ذكر الجاهلية الأولى
واختلفوا فيهم: فقال الشعبي: كانوا بين عيسى ومحمّد صلى الله عليهما وسلّم (١).
قال أبو العالية: بين داود وسليمان (٢).
وقال مجاهد: بين إبراهيم وموسى.
وقيل: في زمان نمرود، كانت المرأة تلبس قميصًا من الدّرّ فيرى باطنها فيه، ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، تعرض نفسها على الرِّجال (٣).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: وفي زمان متوشلخ كانت الجاهلية الأولى، وهما بطنان من بني آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِباحًا وفي النساء دَمامة، ونساء السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، فجاء إبليس إلى رجل من السهل فأخذ زمارة فزمر بها فظهر له منها صوت لم يسمع مثله، فاجتمع إليه الرجال والنِّساء ونزلوا من الجبل، فاختلطوا وتبرَّج النِّساء، فكثرت الفواحش حتى أغرقهم الطوفان، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٤).
وإبليس أوَّل من زمر وناح (٥).
* * *
стр. 352
فصل في الحوادث التي كانت في زمان إدريس ﵇ -
قصَّة هاروت وماروت
وهما اسمان سريانيَّان لا ينصرفان للعُجمة والتعريف، وكانت قصتهما على ما ذكره ابن مسعود وابن عباس والمفسرون: أنَّ الملائكة رأت ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة، ودْلك في زمان إدرشى، فعيَّروهم بذلك، ودعوا عليهم وقالوا: يا ربنا هؤلاء الذين اخترتهم وجعلتهم في الأرض خلفاء وهم يعصونك، فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا. فقالوا: سبحانك ما كان لنا -أو ما ينبغي لنا- أن نعصيك. فقال لهم الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أُهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم.
وقال الكلبي: قال الله: اختاروا ثلاثة، فاختاروا عزائيل، ووعزا وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت، وإنما غُيِّر اسمهما لمَّا قارفا الذنب-[كما غُيِّر] (١) اسم إبليس وكان اسمه عزازيل- قال: فركّب فيهم الشهوة وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن القتل والزنا، والشرك وشرب الخمر.
فأمَّا عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال، وسأل الله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله ورفعه، وسجد أربعين سنة لم يرفع رألممه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وقيل: إنه بقي على حاله.
وأمَّا الآخران فإنهما ثبتا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، فصعدا إلى السماء.
قال قتادة: فما مرَّ عليهما شهر حتى افتتنا.
قالوا جميعًا: وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النساء، قال علي كرَّم الله وجهه: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها، فلمّا رأياها
стр. 353
أخذت بعقولهما أو بقلوبهما فراوداها عن نفسها، فأبت ثم انصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك، فأبت، وقالت: لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل لنا إلى هذه الأشياء، فإنَّ الله تعالى نهانا عنها. فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت لهما بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر فانتشيا، ووقعا على المرأة فزنيا، فلمَّا فرغا رآهما الشاب (١) فقتلاه.
قال الرَّبيع بن أنس: وسجدا للصنم؛ فمسخ الله الزهرة كوكبًا.
قال علي بن أبي طالب والسُّدي والكلبي: إنها قالت لهما: لن تدركاني حتَّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتما بمدركيَّ حتى تعلّماني إياه، فقال أحدهما للآخر: علِّمها، قال: إني أخاف الله، قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلَّماها ذلك، فتكلَّمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبًا (٢).
قال الثعلبي: فعلى قول هؤلاء هي الزهرة بعينها، وقيَّدوها فقالوا: هي الكوكبة الحمراء، واسمها بالفارسية أناهيد (٣)، وبالنِّبطية بيدخت. قال الثعلبي: ويدل على [صحة] هذا القول ما حدَّثنا [به] يحيى بن إسماعيل الحربي بإسناده عن عليّ ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رأى سهيلًا قال: "لَعَنَ الله سُهَيلًا إنه كانَ عَشَّارًا باليمنِ، لَعَنَ الله الزُّهرَة فإنَّها فَتَنَتِ المَلَكَينِ" (٤).
قال: وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي: ارمق الكوكبة، يعني
стр. 354
الزهرة، فإذا طلعت فآذنِّي أو فأيقظني قال: فلما طلعت أيقظته، فجعل ينظر إليها ويسبُّها سبًّا شديدًا، فقلت: رحمك الله، أتسبُّ نجمًا سامعًا لله مطيعًا؟! فقال: إنَّ هذه كانت بغيًا فلقي الملكان منها ما لقيا (١).
قال نافع: وكان ابن عمر إذا رأى الزهرة قال: لا مرحبًا ولا أهلًا (٢).
وروى أبو عثمان النَّهدي عن ابن عباس بنحو ما روى مجاهد عن ابن عمر.
وقال الثعلبي: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا: إنَّ الزهرة من الكواكب السبعة السَّيارة التي جعلها الله قوامًا للعالم وأقسم بها فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦] وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت وماروت امرأة تسمى الزهرة من جمالها، فلما بغت جعلها الله شهابًا، فلما رأى رسول الله ﷺ الزهرة، ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذا سهيل العشَّار كان رجلًا عشّارًا باليمن، فلما رأى رسول الله ﷺ النجم ذكره فلعنه. يدل عليه ما روى قيس بن عُباد عن ابن عباس (٣) قال: كانت الزهرة امرأة فُضِّلَتْ بالحسن على الناس كما فضلت الزهرة على سائر الكواكب (٤). ومثله قال كعب الأحبار وغيره، والله أعلم.
قلت: هذا صورة ما ذكره أبو إسحاق، ولم يبيّن ما في الأحاديث من المقال، وما رواه عن النَّبي ﷺ في الزهرة وسهيل لا يصح، وكذا ما روي عن ابن عمر. والدليل عليه أن جدي ﵀ ذكر هذه الأخبار في "الموضوعات":
أنبأنا جدي ﵀ قال أنبأنا أبو منصور القزَّاز بإسناده عن معاوية بن صالح عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر فلما كان آخر اللَّيل قال: يا نافع طلعت الحمراء؟ فقلت: لا، فلمَّا طلعت أخبرته، فقال: لا مرحبًا ولا سهلًا. قلت: سبحان الله، نجم سامع مطيع تقول له هذا؟! فقال: ما قلت إلّا ما سمعته من رسول الله ﷺ ، أو قال: قال رسول الله: ﷺ إنَّ الملائكة قالت: "يا ربِّ كيفَ صبرُك على بني آدمَ في الخطايا
стр. 355
والذّنوب؟ قال: إنِّي ابتليتُهم وعافيتُكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملَكَين منكم. فلم يَألوا أن اختاروا هاروتَ وماروتَ فنزلا، فأَلقَى عليهما الشَّهوة، فجاءت امرأةٌ يقال لها: الزُّهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كلُّ واحد منهما يخفي ما في نفسه عن صاحبه. ثم راوداها فقالت: لا أمكِّنكما حتى تعلِّماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان، فامتنعا، ثم أجابا ففعلا، فمسخها الله كوكبًا، وقطع أجنحتهما. ثم سألا التوبة من ربِّهما فخيَّرهما بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدُّنيا، فأوحى الله إليهما: انطلقا إلى بابل، فانطلقا فهما منكوسان بين السماء والأرض يُعذَّبان إلى يوم القيامة". قال جدّي ﵀: هذا حديث لا يصح (١).
وأمَّا حديث سُهيل وقول النبيِّ ﷺ : "لعن الله سُهيلًا كان عشَّارًا باليمن" فقال جدي في "الموضوعات" أيضًا: لا يصحّ مرفوعًا إلى رسول الله ولا موقوفًا، تفرَّد به إبراهيم بن يزيد الخوزي، اتفقوا على تركه (٢).
وقد رُويت لنا هذه القصة وليس فيها أنَّ الزهرة مُسخت كوكبًا: قرأتُ على شيخنا الموفَّق المقدسي ﵀ قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النَّقور، بإسناده عن عبد الله بن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنَّ آدمَ لمَّا أَهبَطَه الله تعالى إلى الأرض قالتِ الملائِكَةُ: يا ربّ، أتجعَلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها ونَحن أَطْوَع لك من بَني آدَمَ؟، فقال الله: هَلمُّوا ملَكَين منكُم حتى نُهبِطَهما إلى الأرضِ فننظر كيف يعملان، فاختاروا هارُوتَ ومارُوتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ (٣) ومَثُلَت لهما الزهرة امرأة من أحسنِ البَشَر، فسألاها نَفسَها، فقالت: لا والله حتى تتَكلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: لا واللهِ لا نشركُ بالله شيئًا، فذهبت عنهما. ثم رجَعَتْ بصبي تحملُه، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتُلا هذا الصبيَّ، فقالا: لا والله لا نقتُلُه أبدًا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحملُه، فسألاها نَفسَها فقالت: لا واللهِ حتى تَشرَبا هذا القدَحَ، فشَرِبا القدَحَ حتى سَكرا فوَقَعا عليها، وقَتلا الصبيَّ، وتكلَّما بالكلمةِ. فلمَّا أفاقا قالت
стр. 356
لهما: واللهِ ما تَرَكتُما شيئًا مما أَبَيتماه إلَّا فَعلْتُماه حين سَكِرتما، فخيِّرا بين عذابِ الدُّنيا وعذابِ الآخرةِ فاختارا عذابَ الدُّنيا" (١).
وحكى جدّي ﵀ قولين آخرين:
أحدهما: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنهما جارا في الحكم.
والثاني: أنهما همَّا بالمعصية فقط، ولم يفعلاها (٢).
قلت: وهذا القول الأخير أليق بالملائكة من مباشرة الزِّنا والقتل وشرب الخمر.
