← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

[وقال الأصمعي:] وفيها وقع طاعون بالكوفة، فمات فيه زياد. وحجَّ بالناس سعيد بنُ العاص [بالاتفاق]، وكان هو العاملَ على المدينة، وعلى الكوفة بعد زياد عبدُ الله بنُ خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سَمُرةُ بنُ جُنْدُب، وعلى خُراسان خُليد بنُ عبد الله الحنفيّ (١). وفيها توفي جَبَلَة بن الأيهم الغسَّاني [ملك غسَّان بالشام]، واختلفت الروايات فيه: فقيل (٢): إن رسول الله ﷺ كتبَ إليه يَدعُوه إلى الإسلام. [وقيل: إنما كتب إلى الحارث بن أبي شمر على يد شجاع بن وهب، وقد ذكرناه في السيرة]. [وقال هشام: أسلَمَ جَبَلة] (٣) وأَهْدَى إلى رسول ﷺ هديَّة. [وكذا قال ابن سعد]. وقيل: أقام على دينه إلى أيام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ثم أوقعَ الله الإسلامَ في قلبه، فأسلمَ، وقدِمَ على عمر رضوان الله عليه، ثم ارتدَّ. روى هشام (٤) بن محمد الكلبيّ عن أبيه قال: ذُكر لنا أنه لَمَّا أسلَمَ جَبَلَةُ بنُ الأَيهم الغسَّاني في خلافة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه؛ كتب [إلى] عمر يخبره بإسلامه ويستأذنُه في القدوم عليه، فسُرَّ عمرُ بذلك، وأَذِنَ له، فخرج [في خمسين ومئتين من أهل بيته، وفي رواية:] في خمس مئة من أهل بيته، حتى إذا قاربَ المدينةَ؛ عَمَدَ إلى

стр. 3292

أصحابه، فحملَهم على الخيل العِتاق، وقلَّدَها أواقَ الذهب والفضة، وألبسَهم الدِّيباجَ وسَرَقَ الحريرِ (١)، ووضعَ على رأسه تاجَه، وكان فيه قُرْطا مارية، وهي جدَّتُه، فلم تبق بِكْرٌ ولا عانِسٌ إلا وخرجت تنظُرُ إليه وإلى زِيِّه. فلما دخلَ على عمر رحَّب به، وأدنى مجلسَه، وأقامَ بالمدينة مكرَّمًا. فجاء أوانُ الحجّ، فخرج عمرُ حاجًّا وخرج معه، فبينا هو يطوفُ بالبيت، إذْ وَطِئَ رجلٌ من فَزَارة إزارَه من خلفه فانحل، فعرفعَ جَبَلَةُ يدَه فلطمَ الفَزَاريَّ، فهشَمَ أنفَه، فاستعدَى الفَزاريُّ عليه عمرَ، فقال عمر لجَبَلَة: لِمَ هشمتَ أنفَه؟ قال: اعتمدَ حَلَّ إزاري، ولولا حُرْمةُ البيت (٢) لضربتُ وجهه بالسيف. فقال له: أمَّا أنتَ فقد أقررتَ، فإما أن تُرضيَه؛ وإلا أقدتُه منك، فقال: أوَخُطْرٌ هو لي (٣)؟ قال: نعم. قال: وكيف، وأنا ملكٌ وهو سُوقَة (٤)؟! فقال عمر: الإسلام قد جمعكما. قال جَبَلَة: واللهِ لقد ظننت أن أكونَ في الإسلام أعزَّ منِّي في الجاهلية! فقال [عمر:] هو ما ترى. فقال جَبَلَة: فإذًا أتنصَّر. فقال عمر: أقتُلُكَ لأنك قد أسلمتَ. فقال: أمهِلْني الليلة حتى أنظر. فأمهله. فلمَّا كان في الليل تحمَّلَ هو وأصحابُه إلى الشام على طريق الساحل، حتى دخل القسطنطينية، فتنصَّر هو وقومُه، فسُرَّ به هِرَقْل، وأقطعَه ما شاء، وزوَّجَه ابنتَه، وقاسمه مُلكَه، وجعلَه من سمَّاره، وأقام مدَّة. ثم إن عمر كتب كتابًا إلى هِرَقْل في أمر يَخصُّ (٥) المسلمين، وبعث به إلى جَثَّامَةَ بن مُساحِق الكِنانيّ إليه (٦). فلما قَدِمَ الرسولُ على هِرَقْل؛ أجابَ بما أَرادَ عمر، فلما عزمَ الرسولُ على الرجوع قال له هرقل: لقيتَ جَبَلَةَ ابنَ عمِّك؟ قال: لا. قال: فالْقَهْ.

