← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

الحسن بن عليّ، أبو محمد التميمي النحوي، دمشقي، ويُعرف بابن المُصحِّح. سمع أبا بكر الحِنَّائي (١)، وأبا بكر بن أبي الحديد، وروى عنه عبد العزيز الكتاني، ونجا بن أحمد. ومات سنة أربعٍ وأربعين وأربع مئة (٢). الحسن بن عليّ بن عليّ، أبو القاسم البَجَلي، ويعرفُ بابن أبي السلاسل، دمشقي. روى عن القاضي أحمد بن سعيد، وروى عنه تمَّام بن محمد. ومات سنة أربع وستين وثلاث مئة (٣). الحسن بن عليّ، أبو علي الصَّقَلي النحوي، دمشقي. روى عن أبي القاسم عبد الرحمن الزجَّاجي النحوي. روى عنه أبو نصر بن الحنان، وتوفي حاجًّا بمكة سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وصُلِّي عليه بعرفة، ودخلوا به مكة، فطافوا به حول البيت ودفنوه (٤). الحسن بن عليّ بن الحسن بن شواش، أبو علي الكناني المقرئ. أصلُه من أرتاح؛ مدينة من أعمال حَلَب. حدَّث عن [أبي] سليمان بن زَير (٥) وأقرانه، وروى عنه أبو علي الأهوازي، وكان من أقرانه، ومات سنة تسع وثلاثين وأربع مئة. الحسن بن عليّ بن عبد الصمد، أبو محمد الكَلاعي المُقرئ. سمع تمَّام بن محمد، وروى عنه الخطيب، وتوفّي في سنة اثنتين وستين وأربع مئة (٦).

стр. 3152

الحسن بن عليّ بن محمد الوَخْشي البلخي الحافظ، روى عنه الخطيب وقال (١): هو من أهل وَخْش؛ بخاء وشين معجمتين؛ ناحية ببَلْخ. سافر الكثير في طلب الحديث إلى العراق، والشام، ومصر، وسمع ببغداد أبا عمر بن مهدي، وبدمشق تمَّام بن محمد، وبمصر أبا محمد بن النحاس، وغيرَهم، وعاد إلى بلده فتوفي به في سنة ست وخمسين وأربع مئة (٢). الحسن بن عليّ بن وَهْب، أبو علي الصُّوفي، ويعرفُ بالسُّبْعيّ؛ لأنه كان على سُج دمشق (٣). روى عنه أبو محمد بن الأكفاني، ومات سنة تسع وخمسين وأربع مئة. الحسن بن علي بن عبد الواحد بن الموحّد، أبو محمد، دمشقيّ. سمع أبا محمد بنَ أبي نصر، وروى عنه الخطيب، ويقال: إنه مات سنة اثنتين أو ثلاث أو ثمانين، وأربع مئة (٤). الحسن بن عليّ بن أحمد، أبو محمد (٥) الحلبي. سكن دمشق، وسمع منه أبو محمد بن الأكفاني وغيره. الحسن بن عليّ، أبو الفرج التميمي الواعظ. حدَّث بجُرْجان عن عبد الوهَّاب بن الحسن الكلابي (٦).

стр. 3153

الحسن بن عليّ بن إبراهيم، أبو محمد الأصفهاني. حدَّث بدمشق عن أبي العباس الفضل بن الخَصِيب الأصفهاني (١). الحسن بن عليّ بن الحسن الأطرابلسي. حكى عن أبيه، وحكى عنه أبو بكر بن المُعلَّى (٢). الحسن بن عليّ بن الحسن (٣)، أبو عليّ، يُعرف بابن الشُّحيمة، دمشقي. حدَّث عن جماهر الزَّمَلْكاني. الحسن بن عليّ بن الحسن، أبو القاسم الطِّيرِي. [ينسب إلى] قرية من قُرى دمشق يقال لها: الطِّيرة. روى عن أبي الجهم بن طلّاب، وروى عنه محمد بن حمزة الدمشقي (٤). الحسن بن عليّ بن الحسن، أبو علي الكفرطابي. سمع أبا بكر الميَّانجي، وروى عنه أبو محمد بن الأكفاني (٥). الحسن بن عليّ بن أبي حماد المُقرئُ، نزيلُ دمشق. روى عن هشام بن عمَّار قراءة ابن عامر (٦). الحسن بن عليّ بن رَوْح، أبو علي، دمشقي، من كفر بطنا؛ قرية بغوطة دمشق. روى عن قاسم بن عثمان الجُوعيِّ، وروى عنه أبو سليمان بن زَبْر (٧). الحسن بن عليّ بن سعيد، أبو (٨) علي الكرخي القاضي الشافعي.

стр. 3154

حدَّث بدمشق عن عبد الله بن علي (١) التستري، وروى عنه أبو الحسن الرَّبَعيُّ. الحسن بن علي بن عبد الله، أبو (٢) سعيد البردعي. حدَّث بدمشق عن أحمد بن علي بن قمير، وروى عنه أبو أحمد بن عديّ. الحسن بن عليّ بن عبد الله الخُراساني. حدَّث بدمشق عن عبد الله بن داود، وروى عنه علي بن الخضر السّلميّ (٣). الحسن بن علي بن عمر، أبو محمد الحلبي الأديب، ويعرف بابن كوجك. [روى عن علي بن عبد الحميد الغضائري]، وروى عنه تمّام بن محمد (٤). الحسن بن علي بن عيّاش. حدَّث عن مُنَبِّه بن عثمان الدمشقي، عن الأَوزاعي (٥). الحسن بن علي بن عيسى، أبو محمد (٦) الأزدي المعاني، من أهلِ معان من أرضِ البلقاء. روى عن عبد الرزاق بن همّام، وروى عنه سعيد بن عبد العزيز الحلبي. وقد تكلَّموا فيه: فقال أبو أحمد بن عدي: حدَّث عن عبد الرزاق بأحاديث في فضائل علي بن أبي طالب موضوعة (٧) لا يُتابعه عليها أحد. وقال أبو نُعيم: حدَّث عن مالك بأحاديث موضوعة. الحسن بن علي بن محمد، أبو علي اليماني الدمشقي، ويعرف بابن زِرٍّ. حدَّث عن عليّ بن عتاب البغدادي، وروى [عنه] أبو سعد السمان (٨).

стр. 3155

الحسن بن علي بن محمد، أبو علي القَطَني، من قطنا؛ قرية غربيّ دمشق. روى عنه عبد العزيز الكَتّانيّ (١). الحسن بن علي بن محمد السِّنْجاريّ. حدَّث بدمشق مع أخيه محمد بن علي عن (٢) الحسين بن أحمد المالكي، وسمع منه أبو العباس بن قُبيس. الحسن بن علي بن القاسم، أبو علي القَيرواني. سكن دمشق، وحدَّث بها عن عبد الوهَّاب الكلابي، وروى عنه نجا بن أحمد (٣). الحسن بن علي بن أحمد (٤) بن مصعب، أبو بكر اللخمي، سمع بدمشق هشام بنَ عمار، وروى عنه أبو علي بن سليمان الأصفهانيّ. الحسن بن علي بن موسى بن الخليل البرقعيدي. سمع ببيروت أحمد بن محمد بن مكحول البيروتي، وبأطرابلس خيثمة بن سليمان، وبالرملة زيد بن الهيثم الرملي. وروى عنه أبو الحسين عبد الواحد الخطيب (٥). الحسن بن علي بن الوثاق بن الصلت، أبو القاسم النَّصِيبي الحافظ. حدَّث بدمشق سنة أربع وأربعين وثلاث مئة عن عبد الواحد (٦) بن محمد بن ناجية البغدادي وغيره، وروى عنه تَمَّام بن محمد، وأبو عبد الله بنُ مَنْده. الحسن بن علي بن يحيى، أبو علي الطبراني من أهل طبريَّة. حدَّث بدمشق عن أبي جعفر القراطيسي، وروى عنه [أبو] سليمان بن زَبْر (٧).

стр. 3156

الحسن بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، وكُنيتُه أبو محمد الزيدي، ويعرف بابن سناء الملك (١). سكن مصر، وحدَّث بها عن أبي الحسن نصر بن أحمد الفارسي، وكتب عنه الأمير أبو تراب علي بن الحسن الرَّبَعي. الحسن بن علي، أبو محمد الخلّال، المعروف بالحلواني. سمع بدمشق وغيرِها هشام بنَ عمّار، ويزيد بن هارون، وعفَّان بنَ مسلم، وغيرهم. وروى عنه البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، وإبراهيم الحربي، وغيرهم. وقال ابن يونس: قَدِم مصرَ، وحدَّث بها نحو سنة ثلاثين ومئتين. واختلفوا فيه فقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عنه، فكرهه. ووثَّقه البخاريّ والنسائيّ وغيرُهما. وقيل: إِنما كرهه أحمد لأنه كان من الواقفية؛ يقول: لا أُكفِّر من وَقَف [في] القُرآن (٢). الحسن بن علي، أبو علي الشّيزَرِيّ (٣). حدَّث بدمشق عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالوَيه، وروى عنه عليّ بن الخضر السُّلَميُّ. الحسن بن علي، أبو محمد الورَّاق. سمع منه رشا بن نظيف، في آخرين. وقال علماءُ السِّيَر (٤): لما توفّي الحسنُ بن علي، ووصل نعيُه إلى الكوفة، اجتمعت الشيعة في دار سليمان بن صُرَد، وفيهم بنو جَعْدة بن هبيرة بن أبي وَهْب المخزومي -

стр. 3157

وأُمّ جعدة أُمُّ هانئ أُختُ علي لأبيه وأُمِّه- وكتبوا كتابًا إلى الحسين يُعزُّونَه في أخيه ويقولون: قد جعل الله فيك أَعظمَ الخَلَف، ونحن شيعتُك المصابةُ بمصيبتِك، المحزونون لحزنِك، المسرورون لسرورِك، المنتظرون لأمرِك، والمتطلِّعون إلى قُدومِك. وأخبروه بما هم عليه من بُغْضِ معاوية وأهلِه والبراءةِ منهم، ونحو ذلك. فكتب إليهم يشكرهم ويقول: اكتُموا هذا الأمرَ ما دام ابنُ هندٍ حيًّا، فإن حدث به حدثٌ وأنا حيّ، فسوف يأتيكم أمري، والسلام. وقال هشام عن أبيه: لما توفّي الحسنُ اختلف أهل المدينة إلى الحسين، ومن غيرها، فقال عمرو بن عثمان لمروان، وكان قد وليَ المدينة: قد أكثر الناسُ الاختلافَ إلى الحسين، وإني لأرى لكم منه يومًا عصيبًا. فكتب إلى معاوية فأَخبره، فكتب إلى الحسين كتابًا يُذكّره فيه العهودَ والمواثيق، ويُخوّفُه الخلاف. فكتب إلى معاويةَ يعتذرُ إليه، ويتنَصَّلُ مما قيل عنه، فكتب إليه فصدَّقه، وبعث إليه بألفِ درهم وكسوةٍ وعروض، وهدايا من كل نوع، وكان يبعث إليه بمثلها في كلِّ سنة. انتهت سيرة الحسن بن علي ﵇ وفيها توفّي ناجية بن جُندب ابن عُمير (١) الأسلمي الخُزاعي، ثم من بني سهم، بطن من أَسلم، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. قال ابن سعد: شهد مع رسول الله ﷺ الحديبية، واستعمله رسولُ الله ﷺ على هَدْيِه حين توجَّه إلى الحديبية، وأمره أن يقدّمه (٢) إلى ذي الحُلَيفة. وحكى ابن سعد عن الواقديّ أنَّ رسولَ الله ﷺ جعل ناجيةَ على هَدْيِه حين توجَّه إلى عمرة القَضِيَّة، فجعل يسير بالهَدْي أمامَه يطلبُ الرعيَ في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم.

