← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

الجملة؛ فإنَّا نعلمُ قَطْعًا أن رسولَ الله ﷺ في الجنَّة، إلَّا أنَّ في الحديث أن رسول الله ﷺ سمَّى نفسه فيهم، وقد أخرجه أحمد في "المسند"، فاتّباعُ الرواية أَوْلى. قال أحمد: حدَّثنا وكيع بإسناده عن عبد الرحمن بن الأخنس قال: خطبنا المغيرةُ بن شعبة، فنال من عليّ ﵇، فقام سعيد بن زيد فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "النبيّ في الجنَّة … " وذكر الحديث، وأنَّ سعيدَ بنَ زيد هو العاشر، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجرَّاح. قلت: وقد أخرج الحُميديُّ في "الجمع بين الصحيحين" عن مسلم من حديث أبي هريرة حديث جبل حِراء، وفيه كذلك ذِكْرُ أبي عبيدة (١). وليس في الصحابة من اسمُه سعيد بن زيد غيرُه. وروى عن سعيد جماعة من الصحابة والتابعين: ابن عمر، وعمرو بن حُريث، وأبو الطُّفيل عامرُ بن واثلة الليثي، وقيس بن أبي حازِم، وزِرُّ بن حُبَيش، وأبو عثمان النَّهْدي، وعروةُ بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن في آخرين. وفيها تُوفي عمرو بن الحَمِق ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القَيْن الخُزاعيُّ، ذكره في الطبقة الرابعة من الصحابة الذين أسلموا من القبائل (٢). والحَمِق بفتح الحاء وكسر الميم. قال ابن سعد (٣): بايع رسولَ الله ﷺ في حجَّة الوَداع، وصَحِبَه بعد ذلك، ثم كان أحدَ الرؤوس الذين ساروا إلى عثمان بن عفان، وشهد المشاهِدَ بعد ذلك مع عليّ بن أبي طالب. قال: ثم قُتِل بالجزيرةِ؛ قتله ابنُ أُمِّ الحكم (٤).

стр. 3257

وقال ابن عساكر (١): سكن الكوفةَ، ثم انتقل إلى مصر، وروى عنه جُبير بن نُفير، وكان قد سيَّره عثمان إلى دمشق. ذِكرُ مقتله: واختلفوا فيه. روى هشام، عن أبي مِخْنَف، عن مُجالد بن سعيد، عن الشعبي قال (٢): لما حُبِسَ حُجْر بن عديّ وتَتَبَّعَ زيادٌ أصحابَهُ، خرج عَمرو بن الحَمِق ورِفاعةُ بن شدَّاد البَجَلي إلى أرض الموصل، فصَعِدا جَبَلًا فكَمَنا فيه، وبلغ عاملَ ذلك الرُّسْداق خبرُهما، واسمُ العامل عبد الله من هَمْدان (٣)، فاستنكرهما، فسار إليهما ومعه أهلُ البلد. فأمَّا عمرو بن الحَمِق فكان مريضًا قد سُقِيَ بَطْنُه، فلم يَقْدِر على الامتناع. وأمَّا رِفاعةُ فكان شابًّا قَويًّا، فركب جَوادَه وقال لعمرو: أُقاتِلُ عنك؟ قال: وما يُغْني عني قتالُكَ؟ اُنْجُ بنفسك إن استطعت، فحمل عليهم. فأفرجوا له، فَنَجا، وكان راميًا، وتَبعوه، فما تَبِعَه فارسٌ إلّا جَرَحَه، فرجعوا عنه. وقال العاملُ لعمرو: من أنت؟ فأبَى أَن يُخْبِرَه، فبعث به إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، فلما رأى عَمْرًا عرفه، فكتب إلى مُعاوية، فأخبره، فكتب إليه: إنَّه زعمَ أنَّه طَعَنَ عثمانَ بنَ عفَّان تسع طَعَنات، فَطَعَنه تسع طَعَنات، فمات في الأُولى، أو في الثانية. وهذه روايةُ هشام، وذكره الطبري ولم يَزِد عليه. وقال الهيثم: فقطع عبد الرحمن رأسَه، وبعث به إلى معاوية (٤). وقال ابنُ سعد: قتله ابنُ أُمِّ الحكم. قال (٥): وأخبرني محمد بن عمر، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن الشَّعبي قال: أوَّلُ رأس حُمِلَ في الإسلام رَأسُ عمرو بن الحَمِق.

стр. 3258

وقال أبو اليقظان: هربَ عمرو إلى أذربيجان، فنزل على رجل من بَجِيلةَ، وكان مريضًا، فماتَ عنده، فقطعَ رَأْسَه، وبعثَ به إلى الموصل إلى عبد الرحمن (١)، فبعث به إلى معاوية (٢). وقال الحسنُ بنُ سفيان: بعث معاويةُ الطلبَ خَلْفَه، فدخل غارًا وفيه حَيَّةٌ، فلسعَتْه، فمات، فقطعوا رَأْسَه وحملوه إلى معاوية. وقال أبو القاسم بن عساكر (٣): لما وضعوا رَأسَه بين يَدَي معاوية قال: اذهبوا فضَعوه في حِجْرِ بنتِ الشَّريدِ (٤)، يعني زوجةَ عمرو، واسمُها آمنة، وكانت محبوسةً بدمشق، فلمّا أَلْقَوْه في حِجْرِها ارتاعت، ثم لَثَمَتْ فاه، وبكت طويلًا وقالت: غَيَّبْتُموه عني زمانًا طويلًا، ثم أهديتُموه إليَّ قتيلًا، فأهلًا به من هديَّةٍ غير قاليةٍ ولا مَقْلِيَّةٍ. واضَيعتاه بدار هوان. ثم قالت: اللهم العن ابنَ هِنْد. وسبَّته سبًّا قَبيحًا. وبلغه، فأحضَرَها وقال: أنْتِ صاحبةُ الكلام؟ فقالت وهي غير فَزِعةٍ ولا مُرتاعة: نعم. وكان عنده إياس بن شُرَحْبيل -وكان في شِدْقِهِ نُتوءٌ كأنَّه عَظْمٌ لعِظَمِ لسانِه- فقال له: اقتُلْها، فما زَوْجُها بأحق للقَتْلِ منها، فقالت له: وَيحَكَ! بين شِدقَيك مثل جُثمان (٥) الضفدع وأَنْتَ تَأمر بقتلي ﴿إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩] فضحك [معاوية] والجماعةُ، وخَجِل إياس. ثم قال لها معاويةُ: اخرجي عني، فلا أسمَعُ لك في الشامِ بذِكْرٍ. فقالت: واللهِ ما الشامُ لي بوطن، ولا يُعَرجُ عليَّ فيه (٦) حميم ولا سَكَن، ولقد عَظُمَتْ فيه مُصيبتي، ولا قَرَّت به عَيني، وما أنا إليكَ بعائدة، ولا حيثُ كنتُ بحامدة. فقال معاوية: ابعثُوا إليها بما تقطعون به لسانَها عنّا، وتَتَوصَّلُ به إلى أهلها. فخرجت تقصد الكوفة، فلما بلغت إلى حمصَ ماتت.

стр. 3259

وأسند عمرو بن الحَمِق الحديث عن رسول الله ﷺ . [وليس له في "الصحيح" شيء] (١). وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن الحَمِق غيره. وأخرج له أحمد في "المسند" حديثين: الأول: قال أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عمرو بن الحَمِق، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استَعمَلهُ"، قيل: وما استعمله؟ قال: "يَفْتَحُ له عملًا صالحًا بين يَدَي موته حتى يُرضيَ من حوله" (٢). قلت: كذا وقعت هذه الرواية. والروايةُ المشهورة: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عَسَلَه" وفيها لغتان: تخفيف السين وتشديدُها (٣). الحديث الثاني: قال أحمد (٤): حدثنا ابن نُمير بإسناده عن رِفاعة الفِتْياني قال: دخلتُ على المختار بن أبي عُبيد، فألقى إليَّ وسادةً وقال: لولا أنَّ أخي جبريل قام عن هذه لأَلقَيتُها لك. قال: فأردتُ أن أضْرِبَ عُنُقَه، فذكرتُ حديثًا حدَثنيه عمرو بنُ الحَمِق قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما مؤمنٍ أَمِنَ مُؤْمِنًا على دَمِه فقتله، فأنا من القاتل بريءٌ". فصل: وفيها توفي مِدْلاج بن عمرو السُّلَميُّ، من الطبقة الأُولى من المهاجرين (٥). شهد بَدرًا في قول ابن إسحاق والواقدي وأبي معشر، ولم يذكره موسى بن عُقبة فيمن شَهِدَها. وشَهِدَ أُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ .

стр. 3260

وأخوه مالك بن عمرو، استُشهد يوم اليمامة (١). وأسند مدلاجٌ الحديثَ عن رسول الله ﷺ . وليس له في الصحيح شيء. وليس في الصحابة من اسمه مِدلاج غيرُه، ويقال: مدلِج. وفيها تُوفي أبو بَكْرةَ مولى رسول الله ﷺ - واختلفوا في اسمه، فذكره ابن سعد في "الطبقات" فيمن نزلَ البصرة من الصحابة، وقال: اسمُه نُفَيع بن مسروح. قال: وفي بعض الحديث اسمُه مسروح بن مسروح (٢). وقيل: نُفَيع بن الحارث، وأُمُّه سُمَيَّة، وهو أخو زياد بن أبيه لأُمِّه، وكان عبدًا من عبيد الطائف، فلما حاصر رسولُ الله ﷺ الطائفَ قال: "أَيُّما عبدٍ نزل إلينا فهو حُرٌّ". فنزل إليه عِدَةٌ من عبيدِ الطائف، فيهم أبو بَكْرة، فأَعتقهم رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان أبو بَكْرةَ تدلَّى في بَكْرة، فكنَّوه بها أبا بَكْرَة، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وقال رسولُ الله ﷺ لَمّا ادَّعته ثقيف: "هو طليقُ اللهِ وطليقُ رسولهِ" وقد ذكرناه في غزاة الطائف. وقال ابن سعد (٣): كان أَبو بَكْرةَ رجلًا صالحًا وَرِعًا، وكان فيمن شَهِدَ على المغيرة بن شعبة بتلك الشهادة، فضُربَ الحدَّ، وحَمَلَ على أخيه زياد في نفسه حيث لم يُقم الشهادة، فلما ادَّعى معاويةُ زيادًا نهاه أبو بَكْرةَ عن ذلك، فأبَى زياد، فحلف أبو بَكْرةَ لا يُكلِّمُه أبدًا، فمات قَبْلَ أن يُكَلِّمَهُ. وكان زيادٌ قد قَرَّب وَلَدَ أبي بَكْرَةَ، وشَرَّفهم، وأَقْطَعَهُم، وولاهم الولاياتِ، فصاروا إلى دُنيا عظيمة وادَّعَوْا أنَّهم من العرب، وأنَّهم من ولدِ نُفَيع بن الحارث الثقفي. هذا قولُ ابن سعد. وقيل: إنَّما كُنِّي بأبي بَكْرَة، لأنَّه كان له بَكرَة يَعلِفُها ويركبُ عليها، فنُسب إليها.