стр. 3293

قال: فأتيتُ بابَ جَبَلَة، فرأيتُ عليه من البهجة والخَدَم ما لم أره على باب الملك، فاستأذنتُ عليه، فأذِنَ لي، فلما دخلتُ عليه؛ قامَ فاعتَنَقَني، وعاتبَني في ترك النزول عليه، وإذا به في بَهْوٍ عظيم على سريرِ من ذهب، وحولَه من التماثيل ما لا أُحسنُ أن أصفَه، وإذا هو أصهبُ ذو سِبال (١) وقد ذَرَّ الذهبَ في لحيته، ثم أمرَني أن أجلس على كرسي من ذهب، فأبَيتُ وقلت: إنَّ رسولَ الله ﷺ نهانا أن نجلس على مثل هذا. ثمَّ سألني عن عُمر وعن المسلمين، وألطفَ في المسألة وألْحَفَ في السؤال، وأظهرَ على وجهه أثر الحزن. قلت: فما يمنعُك من الرجوع إلى الإسلام؟ فقال: هيهات هيهات بعد الذي كان. قلت: نعم، قد ارتدَّ الأشعثُ بنُ قيس وجالدَهم بالسيوف، ومنعَ الزكاة، ثم عاد إلى الإسلام، وزوَّجَه أبو بكر أختَه. فقال: دَعْ عنك هذا، وأومأ إلى وصيف كان على رأسه، فولَّى وحضر (٢)، فما شعرنا [إلا] بالصناديق تُحمل على أعناق الرِّجال، ووُضعَتْ أمامَنا مائدةٌ من ذهب، فقلت: لا آكل عليها، فوُضعَتْ أمامي مائدة من خَلَنْج (٣)، ومالُوا علينا بالحارّ والبارد؛ في صحاف الذهب والفضة، ودارت الخمرُ، فاستعفَيتُ منها، وغسلَ يدَه في طَسْت من ذهب، وأشارَ إلى وصيف آخر، فولَّى، فما كان بأسرعَ من أن أقْبَلَت عَشْرُ جَوَارٍ، فقعدَ خمسٌ عن يمينه وخمس على يساره [على كراسي الذهب]، وأقبلَتْ جارية؛ في يدها اليمنى جامٌ من ذهب فيه طائر أبيض، وفي الجام مسكٌ وعنبر سحيقان، وفي يدها اليسرى جامٌ آخر (٤) لم أرَ مثلَه، [فنقرتِ الطائر] فتقلَّبَ في الجام، ثم انتقل إلى الجام الآخر، ثم طار فسقط على صليب في تاج جَبَلَة، ثم حرَّك جناحيه، فنثر المسكَ على رأس جَبَلَة ولحيتِه، ثم شرب

стр. 3294

أقداحًا، واستهلَّ واستَبْشَر. ثم قال للجواري: أطرِبْنَني. فخفقنَ بعيدانهنَّ وانْدَفَعنَ يُغنِّين [هذه الأبيات، وهي لحسان بن ثابت]: للهِ دَرُّ عصابةٍ نادمتُها … يومًا بجِلِّقَ (١) في الزَّمانِ الأوَّلِ الأبيات [وقد ذكرناها في ترجمة حسان]. فطربَ جَبَلَةُ وقال: هذا الشعر لحسان؛ قاله فينا. فقلتُ: أَمَا إنه لشيخٌ كبيرٌ ضرير. ثم قال: أَطْرِبْنني، فقلن: لِمَنِ الدارُ أقْفَرَتْ بمَعانِ … بين أعلى اليرموكِ والصَّمَّانِ (٢) ذاك مغنًى لآل جَفْنَةَ في الدَّهْـ … ــر محاة (٣) تعاقبُ الأزْمانِ فقال: وهذا أيضًا لحسان. ثم قال للجواري: أبْكِينَني. فوضعن عِيدانَهنَ، ونكَسْنَ رؤوسهن، وقُلنَ: تَنَصَّرتِ الأشراف عارِ لَطْمَةٍ … ولو صَبَرَتْ ما كان يومًا لها ضَرر (٤) تكنَّفني فيها لَجاجٌ ونخوةٌ … وسمعتُ بها العينَ الصحيحة بالعَوَر فيا ليتَ أمِّي لم تَلِدني وليتَني … رجَعتُ إلى القولِ الذي قاله عُمر ويا ليتني أرعى المخاضَ بقفْرةٍ … وكنت أسيرًا في ربيعةَ أو مضَرْ ويا ليتَ لي بالشام أدنى معيشةٍ … أُجالسُ قومي ذاهبَ السمعِ والبَصرْ أَدِينُ بما دانوا به من شريعةٍ … وقد يصبرُ العُودُ الكبير على الضَرَر وانصرف الجواري، ووضع كُمَّه على وجهه وبكى حتى نظرتُ إلى دموعه تجولُ على خدَّيه كأنها اللؤلؤ الرطب، وبكيتُ معه حتى رحمتُه. ثم قال: يا جارية، هاتي خمس مئة دينار هِرَقْلية. فجاءت بها، فقال: ادفَعها إلى حسان، وأَقْرِئْه مني السلامَ. ثم