قال ابن عباس: فلمَّا أمسيا همَّا بالصعود إلى السماء بعدما قارفا الذَّنب، فلم تضعهما أجنحتهما، فعلما ما حلَّ بهما، فقصدا إدريس وسألاه أن يشفع لهما إلى الله، وقالا: إنَّا رأيناك يصعد لك من العبادة (٣) مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاشفع لنا، فشفع فيهما، فخيَّرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذَّبان (٤).
وروى أبو صالح عن ابن عباس، ورواه معاذ مرفوعًا والموقوف أصحّ، قال: جاءهما جبريل، فبكيا وبكى معهما، فقال لهما: ما هذه البليّة التي أجحفت بكما؟ وما هذا الشّقاء؟ فإنّ الله أرسلني إليكما يخيِّركما بين عذاب الدنيا وأن تكونا عنده في الآخرة في المشيئة إن شاء عذبكما وإن شاء رحمكما، وإن شئتما عذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا وأن يكونا عند الله في المشيئة، قال: فهما ببابل فارس معلقان بين جبلين في غار تحت الأرض، يعذّبان طرفي النّهار إلى الصّيحة. فلما رأت الملائكة ذلك خفقت بأَجنحتها ثم قالت: اللهمَّ اغفر لولد آدم فذلك قوله تعالى: ﴿ويَسْتغفِرُونَ لِمَن في الأَرضِ﴾ (٥) [الشورى: ٥].
وفي رواية: فقالت الملائكة: عجبًا لبني آدم كيف يعبدون الله تعالى ويطيعونه على
стр. 357
ما فيهم من الشهوات (١)!؟
وقال ابن مسعود: فداروا حول العرش أربعة آلاف سنة يعتذرون من اعتراضهم.
واختلفوا في كيفية عذاب الملكين على أقوال:
أحدها: أنهما معلَّقان بشعورهما إلى قيام الساعة، قاله ابن مسعود.
والثاني: أنهما مكبَّلان بالحديد من أقدامهما إلى رؤوسهما، قاله قتادة.
والثالث: أنَّ جبًّا ملئ نارًا وجعلا فيه، قاله مجاهد (٢).
وحكى أبو إسحاق الثعلبي: أنَّ رجلًا قصدهما ليتعلَّم السحر، فوجدهما معلَّقين بأرجلهما، مزرقَّة عيونهما، مسودَّة جلودهما، ليس بين ألسنتهما والماء سوى أربعة أصابع، وهما يصيحان: العطش العطش!. فلما رأى ذلك هاله مكانهما، فقال الرجل: لا إله إلا الله، وقد نهيا عن ذكر الله، فلمَّا سمعا كلامه قالا: من أنت؟ فقال: رجل من أمَّة محمد ﷺ ، قالا: وقد بُعث؟ قال: نعم، فقالا: الحمد لله، واستبشرا وقالا: هو نبيُّ الساعة، وقد دنا [انقضاء عذابنا] (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء واختبار، فينصحاه وينهياه ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي بتعليم (٤) السحر.
فصل في حكم السَّاحر والسَّاحرة
قال أبو حنيفة ﵁: يكفر السَّاحر بسحره ويقتل، أمَّا المرأة السَّاحرة فتحبس ولا تقتل، سواء كان الساحر من أهل الإسلام أو من أهل الكتاب.
وقال الشافعي: لا يكفر بسحره، فإن قَتَلَ بسحره قُتِلَ به.
وقال أحمد: يكفر بسحره قَتل أو لم يَقتل. وهل تقبل توبته؟ فيه روايتان.
وأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل عند أحمد إلا أن يضرَّ بالمسلمين فيقتل، لنقض
стр. 358
العهد، وسواء في ذلك الرجل والمرأة (١). وعنده وعند الشافعي (٢).
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ وإنما وحد الفتنة وهما اثنان لأنَّ الفتنة مصدر، والمصادر لا تثنَى ولا تجمع. وفي مصحف أبي بن كعب: "وما يعلِّمان من أحد حتَّى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر" سبع مرَّات وفي مصحف ابن مسعود "وما يعلّم الملكان من أحد".
وقال مقاتل: فإن أبى إلَّا التعليم قالا: ائت ذلك الرماد فَبُلْ عليه، فإن بال عليه خرج منه نور الإيمان والمعرفة ساطعًا في السماء، وينزل شيء أسود فيدخل في مسامعه شبيه الدُّخان، فذلك غضب الله تعالى وسخطه.
وقال مجاهد: الملكان لا يصِل إليهما أحد وإنما يختلف إليهما شيطان في السنة مرَّة واحدة.
ومعنى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهو أن يبغض كل واحد منهما صاحبه ويؤخذ عنه.
قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀: بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قدمت امرأةٌ من دُومة الجَنْدَل تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته -حداثةَ ذلك- تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعلم به، قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حتى إني لأرحمها، تقول: إني أخاف أن أكون قد هَلَكت، كان لي زوج فغاب عنِّي، فدخلت إلى عجوز فشكوت إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك به جعلته يأتيك، فلما كان اللَّيل جاءتني بكلبين أسودين فركبتُ أحدهما، وركبَتِ الآخر، فلم يكن كثيرًا حتى أتينا بابل، فإذا برجلين معلَّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ قلت: أتعلَّم السِّحر. فقالا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فلا تكفري وارجعي، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت إليه ففزعت ولم أفعل شيئًا فرجعت إليهما، فقالا: أفعلتِ؟ قلت: نعم، قالا: فما رأيت؟ قلت: لم أر شيئًا. فقالا: كذبت لم تصنعي شيئًا. ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنَّك على رأس أمرك. قالت: فذهبت
стр. 359
فبلتُ فيه، فرأيت فارسًا مقنَّعًا بالحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، وجئتهما وأخبرتهما، وقلت: رأيت كذا وكذا، فقالا: صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، اذهبي.
قالت: فقلت للمرأة، والله ما أعلم شيئًا، ولا قالا لي شيئًا، قالت: بلى، لن تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمحَ فابذري، فبذرتُ، فقلت: اطلعي فطلعت، فقلت: الحقي فلحقت، فقلت: افركي ففركت، فقلت: اطحني فطحنت، فقلت: اخبزي فخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان، سُقط في يدي وندمت، والله يا أمَّ المؤمنين ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا، فسألَتْ أصحاب رسول الله ﷺ حداثة [وفاة رسول الله ﷺ ] وهم متوافرون، فما دروا ما يقولون لها وكلهم هاب وخاف وحذر أن يفتيها بما لا يعلم، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعضُ من كان عنده: لو كان أبواك حيَّين أو أحدهما.
قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا أهل الورع، ولو جاءنا مثلها اليوم لوجدَتْ نَوكى أهلَ حُمْقٍ وتكلُّف بغير علم (١).
واختلفوا في كيفيَّة جواز تعليم السِّحر على الملكين، على قولين:
أحدهما: أنهما كانا لا يتعمَّدان تعليم السِّحر، ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه، ويأمران باجتنابه. ولكنَّ الشَّقي يتعلَّم منهما في خلال صفتهما، ويترك موعظتهما ونصيحتهما. فعلى هذا التأويل لا يكون تعلُّم السِّحر كفرًا، وإنما يكون العمل به كفرًا، كما أنَّ من عرف الزِّنا ولم يفعله لم يأثم وإنما يأثم الفاعل له.
والثاني: أنَّ الله امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والإيمان، فيكفر بتعلُّمه، ويؤمر بترك التعلُّم، لأنَّ السِّحر كان قد كثر في تلك الأمَّة. ويزداد المعلِّمان عذابًا بتعليمه فيكون ذلك ابتلاء للمعلم والمتعلِّم. ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما ابتلى بني إسرائيل بالنَّهَر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ودليله قولهما: ﴿إنَّمَا نَحنُ فِتنَة﴾ وهذان القولان
стр. 360
حكاهما الزَّجَّاج واعتمد عليهما (١).
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: بالسِّحر ﴿مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدره وعلمه ومشيئته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في الدَّارين ولا ينفعهم.
فصل في الملوك الذين كانوا في زمن إدريس ﵇ -
قال علماء السِّير: كان في زمانه طَهْمُورث.
وعامَّة المؤرخين على أنَّه طهمورت، بتاء منقوطة بنقطتين من فوق.
وقال أبو الحسين بن المنادي: طهمورب، بباء منقوطة بواحدة من تحت.
واختلفوا فيه: فقال بعضهم: هو من ولد آدم لصلبه، وقال قوم: هو ابن أوشهنج أو أوشنج ابن آدم لصلبه. وقال ابن مسكويه في "تجاريب (٢) الأمم": طهمورث أخو أوشنج. وقال قوم: هو من ولد أوشنج، بينه وبينه عدَّة آباء (٣).
فسلك طهمورت طريق الخير، وسار بسيرة من تقدّم من ولد آدم، وملك الأقاليم السبعة، ونفى الأشرار، وهو أوّل من كتب بالفارسية (٤)، واتخذ الخيل والبغال والحمير والكلاب لحفظ المواشي، واستمرَّت أحواله على الصَّلاح، وهو أوَّل من وضع التَّاج على رأسه من الملوك، وبنى المكان الذي جدَّده سابور ملك فارس، وأقام به حتى مات عن ست مئة سنة (٥).
فصل
ثم ملك بعده أخوه جَمْ شيد، وتفسيره: سيِّد الشعاع، سمي به لأنه كان وضيئًا جميلًا، وملك الأقاليم السّبعة، وسار في الناس السيرةَ الجميلة، وزاد على أخيه
стр. 361
طهمورت، وعمل السّيوف والسّلاح، واستخرج الإبريسم والقزَّ، ورتَّب الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة علماء، وطبقة خدماء، وطبقة كتّابًا وصناعًا وحرّاثين ونحوهم. وعمل أربع خواتيم: خاتمًا للحرب والشُّرطة وكتب عليه "الأناة"، وخاتمًا للخراج وجباية الأموال وكتب عليه "العمارة"، وخاتمًا للبريد وكتب عليه "الوحى"، وخاتمًا للمظالم وكتب عليه "العدل" (١). قال جدي ﵀ في كتاب "التبصرة": فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام (٢).
