فقال: وارِ أخاكَ، واحمل إلى أُمِّه مئةً من الإبل، فإنَّها غريبة، وأطلق ابنَ عمِّك، ثم قال لابنِ أخيه: قَطَعْتَ رَحِمَك، وقَلَّلْتَ عددَكَ، فلا أَبعد الله غيرك. ثم قال: إني امرؤٌ لا شائنٌ حَسَبي … دَنَسٌ يُغَيِّرُه ولا أَفْنُ من مِنْقَرٍ في بيتِ مَكْرُمَةٍ … والغُصْنُ يَنْبتُ حوله الغُصْنُ خُطباءُ حين يقولُ قائلهم … بيضُ الوجوه أَعِزَّةٌ لُسْنُ لا يَفْطَنُون لِعيبِ جارهمُ … وهُمُ لِحُسْنِ جوارِه فُطْقُ وقد ذكرنا أنه مِمَّن أَسلمَ من العرب، ورجع إلى بلاد قومه (٤).

стр. 3109

وقال ابن سعد بإسناده عن خليفة بن الحُصين، عن (١) قيس بن عاصم، أنه أسلم، فأمره النبيُّ ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسِدْر. قلت: وبهذا الحديث يحتجُّ أحمد بن حنبل على وجوب الغُسل على الكافر. وعندنا في الفقهاء لا يجب، والأمرُ للاستحباب. وعامَّة الصحابة أسلموا ولم يغتسلوا. وقال الشعبيُّ وابنُ سعد (٢): كان قيسٌ قد حرَّم على نَفْسِه الخَمْرَ في الجاهلية، وسببُه أنَّه سَكِر ليلةً، فعبث بذي مَحْرَم له، فهربَتْ منه، فلما أفاق أخبره أهلُه بما صنع، وحرَّم الخمرَ على نَفْسِه وقال: رأَيتُ الخمرَ مُصلحةً وفيها … مقابحُ تفضحُ الرجلَ الكريما فلا واللهِ أَشربُها حياتي … ولا أَشفي بها أبدًا سقيما وقال الواقدي: نزل قيس البصرة ومات بها سنة سبع وأربعين. وقال ابنُ سعد (٣): وهو الذي قيل فيه: فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ … ولكنَّهُ بُنيانُ قومٍ تَهَدَّما ذكر ابن سعد هذا البيتَ لا غير، وهو بعضُ أبياتٍ أوَّلُها: عليك سلامُ الله قيسَ بنَ عاصمٍ … ورحمتُه ما شاءَ أن يترحَّما تحيَّةَ من أولَيتَه منك نعمةً … إذا ذُكِرتْ أَمثالُها تملأُ الفَما وما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ … ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما تحيَّةَ من أَلبَسْتَه منك نعمةً … إذا زارَ عن شَحْطٍ بلادَك سلَّما قلت: والأبياتُ في الحماسة، وهي لعَبْد بنِ الطبيب (٤).

стр. 3110

وقال ابنُ سعد: حدثنا خلَّاد بن يحيى، عن سفيان الثوريّ قال: حدَّثني أسلم، عن رجل، أن النبيَّ ﷺ قال لقيس بن عاصم: "هذا سَيِّدُ أَهلِ الوبَر". وقال ابن سعد بإسناده عن مطرِّف، عن حكيم بن قيس بن عاصم قال: أوصى [قيس بن عاصم] بنيه عند موته فقال: يا بَنِيَّ، سوِّدُوا عليكم أكْبَرَكُم، فإن القومَ إذا سوَّدوا أكبرهم خَلَفُوا آباءهم، وإذا سوَّدوا أصغرَهم أَزْرى بهم عند أكفائهم، وعليكم بالمالِ واصطناعِه، فإنه مَأْبَهَةٌ للكريم، ويُسْتَغْنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألةَ الناس، فإنَّها من أَخِرِ مكسبة الرجل (١)، ولا تنوحوا عليَّ، فإن رسول الله ﷺ لم يُنَحْ عليه، ولا تدفنوني حيثُ تشعر بي بكر بن وائل، فإني كُنْتُ أُغاولُهم في الجاهلية. قلت: أما قولُه: سوِّدوا أكبركم، فهذا على شرطِ أن يكونَ أهلًا للسؤدد، سالكًا مسلَكَ أبيه في الحلم والجودِ ومكارمِ الأخلاق، وكم من صغيرٍ أمثلُ من كبير؛ قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وقوله: قد كُنتُ أُغاولهم في الجاهلية، قد ذكرنا بعضَ واقعاته في صدر الكتاب في أيام العرب. وقال هشام: لما احتُضِر قيس؛ بكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: أَخافُ أن يموتَ الحِلْمُ بعدي. وقيس بن عاصم من شعراء الحماسة (٢). أَسند قيسٌ الحديثَ عن رسولِ الله ﷺ . وليس في الصحابة من اسمُه قيس بن عاصم سوى رجلين؛ أحدهما هذا، والثاني أسدي، وله رؤية، وليس له رواية (٣).

