← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وفي رواية في هذا الحديث: أن النبيَّ ﷺ لَمَّا جلسَ بفِناء بيتِ فاطمة قال: "أَثَمَّ لُكَع؟ " فحبسته فاطمةُ شيئًا، فظننتُ أَنها تُلبسُه سِخابًا، أوتُعسِّلُه، فجاء الحسنُ يشتَدُّ. وذكره. السِّخَاب: القِلادةُ .. ولفظة "لُكَع" على وجهين: أحدُهما أنه يُقال للصبيِّ الصغير، وقد ذكرها الجوهريّ فقال: وفي حديث أبي هريرة: "أَثَمَّ لُكَع" يعني الحسنَ أو الحُسين. والثاني يقال لقليل العلم؛ قاله أبو عُبَيد. فإِن كان الخطاب للحسنِ فقد عُلِمَ ذلك، وإن كان بمعنى قلَّةِ العلم؛ فيكون قولُه ﷺ لأبي هريرة على وجه المُداعبة. وأخرج ابن سعد بمعناه عن أبي هريرة (١)، وفيه أن أبا هريرة قال: ما رأيتُ الحسنَ إلا فاضت عيناي، وذكره فقال: فقام رسولُ اللهِ ﷺ من سوق بني قينقاع إلى المسجد وقال: "أَي لُكاع، اُدْعُ لي لُكَعًا" فجاء الحسنُ يشتدُّ، فوقع في حِجْرِه، ثم أدخل يدَه في لحيتِه، وجعل يُدخِلُ فاه في فيه. الحديث (٢). وللبخاريّ عن أُسامة بن زيد قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُقْعِدُ الحسنَ على فَخِذِه اليُمنى، والحسين على فَخِذِه اليُسرى ويقول: "اللهم إني أُحبُّهما فأَحِبَّهما، اللهم إني أَرْحَمُهُما فارْحَمْهما " وقد ذكرناه (٣). وللبخاري عن عقبة بن الحارث قال: خرجتُ مع أبي بكر ﵁ من صلاة العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال وعليٌّ ﵇ يمشي إلى جنبهِ، فَمَرَّ بالحسنِ وهو يلعبُ مع الصبيان -أَو الغِلْمان- فاحتمله أبو بكر على رقبته وجعل يقول: وا بأَبي شِبْهُ النبي (٤) … ليس شبيهًا بعلي

стр. 3117

وعليٌّ يضحكُ (١). وقال البلاذري: كانت فاطمةُ تُرقِّص الحسنَ والحسين (٢) حتى أدخلتهم حُجْرتَه، هذا بين يَدَيه، وهذا خَلْفَه. وللبخاري عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعَوِّذُ الحسنَ والحسينَ؛ يقول: "أُعيذُكما بكلماتِ الله التامَّة، من كلّ شيطانٍ وهامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة". ويقول: "إنَّ أَباكما إبراهيم كان يُعوِّذُ بهما إسماعيلَ وإسحاق" (٣). التامَّة: التي لا نَقْصَ فيها؛ لأن كلامَ المخلوقين فيه نَقْصٌ، والتامَّات أبلغُ؛ لأنَّها جَمْع. وقد جاء الحديث بها. واللامَّةُ من: أَلْمَمْتُ. والهامَّة: كلُّ نَسَمَةٍ تَهُمُّ بسوء، وأَصلُ لامَّة: مُلِمَّة، وإنَّما قصد اتفاق الألفاظ. ولمُسلم عن عائشة قالت: خرج رسولُ الله صلى الله عليه ذات غداة وعليه مِرْط مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسود، فجاء الحسنُ بنُ علي فأَدخله معه، وجاء الحسينُ فأَدخله معه، وجاءت فاطمةُ فأدخلَها، وجاء عليٌّ فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾. [الأحزاب: ٣٣]. انفرد بإخراجه مسلم، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن صفيَّة، عن عائشة ﵄ (٤). المِرْط: الكِساءُ، المُرَحَّلُ: المُوَشَّى وعليه تصاويرُ الرِّحال، بالحاء المهملة، وروي: الرجس، والرجز (٥).

стр. 3118

وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن بُرَيدَة عن أبيه ابن الحُصَيب: قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطب، فجاء الحسنُ والحسينُ؛ عليهما قميصان أحمران يمشيان وَيعْثُران، فنزل رسولُ الله ﷺ من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ورسولُه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]؛ نظرتُ إلى هذَين الصَّبِيَّينِ يمشيان وَيعْثُران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما" (١). وقال أحمد بإسناده عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ في إحدى صلاتي العَشِيّ: الظهر أو العصر، وهو حاملٌ الحَسنَ أو الحُسين، فتقدَّم رسولُ الله ﷺ [فوضعه] ثم كبَّر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظَهْراني صلاتِه سجدةَ فأطالها، فقال: إني رفعتُ رأسي، فإذا الصبيُّ على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعتُ في سُجودي. فلما قضى رسولُ الله ﷺ صلاته قال الناس: يا رسول الله، إنك سَجَدْتَ بين ظَهْرانَي صلاتِك سَجْدَةً أَطَلْتَها، فظننَّا أنه قد حدَثَ أمر، أو أنَّه يُوحى إليك، فقال: "كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني، فكَرِهْتُ أن أُعْجِلَه حتى يَقْضِيَ حاجته". أخرجه أحمد في "المسند" (٢) ولم يخرج لعبد الله بن شدَّاد بن الهاد في "المسندِ" غيرَه (٣). واسم الهادِ: عمرو بن عبد الله الليثي. ذِكْرُ شَبَهِ الحسنِ برسولِ الله ﷺ : قد ذكرنا حديث البخاريِّ عن عقبة بنِ الحارث كما روى البخاري. وقال ابن سعد: حدثنا عبد الله بن نُمير، ويزيد بن هارون، ومحمد بن كُناسة الأَسديّ؛ قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: قلتُ لأبي جُحيفة: رأيتَ النبيَّ ﷺ ؟ قال: نعم، كان أَشْبَهَ الناسِ به الحسنُ بنُ عليّ. متفق عليه (٤).

стр. 3119

وللبخاري عن أنس قال: لم يكن أحدٌ أَشبهَ برسولِ الله ﷺ من الحسنِ بن عليّ (١). وقال ابن سعد: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الله الأسديّ، ومالك بن إسماعيل أبو غسان النَّهديُّ؛ قالوا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن عليّ قال: الحسنُ أَشْبَهَ رسولَ الله ﷺ ما بين الصدرِ إلى الرأس، والحسين أَشْبَهَ النبيَّ ﷺ ما كان أسفلَ من ذلك (٢). وفي رواية: الحسن شَبَهُ رسولِ الله ﷺ من رَأسِه إلى سُرَّتِه، والحسين من سُرَّتِه إلى قَدَمَيه (٣). ذِكر ما كان يصنعُ به رسول الله ﷺ ونحوه: قال ابن سعد (٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، ومحمد بن بشر العَبْديُّ؛ قالا: حدَّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ يَدْلَعُ لسانَه للحسنِ بن عليّ، فإذا رأى الصبيُّ حُمرةَ اللسان يَهَشُّ إليه. فقال عُيَينة بن حِصْن: إلا أراك تصنعُ هذا؟! إنه ليكون الرجلُ من ولدي قد خرج وجهه وأخذ بلحيته ما أُقَبِّلُه. فقال رسولُ الله ﷺ : "أَملِكُ إن ينزع الله منك الرحمة". وفي رواية (٥): "من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ". وفي رواية (٦): قال عُيَيْنةُ: أَتُقَبِّلُه، ولي عشرةٌ من الولدِ ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا! فقال له رسول الله ﷺ : "ما أصنعُ بك إن كان اللهُ نزع منك الرحمةَ؟! ".

стр. 3120

وروى ابن سعد عن أبي هريرة أنه لَقِيَ الحسنَ بنَ عليّ، فقال له: اكشف لي عن بطنك حتى أُقَبِّلَ حيث رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُ منك، قال: فكشف له عن بطنه، فقبَّله (١). وقال ابن سعد (٢) بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ كان حاملَ الحسن بن عليّ على عاتقِه، فقال رجلٌ: نِعْمَ المركبُ ركبتَ يا غُلامُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "ونعم الراكب هو". وقال ابن سعد (٣) بإسناده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَحبَّ الحسنَ والحُسين فقد أَحبَّني، ومن أَبْغَضَهما فقد أبغضني". وقال ابن سعد (٤) بإسناده عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسولُ الله ﷺ : "حسن وحُسَين سيِّدا شبابِ أَهلِ الجنَّةِ". وروى ابن سعد عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "من سَرَّه أن ينظرَ إلى سيِّدِ شبابِ أهلِ الجنة؛ فلينظر إلى الحسن". وقد أخرج ابن سعد هذا الحديث من طرق عن أبي سعيد رفعه، وفيه: "الحسنُ والحسينُ سيِّدا أهلِ الجنَّة إلا ابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا" (٥). وأخرج عن الفَضْلِ بن دُكَيْن بإِسناده عن مسلم بن يسار قال: أقبل الحسنُ والحسين فقال رسولُ الله ﷺ : "هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة، وأبوهُما خيرٌ منهما" (٦).

стр. 3121

وقد أخرجه الترمذيّ فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل بإسناده عن أبي سعيد الخُدريّ (١). وذكره في رواية أبي داود عن عليّ ﵇ قال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه بيدِ حسنٍ وحُسَيْن وقال: "مَنْ أحبَّني وأَحبَّ هذَين وأُمَّهما وأباهما كان معي في الجنَّة" (٢). اللهم إني أُحبُّهم فأشهد عليّ أني أُحبُّهم. وقال المدائني: كان الحسنُ يجيءُ ورسولُ اللهِ ﷺ راكعٌ، فيُفْرِج له بين رِجْلَيه حتى يخرجَ من الجانبِ الآخَر (٣). وحكى البلاذري عن أبي هريرة قال (٤): خرج رسولُ الله ﷺ إلى العيدِ والحسنُ معه، فلما كبَّر رسولُ الله ﷺ كبَّر الحسنُ، فتبيَّنا السرورَ في وجه رسول الله ﷺ ، ثم كبَّر رسولُ الله ﷺ سبع تكبيرات والحسنُ يُكَبِّرُ، فوقف عند السابعة، وقرأَ رسولُ الله ﷺ ، [وركع، ثم قام في الركعة الثانية، فكبَّر النبي ﷺ ] وكبَّر الحسنُ معه حتى انتهى إلى خمس تكبيرات، فوقف الحسنُ عندها. فتلك سُنةُ العيد. وأخرج ابن سعدٍ عن الزبير قال: رأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو ساجد، فيجيءُ الحسنُ فيركبُ ظَهْرَه، فما يُنْزِلُه حتى يكون هو الذي يَنْزِلُ (٥). وفي حديث أبي هريرة قال: كان رسولُ الله ﷺ يداعبُ الحسنَ ويقول: "حُزُقَّة حُزُقَّة". وقد رواه أبو نُعيم وقال: الحُزُقَّة: تَقارُبُ الخُطَى، وكان رسولُ الله ﷺ ينامُ على ظهرهِ ويستدعي الحسنَ إليه (٦).

