← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

قال أحمد بإسناده عن علي بن مُدرِك قال: سمعتُ أبا زرعة يُحدِّثُ عن جرير -وهو جَدُّه- عن النبي ﷺ أنَّه قال له: "يا جرير، استَنْصِتْ لي الناسَ". يعني في حجَّة الوداع. قال: فخطب وقال: "لا تَرجِعُوا بعدي كُفَّارا يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعض" أخرجاه في الصحيحين (١). وقال أبو القاسم بن عساكر: وله يقول القائل: لولا جَريرٌ هلكت بَجِيلَهْ … نعمَ الفَتى وبئستِ القَبيلهْ فقال عمر بن الخطاب: [ما] مُدِحَ من هُجِيَ قَوْمُه (٢). وقال هشام: شهد جريرٌ جَلُولاءَ والمدائنَ وفارسَ في أيام عمر، وأرسله عمر مددًا، وولّاه عثمان همَذان، فذهبت إحدى عينيه في قتالها. وقال ابن سعد بإسناده عن إسماعيل قال (٣): سمعتُ قيسًا يقول: سمعتُ جريرَ بنَ عبدِ الله يقول يومَ القادسية: أي قوم، إليَ إليَ، أنا جَرِير. قال قيس: وكُنَّا يومَ القادسية رُبعَ الناس، وساق المشركون ثمانية عشر فيلًا، فوجَّهوا إلينا منها ستَّةَ عشرَ، وإلى الناسِ فِيلَين. وقال ابن سعد بإسناده عن الشعبي (٤): إنَّ عمرَ ﵁ كان في بيت ومعه جَرِير، فوجد [عمر] ريحًا، فقال: عزمتُ على صاحبِ هذه الريحِ لَما قام فتوضّأ. فقال جرير: يا أميرَ المؤمنين، أَوَيتوضّأُ القومُ جميعًا؟ فقال عمر: رحمكَ الله، نِغمَ السَّيِّدُ كُنْتَ في الجاهلية، ونعمَ السيّدُ أنتَ في الإسلام. وفي غير رواية ابن سعد أنَّ هذه الواقِعةَ كانت في المسجد، وأنَّ عُمرَ صلَّى بالناس صلاة الصبح، فسمع صوتَ ريح، فلما سلَّم قال ذلك، وقالماله جرير: أَوَنتوضّأُ كلُّنا؟ وذكره. وقال هشام: لَمّا وقعتِ الفتنةُ اعتزلَها جرير، فأقام بقَرقِسِياء (٥).

стр. 3222

وقال ابنُ سعد: حدَّثنا الفضل بن دُكَيْن بإسناده عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه قال (١): بعث إليَّ عليٌّ ابنَ عباس والأشعث بنَ قيس؛ قال: فأَتَياتي وأنا بقَرقِيسياء، فقالا: إنَّ أميرَ المؤمنين يُقْرِئُك السلامَ، ويُخبرك أنَّه نِعمَ ما أراكَ اللهُ من مُفارقتِك مُعاويةَ، وإنَّني أُنزلك منزلةَ نبيّ اللهِ التي أنزلكَها. فقال لهما جرير: إنَّ نبيَّ الله بعثني إلى اليمن أُقاتلُهم وأدعوهم [إلى الإسلام]، فإذا قالوا: لا إله إلّا الله؛ حَرُمَتْ أموالُهم ودِماؤهم، ولا أُقاتِلُ رجلًا يقول: لا إله إلّا الله أبدًا. فرجعا على ذلك. قلت: وقد ذكرنا أن عليًّا ﵇ بعثه رسولًا إلى مُعاوية عند عَوْدِه من وَقْعةِ الجمل، وأنَّ الأشتر اتَّهمه بالميل إلى معاوية (٢). وانقطاعُه بقَرقِيسِياء يدلُّ على براءة ساحته، وأنَّه لم يكن له مَيلٌ إلى معاوية. وذكر ابنُ عساكر أن جريرًا هرب إلى معاوية، فجاء أمير المؤمنين، فوقف على داره بالكوفة، وأمر بهدمها، فناشده أولادُه الله فتركها. وقد ذكرنا طرفًا من هذا في سنة ستّ وثلاثين عند بَعْثِ عليّ ﵇ جريرًا إلى معاوية. وقال ابنُ سعد: شهد جريرٌ جِسْرَ أبي عُبَيد، فلما قُتِلَ أبو عُبَيد جاء المثنى بن حارثة وجرير بنُ عبد الله بمن بقي من الناس. وقد ذكرنا أن عمرَ ﵁ أمدَّ سعد بن أبي وقاص بجرير بن عبد الله في وقعة القادسية (٣). ذِكْرُ وفاته: حكى ابن سعد عن الواقديِّ قال: لم يَزَلْ جرير معتَزِلًا لعليّ ومعاويةَ بالجزيرة ونواحيها حتى تُوفي بالسراة (٤) في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة، وكانت ولايته سنتين ونصف بعد زياد بن أبي سفيان. ولم يذكر ابن سعد تاريخ وفاته.

стр. 3223

وقال المدائني: تُوفي جرير في سنة إحدى وخمسين. قال الهيثم: وفيها مات سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعمرو بن حزم. وكذا قال الخطيب: إنه مات في سنة إحدى وخمسين (١). وقال جدِّي ﵀ في "المنتظم" (٢): لَمّا مُصِّرَت الكوفةُ؛ نزلها جرير، فأقام بها إلى خلافة عثمان، ثم بدت الفتنة، فانتقل إلى قَرْقِيسِياء، فسكنَها إلى أنْ مات بها. وقال هشام بن محمد الكلبي: إنَّه مات سنة أربع وخمسين (٣)، وكذا قال الواقدي: مات بالسراة سنة أربع وخمسين. وقال أبو نُعيم الأصفهاني: مات جَرير في سنة خمس أو ست وخمسين (٤). قلتُ: وقولُ أبي نُعيم أظهر، والتاريخُ يدلُّ عليه، وهو موافقٌ لقول ابن سعد فيما حكاه عن الواقدي أنَّه مات في ولاية الضحاك بن قيس (٥)؛ لأنَّ زيادًا مات في سنة ثلاث وخمسين، والضحاكُ وَليَ سنتين ونِصْفًا، فقد مات جَرير من سنة أربع وخمسين إلى خمسٍ أو ستّ (٦). وقال خليفة: مات بقرقيسِياء، ولم يذكر تاريخ وفاته (٧). ذِكرُ أولاده: كان له أولاد، منهم إبراهيم وأبان؛ رَوَيا الحديث (٨)، وأُمامةُ تزوَّجها عمرو بن حُريث المخزومي، وكان عمرو عظيمًا بالكوفة، وهو نائبُ زياد، وفيه يقول بشَّار: إذا قَدَحَتْكَ (٩) جِسامُ الأمور … فَنَبِّهْ لها عُمَرًا [ثُمَّ نمْ]

стр. 3224

وإنَّما قال: عُمَرًا، لضرورة الشعر. وقيل: إن البيت في عَمرو بن عبيد الله التميمي. أسند جرير عن رسول الله ﷺ مئة حديث. أُخرج له منها في "الصحيحين" خمسةَ عشرَ حديثًا؛ اتَّفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلمٌ بستَّة (١). وأخرج له [أحمد] إحدى (٢) وعشرين حديثًا، منها متفقٌ عليه، ومنها أفراد (٣). وقد ذكرنا حديث المسح على الخُفَّين -وهو في الصحيحين (٤) - في السنة العاشرة عند إسلام جرير. وليس في الصحابة من اسمه جرير بن عبد الله سوى رجلَيْن: أحدُهما: صاحبُ هذه الترجمة. والثاني: ذكره ابنُ عساكر، فقال (٥): جرير بن عبد الله بن عَنْبَسة. قال: وقيل: إنه ابن سعيد بن العاص، وفد على هشام بن عبد الملك، فبعث إليه بقوارير فيها شراب، فكسرها ولم يشربه. ولم يذكُره جدِّي في "التلقيح"، وإنَّما ذكر رجلين؛ أحدُهما صاحبُ هذه الترجمة، والآخر جَريرُ بن الأَرقَط، له صحبةٌ ورِوايةٌ (٦). قلتُ: وقد تكلَّموا في إسلام جرير، فقال قوم: أسلم في السنة التاسعة. وقيل: قبل وفاة رسول الله ﷺ بأربعين يومًا.

стр. 3225

وحكى ابن سعد عن محمد بن عمر، عن طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه قال (١): كان سعيد بن المسيِّب لا يوى الصحابةَ إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنةً أو سنتين، أو غزا معه غزوةً أو غزوتين. قال ابن سعد: وقال محمد بن عمر: ورأيتُ أهلَ العلم يقولون غير ذلك، ويذكرون جرير بنَ عبد الله وإسلامه قبل وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر، أو نحوها، وبعثَه رسولُ الله ﷺ إلى ذي الخَلَصة، فهدمَها، ووافاه في حَجَّة الوداع، وروى عنه أحاديث، وصَحِبَهُ إلى أن قُبض. وقالوا: كلُّ من رأى رسولَ الله ﷺ وقد أدرك الحُلُمَ، فأسلم وعَقَلَ أمرَ الدين ورَضِيَه، فهو عندنا من الصحابة، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على منازلهم وطبقاتهم وتقدُّمِهم في الإسلام. وقد أشرنا إلى هذا في آخر السيرة في مراتب الصحابة. وفيها توفي حارثةُ بن النعمان ابن رافع (٢) الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، وكُنيتُه أبو عبد الله، وأُمُّه جَعدَةُ بنت عُبَيد بن ثعلبة، من بني غَنْم. شهد حارثةُ بدرًا، وأُحدًا، والخندقَ، والمشاهِدَ كُلَّها مع رسول الله ﷺ . وحكى عنه ابن سعد قال (٣): رأيتُ جبريل مرَّتين: المرَّة الأولى حين خرج رسولُ الله ﷺ إلى بني قُريظة؛ في صورة دِحْيةَ الكلبي. والثانية حين رجَعوا من حُنَين، قال: مررتُ به وهو يكلِّم رسولَ الله ﷺ ، فلم أُسلِّمْ، فقال جبريل: مَنْ هذا؟ فقال رسولُ الله

стр. 3226

ﷺ : هذا حارثةُ بن النعمان، فقال جبريل: أما إنَّه من المئة الصابرة يومَ حُنَين الذين تكفَّلَ اللهُ تعالى بأرزاقهم في الجنَّة، ولو سلم لَرَدَدنا عليه. وحكى ابنُ سعد عن الواقدي قال (١): وحارثةُ هو الذي كانت له منازلُ بقُربِ منازلِ رسول الله ﷺ ، فكان كلَّما أَحدث رسولُ الله ﷺ أهلًا؛ تحوَّل له حارثةُ إلى منزلٍ آخَر، فقال رسولُ الله ﷺ : "لقد استَحيَيتُ من حارثةَ مِمّا يتحوَّلُ لنا عن منازِلِه". قال: وكان قد ذهب بصرُه؛ قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن عثمان، عن أبيه، أنَّ حارثةَ كان قَدْ كُفَّ بَصَرُه، فجعل خيطًا من مُصَلّاه إلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلًا فيه تَمْرٌ وغيره، فكان إذا سلَّم [المسكين] أخذَ على الخيط حتى يأتيَ بابَ الحُجْرة، ثم يأخُذُ من المِكتَل، فيُناول المسكينَ، فيقولُ له أَهلُه: نحن نكفيكَ، فيقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ [يقول]: "مناولةُ المسكين تَقِي مِيتةَ السُّوء" (٢). ذِكْرُ وفاته: قال ابنُ سعد (٣): بقيَ حارثةُ حتى تُوفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وله عَقِبٌ، ومن وَلَدِه أبو الرِّجَال، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة. ولم يذكر ابنُ سعد الوقتَ الذي تُوفِّيَ فيه، بل أطلق. وقال هشام: مات في سنة إحدى وخمسين. وقال الواقدي (٤): وكان له من الولد: عبدُ الله، وعبدُ الرحمن، وسَوْدَةُ، وعَمْرةُ، وأُمُّ هِشام، وكُنَّ من المُبايعات، وأمُّهم أُمُّ خالد بنت خالد، أنصارية، وكان له أُمُّ كُلثوم بنت حارثة؛ وأُمُّها غَطَفانية، وأُمُّ عبد الله (٥)، وهي جُنْدُعيَّةٌ. أسند حارثةُ عن رسول الله ﷺ الحديث؛ قال ابن البرقي: له حديثان، وليس له في الصحيح شيءٌ.