стр. 3158

قال: وقال الواقدي: وشهد ناجيةُ بنُ جندب فتح مكة، واستعمله رسول الله ﷺ على هديه في حَجَّة الوَداع. وكان ناجيةُ نازلًا في بني سَلَمة. قال: ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان (١). قلتُ: وليس في الصحابة من اسمه ناجية سوى ثلاثة: أحدهم هذا، وهو سائقُ بُدْن رسول الله ﷺ . والثاني: ناجية بن عمرو، ولهما صحبة ورواية. والثالث: ناجية بن الأعجم (٢)، [ذكره ابن سعد] في الطبقة الثالثة من المهاجرين أيضًا (٣) عقيب ناجية بن جندب الأسلمي وقال: شهد الحديبية مع رسول الله ﷺ . وحكى عن الواقديّ أنه قال: ناجيةُ بن الأَعجم هو الذي نزل بالسَّهْم في بئر الحديبية، فجاشَتْ بالرِّواء حتى صدروا بعَطَن. وحكى ابن سعد أيضًا أنَّه قال (٤): ويقال: إن الذي نزل بالسَّهْم ناجيةُ بنُ جُندب سائقُ البُدْن. قال: ويقال: البراء بن عازب، ويقال: عبَّاد بن خالد الغِفاري. قال الواقديُّ: والأول أثبت أنه ناجية بن الأعجم. وقد ذكرناه في الحديبية. قال: وعقد رسولُ الله ﷺ يومَ فتح مكة لواءين، فحملَ أحدَهما ناجيةُ بن الأعجم، والآخَر بُريد بن الحُصَيب. قال: ومات ناجيةُ بن الأعجم في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان بالمدينة، وليس له عَقِب. قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" لناجية سائقِ بُدْنِ رسولِ الله ﷺ حديثًا، فقال: حدَّثنا وكيع وأبو معاوية قالا: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن ناجية الخُزاعي - وكان صاحبَ بُدْنِ رسول الله ﷺ قال: قلتُ: يا رسول الله، كيف أَصنَعُ

стр. 3159

بما عَطِبَ من البُدْن؟ قال: "انْحَرْهُ، واغْمِسْ نَعْلَه في دَمِه، واضْرِبْ به صَفْحتَه، وخَلِّ بين الناس وبينه فليأكلوه". قال الترمذي: هذا حديث صحيح (١). [السنة الخمسون وفيها] غزا بُسْرُ بنُ أبي أرطاة أرضَ الروم، وغزا فَضالةُ بنُ عُبيد الأنصاريُّ البحرَ (٢). وقال الواقدي والمدائني: وفيها وقعَ طاعون بالكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة إلى البادية، فلما ارتفع الطاعون عاد إلى الكوفة، فمات بها، فجمع معاويةُ لزياد بين الكوفة والبصرة (٣). وقال هشام: أوَّل مَنْ جمع الكوفةَ والبصرة معاويةُ لزياد، فسار زياد إلى الكوفة، واستخلف على البصرة سَمُرةَ بنَ جندب، فكان يُقيمُ زياد ستَةَ أشهر بالبصرة، وستَّة أشهر بالكوفة. وقال عمر بن شَبَّة (٤): لَمّا قَدِم زيادٌ الكوفةَ صعدَ المنبر، فحَمِد الله وأثنى عليه، فقال: إنَّ هذا الأمرَ أتاني وأنا بالبصرة، فأَردتُ أن آتِيَكم في ألفَين من شرطة البصرة، ثم ذكرتُ أنكم أهلُ حقّ، وأنَّ حقَّكم طالما دفع الباطلَ؛ فأَتيتكم في أهلِ بيتي وخاصّتي، فالحمد لله الذي رفع مني ما وضعه الناسُ، وحفظ مني ما ضَيَّعوا .. حتى فرغ من الخطبة، فَحُصِبَ على المنبر، فصبر حتى أمسكوا، ثم دعا قومًا من خاصّتِه، فأمرهم، فأخذوا الأبوابَ التي للمسجد، ثم قال: ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيدِ جليسِه. ثم نزل فجلس على كُرسيّ، وجعل يدعو بواحدٍ واحدٍ، فيحلّفه بالله تعالى، فإِن حلف (٥) أنَّه ما حصبه أطلقه، ومن لم يحلف حبسه، حتى أمسك ثلاثين، وقيل: ثمانين. فقطع أيديهم مكانَه. وقال المدائني: فقطع مئتي يَدٍ، وقيل: ثمانين.

стр. 3160

قال الشعبي: فواللهِ ما تعلَّقنا عليه بكذبة، وما وعدنا خيرًا ولا أَوعَدَنا شرًّا إلّا أنفذَهما. وقال عمر بن شَبَّةَ عن الشعبي (١): أولُ رجلٍ قتلَه زيادٌ بالكوفةِ أوفى بن حصن؟ بلغه عنه شيءٌ، فطلبه، فهرب، ثم عرض الناسَ، فمرَّ به فقال: من هذا؟ قالوا: أوفى، فقال زياد: أَتَتْكَ بحائنٍ رجلاه (٢). ثم قال له: ما رأيُك في عثمان؟ فأثنى عليه وقال: صِهْرُ رسولِ الله ﷺ على ابنتيه. قال: فمعاوية؟ قال: جَواد حليم، قال: فأنا؟ قال: بلغني أنك قُلْتَ مقالة بالبصرة: واللهِ لآخُذَنَّ البريءَ بالسقيم، والمُقْبِلَ بالمُدْبِر، قال زياد: قد قلتُ ذلك، فقال: خبطتَها عشواء (٣). فأمر بقَتْله. فقال عبد الله بن همام السَّلُولي هذه الأبيات: خَيَّب الله سَعْيَ أوفى بن حِصْنٍ … حين ألقى بروحه الهمَّاءَ (٤) قادَه الحَيْنُ والشقاءُ إلى لَيْـ … ـثِ عرينٍ وحبَّةٍ صمَّاءِ وقال علماء السير: قيل لزيادٍ حين قَدِمَ الكوفةَ: إنَّ شيعةَ أميرِ المؤمنين يجتمعون إلى عمرو بن الحَمِق. وقيل: إنَّ الذي قال له ذلك عُمارةُ بن عقبةَ بن أبي مُعَيط؛ قال له: إنَّ شيعةَ أبي تُراب يجتمعون إلى ابنِ الحَمِق، فقال عمرو بن حُريث لعُمارة: ما الذي دعاك إلى أمرٍ ما تدري ما عاقبتُه؟ فقال زياد: كلاكما لم يُصِبْ، أما أنتَ يا عُمارةُ فحيثُ خاطبتني بهذا [علانية]. وأما أنت يا عمرو فكيف رَدَدْتَ عليه كلامه؟ قوما إلى عمرو بن الحَمِق فقولا له: ما هذه الزُّرافات التي تجتمعُ عندك؟ مَنْ أرادكَ ففي المسجد (٥).

стр. 3161

ويقال: إنَّ الذي رفع على ابن الحَمِقَ يزيد بن رُوَيم، فقال عَمرو بن حُريث: ما كان قَطُّ على ما ينفعه (١) أَقْبَلَ منه اليومَ، فقال زياد: أما أنت يا يزيد بن رُوَيْم فقد أَشَطْتَ دَمَه، وأما ابن حُريث فقد حقن دَمَه، ولو علمتُ أن مخَّ ساقِه قد سال من بُغْضي ما هِجْتُه حتى يخرجَ عليَّ. ولَمّا حصبه أهلُ الكوفة اتَّخذ المقصورة بالجامع. وقال البلاذري عن سلمة بن كُهَيْل: أوَّل مَنْ وطئ صِماخَ الإسلام زياد (٢). وقال الواقدي (٣): وفي هذه السنة أراد معاويةُ أن يقلعَ منبرَ رسول الله ﷺ من المدينة، وينقلَه إلى الشام، فلما حرَّك المنبر رجفت الأرضُ، وكَسَفَت الشمس، وأظلمت الدنيا، وظهرتِ النجومُ، فأعظم الناسُ ذلك، فقال معاوية: لم أُرِدْ نَقْلَه، وإنَّما خِفْتُ أن يكون قد أَرِمَ (٤)، فأَرَدْتُ أن أُصلحه، ثم كساه القَباطيّ. وفي روايةِ الواقديّ قال: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه قال: قال معاوية: إني قد رأَيتُ أنَّ منبرَ رسولِ الله ﷺ وعصاه لا يُتركان بالمدينة، وأَهلُها قَتَلَةُ أميرِ المؤمنين عثمان وأعداؤه. فلما قَدِم المدينةَ طلب العصا، وهي عند سعد القَرَظ، فجاءه أبو هريرة وجابر بنُ عبد الله، فقالا: يا أمير المؤمنين، نُذكِّركَ اللهَ أن تَفْعَلَ هذا، فإنه لا يصلح أن يخرج منبر رسول الله ﷺ من موضعه الذي وضعه فيه ولا عصاه، فانقل المسجدَ أيضًا. فاعتذر إلى الناس مِمّا صنع، وزاد فيه ستَّ دَرَجات، فصار ثمانيًا. قال الواقدي (٥): فحدَّثني جماعةٌ من أهل المدينةِ بإسنادهم إلى قَبِيصة بن ذُؤيب قال: كان عبد الملك بن مروان قد همَّ بنَقْلِه، فقُلْتُ له: أُذكِّرك اللهَ أن تفعلَ هذا، فإِن معاويةَ أراد ذلك، فكَسَفَتٍ الشمسُ، وأظلمت الدنيا، وقد قال ﷺ : "من حَلَفَ عند مِنْبري آثِمًا فليتبوَّأ مقعده من النار" فتُخرجه من المدينة وهو مُقَطّع الحقوقِ بينهم! فأَقْصَرَ عبد الملك عن ذلك.