قلت: ولو استعملت هذه الرُّسوم في ملك الإسلام أيضًا لكان أولى، لأنَّ الرَّعية من أحوج الناس إليها.
وألزم جَمْ شيد أهل الشّرّ والفساد الأعمال الصَّعبةَ من قطع الصخور من الجبال، وعمل الحمَّامات، واستخراج المعادن من البحار كالذهب والفضَّة والجوهر والياقوت، وأحدث النَّيروز فجعله عيدًا. ولمَّا طال عمره تجبر وطغى وادَّعى الرُّبوبيَّة (٣).
قال جدي في "أعمار الأعيان": عاش جَمْ شيد تسع مئة سنة وستين سنة (٤). فسار إليه الضحَّاك واسمه بيوراسب بن الأهبوب.
واختلفوا في الضَّحاك: فقال قوم: هو من ولد جيومرت، وقيل: إنَّ الضحَّاك ابن أخت جَمْ شيد، كان جم قد زوَّج أخته من بعض أشراف بيته فولدت الضحَّاك، وقيل: إنما زوَّجها جَمْ من الأهبوب، فولدت الضحَّاك. فسار إليه الضحَّاك، فهرب بين يديه، فتبعه فظفر به، فقال له: مثلك يدَّعي الرُّبوبية فإن كنت إلهًا فادفع عن نفسك، فنشره بمنشار -ذكره الجوهري بنون (٥). وغيره يقول: ميشار بالياء- وملَكَ الضحَّاك ألف سنة، وكان يدين بدين البراهمة (٦).
стр. 362
وذكر هارون بن المأمون: أنَّ الضحَّاك كان في زمن نوح ﵇، وأنه أرسل إليه وإلى قومه، قال: والفرس تسمِّيه بيوراسب، والعرب تسمِّيه: الضحَّاك، وهو أوَّل الفراعنة، وملَكَ الأقاليم كلها، وكان ساحرًا فاجرًا، وهو أوَّل من نشر بني آدم بالمنشار وصلب، ووضع العشور، وأوَّل من غُنِّي له، وأوَّل من ضرب الدَّراهم والدَّنانير، وسنذكره في الحوادث التي كانت بين نوح وإبراهيم ﵉ واختلاف الناس فيه وقتل أفريدون له إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 363
فَصلٌ في ذِكر نُوح ﵇ (١)
قال علماء السِّير: هو نوح بن لَمْكِ، وقيل: ابن لامَك بن مُتُوشَلْخ بن أخنوخ، وهو إدريس ﵇، ابن مَهْلائيل بن يَرْذ بن قَينَان بن أَنُوش بن شِيث بن آدم ﵇.
وهو أوَّل نبي بعد إدريس.
قال مقاتل: اسمه السَّكن، وقيل: ساكن، ونوح لقب له.
واختلفوا لِمَ سمِّي نوحًا على أقوال:
أحدها: لأنه ناح على قومه، قاله مجاهد.
والثاني: على نفسه، قال مقاتل: كان فيه غضب وحدَّة فلمَّا لم يجبه قومه دعا عليهم فجاءه إبليس فقال له: يا سكن لقد عملتَ معي عملًا لو اجتمع أهلُ الأرض وجميع جنودي لما قدروا عليه، قال: وما هو؟ قال: دعاؤك على قومك بالهلاك، ولو كنت صبرت على أذاهم لعلّه أن يؤمن واحد منهم لكان فيه كفاية، فندم نوح وقال: يا ليتني صبرت، فناح على نفسه.
والثالث: أنه نظر يومًا إلى كلب قبيح المنظر فقال: ما أقبح صورة هذا الكلب، فأنطقه الله تعالى وقال: يا سكن، على من عيَّبت؟ على النقش أو على النَّقَّاش؟ فإن كان على النَّقش فلو كان خلقي بيدي لحسَّنته، وإن كان على النَّقَّاش فالعتب عليه، أعتراضٌ في ملكه؟ فعلمَ أن الله أنطقهُ، فناح على نفسه وبكى أربعين سنة، قاله السُّدي عن أشياخه.
وقيل إن الله تعالى أوحى إليه ذلك (٢).
وقال ابن إسحاق: هو اسم موضوع له، ونوح بالسُّريانيَّة سكن.
стр. 364
وقال السُّدي: إنما سمي سكنًا لأنَّ الأرض سكنت به.
وقال ابن عباس: كان نجَّارًا. وقد ذكره الله في مواضع، قيل: في ثمانية وعشرين موضعًا، فقال في سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩].
واختلفوا في ولادته وإرساله: فذكر جدي في كتاب "التبصرة" وقال: ولد نوح بعد وفاة آدم بمئة وست وعشرين سنة، ولما تمَّ له خمسون سنة أرسله الله تعالى (١). وكذا قال الزبير بن بكَّار.
وقال مقاتل: بينه وبين آدم ألف سنة، وبينه وبين إدريس مئة سنة، وبُعث وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة.
وقيل: كان ابن ثمانين وأربع مئة سنة، وكان أبوه لَمْك قد أخبره بالنُّور الذي انتقل إليه وأوصاه فقال: يا بنيّ، لا تتَّبع الأمَّة الخاطئة.
واختلفوا في مقامه على قولين: أحدهما: بالهند، قاله مجاهد. والثاني: بأرض بابل والكوفة، قاله الحسن البصري.
وقال ابن عباس: بعثه الله والكفر قد عم الأرض، ولم يكن في الدنيا من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وكانوا يعبدون الأصنام، وهم ذريَّة قابيل وغيرهم، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ ﴿قَال الْمَلَأُ﴾ يعني: الأشراف والسَّادة، قال الفرَّاء: هم الرجال ليست فيهم امرأة ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] أي: في خطأ ظاهر عن الحق ﴿قَال يَاقَوْمِ لَيسَ بِي ضَلَالةٌ﴾ وإنما لم يقل: ليست، لأنَّ معنى الضَّلالة الضلال ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١].
فصل في الرُّسُل والرِّسالة
العرب تقول: أرسلت فلانًا في رسالة فهو مرسَل ورسُول. قال الجوهري: والرَّسول أيضًا الرِّسالة، قال كثيِّر: [من الطويل]
стр. 365
لقَد كَذَبَ الوَاشُونَ ما بُحتُ عِندهم … بسِرٍّ ولا راسَلْتُهم برَسُول (١)
ومن شرط الرَّسول أن يكون ذكرًا، وقال بعض الناس: يجوز أن يكون أنثى، واحتجُّوا بأنَّ النَّبي ﷺ قال: "أربع نبيَّات بعثهنَّ الله: حوَّاء وأمُّ موسى وأمُّ عيسى وامرأةُ فرعون" (٢).
ولعامَّة العلماء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩].
ولأنَّ الرِّسالة تقتضي الاشتهار بالدَّعوة، والأنوثة توجب الستر، وبينهما تنافٍ لما عرف من نقصان المرأة.
ولا يجب قبول قول الرَّسول حتى يقيم الدَّليل على صدق دعواه.
وقالت الخوارج: يجوز قبل إظهار المعجزة ويجب قبول قوله، وذلك باطل، لأنه لا يقع الفرق بين الصَّادق والكاذب إلا بإظهار المعجزة التي هي خارجة عن قوى البشر.
فإن قيل: فلمَ أرسل الرّسل من جنسنا ولم يكونوا من الملائكة؟
فالجواب من وجوه: أحدها: لأنهم لو لم يكونوا من جنسنا لم يشفقوا علينا.
والثاني: لأنَّا إذا أخطأنا شفعوا فينا. والثالث: لأنَّا إذا عرفنا نسبه وحسبه كان أبلغ في تصديقنا إيَّاه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].
فأمَّا ما يتعلّق برسالة نبيِّنا ﷺ فسنذكره في سيرته إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى في سورة هود ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] الآية، روى مجاهد عن ابن عباس قال: كانوا يضربونه حتَّى يغشى عليه، فيلفّ في لِبَد، فيرون أنه قد مات، ثم يقوم فيدعوهم إلى الله تعالى ويقول: اللهمَّ اهدهم وإلَّا فصَبِّرني.
وقال مقاتل: لبث يدعو قومه تسع مئة وخمسين سنة، قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] أي: أقام داعيًا إلى الله.
стр. 366
وذكر ابن سعد بإسناده عن ابن عباس قال: ولد نوح ولأبيه ثمانون سنة، فأقام يدعوهم إلى الله مئة وعشرين سنة، وركب في السَّفينة وهو ابن ست مئة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاث مئة وخمسين سنة (١).
وروى الثعلبي عن مقاتل أنه قال: بُعث نوح بعد مئة سنة، وركب السفينة وهو ابن ست مئة سنة، وعاش ألفًا وخمسين سنة.
قلت: والأصحُّ أنه أقام فيهم داعيًا إلى الله تعالى ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، كما ذكر الله تعالى.
وقال مجاهد: لما طال عليه أمرهم، واشتدَّ تجبُّرهم، دعا عليهم وسأل الله إهلاكهم، فأوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
وقال الرَّبيع: ما دعا عليهم إلّا بعد أن أيأسه الله من إيمانهم بهذه الآية، وهي قوله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ والأنبياء لا يفعلون شيئًا إلا بالوحي ﴿فَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: آدميًّا ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: سفلتنا، قال ابن مسعود: قيل: إنهم الحاكة. فلمّا جادلوه وأطالوا الخطاب أخبره الله تعالى أنه مهلكهم. فقال: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] فحينئذ قال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] لآية. الفلك: السفينة.