стр. 3111

وقد أخرج أحمد في "المسند" لقيس بن عاصم صاحب هذه الترجمة حديثَين: أحدهما الذي رويناه عن ابن سعد أن النبيَّ ﷺ أمره لَمّا أسلم أن يغتَسِل بماءٍ وسِدْر. أخرجه أحمد عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأَغرِّ، عن خليفة؛ وذكره (١). والثاني: قال أحمد بإسناده عن شعبة بن التَّوْأَم، عن قيس بن عاصم، أنه سأَل النبيَّ ﷺ عن الحِلْف، فقال: "ما كان في الجاهلية فتمسَّكوا به، ولا حِلْفَ في الإسلام" (٢). السنةَ الثامنة والأربعون فيها غزا عقبةُ بن عامرٍ الجُهَنيّ في البحرِ بأهلِ مصر، فأوغل في الجزائرِ، فغَنِم وسَلِم، وشَتَا أبو عبد الرحمن القَيْنيُّ (٣) بأنطاكية. وقال الطبريّ (٤): وفيها بعثَ زيادُ بنُ أبيه غالبَ بنَ فَضَالة الليثيَّ على خُراسان، وكانت لغالب صحبةٌ لرسولِ الله ﷺ . قلت: وقلَّد جَدِّي ﵀ الطبريَّ في هذا، وهو وَهْم (٥)؛ فإنه ليس في الصحابةِ من اسمه غالب بن فَضالة. وجُملةُ من اسمه غالبٌ من الصحابة اثنان: غالب بن أَبجر المُزَنيُّ، ويقال: غالب بن دِيخ (٦). والثاني: غالب بن عبد الله بن مسعر بن جعفر الليثي، وكلاهما له صحبة ورواية، ذكرهما جَدِّي في "التلقيح" ولم يذكر من اسمُه غالب بن فَضالة (٧).

стр. 3112

وحجَّ بالناس في هذه السنة مروان بنُ الحَكَم بالاتفاق وهو خائف أن يعزلَه معاويةُ؛ لأنه كان قد تغيَّر عليه. وقال جَدِّي ﵀ في "المنتظم": ولا نعلمُ أحدًا ماتَ من الأكابر في هذه السنة (١). قلتُ: وقد قال الهيثم: إن الحسن بن علي ﵇ مات في هذه السنةِ لِما نذكر في ترجمته. وكذا المغيرةُ بن شعبة؛ فإن الطبريَّ قال: قد قيل إن هلاكه كان في سنة تسع وأربعين، وسنذكره، كذا قيل عن جماعة، والله أعلم. السنة التاسعة والأربعون فيها غزا يزيد بن معاوية الرومَ، ووصل إلى القسطنطينية، ومعه ابنُ عباس، وابنُ عمر، وابنُ الزبير، وأبو أيوب الأنصاريُّ. وفيها غزا يزيدُ بن شجرة الرُّهاويُّ في البحرِ بأهل الشام، وشَتا هناك. وغزا عقبةُ بنُ نافع البحر من مصر، وأقام أيامًا، وقيل: شَتا بالبحر. وفيها عزل معاوية مروانَ بنَ الحكم عن المدينة في ربيع الأوَّل، وولَّى عليها سعيدَ بنَ العاصِ، فاستقضى سعيدُ بنُ العاص أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمن، وكان مروان قد استقضى على المدينةِ عبدَ الله بنَ الحارث بن نوفل، فعزله سعيد (٢). وحجَّ بالناس سعيدُ بنُ العاص بالاتفاق، وهو أمير على المدينة. وفيها توفي أُهْبان بنُ الأكوع وكنيتُه أبو عقبة، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين؛ قال (٣): وهو مُكَلِّمُ الذئب في رواية هشام بن محمد بن السائب.