стр. 3162

فلما كان زمانُ الوليد بن عبد الملك، وحجَّ؛ همَّ بذلك، فأرسل سعيد بن المسيّب إلى عمر بن عبد العزيز، فقال له: كلِّم صاحبَك فليتَّقِ اللهَ ولا يتعرَّض لسخطِه. فكلَّمه عمرُ فأَقْصَرَ. فلما حجَّ سليمان بن عبد الملك أَخبره عمرُ بنُ عبد العزيز بما كان همَّ به الوليد وقولِ ابن المسيِّب، فقال سليمان: ما كنتُ أُحبُّ أن يُذكر هذا عن عبد الملك، ولا عَنِ الوليد، ما لَنا ولهذا؟ قد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا؟ نَعْمَدُ إلى عَلَمٍ من أعلامِ الإسلام؛ فنحمله إلينا! هذا ممّا لا يليقُ ولا يصلح. وقال الهيثم: وبقي المنبر على حاله حتى وصل الأمرُ إلى بني العباس، فردُّوه إلى ما كان عليه أولًا، فهو اليوم على ذلك. وفيها عزل معاويةُ معاويةَ بنَ حُدَيج عن مصر، وولَّاها مَسْلَمةَ بنَ مُخَلَّد (١) مع إفريقية. قال الواقدي: وكان معاويةُ بن أبي سفيان قد بعثَ قبل أن يولِّيَ مَسْلَمة بنَ مُخَلَّد مصرَ عقبةَ بن نافع الفِهْريَّ إلى إفريقية، فافتتحها، واختطَّ قَيروانَها، وكان موضعُه غَيضَةً لا تُرامُ من السِّباع والهوامّ والحيَّاتِ، فدعا عقبة بنُ نافع عليها، فلم يبق فيها شيءٌ إلّا وخرج منها هارِبًا حتى [إنّ] السِّباع كانت تحملُ أولادَها. قال الواقدي: فحدَّثني موسى بن عُليّ، عن أبيه قال: نادى عقبة بنُ نافع: إنَّا نازلون فاظْعَنُوا. قال: فلقد رأيتُ الهوامَّ يخرجن من أجْحرتهنَّ هواربَ، أو هرابًا (٢). قال الواقديّ: وحدثني المفضَّل بن فَضالة، عن زيد بن أبي حبيب، عن رجلٍ من جند مصر قال: قدمنا مع عقبة بن نافع، وهو أوَّل الناسِ اختطّ إفريقية (٣)، وأقطعَها مساكن، وبنى مسجدَها ودُورَها، وأقمنا معه حتى عُزِل، وكان خَيرَ والٍ، وخيرَ أمير (٤).

стр. 3163

[وفيها أغزى معاويةُ ابنَه يزيد القسطنطينية. قال البلاذري (١): وذلك في سنة خمسين، فتغافل عن الغزو، فبعث سفيانَ بنَ عوف، فأصاب الناسَ جوعٌ شديد، وبلغ يزيدَ وهو بدَير مُرَّان، وبلغ معاوية فقال: والله لنُلْحِقَنَّ يزيد بسفيان بن عوف بأرض الروم ليصيبَه ما أصاب الناس؛ ولو مات. فخرج يزيد في جند بعلبكّ حتى بلغ القسطنطينية. واختلفوا فيمن حجَّ بالناس؛ فقال الواقدي: معاوية. وقيل: ابنه يزيد (٢)، والأول أصحّ، لأن يزيد كان غازيًا في الروم، ومعاوية عزم في هذه السنة على نقل المنبر، وقد ذكرناه] (٣). ولما ولَّى معاوية مَسْلَمَةَ بن مُخَلَّد مصر وإفريقية، ولَّى مسلمةُ على إفريقية مولًى له يقال له: أبو المهاجر، وعزلَ عقبةَ بنَ نافع عنها، ولم يزل مَسْلَمة بنُ مُخَلَّد على ولايته وأبو المهاجر واليًا على إفريقية إلى أن مات معاويةُ بنُ أبي سفيان ﵀ (٤). وفيها توفّي جُبَير بن مُطْعِم ابن عديّ بن نوفل بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب، أبو محمد، وقيل: أبو عديّ، القُرشيُّ النَّوفليُّ. من الطبقة الثالثة من المهاجرين (٥)، أسلم قبل الفتح. وقيل: يوم (٦) الفتح.

стр. 3164

وأُمُّه أُمُّ جميل بنتُ شعبة، من بني عامر بن لؤي، وأُمُّها أُمُّ حبيب بنت العاص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. وكان أبوه المُطْعِمُ بنُ عديّ من أشراف قريش، وكان كافًّا عن النبيّ ﷺ . وهو الذي سعى في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش بينها وبين بني هاشم، وهو الذي دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى مكة لما عاد من الطائف في [جوارِه] (١). وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم بَدْرٍ: "لو كان المُطْعِمُ حيًّا لوهبتُ له هؤلاء النَّتْنَى" يعني أهل القَلِيب (٢). وكانت وفاة المطعم بمكَّة بعد الهجرة بسَنَةٍ قبل بَدْرٍ بأشهر، ودُفِنَ بالحَجُون وهو ابن بِضْعٍ وتسعين سنةً. وكُنْيَتُهُ أبو وَهب. وقد أشرنا إلى جميع ذلك. قال ابنُ عبد البرّ: وفيه يقول حسان بن ثابت لَمّا مات يرثيه، فقال: فلو كان مجدٌ يُخْلِدُ اليومَ واحدًا … من الناس أنجى مجدُه اليومَ مُطْعِما [أجَرْتَ] رسولَ الله منهم فأَصبحوا … عبيدَك ما لبَّى مُلَبٍّ وأَحْرَما (٣) وحكى أبو القاسم بن عساكر عن جُبير بن مُطْعِم قال (٤): لَمّا بُعِثَ رسولُ الله ﷺ وظهر أمرُه بمكة؛ خرجتُ إلى الشام، فلما كنتُ ببُصْرى جاءني جماعةٌ من النصارى فقالوا: أَمِن أَهلِ الحرم أنتَ؟ قلتُ: نعم. فأدخلوني دَيرًا لهم؛ فيه صُوَر، فقالوا: انظر إلى هذه الصُّوَر، هل تعرف فيها صورةَ هذا الذي قد ظهر فيكم؟ قال: فنظرتُ، فإذا بصورة رسول الله ﷺ وصورة أبي بكر الصديق وهو آخِذ بعَقِبِ رسولِ الله ﷺ ، فقلتُ: نعم هذه صورتُه وصورةُ صاحبِه. فقالوا: نشهد أنَّه صاحبكم، وهذا الخليفةُ من بَعْدِه. وذكره ابنُ عبد البَرِّ فقال: ذُكِرَ أن جُبير بن مطعم أسلم يوم حُنَين (٥)، وهو أوَّل من لبس الطيلسان في المدينة.

стр. 3165

وذكر الشيخ الموفَّقُ ﵀ في "الأنساب" (١) بني نوفل [فقال]: كان نوفل أخا هاشم لأبيه، وكان له من الولد عديٌّ، وعامر، وعمرو، وأبو عمرو، وأَمَة، وضعيفة. وكان عديٌّ أكبرَ ولده، وبه كان يُكَنَّى، وكان لعديّ من الولدِ المُطْعِم، وطُعيمة، والخِيارُ، والبذَّالُ، والصالح واسمه عُبَيد الله (٢)، والمبارك واسمه عبد الله. قال الموفق ﵀: وروى ابنه محمد بن جُبَير، عنه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ لأُكَلِّمَه في أُسارى بدرٍ، فوافَيتُه وهو يُصَلِّي بأصحابه العشاء، وصوتُه يخرج من المسجد وهو يقرأُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ٧، ٨]، فكأنَّما صُدع بها قلبي، فلما كلَّمته في أُسارى بدر قال: "لو كان الشيخُ أبوك حيًّا فأتانا شفَّعناه فيهم" (٣). وذكر .... (٤) عند رسول الله ﷺ . وذكر الواقدي القصة عن جُبَيْر بن مُطْعم قال (٥): قَدِمْتُ المدينةَ في فِداء أُسارى بدر، فدخلتُ المسجدَ، فقرأ رسول الله ﷺ في المغرب: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ السورة، فانصدعَ قلبي، وكان ذلك أوَّل ما دخل الإسلامُ قلبي. وفي رواية: فقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]. فكاد يطيرُ قلبي (٦). قلتُ: وقد أخرجاه في "الصحيحين" بمعناه فقال أحمد بإسناده عن سعد بن إبراهيم قال: سمعتُ بعض إخواني (٧) عن جبير بن مطعم أنَّه أتى رسولَ الله ﷺ في فداء المشركين، وما أسلم يومئذٍ، قال: فدخلتُ المسجدَ ورسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المغرب، فقرأَ بالطور، فكأَنَّما صُدِعَ قلبي حين سمعتُ القُرآنَ. متفق عليه (٨).