стр. 3295

قال: هاتي مثلَها. فجاءته بها، فقال: خُذْها لك صِلةً. فقلتُ: لا واللهِ لا أقبل صِلَةَ رجلٍ ارتدَّ عن الإسلام. فقال: اقرأ على عمر مني السلام. قال: فلما قفلتُ دخلتُ على عمر، وذكرتُ له ذلك، فقال: قاتلَه الله، باع باقيًا بفانٍ. وقال ابن سعد: إن رسول الله ﷺ عند رجوعه (١) من الحديبية كاتبَ الملوكَ، وكتبَ إلى جَبَلَة بنِ الأَيْهم ملكِ غسان يدعُوه إلى الإسلام، فأسلمَ، وكتبَ بإسلامه إلى رسول الله ﷺ ، وأهدى له هدية. ثم لم يزل [مسلمًا] إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁، فبينما هو يسيرُ في سوق دمشق؛ إذْ وَطِئَ رجلًا من مُزَينة، فوثَبَ المُزَنيُّ فلطمه، فأخذَه وانطلقَ به إلى أبي عبيدةَ بنِ الجرَّاح، فقالوا: هذا لطمَ جَبَلَةَ. قال: فلْيَلْطمه. قالوا: وما يُقتل؟ قال: لا. قالوا: فما تُقطع يدُه؟ قال: لا، إنَّما أَمرَ الله بالقَوَد. قال جبلة: أتُرَوْن أني جاعلٌ وجهي نِدًّا لوجهِ جَدْيٍ جاء من عَمْق (٢)! بئس الدينُ هذا. ثم ارتدَّ نصرانيًّا، ورحَلَ بقومه حتى دخلَ أرضَ الروم. وبلغ عمرَ، فشقَّ عليه، وقال لحسان بن ثابت: يا أبا الوليد، أما علمتَ أنَّ صديقكَ جَبَلَةَ بنَ الأيهم ارتدَّ نصرانيا؟ فاسترجع حسان وقال: ولِمَ؟ قال: لطَمَه رجلٌ من مُزَينَة. قال: حُق له. فقام إليه عمر، فلطَمَه بالدَّرَّة. وقال عبد الله بن مَسْعَدَة: بعثني معاوية إلى ملك الروم، فدخلتُ عليه، وإذا عندَه رجلٌ على سريرٍ من ذهب، فكلَّمني، فقلت: مَنْ أنتَ؟ فقال: رجل غلبَ عليه الشقاء، أنا جَبَلَةُ بن الأَيهم الغسَّانئ، إذا صِرتَ إلى منزلي فَالْقَنِي. قال: فأتيتُه، فقال: أتُرَى