стр. 3113

قلت: وقد اختلفوا في اسم مكلِّم الذئب، فقال هشام: اسمه أُهبان بن الأكوع. وحكى ابن سعد عن الواقديّ (١) قال: مكلِّمُ الذئب اسمُه اهْبان بن أَوس الأسلميّ، وكان يسكنُ يَيْنَ (٢)، وهي بلادُ أسلم، فبينما هو يرعى غنمًا، بحَرَّة الوَبَرَة (٣)؛ فعدا الذئبُ على شاةٍ منها، فأخذَها منه، فَتَنَحَّى الذئب، وأقعى على ذَنَبِه وقال: ويحك، لِمَ تمنعُ مني رزقًا رزقَنيه الله؟! فجعل أُهْبانُ يُصَفِّقُ بيديه ويقول: تاللهِ ما رأَيتُ أَعجبَ من هذا، فقال الذئبُ: إنَّ أعجبَ من هذا رسولُ الله ﷺ بين هذه النخلات، وأَومأَ إلى المدينة، فحدر أُهبانُ غنمه إلى المدينة، وأتى رسولَ الله ﷺ فحدَّثَه الحديث، فعجب لذلك، وأمره إذا صلَّى العصرَ أن يُحدِّثَ به أصحابَه، ففعل، فقال رسولُ الله ﷺ : "صَدَقَ في آيات تكون قبل الساعة" (٤). قال: وأسلم أُهْبان، وصحبَ رسولَ الله ﷺ ، وكان يُكنى أبا عُقبة، ثم نزل الكوفةَ، وابتنى بها دارًا في أسلمَ، وتوفي بها في خلافة معاوية بن أبي سفيان وولاية المغيرة بن شعبة. هذا صورة ما حكى ابن سعد عن الواقديّ. وحكى ابنُ سعد أيضًا عن عبد الله بن محمد بن الأشعث أنَّه قال: أنا أعلمُ بهذا من غيري، مُكَلّمُ الذئب اهبان بن عِياذ (٥) بن ربيعة بن كعب بن أمية بن يقظة بن خُزَيمة بن سَلامان بن أسلم بن أفصى.

стр. 3114

وذكر جدّي ﵀ في "التلقيح" من اسمه أُهْبان أربعة (١)، فقال: أُهْبان بن الأكوع أبو عقبة، والثاني: أُهْبان بن أَوس الأسلمي، والثالث: أُهْبان بن صَيفي الغِفاريُّ أبو مسلم، والرابع: أُهْبان بن عِياذ الخُزاعي مُكلّمُ الذئب. قال: وقيل: إن مكلِّم الذئب أُهْبان بن أوس. هذا صورةُ ما حكى جدّي، ولم يذكر في الرواة من اسمُه أُهبان بن صيفي (٢). فالحاصلُ أن مُكلِّمَ الذئب على رواية هشام بن محمد أُهبان بن الأكوع صاحبُ هذه الترجمة، وعلى قول الواقديّ هو أُهبان بن أَوس الأسلميّ، وقد حكاه جَدِّي في "التلقيح" في أحد القولين. على قول عبد الله بن محمد بن الأشعث هو أُهْبان بن صيفيّ الغِفاريّ (٣)، فإنه أَخرج له حديثًا واحدًا، فقال أحمد: حدثنا رَوْح، عن عبد الله بن عُبيد الدِّيلي، عن عُدَيْسَة (٤) بنت أُهبان بن صيفي، أن عليًّا ﵇ أتاه في منزله بالبصرة حتى قام على باب حُجْرتِه وكان مريضًا أفاق من مرضِه، فقال له عليٌّ: السلام عليك أبا مسلم، كيف أنَتَ؟ فردَّ السلامَ وقال: بخير، فقال عليّ: ألا تخرجُ معي [إلى] هؤلاءِ فتُعينَني عليهم؟ فقال: بلى، إدْ رَضِيتَ [بما أُعطيك]، قال: وما هو؟ فقال الشيخُ: يا جارية، [هاتِ سيفي، فأخرجت إليه غِمدًا، فوضعته في حِجْرهِ، فاستلَّ منه طائفةً] ثم رفع رَأْسَه إلى عليّ فقال: إنَّ خليلي وابنَ عمِّك عَهِدَ إِفيَ عهدًا: إذا كانت فتنةٌ بين المسلمين أَتَّخذُ سيفًا من خشب، فهذا سيفي، فإن شئتَ خرجتُ به معك، فقال علي: لا حاجةَ لنا فيك ولا في سيفِك. ثم رجع عليٌّ ﵇ من باب الحجرة ولم يدخل (٥). وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدَّم (٦).