стр. 3166

وقال عكرمة عن ابن عباس قال: لما قَرُبَ رسولُ الله ﷺ من مكَّة عامَ الفتح قال: "إنَّ بمكَّةَ لَأربعةَ نَفَرٍ منْ قريشٍ أربأ بهم عن الشركِ، وأَرغبُ لهم في الإسلام: عتَّاب بن أُسَيد، وجُبَير بن مُطْعِم، وحكيم بن حِزام، وسُهيل بن عمرو" (١). وهذه الرواية تدل على أَنهم أَسلموا بعدَ الفتح. قال الواقدي: والكلُّ أسلموا وصحبوا رسولَ الله ﷺ . وقال الزُّبير بن بكَار: جُبير بن مُطْعِم من حكماء قريش وساداتهم، ويؤخذ عنه النسبُ، وهو إنَّما أخذه عن أبي بكرٍ الصدّيق، وكان أنسبَ العرب. قال: وكان عمر بن الخطاب يُعَظِّمُه، وولَّاه الكوفة، ثم عزله قبل أن يُقْتَلَ بيسير، وولاها المُغيرةَ بن شعبة، وبقي بها حتى قُتل عمر. وجُبير بن مُطْعم أحد الذين دفنُوا عثمان بن عفّان، وقد ذكرناه. وقال ابن إسحاق: كان جُبير من المؤلَّفة قلوبُهم؛ أعطاه رسول الله ﷺ يومَ حنين مئةً من الإبل. وقال الشعبي: وَفَد جبير بن مُطْعِم على معاوية في وَفْدِ أهلِ الكوفة، فشكَوْا إليه أحوالهم وقال له جُبَيرٌ: يا مُعاويةُ، لا تُلْهينَّك أرياف الشام عن جبال تِهامة، ولا يُنْسينَّكَ من استبدلت من أهل الشام عن شيُوخ مكَّةَ والمدينة، فإنَّ فيهم أترابَكَ وأسنانَ أَبيكَ. فرقَّ مُعاويةُ وقال: سَلوني لأنفسكم؟ مَنْ خلَّفْتُم؟ وسَمُّوا لي مَنْ خَلَّفْتم من العُجَّزِ صواحباتِ هند، وشيوخ مكّة أخلّاءِ أبي سفيان، فواللهِ إنَّ قلبي بفرقد الحجازِ وأباطح مكَّة لمتعلِّق. فلم يسألوه شيئًا إلّا أعطاهم. فلما قَدِموا مكَّةَ سألهم سعيد بن العاص عن حالهم، فأخبروه فقال: واللهِ ما رقَّ لشيخٍ منهم، ولا رَحِمَ يتيمًا، ولا نظر لفقراءِ قريش، ولقد قَصَّر فيما فعل. وبلغ معاويةَ فعاتبه.

стр. 3167

وحكى ابن سعد عن جُبير بن مطعم أنَّه مرَّ بماءٍ، فسألوه عن فريضة فقال: لا علمَ لي بها، ولكن أَرسِلوا معي حتى أسألَ لكم عنها، فأرسلوا معه، فأتى عمرَ بنَ الخطاب، فسأله، فقال عمر: من سرَّه أن يكون فقيهًا عالمًا فليفعل كما فعل جُبَير بن مُطْعِم؛ سُئل عما لا يعلم، فقال: الله أعلم (١). ذكر وفاته: قال الواقدي: مات في سنة خمسين (٢). وفي رواية عن الواقدي: سنة ثمان وخمسين. وذكر الموفَّق: في سنة سبع أو تسع وخمسين. والأصحّ سنة ثمان وخمسين (٣). ذكر أولاده: كان له محمد الأكبر، وأُمُّ حبيب، وأُمّ سعيد، وأمُّهم قُتيلة بنتُ عمر من بني تغلب. ونافع، وأبو سليمان، وسعيد الأصغر، وعبد الرحمن الأكبر، وأُمُّهم أُمُّ قتال بنتُ نافع؛ نوفلية. وسعيد الأكبر، وأُمُّه قَوالة بنتُ الحَكَم؛ سُلَميَّة. وعبد الرحمن الأصغر لأُمِّ وَلد. وأُمُّ جُبير وأُمُّها من ربيعة. ومحمد الأصغر (٤) وأُمُّه حُجير بنت الحكم أو حكيم. ورملة لأُمِّ ولد. وقال الموفق (٥): وكان محمد ونافع ابنا جُبَير ممن رُويَ عنهما الحديث، وكان أبو سليمان بن محمد بن جبير فقيهًا. وكذا ابنُه عثمان بن أبي سليمان.

стр. 3168

ذكر إخوة جُبَيْر: وهم سعيد الأكبر، وسعيد الأصغر، والوليد، بنو المُطْعِم بن عديّ، وأُمُّهم من بني عامر بن لؤي. وأما عمُّ جُبَير طعيمة بن عديّ؛ فإنَّ حمزةَ قتله يومَ بدر كافرًا. وقتل وحشيٌّ حمزة بطُعيمة وقد ذكرناه. أسند جُبير بن مطعم عن رسول الله ﷺ الحديث. فحكى جَدِّي في "التلقيح" أنه روى ستين حديثًا، وحَكَى عن ابن البَرْقيّ أنه قال: جاء عنه نحٌو من عشرين حديثًا (١). قلتُ: وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأن أحمد أخرج له في "المسند" ثلاثةً وعشرين حديثًا (٢)، منها في "الصحيحين" عشرة؛ اتفقا على ستَّة، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث. وقد ذكرنا بعض مسانيده. وليس في الصحابة من اسمه جُبير بن مُطعم غيره، فأما جُبير غير ابنِ مطعم فأربعة: أحدهم: جُبير بن الحُباب بن المنذر. والثاني: جُبير بن مالك بن القِشْب الأزدي، واسم أُمِّه بُحَينَة، فربَّما نُسِبَ إليها، فقيل: ابن بُحَينَة، وأخوه لأبيه وأمّه عبدُ الله بن بُحَينَة. والثالث: مختلف في اسمه، وعامَّتُهم على أنَّه جُبير بن إياس بن خالد الأنصاري. وقال ابن عمارة: إنَّما هو جُبير بن إلياس. وقال أبو نُعيم عن الحضرمي: إنَّما هو جُبير بن أَنس. والرابع: جُبير بن نوفل غير منسوبٍ (٣). وليس فيهم مَنْ له رِواية غير صاحب هذه الترجمة، وجبير بن نوفل الذي هو غير منسوب (٤).

стр. 3169

وفيها توفي جعفر بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطَّلب ابن عَمِّ رسول الله ﷺ . قد ذكرنا أنه قَدِم على رسولِ الله ﷺ مع أبيه عند غَزاة الفتح، فأسلما، وغزا مع رسول الله ﷺ مكة وحُنَينًا، وثبت مع أبيه يومئذ. وأُمُ جعفر جُمانةُ بنت أبي طالب، أخت علي بن أبي طالب. وفيها توفّيت جُويرية بنت الحارث ابن أبي ضِرار، أُمّ المؤمنين، وأبو ضرار هو ابنُ حبيب بن عائذ بن مالك بن جَذِيمة، وجَذِيمة هو المُصطلق. وقيل: ابن المصطلق، من خُزاعة، تزوَّجها مُسافع بنُ صفوان الخُزاعي. وقيل: كانت عند صفوان بن مالك، فقُتل عنها يومَ المُرَيسِيع كافرًا، وعمرُها يومئذ عشرون سنةً. وقد ذكرناها في غزاةِ المُرَيسيع في سنة خمسٍ من الهجرة، وأنها وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمَّاس. وحكى ابن سعد عن الواقدي (١) أنَّها كانت تحت ابن عمّ لها يقال له: صفوان بن مالك بن جَذِيمة، ويُقال له: ذو الشُّفْر، فقُتِلَ عنها، فكاتبها ثابت بن قيس بن شمَّاس على تسع أواق، وأنَّها دخلت على رسول الله ﷺ وقالت: أنا بنت سيِّد قومه، وقد وقعتُ فيما علمت، فأَعِنِّي على كتابتي. وأنَّه أدى عنها كِتابَتَها وتزوَّجها، وذلك في سنة ستّ أو خمس، عند مُنْصَرَفِه من المُرَيسيع، وقد ذكرناه هناك. وقال ابنُ سعد (٢): حدَّثنا محمد بن عمر بإسناده عن مجاهد قال: قالت جُويرية: يا رسولَ الله، إنَّ نساءكَ يَفْخَرْنَ عليَّ؛ يَقُلْنَ لي: لم يتزوَّجْكِ رسول الله ﷺ . فقال لها رسول الله ﷺ : "أَلم أُعْظِمْ صَداقَك؟ أَلم أُعتِقْ أربعين من قومك؟ ".

стр. 3170

وروى ابن سعد عن محمد بن عمر، عن عبد الله بن أبي الأبيض مولى جُويرية، عن أبيه قال: سَبَى رسولُ الله ﷺ بني المصطلق، فوقعت جُويريةُ في السَّبْي، فجاء أَبوها فافتداها، ثم أنكحها رسولَ الله ﷺ بَعْدُ. وقال ابن سعد بإسناده عن أبيَ قِلابة أنَّ رسولَ الله ﷺ سَبَى جُويريةَ بنت الحارث، فجاء أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن ابنتي لا يُسْبَى مِثْلُها، فإنها (١) أكرمُ من ذلك، فخلِّ سبيلَها. فقال: "أرأيتَ إن خَيَّرناها، أليس قد أحسنَّا؟ " قال: بلى، وأدَّيتَ ما عليكَ. قال: فأتاها أبوها وقال: إنَّ هذا الرجلَ قد خيركِ فلا تفضحينا، فقالت: إني اخترتُ رسولَ الله ﷺ . فقال: قد واللهِ فَضَحْتينا. وروى ابن سعد عن الواقديّ عن الزّهريّ (٢) أنَّ رسول الله ﷺ أعتق جُويريةَ ونكحها وجَعل صَداقَها عِتْقَ كلِّ مملوك من بني المصطلق، فكانت من مِلْكِ يمين رسول الله ﷺ . وروى ابن سعد عن الواقديّ عن الزُّهري قال: كانت جُويريةُ من أزواج رسول الله ﷺ ، وكان قد ضرَبَ عليها الحِجابَ، وكان يَقْسِمُ لها كما يَقْسِمُ لنسائه. وحكى ابن سعد أن رسول الله ﷺ أطعم جويرية بخيبر (٣) ثمانين وَسْقًا تمراً، وعشرين وَسْقًا شعيرًا. ويقال: قمح. واختلفوا فيما فَرَضَ لها عمرُ على قولين: أحدهما: ستَّةُ آَلاف درهم في كلِّ سنة، وقال: لا أجعلُ سبيَّةً كابنةِ الصدّيق (٤). والثاني: أنَّه ألحقَها بنساء رسول الله ﷺ ، عشرة آَلاف (٥) درهم وقال: قد ضربَ عليها رسول الله ﷺ الحجاب.