стр. 3227

قلت: وذكر جدِّي في "التلقيح" (١) من اسمه حارثة بن النعمان [وهما رجلان؛ قال: حارثة بن النعمان، بن رافع الأنصاري، قال: وقيل: الحارث بن النعمان، وهو الذي قال النبي ﷺ فيه: "رأيتُ كأَنّي دخلْتُ الجنَّة، فسمعتُ صوتًا، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان" فقال: "كذلك البِرُّ" (٢). والثاني: حارثة بن النعمان بن نَفْع أبو عبد الله الأنصاري. قلت: ولم يذكر ابن سعد حارثةَ بنَ النعمان (٣)، بل قال: الحارث بن النعمان بن أُمية بن البُرَك، وهو امرؤ القيس بن ثعلبة، عمُّ خَوّات وعبدِ الله ابنَيْ جُبَير، شهد بدرًا وأُحدًا. ثم ذكر (٤) حارثة بن النعمان صاحب هذه الترجمة، فقال: حارثة بن النعمان بن نَفْع بن زيد بن عُبَيد بن ثعلبة بن غَنْم. وأما الحديثُ الذي أشار إليه جدّي؛ فقال أحمد بن حنبل (٥): حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن عمرةَ، عن عائشة قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "نمت، فرأيتُ كأني في الجنَّة، فسمعتُ صوتَ قارِئ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان" فقال رسولُ الله ﷺ : "كذلك البِرُّ". وكان حارثة من أبَرّ الناسِ بأُمّه. فالله أعلم أيُّهم كان. قلتُ: ولم يخرّج أحمد في "المسند" عن حارثة بن النعمان بن رافع شيئًا، وإنَما أخرج عن حارثة بن النعمان بن نفع حديثين (٦): أحدهما: قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن مَعمَر، عن الزّهري قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن حارثة بن النعمان قال: مررتُ على رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇ جالسٌ في المقاعد، فسلَّمتُ عليه، ثم جُزْتُ، فلمَّا رجعتُ

стр. 3228

وانصرف النبي ﷺ قال: "هل رأيتَ الذي كان معي؟ " قلت: نعم. قال: "فإنَّه جبريل، وقد ردَّ عليك السلامَ" (١). قُلْتُ: واختلفوا في القائل لرسول الله ﷺ : عزفت نفسي عن الدنيا (٢). فقيل: هو حارثة بن النعمان بن رافع، وقيل: حارثة بن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ (٣)، وهي أُمّه، وأبوه سُراقة بن الحارثِ، من بني النجار، وهو الذي قال النبي ﷺ لأُمِّه: "الحارث في الفِردَوْس الأعلى" (٤). وفيها توفي حُجر بن عدي ابن جَبَلَةَ بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأَكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية (٥) بن ثور الكِنْدي، وكنيتُه أبو عبد الرحمن. ذكره ابن سعد في "الطبقات" في موضعَينِ:

стр. 3229

ذكره في الطبقة الرابعة فيمن أسلم من القبائل فقال (١): حُجْرُ الخير بن عَديّ الأَدبَر، قال: وإنما سُمّيَ أبوه الأَدبَرَ لأنَّه طُعِنَ موليًا، فسُمّيَ الأدبرَ، وهو عديُّ بن جَبَلَةَ. قال: وحُجْرٌ جاهليٌّ إسلامي، وَفَدَ إلى النبي ﷺ وشهد القادسيَّة. وهو الذكره افتتح مَرجَ عَذْراء (٢)، وشهد الجَمَلَ وصِفِّين مع عليّ بن أبي طالب، وكان في ألفَيْن وخمس مئة من العطاء. وقَتَلَه معاويةُ بنُ أبي سفيان وأصحابَه بمَرج عَذْراء. وابناه عُبيد الله وعبد الرحمن ابنا حُجْر بن عديّ؛ قتلهما مصعب بن الزُّبير صبرًا، وكانا يتشيَّعان. هذا صورةُ ما ذكر ابنُ سَعد في الطبقة الرابعة من الصحابة. وذكره في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، ونسبَه كما نسبَه في الطبقة الرابعة؛ قال (٣): وذكر بعضُ رواة العلم أنه وَفَدَ إلى النبي ﷺ مع أخيه هانئ بن عديّ (٤). وقال ابن عبد البَرِّ (٥): كان حُجْرٌ من فضلاء الصحابة، وكان على ميمنة عليّ يوم صفّين على كِنْدَة، وعلى ميسرته يوم النَّهْروان. وقال أبو أحمد الحاكم: وقد اختلفوا فيه، فقال بعضُهم: وَفَدَ على رسول الله ﷺ . وبعضُهم يقول: لم تكن له وفادةٌ. وقال جَدِّي في "التلقيح" (٦): ولا تثبتُ له صحبة. وقال الواقدي: له صحبة، وكان زاهدًا، لم يُحْدِثْ قَطُّ إلّا توضأ وصلَّى، وكان يَقْلِبُ فِراشَ أُمِّه بيده، فإن كان عليه شيءٌ، أزالهُ ثم أَضْجَعَها عليه (٧).

стр. 3230

ذِكْرُ مقتله: واختلفوا فيه، فقال هشام بن محمد فيما رواه عن أبي مِخْنَف (١)، عن مجالدِ بن سعيد وغيره؛ دخل حديث بعضِهم في حديث بعض، قالوا: لَمّا وَلَّى معاوية المغيرةَ بنَ شعبةَ الكوفةَ قال له: إن المتلمِّسَ الشاعرَ يقول: لذي الحِلْمِ قبل اليومِ ما تُقْرَعُ العصا … وما عُلِّم الإنسانُ إلا لِيَعلَما (٢) وقد أردتُ أن أُوصيَك بأشياءَ كثيرة، وتركتُها اعتمادًا على بِصارَتِكَ بما يُرضيني ويُشدِّدُ سلْطاني، وتَصلُحُ به رَعيَّتي، ولستُ تاركًا إيصاءكَ بخَصلَة، وهي شَتمُ أبي تُراب، والترحُّم على عثمان، وَذَمُّ أصحابِ عليّ وعَيبُهم، وتَرك الاستماع منهم. فقال المغيرة: سوف تُحمِد أو تُذِمّ (٣). فقال معاوية: بل أُحمِدُ إن شاء الله. فكان المغيرة يذمُّ عليًّا ﵇ وينال منه، ويستغفر لعثمان، فكان إذا قال ذنك على المنبر قال له حُجْر: بل إيّاكم يذمُّ اللهُ ويلْعَنُ. ثم قام حُجر يومًا فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وأنا أشهدُ أنَّ مَنْ تذمُّون لَأَحقُّ بالتَّفْضيلِ مِمَّن تزكُّون. فقال له المغيرة: ويحك يا حُجْر، اتَّقِ غَضبَ السلطان وسَطْوَتَه، فإنَّه مما يُهْلِكُ أمثالكَ. وكان حُجر يفعلُ ذلك كثيرًا والمغيرة يَصفَحُ عنه، فأقام المغيرة على ذلك مُدَّةَ إمارته، وحجر لا ينتهي عن مثل هذا الكلام، حتى إذا كان في آخر إمارة المغيرة قام على المنبر، وشتمَ أمير المؤمنين، واستغفرَ لعثمان كما كان يفعل، فصاح به حُجْر: يا أَعوَرُ، انْزِلْ لعنك الله، تذمُّ أميرَ المؤمنين، وتُقَرِّظُ المجرمين. وقامت معه الشيعةُ، فنزل المغيرة، ودخل القصر، واجتمع إليه قومُه ولاموه وقالوا: جَرَأْتَ على سلطانِك حُجْرًا وأصحابَه، فما عذرُكَ عند الله وعند معاوية؟ فقال لهم المغيرة: لا تَعجَلوا، فإني قد قَتلْتُه (٤) وسيأتي بعدي أمير فيقوم إليه كما قامَ إليَّ فيقتُلُه شرَ قِتلَة. قالوا: فقد

стр. 3231

جرَّاتَهُ على غيرك، فقال: إني امرؤ قد اقتربَ أجلي، ولم يَبْقَ منه إلا اليسير، وما أُوثرُ أن أَقْتُلَ خيارَ أهل هذا البلد، وأسفكَ دماءهم، فيَعِزَّ معاويةُ في الدنيا، وأَذِلَّ أنا يومَ القيامة، ولكني أَقْبَلُ من مُحْسِنِهم وأتجاوزُ عن مُسيئهم حتى يُفَرِّقَ بيننا الموت. ثم مات المغيرةُ، ووَليَ زياد الكوفةَ، فأقام بها ستَّة أشْهُر، ثم عاد إلى البصرة، وولَّى الكوفةَ عمرَو بنَ حُرَيث، فبلغ عَمرًا أن جماعةَ يتردَّدُون إلى حُجْر بن عَدِيّ من شيعة عليّ، ويلعنون معاويةَ ويتبرَّؤون منه، وصعد يومًا عمرو بن حُريث إلى المنبر، فشتم عليًّا، فحصبوه فنزل. وروى هشام بن محمد، عن محمد بن سيرين قال (١): خطب زيادٌ يومًا للجمعة، فأطال الخُطبةَ، وأخَّر الصلاةَ، فناداه حُجْر: الصلاةَ. فمضى في خطبته، فقال حُجْر: الصلاة. فمضى في خُطْبتِه، فلما خَشِيَ حُجْر فَوْتَ الصلاة؛ ضَرَبَ بيده، فأَخَذَ كفًّا من الحصى، وثار الناسُ معه، فحصبوا زيادًا، فنزل وصلَّى بالناس، فلما فرغَ من صلاته كتب إلى معاوية وكثَّر على حُجْر، فكتب إلى زياد: احملْهُ إليَّ مُوثقًا. فحمله إليه. وقال ابن سعد (٢): لما قَدِم زياد الكوفةَ واليًا عليها من قِبَلِ معاوية؛ دعا بحُجْرِ بن عديّ، فقال له: قد كنتُ أنا وإيَّاك على ما قَدْ عَلمتَ، -يعني من حب عليّ ﵇، - وإنَّه قد جاءَ غيرُ ذلك، وإنّي أَنْشُدُكَ الله أن تَقْطُرَ في من دمِكَ قَطْرة، فأستفرغه كلَّه. أَمسِكْ عليك لسانَكَ، ولْيسَعَكَ بَيتُكَ -أو منزلك- وهذا سريري فهو مجلسُكَ، وحوائجُك مَقْضِيَّةٌ لديَّ، فاكْفِني نَفْسَكَ، فإني أعرِفُ عَجَلَتكَ. فأَنشُدُكَ الله يا أبا عبد الرحمن في نفسك، وإياك وهذه السَّفِلةَ -أو السُّفهاءَ- أن يستزلوك عن رأيك. فإنَّك لو هُنْتَ عليَّ واسْتَخْفَفْتُ بحقِّك؛ لم أَخُصَّك بهذا من نفسي. وقال الهيثم: قال له زياد: وقد كنتُ أنا وأنتَ مُتَّفِقَينِ على محبَّة عليّ بن أبي طالب، فلما رأيتُ الأمرَ قد صُرِفَ عنه إلى معاوية؛ لم أتَّهمِ الله في قَضائِه، ورضيتُ به.