стр. 3261

قال الجوهري: بَكْرَةُ البئر، بإسكان الكاف: ما يُسْتَقى عليها، وجَمعُها بَكَرٌ، بفتح الكاف. قال: والبَكْرةُ أيضًا -بإسكان الكاف- من النُّوق بمنزلة الجارية من النّساء. والأصحُّ أنَّه تدلَّى من حصن الطائف في بَكْرة، فنُسبَ إليها. وقال خليفة بن خياط: نافع ونُفَيع وزياد بنو سُمَيَّة، كلُّهم إخوة (١). وقال ابن قُتيبة (٢): أبو بَكْرة هو نُفَيْع بن الحارث بن كَلَدَة، يُنْسَبُ إليه. وكان الحارث طبيبَ العرب، وكان لا يُولدُ له. قال: وأُمُّ نُفَيع: سُمَيَّةُ من أهل زَنْدَوَرْد، من كَسْكَر (٣)، وهبَها كسْرى لأبي الخير، ملكٍ من ملوك اليمن؛ كان قد وردَ العراقَ، فمرضَ أبو الخير، وعاد من العراق إلى اليمن، فنزل إلى الطائف، فداواه الحارثُ بن كَلَدَةَ، فبَرِئ، فوهبَ له سُمَيَّة. فلما نزل أبو بَكْرَة من حصن الطائف أراد أخوه نافغ النزولَ أيضًا، فقال له الحارث: أنت ابني فأقم، فأقام، فنُسبا جميعًا إليه، فانتسبت أَزْدَةُ بنت الحارث إلى الحارث، وكانت تحت عُتبة بن غَزْوان، فلما وَلِيَ عتبةُ البصرةَ حملها معه، فخرج معها إخوتُها نُفَيْع ونافع وزياد. فلما حَسُنَ إسلامُ أبي بَكْرة ترك الانتساب إلى الحارث. وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . وهلك الحارثُ فلم يقبض أبو بَكْرة ميراثَه. وكان زَوْجُ سميَّةَ يُسَمَّى مسروحًا. قلت: وقد أشار ابن سعد إلى هذا فقال (٤): حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي في حديث له رواه عن أبي بكرة أنَّه قال لابنتِه حين حَضَرَتْهُ الوفاة: اندبيني ابنَ مسروح الحبشي.

стр. 3262

وذكر البلاذري (١) عن ابن الكلبي أنَّه قال: كانت سمَيَّةُ من أَهلِ زَنْدَورد من كَسْكَر، وكانت تُسَمَّى في أهلها مياميج (٢)، بجيم، فسَرَقها الكوَّاء أبو عبد الله بن الكوَّاء اليشكُري، وسمَّاها سُمَيَّةَ، فبقيت عنده ما شاء الله، ثم سُقيَ بطنه، فخرج إلى الطائف، فأقام عند الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب، فداواه فبَرِئ، فوهب له سُميَّة. ويقال: إنَّها كانت أَمَةً لدُهقان الأُبُلَّة، فقَدِم الحارث الأُبُلَّةَ والدهقان مريض، فعالجه، فصحَّ، فوهبَها له، فقَدِمَ بها الطائفَ، ووقع الحارثُ عليها، فولدت غُلامًا، فسمَّاه نافِعًا، ثم وقع عليها ثانيًا فولدت له نُفَيْع بن الحارث وهو أَبو بَكْرَةَ، وكان أَسْوَدَ، فأنكره الحارث وقال: واللهِ ما هذا ابني، ولا كان في آبائي أَسْوَد. فقيل له: إنَّ جاريتك ذاتُ رِيبة لا تَمْنَعُ يَدَ لامِس. فنُسب أبو بكرة إلى مسروح غلامِ الحارث، وكان أسود. ثم تزوَّج الحارثُ صفيةَ بنت عُبَيد بن أُسَيد بن علاج الثقفي، ومَهرَها سُمَيَّة، فزوَّجَتْها عبدًا لها روميًّا يقال له: عُبَيد، فولدت من عبيد زِيادَ بنَ أبيه، فأعتقته صفيَّةُ، وولدت صفيَّةُ من الحارثِ ابنتين: أَزْدَة وصَفِيَّة، سمَّتها أمُّها باسمِها، ويقال: بل سمَّتْها صُفَيَّة، بضمِّ الصاد. فلما نزل رسولُ الله ﷺ الطائفَ ونزل إليه أبو بكرة وأسلم، أَعْتَقَه رسولُ الله ﷺ ، فقال الحارث لنافع: أَنْتَ ولدي لا تَفْعل كما فعل العبدُ الخَبيث. فأثبت نَسَبَ نافع يومئذ (٣). وقد ذكرنا طرفًا من حديث سميَّة عند دعاءِ معاوية زيادًا. وقال أبو نُعيم: آخى وسولُ الله ﷺ بين أبي بكرة وأبي بَرزَة الأسلمي. وقال الهيثم: كان أبو بكرة لَمّا امتنع زياد من إقامة الشهادةِ على المغيرة قد هجوه، فلما ادَّعى معاويةُ زيادًا أكَّد هجوتَه بالأَيمان.

стр. 3263

وقال هشام بن محمد عن أبيه: أراد زياد الحجَّ وأراد أبو بكرةَ أَنْ يَنْهاه، فلم يَقْدِر لأَجْلِ اليمينِ التي حلف بها أنَّه لا يُكلِّمُه، فأخذ أبو بكرةَ ولدًا صغيرًا لزياد، فجعله في حِجْرِه، وجعل يُخاطبه وأبوه زياد يسمع، فقال: يا بُنيّ، أبوك أحمقُ، قد فَجَرَ في الإسلام ثلاث فجرات؛ أما أوَّلُهُنَّ فكتمانُه الشهادةَ على المغيرة، وقد علمَ أنه رأى ما رأَينا. والثانية انتفاؤه من عُبَيد وادّعاؤه إلى أبي سفيان، وواللهِ ما رأَى أبو سفيان سميَّةَ في ليل ولا نهار. وأما الثالثة فإنَّه يريدُ الحجَّ، وأُمُّ حَبِيبة زوجةُ رسولِ الله ﷺ هُناكَ، وقد ادَّعَى أنَّها أُخْتُهُ، فإن أذِنَتْ له كما تَأذَنُ الأُختُ لأخيها، فأعظِم بها مصيبةً على رسولِ الله ﷺ وإن حَجَبَتْهُ وتَستَّرَت عنه، فأَعظِم بها حُجَّة عليه. ثم قام فخرج، فقال زياد: رحمك اللهُ يا أبا بَكْرة، ما تَدَعُ النصيحةَ لأخيك على كلِّ حال. ولم يحجَّ زياد في تلك السنة (١). وقد ذكرنا أن أبا بكرة خَلَّصَ أولادَ زياد من بُسْر بن أبي أرْطاة، وكان قد عزم على قَتْلهم، وهم: عُبيد الله، ومسلم (٢)، وحرب، وعبد الرحمن، والمغيرة. ذِكرُ وفاته: روى الخطيبُ عن عُيينة (٣) بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما اشتكى أبو بَكْرَة عرض عليه بنوه أن يأتوه بطبيب، فأبى، فلما نزل به الموتُ قال: أين طبيبكُمُ ليردَّها إن كان صادقًا؟! يعني نَفْسَه. فقالوا: وما يُغْني الآن؟ وبكت ابنتُه، فقال: لا تبكي، فقالت: إذا لم أَبْكِ عليك، فعلى مَنْ أبكي؟! فقال: واللهِ ما على وجهِ الأرضِ نَفْسٌ أَحبُّ إليَّ من أن تكون خرجَتْ من نفْسي هذه، ولا نَفْسَ هذا الذبابِ الطائر. فقال له حُمران بن أبان: ممَّ ذاك؟ قال: أخشَى أن يجيء أَمرٌ يحولُ بيني وبين الإسلام.

стр. 3264

قال: وجاءه أنسُ بن مالك، فقعد بين يَدَيهِ، وأخذ بيده وقال: إنَّ ابنَ أُمِّك زيادًا أرسَلَني إليك، وهو يُقرئك السلامَ، وقد بلغَه الذي [نزل] بك من قضاء الله تعالى، وقد أَحبَّ أن يُجَدِّدَ (١) بك عَهْدًا، ويسلِّمَ عليك، ويُفارِقَكَ عن رِضىً. قال: أَفَمُبلِّغُه أَنْتَ عني؟ قال: نعم. قال: فإني أُحَرِّجُ عليه أن يَدخُلَ لي بيتًا أو يحضرَ لي جنازةً. فقال: رَحِمَكَ اللهُ، قد كان لك مُعَظِّمًا، ولبَنيكَ واصلًا. قال: ففي ذلك غَضبْتُ عليه. قال: فما علمتُه إلا مجتهدًا في حاجةِ نفسك، فقال: أَجْلِسوني. فأَجلسوه، فقال له: نَشَدتُكَ الله لَما صَدَقْتَني؟ قال: نعم. قال: أَهلُ النهر؛ كانوا مجتهدين؟ قال: نعم. قال: أصابوا أم أخطؤوا؟ قال: هو ذاك. قال: أَصجِعوني. فرجع إلى زياد، فأخبره، فركب مُتَوجِّهًا إلى الكوفة، فتُوفِّيَ، فقدَّم بنوه أبا بَرْزةَ، فصلَّى عليه. وقد رواه الحسن البصري فقال: مرَّ بي أَنَس، فانطلقتُ معه إلى أبي بكرة. وذكر بمعناه. وفيه: فقال أنس: يا أبا بَكْرة. ألم يستعمل زيادٌ ابنك عُبَيدَ الله على فارس، وروَّادًا على دار الرِّزْق، وعبدَ الرحمن على الديوانِ وبيتِ المال؟ يعني أولادَ أبي بكرة. فقال أبو بكرة: وهل زادَهم على أن أدخَلَهم النارَ؟ فقال أنس: ما أعلمه إلا مجتهدًا، فقال له أبو بَكْرة: وأهلُ حروراءَ قد اجتهدوا، فأصابوا أم أَخطؤوا؟! قال الحسنُ: فرجعنا مَخْصومين (٢). وعاد أنسٌ فأخبر زيادًا، فخرج من يومهِ إلى الكوفة. فما بلغ الجَلْحاءَ حتى مات أبو بكرة. واختلفوا في وفاته: فقال ابنُ سعد (٣): مات أبو بكرة في خلافة معاوية بالبصرة في ولاية زياد. ولم يُعَيِّن السنة التي مات فيها. وقال هشام: في سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، أو تسع وأربعين. والأوَّلُ أَشْهرُ.