стр. 3171

واختلفوا في وفاتها، فحكى ابن سعد (١) عن الواقدي، عن محمد بن يزيد، عن جدَّته وكانت مولاةَ جُويريةَ [عن جُويرية]، قالت: تزوَّجني رسولُ الله ﷺ وأنا بنتُ عشرين سنة. قال: وتُوفّيت سنةَ خمسين وهي يومئذٍ بنت خمس وستين سنة، وصلى عليها مروانُ بن الحكم، ودُفنت بالبقيع. وقال البلاذري: ماتت سنةَ ستّ وخمسين (٢). وحكى جدّي في "التلقيح"، والموفَّق في "الأنساب" القولين (٣). وأسندت عن رسول الله ﷺ أحاديث؛ أخرج لها أحمد (٤) في "المسند" أربعة أحاديث منها ثلاثة أحاديث في الصحيح؛ للبخاري حديث، ولمسلم حديثان. قال أحمد بإسناده عن الزهري أن عُبيد بنَ السباق يزعمُ أن جويرية أخبرته أنَّ رسول الله ﷺ قال: "هل من طعام؟ " فقالت: لا والله [ما عندنا] طعام إلا عظم من شاة أعْطِيَتْهُ مولاتي من الصدقة. فقال: "قَرِّبِيه، فقد بلغت محلَّها". انفرد بإخراجه مسلم (٥). وليس في الصحابيات من اسمها جُوَيرية بنت الحارث سواها. فأمَّا جُويرية غير بنت الحارث؛ فاثنتان: إحداهما: جُويرية بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وأمُّها هند بنت عتبة، وقد ذكرناها في بنات أبي سفيان. والثانية: جُويرية بنت أبي جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي (٦)، وأُمُّها أروى بنت أبي العِيص بن أُمية بن عبد شمس. أسلمت وبايعت، وتزوَّجها عتّاب بن أسيد بن أبي العِيص بن أُمية، ثم تزوَّجها أبان بن سعيد بن العاص بن أُمية، فلم تلِد له شيئًا.

стр. 3172

قال ابن سعد (١): وجُويريةُ هي التي خطبها علي بنُ أبي طالب، فجاء بنو المغيرة إلى رسول الله ﷺ يستأمرونه في ذلك، فلم يَأذن لهم وقال: "إنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ مني يسوءني ما ساءها". قلت: وهذه جويرية هي التي قالت لَمّا أَذَّن بلالٌ يومَ الفتح على ظهر الكعبة وقال: أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله؛ قالت: قد لعمري رفع لك ذكرك، وواللهِ ما نُحِبُّ من قتلَ الأحبَّة (٢). ويقال: إن اسمها جميلة. وفيها توفي حسان بن ثابت ابن المنذر بن حَرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، شاعرُ رسول الله ﷺ ، وكنيتُه أبو الوليد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الحسام. وهو من الطبقة الثانية من الأنصار؛ قال ابن سعد: أحد بني حُدَيلة (٣)، وأُمُّه الفُريعةُ بنت خالد بن حُبَيش بن لوذان من الخزرج من بني ساعدة. قال: ويقال: بل أُمُّ حسّان الفُريعةُ بنت حُبيش بن لوذان، أُختُ خالد بن حُبيش، وعمرو بن حُبيش. قال: أسلم حسان قديمًا، ولم يشهد مع رسول الله ﷺ مشهدًا، وكان يُجَبَّن، وكانت له سنٌّ عالية. وقال هشام: وكان يَضرِبُ بلسانِه رَوْثةَ أَنْفِه من طوله، وكان قَدِم على عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغَسَّاني، وعلى جبلةَ بن الأيهم ومَدَحَهما. وقد ذكرنا في صدر الكتاب قُدومَه على ملوك الحِيرة.

стр. 3173

وقال أبو عمرو الشيباني: قَدِم حسَّان على عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغسّاني، فوجد النابغةَ عنده جالسًا عن يمينه، وعلقَمةَ عن يساره. قال: فوقفتُ، فقال لي عمرو: يا ابنَ الفُريعة، قد عرفتُ نسبك (١) [في] غسَّان، يعني أنهم يرجعون إلى اليمن، فارجع فإني باعثٌ إليك بصِلةٍ سَنيَّة، ولا تُنْشِدني شِعرًا؛ فإني أَخافُ عليك هذين السَّبعَينِ الضارِيينِ أن يفضحك، وفَضيحتُك فَضيحتي، وأنْتَ لا تُحسِنُ أن تقول: رِقاقُ النِّعالِ طَيِّبٌ حُجُزاتُهم … يُحَيَّوْنَ بالرَّيحانِ يومَ السَّباسبِ (٢) قال: فقلتُ: لا بُدَّ. فقال: ذاك إلى عَمَّيْكَ. قال: فقلتُ: أَسألكما بحقِّ المَلِكِ إلا قدَّمْتُماني عليكما. فقالا: قُلْ. فقلتُ وأنا وَجِل: أسألتَ رسمَ الدارِ أَمْ لم تَسْأَلِ … بين الجَوابي فالبُضَيعِ فَحَوْمَلِ إلى قولي: لله دَرُّ عصابةٍ نادَمْتُها (٣) … يومًا بجِلِّقَ في الزمانِ الأَوَّلِ الخالطين غنيّهم بفقيرهم … والمُنْعِمين على الفقيرِ (٤) المُرْمِلِ وبعض الأبيات في قصة جَبَلَة بن الأيهَم. قال: فما زال عمرو يَزْحَلُ من مَجْلِسِهِ سرورًا حتى شاطرَ البَيتَ وهو يقول لهم: هذه واللهِ البتَّارة التي بترت المدائح، هذا وأبيكَ الشعرُ، لا ما تُعَلِّلاني به منذ اليوم. وقال الأصمعيّ: ولما أنشد حسان: يَسْقُون من يَرِدُ (٥) البَرِيصَ عليهمُ … صهباءَ تُخْفَقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم … لا يسألون عن السوادِ المُقْبِلِ بِيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم … شُمُّ الأُنوفِ من الطِّرازِ الأَوَّلِ (٦)

стр. 3174

قام عمرو قائمًا وقال: يا غُلامُ ما أَلفَ دينار موجّهة (١). يعني في كل دينارٍ عشرةُ دنانير. فدفعها إليه وقال: لك عليَّ مثلُها في كل سنة. وذكر أبو الفرج الأصبهاني (٢) أن هذه الوقعةَ جرت لحسان مع جَبَلَةَ بن الأيهَم، وهو كان ملكَ غسّان في ذلك الوقت. والأوّل أصحُّ لما نذكر بعد هذا. ذِكْرُ غريبِها: قال الجوهري: البُضَيْع، بالضمّ مصغَّر: اسمُ موضع. قال: وهو في شِعر حسان بن ثابت. وأنشد بيت حسان: فالبُضَيع فَحَوْمَلِ (٣). وقوله: يَسْقُون مَنْ يَرِدُ (٤) البريصَ. والبَرِيص؛ بالصاد المهملة: اسمُ مكان بظاهر دمشق، ذكره ابن دريد في "الجمهرة" وقال: وليس بعربيّ صحيح، ولم تتكلَّم به العرب (٥). وقال ابن الجواليقي في "المعرَّب": قد تكلَّمت به العرب؛ قال: وأَحسِبُه رُوميَّ الأَصْلِ، وأنشد بيت حسَّان هذا، إلّا أنّه قال: يَسْقُون من ورد البَرِيص عليهمُ … بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ فجعله من الورْدِ (٦). قلت: وقد رُويَ: يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ … صَهْباءَ تُخفَقُ كالرَّحيقِ السَّلْسَلِ وبَرَدَى: اسم نهر دمشق. ولم يذكر البَرِيص في "الصحاح"، ولعله ذهب إلى أن العربَ لم تتكلَّم به.

стр. 3175

وحكى أبو حاتم الرازي عن الحُطيئة الشاعر أنَّه قال: أَبْلِغُوا بني قَيلَةَ أن شاعِرَهم أشْعَرُ العربِ حيث يقول: يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كلابُهم وحكى العُتْبِيُّ عن عبد الملك بن مروان أنه قال: أشعرُ بيتٍ قالت العربُ: يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم قال: صار لها أَنَسَةٌ بالضُّيوف. قلتُ: وهذه رواية أبي عمرو الشيباني أنَّ حسَّان قصد المنذر بن عمرو (١). وكذا ذكر أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" القصَّةَ وذكر فيها العجائب، وأسنَدَها إلى هشام بن الكلبي عن حسان قال (٢): خرجتُ أريد عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغَسَّاني، فلما كُنْتُ في بعض الطريق، وقفتُ على السِّعْلاةِ في الليلِ فقالت: أَينَ تُريدُ يا ابنَ الفُرَيعة؟ قلتُ: الملكَ عَمْرًا. فقالت: أتَعْرِفُني؟ قلتُ: لا. قالت: أنا السِّعلاةُ صاحبةُ النابغة، وأُختي المعلاة صاحبةُ عَلْقَمة بن عَبْدَة. وإني مُقْترحةٌ عليك بيتًا، فإنْ أَنْتَ أَجَزْتَه، شفعتُ لك عند أُختي، وإن لم تُجِزْهُ، قتلتُك. قلتُ: هاتِ، فقالت: إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغُلام … فما إِنْ يُقالُ له مَنْ هُوَهْ [قال: فتتبعتها من ساعتي فقلت]: ولي صاحبٌ من بني الشَّيْصَبان … فحينًا أقولُ وحينًا هُوَهْ فقالت: أَولى لك! نجوتَ، فاسمع مقالتي واحْفَظْها: عليكَ بمدارسةِ الشِّعر، فإنَّه أَشرفُ الآداب وأكرمُها، وبه يُتوصَّلُ إلى مجالسِ الملوك وتُخدم، وبتركه تتَّضع. ثم قالت: إنَّك إذا وَرَدْتَ على الملكِ وَجَدْتَ عنده النَّابغةَ، وسأصرفُ عنكَ مَعَرَّتَه، وعلقمةَ بن عَبْدَة، وسأُكلِّمُ المعلاة (٣) أُختي تردّ عَنْكَ سَوْرَتَهُ.