стр. 3232

فقال له حُجر: كلَّا واللهِ، بل استمالتْكَ الدنيا فأفسَدَتْكَ. فقال له: أَمسِكْ عليك لسانَك، فواللهِ لئن قَطَرتْ من دمِكَ قطرةٌ لأَستَفْرِغَنَّكَ. فقال حُجْر: لستَ من هذا في شيء (١). قال هشام: لله دَرُّ زياد، ما كان أَعقَلَه وأَحلَمَه وأَقْرَبَه إلى التحقيق! وللهِ دَرُّ المغيرةِ بن شعبة، ما كان أَبْصَرَه بعواقب الأُمور! كأَنَّه كان ينظر من سِتْرٍ رَقيق. رجع الحديث إلى ابن سعد: ولما قال زياد لحُجْر ما قال، قال له: قد فَهِمتُ. ثم انصرف إلى منزله، فأتاه إخوانُه من الشيعة، فقالوا: ما قال لك الأميرُ؟ قال: قال لي كذا وكذا. فقالوا: ما نصح لك. فأقام وفيه بعضُ الاعتراض. وكانت الشيعةُ يختلفون إليه ويقولون: إنَّك شيخُنا وأحقُّ الناس بإنكار هذا الأمر. وكان إذا جاء إلى المسجد مَشَوْا معه، فأرسل إليه عمرو بن حُرَيث -وهو يومئذٍ خليفةُ زياد على الكوفة وزياد بالبصرة- يقول: يا أبا عبد الرحمن، ما هذه الجماعة، وقد أعطيتَ الأمير من نفسك ما قد علمتَ؟ فقال للرسول: يُنكرون ما أنتم فيه، إليك وراءَك أَوْسَعُ لك. فكتب عمرو بن حُريث إلى زياد يقول: إن كانت لك حاجةٌ في الكوفة فالعَجَلَ العَجَلَ. فأَغَدَّ زياد السيرَ حتى قَدِم الكوفة، فأرسل إلى عديّ بن حاتم، وجرير بن عبد الله البَجَليِّ، وخالد بن عُرفُطة العُذْريِّ حليف بني زُهْرَة، وإلى عدَّةٍ من أشرافِ أهلِ الكوفة، فأرسلهم إلى حُجْرِ بن عَديّ ليعذِرَ إليه وَينْهاه عن هذه الجماعة، وأن يكفَّ لسانَه عما يتكلَّمُ به. فأتَوْه، فلم يُجِبْهُم إلى شيء، ولم يكلِّم أحدًا منهم، وجعل يقول: يا غلامُ، اعلِفِ البَكْرَ؛ لِبَكْرٍ في ناحيةِ الدار، فقال عديّ بنُ حاتم: أمجنون أنت؟! أُكلِّمُكَ بما أُكلِّمُكَ به وأنت تقول: يا غلام اعلِف البَكْر! فقال حُجْر لأصحابه: ما كنتُ أظنُّ (٢) أنَّ هذا البائسَ بلغ به الضَّعفُ إلى ما أرى!

стр. 3233

ونهض القومُ، فأتَوْا زيادًا، فأخبروه ببعضٍ وحرَّفوا بعضًا، وحسَّنوا أمره، وسألوه الرِّفْقَ به، فقال: لستُ إذًا لأبي سفيان. وأرسل إليه الشُّرَطَ والأعوان، فقاتَلَهم بمن معه، ثم انْفَضُّوا عنه، وأُتيَ به زيادٌ وبأصحابه، فقال له: ويلك، ما لَك؟ قال: إنِّي على بيعتي لمعاوية لا أُقيلها ولا أَستقيلُها. فجمع زيادٌ سبعين من وجوه أهل الكوفة وقال: اكتبوا شهادتكم على حُجْر وأصحابه. ففعلوا، ثم أَوْفَدَهم على معاوية، وبعث بحُجْرٍ وأصحابه إليه (١). وقال هشام، عن أبي مِخْنَف، عن أشياخه (٢): إن زيادًا قال لشُرطته: انطلقوا إلى حُجْر، فَأتوني به. فقال أمير الشرطة -وهو شدَّاد بن الهيثم الهلالي، وقيل: الهيثم بن شدَّاد- لحسين بن عبد الله الهمداني: اِذْهب إليه فادعُهُ. فقال حسين: فأتيتُه فقلتُ: أجِبِ الأمير. فقال أصحابُه: لا يأتيه ولا كرامة. قال: فرجعتُ فأخبرتُه، فبعث معي رِجالًا، فسبُّونا وشتمونا، فرجعنا إليه، فأخبرناه الخَبَر قال: فوثب زيادٌ بأشراف أهلِ الكوفة وقال: أتشجُّون بيدٍ وتَأسَوْنَ بأُخرى! أبدانكم معي وأبناؤكم وعشائركم مع حُجْر؛ هذا الهجْهاجة المذْبوب. (الهجْهاجة: الأحمق، والمذبوب: المُنْفَرِدُ العَجِلُ) [هذا واللهِ من] دَحْسِكم (٣) ودَسِّكم. واللهِ لَتُظْهِرُنَّ في براءتكم، أو لآتينَّكم بقوم [أُقيمُ] بهم أَوَدَكم وصَعَرَكُم (٤). فقالوا: معاذَ اللهِ أن يكون لنا فيما ههُنا رأيٌ إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين. فقال: فَلْيَقُم كلُّ واحدٍ منكم إلى هذه الجماعة التي حَوْلَ حُجْر، فليدعُ كلُّ واحدٍ منكم أخاه وابنه، وذا قَرابتهِ، ومَنْ يُطيعُه من عشيرته. ففعلوا ذلك، وبقيَ مع حُجْر نَفَرٌ يسير. فقال زياد لصاحب شرطته: اذهب إلى حُجْر، فأتني به، فإن أتى؛ وإلّا قاتلوا مَنْ معه ومَنْ حال دُونَه. فجاء إليه فقال: أَجِبِ الأمير، فقال أصحابُه: لا، ولا كرامة، فقال لأصحابه: دونكم وإياهم. فضربوهم بالعُمدِ والسيوف، وكان عَمرُو بن الحَمِق مع حُجْر،

стр. 3234

فانهزموا، واختبأ عمرو بن الحَمِق في دار بعضِ الأَزْد، واسمُ صاحبها عُبيد الله بن مالك. قال أبو مِخْنَف: وانحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدَة، وكانت بغلةُ حُجْر عند باب المسجد، فقدَّمها إليه عُمير بن يزيد الكِنْدي -ويقال له: أبو (١) العَمَرَّطَة- وقال له: اركبْ، فما أراكَ إلا قد قَتَلْتَ نَفْسَكَ، وقتلتنا معك. ومضى حُجْر هذا، وزيادٌ على المنبر يُحَرِّضُ الناسَ ويُجهِّزُ القبائلَ إلى حُجْر: همدان، وتميم، وهوزن، وغَطَفان، ومَذْحِج، واليمن، وغيرهم، فتوقَّف بعضُهم من همدَان، وآخرون من كِنْدَةَ مراعاةً لحُجْر. قال: وكان أبو العَمَرَّطَة لَمّا أَركبَ حُجْرَ بنَ عَديّ بَغْلَتَهُ ضَرَبه يزيدُ بنُ طريف السُّلَميُّ على فَخِذِه، وضَربَ أبو العَمَرَّطَة رأسَ يزيد، فجرحه فوقع، ثم إنَّه بَرَأَ بعد ذلك. وكان ذلك السيفُ أوَّلَ سيف ضُرِبَ في الكوفة في أيام الفتنة. ومضى أبو العَمَرَّطَة مع حُجْر إلى داره، ولما انتهى حُجْر إلى داره؛ نظر، فرأى قِلَّةَ مَنْ معه من قَوْمه، وبَلَغَهُ أن زيادًا قد جَهَّزَ القبائل إليه، قال لأصحابه: انصرفوا، فواللهِ ما لكم بالقوم طاقَة. قال أبو مِخْنَف: وأَخَذَ حُجْر في بعضِ السِّكَكِ، فانتهى إلى دارِ رجُل يقال له: سليمان بن يزيد (٢)، وجاء الطلبُ خَلْفَه حتى انتَهوْا إلى تلك الدار، فأخذ سليمان بن يزيد سَيفَه، ثم ذهبَ ليخرجَ إليهم، فبكت (٣) بناتُه، فقال له حُجْر: ما تُريدُ أن تَصنَع؟ فقال: أُقاتِلُهم حتى أُقْتَلَ، ولا تُؤْخَذَ أسيرًا من داري أبدًا وأنا حيٌّ أَملِكُ قائمَ سَيفي، إني أخاف العار. فقال حُجْر: أما في دارِكَ خَوْخَةٌ أَخرجُ منها، عسى يسلِّمني الله ويسلِّمُك؟ قال: بلى. فأخرجه من خَوْخَةٍ تأخُذُ إلى النَّخَع، فجاء إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الأَشتر، فَدَخَلَها، فلما استَتَرَ قيل له: قد وَصَلَ الشُّرَطُ في طَلبِكَ؛ وكانت قد رأتْهُ أَمَةٌ سوداءُ، فغمزت عليه، فخرج إلى دارِ ربيعة بن ناجد الأزديِّ.

стр. 3235

فلما عَجَزَ زيادٌ عنه قال لمحمد بن الأشعث: لَتَأتينِّي به، وإلا قتلتكَ. وكان محمدُ بن الأشعث صديقًا لِحُجْر، فبعث حُجْر إلى محمد وهو في دار ربيعة: قد بلغني ما قال لك الجبَّار، فَسَلْهُ أن يُؤَمِّنَني حتى أخرجَ إلى معاوية، فيرى فيَّ رَأيَه. فقال ابنُ الأَشعث لجماعة من أشراف الكوفة: كلِّموا زيادًا في أَمانِه. فدخلَ عليه جَرير بن عبد الله، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، وحُجْر بن يزيد، فطلبوا له الأمانَ، فأَمَّنَه. وخرج حُجْرٌ، فأتى زيادًا، فقال زياد: مرحبًا أبا عبد الرحمن، أحربًا في أيام الحرب؟ وسلمًا في أيام السلْم (١)؟ على نَفْسِها جنت رَقاش (٢). وأمرَ بحبسه. وقد ذكرنا رَقاش في صَدرِ الكتاب، وهي امرأةٌ كانت تُغيرُ على العرب، فأسَرَتْ (٣) غلامًا حسنًا، فرأت عَوْرَتَه، فأَعجبَتْها فأَمكنته من نفسها، فحبلت ووضَعَتْ غلامًا. فجاؤوا يطلبونها للغارة، فقالت: على نفسها جَنَتْ رَقاش. فصارت مثلًا (٤). وقال أبو مِخْنَف، عن مُجالد، عن الشعبي قال (٥): لَمَّا حَبَسَ [زياد] حُجْرَ بنَ عديّ أقام يَتَتَبَّع رُؤساءَ أصحابه، فخرجَ عمرو بنُ الحَمِق، ورِفاعةُ بنُ شدَّاد إلى أرض المَوْصِل، فكَمَنا في جبل هناك، وأخِذَ عَمرو، ونَجا رِفاعة؛ لما نذكر في ترجمة عمرو. وكان في جُملةِ مَنْ ظَفِرَ زياد رِبْعِيّ بن حِراش بن جَحْش العَبْسِيّ، وكان قد قاتَلَ، فأُخِذَ بالأمانِ فحُبسَ. وأُخِذَ صيفيُّ بنُ فسيل، فقال له زياد: ما تقولُ في أبي تُراب؟ قال: ما أَعرِفُه، قال: ما أعرفَكَ به! قال: ما أَعرفُه، قال: أما تَعْرِفُ عليَّ بنَ أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فَذَاكَ أبو تُراب. فقال: كلّا، ذاك أبو الحسن والحُسين. قال زياد: ما تقولُ فيه؟ قال: أَحسن قولٍ أنا قائِلُه في عبدٍ من عبادِ الله المؤمنين. فضربه ضربًا مبرّحًا، وعذّبه عذابًا شديدًا وهو يقول: واللهِ لو شَرَّحتَ لحمي بالمواسي ما قلتُ فيه إلّا ما سمعتَه. فأمر به إلى الحَبْس بعد أن هدَّده بضربِ الرقبة، ولم يَرجع (٦).