стр. 3122

وقال أحمد بن حنبل: حدثنا هاشم بن القاسم بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان قال: رأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَمَصُّ لِسانَ الحسنِ بنِ عليّ وشَفَتَيه (١). وقال ابن سعد بإسناده عن أبي موسى قال: سمعتُ الحسنَ قال: حدَّثنا أبو بَكْرَة قال: لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ على المِنْبر وهو يُقْبِلُ على الناس مرَّةً وعلى الحسن أُخرى ويقول: "إن ابني هذا سيّدٌ، وعسى الله أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٢). وقد ذكرنا هذا الحديثَ في صُلح الحسن لمعاوية. وروى ابنُ سعد عن زيد بن أرقم، أن النبيَّ ﷺ كان يخطبُ، فخرج الحسنُ وعليه بُرْدَةٌ، فعثر فسقط، فنزل رسولُ الله ﷺ من المنبر، فحمله، ووضعه في حِجْرِهِ وقال: "إنَّ الولدَ لفِتْنَةٌ" (٣). ذِكْرُ بعضِ سيرته: ذكره الموفق ﵀ في "الأنساب" (٤) وقال: كان الحسنُ سيِّدًا حليمًا، وَرِعًا عاقلًا، فاضلًا عفيفًا، دعاه وَرَعُه إلى أن تركَ المُلْك في الدنيا رغبةً فيما عند الله وقال: واللهِ ما أحببتُ منذ علمتُ ما يضرُّني وينفعني أن ألِيَ أَمرَ أُمةِ محمد ﷺ على أن يُهراقَ في ذلك مِحْجَمةُ دم. قال: وكان من أجودِ الناسِ كفًّا، وأسخاهم نَفْسًا، وأحسنِهم كلامًا، وأكثرِهم صوابًا. قال: وقال عمير بن إسحاق: ما سمعتُ من الحسنِ كلمةَ فُحْشٍ سوى مرَّةٍ واحدة؛ قال لرجلٍ كانت بينه وبين الحسين خُصومةٌ: ليس لك عندنا إلَّا ما أَرغمَ أَنفك. فهذه أَشدُّ كلمة سمعتُها منه.

стр. 3123

قال عمير: ما تكلَّم أَحدٌ كان أَحبَّ إِليَّ إذا تكلَّم إلَّا يسكتَ من الحسنِ بن عليّ. قلتُ: وقد ذكره ابن سعد في "الطبقات" (١) بإسناده إلى عمير بن إسحاق قال: ما سمعتُ من الحسن كلمةَ فُحشٍ قَطُّ إلا مرَّةَ؛ كان بين حُسين بن علي وعمرو بن عثمان خُصومةٌ في أرض، فعرضَ حسينٌ أَمرًا لم يَرْضَه عمرو، فقال الحسن: ليس له عندنا إلَّا ما أَرغم أَنْفَهُ. قال الموفق (٢): وكان من المبادرين إلى نُصرَةِ عثمان بنِ عفان والذَّبّ عنه. ثم ذكر صُلْحَه مع معاوية، وجَعَلَهُ من فضائله. وقال المدائني -ورواه ابن سعد عن علي بن محمد- عن إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن وفي يده صحيفةٌ من معاويةَ يتهدَّدني فيها ويتوعَّدني (٣)، فقال: لقد كُنْتَ على النَّصَفِ منه، قال: أجَل، ولكني خِفْتُ أن يأتيَ يومَ القيامةِ ثمانون أَلفًا، أو أكثر، كلُّهم تَنْضَح أوداجُهم دمًا، يقول كلُّ واحدٍ منهم: يا ربِّ، فيم أُهريقَ دمي؟ وذكر أبو القاسم بن عساكر (٤) عن ابن عمر قال: كان للحسنِ والحسين تَعْويذانِ؛ فيهما من زُغْبِ جَناحِ جبريل. ذِكرُ حَجِّ الحسن، ومُقاسمةِ ماله لله تعالى، وجُودِه، وحِلْمه، وأخبارٍ متفرِّقة روى ابن سعد عن الحسن أنه حجَّ خَمْسَ عشرة حَجَّة ماشيًا، وقاسَمَ اللهَ ماله مرَّتين أو ثلاثًا [حتى إنه كان يعطي نعلًا، ويمسك نعلًا، وخرج من ماله لله مرتين] (٥).

стр. 3124

حتى إنه (١) حجَّ عشرين حجَّة على قدميه من المدينةِ إلى مكة، والنجائبُ تُقادُ معه ويقول: إني لأستحي من اللهِ أن ألقاه ولم أَمْشِ إلى بَيته. وذكر جَدِّي في كتاب: "التبصرة في الوعظ" (٢) أن الحسنَ حجَّ خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا. وقال ابن سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسنُ رجلًا يقول: اللهم ارزُقْني عشرة آلاف درهم، فبعث بها إليه. وقال ابن سِيرين: كان الحسنُ يُجيزُ بمئة ألف درهم (٣). وقال ابن سعد عن الواقديّ (٤): فرضَ عمرُ للحسنِ والحُسينِ لكلِّ واحدٍ منهما خمسةَ آلاف [درهم] بفريضةِ أبيهما مع أهل بدر لقُرْبِهما من رسولِ الله ﷺ . وقال مُدْرِكٌ أبو زياد: رأيتُ ابنَ عباس يُمسِكُ بركابِ الحسنِ والحسينِ حتى يركبا، فقيل له: أَنْتَ أكبر منهما! فقال للقائلِ: يا لُكَعُ، أما تدري مَنْ هذان؟ هذان ابنا رسولِ الله ﷺ ، وإنَّ هذا مِمّا أَنعمَ الله به عليَّ حيث أُمسِكُ لهما رِكابَيهما وأُسوّي عليهما ثيابَهما (٥). وحكى ابن سعدٍ (٦) أن عليًّا ﵇ قال لابنه الحسنِ: قُم فاخطُب، فقال: إني أَهابُكَ. فتغيَّب عنه حيث يسمع كلامَه ولا يراه، فخطب الحسنُ خُطبةً بليغة، فقال علي: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٤]. وقال أبو هشام القنَّاد: كنتُ أجلبُ المتاعَ من البصرةِ إلى المدينةِ، فأُبايعُ الحسنَ فيُما كسني، ولعلّي لا أقومُ حتى يَهَبَ عِمامتَه، فأقولُ له في ذلك، فيقول: حدَّثني أبي عن جَدِّي رسول الله ﷺ أنه قال: "المغبون لا محمودٌ ولا مأجور" (٧).

стр. 3125

وروى ابن أبي الدنيا (١) قال: قال رجل من أهل الشام: قَدِمْتُ المدينةَ فرأَيتُ رجلًا بهرَني جَمالُه، فقُلْتُ: من هذا؟ قالوا: الحسنُ، فحَسَدْتُ - واللهِ - أباه أن يكونَ له ابنٌ مِثْلُه، قال: فأتيتُه فقلتُ: أنتَ ابنُ أبي طالب؟ فقال: نعم، فنِلتُ منه ومن أبيه، فلم يردَّ عليَّ شيئًا، وقال: أراك غريبًا، فلو استحملتَنا لحملناك، ولو استرفدتَنا لرفدناكَ، ولو استعَنْتَ بنا لأَعنَّاكَ. قال: فانصرفتُ وما في الأرض أحدٌ أَحبَّ إليَّ منه. وقال المبرِّد (٢): قيل للحسنِ: إنَّ أبا ذَرٍّ كان يقول: الفَقْرُ أحبُّ إليَّ من الغِنَى، والسُّقْم أحبُّ إليَّ من الصحةِ، فقال: يرحم الله أبا ذَرّ، أمَّا أنا فإني أقولُ: من اتَّكَل على حُسْنِ اختيارِ الله لم يتمَنَّ أنه في غيرِ الحالةِ التي اختار الله له. وقال ابن سعد: كان الحسنُ والحسينُ يتختَّمانِ في اليسارِ ويخضبان بالسَّوادِ. وقد روى ابنُ سعدٍ عِدَّة رواياتٍ أنَّهما كانا يخضبان بالسَّواد (٣). ذِكْرُ بعضِ واقعاته مع معاوية بن أبي سفيان: حكى الهيثم عن الأصمعيِّ قال: قال معاويةُ يومًا في مَجْلسِه: إذا لم يكن [الهاشمي سخيًّا لم يُشْبِهْ حَسَبَه، وإذا لم يكن] الزُّبيريّ شُجاعًا لم يُشْبِهْ حَسَبَهُ، وإذا لم يكن المخزومي تائهًا لم يُشْبِهْ حَسَبَه، وإذا لم يكن الأمويُّ حليمًا لم يُشْبِهْ حَسَبَه. وبلغ الحسنَ فقال: واللهِ ما قصدَ إلا أن يُغْرِيَ بني هاشم بالسخاء، فيحتاجون (٤) إليه، ويُغريَ بني الزبير بالشجاعة، فيَفْنَوْن (٥) بالقَتْل، ويُغري بني مخزوم بالتِّيه، فيمقتهم الناس، ويُغريَ بني أُمية بالحِلْمِ، فيُحبّهم الناس. وقال ابن سعد: كان الحسنُ والحسينُ يَقْدمان على معاويةَ ويأخذان جوائزَهُ.

стр. 3126

وقال أبو اليقظان: اجتمع الحسنُ وابن الزُّبير وأبو معبد (١) بنُ عقيل بن أبي طالب عند معاوية، فقال معاويةُ: يا أبا محمد، أبوك أسنُّ أَم الزبيرُ؟ فقال الحسنُ: أبي، ويا قُرْبَ ما بَيْنَهما! فقال عبد الله بنُ الزُّبير: يرحم الله الزُّبير، فقال أبو معبد: يرحمُ الله أميرَ المؤمنين، فإِنه دعا إلى أَمرٍ كان فيه رَأسًا والزُّبير ذَنَبًا وتبَعًا للمرأة، فلما تراءى الفريقان نكص الزبير على عَقِبيه وولَّى مُدْبِرًا، فأَدركه مَنْ ضَرَبَ عُنُقَه، وأخذ سَلَبَهُ، وجاء برأْسِه، وقد استبان الحقُّ. فقال ابن الزُّبير. لو غيرك يا أبا معبد يقول هذا لَعَلِم، فقال له أبو معبد: أَعْرِبْ، فإنَّ الذي تُعَرِّضُ به ليَرْغَبُ عنك. يعني معاويةَ، لأنه كان يُبْغضُ ابنَ الزبير (٢). وقال أبو اليقظان: اجتمع جماعة عند معاوية من أصحابه: الوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان. وفي روايةٍ: وعمرو بن العاص، والمغيرةُ بن شعبة، وقالوا له: ابعث إلى الحسنِ لنوبِّخَه ونُبكِّتَه، فقال معاويةُ: إنَّها السنةُ بني هاشم، ولا طاقةَ لكم بهم، فألحُّوا عليه، فقال: لا تفعلوا، فإنه لا يقولُ شيئًا إلا صدَّقه الناس، ولا تقولون شيئًا إلَّا كذَّبكم الناس. فقالوا: لا بُدَّ. فأرسلَ إليه، فجاء فجلس، فقال معاويةُ: إنَّ هؤلاء طلبوا أن تحضرَ، فقال الحسنُ: هلّا آذنتموني حتى آتيَ بأعدادهم من بني هاشم؟ ولكني ما أستوحش، إنَّ الله يتولَّى الصالحين. فقال عمرو بن العاص: إنَّ أباك أوَّلُ مَنْ أثار الفِتْنَةَ، وطلب المُلْكَ، فكيف رأيتَ اللهَ صنع به؟ وقال الوليد: يا بني هاشم، كُنتم أَصهارَ عثمان، فبغيتم عليه فقتلتموه، ولقد أردنا أن نقتلَ أباك به، فأقادَنا اللهُ منه، ولو قتلناكَ به لم يكن علينا لومٌ ولا تَبِعَة. وقال عتبة بن أبي سفيان: إنَّ أباك بغى على عثمان، وألَّب عليه حسدًا منه له، وطلبًا للإِمارةِ، فسلبه الله إيَّاها. وقال المغيرةُ كلامًا من هذا الجنسِ، ونال من أميرِ المؤمنين. فنَشَزَ الحسنُ والتفت إلى معاوية وقال: يا معاويةُ: أنتَ سلَّطْتَ هؤلاءِ الفَجَرةَ حتى أسمعوني هذا؟! إن [أبي] أميرُ المؤمنين، وابنُ عمِّ سيِّد الموسلين، وأوَّلُ من صلَّى إلى القِبلتين، وبايع

