← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

والحَكَمُ من الطبقة الثالثة من المهاجرين، قال ابن سعد (١): صحب رسولَ الله ﷺ حتى قُبِضَ، ثم تحوَّل إلى البصرة، فنزلَها، فولَّاه زيادُ ابنُ أبيه خُراسان، فتوجَّه إليها. وقال ابن سعد بإسناده عن الحسن: إنّ زيادًا بعث الحَكَم بنَ عَمرو على خُراسان، ففتح الله عليهم، وأصابوا أموالًا عظيمةً، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين كتب إليَّ أن أصطفيَ الصفراءَ والبيضاء، فلا تَقْسِم بين الناس ذهبًا ولا فِضَّةً. فكتب إليه: إني وَجَدْتُ كتابَ اللهِ قد سَبَقَ كتابَ أمير المؤمنين (٢). ثم قال للناس: اُغْدُوا على فَيئكم فاقتسِموه. وحكى هشام عن أبيه أن زيادًا كتب إليه يتهدَّده وقال: والله لأقطعنَّ منك طرفًا، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير، فاقْبِضْني، فمات عقيب ذلك. وقال ابن سعد فيما حكاه: فلم يَزَلْ الحكم بن عمرو على خُراسان حتى مات بها في سنة خمسين. قال ابن سعد عن هشام بن محمد الكلبي (٣): فلما وليَ أسلم بن زُرعة الكلابي خُراسان؛ ذُكر له أن قومًا كانت تُدفَنُ أموالهم معهم، فبعث إلى تلك القبور فنبشها، فقال بَيهَسُ بن صُهَيب الجَرْمي: تَجنَّبْ لنا قَبْرَ الغِفاريِّ والْتَمِسْ … سوى قبره لا يَعْلُ مَفرَقَكَ الدَّمُ هو النابش القَبْرَ المحيلَ عظامُه … لينظر هل تحتَ السقائفِ دِرْهَمُ وحكى الطبريّ عن بعضِ أهل السِّيَر أن زيادَ ابنَ أبيه وجَّه الحكَمَ في سنة سبع وأربعين إلى خراسان، فغزا جبال الغَوْرِ وفراوندة (٤)، ففتحها عَنْوَةً، وأصابَ مغانمَ كثيرةً وسبايا.

стр. 3187

قال: وذكر من قال هذا القولَ أنْ الحكمَ قفل من غَزوتهِ هذه، فمات بمَرْو. قلتُ: والأصحُّ أنه مات في سنة خمسين؛ لأنه أقامَ بخُراسان سنتين وبعضَ الثالثة، فغزا غزواتٍ كثيرة. وقد نَصَّ ابن سعد على أنه مات سنة خمسين. وذكر المدائنيّ أن أوّل مَنْ شَرِبَ من جَيحون مولى للحَكَم بن عمرو، فاغترف بتُرْسِه، وشربَ منه، ثم ناوله الحكم، فشرب منه، ثم نزل، فصلّى ركعتين وراءَ النهر. أسند الحَكَمُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وأخرج له أحمد في "المسند" أربعة أحاديث (١). قال أحمد بإسناده عن عبد الله بن الصامت قال (٢): أراد زياد أن يبعثَ على خُراسان عمرانَ بن الحُصَين، فأبى عليه، فقال له أصحابُه: أتَرَكْتَ خُراسان أن تكونَ عليها؟ فقال: إني -واللهِ- ما يسرُّني أن أُصلَى بحرِّها، ويُصْلَوْن ببَرْدِها، إني أخافُ إذا كُنْتُ في نَحْرِ العدوِّ أن يأتيَني كتابٌ من زياد، فإن أنا مَضَيتُ؛ هلكتُ، وإن رجعتُ، ضُرِبَتْ عُنُقي. قال: فأراد الحكمَ بنَ عمرو الغِفاريَّ عليها، فانقاد لأمرِه. فقال عمران: ألا أحدٌ يدعو إليَّ الحكَمَ؟ فانطلق الرسولُ، فأقبلَ الحَكَمُ عليه، فدخل عليه، فقال عِمران للحَكَم: أسمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا طاعة لأَحدٍ في معصيةِ الله تعالى؟ ". قال: نعم. قال عمران: لله الحمدُ، اللهُ أكبر (٣). وفي هذا حديثٌ مشترك بين الحكم وبين عمران بن الحُصَين. وفي الصحابة من اسمه الحكمُ رجُلان (٤): أحدُهما هذا، والثاني: الحكم بن عمرو بن الشريد، وكلاهما له صحبةٌ ورواية.

стр. 3188

وفيها تُوفّيت صفية بند حُيَيّ بن أَخْطَب ابن سَعْية (١) بن عامر بن عُبيد (٢) بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النَّضِير بن النحام بن يَنْحُوم، من بني إسرائيل، من سبط هارون بن عمران ﵇، إحدى أُمَّهات المؤمنين، وأُمُّها بَرَّةُ بنتُ سَمَوْأل أُخت رِفاعة بن سَمَوْأل. وكانت صفيةُ عند سلَّام بن مِشْكَم القُرَظيّ، وكان شاعرًا، ثم فارقها، فتزوَّجها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق النَّضري، فقُتِل عنها يوم خيبر، وسباها رسولُ الله ﷺ ، فطلبَها دِحيةُ منه، فأعطاه إياها، فقيل [له]: إنَّها سيِّدةُ بني النَّضِير، ولا تصلُحُ إلا لك، فأعطَى دِحْيَةَ جاريةً من السَّبْيِ غيرَها، واصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فأسلمت، فأعتَقَها، وجعلَ عِتْقَها صَداقَها، وحَجَبَها، وقَسَمَ لها، وصارت إحدى أُمهات المؤمنين (٣). وقد ذكرنا جميع ذلك في سنة سبع من الهجرة. وذكرها الموفَّق ﵀ فقال (٤): دخلَ عليها رسول الله ﷺ يومًا وهي تبكي، فقال: ما يُبْكيكِ؟ فقالت: إن عائشةَ وحفصةَ ونِساءَك يُعَيِّرْنَني ويَقُلْنَ: هي يهودية، فقال لها: "ألا قُلْتِ لهنَّ: أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد" (٥). وقد ذكرنا هذا. قال الموفَّق: وكانت عاقلةً حليمةً فاضلةً، ورُويَ أن جاريةً لها قالت لعمر بن الخطاب: إنَّ صفية تحبُّ السبتَ وتَصِلُ اليهودَ. فأرسل إليها عمرُ، فسألها عن ذلك فقالت: أما السبتُ؛ فإني ما أحببتُه منذ أَبْدَلَني الله به الجمعة، وأما اليهودُ فإنَّ لي فيهم أرحامًا. ثم قالت للجارية: ما حملكِ على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حُرَّةٌ لوجه الله تعالى.

стр. 3189

وقال الواقدي: أطعمَها رسولُ الله ﷺ بخيبر ثمانين وَسْقًا تمرًا وعشرين شعيرًا. ويقال: قمحًا. وقال ابن سعد (١) بإسناده عن زيد بن أسلم، أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي تُوفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حُييّ: أما واللهِ يا نبيَّ الله، لوَدِدْتُ أنَّ الذي بكَ بي. فغَمَزْنَها أزواجُه، وأبصرهُنَّ رسولُ الله ﷺ فقال: "مَضمِضْنَ" (٢). فقُلْنَ: من أيّ شيءٍ؟ قال: "من تغامزكُنَّ بصاحبتكُنَّ، واللهِ إنَّها لصادقة". وروى ابن سعد أنه لما حُصِرَ عثمان كانت تردُّ عنه، فمنعَها الأشْتَرُ، فوضعت خَشَبًا من منزلها إلى منزلِ عثمان، فكانت تنقلُ عليه الماءَ والطعام. واختلفوا في وفاتها. فذكر ابن سعد قولين: أحدهما: عن الواقدي أنَّها ماتت في خلافة معاوية بن أبي سفيان، من غير تاريخ. والثاني: حكاه الواقدي أيضًا بإسناده عن آمنة بنت أبي قيس الغِفاريَّة قالت: أنا أحدُ النساء اللاتي زَفَفْنَ صفيَّةَ إلى رسول الله ﷺ ، ولم تبلغ سبعَ عشرةَ سنةً يوم دخلَتْ عليه. قال: وتوفيت سنة اثنتين وخمسين، ودُفنت بالبقيع. وقال هشام: في سنة خمسين في رمضان. أسندت صفيةُ الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ أخرج لها أحمد في "المسند" أربعةَ أحاديث، منها حديثٌ متَّفَق على صحَّته (٣). قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق وعبد الأعلى، كلاهما عن مَعْمَر، عن الزهْريّ، عن علي بن الحُسَينِ، عن صفيَّة بنت حُيَيّ قالت: كان رسولُ الله ﷺ معتكفًا، فأتيتُه أزورُه ليلًا، فحدَّثْتُه، ثم قُمْتُ، فانقلبتُ، فقام معي يَقْلِبُني، وكان مسكنُها في دار أُسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبيَّ ﷺ أَسْرَعا، فقال لهما: "على رِسْلِكما، إنَّها

стр. 3190

صفيةُ بنت حُيَيّ". فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: "إن الشيطانَ يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، وإني خَشِيتُ أن يقذفَ في قلوبكما شرًّا" (١). أخرجاه في الصحيحين. وقد ذكرنا من اسمُها صفية في ترجمة صفية بنت عبد المطلب في سنة ثلاث وعشرين. وفيها توفي عبد الرحمن بن سَمُرَة ابن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. كذا نسبه الزبير بن بكَّار، وذكر في أجدادِه ربيعةَ (٢). وأسقط عامةُ أربابِ السِّيَر من نسبِه ربيعةَ، كابن معين، وابن سعد، والبخاريّ، وابن أبي حاتم، والحاكم أبي عبد الله، وابن مَنْدَه، وغيرهم، وقالوا: حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف (٣). وكنيته أبو سعيد القُرشيّ، وهو من الطبقة الرابعة ممَّن أسلم يوم الفتح، وهو الذي حضر صُلحَ الحسن مع معاوية. وذكره العلماءُ في تواريخهم. فقال ابن سعد (٤): كان اسمه عبد الكعبة، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الرحمن، وتحوَّل بعد وفاة رسول الله ﷺ إلى البصرة، فنزلَها. وقال ابن منده: كان اسمُه عبد كُلال، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبد الرحمن. واختلفوا في اسم أمّه؛ فقال ابن البَرْقيّ: اسمُها أرْوَى بنت أبي الفَرْعةِ بن كعب بن عمرو الكناني. قال الزبير بن بكَّار: واسمُ أبي الفَرْعة حارثة بن قيس، من بني فراس بن غنم.