стр. 3265

ذِكرُ أولاده: حكى الواقدي عن أشياخِه قالوا: تُوفي أبو بكرةَ عن أربعين ولدًا ما بين ذكرٍ وأُنثى، فأَعْقَبَ منهم سبعةٌ: [عبد الله، و] عُبَيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، وروَّاد، وعُتْبَة (١). وقال الهيثم: المشهور من ولده: عبد الرحمن، وعبد الله، وعُبَيد الله. فأما عبد الرحمن فأُمُّهُ هوْلةُ بنت غليظ، وهو أوَّل مولودٍ وُلدَ بالبصرةِ، وكُنْيَتُه أبو بَحر (٢). وقال المدائني (٣): خرج يومًا إلى المِرْبد بعدما أَسنَّ، فرأى فتًى على فَرَسٍ يَمرَحُ، فقال لعبد الرحمن: يا شيخ، إنَّك لطويل العمر -يهْزأُ به- أفلا تُعْقِبُ؟ فقال له: رُبَّ شابٍّ كان أَشَدَّ مَرَحًا منكَ قد طُبِّقَ عليه باللَّبِن. قال: فما مضى الفتى غير بعيد حتى نَفَرَ به الفَرَسُ، فوقع فاندَقَّت عُنُقُهُ. فما بَرِحَ عبد الرحمن حتى صلَّى عليه. وقال أبو اليقظان: كان لعبد الرحمن بن أبي بَكْرة قَدرٌ وشَرَفٌ، ولاه عليٌّ ﵇ بيت المال وولَّاه إياه زيادٌ أيضًا، وله الكلام المليح، فمنه أنَّه قال: من أحبَّ البقاءَ في الدنيا، فليوطِّن نَفْسَهُ على المصائبِ، وموتُ الولد يَصدَعُ القلب، وموتُ الأخ يقصم الظَّهْرَ. وفيه يقول أبو الأسود الدِّيلي: أبو بَحرٍ أَعمُّ الناسِ فَضْلًا … علينا بعد حَيِّ أبي المُغيره لعمركَ ما نَهضْتَ بنَفْسِ سوءٍ .. بها وهنٌ ولا هِمَمٌ قَصيره (٤) وأما عبدُ الله (٥) بنُ أبي بَكْرة؛ فكان أسنَّ ولدِ أبي بَكْرَة، ولم يَلِ من أُمورِ الدنيا شيئًا.

стр. 3266

وأمَّا عُبيد الله بن أبي بكْرَةَ؛ فكان من كبارِ الأجواد، وسنذكرُه في سنة ثمانين. أسند أبو بَكْرة الحديث عن رسولِ الله ﷺ ، واختلفوا في مسانيدِه، فقال قوم: أسندَ مئة (١) واثنين وثلاثين حديثًا. وأخرج له أحمد في "المسند" سبعةً وأربعين حديثًا (٢). وأُخْرِجَ له في "الصحيحين" أربعةَ عشرَ حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث (٣). وروى عنه بنوه: عبد العزيز، وعبد الرحمن، وعُبيد الله، ومسلم؛ بنو أبي بَكْرَة، والحسنُ البصري، والأحنف بن قيس، وابنُ سِيرِين، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وسعيدُ بنُ أبي الحسن أخو الحسن البصري (٤). وكان الحسنُ يقول: ما نزل البصرةَ من الصحابة مثل أبي بَكْرَةَ، وعمران بن حُصَين. وليس في الصحابة من لقبُه أبو بَكْرَة غيرُه. ومن مسانيدِه: قال أحمد: حدَّثنا عفَّان بإسناده عن الحسن، عن أبي بَكْرَة، أنَّه جاء ورسولُ الله ﷺ راكعٌ، فركع دون الصَّفِّ، ثم مشى إلى الصَّفِّ، فقال رسول الله ﷺ : "من هذا الذي ركع دون الصفِّ؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال له رسولُ الله ﷺ : "زادَكَ الله حِرصًا، ولا تَعُدْ". انفرد بإخراجه البخاري (٥). وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم بإسناده عن سعيد بن جُمهان، عن عبد الله بن أبي بَكْرَة قال: حدَّثني أبي في هذا المسجد، يعني مسجدَ البصرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه: "لَتنزلَنَّ طائفةٌ من أُمَّتي أَرْضًا يُقال لها: البصرة (٦)، يكثُر بها عددُهم ونَخْلُهُم، ثم يجيء بنو قنطوراء، عِراضُ الوجوه، صغارُ العيون، حتى ينزلون (٧) على

стр. 3267

جِسْر لهم يُقال له: دِجْلَة، ويفترقُ المسلمون ثلاثَ فِرَق؛ فأما فِرقَةٌ فيأخذونَ بأذناب الإبل ويلحقون بالبادية، فيهلكون، وأمَّا فِرقَةٌ فتأخذُ على أنفُسِها، فَكفرت، فهذه وتلك سواءٌ، وأما فِرقةٌ فيجعلون عِيالهم خَلْفَ ظهورهم يُقاتلون، فقَتْلاهم شهداء، ويفتح اللهُ على بقِيَّتِهم". قلت: أخرج جدي هذا الحديثَ في "جامع المسانيد" ثم قال: حَشْرَج بن نُباتة وسعيد بن جُمْهان ضعيفان (١). وقَنْطوراء جارية كانت للخليل ﵇ ولدت له أولادًا؛ منهم التُّركُ والصين. وقال أحمد: حدَّثنا محمد بن بكر بإسناده عن زياد بن كُسَيْب العَدَويّ، عن أبي بَكْرة قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أكرمَ سلطانَ اللهِ في الدنيا [أكرمه اللهُ يومَ القيامة، ومَنْ أهانَ سلطانَ اللهِ في الدنيا] (٢) أهانه اللهُ تعالى يوم القيامة". السنةُ الثانيةُ والخمسون وفيها كتب معاويةُ إلى زياد: أمَّا بعد، فإنَّ حولك جُمهورَ ربيعةَ ومُضَرَ واليمن، فأما مُضَر فأوْلهِم الأعمال، واحْمِلْ بَعْضَهم على رِقاب بعض، وأما ربيعةُ؛ فأَكرِم أَشْرافَهم، فإن أتباعهم لهم منقادون (٣) وأما اليمنُ فأكْرِمهم في العلانية، وتجافَ عنهم في السِّرِّ. وفيها غزا سفيان بنُ عوف الروم، وشَتا بها، ومات هناك. ولما احتُضِرَ استخلف عبدَ الله بنَ مسعدة الفَزاري. ويُقال: إن الذي شتا بأرض الروم بُسْر بن أبي أرطاة. قال المصنّفُ ﵀: والأصحُّ أن يزيدَ بنَ معاوية غزا القُسْطَنْطِينيَّة في هذه السنة، وكان في جيشه أبو أيوب الأنصاري ومات في هذه الغَزَاة لما نَذْكُرُ في ترجمة الأبواب.

стр. 3268

وحجَّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص (١)، وكان واليًا على المدينة، وكان العمالُ في هذه السنة العُمَّال الذين كانوا في السنة الماضية (٢). وفيها توفي أبو أيوب الأنصاري خالدُ بنُ زيد بن كُلَيْب بن ثعلبة بن عبد [بن] عوف بن غَنْم. وأُمُّه زهراء بنت سَعد بن قيس بن عمرو [بن امرئ القيس من الخزرج، وأبو أيوب من الطبقة الأولى] من الأنصار. شهد العقبةَ مع السبعين، وبَدرًا وأُحُدًا والمشاهِدَ كُلَّها مع رسولِ الله ﷺ . ولما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ نزل عليه، وآخَى بينه وبين مصعب بن عُمَير (٣)، ودعا له رسولُ الله ﷺ ليلة بَنَى بِصَفِيَّة، فقال: "يغفرُ الله لك يا أبا أيوب" (٤). وشهد أبو أيوب مع عليٍّ ﵇ الجملَ وصِفّين (٥) والنهرَوان، وكان على مُقَدّمته، ولَمّا خرج عليٌّ رضوان الله عليه إلى الجمل، استخلف أبو أيوب رجلًا من الأَنْصارِ عليها (٦)، ولَحِقَ بعليّ ﷺ فشهد الجملَ. وقال إبراهيم بن الحسن: قال أبو أيوب: إنَّ رسولَ الله ﷺ عَهِدَ إلينا أن نُقاتل مع عليّ بن أبي طالب الناكثين، فقد قاتلناهم، وعَهِدَ إلينا أن نُقاتلَ القاسطين، وهذا وَجْهُنا إليهم. يعني معاوية وأصحابه (٧).

стр. 3269

وقَدِم أبو أيوب (١) على ابن عباس البصرةَ، ففرَّغ له بيتَه وتحوَّل عَنْهُ وقال: والله لأَصنَعَنَّ بكَ كما صنعتَ برسولِ الله ﷺ . وقال له: كم عليكَ دَينٌ؟ قال: عشرون ألفًا، فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا وجميعَ ما في البيت. وقَدِمَ أبو أيوب على معاوية مرتين، فجفاه في الأُولى ولم يُعطِهِ شيئًا، وفي الثالثة أجلسه معه على سريرِه (٢)، ومَرِضَ فزارَهُ يزيد بن معاوية. ذِكرُ وفاته: قال الواقدي (٣): تُوفي أبو أيوب عامَ غَزَا يزيدُ بنُ معاوية القسطنطينيةَ في خلافة أبيه معاويةَ بنِ أبي سفيان، سَنَةَ (٤) اثنتين وخمسين، وصلَّى عليه يزيد بنُ معاوية، وقبرُه بأصل حصن القُسطنطينية (٥)، فلقد بلغني أنَّ الرومَ يتعاهدون قَبْرَه ويزورونه (٦)، ويستسقون به إذا قَحِطوا. وقال ابن سعد (٧): إنَّه لما مَرِضَ؛ جاءه يزيدُ بنُ معاوية يعودُهُ، فقال: ما حاجتُك؟ قال: إذا أنا مِتُّ، فاركَبْ أنْتَ والجيش، ثم سُغْ بي في أرضِ العدوّ ما وَجَدْتَ مَساغًا، فإذا لم تَجِدْ مَساغًا فادفِني ثم ارجِعْ. ففعل به يزيدُ كذلك.