стр. 3127

البيعتين، وأنت وهؤلاء مشركون بمكة -أو بعُرُشِ مكة- وإِنَّه حزَّم على نَفْسِه الشهوات حتى أنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وأنت يا معاوية ممَّن قال فيه رسولُ الله ﷺ : "اللهم لا تُشْبِعه"، وإنه لَقِيَكم يومَ بدرٍ وبيده لواءُ رسول الله ﷺ وكان بيدك لواءُ الكُفَّارِ، وكُنتَ على رسولِ الله ﷺ مع أبيك يومَ أُحدٍ، ويومَ الأحزابِ، والمشاهد كلّها، ولعن رسولُ الله ﷺ أباك في سبعة مواطن، وكُنْتَ معه فيها، وولّاكَ عمرُ الشامَ فخُنْتَه، وولَّاك عثمان فتربَّصْتَ عليه، وكنت تنهى أباك عن الإسلام حتى قُلْتَ: يا صخرُ لا تُسْلِمَنْ طوعًا فتفضحَنا … بعد الذين ببَدْرٍ أصبحوا مِزَقا لا تركَنَنَّ إلى أمرٍ تُقَلِّدُنا … والراقصاتِ بنَعْمانٍ به الخَرَقَا (١) ثم إنك وَثَبْتَ على هذا الأمر من غير مشورة من المهاجرين والأنصار، وأنت طليق ابن طليق. وأما أنت يا عدوَّ الله يا ابنَ العاص، فكنتَ تهجو رسولَ الله ﷺ ، وتُبالغُ في عداوته، وكُنْتَ عليه في مشاهدهِ كلِّها، وفيك وفي أبيك نزل قولُه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (٢) [الكوثر: ٣]، ووُلدْتَ على فراشِ مشركٍ وقال ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر"، وأنت القائل: ولا أنثني عن بني هاشمٍ … بما السْطَعْتُ في الغيب والمَحْضَرِ وعن عائب اللاتِ لا أنتهي … ولولا رضي اللاتِ لم نُمْطَرِ وادَّعاكَ خمسةٌ، وغلب عليك أَلْأَمُهم وهو العاص، ثم ألَّبْتَ على عمِّي جعفر عند النجاشي بَغْيًّا على عَمِّي والمسلمين وبني هاشم، فهشم النجاشيُّ أَنْفَكَ، وأَسال دَمَكَ، وردَّك خائبًا خاسرًا، وما زِلْتَ عدوًّا لله ولرسولهِ ولبني هاشم، وأسلمتَ تستُّرًا بالإسلام، وقد بدا منك في نوبةِ صِفِّين وموافقتك لمعاوية وجَعْله لك مِصْرَ طُعمةً ما يدلُّ على نفاقِك وسوءِ باطنك.

стр. 3128

وأما أنتَ يا فاسق يا ابنَ اليهودي -يعني الوليدَ بنَ عقبة- فلا ألومُك في بُغْضِ أميرِ المؤمنين، فإنه قتلَ أباكَ صَبْرًا، وضربَ قَذالكَ، وأوجعَ ظَهْرَكَ؛ لَمَّا حدَّك في الخمر وصلَّيتَ بالناسِ صلاةَ الفجرِ أربعًا وقلتَ: أزيدُكُم؛ وسمَّاك الله فاسقًا، وسمَّى أميرَ المؤمنين مُؤْمنًا. وأما أنتَ يا عُتْبَةُ، تتهدَّدُني بالقتلِ! هلّا قَتلْتَ الذي وجَدْتَه على فراشِك مُضاجعًا لعِرْسِكَ، ثم أمسكْتَها بعد ذلك حتى قال فيك نَصرُ بن حجَّاج: نبئت عتبة ختانة (١) عرسه … لصداقة الهُذَليِّ من لحيانِ ألفاه معْها في الفراشِ ولم يكن … فحلَّا فأمسك سرَّةَ النسوانِ لا تعتبر يا عُتبَ نفسك حبّها … إنَّ النساءَ حبائلُ الشيطانِ وأما أنت يا أعورُ -يعني المغيرة بن شعبة- فعليك بأُمّ جميل التي شاهدك معها أبو بكرة وزياد على الفاحشة، ولولا عنايةُ ابنِ الخطَّابِ بك؛ وإلا رُجِمْتَ كما رُجِمَ قبرُ أبي رِغال (٢). وأما أنت يا معاويةُ، فواللهِ لا جمعني وإياك مجلسٌ بعد اليوم. ثم قامَ ونفض ثيابه وخرج، فقال معاويةُ: أَلم أنهكم عنه؟ فواللهِ لقد أظلمَتْ عليَّ الدنيا، وليس فيكم خيرٌ بعد اليوم. وقد ذكر طرفًا من هذه الحكايةِ صاحبُ "بيت العلوم" وقال: فلما قام الحسنُ قال معاويةُ: أَمرتكم أمرًا فلم تسمعوا له، وقلت لكم: لا تَبْعَثُنَّ إلى الحسن، أخاف عليكم طولَ لِسانهِ وبُعْدَ مَداه عند إِجْراره الرَّسَنَ:

стр. 3129

فلما أبيتُم كنتُ فيه كبعضِكم … وكان خطاني (١) فيه غبن (٢) من الغبنْ فحسبكمُ ما قال مِمَّا علمتمُ … وحسبي بما أَلقاه في القَبْرِ والكَفَنْ وقال هشام بن محمد: لَمّا ولَّى معاويةُ عتبةَ بنَ أبي سفيان المدينةَ كتب إليه أن امنَع الناسَ من الاختلاف إلى الحسنِ وابن عبَّاسٍ، ففعل، فقال له الحسنُ: علامَ تحولُ بيننا وبين قومٍ عرفوا من حقِّنا ما جَهِلَه ابنُ آكلةِ الأكبادِ وابن رئيسِ الأحزاب؟ وقال هشام بن محمد: قال مروان بن الحكم للحسن: يا أبا محمد، ما أعجل ما أسرعَ الشَّيبُ إلى شارِبِك! وكان معاويةُ حاضرًا، فقال الحسنُ: نعم؛ نحن معاشر بني هاشم طيِّبةٌ أفواهُنا عذبةٌ شفاهُنا، تترشَّفنا النساءُ رَشْفًا فنشيبُ، وأنتم يا بني أُمية أفواهكم مراض فَيَضْمُمْنَ من أنفاسِهِنَّ وأفواهِهن عنكم، ويَمِلْنَ إلى أصداغِكم، ولهذا يُسرعُ إليها الشيبُ دونَ شوارِبِكم. فغضب معاويةُ وقال لمروان: ما أَرَدْتَ إلا هذا (٣). وقال ابن سعد بإسناده عن أبي رَزِين قال (٤): خطبنا الحسنُ بنُ علي يومَ جمعة، فقرأ "إبراهيم" على المنبر حتى خَتَمَها. وقال ابن سعد (٥): جلس إليه رجلٌ والحسنُ يُريدُ أن يقومَ، فقال له: إنك جَلَسْتَ إلينا على حينِ قيام، أفتَأذَنُ لنا؟ وروى ابن سعد أيضًا أنَّ الحسنَ والحسين كانا يقبلان جوائزَ معاوية. وقال ابن سعد بإسناده عن شدَّاب الجُعفيِّ عن جَدَّتِه أُرجوانة قالت (٦): أقبلَ الحسنُ بنُ عليّ وبنو هاشم خَلْفَه، فقال رجلٌ من أهل الشام من بني أمية: هؤلاء المُقبلون ما أحسنَ هيئتَهم! ثم قامَ فاستقبل الحسنَ وقال له: أنْتَ الحسنُ بنُ عليّ؟ قال: نعم،

стр. 3130

قال: أتحبُّ (١) أن يُدْخِلَك اللهُ مدخل أبيك؟ فقال له: ويحك! ومن أين وقد كان له من السوابقِ ما قد سَبَقَ؟! فقال الرجلُ: أَدخَلَكَ اللهُ مَدْخَلَه فإنه كافِر وأنت. فتناولَه محمد بن عليّ من خلفِه، فلطمَه لَطْمَةً لَزِمَ الأَرْض، فنشر الحسنُ عليه رِداءً وقال: عَزْمةً مني عليكم يا بني هاشم لتَدْخُلنَّ المسجدَ فَلَتُصَلّنَّ. ثم أخذ بيد الرجل، فانطلق به إلى منزله، فكساه حُلَّةً، ثم خلَّى عنه. وقال ابن سعد (٢): كان بين الحسن ومروان كلامٌ، فأغلظَ له مروان والحسنُ ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسنُ: ويحك، أما عَلِمْتَ أن اليمينَ للوجهِ، واليسارَ للمقعدِ -أو للفَرْجِ- أفّ لك. فسكت مروان. قلتُ: كذا وقعت هذه الروايةُ، وهي وَهْمٌ، لأنَّ اليمينَ إذا كانت للوَجْه فقد أتى مروانُ بالسّنَّة، وكان ينبغي أن تكون الروايةُ أن مروانَ امتخط بيساره. وحكى ابن سعد (٣) أنَّ الحسنَ والحسين كانا يُصلِّيان المكتوبةَ خَلْفَ مروان. وقال ابن سعد (٤) بإسناده أن معاوية قال لرجلٍ من أهل المدينة: أَخبِرْني عن الحسن. قال: إذا صلَّى الغداةَ جلس في مُصَلَّاهُ حتى تطلعَ الشمس، ثم يُسانِدُ ظَهْرَهُ، فلا يبقى في مسجدِ رسولِ الله ﷺ [رجل] له شَرَفٌ إلا أتاه، فيُسلّمون عليه، ويجلسون حوله يتحدَّثون، فإذا ارتفع النهار صلَّى ركعتين، ثم نهض، فيأتي أُمهاتِ المؤمنين، فيُسَلِّمُ عليهنّ، فربّما أَتْحَفْنَه، ثم يأتي مَنْزِلَه، ثم يروح، فيصنع مثلَ ذلك، فقال معاويةُ: ما نحنُ معه في شيء. وقال ابن سعد بإسناده عن هشام بن عروة، عن عروة أن أبا بكر ﵁ خطب يومًا، فجاء الحسنُ، فصعد إليه المنبر وقال: انزل عن منبر أبي، فقال عليّ كرَّم اللهُ وجهَه: إنَّ هذا لشيءٌ من غير ملأ منّا (٥).