стр. 3296

صاحبَك يفي لي إنْ أتيتُه -أو خرجتُ إليه-؟ قلت: اشتَرِطْ ما شئت. قال: يُقْطِعُني الثَّنيَّة (١)، فإنها كانت منازلَنا، وعشرين قرية من قرى الغوطة، ويُحسنُ جوارنا (٢)، ويفرض لجماعتنا. قال: فلما قدمتُ على معاوية؛ أخبرته، فكتبَ إليه يجيبه إلى ما سأل، فأدركَه الرسولُ قد مات. قال ابن عساكر: الذي لطمَ جَبَلَةَ رجلٌ من جُهينة، فلطمه الجُهني (٣)، فجاء إلى عمر فقال: اقتُلْه. فقال: ليس هذا في ديننا. فخرجَ جَبَلَة إلى الشام، وخرج معه أربعون ألفًا من غسان إلى الروم، وكان عمر إذا رأى الجُهنيّ قال: هذا أشأمُ العرب على العرب. وقال الشعبيّ (٤): إن معاوية بعث [ابن] بشر بن البراء بن معرور إلى ملك الروم، فقال له ملك الروم: هل لك في رجلٍ يُحبُّ أن يراك؟ قال: مَنْ هُو؟ قال: جَبَلَة بن الأيهم. [قال:] فأتيتُه، فإذا هو في قصر من رُخام .. وذكر بمعنى ما تقدم، ثم قال: إنْ زوَّجَني معاويةُ ابنتَه، وجعل الأمر إليَّ بعدَه، رجعتُ إلى الإسلام. فلما قدمتُ على معاوية أخبرته، فقال: ارجع إليه وقل له: نعم. قال: [فرجعتُ] فإذا بجنازته يتبعها القِسِّيسون والرّهبان، فقلت: مَنْ هذا؟ فقالوا: جَبَلَة. فرجعتُ إلى معاويةَ، فأخبرتُه وقلتُ: أكنتَ تُجيبُه إلى ما سأل؟ فقال: لا ولا كرامة، وما عليَّ أنْ أستَنْقِذَه من الشِّرْك. [قلتُ: ثم ذكر ابنُ عساكر في "تاريخه" وقال: الرسول الذي بعثه معاوية إلى ملك الروم ابنُ بشر بن البراء بن معرور الأنصاري الذي أكلَ أبوه بِشْرٌ مع رسول الله ﷺ من الشاة المسمومة بخيبر ومات.

стр. 3297

قال ابنُ عساكر: ولم يُعرف لابن بشر اسمٌ. ولهذا ذكره في المنسوبين [إلى] آبائهم دون أسمائهم. ثم ذكر ابن عساكر في باب التاء، وقال: اسمُ ابن بشر بن البراء تميمُ بنُ بشر. وساق الحديث بمعناه]. وقال الكلبيّ: حاصر المسلمون مدينة من مدائن الروم وكان جبلةُ فيها، فاطَّلَعَ عليهم وقال: أفيكُم أحدٌ من أهل المدينة من الأنصار؟ قال رجل: نعم، أنا. قال: فما فعل حسان بن ثابت؟ قال: تركتُه وقد كُفَّ بصرُه. فرمى بصُرَّةٍ فيها ألفُ دينار وقال: احمِلْها إليه، فإنْ وجدتَه حيًّا فأَقْرِئْه مني السلام، وادفعها إليه، وإنْ كان مات، فانْثرها على قبره. [قال:] فقدمَ الرجلُ المدينة، فأتى حسَّانًا فقال له: إني لأَجدُ منك رِيحَ آلِ جَفْنَة. فأخبرَه الخبرَ، فقال حسان: وَددتُ أنك وجدتَني ميِّتًا فكنتَ تنثُرها على قبري. وأعطاه نصفها. [وذكر الواقدي في كتاب "الصوائف" أن جَبَلَة بن الأيهم لم يُسلم قطّ، وإنما سأل عمرَ أن لا يأخذ منه الجزية، ويقبلَ الصدقة، فلم يُجِبْه عمر، فلحق بالروم. وهو وهمٌ من الواقدي لما ذكرنا من قصته عن أرباب السِّيَر واشتهارها]. الربيع بن زياد الحارثي، عامل زياد على خُراسان، وأقام واليًا سنتين وأشهرًا، ففتحَ فتوحاتٍ كثيرةٍ، وكان صالحًا مُجابَ الدعوة. ذكرَ الربيعُ مقتلَ حُجْر بن عديّ، فقال: لا تزال العربُ تَقتُلُ صبرًا بعدَه، ولو نَفَرَتْ عند قتلِه ما قُتِل بعدَه أحد، ولكنَّها ذَلَّتْ فقتلت (١). ثم صَعِدَ المنبر، فقال: أيها الناس (٢)، إنِّي قد مَلِلْتُ (٣) الحياةَ، وإني داعٍ بدعوةٍ فأمِّنوا. ثمَّ رفعَ يديه وقال: اللهمَّ إن كان في عندَك خير؛ فاقْبِضْني إليك عاجلًا. وأمَّنَ