واختلفوا في معنى قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ على أقوال:
أحدها: بمرأىً منَّا، قاله ابن عباس. والثاني: بمنظر منا (٢). قاله الضحاك.
والثالث: بعلمنا، قاله مقاتل. والرابع: بحفظنا ووحينا، قاله الرَّبيع (٣).
وقال ابن عباس: لم يكن يعلم كيف يصنعُ الفلك، فأوحى الله إليه أن اصنعها مثلَ
стр. 367
جؤجؤ الطَّير (١).
وكان الله قد أمره بغرس السّاج فغرسه ثلاثين سنة حتى تمّ واستوى، وقيل: في أربعين سنة.
وقال الربيع: الشجرة التي عمل منها السفينة نبتت حين ولد نوح، فارتفع طولها ثلاث مئة ذراع.
واختلفوا: في كم صنعها؟
فقال عكرمة: في مئة سنة، قال: وكان جبريل يعلِّمه كيف يصنعها.
وعن ابن عباس: أنه بناها في سنتين، وقال سلمان الفارسي: في أربع مئة سنة، وهذا تفاوت بعيد. قالوا: والأظهر في سنتين، لأنه موافق لحاله. وفجَّر الله عين القار ولم تكن قبل ذلك (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧].
قال مجاهد: معناه لا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا من قومك ﴿إنهم مُّغرَقونَ﴾ بالطُّوفان. وقال ابن عباس: أُمر أن لا يشفع فيهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ أي: وكان يصنع الفلك ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: استهزؤوا به، وهو يقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] إذا رأيتم العذاب.
واختلفوا في طولها وعرضها على أقوال:
أحدها: أنه كان طولها ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وارتفاعها في الهواء ثلاثة وثلاثون ذراعًا، رواه مجاهد عن ابن عباس (٣).
والثاني: أنه كان طولها ألف ذراع وعرضها ثلاث مئة وثلاثون. حكاه السُّدي عن أشياخه.
стр. 368
والرابع (١): كان طولها ألفي ذراع، وعرضها ست مئة ذراع، ذكره جدي ﵀ في "التبصرة" (٢).
والقول الأوَّل حكاه كعب عن التَّوراة، وزاد فيه: أوحى الله إلى نوح أن اصنع الفلك وطوله ثلاث مئة ذراع، وارتفاعه ثلاثة وثلاثون ذراعًا وعرضه خمسون. وليكن بابها في عرضها، واركب أنت وامرأتك وبنوك وكنائنك، ومن كلِّ شيء من اللَّحم زوجان ذكر وأنثى، فإني مُنزل المطر على الأرض أربعين يومًا وليلة، فأُتلف كلَّ شيء على وجه الأرض، واعمل تابوتًا من عود الشمشار واجعل فيه جسد آدم، واحمل معك زاد سنة. ففعل نوح ذلك. وأرسل الله الطوفان على الأرض في سنة ست مئة من عمر نوح، في ستة عشر يومًا من الشهر الثاني، ولبث في الماء مئة وخمسين يومًا. ثم أرسل الله ريحًا فغشيت الأرض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض وعيون القطر وميازيب السماء، واستقرّت السفينة في الشهر السّادس على جبل قردا. هذا نصُّ التوراة (٣).
وذكر في التوراة: أنه جعلها ثلاث طبقات، فكان هو ومن معه من بني آدم في الطبقة العليا، وفي الوسطى الأنعام والدَّواب والطيور، وفي السفلى الوحوش والسباع والبهائم والهوام، وكانت مطبقة.
واختلفوا في عدد من ركب فيها على أقوال:
أحدها: أنهم كانوا ثمانين رجلًا معهم أهلوهم، قاله ابن عباس.
والثاني: أربعين رجلًا وأربعين امرأة، قاله مقاتل.
والثالث: سبعين رجلًا ونوح وأولاده الثلاثة وكنائنه.
والرابع: كانوا ثمانين، وبنوه الثلاثة ونساؤهم، قاله ابن عباس.
والخامس: كانوا ثلاثين رجلًا، قاله ابن عباس أيضًا.
стр. 369
والسادس: كانوا ثمانية، نوح وبنوه الثلاثة وامرأة نوح وكنائنه، قاله ابن جريج.
والسابع: كانوا سبعة، نوح وبنوه وكنائنه، قاله الأعمش.
والثامن: ثلاثة عشر، ذكره ابن إسحاق. وقد حكى جدي هذه الأقوال في "التبصرة" (١).
قلت: والأصح أنهم كانوا ثمانين.
واختلفوا من أي مكان ركبوا على أقوال:
أحدها: من مكان الكوفة، قاله ابن عباس، ومنه فار التَّنُّور.
والثاني: من الهند ومنه فار التَّنور، قاله ابن مسعود.
والثالث: من الشام من عين وردة، قاله مقاتل، وذكره جدي في "زاد المسير" و"التبصرة"، وقال: كانت منزلَ نوح ﵇، يعني عين وردة (٢).
وذكره أيضًا أبو الحسين محمد بن عبد الله الرّازي فيما حكاه عنه الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق" قال: إنَّ دمشق كانت دار نوح، ومنشأ السفينة من خشب لبنان، وأنه ركب فيها من عين الجر في البقاع ببلد بعلبك، وهو واد بين جبلي لبنان وسنير. قال: وإنّ الماء فار من تنّور خلف حائط الحصن الداخل من مدينة دمشق من ناحية باب جَيرُون على طريق باب الفراديس (٣).
قلت: ولم ينقل هذا غير أبي الحسين الرّازي، فإنّ الحافظ نقل عنه أنه قال: قرأته في كتاب "أخبار الأوائل". والظاهر أن نوحًا كان مقيمًا بأرض بابل، ومن ثَمَّ ركب في السفينة، لما نذكر.
وقال مجاهد: بنى السفينة على الجبل الذي أهبط عليه آدم بالهند، ويقال له: بوذ وواشم، ومنه ركب في السفينة، فصار قولًا رابعًا.
واختلفوا في المراد بالتَّنُّور على أقوال:
стр. 370
أحدها: أنّه تنُّور أهله، كانت امرأته تخبز فيه وهو في منزله في زاوية مسجد الكوفة، واسم امرأته وردة، وقيل: واغلة، فنبع الماء ويدها في الخبز، قاله زرّ بن حبيش (١).
والثاني: أنّ المراد بالتَّنُّور وجه الأرض، قال ابن عباس. قيل له: إذا رأيت الماء قد علا على وجه الأرض فاركب (٢).
والثالث: أنه تنور (٣) الصبح، قاله عليٌّ ﵇.
والرابع: تنور الشمس، وروي عن علي أيضًا (٤).
وقال الجوهري: التنُّور الذي يخبز فيه قال: وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّوُر﴾ قال علي ﵇: هو وجه الأرض (٥). هذه صورة ما ذكره الجوهري.
وقال ابن عباس: لما فار التنُّور دار الماءُ حوله وامتدَّ، فصار حول الأرض كالإكليل، فأقبلت الوحوش تطلب قلل الجبال، فنادى نوح: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ومُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].
وقال الضحاك: كان إذا أراد أن يرسو قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فرسَت، وإذا أراد أن تجري قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فجرت. قال الزَّجاج: والفوران: الغليان. وسمِّي طوفانًا لأنه طفا فوق كلِّ شيء، أي: علاه.
وقال الهيثم بن عدي: حمل معه تابوت آدم معترضًا بين الرجال والنساء.
وقال أبو العالية: جاءه إبليس فتعلَّق بكَوْثَلها فقال له نوح: ويحك قد غرق الناس من أجلك. قال: فما تأمرني؟ قال: تُب إلى ربِّك. فقال: اسأله هل لي من توبة؟ فسأل الله فقال: نعم، يسجد لآدم، فأخبره فقال: ما سجدت له وهو صاحب المملكة، أسجد له وهو كف من تراب؟! فقال له نوح: لا أحملك معي، اذهب. فأوحى الله إليه
стр. 371
دعه فإنَّه من المنظرين (١).
وقال مجاهد: آخر من دخلها الحمار، فتعلَّق بذنَبِه إبليس فمنعه نوح من الرُّكوب فيها، وقال: علِّمني خصالًا أحترس بها منك، قال: إياك والكِبر فإني ما وقعتُ فيما وقعت إلا به، وإيَّاك والحسد فإني حسدتُ آدم فهلكت، وإيَّاك والطمع فإنَّه هو الذي أوقع آدم فيما أوقعه، وإيَّاك والعجلة فإنها هي التي أحوجتك إلى الدعاء على قومك حتى هلكوا (٢).
وقال ابن عباس: أراد بقوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾ ذكرًا وأنثى حفظًا للنَّسل ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي ولدك وعيالك ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وهم الذين ركبوا معه السفينة. ومعنى اثنين على التأكيد، ولأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر.
قال ابن عباس: أول ما حمل نوح معه الذَّرَّة (٣)، وآخر ما حمل معه الحمار، فلمَّا دخل تعلَّق إبليس بذنبه فلم تستقل رجلاه وصدره في السَّفينة، فصاح نوح: ويحك ادخل وهو لا يقدر، فقال: أدخل، ولو كان معك الشيطان -كلمة زلَّت عن لسانه- فلمَّا قالها خلَّى الشيطان سبيل الحمار فدخل، ودخل معه إبليس، فقال له نوح: اخرج يا عدوَّ الله، فقال: ألم تقل ادخل وإن كان معك الشيطان؟ لا بدَّ لك من حملي معك. وكانوا يزعمون أنه في ظهر الفلك (٤).