стр. 3131

وقد رواه غير ابن سعد وقال: فبكى أبو بكر وقال: هل أنبتَ الشعرَ على رؤوسنا إلا أبوك. وقال ابن سعد بإسناده عن عمرو الأصمِّ قال (١): قلتُ للحسن بن علي: إنَّ هذه الشيعةَ تزعمُ أنَّ عليًّا مبعوثٌ قبلَ يوم القيامة، فقال: كذبوا، واللهِ ما هؤلاءِ بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوثٌ ما زَوَّجْنا نِساءَه ولا اقتسمْنا ماله. قلتُ: وهذا يدلُّ على أنَّه خَلَّف مالًا وقد ذكرنا هذا المعنى في ترجمته ﵇. ذِكرُ وفاته: قال ابن سعد بإسناده عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال (٢): رأى الحسنُ بن علي في منامِه كأنَّه بين عينيه مكتوب: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فاستبشر هو وأهلُ بيته، فقصُّوها على سعيد بن المسيّب فقال: إن صَدَقَتْ رؤياه، فقلَّما بقيَ من أجله. فما بقيَ إلا أيامًا حتى مات. واتفقوا على أنه مات مسمومًا، واختلفوا فيمن سمَّه، فقال ابن سعد بإسناده عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسنُ بن علي رجلًا كثير النكاحِ للنساءِ، وكُنَّ قلَّما يَحْظَينَ عنده، وكان قلَّ امرأة تزوَّجها إلا أحبَّتْهُ وضَنَّت به (٣)، فيقال: إنه سُقِيَ السُّمّ، ثم أفلت، ثم سُقي فأَفلت، ثم كانت الآخِرة، فتوفي فيها، فلما حضرته الوفاةُ قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجلٌ قد قَطَّع السُّمُّ أمعاءَه، فقال أخوه الحسينُ: يا أبا محمد، أَخبِرني من سقاك؟ قال: ولمَ يا أخي؟ قال: أقتُله -واللهِ- قبل أن أدفنك، فقال: يا أخي، إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دَعْهُ حتى ألتقيَ أنا وهو عند الله. فأبى أن يُسَمِّيَه. قال ابن سعد: وقد سمعتُ بعضَ مَنْ يقول: كان معاويةُ قد تلطَّفَ لبعضِ خدمه أن يسقيه سُمًّا.

стр. 3132

وروى ابن سعد (١) أن رجلًا دخل على الحسنِ وهو مريضٌ، فقال له: سَلْني فقال: ما أنا بسائلك شيئًا. ثم قام فدخل كنيفًا له وخرج وقال: أي فلان، سَلْني قَبْلَ أن لا تسألني؛ فواللهِ لقد لفظتُ طائفةً من كَبِدي قلبتُها بعود، وإني قد سُقيتُ السُّمَّ مِرارًا، فلم أُسْقَ مثل هذا قَطُّ. وجاء الحسينُ أخوه فقال: يا أخي، من سقاك؟ وذكر بمعنى ما تقدَّم وقال: إن يكن صاحبي الذي أظنُّ فالله أشدُّ نِقْمَةً، وإلا فوالله لا يُقتل بي بريءٌ. وروى ابن سعد (٢) أن جَعْدةَ بنت الأشعث بن قيس سَقَتْهُ السُّمَّ؛ فقال: حدَّثنا يحيى بن حمَّادٍ بإِسناده عن أُمِّ موسى أن جَعْدةَ بنت الأشعث بن قيس سقته السُّمَّ، فاشتكى منه شَكاةً، فكان يُوضع تحته طَسْتٌ وتُرفَع أُخرى نحوًا من أربعين يومًا. وقال أبو اليقظان والهيثم بن عديّ: بعث معاوية بن أبي سفيان إلى جَعْدَة بنت الأشعث بن قيس: سُمِّي الحسنَ، ولكِ مئةُ ألف درهم وأُزوّجُك يزيد، فسَمَّتْهُ (٣)، فلما مات الحسنُ بعثت إليه تستنجز وَعْدَه، فبعث إليها بالمالِ وقال: أما يزيدُ فإني أُحبُّ حياتَه. وقال الهيثم: ولَمّا أَحسَّ الحسنُ بالسُّمِّ قال: لقد عَمِلَتْ شَرْبَتُه وتمَّت أُمنيتُه، واللهِ لا يفي بما وعد، ولا يصدقُ فيما يقول. وقال يعقوب بن سفيان: دسَّ يزيد بن معاوية إلى جَعْدَة بنت الأشعث مالًا وقال لها: سُمِّي الحسنَ وأَتزوّجُك. وقد ذكره جدي ﵀ في "المنتظم" فقال: حدَّثنا محمد بن عبد الملك بن خيرون بإسناده عن محمد بن سلّام الجُمَحي عن ابن جَعْدة قال: كانت جعدةُ بنت الأشعث بن قيس عند الحسنِ بن علي، فدسَّ إليها يزيدُ بن معاوية: أن سُمِّي الحسنَ وأتزوّجُك، فلما فعلت أرسلت إلى يزيد تطلبُ منه الوفاءَ بعهده، فقال: واللهِ ما كُنَّا نرضاك للحسن، فكيف نرضاكِ لأَنفسِنا (٤)!

стр. 3133

وقال أبو اليقظان: لما بلغ معاويةَ موتُ الحسنِ -وكان بالخضراء- كبَّر تكبيرةً سمعها أهلُ المسجد وقال: يا عجبًا للحسن، شَرِبَ شربةً من عسلٍ بماءِ رُومة -بئر بالمدينةِ- فكان فيها حَتْفُه! وقال الهيثم: جزع الحسنُ عند الموتِ جَزَعًا شديدًا، وبكى بكاءً عظيمًا، فقال له أخوه الحسين وكان عند رأسه، يا أخي، ما هذا الجزعُ، وما هذا البكاءُ؟ وإنَّما تَقْدَمُ على رسول الله ﷺ ، وعلى عليّ وجعفرٍ وخديجة وفاطمة، وقد قال لك جدُّكَ: "إنك سيِّدُ شبابِ أهلِ الجنة" وقد قاسَمْتَ الله مالك مرَّتين أو ثلاثًا، وحَجَجْتَ خَمْسَ عشرةَ حَجَّةً ماشِيًا، وفعلتَ وفعلتَ. فعدَّد سوابقَه ومكارمَه، وإنَّما أراد تطييبَ قلبه بذلك، فما زاده إلا بكاءً ونحيبًا. ثم قال: يا أخي، ألَسْتُ أقْدَمُ على هَوْل عظيم أو خَطْبٍ جسيمٍ لم أقدم على مثله قَطُّ، ولستُ أدري ما يُفْعل بي. وذكر كلامًا هذا معناه، ثم قال: اخرجوا عني، فالآن تأتيني رُسُلُ ربي (١). وذكر الشيخ الموفق ﵀ قال (٢): لما احتُضِر الحسنُ بنُ عليّ أوصى الحسينَ أخاه فقال له: يا أخي، اسمع ما أقولُ لكَ واحفظ وَصِيَّتي: إنَّ أباك لَمّا قُبِض رسولُ الله ﷺ تشوَّف لهذا الأمرِ رجاءَ أن يكونَ صاحبَه، فصُرِفَ عنه إلى غيره، فلما احتُضِر ابنُ أبي قُحافة تشوَّف أن يكون صاحبَه، فصُرِف عنه إلى ابنِ الخطّاب، فلما قُتِل عمر تشوَّفَ أن يكون صاحبَه، فصُرِف إلى ابنِ عفَّان، فلما قُتِل تجرّد أبوك للطلبِ بالسيفِ فلم يُدْرِكْهُ، وأبي الله أن يجعل فينا أهلَ البيتِ النبوَّة أو الخلافةَ والدنيا (٣)، وإيّاكَ وسفهاءَ أهلِ الكوفةِ أن يستخفُّوكَ، فيُخرجوكَ فيُسْلِموكَ، فتندم ولاتَ حين مناص. وسنذكره عند مقتل الحسين ﵇. وأنبأنا جَدِّي ﵀ سماعًا عليه ببغداد في سنة ستّ وتسعين وخمسِ مئة من كتابه المسمّى بـ "الثبات عند الممات " قال: حدَّثنا إسماعيل بن أحمد بإسناده عن

стр. 3134

سفيان بن عُيَيْنَةَ عن رَقَبة بن مِصْقَلة قال: [لما احتُضر الحسن بن علي قال:] أخرِجوا فراشي إلى صحنِ الدارِ، قال: [فأخرجوه] فرفع رأسَه إلى السماءِ ثم قال: اللهم إني احتسبتُ نفسي عندك، فإنَّها أَعزُّ الأَنْفُسِ عليَّ (١). وفي روايةِ الواقديِّ أنَّه قال: اللهم إنَّها نفسي أَعزُّ النفوسِ عليَّ، وإني لم أُصَبْ بمِثْلها، اللهم فارحم صَرْعَتي، وآنِس في القبرِ وَحْدَتي، وارحم غُربتي. وقال الواقديّ: أوصى أن يُدفَنَ عند رسولِ الله ﷺ ، فمُنِع من ذلك. ذِكْرُ ما جرَى من مَنْعِهِ: قال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي حازم قال (٢): لَمّا احتُضِر الحسنُ قال للحُسين: ادفنوني عند أبي -يعني رسولَ الله ﷺ إلّا أن تخافوا الدماء فلا تُهريقوا فيّ دمًا، ادفنوني في مقابرِ المسلمين. فلما قُبِض تسلَّح الحسين وجمع مواليَه، فقال [أبو هريرة]: أنشُدُك اللهَ ووصيَّةَ أخيك، فإن القومَ لن يَدَعوك حتى تكون بينكم دِماء. قال: فلم يزل به حتى رجع، ثم دفنوه في بقيع الغَرْقَد، فقال أبو هريرة: أَرأَيتُم لو جيء بابنِ موسى ليُدفَنَ مع أبيه فمُنِع، أكانوا قد ظلموه؟ فقالوا: نعم، قال: فهذا ابنُ نبِيِّ الله قد جيء به ليُدفَنَ مع أبيه. وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال (٣): لَمّا مَرِضَ الحسنُ بنُ عليّ مرض أربعين ليلةً، فلما استُعِزَّ به (٤) وقد حضر بنو هاشم وكانوا لا يُفارقونه؛ يبيتون عنده بالليل، وعلى المدينةِ سعيد بنُ العاص، فكان سعيد يعودُه، فمرَّةً يؤذنُ له، ومرَّةً يُحجَبُ عنه، وبعث مروان إلى معاوية يُخبره بثقل الحسن، وكان قد سُقي، فأوصى أن يدفنَ مع رسولِ الله ﷺ ، فإن حِيلَ بينه وبين ذلك يُدفن عند أُمِّه.