стр. 3298

الناسُ، ثم نزل، فدخلَ بيتَه فسقطَ فماتَ من يومه، فاستُخلف ابنُه عبد الله بن الربيع، فأقام شهرين، وماتَ عبدُ الله، فقُدم بعهده وهو يُدفن، فاستُخلفَ على خُراسان خُليد بن عبد الله الحنفي، فأقرَّه زياد حتى مات زياد. رُويفع بن ثابت ابن السَّكَن الأنصاري، له صحبة، وشهد فتح مصر واختطَّ بها، وكان فارسًا جَوادًا، وله في المغرب فتوحٌ كثيرة. وكان قد ولَّاه مَسْلَمة بن مُخَلَّد (١) الأنصاري أميرُ مصر بَرْقَةَ وتلك النواحي، فماتَ ببَرقَةَ وهو والٍ عليها (٢). أسند الحديثَ عن رسول الله ﷺ . [وليس في الصحابة من اسمُه رُويفع غيره. وأخرج له أحمد في "المسند" ستة أحاديث، وليس له في "الصحيح" شيء. ومن مسانيده حديث حُنين (٣)؛ قال أحمد بإسناده عن رُويفع بن ثابت الأنصاري قال: كنتُ مع النبيّ ﷺ حين افتتح حُنينًا، فقام فينا خطيبًا فقال: "لا يحلُّ لامرئ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يَسقيَ ماءَهْ زَرعَ غيره". أشار إلى الحَبالى من السَّبايا. وأخرجه عنه أحمد في "المسند" أيضًا (٤): نهى رسولُ الله ﷺ أن تُوطأَ الأمةُ حتى تحيضَ، وعن الحَبالى حتى يَضَعنَ]. زياد بن أبيه كنيتُه أبو المغيرة.

стр. 3299

[قال البلاذُري:] وُلد على فراش عُبيد بن أسيد بن علاج الثقفي (١)، وكان عبدًا روميًّا للحارث بن كَلَدة، زَوَّجَه سميةَ جاريتَه. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، [قال:] ولم يكن من القراء، ولا من الفقهاء، ولكنه معروف، وكان كاتبًا لأبي موسى الأشعري (٢). وكان يقال له: زياد بن أبيه، وبعضهم يقول: زياد بن أبي سفيان، وبعضهم يقول: زياد الأمير. وكان أحمر اللون، في عينه اليمنى انكسار. [وحكى عبد الله بن أحمد بإسناده عن جرير بن يزيد قال:] (٣) رأيتُ زيادًا أبيض الرأس واللحية، عليه قميص مرقوع، وهو على بغلة عليها لجامُها قد أرسَنَها، أي: ألْقَى رَسَنَها على عنقها، ومعه رجلان. [ذكر مولده قال ابن عبد البَرّ: قد اختلف في مولده، فقيل:] (٤) وُلد عامَ الفتح بالطائف، وقيل: عام الهجرة، وقيل: قبل الهجرة، وقيل: يوم بدر. وليست له صحبة ولا رواية. ولم يرَ رسولَ الله ﷺ ، بل أسلم في زمن أبي بكر رضوان الله عليه. وقال الطبري: إن زيادًا والمختار بن [أبي] عُبيد وُلدا سنةَ إحدى من الهجرة (٥).

стр. 3300

ذِكرُ طرف من أخبارِه: قال الواقديّ: كان وَلَدُ سُمَيَّةَ ثلاثة: زياد، ونُفَيْع (١)، ونافع، فكان نسبُ زيادٍ في قريش، ونسبُ أبي بَكْرَةَ في العرب، ونافع في الموالي، فقال فيهم يزيد بنُ مُفَرِّغ: إن زيادًا ونافعًا وأبا … بَكرَةَ عندي مِنْ أعجَبِ العَجَبِ إنَّ رجالًا ثلاثةً خُلِقُوا … في رَحِمِ أُنثى مُخالفي النَّسَبِ (٢) ذا قُرَشيٌّ فيما يقولُ وذا … مولًى وهذا ابنُ عَمِّه (٣) عربي وقال بعض العراقيين في أبي شهر (٤) الكاتب: حمارٌ في الكتابةِ يَدَّعِيها … كدَعوَى آلِ حربٍ في زيادَ فَدَع عنك الكتابةَ لَسْتَ منها … ولو سَوَّدتَ (٥) وَجْهكَ بالمِدادِ [وقد غلط أبو اليقظان فقال: أمُّ زياد أسماء بنت الأعور، من بني عبد شمس، وهو غلط فاحش؛ لإجماع الرواة على أنها سُميَّة، ولم يوافقه على هذا القول أحد] (٦). وقال البَلاذُرِيّ: لَمَّا خرجَ زياد مع إخوته نُفَيْعٍ ونافعٍ وأزْدَةَ زوجةِ عتبةَ بنِ غَزْوان؛ لم يكن مع عُتبة كاتب (٧)، فَوَلَّى زيادا كتابةَ الغنائم وقَسْمَها، وأمرَه أنْ يكتبَ إلى عُمَر بنِ الخطاب ﷺ كتابًا بالفتح، وكان لزيادٍ عبارة وفَهْمٌ وذكاء، فكتبَ إليه كتابًا، فأعجَبَه. ثم وَلَّى عمرُ البصرةَ المغيرةَ بنَ شعبة بعد عُتبةَ بنِ غَزوان، فكان زياد يكتُبُ له.