стр. 3236

قال أبو مِخْنَف (١): وبعثَ إلى عبد الله بن خاجفة الطائيّ، فَحَمَتْهُ طَيِّئٌ، فأخذ زيادٌ عديَّ بن حاتم، فحبسه في المسجد وقال: أُريدُ عبدَ الله منك. فقال: ما أدري أين هو. وأتى اليمانيون وربيعةُ ومضَر وأَهلُ الكوفة إلى زياد فكلَّموه في عديّ، فبعثَ إليه: أَخْرِجْ عبدَ الله من الكوفة وقد أَطْلَقْتُكَ. وبعث إليه عبد الله: أتريدُ أن أخرجَ حتى أَضَعَ يدي في يدك؟ فأرسل إليه عديّ: واللهِ لو كُنتَ تحت قدمي ما رفعتُها عنك، ولكن اخْرُجْ عن الكوفة، وإذا سكن غَضَبُهُ كلَّمتُه فيك. فخرج. وقال أبو مخنف (٢): وجمع زياد من أصحاب حُجْر اثني عشر رجُلًا في السجْن، ثم دعا رؤوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حُريث على رُبع المدينة، وخالد بن عُرفُطَةَ على رُبع تميم وهمدَان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربيعة وكِنْدَة، وأبو بُردَة بن أبي موسى على مَذْحِج وأسد، فشهدوا جميعًا أن حُجْرًا جمع إليه الجُموع، وأظهرَ شَتْمَ الخليفة، ودعا إلى حَربِه، وزعم أنَّ هذا الأمر لا يصلحُ إلا في آل أبي طالب، ووثبَ في المِصْر، وأخرج عامِلَه، وأَظهر عُذْرَ أبي تُراب والترحُّمَ عليه، والبَراءَةَ من عَدوِّه، وأنَّ هؤلاء النَّفَرَ الذين معه على مثلِ رَأيه، وأنَّهم قد كفروا. ونظر زياد في المكتوب فقال: ما أظنُّ هذه الشهادةَ قاطعة. قال أبو مِخْنَف عن أشياخه (٣): فأخذ زياد شهادةَ جماعة، منهم إسحاقُ بن طلحة بن عُبيد الله، وإسماعيل بن طلحة بن عُبيد الله، والمنذرُ بن الزبير، وعمارةُ بن عقبة بن أبي مُعَيط، وعمرو (٤) بن سعد بن أبي وَقَّاص، وشَبَث بن ربعيّ، ومصقَلَة بن هُبَيرة الشيباني، وحجَّار بن أبْجَر العِجْليّ، وزَحْر بن قَيس الجُعفيّ، وشُرَيح بن الحارث القاضي (٥)، وشَمِر بن ذي الجَوْشن.

стр. 3237

قال أبو مِخْنَف: وشهدَ بهذه الشهادة سبعون رجلًا من الأعيان، ودفع الكتابَ إلى وائل بن حُجْر، وكثير بن شهاب، وأمرهما بحملهم على إبل صِعابٍ بغير وطاءٍ ولا دِثار، مُكَبَّلين في الحديد، وسار معهم صاحبُ الشرطة عَشِيَّةً حتى أَخْرَجَهم عن الكوفة. ذِكْرُ أساميهم: حُجْرُ بن عديّ بن جَبَلَةَ الكِنْديّ، والأرقم بن عبد الله الكِنْديّ، وشريك بن شدَّاد الحَضْرميّ، وصيفيّ بن فسيل، وقَبِيصة بن ضُبَيعة بن حَرمَلَة العَبْسيُّ، وكريم بن عفيف الخَثْعمي، وعاصم بن عوف البَجَليّ، وكِدام بن حَيان، وعبد الرحمن بن حسان العَنَزي (١) من بني هُميم، ومُحرِزُ بن شهاب التميمي من بني مِنْقَر، وعبد الله بن حويَّة السّعديّ (٢). وكتب زياد كتابًا إلى معاوية فيه: قد أحسنَ اللهُ عند أميرِ المؤمنين بلاءه، وكادَ له عدوَّه، وكفاه مُؤْنَةَ من بغى عليه. إنَّ طواغيتَ من هذه الطائفة التُّرابية (٣) -ورأسُهم حُجْرُ بن عديّ- فارقوا الجماعةَ، ونصبوا لنا الحَرْبَ، فأظهرَنا اللهُ عليهم، وأَمكَنَنا منهم، وقد شهد عليهم أشراف أهلِ العصر وذوو السِّنِّ منهم، بما شاهدوه وعلموه، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين ليرى فيهم رَأيَه. فقرأ الكتابَ معاويةُ على الناس، وكان قد كُتِبَ في الشهود اسمُ شُرَيح بن هانئ، ولم يشهد. ولما قفل وائلُ بن حُجْر من الكوفة دفع إليه شُريحُ بن هانئ كتابًا مختومًا إلى معاوية، فلما قرأ معاويةُ كتابَ زياد على أهل الشام قال: ما تَرَوْنَ في هؤلاءِ النَّفَر الذين شهِدَ

стр. 3238

عليهم قومهم بما تسمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تُفَرِّقَهم في قُرى الشام فيكفيكم (١) طواغيتُها. ودفع وائل بن حُجر كتابَ شُريح بن هانئ إلى معاوية، فقرأه، فإذا فيه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شُريح بن هانئ، أما بعد، فإنَّه بلغني أنَّ زيادًا كتبَ إليك شهادتي على حُجْر بن عديّ، وإنَّ شهادتي على حُجْر أنَّه مِمَّن يُقيمُ الصلاةَ ويؤتي الزكاة، ويحجُّ البيتَ وَيعتمرِ، ويأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكر، حرامُ الدمِ والمال. فإن شِئْتَ أنْ تقتلَه، كان شئت أنْ تَدَعَه. فقال معاوية لوائل: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسَه من شهادتكم (٢). وحَبَسَ القومَ بمرج عَذْراء، وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فقد علمتُ ما اقتصصتَ من أمر حُجر وأصحابه، وشهادة مَنْ قِبَلك، فنظرتُ في ذلك. فأحيانًا أرى قَتْلَهم أفضلَ من تَزكهم، وأحيانًا أرى العَفْوَ عَنهم أفْضلَ. فكتب إليه زياد مع يزيد بن حُجَيَّة بن ربيعة التَّيمي: أما بعد، فقد عجبتُ من اشتباهِ أمرِ حُجْر وأصحابِه عليك بعد أن قد سمعتَ شهادةَ من هو أعلم منهم، فإن كانت لك في هذا المِصرِ حاجَة، فلا تَرُدَّنَّ حُجْرًا وأصحابَه إليه. وسار يزيد حتى قَدِمَ الشامَ، فمرَّ بهم بِعَذْراء، فقال لهم: واللهِ لقد جئتُ بكتابٍ فيه الذَّبْح، فمُروني بما أحبَبْتُم أعمل به، فقال له حُجْر: تُبْلغُ معاويةَ أنَّا على بَيعتِنا لا نُقيلُها، وإنَّما شهد علينا أعداؤنا، وكثَّر علينا زياد. فلما قَدِم يزيدُ على معاوية ودفع إليه كتابَ زياد، أَبْلَغَه قولَ حُجْر، فقال معاوية: زياد عندنا أصدقُ. وقال ابن سعد: لَمّا أُتي بحجر وأصحابِه إلى الشام، وبلغَ عائشةَ الخَبَرُ؛ بعثَتْ بعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المَخْزومي إلى مُعاوية تسألُه أن يُخلِّيَ سبيلهم (٣).

стр. 3239

ولَمّا ورد القومُ ومعهم كتابُ زياد (١) قرأه على الناس، فقال عبد الرحمن بنُ عثمان الثقفي (٢): يا أميرَ المؤمنين جِذاذَها جِذاذَها، لا تَعَنَّ بعد العامِ مُؤَبِّرًا (٣). ويعني بجذاذها: قطعها. والمؤبر: الذي يُؤبِّرُ النَّخْل. قال أبو مِخْنَف: ولَمّا تيقَّنَ الناسُ أن معاويةَ قاتل حُجْرًا وأصحابَهُ قام يزيد بن أسد البَجَليُّ فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ في ابْنَي (٤) عمي. يعني عاصمًا وورقاءَ، وكان جريرُ بن عبد الله قد كتب فيهما إلى معاوية يقول: إنهما من أهل الجماعة والرأي الحَسَن، سعى بهما ساعٍ إلى زياد، فبعثَ بهما إلى أمير المؤمنين، وهُما ممَّن لم يُحدِثْ في الإسلام حَدَثًا، ولا خَرَجا على الخليفة. فلما شَفَعَ فيهما يزيدُ بن أسد قال معاوية: قد أتاني كتابُ جرير فيهما، وهو أهلٌ أن يُصَدَّقَ، وهما لك. فأطلقَهما. وشَفَعَ وائلُ بنُ حُجْر في الأرقم بنِ عبد الله، فأطلقَه معاوية، وطلب أبو الأعور السُّلَميُّ عتبةَ بنَ الأَخْنَس، فوهبه له، وطلب حمزةُ بنُ مالك الهمداني سعيد بن نمران، فوهبه له (٥)، وكلَّمه حبيبُ بنُ مسلمة في ابنِ حَويَّة (٦)، فأطلقَه. وقام مالكُ بنُ هُبَيرة السكوني، فقال لمعاوية: دَع لي ابنَ عمي حُجْرًا. فقال: ابنُ عمِّك رَأسُ القوم، فأخافُ إن خَلَّيتُ سبيله، أن يُفْسِدَ عليَّ مِصري. فقال: يا معاوية، واللهِ ما أنصفتني، قاتلتُ معك ابنَ عمِّكَ أيَّامَ صِفِّين حتى ظَفِرَتْ كفُّكَ، وعلا كَعْبُكَ، وسألتُكَ في ابنِ عمِّي فأجبتَني بما لا ينفعني. وقام فخرج مُغْضَبًا.

стр. 3240

قال هشام: لَمّا نزل القومُ مرجَ عَذْراءَ -ويقال له: مَزج العَذْرا، وبينه وبين دمشق اثنا عشر ميلًا، وقد ذكره ابن سعد قال: فحملوهم إلى عذراء ليقتلوهم- فقال حُجْر: الحمد لله، أما واللهِ إِني لأَوَّلُ مُسْلمٍ نَبَحَتْه كلابُها (١) في سبيل الله، ثم يُؤتى بي اليومَ إليها مصفودًا! ودفع معاويةُ كُلَّ رجلٍ إلى رجلٍ من أهلِ الشامِ ليقتلَه، ودفع حُجْرًا إلى رجلٍ من حِمْيَر، فقدَّمه ليقتلَه، فقال: دعوني أُصلِّي ركعتين. فتركوه، فتوضَّا وصلّى، فأطال، فقيل له: أَجَزِعت؟ فقال: واللهِ ما توضَّأتُ قَطُّ إلَّا صليتُ ركعتين، وما صلَّيتُ صلاةً قطُّ أخفَّ منها، ولئن جَزَعتُ؛ لقد رأَيتُ سيفًا مشهورًا، وكفنًا منشورًا، وقَبْرًا محفورًا. وكانت عشائرُهم قد جاؤوهم بالأكْفان، وحفَروا لهم القبور -ويقال: إن معاوية بعثَ إليهم بالأكفان، وحفر لهم القُبور- فقال حُجْر: اللهم إنَّا نستعديك (٢) على أُمَّتِنا، فإنَّ أهلَ العراق شهدوا علينا، وأهل الشام قتلُونا. وقيل لحُجْر: مُدَّ عُنُقَك. فقال: إنَّ ذلك لَدَمٌ ما كُنْتُ لِأُعينَ عليه. فضُربت عُنُقُه. وكان معاويةُ قد بعثَ رجلًا أعور من بني سلامان بن سعد يُقال له: هُدْبة بن فيّاض، فنظر إليه رجلٌ [منهم] من خثعم (٣)، فتطيَّرَ من عَوْرَتِه وقال: إن صَدَقَتِ الطير، قُتِلَ نِصْفُنا، ونجا نِصْفُنا، فكان كما قال: قُتِلَ سبعة، ونجا ستة [أو قُتل ستة، ونجا سبعة] (٤) وكانوا ثلاثةَ عَشَر رَجُلًا (٥). ولَمّا قُتِلَ سبعة أَردفَ معاويةُ برسولٍ بعافيتهم جميعًا، فوجدهم قد قتلوا مَنْ ذكرنا (٦). وقال حُجْر: ادفنوني في ثيابي، فإني أُبعثُ مخاصمًا.