стр. 3191

قال الخطيبُ: ويُقال: ابن أبي الفارِعة (١). وقيل: اسم أُمُّه زينبُ، والأوَّلُ أشهر. وقال الهيثم: شهدَ غَزاةَ مؤتة، وبعثه (٢) خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ بخبرِ مُوْتة (٣). وذكره خليفةُ فقال (٤): وفي سنة ست وثلاثين (٥) وجَّه عبدُ الله بنُ عامر عبدَ الرحمن بن سَمُرة إلى سجستان، فصالحه صاحبُ الرُّخَّج (٦)، فأقام بها حتى اضطرب أمرُ عثمان بن عفّان. قال (٧): وفي سنة اثنتين وأربعين وجَّه ابنُ عامر عبدَ الرحمن إلى سجستان ومعه في تلك الغزاة الحسنُ البصري، والمهلَّبُ بن أبي صُفْرَةَ، وقَطَريُّ بن الفُجاءة، فافتتح زَرَنْجَ وكورًا من سجستان. قال (٨): وفي سنة ثلاثٍ وأربعين فتح الرُّخَّج وزابلستان من بلاد سجستان. قال: وفي سنة ستّ وأربعين عزلَه مُعاوية عن خُراسان، وولاها الربيع بنَ زياد. وقال هشام: افتتح فتوحات كثيرة من خراسان، منها زالِق وغيره، وبعثه معاويةُ مع عبد الله بن عامر في صُلْحِ الحسن، فأعطياه ما أراد. وقال ابن سعد (٩): وجَّه ابنُ عامر عبدَ الرحمن إلى سِجِسْتان، فافتتحها صُلْحًا على أن لا يُقْتَلَ بها ابنُ عِرْسٍ ولا قنفذٌ، وذلك لمكانِ الأفاعي بها لأنها تأكُلُها (١٠). ثم مضى إلى أرضِ الداوَر، فافتتحها.

стр. 3192

واختلفوا في وفاته، فقال ابن سعد (١): مات في سنة خمسين؛ لما افتتح خُراسان رجع إلى البصرة، فمات بها. وقال خليفة: سنة إحدى وخمسين بالبصرة (٢)، وصلى عليه زياد، ومشى في جنازته. وروى عبد الرحمن عن معاذ بن جبل، وغيره، وروى عنه ابنُ عباس، وابنُ المسيِّب، وابن سِيرين، والحسن البصري في آخرين. ذِكرُ أولاده: كان له عبيد الله - غلب على البصرة أيام [ابن] الأشعث - وعبد الله، وعثمان، ومحمد، وعبد الملك، وشُعيب، وأُمّهم هند بنت أبي العاص بن نوفل بن عبد شمس بن عبد مناف (٣). أسند عبد الرحمن الحديث عن النبي ﷺ وأخرج له أحمد في "المسند" ستَّة أحاديث، منها حديث متفق عليه، وحديثان لمسلم (٤). وليس في الصحابة من اسمه عبد الرحمن بن سمُرة غيره. وقال أحمد بإسناده عن جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن قال: حدثني عبد الرحمن بن سمُرة قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا عبدَ الرحمن، لا تسأَلِ الإمارةَ، فإنكَ إن أُعطيتَها (٥) عن مسألة [وُكِلْتَ إليها، وإنْ أوتيتَها (٦) عن غير مسألة] أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمين، فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فكفّرْ عن يمينك، وائْتِ الذي هو خيرٌ". أخرجاه في الصحيحين (٧).

стр. 3193

قلت: وقد احتجَّ مالك والشافعيّ وأحمد بهذا الحديث على جواز تقديم الكفَّارة على الحِنث، وعند أبي حنيفة لا يجوز؛ لأنَّه كفَّر قبل وجودِ سببه، فلا يجوز، كما لو كفَّر قبل الجُرح. وأما الحديث فتكلَّم عليه جدِّي في كتاب "التحقيق" (١) وقال: إنما يصلُح الاحتجاجُ هذا لو كانت الواو للترتيب. قال: وقد رواه جماعة، فقدَّموا الحِنْثَ على الكفَّارة؛ فأخرج أحمد في "المسند" (٢) عن عديّ بن حاتم قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًا منها؛ فلْيأتِ الذي هو خير، وليُكَفِّرْ عن يمينه". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وغيرِه. وأخرج أيضًا أحمد في "المسند" عن هُشيم (٣) بإسناده عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال لي النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سَمُرة، إذا آليتَ على يمين، فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فائْتِ الذي هو خيرٌ، وكَفِّرْ عن يمينك". قال جدِّي: وهذا اختياري. بمعنى مذهب أبي حنيفة. قلت: فقد كفانا جَدِّي مُؤْنةَ الجواب عن الحديث؛ الفِقْهُ مع أبي حنيفة لِما ذكرنا أنه كفَّر قبل السبب، ووجوث الكفارة إنَّما يتعلَّقُ بالحِنْث، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي قراءة ابن مسعود: "إذا حلفتُم وحَنِثْتُم"، ولئن لم تُثْبتوه قُرآنًا، فلا أقلَّ من أن يكونَ حديثًا مشهورًا، ومتى وقع التعارضُ بين الأخبار ترجَّح مذهبُ أبي حنيفة بما ذكرنا، وقد ذكرنا تمامه في "الخلافيات".

стр. 3194

وفيها توفي عبد العزيز بن زُرارة ابن جَزْء بن عمرو بن عوف الكلابي (١). قال الزُّبير بن بكَّار: كان له مالٌ عظيمٌ، فخرج عنه كلِّه، وجعله في سبيلِ الله. وقال العُتْبيُّ: وَفَدَ عبدُ العزيز وأبوه زُرارةُ على معاوية: فأقاما مُدَّةً لا يَصِلانِ إليه، ثمَّ أُذِنَ لعبد العزيز دون أبيه، فقال: واللهِ لا أدخلُ حتى يتقدَّمَني أبي. وبلغ مُعاويةَ فجلَّ في عَينِه، وأَذِنَ لهما، فلما دخلا عليه سلَّما، وقال له عبد العزيز: ما زِلْنا نقطع الفيافي إليك، يدلُّنا عليكَ فَضْلُك، ثم نحنُ على بابك منذ سنة، نستعينُ على الجفاء بالصبر، وقد رأينا أقوامًا أدناهم منك الحظُّ، وآخرين أَبْعَدَهم عنك الحِرْمان، فلا ينبغي للمُقرَّبِ أن يأمنَ، ولا للمُبْعَد أن يَيأَس. وإنَّ أوَّلَ المعرفةِ الاختبار، فابْل أو اخْتَبِرْ. فعجب معاويةُ من كلامه، وقال لابنه يزيد: ضع يدَكَ في يَدِهِ وآخِهِ. ففعل، ثمَّ ولَّاه مصرَ بعد ذلك. وفي ذلك يقول عبد العزيز: دخلتُ على معاويةَ بنِ حَرْبٍ … وذلك إذ أَيِسْتُ من الدُّخولِ وما نِلْتُ الدخولَ إليه حتَّى … حَلَلْتُ مَحَلَّةَ الرجلِ الذَّليلِ وأَغضيتُ الجفونَ على قَذاها … وصنتُ النفسَ عن قالٍ وقيلِ وإني إن عجلتُ سَفِهْت رأيي … ألا إن العِثارَ مع العَجُولِ وفي روايةٍ: فأدركتُ الذي أمَّلْتُ منه … بمُكْثٍ، الخَطا زادُ العَجولِ وقال الزُّبير: خرج [عبد العزيز] غازيًا في سنة خمسين مع يزيد بن معاوية [إلى] الرومِ نحو القسطنطينية، فجعل يتعرَّضُ للشهادة، فلما التحمت الحرب؛ حمل فانغمس في القوم وهو يقول:

стр. 3195

قد عِشتُ في الدهرِ أطوارًا على طُرُقٍ … شتَّى فصادفْتُ منها اللينَ والبَشِعا كُلًّا يكون (١) فلا النَّعْماءُ (٢) تُبْطِرُني … ولا تَخَشَّعْتُ من لأوائه جَزَعًا لا يملأُ الأمرُ (٣) صدري قبل موقعِه … ولا أَضيقُ به ذرعًا إذا وَقَعا ثم قاتل حتى قُتِلَ. وكان أبوه زرارةُ عند معاوية، وبلغ الخبرُ معاويةَ، فقال لزُرارة: ماتَ فتى العرب! فقال: ابنك أم ابني؟ فقال: ابنك. فاستَرْجَعَ. وأمر معاويةُ مناديَه فنادى: ألا إنَّ فتى العربِ قد ماتَ فعزُّوني فيه. والبَشِعُ بكسر الشين: الكريه المطعم، والجَشِع: الكثير الحِرْص (٤). وفيها تُوفي عِتْبانُ بن مالك ابن عمرو بن العَجْلان بن زيد بن غَنْم بن عوف [من الطبقة الأولى من الأنصار من بني سالم بن عوف] من القواقلة، وهم بنو غَنْم وبنو سالم ابني عوف بن عمرو بن عوف من الخَزْرج، وأُمُّ عِتْبان بن مالك من مُزَينةَ. وحكى ابن سعد (٥) عن الواقديّ، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عَوْن قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين عِتْبان بن مالك وبين عمر بن الخطاب (٦)، وشهد عِتْبانُ بدرًا وأُحدًا والخندقَ. وذهب بصره على عهدِ رسولِ الله ﷺ بعد الخندق، فسأل رسولَ اللهِ ﷺ أن يأتيه فيُصَلّي في مكانٍ من بيتِه ليتَّخذه مُصلَّاه، ففعل رسول الله ﷺ ذلك (٧).