стр. 3270

وقال أبو اليقظان: لَمّا ركب يزيدُ الجيش وجاؤوا به إلى سورِ القسطنطينية، قالت الروم: لقد مات فيهم عظيم. فلمَّا دفنَّه في سورها ناداهم يزيد: يا أهلَ القُسطنطينية، هذا رجلٌ من أكابرِ أصحابِ نبيِّنا ﷺ ، وقد دَفَنَّاه حيث تَرَوْنَ، واللهِ لئن تعرَّضتُم له، لأَهْدِمَنَّ كلَّ كنيسةٍ في أرض الإسلام، ولا يُضْرَبُ ناقوس بأَرضِ العرب [أبدًا]. فلما ارتحل المسلمون بنى عليه الروم بنْيانًا عظيمًا، وعلَّقوا عليه القناديل، وهم إلى هلُمَّ جَرًّا يعظّمونه ويتبرَّكون به ويستسقون (١) بقبره (٢). [وقيل: إن يزيد أوطأ الخيل قبره لئلا يؤذونه، والأول أصحّ. وحكى الخطيب عن شيخ من أهل فلسطين أنه رأى بَنِيَّةً دون القسطنطينية، فسأل عنها، فقيل له: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري، قال: فأتيتُها؛ وإذا فيها قبر، وعليه قنديل معلّق بسلسلة] (٣). وقال أبو ظبيان (٤) عن أشياخه: إنَّ أبا أيوب الأنصاريّ خَرَج غازيًا في أيام معاوية، فمرض، فلمّا ثَقُلَ قال لأصحابه: إذا أنا مِتُّ فاحملوني، فإذا صافَفتُم العدوَّ؛ فادفِنُوني تحت أقدامكم، وسأُحدِّثُكم بحديث سمعتُه من رسول الله ﷺ ، لولا ما حضرني أجلي لم أُحدِّثكم به: سمعتُه يقول: "مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا دخل الجنَّةَ". [واختلفوا في أيّ سنة مات؛ فحكينا عن ابن سعد أنه مات في هذه السنة. وقال ابن عبد البَرّ: مات في سنة إحدى وخمسين (٥). وقال سليمان بن رَزِين: سنة ثلاث وخمسين.

стр. 3271

وحكى جدِّي في "المنتظم" عن أبي زُرعة الدمشقي أنه مات سنة خمس وخمسين. قال جدّي: والأول أثبت (١)] (٢). وكان له من الولد عبد الرحمن، وأُمُّه أُمُّ حسن بنت زيد بن ثابت بن الضَّحاك من بني مالك بن النجار، وقد انقرضَ ولدُه (٣). أسند [أبو أيوب] الحديثَ عن النبي ﷺ ، فقال قومٌ: روى مئةً وخمسةً وخمسين حديثًا (٤). قال أبو سعيد بن يونس: قَدِم أبو أيوب مِصْرَ في سنة ستّ وأربعين (٥). وحدَّث عنه جابر بن سَمُرَة، والمقدامُ بن مَعدي كَرِب، وعبد الله بن يزيد الخطمي، والبراء بن عازب، وغيرهم (٦). سفيان بن عوف بن المُغَفَّل الأزْديّ الغامدي من التابعين، بعثه أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستمدُّه لوقعة اليرموك، ثم عاد إلى الشام، وشهد الفُتوحَ، وكان معاويةُ يستعمله على الصوائف. قال العُتْبيُّ: ولَّى معاويةُ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي غَزْوَ الروم، فلما كتب عهده قال: ما أَنْتَ صانعٌ بعَهْدي؟ قال: أتَّخِذُه إمامًا لا أَعصِيه، فقال له: رُدَّ

стр. 3272

عليَّ عَهْدي. فقال: أَتَعزِلُني وما اختبرتني؟ أما واللهِ لو كُنَّا ببطحاء مكة على السَّواء لما فعلتَ بي هذا! فقال معاويةُ: لو كُنَّا ببطحاء مكة لكان منزلي بالأبطح حيث يَنْشَقُّ عنه الوادي، وكان منزلُكَ بأَجياد؛ أسفلُه عَذِرة، وأعلاه مَذِرَة. ثم استدعى سفيانَ بنَ عوف الغامديَّ، فكتبَ عهدَه وقال: ما أنْتَ صانعٌ بعهدي؟ قال: أتَّخِذُهُ إمامًا [ما] أمَّ الحُرَم (١)، فإذا خالفَهُ خالفتُه، فقال مُعاويةُ: هذا واللهِ الذي لا يُكَفْكِفُ [من عَجَلَة، ولا يُدفع في ظهره من بطء، ولا يُضرب على الأمر ضرب الجمل] الثَّفَال (٢). ومات سفيان بأرض الرومِ غازيًا سنة اثنتين وخمسين. وقال الواقدي: سنة أربع وخمسين. قال الوليد بن مسلم: كتب معاوية إلى الأمصار بنعي سفيان بن عوف، فبكى الناسُ عليه في المساجد. وكان معاويةُ إذا وقع في أمر قال: واسُفْياناه! أبو موسى الأشعري واسمه عبدُ الله بنُ قَيْس بنِ سُليم بن حَضار (٣) بن حَرب بن عامر بن عَتَر بن وائل بن ناجية بن الجُماهر بن الأشعر، وهو نَبْت بنُ أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عَرِيب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعرُب بن قَحطان، من أهل اليمن. وكان خفيفَ الجسم قصيرًا أَثَطَّ (٤)، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين. وأمه ظَبْية بنتُ وَهْب، من عَكّ. وقد كانت أسلمت وماتت بالمدينة (٥).

стр. 3273

قال أبو موسى: قدمتُ من اليمن مهاجرًا إلى الله ورسوله ومعي بضعة وخمسون رجلًا من قومي ونحن ثلاثةُ إخوة: أبو موسى، وأبو رُهْم، وأبو بُردَة، فوافيناه بخيبر وقد قدم عليه جعفرٌ من الحبشة، فسألناه أن يقسمَ لنا، فقسمَ. يعني من غنائم خيبر. ووُلد في غلام، فأتيتُ به رسولَ الله ﷺ فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرة (١). وكان أبو موسى حَسَنَ الصوت؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لو رأيتَني وأنا أستمعُ قراءتَك البارحةَ! لقد أُوتيتَ مِزْمارًا من مزاميرِ آلِ داود". فقلت: لو علمتُ يا رسولَ الله أنك تستمع قراءتي لَحَبَّرْتُه لك تَحبِيرًا (٢). وقال الإمام أحمد ﵁ (٣): بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن، وأَمَرَهما أنْ يُعلِّما الناسَ القرآنَ. وقال عِياض الأشعريّ في قوله تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، قال: قال النبيّ ﷺ : "هم قوم هذا". يعني أبا موسى (٤). وكان عمرُ بنُ الخطَّاب إذا رأى أبا موسى قال: ذَكِّرْنا. فيقرأُ القرآنَ عندَه (٥). وأوصى عمر بن الخطاب ﵁ أنْ يُتْرَكَ أبو موسى بعدَه سنةً على عمله.

стр. 3274

وقال قَسامة بن زهير (١): إنَّ أبا موسى خَطَبَ الناسَ بالبصرة، فقال: أيها الناس، اِبكُوا، فَإِنْ لم تَبْكُوا فَتَباكَوْا، فإنَّ أهلَ النار يبكُون بالدُّموع (٢)؛ حتى تنقطع، ثم يبكُون الدِّماءَ حتى لو أُطلقَتْ فيها السُّفُنُ لسارَتْ. وحكى ابن سعد (٣) أنَّ أبا موسى الأشعريَّ لما نُزعَ عن البصرة؛ خرجَ منها وما معه إلا ستُّ مئة درهم عَطاء عياله. ووقعَ بالبصرة طاعون، فقيل له: اُخْرُجْ إلى وابِق، فقال: إلى الله وابِق (٤). ووابق اسم موضع خارج البصرة. وقال أبو موسى: كتبَ إليَّ معاوية: إنَّ عمرَو بنَ العاص قد بايَعَني على ما بايَعَني عليه، وإني أُقسمُ بالله، لئن بايَعتَني على ما بايَعَني عليه لأَبْعَثنَّ ابْنَيك؛ أحدهما على البصرة، والآخر على الكوفة، ولا يُغلق دونَك باب، ولا تُقْضَى دونَك حاجة، وقد كتبتُ إليك بخطِّ يدي، فاكْتُبْ إليَّ بخطِّ يدِك. فكتبتُ إليه: أمَّا بعد، فإنَّك كتبتَ إليَّ في جسيمِ أمرِ أمَّةِ محمد ﷺ ، فلا حاجةَ لي فيما عَرَضْتَ عليّ. فلما وليَ؛ أتيتُه، فلم يُغْلَقْ دوني باب، ولم تكن في حاجة إلا قُضِيَتْ (٥). وقال أبو بُردَة: دخلتُ على معاويةَ حين أصابَتْه القَرحة، فقال: هلمَّ يا ابنَ أخي تَحوَّلْ فانظر. فنظرتُ؛ وإذا هي قد سُبِرَتْ (٦). فدخلَ يزيدُ ابنُه، فقال له: إن وليتَ من أمر الناسِ شيئًا؛ فاستوصِ بهذا خيرًا، فإنَّ أباه كان أخًا لي، أو خليلًا (٧).