стр. 3115

وفيها توفي الحسن بن علي بن أبي طالب ذكره ابنُ سعد في الطبقة الخامسة مِمَّن قُبض رسولُ الله ﷺ وهم أَحداثُ الأسنان، ولم يَغْزُ واحدٌ منهم مع النبيِّ ﷺ وقد حَفِظَ عامَّتُهم ما حدَّثوا [به] عنه، ومنهم من أدركه ورآه ولم يُحَدِّثْ عنه شيئًا (١). وكنيتُه أبو محمد، وأُمُّه فاطمةُ بنت رسولِ الله ﷺ . وقد ذكرنا مولده في السنة الثالثة وما يتعلَّقُ به من تسميته، وحَلْقِ رأسِه، والذَّبْح عنه، ونحو ذلك. ذِكْرُ بَعْضِ مناقبه: قال أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن جعفر بإسناده عن البراء بن عازب قال: رأَيتُ رسولَ الله ﷺ واضعًا الحسنَ بنَ عليّ على عاتقِه وهو يقول: "اللهمَّ إني أُحبّه فأَحِبَّه، وأَحِبَّ من يُحِبُّه". متَّفق عليه (٢). وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ إلى سوق بني قينقاع، فجلس بِفِناء بيت فاطمة، ثم قال لي: "أَي لُكَع (٣)، ادعُ لي الحسنَ" فجاء الحسنُ وفي عُنُقِه السِّخابُ، فالتزمه رسولُ اللهِ ﷺ بيده وقال: "اللهم إني أُحبُّه فأَحبَّه". وذكر الحديث. قال أبو هريرة: فما كان عندي أَحبَّ إليَّ من الحسنِ بعد ما قال رسولُ اللهِ ﷺ ما قال.

стр. 3116

وفي رواية في هذا الحديث: أن النبيَّ ﷺ لَمَّا جلسَ بفِناء بيتِ فاطمة قال: "أَثَمَّ لُكَع؟ " فحبسته فاطمةُ شيئًا، فظننتُ أَنها تُلبسُه سِخابًا، أوتُعسِّلُه، فجاء الحسنُ يشتَدُّ. وذكره. السِّخَاب: القِلادةُ .. ولفظة "لُكَع" على وجهين: أحدُهما أنه يُقال للصبيِّ الصغير، وقد ذكرها الجوهريّ فقال: وفي حديث أبي هريرة: "أَثَمَّ لُكَع" يعني الحسنَ أو الحُسين. والثاني يقال لقليل العلم؛ قاله أبو عُبَيد. فإِن كان الخطاب للحسنِ فقد عُلِمَ ذلك، وإن كان بمعنى قلَّةِ العلم؛ فيكون قولُه ﷺ لأبي هريرة على وجه المُداعبة. وأخرج ابن سعد بمعناه عن أبي هريرة (١)، وفيه أن أبا هريرة قال: ما رأيتُ الحسنَ إلا فاضت عيناي، وذكره فقال: فقام رسولُ اللهِ ﷺ من سوق بني قينقاع إلى المسجد وقال: "أَي لُكاع، اُدْعُ لي لُكَعًا" فجاء الحسنُ يشتدُّ، فوقع في حِجْرِه، ثم أدخل يدَه في لحيتِه، وجعل يُدخِلُ فاه في فيه. الحديث (٢). وللبخاريّ عن أُسامة بن زيد قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُقْعِدُ الحسنَ على فَخِذِه اليُمنى، والحسين على فَخِذِه اليُسرى ويقول: "اللهم إني أُحبُّهما فأَحِبَّهما، اللهم إني أَرْحَمُهُما فارْحَمْهما " وقد ذكرناه (٣). وللبخاري عن عقبة بن الحارث قال: خرجتُ مع أبي بكر ﵁ من صلاة العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال وعليٌّ ﵇ يمشي إلى جنبهِ، فَمَرَّ بالحسنِ وهو يلعبُ مع الصبيان -أَو الغِلْمان- فاحتمله أبو بكر على رقبته وجعل يقول: وا بأَبي شِبْهُ النبي (٤) … ليس شبيهًا بعلي