стр. 3301

ثم كتبَ لأبي موسى لَمَّا ولَّاه عمرُ بنُ الخطاب ﵁ على البصرة، وخرج أبو موسى غازيًا، فاستخلفَ زيادًا على البصرة، وبلغَ عمرَ رضوان الله عليه، فكتبَ إلى أبي موسى: استخلفْتَ على البصرة مَنْ لا صحبةَ له ولا هجرة ولا تجربة، أشْخِصه إليّ. فأشخصَه إليه، فلما دخلَ على عمر -رضوان الله عليه- تكلَّم، فأعجبَه كلامُه وعقلُه، فأمرَ له بألف درهم، وردَّه إلى البصرة، اشترى بالألف أباه عُبيدًا فأعتقَه (١). وبلغ عمر ﵁ فقال: نِعمَ الألفُ ألْفُه. قال أبو عثمان النَّهْديّ: وكنَّا نغبطه بذلك (٢). وقال ابن عساكر (٣): فُتق فَتْقٌ في زمن عُمر ﵁، فبعثَ زيادًا فرتَقَه، وانصرفَ محمودًا مشكورًا، فدخل على عُمر وعنده المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يُسمع بمثلها حُسنًا، فقال عمرو بن العاص: هذا الغلام لو كان أبوه قُرشيًّا لساقَ العرب بعصاه. وكان أبو سفيان حاضرًا في المجلس، فقال: والله إني لأعرفُ أباه ومن وضعَه في رَحِمِ أمِّه، فقال له عليّ: يا أبا سفيان اسكُتْ، فواللهِ لو سمعَك عُمر لأسرعَ إليك بالشّرّ. فقال له أبو سفيان: أما واللهِ لولا خَوْفُ شخصٍ … يرانا يا عليُّ من الأعادي لأظهرَ أمرَه صَخْرُ بنُ حَربٍ … ولم تكنِ المقالةُ عن زيادِ فقد طالتْ مجانبتي ثَقِيفًا … وتركي عندهم عرضًا فؤادي (٤) قولُ أبي سفيانَ هذا حملَ معاويةَ على أنَّه ادَّعى زيادًا (٥). [وقال هشام: إنما بعثه أبو موسى بكتاب فتحٍ، فقال له عمر: قم فاقرأه على المنبر، فقرأه، فأعجبَ الناس، وكان أبو سفيان جالسًا إلى جنب علي بن أبي طالب، فقال له:

стр. 3302

يا أبا الحسن، أنا -واللهِ- قذفتُه في رَجِم سميَّة بالطائف. قال: فما بالك لا تعترف به؟ فقال: أخشى دِرَّة هذا القاعد أن يفسد عليّ إهابي. يعني عمر] (١). واشترى زياد (٢) أُمَّه سُميَّة بألف درهم فأَعتقَها كما فعل بأبيه. [قال البلاذري:] ولما استولى عليٌّ ﵁ على البصرة واستعمل عليها ابنَ عباس، استكتَبَ [ابنُ عباس] زيادًا، وأقام حتى توجَّه ابنُ عباس إلى مكة مُراغِمًا لعليّ، فولَّاه عليّ على فارس، وكان من أخصِّ أصحابه (٣). [فلما قُتل أميرُ المؤمنين بعث معاويةُ المغيرةَ بن شعبة إلى زياد، فخدعه حتى صالح معاوية. وقد ذكرناه]. وقال الواقدي: كتبَ زياد لعتبة بن غَزْوان، ثم للمغيرة، ثم لأبي موسى، ثم لابن عامر. وهو أوَّلُ من ضربَ الدنانير والدراهم (٤)، ونقشَ عليها اسم الله تعالى، ومَحَا عنها اسمَ الروم ونقوشَهم. وهو أوَّلُ من ابتدعَ تركَ السلام على القادم بحضرة السلطان؛ قَدِمَ ابنُ عباس على معاوية وهو بدمشق وعنده زياد، فلم يسلِّم عليه ولا كلَّمه، فقال له: يا زياد، ما منعكَ من السلام عليَّ؟ قال: لا نُسلِّمُ على قادم بين يدي أمير المؤمنين. قال ابن عباس: ومن سنَّ ترك التحية عند أمرائهم؟ لقد ابتدَعتَ وخالفْتَ السنَّةَ، قد كان بعضُنا يسلِّم على بعض بحضرة أبي بكر وعثمان وعمر، وإنما هذه بدعة ابتدعتُموها أنتم. فقال معاوية لزياد: دَع عنك ابنَ عباس، فإنه لا يُجارَى ولا يمارَى (٥).