стр. 3241

وهذا الذي ذكرنا من قولِ حُجْر لَمّا نزل مرجَ عَذْراء؛ قال: الحمد لله، إلى ها هنا من كلام ابن سعد. وقد ذكر أبو مِخْنَف القِصَّة عن أشياخه أتمَّ من هذا، فقال (١): بعث معاويةُ هدبَةَ بنَ فياض من بني سَلامان، والحسينَ (٢) بن عبد الله الكلابي، وأبا شريفٍ البَدِّيَّ إلى حُجْر وأَصحابِه، فأتَوْهُم عند المساءِ، فلما رأى كريمُ بنُ عَفيف الخثعميُّ الأَعوَرَ مُقْبلًا قال: يُقْتَلُ نصفُنا، وينجو نِصْفُنا. فقالمالهم رسولُ معاوية: قد أُمِرنا بقتلِ ثمانية (٣) وتَخْلية سِتَّة، وقد أُمِرنا أن نَعْرِضَ عليكم البراءةَ من أبي تُراب واللَّعنَ له، فإن فعلتُم تركناكم، وإن أبيتُم قتلناكم، وإنَّ معاويةَ يزعمُ أنَّ دماءَكم قد حلَّت له بشهادةِ أهلِ مصرِكم عليكم، غير أنَّه قد عفا عن ذلك، فتبرَّؤوا من هذا الرجلِ نُخلِّ سبيلَكم. فقالوا: لسنا بفاعلين، فاصنعُوا ما بَدَا لكم. فأَمَرُوا بحفرِ قُبورِهم، وأُدنِيَتْ إليهم أكفانُهم، وقاموا الليل كلَّه يُصلُّون ويدعُون. فلما أصبحوا قال لهم أصحابُ معاوية: قد رأيناكم البارحة أطلتُم الصلاةَ وأحسنتُم الدعاء، فأخبِرونا ما رأيكُم في عثمان؟ فقالوا: هو أوَّلُ مَنْ جارَ في الحكم، وبدَّل معالم الدِّين، وعَمِلَ بغير الحقِّ. فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلمَ بكم. فقالوا: تبرَّؤوا من أبي تُراب. فقالوا: بل نتوَلّاه ونتبرّأُ مِمَن يتبرَّأُ منه. قال أبو مِخْنَف (٤): إن رجلين من أصحاب حُجْر قال لهم: أَرسِلُوا بنا إلى معاوية لنقولَ مثلَ قولِه، وهما عبد الرحمن بن حسَّان العَنَزيُّ وكريم بن عفيف الخَثْعميُّ، فأرسلوهما إليه، فلما دخلا عليه؛ قالماله الخَثْعمي: الله الله يا معاويةُ في دمائِنا، فإنَّك منقولٌ عن هذه الدارِ الفانيةِ إلى الدارِ الباقية، مسؤول عنا وعن دمائِنا. فقال له معاويةُ: ما تقول في أبي تُراب؟ قال: أَقولُ ما تقولُ. فقال: تبرَّأ منه. قال: أتبرَّأُ من الدينِ الذي كان يَدِينُ به؟ فكره معاويةُ أن يُجيبه بشيء. فسكت.

стр. 3242

فقام شَمِر بن عبد الله من بني قُحافة فقال: هبْ في ابنَ عمي، فقال: على أنَّه لا يدخلُ الكوفةَ. قال: نعم، فوهبه له. ثم قال معاويةُ للعَنَزيّ: يا أخا ربيعة، ما تقولُ في أبي تُراب؟ فقال: لا تسألني، فإنَّه خيرٌ لكَ، فقال: لا بُدَّ. فقال: أشهدُ أنه كان من الذاكرين الله كثيرًا، الآمرين بالمعروف، القائلين بالحقِّ، القائمين بالقِسْط، العافين عن الناس. قال: فما تقولُ في عثمان؟ فقال: هو أوَّلُ من فتح بابَ الفتنة، وأَرْتَجَ بابَ الحَقِّ. فقال معاوية: قَتَلْتَ نَفْسَكَ، فقال: لا، بل إِيّاكَ قَتَلْتُ. فبعث به إلى زياد وقال: اقتُلْهُ شَرَّ قِتْلَة. فدفنَه زياد في قُسِّ الناطفِ حيًّا (١). وذكر الطبري (٢) عن أبي مِخْنَف أن هذين الرجلين لَمّا قُتِلَ ستَّةٌ من القَوْم قال: ابعثوا بنا إلى معاوية .. وذكر بمعنى ما ذكرنا، وذكر أن العَنَزيَّ قال: ولا ربيعة بالوادي. يعني أنه لم يكن عند معاوية من يُكلِّمُه فيه من قومه. ذِكْرُ تسمية من قُتِلَ من أصحابِ حُجْر، ومَنْ نجا منهم: أما من قُتِلَ منهم: فشريك بن شدَّاد الحَضْرميُّ، وصيفيُّ بن فسيل الشيباني، وقبِيصةُ بن ضُبيعة العَبْسي، ومُحْرِز بن شهاب المنقري (٣)، وكِدام بن حيَّان العَنَزي، وحُجْر. قُتِلوا وصُلِّيَ عليهم. وأما من نجا منهم: فكريم بن عفيف، وعبد الله بن حَويَّة، وعاصم بن عوف، وقيل: ابن عمرو، وورقاء بن سُميّ، والأرقم بن عبد الله، وعتبة بن الأخْنس، وسعيد بن نمران، وهم سبعة. وقال أبو مِخْنَف: قال مالك بن هُبيرة السَّكوني حين أبي معاويةُ أن يُشفِّعَه في حُجْر بن عديّ وقد اجتمع إليه قومُه من كِنْدَةَ والسَّكونِ واليَمَن: سِيروا بنا إلى حُجْر لنُخلِّصَهُ من

стр. 3243

القَتْل. فجاؤوا وقد قُتِلوا، فعادوا إلى منازلهم، ولم يأتِ مالكٌ معاويةَ فأرسل إليه فلم يأتِه، فقال معاويةُ: دعوه، فإنَّها حرارةٌ يِجِدُها في صَدرِه. وبعث إليه معاويةُ في الليل بمئةِ ألف درهم وقال له: لم يَمْنَغني أن أُشَفِّعَك في ابن عمِّك إلا شفقةٌ عليك وعلى أصحابك؛ فإنَّ حُجْرًا لو بقيَ لكلَّفك الشُّخوصَ إليه، فيكون على الإسلام مُصيبةٌ أَعظمُ من قَتْلِه. فأَخَذَ مالِكٌ المال، ورضيَ عن معاوية، وجاء في قومهِ إليه، فدخل وسلَّم عليه (١). واختلفوا في المكان الذي قُتِلوا فيه، والمشهور أنَّه مَزج عَذْراء، فإنهم لما وصلوا إلى هناك قال معاوية: اقتلوهم ولا أراهم. وذكر الهيثم بنُ عديّ أنَّ حُجْرَ بنَ عديّ لَضا حُمِلَ إلى الشام ودخلوا به إلى معاوية فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: أوَ أميرُ المؤمنين أنا؟ قال: نعم. قال: أَخْرِجوه فاضربوا عُنُقَه. فقال: لا تفكُّوا عنّي حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني أخاصمُ غدًا معاوية، أو أُلاقيه على الجادَّة. فأخرجوه فقتلوه. والأصحُّ أنَّه قُتِلَ بمرج عذراء لما ذكرنا (٢). وحكى أبو القاسم بن عساكر عن عبدِ الله بن لهيعة قال: قال علي بن أبي طالب: يا أهل العراق، سيُقْتَلُ سبعةُ نَفَر بمرج عذراء، مَثَلُهم كمثل أَصحاب الأُخْدود (٣). ذِكْرُ معاتبةِ عائشةَ معاوية، وإنفاذِها إليه، وما ذكر العلماء في مَقْتَلِ حُجْر: ذكر العلماءُ وابن سعد أن عائشةَ لَما بلغها حديثُ حُجْر وأصحابِه كتبَتْ إلى معاوية مع عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو أرسلت إليه، فقَدِمَ وقد قُتِلوا، فقال له: يا أمير المؤمنين، أين عنك حِلْمُ أبي سفيان؟ فقال: غَيبَةُ مثلك (٤) عني من قومي -أَو من حُلَماء قومي- وحمَّلَني ابنُ سميَّةَ فاحتمَلْتُ. وقد حكاه الطبري، أعني الأصل والزيادة.

стр. 3244

وحكى الطبري أيضًا (١) عن أبي مِخْنَف، عن عبد الرحمن بن نوفل (٢) قال: قالت عائشة: لولا أنا لم نُغَيِّرْ شيئًا إلا آلت بنا الأُمورُ إلى ما كُنا فيه (٣)، لغَيَّرْنا قَتْلَ حُجْر، أَما واللهِ لقد كان -ما علمتُ- مسلمًا حاجًّا معتمرًا. وكان حُجْرٌ كثيرَ الحجِّ. وقال الطبري عن أبي مِخْنَف عن أبي سعيد المَقْبُريّ قال: حجَّ معاويةُ، فاستأذنَ على عائشة، فأذِنَت له، فقالت: يا معاويةُ، أَأَمِنْتَ أن أَخْبَأَ لك من يَقتُلكَ؟ فقال: بيت الأمنِ دخلتُ. فقالت: أما خَشِيتَ الله في حُجْر وأصحابه؟! فقال: لستُ أنا قَتَلْتُهم، إنَّما قتلهم من شَهِدَ عليهم. وحكى ابن عساكر عن ابن لهيعة قال: لَمَّا حجَّ معاويةُ دخلَ على عائشة فقالت له: يا معاوية قَتَلْتَ حُجْرًا وأصحابَه؟ واللهِ لقد قَتَلْتَ بمرج عَذْراء سبعةَ نَفَرٍ يَغْضَبُ الله لهم وأَهلُ السماء. فقال: يا أُمَّ المؤمنين، لم يحضُرني رجلٌ رشيد (٤). وفي روايةِ الهيثم. فقال معاويةُ: دعيني وحُجْرًا نلتقي غدًا. فَحَجَّتْهُ عائشة. وقال ابن عساكر أيضًا (٥): إن معاوية لما قتل حُجرًا نَدِمَ، فكتب إلى مروان يُخبره بما دخله من النَّدامة؛ فكتب إليه مروان: فأينَ كان عقلُك وحِلْمُك [فكتب إليه: إنك غِبْتَ عني وأصحابُك في جفاء قيس] وطعام اليمن. وحكى الطبري عن أبي مِخْنَف قال (٦): حدثني زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق قال: أدركْتُ الناسَ وهم يقولون: إن أوَّل ذل دَخَلَ الكوفةَ موتُ الحسنِ بن عليّ، وقَتْلُ حُجْرٍ وأصحابه، ودعوةُ زياد. وقال أبو مِخْنَف: وزعموا أن معاويةَ قال عند موته: يومٌ في من ابنِ الأدبرِ طويلٌ. قالها ثلاثًا، يعني حُجْرًا.