стр. 3117

وعليٌّ يضحكُ (١). وقال البلاذري: كانت فاطمةُ تُرقِّص الحسنَ والحسين (٢) حتى أدخلتهم حُجْرتَه، هذا بين يَدَيه، وهذا خَلْفَه. وللبخاري عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعَوِّذُ الحسنَ والحسينَ؛ يقول: "أُعيذُكما بكلماتِ الله التامَّة، من كلّ شيطانٍ وهامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة". ويقول: "إنَّ أَباكما إبراهيم كان يُعوِّذُ بهما إسماعيلَ وإسحاق" (٣). التامَّة: التي لا نَقْصَ فيها؛ لأن كلامَ المخلوقين فيه نَقْصٌ، والتامَّات أبلغُ؛ لأنَّها جَمْع. وقد جاء الحديث بها. واللامَّةُ من: أَلْمَمْتُ. والهامَّة: كلُّ نَسَمَةٍ تَهُمُّ بسوء، وأَصلُ لامَّة: مُلِمَّة، وإنَّما قصد اتفاق الألفاظ. ولمُسلم عن عائشة قالت: خرج رسولُ الله صلى الله عليه ذات غداة وعليه مِرْط مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسود، فجاء الحسنُ بنُ علي فأَدخله معه، وجاء الحسينُ فأَدخله معه، وجاءت فاطمةُ فأدخلَها، وجاء عليٌّ فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾. [الأحزاب: ٣٣]. انفرد بإخراجه مسلم، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن صفيَّة، عن عائشة ﵄ (٤). المِرْط: الكِساءُ، المُرَحَّلُ: المُوَشَّى وعليه تصاويرُ الرِّحال، بالحاء المهملة، وروي: الرجس، والرجز (٥).

стр. 3118

وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن بُرَيدَة عن أبيه ابن الحُصَيب: قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطب، فجاء الحسنُ والحسينُ؛ عليهما قميصان أحمران يمشيان وَيعْثُران، فنزل رسولُ الله ﷺ من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ورسولُه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]؛ نظرتُ إلى هذَين الصَّبِيَّينِ يمشيان وَيعْثُران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما" (١). وقال أحمد بإسناده عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ في إحدى صلاتي العَشِيّ: الظهر أو العصر، وهو حاملٌ الحَسنَ أو الحُسين، فتقدَّم رسولُ الله ﷺ [فوضعه] ثم كبَّر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظَهْراني صلاتِه سجدةَ فأطالها، فقال: إني رفعتُ رأسي، فإذا الصبيُّ على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعتُ في سُجودي. فلما قضى رسولُ الله ﷺ صلاته قال الناس: يا رسول الله، إنك سَجَدْتَ بين ظَهْرانَي صلاتِك سَجْدَةً أَطَلْتَها، فظننَّا أنه قد حدَثَ أمر، أو أنَّه يُوحى إليك، فقال: "كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني، فكَرِهْتُ أن أُعْجِلَه حتى يَقْضِيَ حاجته". أخرجه أحمد في "المسند" (٢) ولم يخرج لعبد الله بن شدَّاد بن الهاد في "المسندِ" غيرَه (٣). واسم الهادِ: عمرو بن عبد الله الليثي. ذِكْرُ شَبَهِ الحسنِ برسولِ الله ﷺ : قد ذكرنا حديث البخاريِّ عن عقبة بنِ الحارث كما روى البخاري. وقال ابن سعد: حدثنا عبد الله بن نُمير، ويزيد بن هارون، ومحمد بن كُناسة الأَسديّ؛ قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: قلتُ لأبي جُحيفة: رأيتَ النبيَّ ﷺ ؟ قال: نعم، كان أَشْبَهَ الناسِ به الحسنُ بنُ عليّ. متفق عليه (٤).