стр. 3303

وزياد أوَّل من جُمع له العِراقان (١)، وخُراسان، وسِجِسْتان، والبحرين، وعُمان، وإنما كانت البحرين وعُمان إلى ولاة الحجاز. وهو أوَّلُ مَنْ عرَّف العُرفاء، ورتَّبَ النُّقباء (٢)، ومشى الأعوان بين يديه (٣)، ووضعَ الكراسي (٤)، وربَّع الأرباع بالكوفة والبصرة، وخمَّس الأخماس (٥)، وبلغ المُقاتِلة بالبصرة ثمانين ألفًا، وبالكوفة ستين ألفًا، وبالذِّرِّيَّةِ في العطاء مئة وعشرين ألفًا. وكان في مجلسه مكتوب: الشدَّةُ من غير عُنْف (٦)، واللِّينُ من غيرِ ضعف، والمحسنُ يُجازَى بإحسانه، والمسيءُ يُعاقَب على إساءته. [وقال الشعبيّ:] وهو أول من قرأ [بالكوفة] بالمُعَوِّذَتَين (٧). [وقال العُتبيّ:] وقال زياد لحاجبه (٨): إنما يكون إذْنُك للناس عليَّ على قَدرِ البيوتات، ثم على قَدر الأسنان، ثم على قَدر الآداب. قال: فمن أجعلُ أخيرًا؟ قال: هؤلاء الذين لا يعبأُ الله بهم. قال: ومَنْ هُم؟ قال: الذين يلبسون كسوةَ الشتاء في الصيف، وكسوةَ الصيفِ في الشتاء (٩). وقال لحاجبه: قد ولَّيتُك حِجابتي وعزلتُك عن أربع؛ هذا المنادي [إلى الله] للصلاح (١٠) والفلاح؛ لا سلطان لكَ عليه، وطارقُ الليل لا تَحجُبْهُ، فَشَرٌّ (١١) ما جاء

стр. 3304

به، ولو كان خيرًا ما طرق في تلك الساعة، ورسول الثُّغور؛ فإنه إنْ أبطأَ ساعةً فسدَ عملُ (١) سنة، وصاحب الطعام؛ فإنه متى أُعيد تسخينُه فَسَدَ. وقال زياد: كفى بالبخل عارًا أنَّ اسمَه لم يقع في مَنح قطّ، وكفى بالجُود مَجْدًا أنَّ اسمه لم يقع في ذمٍّ قطّ (٢). [وقال الأصمعيّ:] ونظر [زياد] إلى رجلٍ من ضَبَّةَ يأكلُ أكلًا شنيعًا، وكان قبيحَ المنظر، فقال له: يا أخا (٣) ضئة، كم عيالُك؟ قال: سبع بنات؛ أنا أجملُهنَّ، وهنَّ آكلُ منِّي. فضحك زياد وقال: لله دَرُّه، ما ألطفَ سؤاله! افرِضُوا لكلِّ واحدةٍ من بناته مئة وخادمًا، وعجِّلُوا له ولهنَّ أرزاقهنَّ. فخرجَ الصبيُّ وهو يقول: إذا كنتَ مرتاد (٤) السماحة والنَّدَى … فبادِر زيادًا أو أخًا لزيادَ ترى امرَأ (٥) يعطي على الحمدِ ماله … إذا ضَنَّ بالمعروفِ كل جَوادِ وما ليَ لا أُثْنِي عليه وإنَّما … طَرِيفيَ من معروفه وتِلادي [وقال الأصمعي:] وكان زياد يُقعدُ شُرَيح القاضي إلى جانبه ويقول له: إن حكمتُ بغير الحقّ فلا تُمكِّنِّي، وإنْ حكمتُ بشيء وغيرُه أقربُ إلى الحقّ منه فأعلمني (٦). فكان زياد يحكمُ ولا يردّ عليه شُريح شيئًا (٧). وسأل عبدُ الملك بنُ مروان عبَّادَ بنَ زياد، فقال: أين سِيرةُ الحجَّاج من سِيرةِ زياد؟ فقال له عبَّاد: زياد قَدِمَ العراقَ [وهي جمرة تشتعل، فسلَّ أحقادَهم، وداوى أدواءَهم،