стр. 3245

وحكى الطبريُّ أيضًا عن أبي مِخْنَف عن الصَّقْعبِ (١) بن زُهير، عن الحسن البصري أنَّه قال (٢): أَربَعُ خِصال كُنَّ في معاويةَ لو لم يكُن له منهنَّ إلّا واحدة لكانَتْ له مُوْبِقَة: انتزاؤه على هذه الأُمَّة بالسفهاء حتى ابتزَّها أمَّرَها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا من الصحابة وذوي الفَضيلة، واستخلافُه ابنه يزيدَ سِكِّيرًا خِمِّيرًا، يلبس الحريرَ ويلعبُ بالطنابير، وادِّعاؤه زيادًا وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الولدُ للفِراش وللعاهرِ الحَجَر"، وقَتْلُهُ حُجْرًا وأصحابَهُ، فيا وَيله منهم. وحكى الطبري عن الحسن أنَّه قال (٣): صَلَّوا على حُجْرٍ وأصحابه وكَفَّنُوهم ودَفَنوهم؟ قالوا: نعم. قال: حَجُّوهم وربِّ الكعبة. وقال ابنُ سعد (٤): رَثَتْهم هند ابنةُ زيد بن مَخْرَمة الأنْصارية، وكانت شيعيَّة، فقالت حين سُيِّر حُجْر إلى معاوية: تَرَفَّعْ أَيُّها القَمرُ المُنيرُ … تبصَّر (٥) هل ترى حُجْرًا يَسيرُ يسيرُ إلى معاوية بن حربٍ … ليقتلَه كما زعم الخبيرُ تجبَّرَتِ الجبابرُ بعد حُجْرٍ … فطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ وأَصبحتِ البلادُ له مُحُولًا … كأَن لم يُحيِها زمن (٦) مَطيرُ ألا يا حُجْرُ [حُجْرَ] بني عديٍّ … تَلَقَّتْك السلامةُ والسُّرورُ أخافُ عليك ما أَردى عليًّا (٧) … وشَيخًا في دِمَشْقَ له زَئيرُ فإن تَهْلِكْ فكلُّ عميدِ قَوْمٍ … إلى هُلْكٍ من الدنيا يَصيرُ وذكرها الطبري أيضًا، ولم يذكر: يسير إلى معاوية بن حرب (٨).

стр. 3246

وقال أبو اليقظان: لَمَّا أمر زيادٌ بإخْراجِ حُجْر وأصحابه من الكوفة؛ مرُّوا على الجَبَّانة (١) ومنازلهم فقالت هند هذه الأبيات. ورأيتُ في بعضِ النُّسَخِ أَنَّ ابنةَ حُجْر قالت الأبيات. وقال عبد الله بن خليفة الطائي الذي خرج مع حُجْر، وحَبَسَ زيادٌ عديَّ بن حاتم لأجْلهِ، وأنه شَفَعَ فيه إلى زياد فقال: يَخرجُ من المِصْر (٢). وقال عديّ: يا ابنَ أخي، إنَّه قد لجَّ في أمرِكَ، وأبى إلا إخراجَك عن مِصْرِكَ، فاخْرُجْ فالحقْ بالجَبَلَين، وإذا سكن غَضَبُهُ كلَّمتُه فيك. فخرج فأقامَ بالجبلَينِ، وجعل يكتبُ إلى عديّ، وهو يُمنِّيه، فكتب إليه عبد الله: تذكَّرتُ ليلى والشبيبةَ أَعصُرا … وذِكْرُ الصِّبا بَرحٌ على مَنْ تَذَكَّرا وولَّى شبابي فافْتَقَدْتُ غُضونَهُ … فيا لكَ من وَجْدٍ به حين أَدبَرا فَدَع عنك تَذْكارَ الشبابِ وفَقْدَهُ … وآثارَه إذْ بانَ عَنْكَ فأَقْصَرا وبَكِّ على الخُلَّانِ لَمّا تُخُرِّمُوا … ولم يَجِدوا عن مَنْهلِ الموتِ مَصدرَا دَعَتْهُم مناياهم ومن حانَ يومُه … من الناسِ فاعلم أنَّه لن يُؤَخَّرا وما كُنْتُ أَهوى بَعدَهم مُتَعَلَّلًا … بشيءٍ من الدنيا ولا أن أُعمَّرا على أهلِ عَذْراءَ السلامُ مُضاعَفًا … من اللهِ تستسقي الغَمامَ الكَنَهْوَرا قال الجوهري: الكَنَهْور: العظيم من السحاب. ولاقَى بها حُجْرٌ (٣) من الله رحمةً … فقد كان أرضى الله [حُجْرٌ] وأَعذَرا ولا زال مِهْطالٌ مُلِثٌّ ودِيمةٌ … على قَبْرِ حُجْرٍ أو يُنادَى فيُحشَرا ويا إخْوَتي من حَضرمَوْتَ وغالبٍ … وشيبانَ لُقِّيتُم حسابًا مُيَسَّرَا سأبكيكُمُ ما لاح نجمٌ وغرَّد الـ … حَمَامُ ببَطْنِ الوادِيَينِ وقرقَرَا من أبيات طويلة، يُعاتبُ فيها عديَّ بن حاتم.

стр. 3247

ومات عبد الله قبل موتِ زياد بالجَبَلَين. قلت: وذكر ابن سعد حُجْرًا في الطبقة الأولى من التابعين فيمن روى عن عليّ ﵇. وقال في آخر ترجمته: وكان ثِقَةً ولم يَرو عن عليّ شيئًا. ثم روى ابن سعدٍ عنه أنه قال: سمعتُ عليًّا ﵇ يقول -أو يذكر- أن الطهورَ شَطْرُ الإيمان. وكل هذا مُتناقض (١). وقال هشام: روى حُجْرٌ عن عليّ وغيرِه من الصحابة (٢). وكان عابدًا مجتهدًا كثير الصوم والصلاة والصدقة، بارا بوالديه. قلت: وذكر ابن سعد بعد ترجمة حُجْر في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال (٣): حُجْرُ الشَّرِّ بن يزيد بن سلمة بن مُرَّة بن حُجر بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكرمين. كان شريفًا، وَفَدَ على النبيّ ﷺ وأَسلم. قال: وإنّما سُمِّي حُجْرَ الشَّرّ لأن حُجْرَ بنَ الأَدْبَر -يعني الذي قتله معاوية- كان يُسَمَّى حُجْرَ الخير، فأرادوا أن يَفْصِلُوا بينهما، وكان أيضًا شِرّيرًا، وكان أحدَ الشُّهود يوم الحكَمَين بصِفّين. وولَّاه معاويةُ بعد ذلك أَرمينية. وليس في الصحابة من اسمُه حُجْر بن عديّ -إن ثبتت له صحبة- غيرُه، فأما حُجْر غير ابن عديّ فأربعة: حُجْرُ بن عَنْبَس -وقيل: ابن قيس (٤) - الكِنْديّ. والثاني: حُجْر بن النُّعمان بن عَمرو. والثالث: حُجْرُ بن يزيد بن معدي كَرِب.

стр. 3248

والرابع: حُجْر بن يزيد بن سلمة، وهو حُجْرُ الشرِّ، وله صحبةٌ. وليس فيهم من له رواية. وفيها توفي سعيدُ بنُ زيد ابنِ عمرو بنِ نُفَيْل بنِ عبد العُزَّى بنِ رِياح بنِ عبد الله بن قُرْط بنِ رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤي، وكُنيتُه أبو الأعور. وأُمُّه فاطمةُ بنت أُمية بن بَعجَة (١) بن أُميَّة، خُزاعية. وقد ذكرنا أباه زيد بن عمرو، وأنَّه كان يطلبُ دينَ إبراهيم، واجتمع برسول الله ﷺ ببَلْدَحَ (٢)، وقَدّم له سُفْرَةً، فما أكل زيد منها وقال: لا آكلُ ما تذبحونَ لأصنامكم (٣). وأنه مات على الدين الحنيفيّ. وقد ذكرناه في سيرة النبيِّ ﷺ . وسعيدُ بنُ زيد هو ابنُ عمّ عمر بنِ الخطَّاب، وخَتَنُهُ على أُخْتِه فاطمة بنتِ الخطَّاب. وتزوَّج عمر أُخته عاتكةَ بنت زيد، وقد ذكرناها. وكان سعيد آدمَ طُوالًا أَشْعَرَ. ذِكْرُ جُمَلٍ من مناقبه: سعيد من الطبقة الأُولى من المهاجرين الأوَّلين، وأَحدُ العشرةِ المبشَّرين. أَسلم قديمًا هو وزوجتُه فاطمةُ بنتُ الخطَّاب، وكان خَبَّابُ بن الأرَتّ يُقْرِئهما القرآن، وقد ذكرناه في ترجمة عمر عند إسلامه.

стр. 3249

وأخرج البخاري عن سعيد أنَّه قال: واللهِ لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ بن الخطابِ لَمُوثِقي على الإسلام أنا وأُختَه، وما أسلمَ بَعدُ (١). وشهد سعيد أُحدًا والمشاهِدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه ولم يشهد بَدرًا؛ لأنَّ رسول الله ﷺ بعثَه وطلحةَ يتحسَّسانِ عِيرَ قُريش، ففاتهما شُهودُ بَدر، فَضربَ لهما رسولُ الله ﷺ بسَهْمَيهِما وأجْرِهما، وقد ذكرناه. وقال البخاريّ: إنه شَهِدَها (٢)؛ فأخرج في "صحيحه" (٣) وقال: ذُكِرَ لعبد الله بن عُمر أن سعيدَ بنَ زيد مريضٌ (٤) -وكان بَدريًّا- في يوم جمعة. فركب إليه بعدما تعالى النهارُ، وتركَ الجمعة. قالوا: وقَد وَهِمَ البخاريُّ في قوله: كان بدريًّا، فإنَّهم اتفقوا على أنَّه لم يَشهدها. قلت: ويحتمل أن البخاريَّ أراد بَدريًّا حُكْمًا، لا حقيقةً (٥). وكان سعيدٌ مجابَ الدعوة؛ دعا على أروى بنت أُويس، فهلكت؛ قال البخاري: حدثني عُبيد بن إسماعيل بإسناده عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفيل؛ أنَّه خاصمَتْهُ أروَى إلى مروان في حقٍّ زعَمَتْ أنَّه انتقَصَه لها، فقال سعيد: أنا

стр. 3250

أنتَقِصُ من حقِّها شيئًا! أشهدُ لسمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا من الأرض ظُلْمًا؛ فإنَّه يُطَوَّقُه يومَ القيامة من سبع أَرَضين". أخرجاه في الصحيحين (١). وفي لفظ: فقال: اللهمَّ إن كانت كاذبةً فَأَعمِ بَصَرَها، واقتُلْها في أَرضِها. فوقعت في حُفْرَة، فماتت. وقد أخرج هذا اللفظَ بعينِه أبو نُعَيم الأصفهاني، وذكر فيه أروى بنت أُويس (٢). ورواه أحمد في "المسند" (٣) وفيه أن سعيدًا قال: أتروني آخُذُ من حقّها شيئًا بعدما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من أخَذَ من الأرضِ شِبْرًا بغيرِ حقِّه طُوِّقَهُ من سَبْع أَرَضين". الحديث. واختلفوا في معنى التطويق، فقال قومٌ: يصير كالطَّوْقِ في عُنُقِه. وقال آخرون: المرادُ به تطويقُ الإثم. وقال أبو القاسم بن عساكر عن ابن وَهْب (٤) قال: أخبرني عمر بن محمد، عن أبيه، أنَّه قال: فأنا رأيتُها عمياء تَلْتَمِسُ الجُدُرَ، ثم خَرَّت في بئر فكانَتْ قَبْرَها (٥). وفي روايةٍ أنها لما عَمِيَتْ كانت تقول: أَصابتني دعوةُ سعيدٍ. وأنها سألت سعيدًا أن يدعُوَ لها فقال: لا أردُّ على الله شيئًا أعطانيه. فكان أهلُ المدينة إذا دعا بعضُهم على بعض يقول: أعماك الله كما أعمى أروى (٦). وقال الواقدي: أَمر [معاويةُ] مروانَ بن الحكم وهو أميرٌ على المدينة أن يُبايعَ لابنه يزيد، فأرسلوا إلى سعيد بن زيد، فقال: لا أُبايعُ أَقوامًا أنا ضَرَبتُهم بسيفي حتى أسلموا (٧).