стр. 3196

وقال ابن سعد (١): حدثنا سفيان بن عُيَينة بإسناده عن محمود إن شاء الله أنَّ عِتْبانَ بن مالك الأنصاريَّ كان محجوبَ البَصَر، وأنَّه ذكر لرسول الله ﷺ التخلُّف عن الصلاة، فقال له: "هل تسمعُ النداء؟ " قال: نعم. فلم يُرَخِّص له. وفي رواية ابن سعد عن الواقدي: عن مَعْمَر ومالك، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عِتْبان بن مالك قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّها تكونُ الليلةُ المظلمةُ، والمطرُ والريحُ، فلو أَتَيتَ منزلي فصَلَّيتَ فيه، قال: فجاءني رسولُ الله ﷺ ، فقال: "أين تُحِبُّ أن أُصلِّيَ؟ " فأَشرتُ إلى ناحيةٍ من البيتِ، فصلَّى وصلينا [خلفه] رَكْعَتَين. قال الواقدي: فذلك البيتُ الذي [صلى فيه رسول الله ﷺ ] يُصلي فيه الناسُ بالمدينة إلى اليوم. قال: ومات عتبان في وسط خلافة معاوية بن أبي سفيان. وقال ابن سعد (٢): كان لعِتْبان من الولدِ عبدُ الرحمن، وأمُّه ليلى بنت رِئاب بن حُنيف من الخزرج، وليس له عَقِبٌ، درجوا فلم يَبْقَ منهم أحد. وليس في الصحابة من اسمه عِتْبان غيره. وله صحبة، وليس له رواية (٣). وفيها توفي عقيل بن أبي طالب أخو عليّ ﵇ لأبيه وأُمِّه. وأُمُّه فاطمة بنت أَسد، وكان أَسنَّ أولادِ أبي طالب بعد طالب. وكان طالبٌ أَسنَّ من عقيلٍ بعشرِ سنين [وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسنَّ من عليّ بعشرِ سنين، وكان طالبٌ أكبرَهم، وعليٌّ أصغَرَهم (٤)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.

стр. 3197

وعَقيلٌ من الطبقة الثانية من المهاجرين، واختلفوا في وقت إسلامه، فقال ابن عبد البَرّ (١): قَدِم المدينة قبلَ الحُدَيبِيَةِ مهاجرًا. وقال هشام: أسلم في سنة ثمانٍ من الهجرة. وقال الواقدي: شهد مع أخيه جعفر غزاة مؤتة، وأصاب في ذلك اليوم خاتمًا من ذَهَب عليه تماثيل من ذهب، فجاء به إلى رسول الله ﷺ فنفله إياه. وقد ذكره ابنُ سعد فقال (٢): أُسِرَ يومَ بدر، ففداه العباسُ، ولم يكن له مال. وكان قد أُخرجَ من مكَّة مكرهًا (٣)، وفدى معه نوفلًا، وقد ذكرنا ذلك. قال ابن سعد: ثم رجع عقيلٌ إلى مكَّة، فلم يزلْ بها [حتى خرج إلى رسول الله ﷺ ] مهاجرًا أوَّل سنة ثمان وشهد غَزاة [مؤتة]، ثم رجع، فعرض له مَرَضٌ، فلم يُسْمَعْ له بذِكْرٍ في فَتْح مكة، ولا الطائف، ولا في حُنَين. وأطعمه رسول الله ﷺ بخيبر مئةً وأربعين وَسْقًا كلَّ سنة. وذكر حديث الخاتَمِ الذي لقيَه يومَ مؤتة، وأنَّ رسولَ الله ﷺ نَفَّله إيّاه، وهذا قولُ ابن سعد (٤). وقال الزُّبير بن بكَّار: شهد مع رسولِ الله ﷺ يومَ حُنَين وثبتَ معه. وكذا قال المُفَضّل بن عِتبان، وعدَّه مع العبّاس ممَّن سمَّينا في غزاةِ حُنَيْن (٥). وكان رسولُ الله ﷺ يحبُّه؛ قال ابن سعد (٦): حدثنا الفَضْلُ بنُ دُكَين بإسناده عن أبي إسحاق أن النبي ﷺ قال لعقيل: "يا أبا يزيد، إني أُحبّكَ حُبَّين، حُبًّا لقَرابتِك، وحُبًّا لِما كُنْتُ أعلمُ من حبِّ عمِّي إيَّاك".

стр. 3198

وذكر ابنُ عساكر أنَّ أُم هانئ بنت أبي طالب أجارت عَقِيلًا يوم الفتح، فأجاز رسولُ الله ﷺ جِوارَها. ثم قال ابن عساكر: رواه (١) عَبَّادُ بنُ كَثير. وهو وهمٌ منه لأنَّ عقيلًا أسلمَ قبلَ ذلك. قال (٢): وقال الحسن البصري: قَدِمَ عَقِيلٌ البصرةَ، فتزوَّجَ امرأةً من بني جُشَم، فلما خَرَج قالوا: بالرِّفاءِ والبنين، فقال: لا تقولوا ذلك، نهانا رسولُ الله ﷺ أن نقولَ كذا، وأمرنا أن نقول: "باركَ اللهُ لك وعليك". ثم قَدِم الكوفةَ بعد ذلك. قلتُ: وقد أخرج أحمد هذا الحديث في "المسند" فقال: حدَّثنا الحَكَم بن نافع بإسناده عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: تزوَّج عَقِيل. ولم يذكر البصرةَ في الحديث، وقال: قولوا: "بارك اللهُ لها فيك، وباركَ لك فيها" (٣). والرِّفاءُ: جَمْعُ الشَّمْل، وكان ذلك عادة الجاهلية. وروى أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" (٤) أيضًا عن المسيب بن نَجَبَةَ عن عليّ ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيَ كلُّ نبيٍّ سبعةَ رُفَقاء، وأُعطيتُ أنا أربعة عَشَر" قيل لعلي: من هُم؟ قال: أنا وابناي الحسنُ والحسين، وعمي حمزة، وأخواي جعفر وعَقِيل، وأبو بكر وعمر، وعثمان والمقداد، وسلمان وعمّار، وطلحة والربير. قال (٥): وروى جابر بن عبد الله أن عَقِيلًا دخل على النبي ﷺ فقال له: "مرحبًا بَك يا أبا يزيد، كيفَ أصبحتَ؟ " قال: بخيرٍ صبَّحك الله يا أبا القاسم. وقال أيضًا (٦): إن عقيلًا قَدِم على أخيه عليّ ﵇ بالعراق، فسأله، فقال: ما أُعطيكَ شعيبًا. فقال: إني فقيرٌ ومحتاج. فقال: اصبِر حتى يخرجَ عطائي مع المسلمين وأُعطيكَ معهم. فألحَّ عليه، فقال عليّ لرجل: خُد بيده، فانطَلِقْ به إلى الحوانيت فَدُقَّ

стр. 3199

أقفالها، وخُذْ ما فيها. فقال عقيل: أردتَ أن تجعلني سارِقًا! [فقال علي: أنت أردت أن تتخذني سارقًا] أرَدْتَني أن آخُذَ أموال الناس -أو المسلمين- فأُعطيَكَ إيّاها! قال: لأذهبَنَّ إلى رجُلٍ هو أوْصَلُ لي منك. يعني مُعاوية. قال: أنت وذاك. فذهب إلى مُعاوية فعرف له ذلك، فأعطاه مئة ألف درهم، وقال له: اصعدِ المنبر واذكُر ما أولاك عليٌّ من نفسه، وما أوليتُكَ. فصعد المنبر وقال: أيُّها الناس، إني أُخبركُم أني أردتُ عليًّا على دينه، فاختار دينَه، وأني أردتُ مُعاويةَ، فاختارَني على دينه. فقال معاوية: هذا الذي تزعمُ قريشٌ أنه أحمق وأنَّها أعْقَلُ منه! وذكر ابنُ عساكر أيضًا في "تاريخه" أن معاويةَ قال لعقيل: لا أرضى منكَ إلّا أن تصعدَ المنبر، فتلعنَ أخاك، فصعد المنبر وقال: أيها الناس، إن مُعاويةَ أمرني أن ألعنَ أخي، فالعنوه. ففهم معاويةُ قَصْدَه. وذكر ابنُ عساكر أيضًا عن الرِّياشي قال: لَمّا قَدِم عَقِيل على مُعاوية، قرَّبه وأدناه ووصله، وقضى عنه دَيْنَه، وقال له في بعض الأيام: إن أخاك لَغَيرُ حافظٍ لك؛ قطَعَ قرابتَك وما وَصَلَكَ. فقال له عَقِيل: واللهِ لقد أَجْزَلَ العطيّة وأَعْظَمَها، ووصَلَ القرابةَ وحَفِظَها، وأحسن ظنَّه بالله إذ ساءَ ظنُّك به، وحَفِظَ أمانَته وخُنْتَ أمانتَك، فاكفُفْ عنه، فإنَّه عما تقولُ بمعزل. ذِكرُ مخاطبة معاوية لعقيل بن أبي طالب: قال: وقال له معاوية ليلةَ الهَرِير؛ يا أبا يزيد، أنْتَ الليلةَ معنا. قال: فيوم بدرٍ -أو ليلة بَدْرٍ- كُنْتُ معكم أيضًا (١). وقال، وقال له رجل: تركتَ أخاكَ وأتيتَ مُعاوية؟ فقال: إنَّ أخْوَنَ (٢) مني من سَفَك دمه بين أخي وابن عمي ليكون أحدُهما أميرًا.

стр. 3200

وذكر الهيثم بن عدي واقعته مع أخيه عليّ قال (١): قَدِمَ عقيلٌ الكوفةَ، فنزل على أخيه عليّ ﵇، فأمر الحسنَ فكساه. فلما أمسى دعا عليٌّ بعَشائه؛ فإذا هو خبزٌ وملحٌ وبَقْلٌ. فقال عقيل: ما هو إلّا ما أرى؟! قال: نعم. قال: أفتقضي دَيني؟ قال: كم هو؟ قال: أربعون ألفًا. قال: اصبر حتى يخرجَ عطائي، فإنَّه أربعة آلاف دِرهم فأدفَعُها إليك. فقال عقيل: بيوتُ الأموالِ بيدِكَ، وأنتَ تُسَوِّفُني بعطائك! فقال: اكسر صندوقًا من هذه الصناديق، فإنَّ فيه أموال المسلمين، فخُذْها. قال: أفتأمرُني بذلك! فقال: أفتأمرني أن أدفعَ إليك أموال الناس وقد أمَّنوني عليها؟! فخرج إلى معاوية، فأعطاه خمسين ألف دينار وقال له: كيف رأيتَني من أخيك؟ فقال: أخي آثر دينَه على دُنْياه، وأنْتَ آثَرْتَ دُنْياكَ على دينك، فأنْتَ خيرٌ لي من أخي، وأخي خيرٌ لنَفْسه منك. وقال الهيثم: ثم عاد إلى عليّ ﵇، فقال له: ويحكَ يا عقيل، اخترتَ الدنيا على الآخرة! فقال: الفَقْرُ والدَّينُ. وقال الهيثم: قال له يومًا معاوية: يا أبا يزيد، جَفَوْتَنا. فقال: وإني امرؤٌ مني التكرم شيمةٌ … إذا صاحبي يومًا على الهُونِ أَضمرا ثم قال: يا معاوية، لئن كانتِ الدنيا مَهَّدَتْك مِهادَها، وأظلَّتك حذافيرُ مُلْكِها، ومدَّت عليك أطنابَ سُلْطانِها، لم يكن بالذي يزيدك مني رغبة، ولا خشوعًا لرهبة. فقال له معاوية: يا أبا يزيد، إنّي لأرجو من الله أن يكونَ إنّما رَدَّاني بردائِها، وحَباني مُلْكَها لكرامةٍ ادَّخَرها لي عنده. وقد كان داود خليفة، وسليمانُ مَلِكًا، وإنَّما هو المثال (٢) يُحتذى عليه، والأُمورُ أشباه. وايمُ الله، لقد أصبحتَ إلينا أبا يزيد حبيبًا، وعلينا كريمًا، وما أصبحتُ أُضمرُ لك إساءة.