وقال الثعلبي: وذكر مالك بن سليمان الهروي في "تفسيره" أن الحيَّة والعقرب أتيا نوحًا ﵇ وقالتا، احملنا، فقال: أنتما سبب الضرر والبلاء والأوجاع، فلا أحملكما، قالتا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذَكرك، فمن قرأ حين خاف مضرَّتهما ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] لم يضرَّاه (٥).
стр. 372
قال ابن عبّاس: لما ركب في السَّفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١، ١٢] ارتفع الماء على رؤوس الجبال العالية أربعين ذراعًا، فهلك من كان على وجه الأرض من ذي روح وشجر وغير ذلك، ولم يبق سوى من في السَّفينة. قال كعب: قرأت في التَّوراة أنَّه هلك جميع العالم إلا عوج بن عناق، وعناق بنت آدم، فإنه لم يبلغ الماء إلى ركبتيه، وعاش إلى زمان موسى (١) وسنذكره.
وقال أبو إسحاق الثعلبي: وفي حديث عائشة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لما فَارَ التَّنُّورُ خشيَت أمُّ الصَّبيِّ على ابنِهَا فَصعِدت به الجَبلَ، فلمَّا لحِقَها الماءُ جَعلَته على رقَبتِها، فَبلغَ الماءُ رقَبتَها، فَجعلَتهُ على رأسِها فَرفَعت يَديها بِهِ، فذَهَبَ بِهَا الماءُ. فلو رَحِمَ اللهُ أحدًا لرحِمَ أُمَّ الصَّبي" (٢).
فإن قيل: فما ذنب البهائم والطُّيور؟ فالجواب ما ذكره مقاتل قال: حضرت آجالهم فأُميتوا بالغرق (٣).
وقال السُّديُّ: كثرت أرواث الدَّوابِّ في السَّفينة فأوحي إلى نوح: اغمز ذنب الفيل فغمزه، فخرج منه خنزير وخنزيرة، فأكلا الأرواث. ونظر إلى فأر يقرض جوانب السَّفينة فأوحى الله إليه اضرب بين جبهتي الأسد، فضرب فخرج منه سِنَّور وسِنَّورة فأكلا الفأر (٤).
стр. 373
وقال ابن الكلبي، قال نوح: يا ربّ كيف أجمع بين الشاء والأسد؟ فقال الله: أنا أنزع العداوة من بين البهائم (١).
وقال ابن عباس: ما أهلك الله قوم نوح إلا بطغيانهم، أقام ينذرهم زمانًا فمضت عليه قرون، فما كان يأتي عليه قرن إلا وهو أخبث من الآخر، حتى إنَّ الأخير منهم ليأتي إلى نوح بولده فيقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا مجنونًا، فإيَّاك أن تتبعه، ثم يبصق في وجهه ويضربه (٢).
وقال مالك بن أنس الفقيه: كان الرَّجل في زمان نوح ينتسب إلى خمسة عشر جدًّا كلهم أحياء (٣).
وقال مجاهد: كانوا يمرُّون عليه وهو يعمل السَّفينة فيقولون: يا سكن، صرت نجَّارًا بعد النبوَّة، وهو يدعوهم إلى الله تعالى فيضربونه فيدعو عليهم، فأعقم الله أرحام نسائهم فلم يولد لهم ولد مدَّة سنين (٤)، قال: وكان التنُّور من حجارة يُخبز فيه لآدم، فكانوا يتوارثونه، وكان في دار نوح، فأوحى الله إليه قد جعلت فورانه عَلَمًا على هلاكهم (٥).
فإن قيل: فلم أهلكهم بالغرق؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم لما رأوه يعمل السفينة استهزؤوا به، وقالوا: تزعم أنك تسلمُ ونحن نغرق؟! وضربوه ضربًا مبرحًا، فأغرقهم الله.
والثاني: لأنَّ عذاب الله مختلف على ما يشاء، وذلك أبلغ في العظة من أن يهلكوا بنوع واحد، فتارة بالغرق وتارة بالرِّيح، وتارة بالخسف والزلازل، وذلك أبلغ في القدرة.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ أي: في مكان منقطع عن دين أبيه ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾
стр. 374
[هود: ٤٢] أي يمنعني ﴿قَال لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] الآية. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وقد وعدتني نجاتي وأهلي. واختلفوا في اسمه: فقال ابن عباس: كنعان، وقال عبيد بن عمير: يام، وكان كافرًا (١)، وليس له في التَّوراة ذكر، وكان ينافق لإظهار الإيمان، ولم يعلم نوح بذلك، فقال له الله تعالى: ﴿قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) أي: معرفة ﴿إني أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
قرأت على شيخنا: الموفَّق الحنبلي بإسناده عن عبد الرَّزاق، عن وُهيب بن الورد قال: لما عاتب الله نوحًا في ابنه وأنزل عليه ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بكى ثلاث مئة عام حتى صار تحت عينيه مثل الجداول من البكاء (٣).
واختلفوا في ابن نوح؟ فقال بعضهم: كان ولدَ خُبثَة، أي: لزنية من غيره ولم يعلم نوح بذلك، فأخبره الله تعالى أنَّه ليس من أهله، أي: ولده، وبه قال الحسن ومجاهد (٤).
وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه قط، ثم قرأ: ﴿فَخَانتاهُمَا﴾ فقلت: فإن الله حكى عنه أنَّه قال: إنَّ ابني من أهلي، وقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وأنت تقول: لم يكن ابنه!؟ وأهل الكتابين لا يختلفون أنَّه ابنه، فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب؟ إنهم يكذبون (٥).
وقال عبيد بن عمير: نرى أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما قضى الولد للفراش من أجل ابن نوح (٦).
وقال جعفر الصَّادق (٧): كان ابن امرأته، واحتجَّ بقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ولم يقل
стр. 375
منِّي. وعامَّة العلماء على أنه ابنه لصلبه صيانة لنوح، وحملوا قوله: ﴿إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إمَّا على معنى أنَّه ليس من أهل دينه، وإمَّا على معنى ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم (١).
قالوا: وما بغت امرأة نبيٍّ قط، وإنما كان خيانة امرأة نوح ولوط في الدِّين لا في الفراش، لأنَّ امرأة نوح كانت تقول للنَّاس إنَّه مجنون، وامرأة لوط تدلُّهم على الأضياف، وهذا قول ابن عباس وعكرمة وابن المسيِّب وابن جبير ومجاهد والضَّحَّاك (٢)؟ فحينئذ قال نوح: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] الآية.
وقال ابن عباس: لما انقضت ستّة أشهر قيل: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] ومعنى ﴿ابْلَعِي﴾ أي: اشربي وانشفي، ﴿وأقلعي﴾: أمسكي ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقص وذهب ونضب.
وقال مقاتل: ابتلعت الأرض ما نبع منها وصار ما نزل من السَّماء هذه البحور الذين ترون في الأرض.
والأصحُّ أنَّ البحور خلقت مع خلق الأرض. وأهل الهند يقولون: ما نعرف الطُّوفان ولا وصل إلينا.
وقال كعب: وفي التوراة لما نضب الماء كشف نوح غطاء السفينة فرأى وجه الأرض قد يبس، فعلم أنَّ العذاب قد رفع، فبعث الغراب فوقع على جيفةٍ فأبطأ عليه فلعنه، فبعث الحمامة فعادت مسرعة والطِّين في رجليها، فدعا لها فطوَّقها الله الطَّوق (٣).
وقال وهب: إنَّ بعض الأرض لم تسرع إلى بلع مائها لما قيل ابلعي ماءك، وبعضها أسرع، فالتي أسرعت صار ماؤها عذبًا إذا حُفر، والتي أبطأت صار ماؤها مرًّا.
стр. 376
وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنَّ الماء نزل من السَّماء من المجرة.
وقال ابن عباس: في "التوراة" مكتوب: يقول الله -أو قال الله- لا أعيد الطّوفان على الأرض أبدًا (١).
وأهل الرَّصد يزعمون أن الكواكب بأسرها اجتمعت في برج السرطان، فأَثَّرت الغرق وقضي الأمر بهلاك القوم.
﴿وَاسْتَوَتْ﴾ [هود: ٤٤] يعني: السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] أي: استقرَّت ورست، والجودي: جبل بأرض قَرْدَى بناحية الموصل. فنزلوا هناك بإجماع المفسِّرين وبنوا قريةً سمُّوها: ثمانين على عددهم، والقرية باقية إلى هلمَّ جرَّا، وتسمَّى: سوق ثمانين، نزل كل واحد في بيت منها (٢).
وقال ابن قتيبة: في التوراة: إنَّ الله قال لنوح: إنَّ آية ميثاقي الذي أواثقكم به أن لا أفسد الأرض بالطُّوفان، فإذا رأيتم قوسي الذي في الغمام فاذكروا ميثاقي (٣).
وقال مجاهد: طافت السفينة الدنيا وجاءت إلى الحرم فلم تدخله بل طافت به أسبوعًا، وكان البيت قد رفع إلى السَّماء (٤).
وقال مقاتل: لم يرفع، وإنما جاء جبريل فأخذ الركن والمقام فأودعهما في جبل أبي قبيس، وخرب البيت فبقي موضعه ربوة حمراء.
واختلفوا: هل صاموا عاشوراء في السفينة أم على الأرض؟ على قولين. وذكر وهب بن منبِّه وابن قتيبة في "المعارف" أنَّ نوحًا صام شهر رمضان في السفينة، وهو أول من صامه (٥).
وقال مجاهد: بين الطُّوفان وآدم ألفا سنة ومئتان واثنتان وأربعون سنة.
стр. 377
وفي "التوراة": إنَّ نوحًا عاش بعد الطوفان ثلاث مئة سنة (١).
وقال مقاتل: ودخل نوح الشام وبنى حرَّان ودمشق وغيرهما.