стр. 3176

قال حسان: فقدمتُ على عمرو بن الحارث، فاعتاص عليّ الوصولُ إليه، فقلتُ للحاجبِ بعد مُدَّة: إن أَنْتَ أَذِنْت لي عليه، وإلّا هجوتُ اليمنَ كلَّها، ثم انتقلتُ عنها. فاستَأْذَنَ لي عليه، فأَذِنَ، فدخلتُ، فإذا النابغةُ جالسٌ عن يمينه، وعلقمةُ جالسٌ عن يسارِه، فقال لي: يا ابنَ الفُرَيعة، قد عرفتُ مَوْضِعَك (١) ونَسبَكَ من غَسَّان، فارجع، فإني باعث إليك بِصِلَةٍ سَنِيَّة، وإني أخافُ عليك هذينِ السَّبُعَينِ الضارِيَينِ. وذكر بمعنى ما تقدَّم، فقالا: قل: فأَنشدتُ: أَسَأَلْتَ رسمَ الدارِ أم لم تَسْأَلِ القصيدة كلّها. وبعد: أسألتَ رسمَ الدار: فالمَرْجِ مَرْجِ الصُّفَّرَينِ فجاسمٍ … فديارِ بُثْنى (٢) دُرَّسًا (٣) لم تُحْلَلِ الأبيات ومنها بعد: يُصفَّقُ بالرحيقِ السَّلْسَل: يَسْقُونَ دِرْياقَ المُدامِ ولم تكُنْ … تَغْدُو ولائدُهم لِنَقْفِ الحَنْظَلِ يقول: شرابُهم في الأشربة بمنزلة الدِّرْياقِ في الدواء، وفيه ثلاث لغات: دِرْياق، وتِرْياق، وطرياق. ومعنى نَقْفِ الحَنْظلِ أَنَّهم ملوكٌ لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه غيرُهم من العرب. بيضُ الوجوه كريمةٌ أحسابُهم … شُمُّ الأُنوفِ من الطِّرازِ الأَوَّلِ الشَّمَمُ: الارتفاعُ،] يقول:] هم أصحابُ كِبْرٍ وتيه وحَميَّةٍ، ولم يُرِدْ به طول الأَنْف، وإنما هو مَثَلٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ [القلم: ١٦].

стр. 3177

ومعنى "من الطِّراز الأوَّل": أي: مثل آبائهم الأشراف المتقدِّمين الذين لا تُشْبِهُ خلائقُهم وأفعالهم هذه الأفعال المُحْدَثة. ومنها: أَوَما تَرَي (١) رأسي تغيَّرَ لونُهُ … شَمَطًا وأصبح كالثَّغامِ المُمْحَلِ (٢) بزُجاجةٍ رَقَصَت بما في جوفها … رَقْصَ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ وتَزورُ أبوابَ الملوكِ رِكابُنا … ومتى نُحَكَّمْ في العشيرةِ نَعْدِلِ الأبيات. ذكر هجائه المشركين: قال ابنُ سعد بإسناده عن الشعبي قال (٣): سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: قال رسولُ اللهِ ﷺ لحسان بن ثابت: "اُهْجُ المشركين، فإنَّ رُوحَ القُدُسِ سيُعينُك". وقال ابن سعد بإسناده عن البراء بن عازب قال (٤): قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: "اُهْجُ المشركين وجبريلُ معك". وفي رواية ابن سعد: "وإنَّ شِعْرَكَ أشدُّ عليهم من النَّبْل" (٥). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عروةَ، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ وضع لحسان مِنْبرًا في المسجدِ يُنافح عنه بالشِّعر، ثم يقول رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله لَيُؤيِّدُ حسَّانًا بروح القُدُسِ يُنافح عن رسول الله". أخرجه البخاري تعليقًا (٦)، وأخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة. بمعناه (٧).

стр. 3178

وحكى ابن سعد (١) وقال: كان ثلاثةٌ من الأنصار يُهاجون عن رسول الله ﷺ : حسَّان بن ثابت، وعبد الله بن رَواحة، وكعبُ بن مالك. فأما حسَّان فكان يذكُرُ عيوبَهم وأَيَّامَهم، وأمَّا ابنُ رَواحة فكان يُعيِّرُهُم بالكُفْرِ وتردُّدِهم فيه، وأمَّا كعبُ فكان يذكر الحربَ فيقول: قتلنا، ويتهدَّدُهُم. وحكى ابن سعد أيضًا بإسناده عن عوف، عن محمد قال (٢): هجا رسولَ الله ﷺ وأصحابَه ثلاثةٌ من كفَّار قريش: أبو سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص، وابن الزِّبَعْرى. فقال قائل لعليّ بن أبي طالب: اهجُ عنَّا القَوْمَ الذين هجونا، فقال علي: إن أَذِنَ لي رسول الله ﷺ فَعَلْتُ. فقال الرجل: يا رسول الله، ائذن لعليّ في هَجْوهم. فقال: "ليس عنده ذلك"، وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : "ليس عليٌّ هناك". ثم قال للأنصار: "ما يمنع القَوْمَ الذين نصروا رسولَ الله ﷺ بسلاحِهم وأنفسِهم أن ينصروه بألسنتِهم"؟ فقال حسان بن ثابت: أنا لها يا رسول الله، وأخذ بطرف لسانِه وقال: واللهِ ما يَسُرُّني به مِقْوَلٌ (٣) بين بُصْرى وصنعاء، فقال رسولُ الله ﷺ : "كيف تهجوهم وأنا منهم؟ ". قال: أَسُلُّكَ كما تُسَلُّ الشعرةُ من العجين. قال: فكان يهجوهم ثلاثةٌ من الأنصار: حسَّان، وكعبٌ، وابنُ رَواحة. وروى هشام عن أبيه: فأخرج حسان لِسانَه، فضرب به رَوْثَةَ أَنْفِهِ، كأنه لسانُ شجاعٍ (٤)، في طرفهِ شامة سوداءُ، ثم ضرب به ذَقْنَه فقال له رسولُ الله ﷺ : "اذهب إلى أبي بكر (٥)، فإنَّه أعلمُ قُريش بأنسابِها، فيُخَلِّص لك نَسبي" (٦). ثم قال حسان يُعرِّضُ بأبي سفيان بن الحارث فقال:

стр. 3179

وإنَّ سنامَ المجدِ من آلِ هاشمٍ … بنو بنتِ مخزومٍ ووالدُكَ العَبْدُ ومن وَلَدَتْ أبناءُ زُهرةَ منهمُ … كرامٌ (١) ولم يقربْ عجائزَكَ المَجْدُ ولستَ كعبَّاسٍ ولا كابنِ أُمِّهِ … ولكن لئيم (٢) لا يقومُ له زَنْدُ وأَنتَ هجينٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ … كما نِيطَ خَلْفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ وإن امرءًا كانت سُميَّةُ أُمَّه … وسمراءُ مغموز (٣) إذا بَلَغ الجَهْدُ من أبيات. وبلغَتْ أبا سفيان بن الحارث فقال: هذا كلامٌ لم يَغِبْ عنه ابنُ أبي قُحافة. فقال له رسول الله ﷺ : "شفيتَ واشتفيتَ". وقد ذكرناه. تفسير غريبها: قوله: وإنَّ سنامَ المجدِ من آل هاشمٍ .... بنو بنت مخزومٍ ..... أشار إلى عبد الله والدِ رسولِ الله ﷺ ، وأبي طالبٍ، وجميعِ عمَّاتِ رسول الله ﷺ ؛ أُمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن مخزوم، إلا صفيَّة. وقولُه: ووالدُك العَبْدُ، يُخاطبُ أبا سفيان بن الحارث. وقوله: ومن ولَدَتْ أبناءُ زُهْرة منهم كرامٌ … يعني حمزة وصفيَّة، وأُمُّهما هالةُ بنت وُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة. وقوله: ولست كعبَّاسٍ ولا كابنِ أُمّه … يعني بابن أُمّه شَقيقَه ضِرار بن عبد المطلب. ثم ذكر أُمَّ أبي سفيان وأُمَّ أبيه، ثم قال: وإنَّ امرءًا كانت سُميَّةُ أُمَّه .... ثم قال: وأنْتَ هجينٌ نِيطَ في آل هاشمٍ … فقال الجوهري (٤): رجل هَجِينٌ بَيّنُ الهُجْنَة. [والهُجْنَةُ] في الناسِ والخيل، وإنَّما تكون من قِبَلِ الأُمِّ. فإذا كان الأب عتيقًا والأمُّ ليست كذلك؛ كان الولدُ هجينًا.

стр. 3180

قال: والإقْرافُ من قِبَلِ الأبِ. ثم ذكر وقال: العَبْدُ والهَجِينُ والفَلَنْقَسُ قال أبو عُبيد: والفَلَنْقَسُ: الذي أبوه مولًى وأُمُّه عربية (١)، والهَجين: الذي أبوه عتيقٌ وأُمُّه مولاة، والمُقْرِف: الذي أبوه مولًى وأُمُّه ليست كذلك. وناطه ينوطه نَوْطًا، أي: علَّقَهُ. وقال ابن سعد (٢): حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمةَ بن قعنب الحارثي، عن إياس السُّلَمي، عن ابن بُريدة، أن جبريل أعانَ حسَّان بنَ ثابت على مِدْحتِه رسول الله صلى الله عليه بسبعين بيتًا. وروى ابن سعد أنَّ حسانَ بنَ ثابت قال لأبي هُريرة: أَنشدُكَ الله، هل سَمِعْتَ رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أيِّد حسَّانًا بروحِ القُدُسِ؟ ". قال: نعم. وقد ذكرنا أنَّه في الصحيح، وذكرنا أنَّ عمر بن الخطاب مرَّ بالمسجد وحسان يُنْشِدُ، فلحظه بعينه، فقال له حسان: قد كنتُ أُنشِدُ فيه، وفيه مَنْ هو خَيرٌ منك. فسكت عمر، والتفتَ حسَّانُ إلى أبي هريرة فقال له، وذكر الحديث. وسنذكره (٣). وقال أبو عُبيدة: فضَلَ حسَّانُ بثلاث: كان شاعرَ الأنصار في الجاهلية، وشاعرَ رسول الله ﷺ في الإسلامِ، وشاعِرَ اليمن كلِّها [في الإسلام] (٤). قال: وقيل له: كان شِعْرُك في الجاهلية أقوى من الإسلام فقد هَرِم شِعْرُكَ. فقال: ما هَرِمَ، وإنَّما الإسلامُ يمنعُ من الكذب، والشعر لا يُزَيِّنُهُ إلا الكذب. وقال أبو عبيدة: كان حسان جبانًا، وقيل: إنَّما حدثَ له الجُبْنُ لَمَّا ضَرَبه صفوان بنُ المعطِّلِ بالسيف، ولو كان جبانًا لَهُجيَ بالجُبْن.