стр. 3275

[وقال هشام بن محمد:] وكان أبو موسى عاملَ رسولِ الله ﷺ على زَبِيد، وعَدَن، وساحلِ اليمن، وأقرَّه أبو بكر [عليها، وولَّاه عمر] البصرة، واستعملَه عثمانُ ﵁ على الكوفة، وقُتل عثمانُ وهو عاملُه عليها (١). وقال الهيثم: لا نعرفُ أحدًا وليَ لخمسة أئمة إلا هو ورَوْحُ بنُ حاتم، فأمَّا أبو موسى الأشعري؛ فوَلِيَ للنبيِّ ﷺ ، وأبي بكر، وعُمر، وعثمان، وعليّ رضوان الله عليهم، ورَوْحٌ وَليَ للسَّفَّاح، وللمنصور، وللمهديّ، وللهادي، وللرشيد. قال أبو موسى: خَرَجْنا غُزاةً في البحر؛ فبينا نحن نسير والربح طيِّبةٌ، والشراعُ مرفوعٌ؛ إذ سمعنا مُناديًا يُنادي: يا أهل السفينة، قِفُوا حتى أخبركم. حتى والى بين سبعة أصوات، فقُمت على صدر السفينة، فقلت: ما تَرَى ما نحن فيه؟! وهل نستطيعُ وقوفا؟ فقال الصوت: ألا أُخبرُكم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ إنه مَنْ عَطَّشَ [نفسَه] للهِ في يوم حار؛ كان حقًّا على الله أن يُرويَه يومَ القيامة. قال أبو بُردَة: وكان أبو موسى يَتَوَخَّى ذلك اليومَ الحارَّ الشديد الحرّ الذي يكادُ ينسلخُ فيه الإنسان، فيصومُه (٢). وقال ابن عساكر: إنّ أبا موسى هربَ إلى مكةَ بعد التحكيم، والتجأَ عائذًا بالبيت من عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، فكتب إليه معاويةُ أنْ أَقْبِلْ إلى الشام؛ فهو أوْسعُ لك، وإنما أراد ﵁ أن يستميله. وكتبَ في آخر الكتاب: وفي الشامِ أمرٌ واسع ومعوَّلُ … وعُذْرُكَ مبسوطٌ وقولُك جائزُ وإنْ كُنتَ قد أُعطيتَ عقلًا فَشُبْتَهُ (٣) … بتركك وَجْه الحقِّ فالحقُّ بارِزُ وإن كنت أضمرتَ (٤) الهدى فاتْبَعِ الهُدى … وإن كنتَ لم تُبْصر فإنَّك عاجزُ

стр. 3276

جمعتَ بخُرقٍ منك خلعي وخَلْعَهُ … كما جمعَ السَّيرَينِ (١) في الخَرْز خارزُ فأصبحتَ فيما بينَنا مُتَذَبذِبًا … تَهادَى بما قد كان منك العجائزُ وقدمَ أبو موسى على معاوية، فبايعَه، فأمَرَ له بخمسين ألفًا. وقال أبو عمرو الشيباني: طلَّق أبو موسى امرأته وقال: تَجَهَّزِي للطَّلاقِ وارْتَحِلِي … فذا دواءُ المجانبِ (٢) الشَّرِسِ ما أنتِ بالحَنَّةِ الوَلُودِ ولا … عندكِ نفعٌ يُرْجى (٣) لملتمسِ لَلَيْلَتي حين بِتِّ (٤) طالقةً … ألَذُّ عنديَ من ليلةِ العرسِ بتُّ لديها بِشَرِّ مَنْزِلةٍ … لا أنا في لذَّةٍ ولا أُنسِ ذِكْرُ وفاتِه ﵁: [واختلفوا فيها، فقال ابن سعد بإسناده عن] سَيَّار بن سلامة (٥): لما حضر أبا موسى الموتُ؛ دعا بنيه فقال: إذا أنا متُّ فلا تُؤذِنُوا بموتي أحدًا، ولا يَتْبَعني صوتٌ ولا نار، وليكن ممشَى أحدِكم بحذاء رُكبتيَّ [من السرير]. ولَما أُغْمِيَ عليه بَكَتْ ابنة الدُّوميّ (٦) أمُّ أبي بردَة، فقال: أنا أَبْرَأُ إليكم مِمَّن حَلَقَ وسَلَق وخَرَق (٧). [وفي رواية: أَما علمتُم ما قال رسول الله ﷺ ؟ وذكره. قال الجوهريّ: وسلق: لغة في: صلق، أي: صاح، وسَلَقَه بالكلام: آذاه، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: بالغوا فيكم بالكلام] (٨).

стр. 3277

وقال: عَمِّقُوا لي قبري، ومات سنة ثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة ثلاث وأربعين، وسنة خمسين، وهو ابن ستّ وستين سنة. ومات بمكة، وقيل: بالكوفة، ودُفن بالثَّويَّة؛ على ميلين منها (١). وكان قد أَوْصَى بوصايا لأمهات أولاده وقال: أيُّما امرأةٍ صرخت عليَّ؛ فلا وصية لها. ذكر الأولاد الذي له ﵁: كان له أبو بكر، وكان أسنَّ ولده، وموسى؛ أمُّه أمُّ كلثوم بنت الفضل بن العبَّاس، وأبو بردة، والذِّكْرُ له، واسمه عامر، وكان قاضيًا- وابنُه بلالُ بنُ أبي بردة وكان قاضيًا (٢) - وإبراهيم (٣). ذكر إخوته رضوان الله عليهم: [أبو] عامر بن قيس؛ قُتل يوم أَوْطاس شهيدًا، وأبو رُهْم بنُ قَيس، وأبو بُردَة بنُ قَيس، قُتلَ يوم أَوْطاس شهيدًا (٤). أسند أبو موسى الحديثَ عن رسول الله ﷺ ؛ قال ابن البرقيّ: أسند ستين وثلاثَ مئة حديث (٥).

стр. 3278

وروى عن عمر بن الخطاب ﵁، وغيره من الصحابة. وروى عنه أنس، وأبو سعيد الخُدري، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وبُريدة بن الحُصَيب، وأبو أمامة الباهلي، وأسامة بن شريك، في آخرين. ومن التابعين: ابنُ المسيِّب، والحَسَن، وطاوس، وأبو وائل، والأسود بن يزيد، وأبو [عثمان] عبد الرحمن النَّهْديّ، وأبو الأسود الدُّؤلي، وابناه: أبو بردَة وأبو بكر في آخرين (١). عبد الله بنُ المُغَفَّل (٢) ابن عَبْد نُهْم المُزَنيّ، كنيتُه أبو زياد. وقيل: أبو سعيد، له صحبة ورواية، وكان من البكَّائين، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين. بعثه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه إلى البصرة يفقِّه الناسَ. وقال خزاعي بن زياد: أُرِيَ (٣) عبدُ الله بنُ المغفَّل كأنَّ الساعةَ قد قامت، والناس يُعرضون على مكان. قال: وقد علمتُ أنه من جاوزَ ذلك المكان؛ نجا. قال: فذهبتُ لأدنوَ منه، فقيل في: وراءَك، أَتُرِيدُ أنْ تنجوَ وعندك ما عندَك؛ قال: فانْتَبَهْتُ فَزِعًا، وأيقظتُ أهلي، وكان عندي عَيبَةٌ (٤) مملوءةٌ دنانيرَ، فَفَرَّقْتُ ما فيها، فلم أَدَع دينارًا. فلما كان المرضُ الذي مات فيه؛ أوصى أهلَه أنْ لا يليَه إلا [أصحابه، يعني] الصحابة، ولا يصلي عليه عُبيد الله بنُ زياد. فلما ماتَ أرسلوا إلى أبي بَرزَة، وعائذ بن عمرو، ونفبر من الصحابة، فَوَلُوا غَسْلَه وتكفينه، فلمَّا أخرجوه إذا بابن زياد في موكبه بالباب، فقيل له: قد أَوْصَى أنْ لا تُصلّيَ عليه. فسار معه إلى البيضاء، ثم تركه ومضى.

стр. 3279

وقال الحسن: دخلَ عليه عُبيد الله بنُ زياد يعودُه، فقال: اعهد إلينا أبا زياد، فإن الله كان ينفعنا بك. قال: وهل أنتَ فاعلٌ ما آمُرُك به؟ قال: نعم. قال: فإني أطلبُ منك إذا متُّ أن لا تُصلِّيَ عليَّ، وأنْ تُخَلِّيَ بيني وبين بقيَّةِ أصحابي، فيكونون هم الذين يَلُونَني ويُصلُّون عليَّ. قال: فركبَ عُبيد الله في اليوم الذي مات فيه؛ فإذا كلُّ طريقٍ قد ضاقَ بأهله، فقال: ما بال الناس؟ فقالوا: توفّي عبدُ الله بنُ المغفَّل صاحبُ رسولِ الله ﷺ . فوقفَ على دابَّته حتى أُخرج به، ثم قال: لولا أنه طلب إلينا فأطْلَبْناه إيَّاه؛ لَسِرنا معه وصلَّينا عليه. قال الحسن: لا أبا لك، أتُراهُ وفاءً من الخبيث؟! (١). عمران بن الحُصين ابن عُبيد بن خلف بن عَبْد نُهْم، أبو نُجيد الخُزاعي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. أسلم قديمًا هو وأبوه، وأُختُه، وغزَوا مع رسولِ الله ﷺ غزواتٍ، ولم يزل في بلاد قومِه، ثم تَحوَّلَ إلى البصرة، فنزلَها إلى أن مات بها. وعن عمران بن الحُصين، عن أبيه، أنَّه أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا محمد، عبدُ المطَّلب خيرٌ لقومه منك، كان يُطعمهم الكَبِدَ والسَّنَام، وأنت تَنْحَرُهُم. فقال له ما شاءَ الله، فلما أراد أن ينصرفَ قالماله: ما أقول؟ قال: "قل: اللهمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسي، واعزم لي على رُشْدِ أمري". فانطلقَ ولم يكن أسلمَ. فجاء فقال: يا رسول الله، إني أتيتُك فقلتُ: عَلِّمني، فقلتَ: "قُلْ: اللهَم قِنِي شَرَّ نفسي، واعزِم لي على رُشْدي". فما أقولُ الآنَ حين أسلمتُ؟ قال: "قُلْ: اللهمَّ قِنِي شَرّ نفسي، واعزم لي على رُشْدِ أمري، وقُلْ: اللهمَّ اغْفر لي ما أسرَرتُ وما أعلنْتُ، وما أخطأتُ، وما عَمَدْتُ، وما علمتُ، وما جهلتُ".