فصل في ذكر وفاته
قال وهب: ولما انقضى الطُّوفان ومضت ثلاثة قرون ودخل القرن الرَّابع، احتضر نوح، فعهد إلى ابنه سام وأوصاه بالنُّور الذي انتقل إليه.
واختلفوا في موضع وفاته على أقوال:
أحدها: أنَّه توفي بثمانين القرية التي أرست السفينة عليها في أزج في الجودي.
حكاه هارون بن المأمون.
والثاني: بالهند على جبل بوذ، قاله ابن إسحاق.
والثالث: بمكَّة، قاله عبد الرحمن بن ساباط. وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام.
والرَّابع: ببابل. وببلد بعلبك في البقاع قرية يقال لها الكَرْك فيها قبر يقال إنه قبره، وقريب من الكَرْك جبل يقال له: جبل الدَّير في سفحه قرية يقال لها: بوارش، يقال: إن كنعان قال ﴿قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] إنه ذاك الجبل.
وذكر جدي في كتاب "أعمار الأعيان" وقال: عاش نوح ألف سنة وأربع مئة وخمسين سنة (٢).
وقيل: ألف سنة، وقيك: ألفًا وثلاث مئة سنة.
فصل في ذكر أولاده
قد ذكرنا أنه كان معه في السفينة ثلاثة: سام وحام ويافث.
وقال ابن الكلبي: كان له ابن اسمه يونان، واليونان من نسله.
وكان نوح قد نقم على حام، فحكى ابن الكلبي: أن حام بن نوح أصاب امرأته في
стр. 378
السفينة، فدعا عليه نوح بتغيير النطفة فجاء بالسُّودان.
وقال وهب: نام نوح فانكشفت عورته فرآه حام فلم يغطّها، ورآه سام فغطّاها، فلمّا علم نوح دعا على حام فاسودَّ لونه، ودعا عليه بأن يجعل أولاده عبيدًا لأخويه (١).
وقال وهب: في "التوراة" إنَّ نوحًا لمّا خرج من السَّفينة غرس كرمًا ثم اعتصر منه خمرًا وشربه، فانتشى وتعرَّى في جوف قبَّة، فأبصر حام عورته، فأطلع على ذلك أخويه سام ويافث، فأخذا رداءيهما وألقياه على عورة أبيهما، فأفاق نوح من نشوته، وعلم ما فعلوا، دقال: حام وأولاده عبيد لأخويه، ومبارك سام، ويكثر الله من يافث وذرَّيته، فاستجاب الله له (٢).
وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] أن قابيل غرق أولادُه، وهابيل لم يكن له نسل، وإنَّما النَّسل لهؤلاء الثَّلاثة أولاد نوح.
وقال ابن الكلبي: أقاموا بالجوديِّ وباقردى والجزيرة فتناسلوا وكثروا، فضاقت الجزيرة بهم، فنزلوا أرض بابل وامتدُّوا مقدار اثني عشر فرسخًا في مثلها، وكانت مدينة بابل عظيمة تمتدُّ إلى داوَرْدان حتى صاروا في ثلاث مئة ألف (٣)
قال ابن عباس: فسام أبو العرب كلها، ومنه الأنبياء ونبيّنا ﷺ ، وحام أبو السودان والقبط والبربر، ويافث أبو الترك والرّوم ويأجوج ومأجوج والصّقالبة، وقد رواه سمرة بن جندب مرفوعًا (٤).
وقال هشام بن الكلبي: أقاموا ببابل فبلبَل الله ألسنتهم على اثنين وسبعين لسانًا، فنزل سام سرَّة الأرض، حرم مكة وما حوله إلى حَضْرَموت وعُمان ثم إلى عالِج وَيبْرين.
وقال ابن سعد: حدثنا هشام بن محمد عن أبيه قال: نزل بنو سام المجدل سرة الدنيا، وهو ما بين ساتي دَما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام -يعني جزيرة العرب-
стр. 379
وجعل الله النبوّة والكتاب والجمال والبياض فيهم، ونزل بنو حام مجرى الجنوب، ويقال لتلك النَّاحية: الدَّاروم، وجعل الله فيهم الأدمة، ورفع عنهم الطّاعون، وجعل في أرضهم النَّخل والأَثْل والأراك. ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وجعل الله فيهم الحمرة والشقرة، وليس فوقهم من النجوم السّبعة السيّارة شيء لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطَّاعون (١).
وحكى الخطيب عن ابن عبّاس قال: عاش سام بن نوح ست مئة سنة منها أربع مئة في حياة أبيه، ومئتان بعده.
فصل في ولد سام
واختلفوا فيهم: فقال هشام بن محمد عن أبيه: هم عمليق وأميم ولوذ وعَوْص وإرم وجابر وأرفخشذ، وفي فارس خلاف نذكره في الفرس. قال: أَلهم الله هؤلاء العربية وأولادهم فتكلَّموا بها، فمن أولادهم طسم بن لوذ بن سام بن نوح، وعبيل وعاد ابنا عَوْص بن سام، وثمود وجديس ابنا جابر بن سام وقنطور بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. قال: فأمّا عاد وعبيل ابنا عَوْص بن سام فنزلت الشِّحْر وفيه لغتان، وهو ساحل البحر بين عدن وعمان، وقيل: نزلت عبيل يثرب مدينة رسول الله ﷺ (٢).
وقال الجوهري: نزلت العمالقة والعماليق صنعاء وما حولها قبل أن تبنى، قال: والعماليق من ولد عملاق -أو عمليق- بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح، وهم أمم تفرَّقوا في البلاد (٣).
كذا ذكر الجوهري: أنه عمليق بن لوذ، وابن الكلبي يقول: عمليق ولد سام لصلبه.
وقال الهيثم بن عدي: ونزلت طائفة من العمالقة بالبحرين وعمان، وطائفة نزلوا الشام، والذين نزلوا الشام يقال لهم الكنعانيون، وكانوا يعبدون الأصنام، وفرعون موسى من الذين نزلوا مصر، وكان سيّدهم بكر بن معاوية الذي نزل عليه، وقَيْل عاد بمكَّة. ونزلت طائفة منهم بالمدينة يقال لهم: بنو مطر وبنو الأزرق، وملكهم يقال له
стр. 380
الأرقم، وكان يسكن حصن تَيماء إلى نواحي فَدَك ويثرب والبحر. قال هشام: ونزلت ثمود الحجر، واختلفوا في ثمود، قال هشام: ثمود هو جابر بن سام.
وقال غيره: هو ابن جابر بن سام.
وقال غيره: ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.
قال هشام: ثم تحولت طائفة من العمالقة إلى مكان يثرب، وبعضهم إلى مكّة، ويثرب اسم رجل منهم. وأقامت عاد بالشِّحْر فهلكت بالريح العقيم، لما نذكر، وجاءت طائفة منهم إلى الجُحفة، وقيل: نزلت طائفة منهم يثرب، فأَخرجوا من كان بها فأنزلوهم الجحفة، فجاء سيل وذهب بهم فاجتحفهم، فسميت الجُحْفَة.
قال: ولحقت طَسْم وجَدِيس باليمامة، وتيامنت بنو قنطور بن عابر إلى اليمن، فسمِّيت اليمن، وقيل: بنو يقطن. ولحق قوم من بني أَميم بأرض أُبار، وهي بين الشِّحْر واليمامة، فأهلكتهم الجن وسنذكرهم. وأُبَار هو ابن أميم.
وقال ابن الكلبي: يقطن هو قحطان بن غابر بن شالخ بن أَرْفَخشَذ بن سام بن نوح.
وحكى البلاذُري عن ابن الكلبي قال: إن العرب العاربة هم عاد وعَبيل ابنا عَوْص بن إِرم بن سام بن نوح، وثمود وجَدِيس ابنا غاثار بن إرم بن سام بن نوح، وطَسْم وعِمليق وجاسم وأميم بنو يلمع بن غابر بن اشليخا بن لوذ بن سام بن نوح، وحَضْرَموت وشالاف -وهو السلف- والمرداذ بنو يقطن أبو يقطان بن غابر بن شالخ بن أَرْفَخْشذ بن سام بن نوح. والسَّلف بن حمير بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعرب بن قحطان.
وقال البلاذُري عن ابن الكلبي أنه قال: وفي حديث مالك بن يخامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "العربُ كلُّها من بني إسماعيلَ إلَّا أربعة قبائل: السَّلفُ والأرواحُ وثقيف وحَضْرَمَوت".
وقال البلاذُري: قد اختلف الناس في قحطان، فقال قوم: هو يقطان المذكور في "التوراة"، وإنما العرب عرَّبته فقالت: قحفان -بالحاء-، ويقال: هو قحطان بن هود، وقيل: ابن السَّمَيْفَع (١).
стр. 381
وقال أبو حنيفة الدِّينوَري: هو قحطان بن عابر، وإنما سمِّي قحطان لقحطه (١)، وسنذكره في موضعه.
قلت: ولاختلاف النسَّابة في هذه الأسامي وما يشاكلها مما سيأتي ذكره، قال النبي ﷺ : "لا تُجاوزُوا عَدنَانَ، كذَبَ النَّسَّابونَ" (٢).
وقال الشعبي: إرم وأَرْفَخْشَذ من ولد سام بن نوح، ومن نسل سام الأنبياء والرُّسل والعرب كلها. قال: وفي زمان نمرود بَلبَلَ الله الألسن ببابل، فجعل في ولد سام تسعة عشر لسانًا، وفي ولد حام سبعة عشر لسانًا، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لسانًا، قال: ونمرود اسمه كوش بن إرم بن سام بن نوح، نزل أرض بابل لما نذكر.
فصل في حام وولده
قال الكلبي: وهو أوسط ولد نوح، نزل مجرى الجنوب فاسودَّت ألوان بنيه لكثرة الحرِّ بها، كما نزل بنو يافث مجرى الشمال فابيضَّت ألوانهم واشتدَّت لكثرة البرد بها.