стр. 3181

قلتُ: وليس كذلك؛ فإنَّ صفوانَ إنَّما ضَربه بالسيف في غزاة المُرَيسِيع، وذلك عند حديث الإفك، وحديثُ الإفك كان في سنة … (١) وقد فات حسانًا غَزاةُ بدرٍ وأُحدٍ والسرايا التي قبلَ الإفْك، فدلَّ على أنَّ الجُبْنَ كان فيه خِلْقَة. وكذا في غَزاة الخندق، فإنه كان مع النساء في بعض الآطام، وقد ذكرنا قصته مع صفية عمَّة النبي ﷺ وقتلها اليهوديّ. ذِكْرُ بعضِ ما مَدَحَ به رسولَ الله ﷺ : قال ابن سعد (٢): حدَّثنا مالك بن إسماعيل النَّهْديّ بإسناده عن عبد الملك بن عُمَير قال: جاء حسان إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أُسْمِعُكَ؟ فقال: "قُل حقًّا". وفي رواية: "ولا تَقُلْ إلا حقًّا"، فقال: شَهِدْتُ بإِذْنِ اللهِ أَنَّ محمدًا … رسولُ الذي فوق السماواتِ من عَلُ (٣) فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أَشهدُ". فقال حسان: وأنَّ الذي عادى اليهودُ ابنَ مريم … نبيٌّ أتى من عندِ ذي العَرْشِ مُرْسَلُ فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهد". فقال حسان: وأنَّ أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عملٌ في دينِه مُتَقَبَّلُ فقال: "وأنا [أشهد] ". فقال حسان: وأن أخا الأحقافِ (٤) إذْ يَعْذُلُونه … يُجاهدُ في ذاتِ الإله ويَعْدِلُ فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهد" فقال: وأنَّ التي بالجِزْعِ من بطن نَخْلَةٍ … ومن دانَها فِلٌّ عن الخيرِ مَعْزِلُ (٥)

стр. 3182

فقال: "وأنا أشهدُ". قلت: كذا وقعت هذه الرواية في هذه الأبيات بالخفض، وينمغي أن تكون مرفوعةً إلا البيت الأوَّل. ولعلَّه من الكاتب (١). وقد ذكرنا في حديث أن عائشةَ أَثنت على حسَّان، فقيل لها: اليس هو القائلَ كذا وكذا؟ فقالت: أليس هو القائلَ في مدحِ رسولِ الله ﷺ : هجوتَ محمدًا فأَجبتُ عنه … وعند اللهِ في ذاك الجزاءُ فإنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضي … لعِرْضِ محمدٍ منكم وقاءُ (٢) وأوَّلُ هذه الأبيات: عفت ذاتُ الأصابع فالجِواءُ … إلى عَذْراءَ منزلُها خَلاءُ وهي في "ديوان" حسان (٣)، وذكر فيها فتح مكة والحديبية، ومنها: فإمّا تُعْرِضوا عنَّا اعْتَمَرْنا … وكان الفتحُ وانكشف الغطاءُ ومنها: وإلَّا فاصبروا لجِلادِ يومٍ … يُعِزُّ اللهُ فيه مَنْ يشاءُ لساني صارِمٌ لا عَيبَ فيه … وبَحْري ما تُكَدِّرُه الدِّلاءُ ولما قال: هجوتَ محمدًا فأَجَبْتُ عنه … وعند الله في ذاك الجزاءُ قال رسول الله ﷺ : "يا حسَّانُ، جزاؤكَ عند الله الجنَّةُ". وقال مصعبٌ الزبيري: قال حسان أوَّلى هذه القصيدةِ في الجاهلية، وآخِرها في الإسلام. قلتُ: وحسَّان من شُعراء الحماسة، وهو القائل:

стр. 3183

أصُونُ عِرْضي بمالي لا أُدَنِّسُهُ … لا باركَ اللهُ بعد العِرْضِ في المالِ أحتالُ للمالِ إن أَوْدَي فأَجْمعه … ولستُ للعِرْضِ إن أوْدَى بمحتالِ (١) ذِكْرُ وفاتِه: واختلفوا فيها؛ فحكى ابنُ سعد عن الواقديِّ قال (٢): مات حسَّان بن ثابت في خلافةِ معاوية بن أبي سفيان، وهو ابن عشرين ومئة سنة. ولم يذكر السنة التي مات فيها. وقال ابن عبد البرِّ: مات حسان بن ثابت في سنة خمسين، وأدرك النابغة الذُّبيانيّ، وأعشى بني قيس، وحكاه ابن عساكر في "تاريخه" (٣). وقال خليفة بن خياط: مات سنة أربعين. وهو روايةٌ عن الواقدي. قال خليفة: وفيها مات معاذ بن عفراء، وكعب بن مالك، وأبو رافع، والأشعث بن قيس، وأبو مسعود الأنصاري (٤). قال ابن عبد البرّ (٥): مات حسان وحكيم بن حِزام في سنة أربع وخمسين، وكذا حُوَيطب بن عبد العُزّى، وعاش كلّ واحدٍ منهم عشرين ومئة سنة (٦). وقال أبو اليقظان: عاش حسان بن ثابت ستين سنةً في الجاهلية، وستينَ سنةً في الإسلام؛ قال: وهو مِمَّن وُلد وحكيم بن حِزام وحُوَيطب بن عبد العُزّى، وُلدَ عند ولادتهما، ومات عند موتِهما. واختلفوا في سنِّ حسان، والمشهور عشرون ومئة سنة.

стр. 3184

وقد مات لهذا السِّنِّ جماعة: موسى ﵇، وهارون، ويوسف الصِّدِّيق، وعديّ بن حاتم، والنابغة الجعدي، والحطيئة الشاعر، وأبو عمرو الشيباني واسمُه سعد (١) بن إياس، والمعرور بن سُويد، وعَبْدُ خير، في آخرين مثل أبي عبد الله المغربي، وأُستاذه علي بن رزين (٢). وقال المدائني: عاش حسان مئة وأربع لمشين، وعاش أبوه ثابت مئة وأربع سنين، وعاش المنذرُ جَدُّه كذلك، وعاش حَرامٌ جَدُّ أبيه مئةً وأربعَ سنين، ولا يُعرف أربعةٌ من صُلْبٍ واحد تساوَت أعمارُهم سواهم. وحكى جدِّي في كتاب "أعمار الأعيان" (٣) نحوًا من هذا وقال: وقد قيل إن حسانًا عاش مئةً وعشرين سنةً. أسند حسان الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له أحمد حديثين، أحدهما حديث إنشاد الشعر في المسجد، فقال أحمد: حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيّب قال: مرَّ عمر بحسَّان وهو ينشد في المسجد، وذكره (٤). والحديث الآخر: "لعن الله زوَّاراتِ القبور" (٥). وقال ابن منده: روى عن عُمر، وأبي هريرة، وعائشة، وروى عنه ابنه عبد الرحمن بن حسان، والبراء بن عازب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابنُ المسيّب في آخرين. وليس في الصحابة من اسمه حسان بن ثابت غيره. فأما غير ابن ثابت فاثنان: حسان بن شداد بن زُهير الطَهَويُّ، وحسان بن أبي جابر السُّلَمي. والجميع لهم صحبة ورواية (٦).

стр. 3185

ولم يخرّج أحمد في "المسند" عمن اسمه حسان إلا عن حسان بن ثابت الأنصاري صاحب هذه الترجمة. ذِكرُ أولاده: قال ابن سعد (١): فَولَدَ حسانُ عبدَ الرحمن، وأمُّه سِيرين القِبْطية أُختُ ماريةَ أُمّ إبراهيم ابنِ رسول الله ﷺ وكان شاعرًا أيضًا، وابنُه سعيد بن عبد الرحمن كان شاعرًا أيضًا. وذكر ابنُ سعد عبد الرحمن بن حسان في الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة وقال (٢): كُنيتُهُ أبو سعيد. وهو ابنُ خالة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلميم لأن أمَّه سِيرِين أُختُ مارية. قال: وقد روى عبد الرحمن بن حسان عن أبيه وغيرِه. قال: فولدَ عبدُ الرحمن بنُ حسان الوليدَ، وإسماعيلَ، وأُمَّ فِراس، وأُمّهم أمُّ شيبة بنت السائب بن يزيد بن عبد الله من كنْدَة، وسعيدَ بن عبد الرحمن، وكان شاعِرًا، وقد روى عنه، وأُمُّه أُمُّ ولد، وحسَّانَ بنَ عبد الرحمن، والفُرَيعَةَ. قال: وكان عبد الرحمن بن حسان قليلَ الحديث. وأُمَّ فِراس بنتَ حسان، وأُمُّها شعثاءُ بنت هلال بن عويمر بن حارثة من خُزاعة. وكان لحسان أخوان: أوس بنُ ثابت، أبو شدَّاد بن أوس، يُروى عنه الحديث (٣)، وأُبيُّ بنُ ثابت، ويُعرف بأبي شيخ، قُتِل ببئر مَعُونة (٤). وفيها تُوفي الحَكَم بن عَمرو الغِفاري ابن مُجَدَّع بن حِذْيَم بن الحارث بن نُعَيلَة بن مُلَيل بن ضَمْرة بن بكر. ونُعَيلَة أخو غِفار بن مُلَيْل.