стр. 3201

وقال ابنُ عساكر: دخل عقيل على معاوية بعدما ذهبَ بصرُه، فأَقْعَدَهُ معه على سريره وقال [له]: أنتُم يا بني هاشم تُصابون في أبصاركم. فقال له عقيل: وأنتم يا بني أُمية تُصابون في بصائركم (١). وقال أيضًا: دخل عقيل على معاوية يومًا، فأجلسه إلى جَنْبه، ودخل عتبةُ بن أبي سفيان، فوسَّع له معاوية، فجلس بينه وبين عقيل، فقال عقيل: من هذا الذي جلس بيني وبينكَ؟ فقال معاوية: أخوك وابنُ عمِّك عتبةُ. فقال: أما إنَّه أقربُ إليك مِنِّي، وأنا أقربُ إلى رسول الله ﷺ منه ومنك. فقال له عتبة: أنت كما وَصَفْتَ، ورسولُ الله ﷺ أعظم مما تَصِفُ، ولك عندنا أكثر مما لنا عندك، ونحن عارفون بحقِّك (٢). وقال: قال له معاوية يومًا وقد دخل عليه: هذا عقيلٌ عمُّه أبو لهب. فقال عقيل: وهذا معاوية عمَّتُه حمَّالة الحطب. ثم قال: يا معاوية، إذا دَخَلْتَ النار فاعدِل ذاتَ اليسار، فانظر أيّهما خيرٌ، الفاعل أو المفعول به (٣)؟ قال: وقال له يومًا معاوية: ما أبينَ الشَّبَقَ في رجالكم يا بني هاشم؟ فقال عقيل: يا بني أُمية، هو في نسائكم أبين. قال: وقال العُتْبي: تزوَّجَ عقيل امرأة من بني أُميَّة وهي قريبة بنت حَرْب، أُخت أبي سفيان، وكان قد خطبها أربعةَ عشرَ رجلًا من أهل بدر، فأَبَتْهُم، وتزوَّجت عقيلًا، فقيل لها في ذلك، فقالت: إنَّ هؤلاء كلَّهم كانوا يوم بدر على الأحبَّة، وكان عقيل معهم. قال: وقالت له يومًا: يا أبا يزيد، أين أخوالي وأعمامي التي كانت أعناقُهم كأنَّها أباريقُ فِضَّة؟ فقال: إذا دخلتِ النارَ فخُذي عن شمالك. قال: وكانت تحته [ابنةُ] عتبة بن ربيعة، فقالت له يومًا وهي خالةُ معاوية: واللهِ لا أُحبُّكم أبدًا يا بني هاشم، قتلتُم أبي وعمي، وأخي وابنَ أُختي، تُرى أين هُم؟ فقال لها: إذا دخلتِ النارَ فخُذي عن يسارك تَرَينَهُم هناك أجمعين.

стр. 3202

قال: وقال ابن عبد البَرِّ (١): كان عَقِيلٌ أنسبَ قُريشٍ وأَعلمَها بأيّامها، ولكنه كان مُبَغَّضًا إليهم لأنه كان يعدُّ مساوئهم، وكانت تُطرحُ له طِنْفِسَةٌ في مسجدِ رسولِ الله ﷺ ، وكان يجتمع إليه علماءُ النَّسَب، وكان أسرعَ الخامسِ جوابًا، فنسبوه إلى الحَماقَة، لأنه كان يَعْرِفُ مثالبهم، فاختلقوا عليه أحاديث مُزوَّرةً، وأعانهم على ذلك مغاضبتُه لأخيه عليّ، وخُروجُه إلى معاويةَ وإقامتُه معه. قال: وقال له معاوية يومًا: هذا أبو يزيد، لولا عِلْمُهُ بأنني خير له من أخيه، لما أقام عندي. فقال له عَقِيل: أخي خيرٌ لي في ديني، وأنتَ خيرٌ لي في دنياي، وقد آثَرْتُ دُنْياي، وأسأل الله خاتمة الخير. واختلفوا في وفاته. أمَّا ابن سعد فإنَّه قال (٢): قالوا: مات عَقِيل بن أبي طالب في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعدما عَمِيَ، وله عَقِبٌ اليوم، وله دار بالبقيع رَبَّةٌ -يعني كثيرة الأهل- واسعة. وقال هشام: توفي سنة خمسين. وكذا رُويَ عن الواقدي. وقال خليفةُ: وقد قيل: إنه عاش إلى أيام ابنِ الزبير (٣). وهو وَهْمٌ. ذِكرُ أولاده: قال: ابن سعد (٤): كان له من الولد يزيدُ -وبه كان يُكنى- وسعيد، وأُمُّهما أم سعيد بنت يزيد (٥) بن مُدْلِج، من بني صعصعة (٦).

стр. 3203

وجعفرُ الأكبر، وأبو سعيد الأحول، وهو اسمُه، وأمُّهما أُمُّ البنين ابنة الثَّغْر، وهو عمرو بن الهصَّار بن كعب، من بني صعصعة. وأمُّ الثَّغْر أسماءُ بنت سفيان، أختُ الضحاك بن سفيان من الصحابة. ومسلمُ بنُ عقيل، وهو الذي بعثه الحسينُ إلى الكوفة ليُبايعَ له [الناسُ]، فقُتِلَ، وسنذكره. وعبدُ الله الأصغر (١)، وأمُّهم حليَّة (٢) أمُّ ولد، [وعلي] لا بقيَّة له، وأمُّه أمُّ ولد. وجعفر الأصغر، وحمزة، وعثمان، ومحمد، ورَمْلة، وأُمُّ هانئ، وأسماء، وفاطمة، وزينب، وأمّ القاسم، وأم النعمان لأمَّهاتِ أولاد شتَّى. وقال الموفَّق ﵀ في ترجمة عقيل (٣): كان يُطرح له طِنْفِسَةٌ في مسجد رسول الله ﷺ [يصلي عليها] ويجتمع إليه الناسُ في علم النسب وأيَّام العرب، وكان أسرعَ الناس جوابًا، وأحْضَرَهم مراجعة. قال: وقال ابن عباس: كان في قريش أربعةٌ يُتحاكَمُ إليهم، ويوقف عند قولهم في النسب: عقيل بن أبي طالب، ومَخْرَمةُ بنُ نوفل، وأبو جَهْم بن حذيفة، وحُوَيطب بن عبد العُزّى. قال: وتوفي بالشام في أيام معاوية. قال: وولدُه: مسلم بن عَقِيل، قتله ابن زياد بالكوفة، وأخوه محمد بن عَقِيل [ومن ولده عبد الله بن محمد بن عقيل] روى عنه الواقديّ (٤)، والثوريُّ، وغيره، وأخوه عبد الرحمن بن محمد بن عَقِيل، كان من الصلحاء، وكان يُشْبهُ النبي ﷺ . قال: وزينب الصغرى بنت عَقِيل، خرجت على الناس تبكي قتلاها [بالطَّفِّ] وتقول:

стр. 3204

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم … ماذا فعلتُم وكنتُم آخِرَ الأُممِ وسنذكر الأبيات عند وصول رأس الحسين إلى المدينة. أسند عقيلٌ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، قال أبو نُعيم: أسند أحاديث يسيرة. وقال ابن البَرْقي: ليس له رواية. وليس كما ذكر، فإن أحمد أخرج عنه في "المسند" حديثًا واحدًا (١)، وقد ذكرناه في ترجمته. وأخرج له ابن سعد حديثًا آخر، وهو قول رسول الله ﷺ : "يا أبا يزيد، إني أحبُّك حُبَّيْن" وقد ذكرناه (٢). وروى عن عَقِيل: ابنُه محمد بن عَقِيل، وابن ابنه عبدُ الله بن محمد بن عَقِيل، وموسى بن طلحة (٣)، والحسنُ البصري، وعطاءُ بن أبي رباح، وأبو صالح ذكوان السمَّان وغيرهم. وفيها توفّيت أُمُّ شريك بنت جابر ابن حكيم، واسمُها غَزِيَّةُ، بغين معجمة وزاي معجمة أيضًا. قال ابن سعد (٤): وكان محمد بن عمر يقول: هي من بني معيص بن عامر بن لؤيّ. قال: وكان غيرُه يقول: هي دَوْسِيَّة من الأَزْد. وقد ذكرناها في أزواج رسول الله ﷺ . وقد رَوَتْ أُمُّ شريك الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، فأخرج لها أحمد في "المسند" حديثين:

стр. 3205

الحديث الأول: قال أحمد: حدَّثنا يحيى بن سعيد بإسناده عن ابن المسيِّب أخبره (١) أنَّ أُمَّ شريك أخبرته، أنَّها استأمرت النبيَّ ﷺ في قتل الوَزَغات (٢)، فأمرها بِقَتْلها. أخرجاه في الصحيحين (٣). والحديث الثاني: أخرجه أحمد ومسلم أيضًا عن أُمِّ شريك قالت: قال رسول الله ﷺ (٤): "لَيَفِرَّنَّ الناسُ من الدجَّال في الجبال " فقُلتُ: فأين العربُ يومئذ؟ قال: "هم قليل" (٥). وأخرج ابن سعد هذين الحديثين في "الطبقات" عن أُمُّ شريك، ولفظ الأوَّل: أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه بقَتْلِ الوَزَغات (٦). وقال ابنُ سعدٍ بإسناده عن يحيى بن سعيد قال (٧): هاجرت أُمُّ شريك الدَّوْسِيةُ، فصحبت يهوديًّا في الطريق، فأمست صائمةً، فقال اليهوديّ لامرأتِه: لئن سَقَيتِها، لأَفْعَلَنَّ. فباتت كذلك حتى كان في آخِرِ الليل إذا على صَدْرِها دَلْوٌ موضوع، فشربت. قلت: وليس في الصحابيات من اسمُها غَزِيّةُ سوى امرأتين؛ إحداهما صاحبةُ هذه الترجمة، وفي فتح الغين وضمِّها لُغتان. وغَزِيَّةُ بنت سعد بن خليفة مُطَلَّقةُ عمرو بن حَزْم، أنصارية. وهذه بفتح الغين لا غير. ويقال لها: الغُمَيصاء. كذا ذكر جدّي في "التلقيح" (٨).