стр. 3251

وقال ابن عساكر (١): شهد سعيد فتوحَ دمشق والشام، وولّاه أبو عُبيدة دمشق. وخرج مع عمر إلى الشام خَرْجَتَه التي رجع فيها من سَرْغ (٢)، وكان أميرًا على رُبع المهاجرين. وقال ابن سعد (٣): ولما هاجر إلى المدينة نزل على رِفاعة بن المنذر (٤) أخي أبي لبابة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين رافع بن مالك الزُّرَقي. ذِكرُ وفاته: واختلفوا فيها، فقال ابن سعد (٥): حدثنا محمد بن عمر قال: حدَّثني عبد الملك بن زيد من ولد سعيد بن زيد، عن أبيه قال: توفّي سعيد بن زيد بالعقيق، فحُمِلَ على رقاب الرجال، فدُفِنَ بالمدينة، ونزل في حُفْرته سعد بن أبي وقَّاص، وابنُ عمر، وذلك في سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة. وذكر ابنُ سعد (٦) عن أهل الكوفة أنَّه مات عندهم في أيام معاوية، وصلَّى عليه المغيرةُ بنُ شعبة وهو يومئذ والي الكوفة لمعاوية. وقال ابن سعد (٧): قال محمد بن عمر: الثبْتُ عندنا ولا اختلافَ فيه بين أهل المدينة وأهل العِلْم أن سعيدًا مات بالعقيق، وحُمِلَ فدُفِنَ بالبقيع، وشهده سعدٌ وابنُ عمر، وأصحابُ رسول الله ﷺ ، وقَوْمُه، وأهلُ بَيتِه، وولدُه يعرفون ذلك ويروُونه (٨). قلت: والذي ذكره الواقديُّ صحيح من كونه مات بالمدينة.

стр. 3252

وقال ابن سعد (١): حدثنا يزيد بن هارون بإسناده عن ابن عمر، أنَّه استُصرِخَ على سعيد بن زيد يومَ الجمعة بعدما ارتفع الضحى، فأتاه ابنُ عمر بالعقيق وترك الجمعة. وروى ابن سعد أيضًا عن ابن عمر أنَّه حنَّط سعيد بنَ ريد وحملَه، ثم دخل المسجد [فصلَّى] ولم يتوضأ. وهذا قول الواقديّ، وهشام بن محمد، وابن إسحاق، وجدِّي في "التلقيح"، والموفَّق في "الأنساب" أن سعيدًا مات بالعقيق، وحُمِلَ إلى المدينة في سنة إحدى وخمسين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (٢). وروى ابن عبد البَرِّ أن عثمانَ أقْطَعَ سعيدًا أرضًا بالكوفة، فسكنها إلى أن مات بها. وهو وهمٌ من ابن عبد البَرِّ؛ قال الموفَّق ﵀: الأرضُ التي أقطعها عثمانُ لسعيد هي بالمدينة، سكَنَها وسكَنَها ولده من بعده (٣). ذِكرُ أولاده: قال ابن سعد (٤): كان لسعيد من الولد عبدُ الرحمن الأكبر؛ لا بقيَّةَ له، وأُمُّه رَملَةُ، وهي أُمُّ جميل بنتُ الخطاب بن نُفَيْل. وقال ابن سعد أيضًا في موضع آخر (٥): اسم أُمّه أُمامةُ بنتُ الدُّجَيج من غسَّان. وزيدٌ؛ لا بقيَّةَ له، [وعبد الله الأكبر؛ لا بقية له]، وعاتكةُ، وأُمُّهم جُلَيسَةُ بنت سويد بن الصامت. وعبدُ الرحمن الأصغر؛ لا بقيَّةَ له، [وعُمر الأصغر لا بقية له]، وأمُّ موسى، وأُمُّ الحسَن، وأُمُّهم أُمامةُ بنت الدُّجَيج من غسان. ومحمدٌ، وإبراهيمُ الأصغر، وعبدُ الله [الأصغر]، وأُمُّ حبيب الكبرى، وأُمُّ الحَسَن الصُّغرى، وأُمُّ زيد الكبرى، وأُمُّ سَلَمَة، وأُمُّ حبيب الصُّغرى، وأُمُّ سعيد الكبرى؛ تُوفّيت قبل أبيها، وأُمُّ زيد، وأُمُّهم حَزْمَةُ بنت قيس بن خالد من بني فِهْر.

стр. 3253

وعَمرو الأصغر، والأسودُ، وأُمُّهما [أُمّ الأسود]، امرأةٌ من بني تغلب. وعمرو الأكبر، وطلحةُ؛ هلك قبل أبيه لا بقيَّة له، وزُحلَة امرأةٌ، وأُمُّهم ضُمخ (١) بنت الأَصبَغ بن شعيب الكلبي. وإبراهيم الأكبر، وحفصة، وأُمُّهما ابنةُ قربة من بني تغلب. وخالد، وأُمُّ خالد؛ دَرَجَتْ قبل أبيها، وأُمُّ النعمان، وأُمُّهم أُمُّ خالد أُمُّ ولد. وأُمُّ زيد الصُّغرى، وأُمُّها أُمُّ بشير بنت أبي مسعود الأنصاري، وأُمُّ زيد الصُغرى كانت (٢) تحت المختار بن أبي عُبيد، وأُمُّها من طيّئ. وعائشة، وزينب، وأُمُّ عبد، ويُقال لها: الحَوْلاء، وأمُّ صالح، وأُمُّهم أُمُّ ولد. فالحاصل أنَّهم أحدٌ وثلاثون ولدًا، اثنا عشر ذكرًا، وتِسْعَ عشرةَ أُنثى (٣). فنذكر أعيانَهم. فأما عبد الرحمن فكان اسمُه موسى، فسمَّاه عمرُ بن الخطَّاب -لما أراد تغييرَ الأسامي- عبدَ الرحمن (٤). وذكره الموفَّقُ ﵀ فقال: كان شاعرًا، وهو القائل (٥): إن تقتلونا يومَ حَرَّةِ واقِمٍ … فنحنُ على الإسلامِ أَوَّلُ مَنْ قَتَلْ ونحنُ قتلناكم ببَدْرٍ أَذلَّةً .. وأُبْنا بأسلابٍ [لنا] منكُمُ نَفَلْ فإن يَنْجُ منها عائذُ البيتِ سالمًا … فما نالنا منكم وإنْ شفَّنا جَلَلْ ولا بقيَّةَ لعبد الرحمن.

стр. 3254

وذكر ابنُ سعد عبدَ الرحمن بن سعيد في الطبقةِ الأولى من التابعين من أهل المدينة وقال (١): وكان ثِقةً قليلَ الحديث. ولم يذكر تاريخ وفاته، بل قال: تولَّى غَسْلَه عبدُ الله بنُ عمر بنِ الخطاب. وقال الهيثم: وكان لعبد الله الأكبر بن سعيد ولدٌ اسمُه محمد بن عبد الله بن سعيد وكان شاعرًا، وهو القائلُ ليزيد بن معاوية يوم الحرَّة: لستَ مِنَّا وليس خالُكَ مِنَّا … يا مُضِيعَ الصلاةِ للشَّهواتِ (٢) وأمَّا عاتكةُ فهي التي كانت مباركةً على الأزواج، وقد ذكرناها. وقال الزبير: وكانتْ لسعيد بنتٌ عند الحسين بن حسن بن عليٍّ ﵇، وأُخرى عند المُنْذِر بن الزُّبير بن العوَّام. أسند سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه أحاديث. واختلفوا فيها، فقال قوف روى ثمانية وأربعين حديثًا. وقال ابنُ البر في: بضعةَ عشرَ حديثًا. وقال أبو نُعيم: سبعةَ عشر (٣). وأخرج له أحمد أحد عشرَ، أُخرجَ له في الصحيحين ثلاثةُ أحاديث، اتَّفقا على حديثين، والثالث للبخاري (٤). ومن مسانيده حديث العشرة المبشَّرين، وله طُرق: الطريق الأوَّل: قال أحمد (٥): حدثنا يحيى بن سعيد، عن صَدَقة بن المُثنّى، عن رِياح بن الحارث أنَّ المغيرة بنَ شعبة كان في المسجد الأكبر، وعنده أهلُ الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء رجلٌ يُدعى [سعيد بن] زيد فحيَّاه المغيرة، وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجلٌ من أهلِ الكوفة، فاستقبل المغيرةَ، فسبَّ وسبَّ. قال: مَنْ يسبُّ هذا يا مُغيرةُ؟

стр. 3255

قال: يسبُّ عليَّ بن أبي طالب، فقال: يا مغيرَ بنَ شُعْب، يا مُغيرَ بن شُعب، ثلاثًا، ألا أَسْمَعُ أصحابَ رسول الله ﷺ يُسَبُّون عِنْدك ولا تُنكِرُ ولا تُغَيِّر؟! فأنا أشْهدُ على رسول الله ﷺ بما سَمِعَتْ أُذُنايَ ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ -فإنّي لم أَكُن أروي عنه كَذِبًا يسأَلُني عنه إذا لقيتُه- أنَّه قال: "أبو بكر في الجنَّة، وعُمر في الجنَّة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنَّة (١)، وطلحةُ في الجنَّة، والزُّبير في الجنَّة، وعبدُ الرحمن في الجنَّة، وسعد بن مالك في الجنَّة" وتاسِعُ المؤمنين في الجنة، لو شئتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيتُه. قال: فضجَّ أهلُ المسجدِ يُناشدونه: يا صاحبَ رسول الله، مَنِ التاسع؟ فقال: ناشدتموني بالله العظيم، واللهِ أنا تاسعُ المؤمنين، ورسول الله ﷺ العاشر. ثم أَتْبَعَ ذلك يمينًا. قال: فواللهِ لَمَشْهدٌ شَهِدَهُ رجلٌ مع رسول الله ﷺ يَغْبَرُّ فيه وَجْهُه معه أَفْضَلُ من عملِ أَحَدِكم ولو عُمِّرَ عُمرَ نُوح. الطريق الثاني: قال أحمد (٢): حدَّثنا علي بن عاصم بإسناده عن عبد الله بن ظالم المازني قال: لما خرج معاويةُ من الكوفة استعملَ المغيرةَ بنَ شعبة، فأقام خطباءَ يقعون في عليّ. قال: وأنا إلى جانب سعيد بن زيد، قال: فغَضِبَ وقام، فأخذ بيدي فتَبِعتُه، فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه الذي يأمرُ بلعنِ رجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ -أو: من أهلِ الجنَّةِ-. فأشهدُ على التسعة أنَّهم في الجنَّة، ولو شهدتُ على العاشر لم آثَم. قال: قلتُ: وما ذاك؟ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اُثْبُتْ حِراءُ، فما عليك -أو: فإنَّه ليس عليك- إلا نبي أو صِدِّيقٌ أو شهيد" قال: قلت: مَنْ هُم؟ فقال: رسولُ الله ﷺ . وعدَّهُم كما تقدَّم. ثم سكت، فقلتُ: ومن العاشر؟ قال: أنا. ورواه من طريقين آخرين بمعناه، وفيهما ذكر رسول الله صلى الله عليه أنَّه معهم، وسعيد هو العاشر (٣). قلت: كذا وقعت هذه الروايات، ولم يُذكر فيها أبو عبيدة بن الجراح -واسمُه عامر- وكان من فضلاء الصحابة، وقد ذكرناه في طاعون عمواس. وقد كان الأَوْلى أن يكون في