стр. 3135

فلما مات ارتجَّت المدينةُ صياحًا، فلا يُلْفى أَحدٌ إِلّا باكيًا، وأبرد مروان بريدًا إلى معاوية يخبره بوفاتِه، وأنهم يريدون دفنه عند رسولِ الله ﷺ ، وأنهم لا يَصِلون إلى ذلك وأنا حي. فانتهى حسينُ بنُ علي إلى قبرِ رسولِ الله ﷺ وقال: احفروا هاهنا. فنكبَ عنه سعيد بن العاص -وهو الأميرُ على المدينة- ولم يَحُلْ بينه وبين ذلك، وصاح مروان في بني أُمية، فلبسوا السلاح، وقال مروان: لا يكون هذا أبدًا، فقال له الحسين: يا ابنَ الزرقاء، ما لك ولهذا؟ أَوالٍ أنتَ؟! قال: لا كان هذا أبدًا، ولا خُلِصَ إليه وأنا حيٌّ، فصاح حسين بحلف الفُضول، فاجتمعت هاشم وتَيْمٌ وزُهْرَةُ وأسد وبنو جَعْوَنةَ، ولبسوا السلاح، وعقد الحسينُ لواءً، ومروان لواءً، واجتمع إليه بنو أُمية حتى كان بينهم مُراماةٌ بالنَّبْل، فقام رجالٌ من قريش؛ منهم عبد الله بن جعفر، والمِسْوَرُ بن مَخْرمة بن نوفل، وجعل ابنُ جعفر يقول للحسين: يا ابن عمِّ، أَلم تسمع إلى عهدِ أخيك؟ أُذَكِّرُكَ [الله] وسفكَ الدماء. وقال له المِسْوَرُ كذلك. وذكروا كلامًا طويلًا حاصلُه أنهم حملوه إلى البقيع، فدفنوه فيه، وجاء سعيد بن العاص ليُصلّيَ عليه، فمنعته بنو هاشم وقالوا: أَخوه حُسَينٌ أولى، فما نازعهم سعيد وقال: أنتم أَحقُّ بميِّتكم، فإن قدَّمتموني تقدَّمْتُ، وإلّا فلا، فقال له الحسين: تقدَّمْ، فلولا أنَّ الأَئمَّةَ تُقَدَّمُ ما قدَّمناك. وفي روايةٍ (١): لولا أنها سُنَّةٌ ما قدَّمْتُك. وجعل الحسين يطعنُ في منكبِ سعيد بأصبعه، وكان عبد الله بن الزبير في ذلك في حلف الفضولِ مع الحسين. وروى ابنُ سعد عن الواقدي عن أشياخه قالوا: كان مروان معزولًا يومئذ، وإنَّما فعل ما فعل ليُرضيَ معاويةَ، ولم يزلْ مروانُ عدوًّا لبني هاشم حتى مات. وروى ابن سعد أيضًا (٢) أن عبد الله بنَ عمر قال للحسين: اتَّقِ الله ولا تُثِرْ فِتْنَةً، وادفِنْ أخاك إلى جانبِ أُمِّه، فإنَّ أخاك قد عَهِدَ إليك ذلك. ففعل الحسين.

стр. 3136

وقال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر بإسناده عن راشد، عن حسين بن علي أنه قال -يعني حين قدَّم سعيدَ بنَ العاص للصلاة على الحسن - قال رسولُ الله ﷺ : "الإمام أولى (١) بالصلاة". وقال الموفق ﵀ (٢): سأل الحسن عائشةَ أن تأذنَ له أَن يُدفنَ في بيتِها مع رسولِ الله ﷺ ، فأَذِنَتْ له، فمنعه مروان وبنو أُمية، فحُمل إلى البقيع، فدُفِنَ إلى جَنْبِ أُمِّه فاطمة. وكذا قال الزُّبير بن بكَّار؛ قال: استأذن الحسنُ عائشةَ فقالت: قد بقي موضعُ قبرٍ واحدٍ، وأنا أوثرك به. قال: فثار بنو أُمية بالسلاح، فقال الحسنُ: لا حاجةَ لي به، ادفنوني إلى جنب أُمي. فدفنوه إلى جانبِها. قال: وبلغ معاويةَ، فأعجبه، وشكر بني أُمية ومروان على ذلك. وروى ابن سعد عن عائشة خلاف هذا، وسنذكره. وقال ابنُ سعد بإسناده عن جُويرية بن أَسماء قال (٣): لَما مات الحسنُ بنُ علي أخرجوا جنازتَه، فحمل مروان سريره، فقال له الحسين: تَحمِلُ سريره وقد كُنتَ تُجَرِّعُه الغَيظَ؟! فقال مروان: كُنْتُ أفعلُ ذلك بِمَنْ يُوازي (٤) حِلمُه الجبال. وروى ابن سعد (٥) عن أبان بن عثمان بن عفَّان أنَّه قال: إنَّ هذا لَهُوَ العجبُ! يُدفَنُ ابنُ قاتلِ عثمان مع رسولِ الله ﷺ وأبي بكر وعمر، ويدفنُ أَميرُ المؤمنين المظلوم الشهيد ببقيع الغَرْقَدِ!. وروى ابن سعد عن الواقديّ بإسناده عن عبَّاد بن عبد الله بن الزّبير قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ يومئذ: هذا الأَمْرُ لا يكون أبدًا، يُدفنُ بالبقيع ولا يكون لهم رابعًا، والله

стр. 3137

إنَّه لَبَيْتِي، أعطانيه رسولُ الله ﷺ في حياتِه، وما دُفِنَ فيه عُمَرُ وهو خليفة إلا بأمري، وما أثرُ علي بن أبي طالب عندنا بحَسَن (١). وقال ابن سعد بإسناده عن محرر بن جعفر، عن أبيه قال (٢): سمعتُ أبا هريرة يقولُ يومَ دُفِنَ الحسنُ بن علي: قاتلَ الله مروانَ؛ قال: واللهِ ما كنتُ لِأَدعَ ابنَ أبي تراب يُدفنُ مع رسول الله ﷺ ، وقد دُفِنَ عثمان بالبقيع. فقلتُ: يا مروان: اتَّق الله ولا تَقُل لعليٍّ إلا خيرًا، فأشهدُ لقد سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول يوم خيبر: "لَأُعطينَّ الرايةَ رجلًا يُحبُّه الله ورسولُه" الحديث، وأشهدُ على رسول الله ﷺ أنه قال في حقّ الحسن: "اللهمَّ إني أُحبُّه فأَحِبَّه، وأَحبَّ من يُحِبُّه". فقال مروان: واللهِ إنك قد أكثرتَ عن رسول الله ﷺ فلا نسمع منك ما تقولُ، فهلمَّ غيرك يوافِقُك على ما تقول: فقلتُ: هذا أبو سعيد الخُدريُّ، فقال مروان: لقد ضاع حديثُ رسولِ الله ﷺ حيث لا يرويه إلا أَنْتَ وأبو سعيد! أما أبو سعيد فقد كان غُلامًا يومَ مات رسولُ الله ﷺ ، وأما أنْتَ فإنَّما جئتَ من جبالِ دَوْس قبل وفاة رسول الله ﷺ بيسير. وفي رواية ابن سعد أيضًا عن الواقديِّ: فقال أبو هريرة لمروان يومئذ: ما أَنْتَ والٍ، وإنَّ الوالي (٣) لَغَيرُك، فَدَعْهُ، ولكنك تدخلُ فيما لا يعنيك، وإِنَّما تريدُ بهذا رضا مَنْ هو غائبٌ عنك. فأقبل عليه مروان مُغْضَبًا وقال: قد أكثَرْتَ على رسول الله ﷺ الحديثَ الكَذِبَ (٤)، وإنما قَدِمْتَ قبل وفاتِه بيسير. فقال: يا مروان، قَدِمْتُ سنة سبع بخيبر وأنا يومئذٍ قد زِدْتُ على ثلاثين سنةً، فأَقمتُ معه حتى توفيَ، أَدورُ معه في بيوتِ أزواجِه وأخدمُه، وأُصلّي خلفه، وأغزو معه، وأحجُّ معه، وسمعتُه يلعنُك ويلعن أباك، وأنت طليقٌ بن طليق (٥). وذكر كلامًا آخرَ، فسكت عنه وصار يتّقيه.

стр. 3138

وقال هشام: قال أبو هريرة: أتُنافسون ابنَ بنتِ نبيّكم في تربةٍ تدفنوه (١) بها، وقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من أَحبَّه فقد أحبَّني، ومن أبغضه فقد أبغضني". وقال البلاذري: قالت عائشةُ: البيتُ بيتي، ولا آذنُ لأَحدٍ أن يُدفَنَ فيه (٢). وقال ابن عساكر: كتب مروان إلى معاويةَ يخبرهُ بما فعل ويقول: مال سعيدُ بن العاص مع بني هاشم. فكتب إليه يشكره، وعزل سعيدًا عن المدينة بعد ذلك بثلاث سنين، وولّاها مروانَ بنَ الحكم. وقال أبو اليقظان: وقف محمد بن الحنفية على قبرِ الحسنِ بعد ما دُفِنَ وقال: يا أبا محمد، لئن عزَّت حياتُك لقد هدَّت وفاتُك، ولنِعمَ الروحُ روحٌ عُمِر به بَدَنُك، ولنعمَ البدنُ بَدَنٌ تضمَّنه كَفَنُك، وكيف لا؟ وأنت سليلُ الهدى، وحليفُ أهلِ التُّقى، وخامسُ أصحابِ الكِسا، رُبِّيتَ في حِجْرِ الإسلام، ورضعتَ ثَدْيَ الإيمان، ولك السوابقُ العظمى والغاياتُ القُصوى، بك أصلح الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم تك شَعْثَ الدين، فعليك السلام حيًّا وميتًا [ثم خنقته العبرة] (٣) ثم قال: أأَدهَنُ رأسي أَم تطيبُ مجالسي … وخدُّكَ معفورٌ وأنت سليبُ سأبكيك ما ناحت حمامةُ أيكةٍ … وما اخْضَرَّ في دَوْحِ الرياضِ قضيبُ غريبٌ وأَكنافُ الحجازِ تحوطُهُ … أَلا كلُّ مَنْ تحت الترابِ غريبُ وقال بعضُ شعراءِ أهل المدينة: تعزَّ، فكم لكَ من سَلْوةٍ … تُفَرِّجُ عنك غليلَ الحَزَنْ بموت النبيِّ وقَتْلِ الوصيِّ … وَلِيِّ النبيِّ وسَمِّ الحَسَنْ ولَمّا قُتِل الحسين قال بعضُهم: بموتِ النبيِّ وقَتْلِ الوصيّ … وقَتْلِ الحسينِ وسَمِّ الحَسَنْ