стр. 3186

والحَكَمُ من الطبقة الثالثة من المهاجرين، قال ابن سعد (١): صحب رسولَ الله ﷺ حتى قُبِضَ، ثم تحوَّل إلى البصرة، فنزلَها، فولَّاه زيادُ ابنُ أبيه خُراسان، فتوجَّه إليها. وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن: إنّ زيادًا بعث الحَكَم بنَ عَمرو على خُراسان، ففتح الله عليهم، وأصابوا أموالًا عظيمةً، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين كتب إليَّ أن أصطفيَ الصفراءَ والبيضاء، فلا تَقْسِم بين الناس ذهبًا ولا فِضَّةً. فكتب إليه: إني وَجَدْتُ كتابَ اللهِ قد سَبَقَ كتابَ أمير المؤمنين (٢). ثم قال للناس: اُغْدُوا على فَيئكم فاقتسِموه. وحكى هشام عن أبيه أن زيادًا كتب إليه يتهدَّده وقال: والله لأقطعنَّ منك طرفًا، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير، فاقْبِضْني، فمات عقيب ذلك. وقال ابن سعد فيما حكاه: فلم يَزَلْ الحكم بن عمرو على خُراسان حتى مات بها في سنة خمسين. قال ابن سعد عن هشام بن محمد الكلبي (٣): فلما وليَ أسلم بن زُرعة الكلابي خُراسان؛ ذُكر له أن قومًا كانت تُدفَنُ أموالهم معهم، فبعث إلى تلك القبور فنبشها، فقال بَيهَسُ بن صُهَيب الجَرْمي: تَجنَّبْ لنا قَبْرَ الغِفاريِّ والْتَمِسْ … سوى قبره لا يَعْلُ مَفرَقَكَ الدَّمُ هو النابش القَبْرَ المحيلَ عظامُه … لينظر هل تحتَ السقائفِ دِرْهَمُ وحكى الطبريّ عن بعضِ أهل السِّيَر أن زيادَ ابنَ أبيه وجَّه الحكَمَ في سنة سبع وأربعين إلى خراسان، فغزا جبال الغَوْرِ وفراوندة (٤)، ففتحها عَنْوَةً، وأصابَ مغانمَ كثيرةً وسبايا.

стр. 3187

قال: وذكر من قال هذا القولَ أنْ الحكمَ قفل من غَزوتهِ هذه، فمات بمَرْو. قلتُ: والأصحُّ أنه مات في سنة خمسين؛ لأنه أقامَ بخُراسان سنتين وبعضَ الثالثة، فغزا غزواتٍ كثيرة. وقد نَصَّ ابن سعد على أنه مات سنة خمسين. وذكر المدائنيّ أن أوّل مَنْ شَرِبَ من جَيحون مولى للحَكَم بن عمرو، فاغترف بتُرْسِه، وشربَ منه، ثم ناوله الحكم، فشرب منه، ثم نزل، فصلّى ركعتين وراءَ النهر. أسند الحَكَمُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له أحمد في "المسند" أربعة أحاديث (١). قال أحمد بإسناده عن عبد الله بن الصامت قال (٢): أراد زياد أن يبعثَ على خُراسان عمرانَ بن الحُصَين، فأبى عليه، فقال له أصحابُه: أتَرَكْتَ خُراسان أن تكونَ عليها؟ فقال: إني -واللهِ- ما يسرُّني أن أُصلَى بحرِّها، ويُصْلَوْن ببَرْدِها، إني أخافُ إذا كُنْتُ في نَحْرِ العدوِّ أن يأتيَني كتابٌ من زياد، فإن أنا مَضَيتُ؛ هلكتُ، وإن رجعتُ، ضُرِبَتْ عُنُقي. قال: فأراد الحكمَ بنَ عمرو الغِفاريَّ عليها، فانقاد لأمرِه. فقال عمران: ألا أحدٌ يدعو إليَّ الحكَمَ؟ فانطلق الرسولُ، فأقبلَ الحَكَمُ عليه، فدخل عليه، فقال عِمران للحَكَم: أسمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا طاعة لأَحدٍ في معصيةِ الله تعالى؟ ". قال: نعم. قال عمران: لله الحمدُ، اللهُ أكبر (٣). وفي هذا حديثٌ مشترك بين الحكم وبين عمران بن الحُصَين. وفي الصحابة من اسمه الحكمُ رجُلان (٤): أحدُهما هذا، والثاني: الحكم بن عمرو بن الشريد، وكلاهما له صحبةٌ ورواية.

стр. 3188

وفيها تُوفّيت صفية بند حُيَيّ بن أَخْطَب ابن سَعْية (١) بن عامر بن عُبيد (٢) بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النَّضِير بن النحام بن يَنْحُوم، من بني إسرائيل، من سبط هارون بن عمران ﵇، إحدى أُمَّهات المؤمنين، وأُمُّها بَرَّةُ بنتُ سَمَوْأل أُخت رِفاعة بن سَمَوْأل. وكانت صفيةُ عند سلَّام بن مِشْكَم القُرَظيّ، وكان شاعرًا، ثم فارقها، فتزوَّجها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق النَّضري، فقُتِل عنها يوم خيبر، وسباها رسولُ الله ﷺ ، فطلبَها دِحيةُ منه، فأعطاه إياها، فقيل [له]: إنَّها سيِّدةُ بني النَّضِير، ولا تصلُحُ إلا لك، فأعطَى دِحْيَةَ جاريةً من السَّبْيِ غيرَها، واصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فأسلمت، فأعتَقَها، وجعلَ عِتْقَها صَداقَها، وحَجَبَها، وقَسَمَ لها، وصارت إحدى أُمهات المؤمنين (٣). وقد ذكرنا جميع ذلك في سنة سبع من الهجرة. وذكرها الموفَّق ﵀ فقال (٤): دخلَ عليها رسول الله ﷺ يومًا وهي تبكي، فقال: ما يُبْكيكِ؟ فقالت: إن عائشةَ وحفصةَ ونِساءَك يُعَيِّرْنَني ويَقُلْنَ: هي يهودية، فقال لها: "ألا قُلْتِ لهنَّ: أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد" (٥). وقد ذكرنا هذا. قال الموفَّق: وكانت عاقلةً حليمةً فاضلةً، ورُويَ أن جاريةً لها قالت لعمر بن الخطاب: إنَّ صفية تحبُّ السبتَ وتَصِلُ اليهودَ. فأرسل إليها عمرُ، فسألها عن ذلك فقالت: أما السبتُ؛ فإني ما أحببتُه منذ أَبْدَلَني الله به الجمعة، وأما اليهودُ فإنَّ لي فيهم أرحامًا. ثم قالت للجارية: ما حملكِ على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حُرَّةٌ لوجه الله تعالى.

стр. 3189

وقال الواقدي: أطعمَها رسولُ الله ﷺ بخيبر ثمانين وَسْقًا تمرًا وعشرين شعيرًا. ويقال: قمحًا. وقال ابن سعد (١) بإسناده عن زيد بن أسلم، أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي تُوفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حُييّ: أما واللهِ يا نبيَّ الله، لوَدِدْتُ أنَّ الذي بكَ بي. فغَمَزْنَها أزواجُه، وأبصرهُنَّ رسولُ الله ﷺ فقال: "مَضمِضْنَ" (٢). فقُلْنَ: من أيّ شيءٍ؟ قال: "من تغامزكُنَّ بصاحبتكُنَّ، واللهِ إنَّها لصادقة". وروى ابن سعد أنه لما حُصِرَ عثمان كانت تردُّ عنه، فمنعَها الأشْتَرُ، فوضعت خَشَبًا من منزلها إلى منزلِ عثمان، فكانت تنقلُ عليه الماءَ والطعام. واختلفوا في وفاتها. فذكر ابن سعد قولين: أحدهما: عن الواقدي أنَّها ماتت في خلافة معاوية بن أبي سفيان، من غير تاريخ. والثاني: حكاه الواقدي أيضًا بإسناده عن آمنة بنت أبي قيس الغِفاريَّة قالت: أنا أحدُ النساء اللاتي زَفَفْنَ صفيَّةَ إلى رسول الله ﷺ ، ولم تبلغ سبعَ عشرةَ سنةً يوم دخلَتْ عليه. قال: وتوفيت سنة اثنتين وخمسين، ودُفنت بالبقيع. وقال هشام: في سنة خمسين في رمضان. أسندت صفيةُ الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ أخرج لها أحمد في "المسند" أربعةَ أحاديث، منها حديثٌ متَّفَق على صحَّته (٣). قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق وعبد الأعلى، كلاهما عن مَعْمَر، عن الزهْريّ، عن علي بن الحُسَينِ، عن صفيَّة بنت حُيَيّ قالت: كان رسولُ الله ﷺ معتكفًا، فأتيتُه أزورُه ليلًا، فحدَّثْتُه، ثم قُمْتُ، فانقلبتُ، فقام معي يَقْلِبُني، وكان مسكنُها في دار أُسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبيَّ ﷺ أَسْرَعا، فقال لهما: "على رِسْلِكما، إنَّها

стр. 3190

صفيةُ بنت حُيَيّ". فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: "إن الشيطانَ يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، وإني خَشِيتُ أن يقذفَ في قلوبكما شرًّا" (١). أخرجاه في الصحيحين. وقد ذكرنا من اسمُها صفية في ترجمة صفية بنت عبد المطلب في سنة ثلاث وعشرين. وفيها توفي عبد الرحمن بن سَمُرَة ابن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. كذا نسبه الزبير بن بكَّار، وذكر في أجدادِه ربيعةَ (٢). وأسقط عامةُ أربابِ السِّيَر من نسبِه ربيعةَ، كابن معين، وابن سعد، والبخاريّ، وابن أبي حاتم، والحاكم أبي عبد الله، وابن مَنْدَه، وغيرهم، وقالوا: حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف (٣). وكنيته أبو سعيد القُرشيّ، وهو من الطبقة الرابعة ممَّن أسلم يوم الفتح، وهو الذي حضر صُلحَ الحسن مع معاوية. وذكره العلماءُ في تواريخهم. فقال ابن سعد (٤): كان اسمه عبد الكعبة، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الرحمن، وتحوَّل بعد وفاة رسول الله ﷺ إلى البصرة، فنزلَها. وقال ابن منده: كان اسمُه عبد كُلال، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبد الرحمن. واختلفوا في اسم أمّه؛ فقال ابن البَرْقيّ: اسمُها أرْوَى بنت أبي الفَرْعةِ بن كعب بن عمرو الكناني. قال الزبير بن بكَّار: واسمُ أبي الفَرْعة حارثة بن قيس، من بني فراس بن غنم.
следующие страницы →