стр. 3206

قلت: وليس في الصحابيات من اسمُها غزِيَّة سوى امرأتين، وهنَّ هؤلاء كما ذكرنا، وغَزِيةُ التي يقال الها: الغُمَيصاء، ذكرها ابن سعد فقال (١): غزيَّة بنت سعد بن خليفة بن الأشرف بن [أبي] خَزِيمة (٢) بن ثعلبة بن طويف بن الخزرج بن ساعدة، وأمُّها سلمى بنت عازب بن خالد بن الأجشّ، من قُضاعة. تزوَّجها سعد بن عُبادة بن دُليم الخزرجي، فولدت له سعيد بن سعد، أسلمت غَزِيَّةُ، وبايعت رسول الله ﷺ . وفيها توفي كعب بن مالك ابن أبي كعب (٣) بن القَيْن بن كعب بن سَواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمةَ الأنصاريّ، شاعرُ رسول الله ﷺ ، من الطبقة الثانية من الأنصاري وهو أحدُ الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غَزاة تبوك، وأمُّه ليلى بنت ربيعة. وقال ابن سعد (٤): بنت زيد بن ثعلبة، من بني سَلِمةَ، وكنيةُ كعب: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن. شهد العقبةَ مع السبعين، وأُحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، ولم يشهد بَدْرًا، وجُرِح يوم أُحدٍ بضعَ عشرةَ جراحةً. وآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين الزُّبير. وقيل: بينه وبين طلحة بن عبيد الله (٥). ولكعب في رسولِ الله ﷺ مدائحُ كثيرة. وقال له رسول الله ﷺ : "هِيه"، فأنشده، فقال: "لَهُوَ أشدُّ عليهم من وَقْعِ النَّبْل". وقد ذكرناه. وقال ابن سعد بإسناده عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب. وذكر طرفًا من حديث تخلُّفِه عن غزاة تبوك (٦).

стр. 3207

وقال ابن سعد عن الواقدي قال: ذهب بَصَرُ كعب، ومات في سنة خمسين، وهو يومئذ ابنُ سبع وسبعين سنة (١). ذِكرُ أولاده: قال ابن سعد (٢): فولد كعبٌ عبدَ الله، وعُبيدَ الله، وفَضالة، ووَهْبًا، ومعبدًا، وخولةَ، وسعادَ، وأُمُّهم عُميرةُ بنت جبير من بني سَلِمة. وأُمَّ عمر؛ تزوَّجها زياد بنُ عبد الله بن أُنَيس حليف بني سواد. [وعبدَ الرحمن]، وأُمَّ قيسٍ؛ تزوَّجها عطية بن عبد الله بن أُنيس حليف بني سواد، وأُمُّهم أُمُّ ولد. ورملةَ، وأُمُّها تُماضر بنت معقل بن جُندب بن النَّضْر، من ولد ثعلبة بن سعد بن قيس. وسُميكةَ وكبشةَ، وأُمُّهما صفية من أهل اليمن. وليلى، وأمُّها أُمُّ بشرٍ من جُهَينَةَ. وقيل: صفيَّةُ أُخرى لأُمِّ ولد. أسند كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ أحاديث؛ أخرج له أحمد في "المسند" أربعة عشر حديثًا (٣)، وأخرج له في "الصحيحين " خمسة أحاديث، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث (٤)، ومن المتَّفق عليه حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا (٥). وقد ذكرناه في غزاة تبوك. وليس في الصحابةِ من اسمه كعب بن مالك سوى رجلين: أحدهما: صاحبُ هذه الترجمة. والثاني: كعب بن مالك بن مبذول، أبو هُبيرة، وله صحبة، وليس له رواية.

стр. 3208

وفيها توفي المغيرة بن شعبة ابن أبي عامر بن مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف (١) بن ثقيف. قاله ابن سعد. وثقيف اسمُه قسيُّ بن مُنَبِّه بن بكر بن هَوازن بن عِكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس بن عَيلان بن مُضَر. وأُمُّ المغيرة أسماءُ بنت الأفقم بن أبي عمرو بن ظُوَيلم بن جُعَيل بن عمرو بن دهمان بن نصر. والمُغيرةُ من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عيسى، وعمُّه عروة بن مسعود الثقفي. أسلم على يدِ رسول الله ﷺ ، وقَتْلِهِ أهلَ الطائف (٢)، وقد ذكرناه. وقال ابن سعد (٣): وكان يُقال له: مغيرة الرأي، وكان داهية. ذِكْرُ صفته: قال علماءُ السِّيَر: كان طُوالًا، أَقْلَصَ الشَّفَتَيْن، أصهبَ [الشَّعْر] (٤) يَفرُقُ رأسَه فُروقًا أربعةً، عَبْلَ الذِّراعين، بعيدَ ما بين المنكبين، ضَخْمَ الهامةِ، أهتم (٥) أَعْوَرَ، ذهبت إحدى عينيه يوم اليرموك. قال ابن سعد: وهو أوَّل من خضب بالسوادِ في الإسلام، شهد الحديبية مع رسول الله ﷺ ، وكان يلزمه في أَسفارِهِ ومُقامِه، وبحمل له الإداوَةَ ويتوضأ منها. وذكر ابن سعد أيضًا أنه خضب بالصُّفرة (٦).

стр. 3209

ذِكْرُ إسلامه: قال ابنُ سعد (١): حدثنا محمد بن عمر، عن محمد بن سعيد الثقفي، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد الملك بن عيسى الثقفي وغيرهم؛ قالوا: قال المغيرة: كُنّا قومًا من العرب متمسّكين بديننا ونحن سَدَنةُ اللّات، فأُراني لو أرى قومي -أو قومنا- قد أسلموا، ما تَبِعْتُهُم، فأجمع نَفَرٌ من بني مالك على الوفودِ على المُقَوْقِس، وأهْدَوْا له هدايا، فأجمعتُ الخروجَ معهم، فاستشرتُ عمّي عروةَ بنَ مسعود، فنهاني وقال: ليس معك من بني أبيك أحد. فأَبَيتُ إلّا الخروج. فخرجتُ معهم وليس معهم أحد من الأحلاف غيري (٢)، حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقَوْقِسُ في مجلس مُطلٍّ على البحر، فركبتُ زورقًا حتى حاذيتُ مَجْلسَه، فنظر إليَّ، فأَنكرني، وأمر مَنْ يسألني: مَنْ أنا؟ وما أريدُ؟ فسألني المأمورُ، فأخبرتُه بأمرِنا، فأمر بإنزالِنا في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافةً. ثم دعا بنا، فدخلنا عليه، فنظر إلى رَأسِ بني مالك، فأدناه إليه، وأجلسه معه، ثم سأله: أكلُّ القوم من بني مالك؟ قال: نعم، إلا رجلٌ واحد من الأحلاف. وعرَّفه إيّاي، فكنتُ أهون القوم عليه. وقدَّموا هداياهم بين يديه، فَسُرَّ بها، وأمر بقَبْضِها، وأمَرَ لهم بجوائز، وفَضَّل بَعْضَهم على بعض، وقَصَّر بي، وأعطاني شيئًا قليلًا لا ذِكْرَ له. وخرجنا، وأقبلَتْ بنو مالك يشترون هدايا لأهاليهم وهم مسرورون، ولم يَعْرِضْ عليّ رجل منهم مُواساةً، وخرجنا إلى السفر، وحملوا معهم الخمرَ، فكانوا يشربون فأشربُ معهم، وتأبى نفسي أن تَدَعَهُم ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم المَلِكُ، ويُخبرون قومي بتقصيره وازدرائِه إيّاي، فأجمعتُ على قتلِهم. فلما كُنّا ببُساق -اسم موضع (٣) - تمارضتُ وعصَّبْتُ رأسي، فقالوا: ما لك؟ قلت: أُصَدَّعُ. فوضعوا شرابهم ودَعَوْني، فقلتُ: رأسي يُصَدَّعُ، ولكني أجلسُ فأسقيكم،

стр. 3210

فلما دبَّتِ الكأسُ فيهم جعلتُ أُصْرِفُ لهم (١)، وأنزعُ الكأسَ فيشربون ولا يدرون، فأَهْمَدَتْهُم الكأسُ حتى ناموا ما يَعْقِلون، فوثبتُ إليهم فقتلتُهم جميعًا، وأخذْتُ جميع ما كان معهم، وقدمتُ المدينةَ على رسول الله ﷺ ، فأَجِدُه جالسًا في المسجد مع أصحابه، فسلَّمتُ عليه بسلام الإسلام، فنظر إليَّ أبو بكر بنُ أبي قُحافة، وكان بي عارفًا، قال: ابنُ أخي عروةَ؟ قلتُ: نعم، جئت أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسولُ الله. فقال رسول الله: "الحمدُ لله الذي هداكَ للإسلام". فقال أبو بكر: من مِصْرَ أَقبلت؟ قلتُ: نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قلتُ: كان بيني وبينهم شيءٌ، أو بعضُ ما يكون بين العرب ونحنُ على دين الشِّرْك، فقتلتُهم وأخذتُ أسلابَهم، وجئتُ بها إلى رسول الله ﷺ ليَخْمِسَها، أو يرى فيها رأيَه، فإنّما هي غَنيمةٌ من مشركين، وأنا مُسْلمٌ مُصَدِّقٌ بمحمّد ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "أما إسلامُك فأَقْبلُهُ، ولا آخُذ من أموالِهم شيئًا ولا أَخْمِسُه؛ لأن هذا غَدْرٌ، والغَدْرُ لا خَيرَ فيه". قال: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ وقلتُ: يا رسول الله، إنّما قتلتُهم وأنا على دينِ قومي، ثم أسلمتُ حيث دَخَلْتُ عليك الساعةَ؟! قال: "فإنَّ الإسلامَ يجبُّ ما قَبْلَهُ". قال: وكان قد قتلَ منهم ثلاثةَ عَشَرَ إنسانًا، فبلغ ذلك ثقيفًا بالطائف، فتداعَوْا للقتال، ثُمَّ اصطلحوا على أن يحمل عني عروة بنُ مسعود ثلاثَ عشرة دِيَةً. قال المغيرة: وأقمتُ مع رسول الله ﷺ حتى اعتمرَ عُمْرَةَ الحُدَيبِية في ذي القَعْدة سنةَ ستّ من الهجرة، فكانت أوَّلَ سَفْرَةٍ خرجتُ معه فيها. قال: وبعثَتْ إليه قُريش عمي عروةَ بنَ مسعود ليكلِّمَهُ، فأَتاه، فجعل يَمَسُّ لحيةَ رسول الله ﷺ وأنا قائمٌ على رأسه بالسيف، فقلتُ لعروة: كُفَّ يَدَكَ قبل أن لا تَصِلَ إليك. فقال عروةُ: من هذا يا محمد؟ ما أفظَّه وأغلظَه! وكُنْتُ مُقَنَّعًا في الحديد، فقال رسولُ الله صلى الله عليه: ["هذا ابنُ أخيك المغيرةُ"]. فقال عروة: يا غُدَرُ، أَلستُ الساعي (٢) في غَدْرَتك، واللهِ ما غسلتُ عنك سَوْءَتَكَ إلا بالأمس.