стр. 3139

وقال محمد بن إسحاق: حدَّثني مُساور مولى بني سعد بن بكر قال: رأَيتُ أبا هريرة قائمًا على باب مسجد المدينة يُنادي: أَيُّها الناسُ، مات حِبُّ رسول الله ﷺ . والناسُ يضجُّون. وقال ابنُ سعد عن ثعلبة بن أبي مالك قال (١): شهدتُ الحسنَ يومَ مات، فلو طُرِحت إِبرةٌ ما وقعت إلا على إِنسان. ورَوَى أَيضًا عن ابن أبي نَجيح قال: بكى على الحسنِ الرجالُ والنساءُ والصبيان بالمدينةِ سبعًا. وقال ابن سعد: أقام نساءُ بني هاشم عليه النَّوح شهرًا، وحَدَدْنَ عليه سنة (٢). واختلفوا في سِنِّه على ثلاثةِ أقوال: أَحدُها: ستٌّ وخمسون سنةً، قاله الواقدي. والثاني: ثمانٍ وخمسون. قاله الهيثم. والثالث: خمسٌ وخمسون وأَشهر، ذكره خليفةُ بن خياط، واحتجَّ بقول الحسنِ بن علي فقال: ومارستُ هذا الأمرَ خمسين حجَّةً … وخمسًا أُزجّي قابلًا بعد قابلِ فلا أنا في الدنيا بلغتُ جسيمَها … ولا في الذي أَهوى ظَفِرتُ (٣) بطائلِ وقد أَشرعَتْ فيَّ المنايا سِهامَها … وأَيقنتُ أني رَهْنُ موتٍ مُعاجلِ (٤) والقولُ الأوَّلُ أَشهرُ؛ لأَنه موافق لمولده؛ لأنه وُلد في السنةِ الثالثةِ من الهجرة في رمضان، وإنما يظهر هذا في أيِّ سنةٍ مات. واختلفوا في ذلك على أقوال:

стр. 3140

أحدها: أنه مات في هذه السنةِ، وهي سنةُ تسعٍ وأربعين. قاله الواقديّ، وأبو معشر، وهشام، وعامة المؤرّخين (١). والثاني: في سنة ثمانٍ وأربعين؛ قاله الهيثم. والثالث: في سنة خمسين؛ حكاه ابنُ سعد عن حرب بن خالد؛ قال: مات الحسنُ بن علي لخمس ليالٍ خَلَوْنَ من شهر ربيعٍ الأول (٢) سنة خمسين. وحكى الموفق ﵀ هذه الأقوال وقال: وقيل في سنة إحدى وخمسين، وثمانٍ وخمسين (٣)، والله أعلم. ذِكْرُ تعزية معاوية لابن عباس في الحسن: ذكرها ابن سعد، واختلفت رواياتُه فيها: ففي رواية قال: حدَّثنا محمد بن عمر بإسناده عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: لَمّا جاء نعيُ الحسنِ إلى الشام استأذن ابنُ عباس على معاوية، وكان ابن عباس قد ذهب بصرُهُ، وكان يقول لقائده: إذا دَخَلْتَ بي على معاوية فلا تَقُدْني، فإن معاوية يشمتُ بي. فلما جلس ابنُ عباس قال معاوية: لأُخبرنَّه بما هو أَشدُّ عليه من أن أشمتَ به، فقال: يا أبا العباس، هلك الحسنُ بنُ عليّ. فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون. وعرف ابن عباس أنه شامتٌ به، فقال ابن عباس: أَما واللهِ يا معاوية إنك لا تسدّ حُفْرَتَه (٤)، ولا يزيد موتُه في عمرك [فتخلدَ بعده] ولقد أُصِبْنا بأَعظمَ فَقْدًا منه، فجبرَ اللهُ مصيبتَنا، فقال معاوية: ما كلَّمْتُ أَحدًا أَعقلَ من ابن عباس ولا أَعدَّ (٥) جوابًا منه.

стр. 3141

وفي رواية ابن سعد (١): أن معاوية قال لابن عباس: يا عَجَبًا من وفاةِ الحسنِ! شَرِبَ عسلًا بماءِ رُومة، فقضى نَحْبَه، لا يُحزنك الله ولا يَسوؤك فيه. فقال ابن عباس: لا يسوؤني ما أَبقاكَ الله لي. فأمر له بمئة ألف وكسوة. قال: ويقال: إنَّ معاويةَ قال له: أصبَحْتَ سيِّدَ قومِك، فقال: ما بقي أبو عبد الله، فلا. يعني الحسين. وفي رواية ابن سعد (٢) أن ابن عباس قال لمعاوية: لا يسوؤني الله ولا يُحزنني ما أبقى لي أميرَ المؤمنين، فأعطاه معاوية ألف ألف (٣) من بين عَرَضٍ وعَين وقال: اقْسِمْه في أهلك. ذكر أولادِه: قال ابن سعد (٤): فولدَ الحسنُ بن علي محمَّدًا الأصغر، وجعفرًا، وحمزةَ، وفاطمةَ؛ دَرَجوا، وأُمُّهم أُمُّ كلثوم بنت الفضل بن عباس بن عبد المطلب. ومحمّدًا الأكبر، وبه كان يُكنّى، والحسنَ، وامرأتين هلكتا ولم تبرزا، وأُمُّهم خولةُ بنتُ منظور بن زَبَّان؛ فَزارية. وزيدًا، وأُمَّ الحسن (٥)، وأُمَّ الخير، وأُمُّهم أُمُّ بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو (٦) الأنصاري. وإسماعيلَ، ويعقوبَ، وجاريتين هلكتا، وأُمُّهم جَعْدة بنت الأَشعث بن قيس الكِنْدي. والقاسمَ، وأبا بكر، وعبدَ الله؛ قُتِلوا مع الحسين، وأُمُّهم أُمُّ ولد تُدعى بُقيلة، ولا بقيَّة لهم.

стр. 3142

وحُسَيْنًا الأَثرمَ، وعبدَ الرحمن، وأُمَّ سلمة، وأُمُّهم أُمّ ولد تُدعى ظَمْياء. وعَمْرًا لأُمِّ ولد، ولا بقيَّة له. وأُمَّ عبد الله، وهي أمُّ أَبي جعفر محمد بن علي بن حسين، وأُمُّها أمُّ ولد، تُدعى صافية. وطلحة، لا بقيَّةَ له، وأُمُّه أُمُّ إِسحاق بنت طلحة بن عُبيد الله بن عثمان التيمي. وعبدَ الله الأَصغرَ، وأُمُّه زينب بنت سُبيع بن عبد الله أَخي جرير بنِ عبد الله البجلي. هذا صورةُ كلام ابن سعد، فعلى قوله كانوا واحدًا وعشرين ولدًا، خمسةَ عَشَرَ ذكرًا، وستَّ بنات (١). وقال هشام: كان له خمسةَ عشَرَ ذكرًا، وثلاث بنات، والأوَّلُ [أشهر] (٢). قلث: فنذكر أعيانَهم: الحسن بن الحسن بن علي ﵇ - قال علماء السِّيَر: والحسنُ هذا هو الذي زوَّجه الحسينُ بن علي ابنتَه فاطمة بنت الحسين، ثم تزوَّجها بعد الحسنِ عبدُ الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، وسنذكرها. وقد ذكره المدائني فقال: كان الحسنُ بن الحسنِ بن علي على صَدَقاتِ جَدِّه عليّ بن أبي طالب بالمدينة، فسأَله الحجَّاج بن يوسف أن يُدخِلَ عُمر بنَ عليّ بن أبي طالب معه في الوصية، فأَبى، وكان الحجَّاج يومئذ على المدينة، فأَغلظَ له، فَقدِمَ الحسنُ على عبد الملك بن مروان، فرحَّبَ به وقال: لقد أَسرع إليك الشيبُ! فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وكان حاضرًا: شَيَّبه أمانيُّ أَهلِ العراقِ القادمين عليه في كلِّ موسمٍ يُمَنُّونه بالخلافةِ. فقال الحسنُ: ليس كما قُلْتَ، ولكنَّا أهلُ بيتٍ يُسْرعُ إِلينا الشيبُ. ثم قال له عبد الملك: ما الذي أَقْدَمَك؟ فشكا إليه الحجَّاج، وعرَّفه بما جَرَى بسبب عُمر بن عليّ، فكتب إلى الحجَّاج ينهاه عنه، ويأمره باحترامِه. وقضى حوائجَه ووصلَه.

стр. 3143

وخرج من عنده، فلقيَ يحيى بنَ الحَكَم، فقال له: ما حملك على ما قُلْتَ؟ فقال: النظرُ لك، واللهِ لولا خَوْفُه منك ما قضى لك حاجَة (١). ذِكرُ أولاده: الحسنُ بن الحسن بن الحسن - ثلاث مرات - وعبدُ الله، وإبراهيمُ، وأُمُّهم فاطمة بنت الحُسين بن عليّ ﵇. وإبراهيمُ (٢)، ومحمدٌ، وجعفرٌ، وداود، وأُمُّ الحسن (٣) بنو الحسن بن الحسنِ بن عليّ. وعبد الله بن الحسن [بن الحسن] هو المُشارُ إليه من أولاده، وسنذكره في سيرة أبي جعفر وأيامه، وهو والد إبراهيم ومحمد الخارِجَين على أبي جعفر لِما نذكر. وأما عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب فكان مع عمِّه الحسين بن عليّ يومَ الطُّفوفَ (٤)، وسَلم من القَتْلِ، وحُمِل إلى دمشق مع السبايا، وكان عابدًا ناسِكًا. وقال البلاذري (٥): كانت أُمُّ الحسن بنت الحسنِ بن علي عند عبد الله بن الزبير، وأُمها أمُّ بشير بنت أَبي مسعود البَدْريِّ، وأُمُّ عبد الله بنت الحسن بن علي تزوَّجها علي بن الحسين ﵇. قلت: وقد ذكر ابنُ سعد من أولاد الحسن بن علي في الطبقة الأُولى (٦) من التابعين من أهل المدينة اثنتين:

стр. 3144

أحدُهما: صاحبُ هذه الترجمة، فقال: حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأُمُّه خولةُ بنت منظور بن زبَّان بن سيَّار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سُمَيّ بن مازن مِن فَزارة. قال: فولدَ حسنُ بنُ حسنٍ محمَّدًا، وأُمُّه رملةُ بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل. وعبدَ الله بنَ حسن؛ مات في سجن أبي جعفر بالكوفة. وحسنَ بنَ حسن؛ مات أيضًا في سجن أبي جعفر. وإبراهيمَ بن حسن؛ مات في السجنِ أيضًا. وزينبَ بنتَ الحسن، تزوَّجَها الوليد بن عبد الملك بن مروان، ثم فارقَها. وأُمَّ كلثوم بنت حسن. وأُمُّهم فاطمةُ بنتُ الحُسين بن عليّ بن أبي طالب، وأُمُّها أُمُّ إسحاق بنت طلحة بن عُبيد الله، من العشرة. وجَعْفَرَ بنَ حسنٍ، وداودَ، وفاطمةَ، وأُمَّ القاسم -وهي قُسَيمةُ- ومُليكةَ، وأُمّهم أمُّ ولد تُدعى حبيبة، فارسية كانت لآل أبي أنس من جديلة. وأُمَّ كلثوم بنت حسن لأُمّ ولد. وقال ابن سعد (١) بإسناده عن الفُضيل بن مرزوق قال: سمعتُ الحسنَ بن الحسن يقولُ لرجل مِمَّن يغلو فيهم: ويحكم! أحِبُّونا لله، فإن أطعنا الله فأَحِبُّونا، وإن عصيناه فأَبْغِضونا، فقال له الرجلُ: إنكم قرابةُ رسول الله ﷺ وأَهلُ بيته. فقال: لو كان اللهُ نافعًا بقرابةِ رسوله أحدًا بغير طاعة الله لنفع بذلك من هو أَقربُ إليه مِنَّا: أباه وأُمَّه، واللهِ إني لأَخافُ أن يُضاعَفَ العذابُ للعاصي مِنّا ضِعْفين، وإني لأرجو أَنْ يُؤتَى المحسنُ منّا أجرَه مرَّتين. اتقوا الله، وقولوا فينا الحقَّ، فإنه أبلغ فيما تريدون، ونرضى نحن به منكم. وذكر كلامًا آخر. والثاني: زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وأُمُّه بنتُ أبي مَسْعُود، وهي أُمُّ بشير.