وقال وهب: كان حام من أحسن الناس، أبيض اللَّون، فلمَّا دعا عليه أبوه غيَّر الله لونه وألوان بنيه.
وقال جالينوس: نزلوا ساحل البحر فكان طعامهم السَّمك، فحدَّدوا أسنانهم حتى تركوها مثل الإبر لأنَّ السمك كان يلتصق بها.
قال وهب: ثم تفرَّقوا في البلاد، وولد حام: كوش بن حام، وكنعان بن حام، وقوط بن حام، فنزل قوط الهند والسِّند فولد هناك.
وقال أبو حنيفة الدِّينوَري: كان أولاد حام سبعة إخوة كأولاد سام: السّند والهند والزِّنج والقبط والحبش والنوبة وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب والدَّبور والصَّبا (٣).
وذكر جالينوس في كتاب "عجائب أولاد حام" فقال: اجتمعت في الأَسْود عشر خصال: تفلفل الشَّعر، وخفَّة الحاجبين، وانتشار المنخرين، وغلظ الشفتين، وتحدُّد الأسنان، ونتن الجلد، وتشقق اليدين والرجلين، وطول الذكر، وكثرة الطرب.
стр. 382
قال: وإنما غَلب عليهم الطرب لفساد أدمغتهم وضعفها، ولهم من الكواكب زحل.
وكان طاووس اليماني لا يأكل ذبيحة الزِّنجي ويقول: هو عبد مشوَّه الخلق.
قلت: وهذا محمول على أنه كان مجوسيًّا، أمَّا إذا كان مسلمًا فإنَّه لا يضرّه سواده.
وقال الهيثم بن عدي: تفرَّق بنو حام في الأرض، فصار ولد كوش بن كنعان بن حام إلى المغرب، فقطعوا نيل مصر، ثم افترقوا يمنة ويسرة، وهم أنواع كثيرة: النوبة والبُجاة والزَّغاوة والكانم ومركة وغانة وكوكو والدمادم والأحابيش والبربر والزيلع (١).
وفي أرضهم الزرافة، قال قوم: نتجت بين الجمل والنمر، وقال قوم: بل هي نوع من الحيوان قائم بذاته، واحتجوا بأنها توجد في أرض لا جمل بها، وذكر الجوهري ما يدلُّ على أنها مولَّدة فقال: الزّرافة -بالفتح والضمّ مخففة الفاء- دابة، يقال لها بالفارسيّة: "اشتُرُكاو يَلَنْك" (٢) وأشتر: هو الجمل.
وذكر الشرقي بن قطامي: أن ملك الزنج يركب في ثلاث مئة ألف فارس، وكذا ملك النُّوبة، وليس عندهم ثلج ولا برد، قال: وفيهم ناس يأكل بعضهم بعضًا، ومساكنهم في أعلى الخليج الذي يتشعَّب من نيل مصر قريبًا من البحر الحبشي إلى بلد الواقواق وسُفالة، ومقدار مسافة بلادهم سبع مئة فرسخ طولًا وعرضًا، وعندهم الفيلة، كثيرة إلا أنَّ الزنج لا يستعملونها في الحرب ولا في غيرها، ويقتلونها ليأخذوا أنيابها، ومقدار كل ناب فيل خمسون ومئة منٍّ، ويعمِّر الفيل بأرض الزنج أربع مئة سنة، ويحملها التجار إلى عُمان والبحرين.
قال: وفي بلادهم الحيوان المعروف بالزبرق أصغر من الفهد، وهو أحمر، له زغب وعينان برّاقتان، يثب خمسين ذراعًا، ويبول على الفيلة وبني آدم فيحرقهم، وإذا رآه آدمي هرب منه فصعد شجرة فيثب حتَّى يصير عنده، وإن لم يصل إليه وضع رأسه في الأرض وصاح صياحًا عجيبًا، فيخرج من فِيه قطعة دم ويموت من ساعته، وإن وصل بوله إلى شجرة أحرقها. وهذا الحيوان مشهور عند الزنج والهند، وهو في مشارق الهند أكثر من الزنج.
стр. 383
وحكى من شاهد من وصل بوله إلى وجهه وفيه آثار الحريق كأنه جدري، فسئل عنه فقال: قصدني فصعدت شجرة ارتفاعها خمسون ذراعًا، فبال من الأرض فأصاب بوله بعض وجهي، فهذا أثره.
وهذا الحيوان يهرب من الكَرْكدن كما يهرب منه الفيل، والفيل يهرب من السِّنور.
وقال الجاحظ: وملك الزنج يسمَّى: فليمين (١)، ومعناه ابن الرَّبِّ الأكبر. وقيل: إنما يسمُّون الرَّبَّ الأكبر مكلنجو، وهو الأعظم عندهم. ومتى ظلم ملكهم أو تعدَّى حدًّا قتلوه وأقاموا غيره، لأنهم يقولون: ما أقامه الربُّ الأكبر إلا ليقيم العدل، فإذا جار لم يكن ابنَ الرَّب، ويحرمون أولاده المُلْك.
وقال الهيثم بن عدي: ومن أولاد حام النُّوبة ومنازلهم على نيل مصر متَّصلة بديار القبط من أرض الصَّعيد ومدينتهم يقال لها: دُنْقُلَة، هي دار الملك. والبَجَاة منازلهم بين القُلْزُم وأعلى الصَّعيد، وعندهم معادن الذهب والفضَّة وغيرها، ويغيرون على النجائب فيسبون ويقتلون.
ومن أولاد حام الحبشة وملكهم النجاشي، ومدينته يقال لها: كعبر، وهي مملكة واسعة متصلة ببلاد المشرق في مقابلة إليمن، وجزيرة الدَّهْلَك مجاورتهم، وفيها جماعة من المسلمين تحت الذِّمة. وبين ساحل الحبشة وساحل زَبِيد ثلاثة أيام، ومن هذا المكان عبرت الحبشة إلى اليمن في المراكب حين ملكوا اليمن أيام أصحاب الأخدود، وهو أضيق مكان في البحر، ومنه عبر جعفر بن أبي طالب والمسلمون، وقيل: إنما ركب المسلمون من جدَّة إلى الحبشة. وفي ساحل بحر الحبشة عند المعبر مدينة كبيرة للحبشة يقال لها: غلافقة (٢) منها تقع التعدية إلى اليمن.
فصل في يافث وأولاده
وكان يافث أصغر ولد نوح، وذكر أبو حنيفة الدِّينوري في "الأخبار الطّوال" وقال: كان أولاد يافث سبعة إخوة مثل أولاد سام وحام، وهم: ترك وخزر وصقلاب وتاريس ومنسك وكماري والصِّين، فأخذوا ما بين المشرق والشمال (٣).
стр. 384
وقال وهب: ومن ولده الروم والفرنج واللَّان والجلالقة والإسبان ويأجوج ومأجوج" وكل من كان بناحية الشمال.
وقال: والجلالقة أشدُّ هذه الأجناس بأسًا، وأمنعهم جانبًا، وأوسعهم ملكًا، وسنذكرهم.
فصل في أعمار أولاد نوح
ذكر جدي ﵀ في "أعمار الأعيان" وقال: عاش سام خمس مئة وثمانيًا وتسعين سنة (١). وغيره يقول ست مئة ونيفًا. وعاش حام سبع مئة سنة. وعاش يافث تسع مئة سنة.
وقال أبو حنيفة الدِّينَوَري: كان سام متولي أمر ولد نوح من بعده وكان يشتي بأرض العراق بمكان يقال له: جُوخى، ويصيف بأرض الجزيرة والمَوصل، وكان طريقه على الموضع الذي فيه سامُرَّاء في شرقي دجلة، فكان ينزله ويعجبه، فقيل: سام رأى، أي: رأى هذا المكان فأعجبه. وسام هو الذي تسمِّيه الفوس إيران شهر (٢).
فصل في ذكر أَرْفَخْشَذ
ولما احتضر سام بن نوح أوصى إلى ولده أَرْفَخْشَذ، وأخبره بالنور الذي أودعه فيه فسار بسيرة أبيه.
قال جدي في "أعمار الأعيان": وعاش أربع مئة وخمسًا وستين سنة (٣).
فصل في شالِخ
ولما احتضر أَرْفَخْشَذ أوصى إلى شالخ، وأخبره بالنور فأقام أربع مئة سنة وثلاثين ثم توفي.
فصل
وقام بعده ابنه عابر، يسمَّى: عامر الأرض، لأنه قسمها بين ولد نوح، وانتقل النور
стр. 385
إليه، ولم تطل أيامه، عاش مئتي سنة وخمسين سنة؛ ذكره جدي ﵀، وقيل ثلاث مئة وأربعين سنة.
فصل
وقام بعده ابنه فالِغ، وانتقل النور إليه. وقال جدي: عاش مئتي سنة وتسعًا وثلاثين سنة (١).
فصل
ثم قام من بعده ابنه أرغو، وانتقل النور إليه، وعاش مئتي سنة وثلاثين سنة (٢).
فصل
ثم قام من بعده ابنه ساروع، وانتقل إليه النور، وعاش مثل عمر أرغو.
فصل
ثم قام من بعده ولده ناحور. قال جدي: وعاش مئتي سنة وخمسين سنة (٣).
فصل
ثم قام من بعده ولده تارح وقيل: تيرح، وقيل: هو آزر والد الخليل ﵇ (٤).
قال السُّدي: وكان النور المحمدي ينتقل في أصلاب هؤلاء.
* * *
стр. 386
فَصل في الحوادِث التي كَانَت بَيَن نُوح والخليل ﵉
منها: قصَّة الضَّحَّاك (١)
واختلفوا في نسبه، فقال قوم: هو ابن الأهبوب. وقال الآخرون: ابن علوان، وقيل: ابن عبيد بن عويج، وهو الذي قتل الملك جم شيد، ويقال: إن نُوحًا بعث إليه وإلى قومه فخالفوه، فأهلكهم الله تعالى بالطُّوفان.