стр. 3211

وقد ذكرنا طرفًا من هذا في غَزاة الحُدَيبية. قال الواقديّ: وشهد المغيرة بعد ذلك المشاهِدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وقَدِمَ وَفْدُ ثقيف، فأنزلهم عليه، فأكرمهم، وبعثه رسولُ الله صلى الله عليه مع أبي سفيان بن حرب إلى الطائف، فهدموا الرَّبَّةَ (١). وشهد مع رسولِ الله صلى الله عليه حجَّةَ الوَداعِ. ولَمّا دُفِنَ رسولُ الله صلى الله عليه ألقى خاتَمه في قَبْرِهِ ثم نزل فأخذه (٢). وقد ذكرناه. وقال الواقديّ: ولما تُوفّي رسولُ الله ﷺ بعثه أبو بكر إلى أهل النُّجَيْر (٣)، وشهدَ اليمامةَ، وفتوحَ الشام، واليرموك، وأُصيبت عينُه فيه، وشهد القادسية، ووَليَ لعمر بن الخطاب ولاياتٍ، منها البصرة والكوفة، وفتحَ مَيسان، ودَسْت مَيسان (٤)، ولقي العجَمَ بالمَرْغاب (٥)، فهزمهم، وفتحَ سوق الأهواز، وغزا نهر تيرى (٦)، ومَناذِر الكبرى، وفتحَ هَمَذان، وكان على مَيسَرَة النعمان بن مُقَرِّن في فتح نهاوند. والمغيرةُ أوَّلُ من وَضَعَ ديوانَ البصرة، وقُتل عمر (٧) وهو والٍ على الكوفة، ثم وَليَها بعدَ ذلك لمعاوية. وقال ابن سعد (٨) بإسناده عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة قال: كنتُ جالسًا عند أبي بكر الصدّيق؛ إذ عُرِضَ عليه فرسٌ له، فقال له رجل من الأنصار:

стр. 3212

احْمِلْني عليها. فقال أبو بكر: لَأَنْ أَحملَ عليها غلامًا قد ركب الخَيلَ على غُزلَتِه -يعني قُلْفَتَه- أَحبُّ إليَّ من أن أحملَك عليها. فقال له الأنصاري: أنا خيرٌ منك ومن أبيك. قال المغيرةُ. فغَضبتُ لما قال لأبي بكر، فقمتُ إليه فأخذتُ برأسهِ فَرَكَبْتُه على أَنْفِه (١)، فكأنَّما كان عَزْلاءَ مَزَادة (٢)، فتواعدني الأنصارُ أنْ يستقيدوا منّي، فبلغ ذلك أبا بكر، فقام فقال: إنَّه بلغني عن رجال زعموا أني أُقيدهم من المغيرة، وواللهِ لَأَنْ أُخْرِجَهم من دارِهم أقربُ إليهم من أن أُقيدَهم من وَزَعَةِ اللهِ الذين يَزَعُون عنه. وقد تقدَّم الكلامُ على الوَزَعَة، وهم الذين يدفعون. وذكره الزمخشري في كتاب "الفائق في اللغة" (٣) فقال: ركب يومًا أبو بكر فرسًا يشورُه. وذكره. ثم فَسَّرَه الزمخشري فقال: يشورُهُ: يَعْرِضُه. والغُرْلةُ: القُلْفَة، وأراد: مَنْ له عادةٌ بركوب الخيل من الصِّغَر. ورَكَبَ أَنْفَهُ -بفتح الكاف- أي: ضَرَبَه. ويجوز كسر الكاف (٤). والعَزْلاءُ: فَمُ المَزادة، والجمع العَزَالي. والوازعُ: الذي يُدَبِّرُ أمرَ الجيش، ولا يُقْتَصُّ منه إذا أدَّبَ. وقد ذكره الجوهريّ فقال: وَزَعْتُه وَزْعًا: كَفَفْته. وسُمِّيَ الكلبُ وَازِعًا لأنَّه يكُفُّ الذئبَ عن الغنم (٥). وقال عُبيد بن عُمير (٦): رأيتُ المغيرةَ يخطبُ يومَ العيد على بعير. وقد ذكرنا أن أبا بَكْرَة، وشِبْل بنَ معبد، ونافعَ بن الحارث، وزيادًا، شهدوا على المغيرة بالزِّنا، ثم توقَّف زباد، فضربهم عمرُ الحدَّ، وأبْطَلَ الرَّجْمَ عن المغيرة، وذلك في سنة سبعَ عشرة.

стр. 3213

ذِكْرُ طرفٍ من ذكائِهِ: روى الخطيب بإسناده إلى زيد بن أسلم قال (١): استعمل عمر بن الخطاب ﵁ المغيرةَ بن شعبةَ على البَحْرين، فكرهوه وأبغضوه، فعزله عمر، فخافوا أن يردَّه إليهم، فجمع دِهْقانُهم مئة ألف دِرْهم وقدم بها على عمر، فقال له عمر: ما هذا؟ فقال: دفعه إليَّ المُغيرةُ وديعة، وقد ظهرت خِيانتُه. فأحضر عمر المغيرةَ وقال له: يا غُدَرُ، ما هذه الخيانة؟ فقال: كذبَ عدوُّ الله، إنَّما كانت مئتي ألف درهم. فقال: ما حملك على هذا؟ قال: الفَقْرُ والحاجَةُ. فقال الدهقان: واللهِ ما دفع إليّ قليلًا ولا كثيرًا؛ ولكن خِفْنا أن تردَّه إلينا، ونحن نكرهُه. فقال عمر للمغيرةِ: ما حملك على هذا؟ قال: كذبَ عليَّ الخَبيثُ، فأردتُ أن أُخْزِيَه -أو أن أُكْذِبَه. وحدَّثنا غير واحد عن محمد بن أبي منصور بإسناده عن مسلم بن صُبَيح الكوفيِّ، عن أبيه قال (٢): خطب المغيرة بن شعبةَ امرأةً، وخطبها فتًى من العرب أيضًا، فقالت المرأة: لا بُدَّ من أن يحضُرا عندي وأسمعَ كلامَهما. وكان المغيرةُ أعورَ، والفتى جميلًا، فحضرا، فلما شاهد المغيرةُ جمال الفتى يَئِسَ من المرأة، فأقبل على الفتى وقال: لقد أُوتيتَ جمالًا، فهل عندك شيءٌ غير ذلك؟ قال: نعم. وعدَّد محاسِنَه. فقال المغيرة: كيف حسابُك؟ فقال: ما يسقُطُ مني شيءٌ ولا أدقُّ من الخَرْدَلة. فقال المغيرة: لكني واللهِ أضع البَدْرَةَ (٣) في جانبِ البيت فيُنْفِقُها أهلي ولا أعلمُ بنفادِها حتى يسألوني غيرَها. فقالت المرأة: هذا الشيخُ الذي لا يُحاسبُني، عندي واللهِ خيرٌ من هذا الذي يُحْصي عليَّ مثلَ الخَرْدَل. فتزوَّجت المغيرةَ. وقد ذكرنا أخبار المغيرة متفرِّقةً وما جرى له مع عليّ ﵇ لَمّا وَليَ الخلافة، وقولَ ابن عباس: رأيتُ عندك هذا الداهية. وذكرنا أخباره مع معاوية بن أبي سفيان وغيرِه.

стр. 3214

وقال ابن سعد: قُتِل عمرُ وهو على الكوفة، فعزله عثمان عنها، وولاها سعدَ بنَ أبي وقّاص، فلما وَليَ معاويةُ الخلافةَ، ولَّاه الكوفة، فمات بها (١). وحكى ابن سعد عن سماك بن سَعلَمة قال: أوَّل من سُلِّم عليه بالإمرة المغيرةُ بن شعبة (٢). ذِكْرُ وفاتِه: واختلفوا فيها، فقال ابن سعد بإسناده عن محمد بن أبي موسى الثقفي، عن أبيه. قال (٣): مات المغيرةُ بن شعبة [بالكوفة] في شعبان سنة خمسين وهو ابنُ سبعين سنة. وروى ابن سعد بإسناده عن زياد بن عِلاقة قال (٤): لَمّا مات المغيرةُ خطب جريرُ بن عبد الله وقال: استغفروا لأميركم، فإنَّه كان يُحِبُّ العافية. وكذا قال خليفة: مات المُغيرةُ بالكوفة في سنة خمسين، واستخلف ابنه عروة بن المغيرة. وقيل: إنه استخلف جرير بن عبد الله البجلي، فعزله معاوية، وجمع لزياد بين البصرةِ والكوفة (٥). وكذا حكى الخطيب عن إبراهيم الحربيِّ أنه قال: مات المغيرةُ في سنة خمسين إلا أنه قال: كان له من العمر ستُّون سنة (٦). وكذا قال أبو حسان الزّيادي. وقال هشام بن محمد، عن أبيه: وقع بالكوفة طاعونٌ في سنة تسع وأربعين، وهرب المغيرةُ إلى البادية، فأقام بها فارتفع الطاعون، فقيل له: لو رَجَعْتَ إلى الكوفة، فرجع إليها، فمات بالثَّوِيَّة -ماء بظاهر الكوفة- ودُفن هناك.