стр. 3280

وقال عِمران: ما مَسِسْتُ ذَكَرِي بيميني منذُ بايعتُ بها رسولَ الله ﵁، وكان يقول: وَدِدْتُ أنِّي رمادٌ تَذْرُوني الرِّياح. وقال ابنُ سيرِين: سَقَى بطنُ عِفرانَ ثلاثين سنةً، كل ذلك يُعرضُ عليه الكَي، فيَأباهُ، حتى كان قبلَ وفاتِه بسنتين، فاكْتَوَى. قال قتادة: إن الملائكة كانت تُصافحُ عِمران حتى اكْتَوى، فتنحَت. وقال عمران: قد اكْتَوَينا فما أفْلَحنَ وما أنْجَحنَ. يعني المكاوي. وقال مُطَرِّف: قال لي عِمران: أشَعَرتَ أنه كان يُسَلَّمُ عليَّ، فلما اكْتَوَيتُ انقطع التسليم؟ فقلت: أَمِنْ قِبَلِ رأسِك كان يأتيك التسليمُ، أوْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيك؟ قال: لا، بل مِنْ قِبَلِ رأسي. فقلتُ: لا أُرى أن تموتَ حتى يعود ذلك. فلما كان بعدُ قال لي: أشَعرتَ أنَّ التسليمَ عادَ لي؟ ثم لم يلبث يسيرًا حتى مات. وقال مطرِّف: قلتُ لعمران: ما يمنعني من عِيادتِك إلَّا ما أرى من حالك. قال: لا تفعل، فإنَّ أحبَّه إليَّ أحبُّه إليه. وقال عمران: إذا أنا متُّ، فشُدُّوني على سريري بعِمامة، وإذا رجعتُم فَانْحَرُوا وأطْعِمُوا. وتوفِّي رضوان الله عليه بالبصرة قبل وفاة زياد بسنة، وزياد مات سنة ثلاث وخمسين (١). أسند عِمران عن رسول الله ﷺ مئةً وثمانين حديثًا (٢). وروى عِمران عن أبي بكر وعمر ﵁، وروى عنه خلق من التابعين. ومن ولده خالد بن طَلِيق بن محمد بن عمران، وَليَ قضاءَ البصرة. ومن مسانيده: قال عِمران: كان بي النَّاصور، فسألتُ النبيَّ ﷺ عن الصلاة، فقال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تَسْتَطِع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب". انفرد بإخراجه البخاريّ (٣).

стр. 3281

وعامَّةُ مسائلِ بابِ المريضِ تنبني على هذا الحديث. عَمْرُو بنُ حَزم ابن زيد بن لُوذان بن عَمرو بن عَبْد عَوْف بن غَنْم بن مالك بن النَجَّار، وكُنيتُه أبو محمد، وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار، وأُمُّه خالدة بنتُ أبي أنس من بني ساعدة. قال أبو بكر بنُ محمد بن عمرو بن حَزْم: استعملَ رسول الله ﷺ عمرَو بنَ حَزْم على نَجْران وبني الحارث وهو يومئذٍ ابنُ سبعَ عَشْرَةَ سنة، فخرجَ مع وَفْدِهم يُفَقِّهُهُم ويُعلِّمُهم السنَّةَ ومعالمَ الإسلام، ويأخذ منهم صَدَقاتِهم، وكتب له كتابًا مشهورًا عند أهل العلم (١). شهد عمرو الخندق، وتوفِّي رسولُ الله ﷺ وهو عاملُه على نَجْران، وبَقِيَ حتى أدرك بيعةَ معاويةَ لابنه يزيد، ومات بعد ذلك بالمدينة (٢). وقال خليفة: مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين (٣). ذكر أولاده: فولدَ عَمرُو بنُ حَزْم محمدًا؛ قُتِلَ يومَ الحَرَّة، وأمَّ كلثوم؛ أُمُّهُما عَمرَة بنتُ عبد الله بن الحارث. وعُمارة، وخالدًا، وخالدة، وعبد الله، ومعاوية، وسليمان، وحارثة، وحَبِيبة، وميمونة، وحفصة، وعامرًا، ومعمر، وحضرميّ، ونائلة، وجَمِيلة؛ لأُمَّهاتٍ شتَّى (٤). أَسْنَدَ عَمرو الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، فمن مسانيدِه:

стр. 3282

قال الإمام أحمد ﵁ (١): حدثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن ابنِ طاوس، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم، عن أبيه قال: لما قُتل عمارُ بنُ ياسر؛ دخل عَمرُو بنُ حَزْم على عمرو بن العاص، فقال: قُتل عمَّار، وقد قال رسول الله ﷺ : "تَقْتُلُه الفئةُ الباغية". كعب بن عُجْرة من الطبقة الثالثة من الأنصار، وقيل: هو حليفٌ لبني قَوْقَل (٢)، وكنيتُه أبو محمد، وهو من أهل بيعة الرِّضوان، وفيه نزلَتْ فدية الأَذَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى﴾ الآية (٣). وشَهِدَ كعبٌ دَوْمَةَ الجندل (٤). وقال الحسن البصريُّ: رَحَلْتُ إلى كَعبٍ من البصرة إلى الكوفة، فقلت: ما كان فداؤك (٥)؟ فقال: شاة. وماتَ كعبٌ بالمدينة سنة اثنتين وخمسين وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة، وقيل: إحدى وخمسين وهو ابنُ سبعٍ وسبعين سنة، وقد انقرضَ عَقِبُه (٦). أسندَ كعبٌ عن رسول الله ﷺ ، وروى عن بلال، وروى عنه ابن عمر، وعبد الله بن عَمرو، وجابر بن عبد الله، وطارق بن شهاب، وأبو وائل، والشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصري، وعامة التابعين، وبنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع، بنو كعب.

стр. 3283

ومن مسانيده ﵁؛ قال الإمام أحمد ﵁ (١): حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثنا أبو حُصين، عن الشعبيّ، عن عاصم العَدَويّ، عن كعبِ بنِ عُجْرَة قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ علينا -أو دخل- ونحن تسعة، وبينَنَا وسادةٌ من أَدَمٍ، فقال: "إنَّها ستكونُ بَعدي أمراءُ يَكْذِبُون ويَظْلِمون، فمَنْ دَخَلَ عليهم فصدَّقَهم بكذبهم، وأعانَهم على ظلمهم، فليس منّي ولستُ منه، وليس بوارد عليَّ الحوضَ، ومَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُم بكذبهم، ولم يُعِنْهم على ظُلمهم، فهو منِّي وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوضَ". معاوية بن حُدَيج ابن جَفْنَة الكِنْديّ السَّكُونيّ، صَحِبَ رسولَ الله ﷺ ، وروى عنه، ولَقِيَ عُمرَ بنَ الخطَّاب رضوان الله عليه، ورَوَى عنه (٢). وكان عُثمانيًّا، وهو الذي قتلَ محمدَ بنَ أبي بكر ﵁، وولَّاه معاويةُ مصر (٣)، وغزا الغَربَ، وشَهِدَ اليرموك أميرًا على كردُوس (٤). وكان سيِّد السَّكُون (٥)، وكان إذا قدمَ على معاويةَ بنِ أبي سفيان؛ ضُربت له قِباب الرَّيحان، وكُنِسَتْ له الطُّرُق (٦)، فقدم يومًا على معاويةَ وعندَه أختُه أمُّ الحَكَم بنتُ أبي سفيان، فقالت: مَنْ هذا؟ فقال معاوية: بخٍ بخٍ، هذا معاوية بن حُدَيج، فقالت: لا مرحبًا به ولا أهلًا "تَسْمَعُ بالمُعَيدِيِّ خيرٌ من أن تراه". فقال لها ابنُ حُدَيج: يا أمَّ الحَكَم، مَهْلًا، فواللهِ لقد تَزَوَّجْتِ، فما أَكْرَمتِ، وَوَلَدتِ فما أنْجَبْتِ، أردتِ أن يَليَ

стр. 3284

ابنُكِ الفاسقُ علينا، فيسيرَ فينا كما سعارَ في إخواننا من أهل الكوفة، ما كان الله لِيُريَ (١) ذلك، ولو فعل ذلك لضَرَبْناه ضَربًا تُضامِينَ منه (٢) وإن كان (٣) هذا الجالس. فقال لها أخوها: كُفِّي عنه. وابنُ حُديج هو كان الوافدَ على عمر بن الخطاب ﵁ بفتح الإسكندرية، وذهبَتْ إحدى عَينيه يومَ دُمْقُلَة (٤)، كان في النُّوْبَة مع عبدِ الله بنِ أبي سَرح سنة إحدى وثلاثين. وولِيَ غَزْوَ المَغْرب سنةَ أربع وثلاثين [وسنة أربعين]، وسنة خمسين (٥). وكان عثمان رضوان الله عليه أعطاه خُمس إفريقية (٦)، فلذلك قام في أمره. حجَّ معاويةُ بن حُدَيج، فمرَّ بالمدينة، فقال الحسنُ بنُ عليّ ﵇: عليَّ بِه. فلمَّا دخلَ عليه قال: أنتَ السابُّ لأمير المؤمنين عند ابن آكِلَةِ الأكباد؟ فقال: ما فعلت. فقال: واللهِ لئن لقِيتَه -وما إخالُك تَلْقَاه- لَتَجِدَنَّه قائمًا على حوض محمد ﷺ يَذُودُ عنه المنافقين بيده، حدَّثني به الصادق [المصدوق]، وقد خابَ من افْتَرَى (٧). وكانت عائشة ﵄ تقنُت في الصلاة وتدعو على ابن حُدَيج وتقول: اللَّهم الْعَنْه، فإنَّه قتلَ أخي محمدًا. أسندَ معاويةُ بن حدَيْج عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر، وعمر، رضوان الله عليهما، وأبنِ عَمرو (٨)، وأبي ذَرّ.

стр. 3285

وروى عنه عُلَيُّ بنُ رَباح، وعبدُ الرحمن بن شِماسة (١)، وسُويد بن قيس في آخرين. قال الإمام أحمد ﵁ (٢): حدثنا يحيى بنُ إسحاق، حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أو عن سُويد بن قيس (٣)، عن معاوية بن حُدَيج قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "غَدوَة في سبيل الله أو رَوْحَة خَيرٌ من الدُّنيا وما فيها". وقال ابن عساكر: قال ابنُ حُدَيْج: سمعتُ أبا بكر ﵁ على المنبر يقول: إنه قُدِمَ علينا برأس يَناق (٤) البطريق، ولم يكن لنا به حاجة، وإنَّما هذه سُنَّة الأعاجم. ميمونة بنت الحارث ابن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم (٥) بن رُوَيبَة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعصَعة، أمُّ المؤمنين ﵂. وأمُّها هند [بنت عوف] بن زهير بن الحارث بن حَماطة بن جُرش. وكان مسعودُ بنُ عَمرو بنِ عُمير الثقفيُّ قد تزوَّج ميمونةَ في الجاهلية، ثم فارقَها، فخلَفَ عليها أبو رُهْم بنُ عبد العُزَّى، من بني عامر بن لُؤيّ، فتوفِّيَ عنها، فتزوَّجها رسولُ الله ﷺ ؛ زوَّجه إياها العبَّاس بنُ عبد المطلب، وكان يلي أمرَها، وهي أختُ [أمِّ ولده] أمِّ الفضل بنت الحارث [الهلالية] لأبيها وأمِّها (٦)، وتزوَّجها بِسَرَف؛ على عَشَرة أميال من مكة، وكانت آخِرَ امرأة تَزَوَّجها رسولُ الله ﷺ ، وذلك في سنة سبع في عُمْرة القضيَّة في شوال.