والأصحّ أنه كان بعد نوح، واسمه بيوراسب.
واليمن تزعم أنه منها، وأنّه ولَّى أخاه سنانًا مصر، وهو أول الفراعنة.
وأمَّا الفرس فينسبون الضحَّاك إلى جيومرت. وكان مقام الضحاك ببابل، وكان فاجرًا ساحرًا، ذكره جدي ﵀ في "أعمار الأعيان" وقال: عاش ألف سنة (٢).
وقال وهب: ملك الدنيا. وهو بيوراسب -بتقديم الراء على الألف- وهو أوَّل من وضع العشور وضرب الدراهم والدنانير على غير سكَّة آدم وغير شريعته. وقد ذكره أبو تمَّام الطائي فقال (٣): [من الكامل]
بَلْ كان كالضَّحَّاك في سَطَواتِه … بالعالمينَ وأنتَ إفريدُونُ
يعني: أن أفريدون قتل الضَّحَّاك.
وكان أفريدون من ولد الملك جَم شيد الذي نشره الضحَّاك بالمنشار. والعرب تزعم أنَّ الضحَّاك لم يكن من ولد الملوك وإنما المُلْك في ولد أوشهنج وجَم شيد وطَهمورث. وكان الضحَّاك غاصبًا، وكرهه الناس لسوء سيرته، وكان أفريدون الملك من ولد جَم قد ترعرع فاستعدَّ لقتال الضحَّاك.
وقال ابن مسكويه: كان على كتفيِّ الضحَّاك سلعتان يحرِّكهما إذا شاء، وادَّعى أنهما
стр. 387
حيَّتان يهوِّل بذلك على الضُّعفاء (١). وكانا يضربان عليه فلا يسكنان حتى يطليهما بدماغ آدميَّين، فكان يقتل كل يوم رجلين فيطلي سلعتيه بدماغهما.
قال أبو حنيفة الدِّينَوَري: وكان له وزير صالح، وكان الضحَّاك يذبح كل يوم أربعة رجال، فكان الوزير يستحيي اثنين، ويذبح مكانهما كبشين، فيأخذ مخّهما ويقول للرجلين: اذهبا في رؤوس الجبال ولا تقربا الأمصار ولا القرى، قال أبو حنيفة الدينوري: فيقال إنهم أصل الأكراد (٢).
ذكر مقتل الضحّاك
ذكر علماء السِّير أنه لما كثر فساده وقتْلُهُ الناس اجتمعوا إلى أفريدون، وكان بأصبهان رجل حدَّاد يقال له: كابي، وكان الضحَّاك قد قتل له ولدين، وكان صالحًا، فاجتمع إليه الناس وسألوه قتال الضَّحَّاك، لأن أفريدون كان مستخفيًا من الضحَّاك، وكان لكابي قطعة جلد يتّقي بها حرَّ النار، فرفعها على رمح وجعلها علمًا، وسار إلى الضحَّاك والناس معه، فخرج إليه الضحَّاك، فلمَّا رأى ذلك العلم ألقى الله الرعب في قلبه فانهزم وخلَّى خزائنه وملكه.
واجتمع الناس على كابي وأرادوا أن يملِّكوه فأبى وقال: لست من بيت الملك، ولكن ملِّكوا أفريدون فهو من ولد جَم شيد، فملكوه، وكان كابي عونًا له على أمره.
ثم إن أفريدون ومن جاء بعده كانوا يعظِّمون عَلَم كابي ورصَّعوه بالدُّرِّ والياقوت، وكانوا يقدِّمونه أمام الجيوش فينصرون، وكانوا يرون ذلك ببركة كابي، وكان عندهم كالتابوت في بني إسرائيل، ويعرف هذا العَلَم بدرفش كابيان، ولم يزل في خزائن الفرس يتوارثونه، كلما ملك واحد زاده جواهر إلى أيام يَزدَجِرد بن شَهْريار، فأخذه المسلمون في وقعة القادسيَّة، وحمل إلى عمر ﵁، فقسم جواهره بين الناس، وسنذكره.
وقال بعضهم: إن أفريدون وكابي اتفقا على الضحَّاك فهزماه، ثم ظفر به إفريدون
стр. 388
فقيَّده وحبسه بجبل دُنْباوَنْد، ثم قتله أفريدون بعد ذلك.
والفرس تزعم أنَّه مقيَّد إلى الآن بذلك الجبل. وكان مُلك الضحَّاك لست مئة سنة.
وقال ابن الكلبي: لما ظفر أفريدون بالضَّحَّاك قال له: أتريد أن تقتلني بجدِّك جَم شِيد؟ فقال له أفريدون: لقد سَمَت بك نفسك إلى مقام عظيم حيث نسبتها إلى جدِّي، إنما أريد أَن أقتلك بثورٍ كان في دار جدِّي جَم شِيد.
وفي رواية: أن أفريدون لما جلس على سرير الضحَّاك سمَّى ذلك اليوم مهرجانًا.
ولم ينقل من سيرة الضحَّاك ما يستطرف غير واقعة واحدة، وهي أنَّه لما اشتدَّت وطأته وطالت أيامه، تراسل وجوه الناس في أمره، واجتمع الأكابر والعظماء إلى بابه، وكان فيهم كابي، فقدَّموه بين أيديهم لأنه كان جريئًا في الكلام، واستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه، فلم يسلِّم عليه كابي بل قال له. أسلِّم عليك سلام من يملك الأقاليم كلها أم سلام من يملك هذا الإقليم؟ فقال: بل سلام من يملك الأقاليم كلها، فقال له: فإذا كنت تملك الأقاليم كلها فلمَ خصصت هذا الإقليم بنوائبك ومؤونتك؟ وهلَّا ساويت بينه وبين الأقاليم؟ ثم عدَّد أشياء، وصدَّقه الضحاك ووعد الناس بما يحبُّون وانصرفوا. وكانت له أمّ جبَّارة، وكانت تسمع ما يجري، فلمَّا خرجوا أنكرت عليه وقالت: لقد جرَّأتهم عليك، هلَّا قتلتهم؟! فقال لها -مع عتوِّه وتجبُّره-: إنَّ القوم بدهوني بالحقِّ، فلمَّا هممت بالسَّطوة بهم وقف الحقُّ بيني وبينهم كالجبل فحال بيني وبين ما أردت منهم (١).
فصل في أَفريدون (٢)
واختلفوا فيه، والأصح أنه التاسع من ولد جَم شِيد. وكان شجاعًا جوادًا سائسًا للملك، شديد القوى، حسن الصورة، وهو أوَّل من أظهر علم الطِّب، وقرَّر أحكام النجوم، وذلَّل الفيلة للحرب وقاتل عليها، وأول من وضع الحمام للأخبار (٣)، وأوَّل
стр. 389
من جمع الدرياق، وأوّل من تسمى بـ "كي" فكان يقال له: كي أفريدون، ومعناه أنه متصل بالله تعالى أو بالرّوحانيات (١).
وردَّ على الناس ما غصبه الضَّحّاك، وسار بالناس أحسن سيرة، وما لم يجد له من الغصوب أصحابًا ولا أهلًا وقفه على مصالح العامَّة والمساكين، وكان محبًا للعلماء والعلم صاحب فلسفةٍ وفضل.
فصل وفاته
ذكر ابن مسكويه: أنه كان له ثلاثة أولاد: سرم وإيرج وطوج، فخشي أن لا يتفقوا بعده، فقسم الأرض بينهم أثلاثًا في حياته فجعل الروم وناحية العراق لسرم، والترك والصين لطوج، والهند وما والاها لإيرج، وهو صاحب التاج والسّرير.
فلما مات أفريدون وثب طوج وسرم على ايرج فقتلاه واقتسما الأرض بينهما، فملكاها ثلاث مئة سنة.
ويقال: إنَّ أفريدون ملَّك عليهما ايرج، وأنّ ملوك الرّوم من نسل سرم، لأنَّ أفريدون ملكه الرُّوم وملك ولده طوج على المشرق، فملوك الترك والصين من نسله، وملك ولده ايرج على العراق ويسمَّى إيران، فالأكاسرة وهي الفرس الأولى والثانية من نسله.
وقال أفريدون لمَّا قسم الأرض هذه الأبيات (٢): [من الرمل]
وَقَسَمنا ملكنا في دهرنا … قسمة اللحم على ظهر الوَضَمْ
فجعَلْنا الشام والرُّومَ إلى … مغْرِبِ الشَّمسِ لغطريفَ سَرَمْ
ولطوجٍ مشرق الشمس لهُ … وبلاد الشرق يحويها برغمْ
ولإيران جعلنا عنوةً … فارسَ الملكِ ففازوا بالنِّعمْ
ويقال: إنّ حكم هذه الأبيات حكم الأبيات المنسوبة إلى آدم وهي قوله:
تغيَّرت البلاد ومن عليها.
стр. 390
وملك أفريدون خمس مئة سنة.
وقال ابن مسكويه: وكان إبراهيم ﵇ في زمان الضحَّاك، فلهذا قال قوم: إنه نمرود.
قلت: وهو وهمٌ، بين الضحَّاك وإبراهيم ﵇ زمان طويل.
ثم نشأ لإيرج ولد يقال له: منُّوشَهر فغلب عمَّيْه على الملك، ثم نشأ لطوج ولد تركي، فنفى منُّوشَهر عن بلاده واستولى عليها، وسنذكر القصَّة في سيرة الفرس الأولى بعد أبواب الأنبياء ﵈.
ومن الحوادث بين نوح وإبراهيم ﵉ قصة عاد وثمود فنذكرهما.
* * *