стр. 3215

وقد حكى هشام القَوْلَين. أعني سنة تسع وأربعين، وسنة خمسين. ذِكْرُ أزواجِه وأولاده: أما أزواجُه؛ فروى ابنُ سعد عن قَتادة قال: أحصنَ المغيرة مئةَ امرأة ما بين قُرشية وثقفية (١). وأما أولادُه فقال هشام: كان له من الولدِ عروةُ، وحمزةُ، وعَفَّار، بفاء مشدَّدة وراء مهملة. ولم يكن فيهم أنْجَبَ من عروة. قال خليفة: لَمّا أراد معاوية أن يُولِّيَ ابنَه يزيدَ الخلافة؛ كتب إلى المغيرة يستدعي أعيانَ أهل الكوفة، فجهَّز معهم جماعة مع عروة بن المغيرة، فلما دخلوا على معاوية قالوا: قد كبر سنُّك، فانظر لأمَّة محمد ﷺ ، فقال: أشيروا عليَّ، فقالوا: عليك بيزيد. قال: وقد رضيتُم به؟ قالوا: نعم. وكان عروةُ قريبًا من معاوية، فمال إليه معاوية، فأصغى إليه عروةُ، فقال معاوية: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ فقال عروة: بأربع مئة أربع مئة. فقال معاوية: لقد باعوا دينهم رخيصًا (٢). وعروةُ بن المغيرة ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة وقال: كان ثقةً، خَيرَ أهلِ بيته، وكذا قال الشعبي (٣). وقال الزُّهري: كان عروةُ سيِّدَ أهل الكوفة لا يُنازَعُ في ذلك (٤). وكنيتُه أبو يعفور. وذكره ابن عيَّاش في الحُول، وولَّاه الحجَّاجُ الكوفة سنة خمس وسبعين (٥).

стр. 3216

وقال خليفة: ولاه الوليد بن عبد الملك الكوفة سنة خمس وتسعين (١). فقد وَلِيَها ثلاث مرّات؛ الأُولى ولَّاه أبوه. وحدَّث عروة عن أبيه. وحدَّث عنه: نافع بن جبير بن مطعم، والشعبي، وعبَّاد بن زياد، وإسماعيل بن محمد بن [سعد] بن أبي وقاص (٢) في آخرين. أسند المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ مئة وستة وثلاثين حديثًا؛ أُخْرِجَ له في "الصحيحين" اثنا عشر حديثًا، اتفقا على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان (٣). وأخرج له أحمد واحدًا وثلاثين حديثًا (٤)، منها متَّفقٌ عليه، ومنها أفراد. وروى عنه بنوه الثلاثة (٥)، وأبو أُمامة الباهليُّ، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومسروق، وقيس بن أبي حازم، وأبو إدريس الخَولاني، وعروةُ بن الزّبير، وأبو وائل، وغيرهم. وليس في الصحابة من اسمُه المغيرةُ بن شعبة أغيره". فأما المغيرةُ غير ابن شعبة؛ فثلاثة: أحدهم: المغيرةُ بن الحارث بن عبد المطّلب، أبو سفيان، وقد ذكرناه. والثاني: المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق. والثالث: المغيرةُ بن الحارث بن هشام، مختلف في صحبته. كذا ذكره جدّي في "التلقيح" في موضعين، قال: هو مختلف في صحبته. وفي موضع آخر فيمن روى عن

стр. 3217

رسول الله ﷺ (١). وإذا كان مُخْتَلَفًا في صحبته فقد كان ذِكْرُه فيمن رأى رسول الله صلى الله عليه أولى. ومن مسانيد المغيرةِ بن شعبة: قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن بكر بن عبد الله المُزَنيِّ، عن المغيرة بن شعبة قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ له امرأةً أخْطبُها، فقال: "فاذهبْ فانظرْ إليها، فإنه أَجْدَرُ أنْ يُؤْدَمَ بينكما". قال: فأتيتُ امرأة من الأنصار، فخطبتُها إلى أَبَوَيها، وأخبرتُهما بقول رسول الله ﷺ ، فكأنهما (٢) كَرِها ذلك. وسمعتِ المرأةُ في خِدْرِها، فقالت: إن كان رسولُ الله ﷺ أمرَكَ أن تَنْظُر، فانْظُرْ، وإلّا فإني أَنشُدُك. كأنَّها عظَّمت ذلك. قال: فنظرتُ إليها فتزوَّجْتُ بها. قال: فذكر من موافقتِها. والمغيرة هو الذي روى حديثَ المسحِ على الخُفَّين (٣)، وهو في الصحيحين (٤)، وهو الذي روى أنَّ رسولَ الله ﷺ [صلَّى] خَلْفَ عبد الرحمن بن عوف، وقد ذكرنا ذلك (٥). السنة الحادية والخمسون وفيها قَتلَ معاويةُ حُجْرَ بنَ عَديّ الكِنْديّ (٦)، وغزا بُسْرُ بن أبي أَرطاة الرومَ أعْني الصائفةَ، وكان فَضالةُ بنُ عُبَيد قد شَتا بأرض الروم غازيًا. وفيها بعث زيادُ بنُ أبيه الربيعَ بنَ زياد الحارثيَّ أميرًا على خُراسان بعد موتِ الحَكَم بن عمرو الغِفاري.

стр. 3218

وكان الحكمُ بنُ عمرو قد استخلفَ بعد موتِه على خُراسان أنس بن أبي أُناس (١)، ولَمّا احتُضِر الحكمُ أوصى أن يُصَلّيَ عليه (٢) خليفتُه، فصلَّى عليه، ودفنه في دار خالد بن عبد الله الحنفي، وبلغ زيادًا موتُ الحَكَم، فعزل أنسًا (٣)، وولَّى خُليدَ بنَ عبد الله الحَنَفيّ قبلَ الربيعِ بن زياد، فقام شهورًا (٤) فقال أنس (٥): أَلا مَنْ مُبْلغٌ عَنِّي زِيادًا … مغَلْغَلَةً يَخُبُّ بها البريدُ أَيعزِلُني ويُطْعمُها خُليدًا … لقد لاقت حنيفةُ (٦) ما تُريدُ عليكم باليمامةِ فاحرثوها (٧) … فأوَّلكم وآخِرُكم عَبيد ثم عزل زيادٌ خُليدًا، وولَّى الربيع بنَ زياد في أوَّل هذه السنة. ولما قَدِم الربيع خُراسانَ، فتحَ بَلْخَ صلْحًا، وقُهِسْتان عَنْوَةً، وقطع النهر ومعه غلامُه فَرُّوخ وجاريتُه شريفة، فأعتقَ فَرُّوخًا وفتح الفُتوحَ وراء النَّهْر، وكان قد قطع النهر قبلَه الحكمُ بن عمرو الغِفاري، وصلَّى ركعتين وهو أوَّلُ من فعل ذلك (٨)، وقد ذكرناه. واختلفوا فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة، فقال الواقدي وأبو معشر: معاوية بن أبي سفيان (٩). وقال المسعودي: يزيد بن معاوية. والأوَّل أشهر. وكان العاملَ على المدينةِ سعيدُ بن العاص، وعلى الكوفة والمشرق كلِّه زياد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيْح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة عَميرة بن يثربيّ (١٠).

стр. 3219

وفيها توفي جرير بن عبد الله ابن جابر، وجابر هو الشَّليلُ بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جُشَم بن عُويف بن خُزيمة بن حَرْب بن عليّ بن مالك بن سعد بن نَذير بن قَسْر بن عَبْقَر بن أنمار البَجَليُّ. قال ابن سعد: [بجيلة] (١) هي بنت صعب بن سعد العَشِيرة، وهي أمّ بني أنمار بن إراش بن عمرو بن الغَوْث بن مالك (٢) بن زيد بن كَهْلان بن سبأ. قال: وبِبَجيلة يُعرَفُون. وقال ابن سعد في مكان آخر (٣): سعد العشيرة بن مالك بن أُدَد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ. قال: وإنَّما سُمِّي سعدَ العشيرة لأنَّه طال عُمره وكَثُر ولدُه، فكان ولدُه وولدُ ولدِه ثلاثَ مئة رجل، فكان يركبُ فيهم فيُقال: من هؤلاء معك يا سعد؟ فيقول: عشيرتي. مخافةَ العين عليهم. قال: وأُمُّ سعد العشيرة: سلمى بنت منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عيلان. وجريرُ بن عبد الله من الطبقة الرابعة من الصحابة مِمَّن تأخَّر إسلامُه، وكُنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو عمرو. وقال ابن سعد: وكان يخضب لحيته بالصُّفرة (٤). ذِكْرُ إسلامه: وقد ذكرنا طرفًا منه في سنة عشر. قال ابن سعد بإسناده عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال (٥): قَدِمَ جرير بن عبد الله المدينةَ في شهر رمضان سنةَ عشر، فنزل على فروة بن عمرو البياضيّ، ثم جاء

стр. 3220

رسولَ الله ﷺ ، ومعه قومه، فسأله عمَّا وراءه، فقال: يا رسولَ الله، قد أظهر اللهُ الإسلام، وهدَمتِ القبائلُ أصنامَها التي كانت تعبد، وأظهروا (١) الأذان في مساجدِهم وساحاتهم. وقد ذكرنا أنه قَدِم على رسول الله ﷺ ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ كان على المنبر، وقال: "يَقْدُمُ عليكم من هذا الفجِّ من خَيرِ يَمَنٍ، عليه مَسْحَةُ مَلَك" الحديث (٢). فطلع جرير، وذلك في السنة العاشرة. قال الواقدي: أسلم جوير قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه بخمسة أشهر (٣). وروى ابن سعدٍ عنه أنه قال: بايعتُ رسول الله ﷺ على النُّضحِ لكلّ مسلم، فواللهِ إني لَناصحٌ لكم أجمعين (٤). وبعثه رسولُ الله ﷺ ، فهدَمَ ذا الخَلَصَة، وأحرقه بالنار (٥)، وقد ذكرناه. ووافاه في حجَّةِ الوداع، ودعا له رسولُ الله ﷺ ، فقال: "اللهم اجْعَلْهُ هاديًا مهديًّا" (٦). وذو الخَلَصة يُسمى الكعبة اليمانية. وروينا عن الأشعث بن قيس أنّه حضر جنازةً وفيها جَرير، فقدمه الأشعث وقال: إني ارتَدَدتُ عن الإسلام، وهذا لم يَرتَدَّ (٧). وقال ابن البرقي: لَمّا قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه بسط له رسولُ الله صلى الله عليه رداءه. قال ابنُ سعد: وكان عمر بن الخطاب يُسمِّيه يوسف هذه الأُمَّة؛ لِحُسْنِه (٨). وقيل: إنه أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بأربعين يومًا (٩). والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه شهد معه حجَّة الوداع.