стр. 3145

قال: فولدَ زيدٌ محمدًا، هلك، وأُمُّه أُمُّ ولد، ولا بقيَّة له. وحسنَ بنَ زيد؛ وَلِيَ المدينةَ لأَبي جعفر، وأُمُّه أُمُّ ولد. ونفيسةَ بنتَ زيد؛ تزوَّجها الوليد بن عبد الملك، فتوفيت عنده، وأُمُّها لُبابةُ بنت عبيد الله (١) بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. وكان زيدٌ جسيمًا جميلًا، روى عن جابر بن عبد الله. وذكر ابنُ سعد زيدَ بن الحسنِ بن علي بن أبي طالب في الطبقةِ الثالثةِ من التابعين من أهلِ المدينة (٢)، وأُمُّه أُمُّ بشير بنت أبي مسعود البدري. وقال: كان عالمًا جوادًا، وذكر قصته مع أبي هاشم بن محمد بن الحنفية ومنازعته صدقةَ عليّ بنِ أبي طالب، وسنذكرها في ترجمة أبي هاشم في أيام سليمان بن عبد الملك (٣). قال: وقال أبو معشر نَجيح السِّندي: رأيتُ زيدَ بنَ الحسن بن عليّ يأتي الجمعةَ من ثمانية أميال -أو ستة أميال- إلى المدينة. واختلفوا في وفاته؛ فقال قوم: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك. وابنُ سعد لم يذكر تاريخَ وفاته، وإنما قال عن الواقدي (٤): مات زيد ببطحاء ابن أزهر على ثمانية أميال -أو ستة أميال- من المدينة، فحُمِل إلى البقيع في قُبَّة على سرير، فكان حسن بن حسن، وإبراهيم بن حسن، ومحمد الديباج، وذكر جماعة من بني هاشم أنهم كانوا يتعاقبون بين عمودي سريرِه. أسند زيد عن أبيه الحسن بن علي، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وروى عنه ابنُه الحسنُ بنُ زيد وغيره (٥).

стр. 3146

قلت: والأصحُّ أنه عاش إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر أزواج الحسن بن علي: قال ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الموالي قال (١): سمعتُ عبد الله بنَ حسن يقول: كان حسن بن عليّ قلَّما يُفارِقُه أربع من الحرائر، فكان صاحبَ ضرائر، فكانت عنده ابنةُ منظور بن سيَّار الفَزاريّ، وعنده امرأةٌ من بني أَسد من آل خُرَيم، فطلَّقَهما، وبعث إلى كلِّ واحدةٍ منهما بعشرة آلاف درهم وزِقاق من عَسَلٍ مُتْعَةً، وقال لرسولهِ يسار وهو مولاه: احفظ ما تقولالن، فقالت الفَزاريةُ: بارك الله فيه وجزاه خيرًا، وقالت الأسدية: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقِ (٢) فرجع فأخبره، فراجعَ الأسديَّةَ، وترك الفَزارَيَّةَ. وقال سويد بن غَفْلة: كانت عند الحسن امرأةٌ من خثعم، فلما قُتِلَ أمير المؤمنين، وبويعَ الحسنُ، دخل عليها فقالت له: لِيَهْنِكَ الخلافةُ، فقال: أشامتةٌ بأَميرِ المؤمنين! أَنْتِ طالق ثلاثًا، فقالت: واللهِ ما أرَدْتُ هذا. وبعث إليها بعشرين ألفًا، فأنشدت تقول: متاعٌ قليل من حبيبٍ مفارقِ فأخبره الرسولُ، فبكى وقال: لو راجَعْتُ امرأةً لراجَعْتُها (٣). وقال ابن سعد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال (٤): قال عليّ ﵇: يا أهلَ الكوفة، لا تُزوّجوا الحسنَ، فإنه رجلٌ مِطْلاقٌ. فقال رجل من هَمْدان: واللهِ لَنُزَوِّجَنَّه، فما رَضِيَ أمسك، وما كَرِهَ طلَّق.

стр. 3147

وحكى أيضًا عن محمد بن عمر، عن علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: كان الحسنُ مِطلاقًا للنساءِ، وكان لا يُفارِقُ امرأةً إلّا وهي تُحبُّه. وقال ابن سعد (١): حدثنا عليّ بن محمد، عن الهُذلي، عن ابن سيرين قال: كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، وكان أبا عُذْرِها (٢)، فطلَّقها، فتزوَّجها عبد الله بن عامر بن كُريز، فطلَّقها، فكتب معاويةُ إلى أبي هريرة أن اخْطُبْها على يزيد بن معاويةَ، فلقيه الحسنُ بن علي فقال: إلى أَينَ؟ قال: أَخطبُ هِنْدًا على يزيد، فقال: اذكرني لها، فذكره لها، فقالت: خِرْ لي، فقال: أَختارُ لكِ الحسنَ، فتزوَّجها، فقَدِم عبد الله بنُ عامر المدينةَ، فقال للحسن: لي عندها وديعةٌ، فدخل إليها والحسنُ معه، وجلَسَتْ بين يَدَيه، فَرَقَّ ابن عامرٍ، فقال الحسنُ: ألا أَنْزِلُ لكَ عنها، فلا أراك تجدُ محلِّلًا خيرًا لكما مني؟ فقال: وديعتي. فأخرجت سَفَطَين فيهما جوهر، ففتحهما، وأخذ من واحدٍ قبضةً، وترك الباقي، فكانت تقول: سيِّدُهم جميعًا الحسنُ، وأَسخاهم ابنُ عامر، وأحبُّهم إليَّ عبد الرحمن بن عتَّاب. قلت: وقد ذكر أبو [بكر] محمد بن جعفر الخرائطيُّ بمعنى هذه الحكاية، فقال (٣): حدثنا أبو زيد عمر بن شبَّة بإسناده عن (٤) [محمد بن عمارة بن نعيم الغفاري قال:] طلَّق عبد الله بن عامر امرأته بنتَ سهيل بن عمرو، فقَدِمتِ المدينةَ ومعها ابنة لها من ابن عامر، ووديعةُ جوهرٍ استودَعَها إياه، فتزوَّجها الحسنُ بن علي، ثم أراد ابن عامرٍ الحجَّ، فأتى المدينةَ، فلقيَ الحسنَ، فقال: يا أبا محمد، إنَّ لي إلى ابنةِ سهيلٍ حاجةً، فأُحبُّ أن تأذَن لي عليها، فاستأذنَها، ودخل ابن عامر، فسألها وديعتَه، فجاءته بها وعليها خاتَمُهُ، فقال: خُذي ثُلُثَها، فقالت: ما كُنْتُ لآخذَ على أمانةٍ ائتُمنتُ عليها شيئًا أبدًا. ثم أقبل عليها ابن عامرٍ فقال: إنَّ ابنتي قد بلغت، فأُحبُّ أن تُخَلِّيَ بيني وبينها. فبكت وبكت ابنتُها، فرقَّ ابن عامر، فقال الحسن: فهل لكما، فواللهِ ما من مُحَلِّلٍ خيرٌ مني؟ فقال ابنُ عامر: أجل، واللهِ لا أُخرجُها من عندك أبدًا. قال: فكفلها الحسنُ حتى مات.

стр. 3148

وقال ابن سعد عن علي بن محمد، عن ابن جُعْدُبة، عن ابن أبي مُليكة قال (١): تزوَّجَ الحسن خولةَ بنت منظور، فباتَ لَيلَهُ على سطح أَجْم (٢)، فشَدَّت خِمارَها بوجله والطرفَ الآخرَ بخَلْخَالها، فقام من الليلِ، فقال: ما هذا؟ قالت: خِفْتُ أن تقومَ من الليلِ بِوَسَنِكَ، فتَسقطَ، فأكون أَشْأَمَ سَخلةٍ على العرب. فأحبَّها وأقام عندها سبعًا. وقال ابن سعد: ويقال إن التي شدَّت خمارَها بوجله هند بنت سهيل بن عمرو. قال ابن سعد (٣): وكان الحسنُ أَحصنَ تسعين امرأَةً. وحكى جدّي في "المنتظم" (٤) عن أبي الحسن بن البراء قال: أرخى سِتْرَه على مئتي حُرَّة. وما حكاه ابن سعدٍ أَثبتُ. وذكر أبو القاسم بن عساكر (٥) أنَّ الحسن بن علي تزوَّج امرأةً، فبعث إليها بمئة جارية مع كلّ جارية ألفُ درهم. ذكر مسانيدِ الحسن: واختلفوا فيها، فقال أبو نُعيم: أسند ثلاثةَ عشرَ حديثًا، وقال ابن البَرْقيّ: عشرة أحاديث (٦). وأخرج له أحمد في "المسند" ثلاثة أحاديث (٧). وقال ابن مَنْده: وروى عن الحسن أبو هريرة، وعائشةُ، وابنه الحسنُ بنُ الحسن، والمسيّب بنُ نَجَبَة، وسُويد بن غَفَلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والشعبيّ، وهُبيرةُ بن يَرِيم، وإسحاق بن يسار والد محمد بن إسحاق صاحب "المغازي". ولم يُخَرَّج له في "الصحيح" شيء. وأخرج له ابن سعد أحاديث (٨).