стр. 3119

وللبخاري عن أنس قال: لم يكن أحدٌ أَشبهَ برسولِ الله ﷺ من الحسنِ بن عليّ (١). وقال ابن سعد: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الله الأسديّ، ومالك بن إسماعيل أبو غسان النَّهديُّ؛ قالوا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن عليّ قال: الحسنُ أَشْبَهَ رسولَ الله ﷺ ما بين الصدرِ إلى الرأس، والحسين أَشْبَهَ النبيَّ ﷺ ما كان أسفلَ من ذلك (٢). وفي رواية: الحسن شَبَهُ رسولِ الله ﷺ من رَأسِه إلى سُرَّتِه، والحسين من سُرَّتِه إلى قَدَمَيه (٣). ذِكر ما كان يصنعُ به رسول الله ﷺ ونحوه: قال ابن سعد (٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، ومحمد بن بشر العَبْديُّ؛ قالا: حدَّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ يَدْلَعُ لسانَه للحسنِ بن عليّ، فإذا رأى الصبيُّ حُمرةَ اللسان يَهَشُّ إليه. فقال عُيَينة بن حِصْن: إلا أراك تصنعُ هذا؟! إنه ليكون الرجلُ من ولدي قد خرج وجهه وأخذ بلحيته ما أُقَبِّلُه. فقال رسولُ الله ﷺ : "أَملِكُ إن ينزع الله منك الرحمة". وفي رواية (٥): "من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ". وفي رواية (٦): قال عُيَيْنةُ: أَتُقَبِّلُه، ولي عشرةٌ من الولدِ ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا! فقال له رسول الله ﷺ : "ما أصنعُ بك إن كان اللهُ نزع منك الرحمةَ؟! ".

стр. 3120

وروى ابن سعد عن أبي هريرة أنه لَقِيَ الحسنَ بنَ عليّ، فقال له: اكشف لي عن بطنك حتى أُقَبِّلَ حيث رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُ منك، قال: فكشف له عن بطنه، فقبَّله (١). وقال ابن سعد (٢) بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ كان حاملَ الحسن بن عليّ على عاتقِه، فقال رجلٌ: نِعْمَ المركبُ ركبتَ يا غُلامُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "ونعم الراكب هو". وقال ابن سعد (٣) بإسناده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَحبَّ الحسنَ والحُسين فقد أَحبَّني، ومن أَبْغَضَهما فقد أبغضني". وقال ابن سعد (٤) بإسناده عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسولُ الله ﷺ : "حسن وحُسَين سيِّدا شبابِ أَهلِ الجنَّةِ". وروى ابن سعد عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "من سَرَّه أن ينظرَ إلى سيِّدِ شبابِ أهلِ الجنة؛ فلينظر إلى الحسن". وقد أخرج ابن سعد هذا الحديث من طرق عن أبي سعيد رفعه، وفيه: "الحسنُ والحسينُ سيِّدا أهلِ الجنَّة إلا ابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا" (٥). وأخرج عن الفَضْلِ بن دُكَيْن بإِسناده عن مسلم بن يسار قال: أقبل الحسنُ والحسين فقال رسولُ الله ﷺ : "هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة، وأبوهُما خيرٌ منهما" (٦).
следующие страницы →