стр. 3286

[وقال محمد بن عمر: تزوَّجها في شوَّال سنة سبع من الهجرة، وجعلَتْ ميمونةُ أمرَها إلى رسول الله ﷺ ، فجاءَ رسول الله إلى منزل العبَّاس، فخطَبَها، فزوجَه إياها، وبعثَ رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه، ورجلًا من الأنصار، فحملاها إليه - وقد ذكرناه في عمرة القضيَّة- وأعرَسَ بها بسَرَف. قال: وماتت بسَرَف، فقبرُها تحت السَّقِيفة. وقال الواقدي: وهبَتْ نفسها لرسول الله ﷺ ، وفي وواية عنه أنه أصدَقَها خمس مئة درهم. وروى ابن سعد عن مجاهد أنه قال: كان اسمُها بَرَّة، فسمَّاها رسول الله ﷺ ميمونة. واختلفوا في وفاتها، فقال ابن سعد بإسناده عن ميمون بن مهران قال: سألتُ صفية بنت شيبة، فقالت: تزوَّج رسولُ الله ﷺ ميمونة بسَرَف، وبنى بها، ثم بنى لها قبة] وماتت بسَرَف، ثم دُفِنَتْ في موضع قُبَّتِها التي بنى بها فيها (١). وأخواتُها لأبويها: لُبابَةُ (٢) الكبرى زوجُ العبَّاس، ولُبابَةُ الصغرى زوجُ الوليد بنِ المغيرة (٣)، أمُّ خالدِ بنِ الوليد، وعصماء بنتُ الحارث زوجُ أُبَيِّ بن خَلَف (٤)، وهُزَيلَةُ بنتُ الحارث، وهي أمُّ حُفَيد التي أهْدَتْ سَمنًا وأقِطًا، وعَزَّةُ بنتُ الحارث (٥)؛ كانت عند زيادَ بنِ عبد الله بن مالك الهلالي (٦).

стр. 3287

وأما أخواتُها لأُمِّها: فأسماءُ بنتُ عُميس زوجُ جعفر بن أبي طالب، وسُلمى بنتُ عُميس زوجُ حمزةَ بن عبد المطلب، وسلامة بنتُ عميس (١) [وأمُّهنَّ] (٢) هند بنت عوف بن زهير الليثي؛ كانت أكرمَ النساء أصهارًا، وبناتها تسع لأبوين؛ ستّ للحارث، وثلاث لعميس. قال الشيخ موفَّقُ الدين ﵀ (٣): وقد قيل: إن زينبَ بنتَ خُزيمة زوجَ رسول الله ﷺ أختُ ميمونة لأمّها. وفي الحديث عن النبيِّ ﷺ : "الأخواتُ المؤمنات ميمونةُ، وأمُّ الفضل، وأسماءُ، وسُلمى" (٤). وقال [ابن جُريج عن] (٥) عطاء: توفِّيت ميمونةُ بسَرَف، فخرجنا مع ابن عباس إليها، فقال: إذا رفعتُم نعشَها؛ فلا تُزَعْزِعُوها، ولا تُزَلزلوها، فإنه كان للنبي ﷺ تسعُ نسوة؛ كان يَقْسِمُ لثمانٍ، ولا يَقْسِمُ لواحدة. [وقال غيرُ ابنِ جُريج في هذا الحديث: إنها توفيت بمكة، فحملها عبد الله بنُ عبَّاس، وجعلَ يقول للذين يحملونها: اُرفُقُوا بها، فإنها أمُّكم. حتى دفنَها بسَرَف]. وقال يزيد بن الأصمّ: حَضَرْتُ قبرَ ميمونةَ، فنزلَ فيه ابنُ عباس، وعبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد، وأنا، وعُبيد الله الخولانيّ، وصلَّى عليها ابنُ عباس. وقال الواقدي: توفّيت ميمونةُ سنةَ إحدى وستين في أيام يزيد بن معاوية (٦)، وهي آخِرُ من ماتَ من أزواج رسول الله ﷺ ، وكان لها يوم توفّيت ثمانون، أو إحدى

стр. 3288

وثمانون سنة، وكانت جَلْدَة. أطعمَها رسولُ الله ﷺ بخيبر ثمانين وَسْقًا تمرًا، وعشرين وَسْقًا شعيرًا. وقيل: قمحًا (١). وقال هشام: ماتت سنة اثنتين وخمسين، ونزل ابنُ عباس ويزيدُ بنُ الأصمّ وعبدُ الله بن شدَّاد بن الهاد في قبرها -وهم بنو أخواتها- وعُبيد الله الخَوْلاني، وكان يتيمًا في حِجْرها. وقيل: إنها توفيت سنة ثمان وثلاثين (٢). وقيل: سنة ست وستين، [وهذه السنة أشهر] (٣). أسندت ميمونة ﵄ الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ قيل: ستة وسبعين حديثًا (٤). نُعَيْمان بن عَمرو ابن رِفاعة بن الحارث بن سَواد، من بني غَنْم -وهو تصغير نُعمَان (٥) - من الطبقة الأولى من الأنصار، وأُمُّه فاطمةُ بنتُ عمرو، من بني النجار. شهد العقبة الآخِرة [مع السبعين]-في قول ابن إسحاق [وحدَه]- وبدرًا، وأُحدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يجلِدُه في الخمر؛ أُتِيَ به إلى رسول الله ﷺ ، فجلده مرارًا؛ أربعًا أو خمسًا (٦)؛ يعني في شرب النبيذ، فقال رجل: اللهمَّ الْعَنْه، فما أكثرَ ما يشربُ وأكثرَ ما يُجلد، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تلعنه، فإنه يُحبُّ الله ورسولَه".

стр. 3289

وبقي نُعيمان حتى توفي في خلافة معاوية. [وليس في الصحابة من اسمه النعيمان سواه، ولا من يُقال له: نعيمان سواه]، وليس له رواية. وكان له من الولد: محمد، وعامر، وسَبْرَة، ولُبابة، وكَبْشة، وأمُّ حبيب (١)، وأَمَةُ الله؛ لأمَّهات أولادٍ شتَّى، وحكيمة؛ وأمُّها من بني سهم (٢). أبو بُرْدَة بن نِيار (٣) ابن عَمرو بن عُبيد البَلَويّ، من قُضاعة، [واسم أبي بُردة هانئ]، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وهو خالُ البراءِ بنِ عازب الصحابيّ. شهدَ أبو بُرْدَة العقبةَ مع السبعين، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه رايةُ بني حارثة يومَ الفتح، وروى عن رسول الله ﷺ أحاديث، وليس له عقب (٤)، ومات في خلافة معاوية. [أسند عن رسول الله ﷺ الحديث؛ أخرج له أحمد ستة أحاديث، منها حديث واحد متفق عليه، ومنها حديث الراية]. قال الإمام أحمد ﵀ (٥): حدثنا وكيع، حدثنا حسنُ بنُ صالح، عن السُّدِّي، عن عَدِيّ بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لَقِيتُ خالي أبا بُردَةَ بنَ نيار ومعه الراية،

стр. 3290

فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى رجلٍ تزوَّجَ امرأةَ أبيه من بعده أنْ أضرِبَ عُنقه -أو أقتله- وآخُذَ ماله. [وليس في الصحابة من اسمُه هانئ بن نِيار غيره. وأما أبو بُردة؛ فثلاثة: أحدهم: صاحب هذه الترجمة. والثاني: أبو بردَة أخو أبي موسى الأشعري، واسمه عامر. والثالث: أبو بُردَة الظَّفَري، من بني كعب بن مالك. والله أعلم] (١). السنة الثالثة والخمسون فيها فتحَ جُنادة بن [أبي] أمية الأزدي جزيرة رُودِس في البحر، فنزلَها المسلمون، وغرسوا بها الأشجار، وزرعوا، وبَنَوْا المساكن، واقتَنَوْا المواشي، وبنَوْا حصنًا حصينًا يأوون إليه عند الفزع، واتخذوا بها المسالح (٢) يحذّرُونَهم غارات الروم، وعمِلُوا السفن، فكانوا يجاهدون الروم ويأخذون مراكبَهم. وكان معاوية يُدِرُّ لهم الأرزاق، ويكثر لهم العطاءَ، فأقاموا إلى سنة ستين، فلما مات معاوية غفلَ عنهم يزيد، فاستولى عليها الروم، وضعُف أهلُها، ويقال: إن يزيد أمرَهم بالانتقال عنها. [وقيل: يقال للجزيرة: أرواد (٣)، وقيل: رُودِس، وأن ذلك كان في سنة أربع وخمسين] وأقام المسلمون بها سبع سنين. وفيها شتا عبد الرحمن بنُ أمِّ الحكم ببلاد الروم.

стр. 3291

[وقال الأصمعي:] وفيها وقع طاعون بالكوفة، فمات فيه زياد. وحجَّ بالناس سعيد بنُ العاص [بالاتفاق]، وكان هو العاملَ على المدينة، وعلى الكوفة بعد زياد عبدُ الله بنُ خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سَمُرةُ بنُ جُنْدُب، وعلى خُراسان خُليد بنُ عبد الله الحنفيّ (١). وفيها توفي جَبَلَة بن الأيهم الغسَّاني [ملك غسَّان بالشام]، واختلفت الروايات فيه: فقيل (٢): إن رسول الله ﷺ كتبَ إليه يَدعُوه إلى الإسلام. [وقيل: إنما كتب إلى الحارث بن أبي شمر على يد شجاع بن وهب، وقد ذكرناه في السيرة]. [وقال هشام: أسلَمَ جَبَلة] (٣) وأَهْدَى إلى رسول ﷺ هديَّة. [وكذا قال ابن سعد]. وقيل: أقام على دينه إلى أيام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ثم أوقعَ الله الإسلامَ في قلبه، فأسلمَ، وقدِمَ على عمر رضوان الله عليه، ثم ارتدَّ. روى هشام (٤) بن محمد الكلبيّ عن أبيه قال: ذُكر لنا أنه لَمَّا أسلَمَ جَبَلَةُ بنُ الأَيهم الغسَّاني في خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه؛ كتب [إلى] عمر يخبره بإسلامه ويستأذنُه في القدوم عليه، فسُرَّ عمرُ بذلك، وأَذِنَ له، فخرج [في خمسين ومئتين من أهل بيته، وفي رواية:] في خمس مئة من أهل بيته، حتى إذا قاربَ المدينةَ؛ عَمَدَ إلى