стр. 3149

ومن مسانيده: قال أحمد بإسناده عن أبي الحوراء السَّعْدي قال (١): قلتُ للحسن بن عليّ: ما تذكرُ من رسول الله ﷺ ؟ فقال: أذكر أني أخذتُ تمرةً من تمرِ الصدقة، فجعلتُها في فيَّ، فانتزعَها رسولُ الله ﷺ وقال: "إنّا - آلَ محمد - لا تحلُّ لنا الصدقةُ". وقال: سمعتُه يقول: "دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُك، فإن الصّدْقَ طُمَأنينة، وإن الكَذِبَ رِيبة". قال: وكان يُعلِّمُنا هذا الدعاء: "اللهم اهدنا فيمن هَدَيتَ" إلى آخره. وهذا الراوي عن الحسن كنيتُه أبو الحوراء، بحاء مهملة، ذكره مسلم قال: واسمه ربيعةُ بن شيبان السَّعديّ (٢). قلت: وقال جدِّي ﵀ في "التلقيح" (٣): وفي الرواةِ من اسمُه الحسنُ بن عليّ بن أبي طالب اثنان: أحدهما: ابن بنت رسول الله ﷺ . والثاني: حسن بن عليّ بن أبي طالب، كوفي، حدَّث عنه عمر بن حفص الكوفي. قلت: ولم يذكر في "التلقيح" من الرواة من اسمه الحسن بن عليّ غير هذين، وهم نَيِّفٌ وأربعونَ رجلًا، فنذكر أعيانهم (٤): الحسن بن عليّ بن خَلَف، أبو محمد الصَّيدلانيّ، روى عن هشام بن خالد، وروى عنه أبو الميمون بن راشد، وكانت وفاتُه في تسع وثمانين ومئتين (٥). الحسن بن عليّ بن شبيب، أبو علي المَعْمَري -بفتح الميم وسكون العين- الحافظ البغدادي، وإنما قيل له: المَعْمري؛ لأنه نُسِب إلى أُمِّه أُمّ الحسن بنت سفيان صاحب

стр. 3150

مَعْمَر بن راشد. وكان الحسنُ -صاحبُ هذه الترجمة- إمامًا في كل فنّ، وله التصانيف؛ منها كتاب "يوم وليلة". وسمع أعيان المشايخ بالشام وغيره، كهشام بن عمَّار، وأحمد بن أبي الحواري، والمسيّب بن واضح، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن محمد بن صاعد، وأبو حامد بن الشرقي، وابنُ أبي الدنيا والأئمة. وقال أحمد بن كامل: كان إمامًا ربَّانيًّا في جمعه وتصانيفِه. وذكره الخطيبُ في "تاريخه" (١) وقال: رَحَلَ في طلب العلم إلى الكوفة والبصرة، والشام ومصر، وسمع من عليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، وشيبان بن فَرّوخ، وخَلْقٍ يطول ذِكْرُهم. قال الخطيب: وقد تكلَّموا فيه من قبيل الحَسَدِ، لا من قبيلٍ آخر. قال عبد الله بن أحمد: صَحِبَهُ قوم مُخَلِّطون، وما كان هو مُخَلِّطًا ولا كذَّابًا (٢)، وكان يشدُّ أسنانه بالذهب ولا يُغَيِّرُ شيبه. وكانت وفاته ببغداد في المحرَّم سنة خمسٍ وتسعين ومئتين، ودُفِنَ على قارعةِ الطريقِ عند قبورِ البرامكةِ بباب البردان (٣). الحسن بن عليّ بن موسى بن هارون الأصفهاني، أبو علي النحاس، بحاء مهملة (٤). وقيل: هو نيسابوري. سمع هشام بن عمار، وروى عنه أبو أحمد بنُ عدي، ومات بمصر سنة اثنتين وثلاث مئة، وكان صدوقًا صالحًا، ﵀.

стр. 3151

الحسن بن عليّ، أبو محمد التميمي النحوي، دمشقي، ويُعرف بابن المُصحِّح. سمع أبا بكر الحِنَّائي (١)، وأبا بكر بن أبي الحديد، وروى عنه عبد العزيز الكتاني، ونجا بن أحمد. ومات سنة أربعٍ وأربعين وأربع مئة (٢). الحسن بن عليّ بن عليّ، أبو القاسم البَجَلي، ويعرفُ بابن أبي السلاسل، دمشقي. روى عن القاضي أحمد بن سعيد، وروى عنه تمَّام بن محمد. ومات سنة أربع وستين وثلاث مئة (٣). الحسن بن عليّ، أبو علي الصَّقَلي النحوي، دمشقي. روى عن أبي القاسم عبد الرحمن الزجَّاجي النحوي. روى عنه أبو نصر بن الحنان، وتوفي حاجًّا بمكة سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وصُلِّي عليه بعرفة، ودخلوا به مكة، فطافوا به حول البيت ودفنوه (٤). الحسن بن عليّ بن الحسن بن شواش، أبو علي الكناني المقرئ. أصلُه من أرتاح؛ مدينة من أعمال حَلَب. حدَّث عن [أبي] سليمان بن زَير (٥) وأقرانه، وروى عنه أبو علي الأهوازي، وكان من أقرانه، ومات سنة تسع وثلاثين وأربع مئة. الحسن بن عليّ بن عبد الصمد، أبو محمد الكَلاعي المُقرئ. سمع تمَّام بن محمد، وروى عنه الخطيب، وتوفّي في سنة اثنتين وستين وأربع مئة (٦).

стр. 3152

الحسن بن عليّ بن محمد الوَخْشي البلخي الحافظ، روى عنه الخطيب وقال (١): هو من أهل وَخْش؛ بخاء وشين معجمتين؛ ناحية ببَلْخ. سافر الكثير في طلب الحديث إلى العراق، والشام، ومصر، وسمع ببغداد أبا عمر بن مهدي، وبدمشق تمَّام بن محمد، وبمصر أبا محمد بن النحاس، وغيرَهم، وعاد إلى بلده فتوفي به في سنة ست وخمسين وأربع مئة (٢). الحسن بن عليّ بن وَهْب، أبو علي الصُّوفي، ويعرفُ بالسُّبْعيّ؛ لأنه كان على سُج دمشق (٣). روى عنه أبو محمد بن الأكفاني، ومات سنة تسع وخمسين وأربع مئة. الحسن بن علي بن عبد الواحد بن الموحّد، أبو محمد، دمشقيّ. سمع أبا محمد بنَ أبي نصر، وروى عنه الخطيب، ويقال: إنه مات سنة اثنتين أو ثلاث أو ثمانين، وأربع مئة (٤). الحسن بن عليّ بن أحمد، أبو محمد (٥) الحلبي. سكن دمشق، وسمع منه أبو محمد بن الأكفاني وغيره. الحسن بن عليّ، أبو الفرج التميمي الواعظ. حدَّث بجُرْجان عن عبد الوهَّاب بن الحسن الكلابي (٦).

стр. 3153

الحسن بن عليّ بن إبراهيم، أبو محمد الأصفهاني. حدَّث بدمشق عن أبي العباس الفضل بن الخَصِيب الأصفهاني (١). الحسن بن عليّ بن الحسن الأطرابلسي. حكى عن أبيه، وحكى عنه أبو بكر بن المُعلَّى (٢). الحسن بن عليّ بن الحسن (٣)، أبو عليّ، يُعرف بابن الشُّحيمة، دمشقي. حدَّث عن جماهر الزَّمَلْكاني. الحسن بن عليّ بن الحسن، أبو القاسم الطِّيرِي. [ينسب إلى] قرية من قُرى دمشق يقال لها: الطِّيرة. روى عن أبي الجهم بن طلّاب، وروى عنه محمد بن حمزة الدمشقي (٤). الحسن بن عليّ بن الحسن، أبو علي الكفرطابي. سمع أبا بكر الميَّانجي، وروى عنه أبو محمد بن الأكفاني (٥). الحسن بن عليّ بن أبي حماد المُقرئُ، نزيلُ دمشق. روى عن هشام بن عمَّار قراءة ابن عامر (٦). الحسن بن عليّ بن رَوْح، أبو علي، دمشقي، من كفر بطنا؛ قرية بغوطة دمشق. روى عن قاسم بن عثمان الجُوعيِّ، وروى عنه أبو سليمان بن زَبْر (٧). الحسن بن عليّ بن سعيد، أبو (٨) علي الكرخي القاضي الشافعي.

стр. 3154

حدَّث بدمشق عن عبد الله بن علي (١) التستري، وروى عنه أبو الحسن الرَّبَعيُّ. الحسن بن علي بن عبد الله، أبو (٢) سعيد البردعي. حدَّث بدمشق عن أحمد بن علي بن قمير، وروى عنه أبو أحمد بن عديّ. الحسن بن عليّ بن عبد الله الخُراساني. حدَّث بدمشق عن عبد الله بن داود، وروى عنه علي بن الخضر السّلميّ (٣). الحسن بن علي بن عمر، أبو محمد الحلبي الأديب، ويعرف بابن كوجك. [روى عن علي بن عبد الحميد الغضائري]، وروى عنه تمّام بن محمد (٤). الحسن بن علي بن عيّاش. حدَّث عن مُنَبِّه بن عثمان الدمشقي، عن الأَوزاعي (٥). الحسن بن علي بن عيسى، أبو محمد (٦) الأزدي المعاني، من أهلِ معان من أرضِ البلقاء. روى عن عبد الرزاق بن همّام، وروى عنه سعيد بن عبد العزيز الحلبي. وقد تكلَّموا فيه: فقال أبو أحمد بن عدي: حدَّث عن عبد الرزاق بأحاديث في فضائل علي بن أبي طالب موضوعة (٧) لا يُتابعه عليها أحد. وقال أبو نُعيم: حدَّث عن مالك بأحاديث موضوعة. الحسن بن علي بن محمد، أبو علي اليماني الدمشقي، ويعرف بابن زِرٍّ. حدَّث عن عليّ بن عتاب البغدادي، وروى [عنه] أبو سعد السمان (٨).

стр. 3155

الحسن بن علي بن محمد، أبو علي القَطَني، من قطنا؛ قرية غربيّ دمشق. روى عنه عبد العزيز الكَتّانيّ (١). الحسن بن علي بن محمد السِّنْجاريّ. حدَّث بدمشق مع أخيه محمد بن علي عن (٢) الحسين بن أحمد المالكي، وسمع منه أبو العباس بن قُبيس. الحسن بن علي بن القاسم، أبو علي القَيرواني. سكن دمشق، وحدَّث بها عن عبد الوهَّاب الكلابي، وروى عنه نجا بن أحمد (٣). الحسن بن علي بن أحمد (٤) بن مصعب، أبو بكر اللخمي، سمع بدمشق هشام بنَ عمار، وروى عنه أبو علي بن سليمان الأصفهانيّ. الحسن بن علي بن موسى بن الخليل البرقعيدي. سمع ببيروت أحمد بن محمد بن مكحول البيروتي، وبأطرابلس خيثمة بن سليمان، وبالرملة زيد بن الهيثم الرملي. وروى عنه أبو الحسين عبد الواحد الخطيب (٥). الحسن بن علي بن الوثاق بن الصلت، أبو القاسم النَّصِيبي الحافظ. حدَّث بدمشق سنة أربع وأربعين وثلاث مئة عن عبد الواحد (٦) بن محمد بن ناجية البغدادي وغيره، وروى عنه تَمَّام بن محمد، وأبو عبد الله بنُ مَنْده. الحسن بن علي بن يحيى، أبو علي الطبراني من أهل طبريَّة. حدَّث بدمشق عن أبي جعفر القراطيسي، وروى عنه [أبو] سليمان بن زَبْر (٧).
следующие страницы →