стр. 3221

قال أحمد بإسناده عن علي بن مُدرِك قال: سمعتُ أبا زرعة يُحدِّثُ عن جرير -وهو جَدُّه- عن النبي ﷺ أنَّه قال له: "يا جرير، استَنْصِتْ لي الناسَ". يعني في حجَّة الوداع. قال: فخطب وقال: "لا تَرجِعُوا بعدي كُفَّارا يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعض" أخرجاه في الصحيحين (١). وقال أبو القاسم بن عساكر: وله يقول القائل: لولا جَريرٌ هلكت بَجِيلَهْ … نعمَ الفَتى وبئستِ القَبيلهْ فقال عمر بن الخطاب: [ما] مُدِحَ من هُجِيَ قَوْمُه (٢). وقال هشام: شهد جريرٌ جَلُولاءَ والمدائنَ وفارسَ في أيام عمر، وأرسله عمر مددًا، وولّاه عثمان همَذان، فذهبت إحدى عينيه في قتالها. وقال ابن سعد بإسناده عن إسماعيل قال (٣): سمعتُ قيسًا يقول: سمعتُ جريرَ بنَ عبدِ الله يقول يومَ القادسية: أي قوم، إليَ إليَ، أنا جَرِير. قال قيس: وكُنَّا يومَ القادسية رُبعَ الناس، وساق المشركون ثمانية عشر فيلًا، فوجَّهوا إلينا منها ستَّةَ عشرَ، وإلى الناسِ فِيلَين. وقال ابن سعد بإسناده عن الشعبي (٤): إنَّ عمرَ ﵁ كان في بيت ومعه جَرِير، فوجد [عمر] ريحًا، فقال: عزمتُ على صاحبِ هذه الريحِ لَما قام فتوضّأ. فقال جرير: يا أميرَ المؤمنين، أَوَيتوضّأُ القومُ جميعًا؟ فقال عمر: رحمكَ الله، نِغمَ السَّيِّدُ كُنْتَ في الجاهلية، ونعمَ السيّدُ أنتَ في الإسلام. وفي غير رواية ابن سعد أنَّ هذه الواقِعةَ كانت في المسجد، وأنَّ عُمرَ صلَّى بالناس صلاة الصبح، فسمع صوتَ ريح، فلما سلَّم قال ذلك، وقالماله جرير: أَوَنتوضّأُ كلُّنا؟ وذكره. وقال هشام: لَمّا وقعتِ الفتنةُ اعتزلَها جرير، فأقام بقَرقِسِياء (٥).

стр. 3222

وقال ابنُ سعد: حدَّثنا الفضل بن دُكَيْن بإسناده عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه قال (١): بعث إليَّ عليٌّ ابنَ عباس والأشعث بنَ قيس؛ قال: فأَتَياتي وأنا بقَرقِيسياء، فقالا: إنَّ أميرَ المؤمنين يُقْرِئُك السلامَ، ويُخبرك أنَّه نِعمَ ما أراكَ اللهُ من مُفارقتِك مُعاويةَ، وإنَّني أُنزلك منزلةَ نبيّ اللهِ التي أنزلكَها. فقال لهما جرير: إنَّ نبيَّ الله بعثني إلى اليمن أُقاتلُهم وأدعوهم [إلى الإسلام]، فإذا قالوا: لا إله إلّا الله؛ حَرُمَتْ أموالُهم ودِماؤهم، ولا أُقاتِلُ رجلًا يقول: لا إله إلّا الله أبدًا. فرجعا على ذلك. قلت: وقد ذكرنا أن عليًّا ﵇ بعثه رسولًا إلى مُعاوية عند عَوْدِه من وَقْعةِ الجمل، وأنَّ الأشتر اتَّهمه بالميل إلى معاوية (٢). وانقطاعُه بقَرقِيسِياء يدلُّ على براءة ساحته، وأنَّه لم يكن له مَيلٌ إلى معاوية. وذكر ابنُ عساكر أن جريرًا هرب إلى معاوية، فجاء أمير المؤمنين، فوقف على داره بالكوفة، وأمر بهدمها، فناشده أولادُه الله فتركها. وقد ذكرنا طرفًا من هذا في سنة ستّ وثلاثين عند بَعْثِ عليّ ﵇ جريرًا إلى معاوية. وقال ابنُ سعد: شهد جريرٌ جِسْرَ أبي عُبَيد، فلما قُتِلَ أبو عُبَيد جاء المثنى بن حارثة وجرير بنُ عبد الله بمن بقي من الناس. وقد ذكرنا أن عمرَ ﵁ أمدَّ سعد بن أبي وقاص بجرير بن عبد الله في وقعة القادسية (٣). ذِكْرُ وفاته: حكى ابن سعد عن الواقديِّ قال: لم يَزَلْ جرير معتَزِلًا لعليّ ومعاويةَ بالجزيرة ونواحيها حتى تُوفي بالسراة (٤) في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة، وكانت ولايته سنتين ونصف بعد زياد بن أبي سفيان. ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته.

стр. 3223

وقال المدائني: تُوفي جرير في سنة إحدى وخمسين. قال الهيثم: وفيها مات سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعمرو بن حزم. وكذا قال الخطيب: إنه مات في سنة إحدى وخمسين (١). وقال جدِّي ﵀ في "المنتظم" (٢): لَمّا مُصِّرَت الكوفةُ؛ نزلها جرير، فأقام بها إلى خلافة عثمان، ثم بدت الفتنة، فانتقل إلى قَرْقِيسِياء، فسكنَها إلى أنْ مات بها. وقال هشام بن محمد الكلبي: إنَّه مات سنة أربع وخمسين (٣)، وكذا قال الواقدي: مات بالسراة سنة أربع وخمسين. وقال أبو نُعيم الأصفهاني: مات جَرير في سنة خمس أو ست وخمسين (٤). قلتُ: وقولُ أبي نُعيم أظهر، والتاريخُ يدلُّ عليه، وهو موافقٌ لقول ابن سعد فيما حكاه عن الواقدي أنَّه مات في ولاية الضحاك بن قيس (٥)؛ لأنَّ زيادًا مات في سنة ثلاث وخمسين، والضحاكُ وَليَ سنتين ونِصْفًا، فقد مات جَرير من سنة أربع وخمسين إلى خمسٍ أو ستّ (٦). وقال خليفة: مات بقرقيسِياء، ولم يذكر تاريخ وفاته (٧). ذِكرُ أولاده: كان له أولاد، منهم إبراهيم وأبان؛ رَوَيا الحديث (٨)، وأُمامةُ تزوَّجها عمرو بن حُريث المخزومي، وكان عمرو عظيمًا بالكوفة، وهو نائبُ زياد، وفيه يقول بشَّار: إذا قَدَحَتْكَ (٩) جِسامُ الأمور … فَنَبِّهْ لها عُمَرًا [ثُمَّ نمْ]

стр. 3224

وإنَّما قال: عُمَرًا، لضرورة الشعر. وقيل: إن البيت في عَمرو بن عبيد الله التميمي. أسند جرير عن رسول الله ﷺ مئة حديث. أُخرج له منها في "الصحيحين" خمسةَ عشرَ حديثًا؛ اتَّفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلمٌ بستَّة (١). وأخرج له [أحمد] إحدى (٢) وعشرين حديثًا، منها متفقٌ عليه، ومنها أفراد (٣). وقد ذكرنا حديث المسح على الخُفَّين -وهو في الصحيحين (٤) - في السنة العاشرة عند إسلام جرير. وليس في الصحابة من اسمه جرير بن عبد الله سوى رجلَيْن: أحدُهما: صاحبُ هذه الترجمة. والثاني: ذكره ابنُ عساكر، فقال (٥): جرير بن عبد الله بن عَنْبَسة. قال: وقيل: إنه ابن سعيد بن العاص، وفد على هشام بن عبد الملك، فبعث إليه بقوارير فيها شراب، فكسرها ولم يشربه. ولم يذكُره جدِّي في "التلقيح"، وإنَّما ذكر رجلين؛ أحدُهما صاحبُ هذه الترجمة، والآخر جَريرُ بن الأَرقَط، له صحبةٌ ورِوايةٌ (٦). قلتُ: وقد تكلَّموا في إسلام جرير، فقال قوم: أسلم في السنة التاسعة. وقيل: قبل وفاة رسول الله ﷺ بأربعين يومًا.

стр. 3225

وحكى ابن سعد عن محمد بن عمر، عن طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه قال (١): كان سعيد بن المسيِّب لا يوى الصحابةَ إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنةً أو سنتين، أو غزا معه غزوةً أو غزوتين. قال ابن سعد: وقال محمد بن عمر: ورأيتُ أهلَ العلم يقولون غير ذلك، ويذكرون جرير بنَ عبد الله وإسلامه قبل وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر، أو نحوها، وبعثَه رسولُ الله ﷺ إلى ذي الخَلَصة، فهدمَها، ووافاه في حَجَّة الوداع، وروى عنه أحاديث، وصَحِبَهُ إلى أن قُبض. وقالوا: كلُّ من رأى رسولَ الله ﷺ وقد أدرك الحُلُمَ، فأسلم وعَقَلَ أمرَ الدين ورَضِيَه، فهو عندنا من الصحابة، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على منازلهم وطبقاتهم وتقدُّمِهم في الإسلام. وقد أشرنا إلى هذا في آخر السيرة في مراتب الصحابة. وفيها توفي حارثةُ بن النعمان ابن رافع (٢) الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، وكُنيتُه أبو عبد الله، وأُمُّه جَعدَةُ بنت عُبَيد بن ثعلبة، من بني غَنْم. شهد حارثةُ بدرًا، وأُحدًا، والخندقَ، والمشاهِدَ كُلَّها مع رسول الله ﷺ . وحكى عنه ابن سعد قال (٣): رأيتُ جبريل مرَّتين: المرَّة الأولى حين خرج رسولُ الله ﷺ إلى بني قُريظة؛ في صورة دِحْيةَ الكلبي. والثانية حين رجَعوا من حُنَين، قال: مررتُ به وهو يكلِّم رسولَ الله ﷺ ، فلم أُسلِّمْ، فقال جبريل: مَنْ هذا؟ فقال رسولُ الله
следующие страницы →