стр. 3292

أصحابه، فحملَهم على الخيل العِتاق، وقلَّدَها أواقَ الذهب والفضة، وألبسَهم الدِّيباجَ وسَرَقَ الحريرِ (١)، ووضعَ على رأسه تاجَه، وكان فيه قُرْطا مارية، وهي جدَّتُه، فلم تبق بِكْرٌ ولا عانِسٌ إلا وخرجت تنظُرُ إليه وإلى زِيِّه. فلما دخلَ على عمر رحَّب به، وأدنى مجلسَه، وأقامَ بالمدينة مكرَّمًا. فجاء أوانُ الحجّ، فخرج عمرُ حاجًّا وخرج معه، فبينا هو يطوفُ بالبيت، إذْ وَطِئَ رجلٌ من فَزَارة إزارَه من خلفه فانحل، فعرفعَ جَبَلَةُ يدَه فلطمَ الفَزَاريَّ، فهشَمَ أنفَه، فاستعدَى الفَزاريُّ عليه عمرَ، فقال عمر لجَبَلَة: لِمَ هشمتَ أنفَه؟ قال: اعتمدَ حَلَّ إزاري، ولولا حُرْمةُ البيت (٢) لضربتُ وجهه بالسيف. فقال له: أمَّا أنتَ فقد أقررتَ، فإما أن تُرضيَه؛ وإلا أقدتُه منك، فقال: أوَخُطْرٌ هو لي (٣)؟ قال: نعم. قال: وكيف، وأنا ملكٌ وهو سُوقَة (٤)؟! فقال عمر: الإسلام قد جمعكما. قال جَبَلَة: واللهِ لقد ظننت أن أكونَ في الإسلام أعزَّ منِّي في الجاهلية! فقال [عمر:] هو ما ترى. فقال جَبَلَة: فإذًا أتنصَّر. فقال عمر: أقتُلُكَ لأنك قد أسلمتَ. فقال: أمهِلْني الليلة حتى أنظر. فأمهله. فلمَّا كان في الليل تحمَّلَ هو وأصحابُه إلى الشام على طريق الساحل، حتى دخل القسطنطينية، فتنصَّر هو وقومُه، فسُرَّ به هِرَقْل، وأقطعَه ما شاء، وزوَّجَه ابنتَه، وقاسمه مُلكَه، وجعلَه من سمَّاره، وأقام مدَّة. ثم إن عمر كتب كتابًا إلى هِرَقْل في أمر يَخصُّ (٥) المسلمين، وبعث به إلى جَثَّامَةَ بن مُساحِق الكِنانيّ إليه (٦). فلما قَدِمَ الرسولُ على هِرَقْل؛ أجابَ بما أَرادَ عمر، فلما عزمَ الرسولُ على الرجوع قال له هرقل: لقيتَ جَبَلَةَ ابنَ عمِّك؟ قال: لا. قال: فالْقَهْ.

стр. 3293

قال: فأتيتُ بابَ جَبَلَة، فرأيتُ عليه من البهجة والخَدَم ما لم أره على باب الملك، فاستأذنتُ عليه، فأذِنَ لي، فلما دخلتُ عليه؛ قامَ فاعتَنَقَني، وعاتبَني في ترك النزول عليه، وإذا به في بَهْوٍ عظيم على سريرِ من ذهب، وحولَه من التماثيل ما لا أُحسنُ أن أصفَه، وإذا هو أصهبُ ذو سِبال (١) وقد ذَرَّ الذهبَ في لحيته، ثم أمرَني أن أجلس على كرسي من ذهب، فأبَيتُ وقلت: إنَّ رسولَ الله ﷺ نهانا أن نجلس على مثل هذا. ثمَّ سألني عن عُمر وعن المسلمين، وألطفَ في المسألة وألْحَفَ في السؤال، وأظهرَ على وجهه أثر الحزن. قلت: فما يمنعُك من الرجوع إلى الإسلام؟ فقال: هيهات هيهات بعد الذي كان. قلت: نعم، قد ارتدَّ الأشعثُ بنُ قيس وجالدَهم بالسيوف، ومنعَ الزكاة، ثم عاد إلى الإسلام، وزوَّجَه أبو بكر أختَه. فقال: دَعْ عنك هذا، وأومأ إلى وصيف كان على رأسه، فولَّى وحضر (٢)، فما شعرنا [إلا] بالصناديق تُحمل على أعناق الرِّجال، ووُضعَتْ أمامَنا مائدةٌ من ذهب، فقلت: لا آكل عليها، فوُضعَتْ أمامي مائدة من خَلَنْج (٣)، ومالُوا علينا بالحارّ والبارد؛ في صحاف الذهب والفضة، ودارت الخمرُ، فاستعفَيتُ منها، وغسلَ يدَه في طَسْت من ذهب، وأشارَ إلى وصيف آخر، فولَّى، فما كان بأسرعَ من أن أقْبَلَت عَشْرُ جَوَارٍ، فقعدَ خمسٌ عن يمينه وخمس على يساره [على كراسي الذهب]، وأقبلَتْ جارية؛ في يدها اليمنى جامٌ من ذهب فيه طائر أبيض، وفي الجام مسكٌ وعنبر سحيقان، وفي يدها اليسرى جامٌ آخر (٤) لم أرَ مثلَه، [فنقرتِ الطائر] فتقلَّبَ في الجام، ثم انتقل إلى الجام الآخر، ثم طار فسقط على صليب في تاج جَبَلَة، ثم حرَّك جناحيه، فنثر المسكَ على رأس جَبَلَة ولحيتِه، ثم شرب

стр. 3294

أقداحًا، واستهلَّ واستَبْشَر. ثم قال للجواري: أطرِبْنَني. فخفقنَ بعيدانهنَّ وانْدَفَعنَ يُغنِّين [هذه الأبيات، وهي لحسان بن ثابت]: للهِ دَرُّ عصابةٍ نادمتُها … يومًا بجِلِّقَ (١) في الزَّمانِ الأوَّلِ الأبيات [وقد ذكرناها في ترجمة حسان]. فطربَ جَبَلَةُ وقال: هذا الشعر لحسان؛ قاله فينا. فقلتُ: أَمَا إنه لشيخٌ كبيرٌ ضرير. ثم قال: أَطْرِبْنني، فقلن: لِمَنِ الدارُ أقْفَرَتْ بمَعانِ … بين أعلى اليرموكِ والصَّمَّانِ (٢) ذاك مغنًى لآل جَفْنَةَ في الدَّهْـ … ــر محاة (٣) تعاقبُ الأزْمانِ فقال: وهذا أيضًا لحسان. ثم قال للجواري: أبْكِينَني. فوضعن عِيدانَهنَ، ونكَسْنَ رؤوسهن، وقُلنَ: تَنَصَّرتِ الأشراف عارِ لَطْمَةٍ … ولو صَبَرَتْ ما كان يومًا لها ضَرر (٤) تكنَّفني فيها لَجاجٌ ونخوةٌ … وسمعتُ بها العينَ الصحيحة بالعَوَر فيا ليتَ أمِّي لم تَلِدني وليتَني … رجَعتُ إلى القولِ الذي قاله عُمر ويا ليتني أرعى المخاضَ بقفْرةٍ … وكنت أسيرًا في ربيعةَ أو مضَرْ ويا ليتَ لي بالشام أدنى معيشةٍ … أُجالسُ قومي ذاهبَ السمعِ والبَصرْ أَدِينُ بما دانوا به من شريعةٍ … وقد يصبرُ العُودُ الكبير على الضَرَر وانصرف الجواري، ووضع كُمَّه على وجهه وبكى حتى نظرتُ إلى دموعه تجولُ على خدَّيه كأنها اللؤلؤ الرطب، وبكيتُ معه حتى رحمتُه. ثم قال: يا جارية، هاتي خمس مئة دينار هِرَقْلية. فجاءت بها، فقال: ادفَعها إلى حسان، وأَقْرِئْه مني السلامَ. ثم

стр. 3295

قال: هاتي مثلَها. فجاءته بها، فقال: خُذْها لك صِلةً. فقلتُ: لا واللهِ لا أقبل صِلَةَ رجلٍ ارتدَّ عن الإسلام. فقال: اقرأ على عمر مني السلام. قال: فلما قفلتُ دخلتُ على عمر، وذكرتُ له ذلك، فقال: قاتلَه الله، باع باقيًا بفانٍ. وقال ابن سعد: إن رسول الله ﷺ عند رجوعه (١) من الحديبية كاتبَ الملوكَ، وكتبَ إلى جَبَلَة بنِ الأَيْهم ملكِ غسان يدعُوه إلى الإسلام، فأسلمَ، وكتبَ بإسلامه إلى رسول الله ﷺ ، وأهدى له هدية. ثم لم يزل [مسلمًا] إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁، فبينما هو يسيرُ في سوق دمشق؛ إذْ وَطِئَ رجلًا من مُزَينة، فوثَبَ المُزَنيُّ فلطمه، فأخذَه وانطلقَ به إلى أبي عبيدةَ بنِ الجرَّاح، فقالوا: هذا لطمَ جَبَلَةَ. قال: فلْيَلْطمه. قالوا: وما يُقتل؟ قال: لا. قالوا: فما تُقطع يدُه؟ قال: لا، إنَّما أَمرَ الله بالقَوَد. قال جبلة: أتُرَوْن أني جاعلٌ وجهي نِدًّا لوجهِ جَدْيٍ جاء من عَمْق (٢)! بئس الدينُ هذا. ثم ارتدَّ نصرانيًّا، ورحَلَ بقومه حتى دخلَ أرضَ الروم. وبلغ عمرَ، فشقَّ عليه، وقال لحسان بن ثابت: يا أبا الوليد، أما علمتَ أنَّ صديقكَ جَبَلَةَ بنَ الأيهم ارتدَّ نصرانيا؟ فاسترجع حسان وقال: ولِمَ؟ قال: لطَمَه رجلٌ من مُزَينَة. قال: حُق له. فقام إليه عمر، فلطَمَه بالدَّرَّة. وقال عبد الله بن مَسْعَدَة: بعثني معاوية إلى ملك الروم، فدخلتُ عليه، وإذا عندَه رجلٌ على سريرٍ من ذهب، فكلَّمني، فقلت: مَنْ أنتَ؟ فقال: رجل غلبَ عليه الشقاء، أنا جَبَلَةُ بن الأَيهم الغسَّانئ، إذا صِرتَ إلى منزلي فَالْقَنِي. قال: فأتيتُه، فقال: أتُرَى
следующие страницы →