стр. 3256

الجملة؛ فإنَّا نعلمُ قَطْعًا أن رسولَ الله ﷺ في الجنَّة، إلَّا أنَّ في الحديث أن رسول الله ﷺ سمَّى نفسه فيهم، وقد أخرجه أحمد في "المسند"، فاتّباعُ الرواية أَوْلى. قال أحمد: حدَّثنا وكيع بإسناده عن عبد الرحمن بن الأخنس قال: خطبنا المغيرةُ بن شعبة، فنال من عليّ ﵇، فقام سعيد بن زيد فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "النبيّ في الجنَّة … " وذكر الحديث، وأنَّ سعيدَ بنَ زيد هو العاشر، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجرَّاح. قلت: وقد أخرج الحُميديُّ في "الجمع بين الصحيحين" عن مسلم من حديث أبي هريرة حديث جبل حِراء، وفيه كذلك ذِكْرُ أبي عبيدة (١). وليس في الصحابة من اسمُه سعيد بن زيد غيرُه. وروى عن سعيد جماعة من الصحابة والتابعين: ابن عمر، وعمرو بن حُريث، وأبو الطُّفيل عامرُ بن واثلة الليثي، وقيس بن أبي حازِم، وزِرُّ بن حُبَيش، وأبو عثمان النَّهْدي، وعروةُ بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن في آخرين. وفيها تُوفي عمرو بن الحَمِق ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القَيْن الخُزاعيُّ، ذكره في الطبقة الرابعة من الصحابة الذين أسلموا من القبائل (٢). والحَمِق بفتح الحاء وكسر الميم. قال ابن سعد (٣): بايع رسولَ الله ﷺ في حجَّة الوَداع، وصَحِبَه بعد ذلك، ثم كان أحدَ الرؤوس الذين ساروا إلى عثمان بن عفان، وشهد المشاهِدَ بعد ذلك مع عليّ بن أبي طالب. قال: ثم قُتِل بالجزيرةِ؛ قتله ابنُ أُمِّ الحكم (٤).

стр. 3257

وقال ابن عساكر (١): سكن الكوفةَ، ثم انتقل إلى مصر، وروى عنه جُبير بن نُفير، وكان قد سيَّره عثمان إلى دمشق. ذِكرُ مقتله: واختلفوا فيه. روى هشام، عن أبي مِخْنَف، عن مُجالد بن سعيد، عن الشعبي قال (٢): لما حُبِسَ حُجْر بن عديّ وتَتَبَّعَ زيادٌ أصحابَهُ، خرج عَمرو بن الحَمِق ورِفاعةُ بن شدَّاد البَجَلي إلى أرض الموصل، فصَعِدا جَبَلًا فكَمَنا فيه، وبلغ عاملَ ذلك الرُّسْداق خبرُهما، واسمُ العامل عبد الله من هَمْدان (٣)، فاستنكرهما، فسار إليهما ومعه أهلُ البلد. فأمَّا عمرو بن الحَمِق فكان مريضًا قد سُقِيَ بَطْنُه، فلم يَقْدِر على الامتناع. وأمَّا رِفاعةُ فكان شابًّا قَويًّا، فركب جَوادَه وقال لعمرو: أُقاتِلُ عنك؟ قال: وما يُغْني عني قتالُكَ؟ اُنْجُ بنفسك إن استطعت، فحمل عليهم. فأفرجوا له، فَنَجا، وكان راميًا، وتَبعوه، فما تَبِعَه فارسٌ إلّا جَرَحَه، فرجعوا عنه. وقال العاملُ لعمرو: من أنت؟ فأبَى أَن يُخْبِرَه، فبعث به إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، فلما رأى عَمْرًا عرفه، فكتب إلى مُعاوية، فأخبره، فكتب إليه: إنَّه زعمَ أنَّه طَعَنَ عثمانَ بنَ عفَّان تسع طَعَنات، فَطَعَنه تسع طَعَنات، فمات في الأُولى، أو في الثانية. وهذه روايةُ هشام، وذكره الطبري ولم يَزِد عليه. وقال الهيثم: فقطع عبد الرحمن رأسَه، وبعث به إلى معاوية (٤). وقال ابنُ سعد: قتله ابنُ أُمِّ الحكم. قال (٥): وأخبرني محمد بن عمر، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن الشَّعبي قال: أوَّلُ رأس حُمِلَ في الإسلام رَأسُ عمرو بن الحَمِق.

стр. 3258

وقال أبو اليقظان: هربَ عمرو إلى أذربيجان، فنزل على رجل من بَجِيلةَ، وكان مريضًا، فماتَ عنده، فقطعَ رَأْسَه، وبعثَ به إلى الموصل إلى عبد الرحمن (١)، فبعث به إلى معاوية (٢). وقال الحسنُ بنُ سفيان: بعث معاويةُ الطلبَ خَلْفَه، فدخل غارًا وفيه حَيَّةٌ، فلسعَتْه، فمات، فقطعوا رَأْسَه وحملوه إلى معاوية. وقال أبو القاسم بن عساكر (٣): لما وضعوا رَأسَه بين يَدَي معاوية قال: اذهبوا فضَعوه في حِجْرِ بنتِ الشَّريدِ (٤)، يعني زوجةَ عمرو، واسمُها آمنة، وكانت محبوسةً بدمشق، فلمّا أَلْقَوْه في حِجْرِها ارتاعت، ثم لَثَمَتْ فاه، وبكت طويلًا وقالت: غَيَّبْتُموه عني زمانًا طويلًا، ثم أهديتُموه إليَّ قتيلًا، فأهلًا به من هديَّةٍ غير قاليةٍ ولا مَقْلِيَّةٍ. واضَيعتاه بدار هوان. ثم قالت: اللهم العن ابنَ هِنْد. وسبَّته سبًّا قَبيحًا. وبلغه، فأحضَرَها وقال: أنْتِ صاحبةُ الكلام؟ فقالت وهي غير فَزِعةٍ ولا مُرتاعة: نعم. وكان عنده إياس بن شُرَحْبيل -وكان في شِدْقِهِ نُتوءٌ كأنَّه عَظْمٌ لعِظَمِ لسانِه- فقال له: اقتُلْها، فما زَوْجُها بأحق للقَتْلِ منها، فقالت له: وَيحَكَ! بين شِدقَيك مثل جُثمان (٥) الضفدع وأَنْتَ تَأمر بقتلي ﴿إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩] فضحك [معاوية] والجماعةُ، وخَجِل إياس. ثم قال لها معاويةُ: اخرجي عني، فلا أسمَعُ لك في الشامِ بذِكْرٍ. فقالت: واللهِ ما الشامُ لي بوطن، ولا يُعَرجُ عليَّ فيه (٦) حميم ولا سَكَن، ولقد عَظُمَتْ فيه مُصيبتي، ولا قَرَّت به عَيني، وما أنا إليكَ بعائدة، ولا حيثُ كنتُ بحامدة. فقال معاوية: ابعثُوا إليها بما تقطعون به لسانَها عنّا، وتَتَوصَّلُ به إلى أهلها. فخرجت تقصد الكوفة، فلما بلغت إلى حمصَ ماتت.

стр. 3259

وأسند عمرو بن الحَمِق الحديث عن رسول الله ﷺ . [وليس له في "الصحيح" شيء] (١). وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن الحَمِق غيره. وأخرج له أحمد في "المسند" حديثين: الأول: قال أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عمرو بن الحَمِق، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استَعمَلهُ"، قيل: وما استعمله؟ قال: "يَفْتَحُ له عملًا صالحًا بين يَدَي موته حتى يُرضيَ من حوله" (٢). قلت: كذا وقعت هذه الرواية. والروايةُ المشهورة: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عَسَلَه" وفيها لغتان: تخفيف السين وتشديدُها (٣). الحديث الثاني: قال أحمد (٤): حدثنا ابن نُمير بإسناده عن رِفاعة الفِتْياني قال: دخلتُ على المختار بن أبي عُبيد، فألقى إليَّ وسادةً وقال: لولا أنَّ أخي جبريل قام عن هذه لأَلقَيتُها لك. قال: فأردتُ أن أضْرِبَ عُنُقَه، فذكرتُ حديثًا حدَثنيه عمرو بنُ الحَمِق قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما مؤمنٍ أَمِنَ مُؤْمِنًا على دَمِه فقتله، فأنا من القاتل بريءٌ". فصل: وفيها توفي مِدْلاج بن عمرو السُّلَميُّ، من الطبقة الأُولى من المهاجرين (٥). شهد بَدرًا في قول ابن إسحاق والواقدي وأبي معشر، ولم يذكره موسى بن عُقبة فيمن شَهِدَها. وشَهِدَ أُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ .

стр. 3260

وأخوه مالك بن عمرو، استُشهد يوم اليمامة (١). وأسند مدلاجٌ الحديثَ عن رسول الله ﷺ . وليس له في الصحيح شيء. وليس في الصحابة من اسمه مِدلاج غيرُه، ويقال: مدلِج. وفيها تُوفي أبو بَكْرةَ مولى رسول الله ﷺ - واختلفوا في اسمه، فذكره ابن سعد في "الطبقات" فيمن نزلَ البصرة من الصحابة، وقال: اسمُه نُفَيع بن مسروح. قال: وفي بعض الحديث اسمُه مسروح بن مسروح (٢). وقيل: نُفَيع بن الحارث، وأُمُّه سُمَيَّة، وهو أخو زياد بن أبيه لأُمِّه، وكان عبدًا من عبيد الطائف، فلما حاصر رسولُ الله ﷺ الطائفَ قال: "أَيُّما عبدٍ نزل إلينا فهو حُرٌّ". فنزل إليه عِدَةٌ من عبيدِ الطائف، فيهم أبو بَكْرة، فأَعتقهم رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان أبو بَكْرةَ تدلَّى في بَكْرة، فكنَّوه بها أبا بَكْرَة، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وقال رسولُ الله ﷺ لَمّا ادَّعته ثقيف: "هو طليقُ اللهِ وطليقُ رسولهِ" وقد ذكرناه في غزاة الطائف. وقال ابن سعد (٣): كان أَبو بَكْرةَ رجلًا صالحًا وَرِعًا، وكان فيمن شَهِدَ على المغيرة بن شعبة بتلك الشهادة، فضُربَ الحدَّ، وحَمَلَ على أخيه زياد في نفسه حيث لم يُقم الشهادة، فلما ادَّعى معاويةُ زيادًا نهاه أبو بَكْرةَ عن ذلك، فأبَى زياد، فحلف أبو بَكْرةَ لا يُكلِّمُه أبدًا، فمات قَبْلَ أن يُكَلِّمَهُ. وكان زيادٌ قد قَرَّب وَلَدَ أبي بَكْرَةَ، وشَرَّفهم، وأَقْطَعَهُم، وولاهم الولاياتِ، فصاروا إلى دُنيا عظيمة وادَّعَوْا أنَّهم من العرب، وأنَّهم من ولدِ نُفَيع بن الحارث الثقفي. هذا قولُ ابن سعد. وقيل: إنَّما كُنِّي بأبي بَكْرَة، لأنَّه كان له بَكرَة يَعلِفُها ويركبُ عليها، فنُسب إليها.
следующие страницы →