стр. 3305

وضبط أهلَ العراق] بأهلِ العراق، والحجاجُ قَدِمَها فكسرَ خَراجَها، وأفسدَ قلوبَ أهلِها، وأباد فُضلاءها، وإنَّما ضبط العراقَ بأهل الشام، ولو رامَ الحجَّاجُ منهم ما رام زياد؛ لم يَفْجأكَ إلا وهو على قَعُودٍ يرجف به (١). وعرض زيادٌ لرجل من الشيعة، فكتبَ إليه الحسنُ بنُ علي ﵉: من الحَسَنِ بنِ علي إلى زياد، أمَّا بعد؛ فارفَع يدَك عن فلان. فغضب زياد حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان، وكونِه قَدَّمَ اسمَه على اسم زياد، فكتب إليه: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن، أمَّا بعد، فإنك كتبتَ إليَّ في فاسق (٢)، وايمُ الله، لأطلُبَنَّه [ولو] بين جلدك ولحمك، وإنَّ أحبَّ لحمٍ إليَّ آكُلُهُ لحمٌ أنتَ منه. فقال الحسن ﵇: لعن الله ابنَ سُمَيَّة. وبعث بكتابه إلى معاوية وقال له: أنت جرّأتَ ابنَ سُمَيَّة الدّعيّ على الناس. فكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فإنَّ لك رأيين: أحدُهما من أبي سفيان، والثاني من سُمَيَّة، فالذي من أبي سفيان حَزْمٌ وحِلْم وعزم، والذي من سُميَّة فكما (٣) يكون رأي مثلها، تكتبُ إلى الحسن مثلَ هذا الكتاب ولا تَنْسِبُه لا إلى أبيه ولا إلى أمِّه! لا أمَّ لك، أمَّا هو ابنُ فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ؟! قد حَجَزْناك عن أشياعه، لا سبيل لك عليهم بعد اليوم، والسلام (٤). وسأل مُرَّةُ (٥) -صاحبُ نهر مُرَّة- عبدَ الرحمن بنَ أبي بكر الصِّدِّيق ﵄ أن يكتبَ له كتابًا إلى زياد، فكتبَ له: من عبد الرحمن بن أبي بكر إلى زياد. ولم يَنْسُبْه إلى أبي سفيان، فقال له مُرَّةُ: إنْ ذهبتُ إليه [بهذا الكتاب] ضربَ عنقي.

стр. 3306

فأتَى عائشةَ ﵁، فكتَبَتْ له: من عائشةَ أمِّ المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان، فقال: اِقْرَاهُ على الناس. فقرأه، وقَضَى حوائجَه ووصلَه (١). وقال [العتبي عن] عجلان حاجبِ (٢) زياد: حصلَ لي في يوم واحد من زياد عشرون ألف دينار (٣) وألف سيف. [قيل: كيف ذلك؟]، قال: أعطى زيادٌ ألفَ رجل؛ كلَّ واحد مئتي دينار وسيفًا، فأعطاني كلُّ واحد منهم عشرةَ دنانير، وسيفَه. وقال زياد: ما هُجِيتُ (٤) بشعر أشدَّ عليَّ من قول القائل: فكِّرْ ففي ناك إنْ فكَّرتَ مُعتَبرٌ … هلْ نِلْتَ مَكْرُمةً إلا بتأمِيرِ عاشَتْ سُمَيَّةُ ما عاشَتْ وما عَلِمَتْ … أنَّ ابنَها من قريش في الجماهير (٥) أضْحَى زيادٌ مَلِيكًا بعد مهنتِهِ … لا يدفعُ الخلقُ محتومَ المقاديرِ (٦) وكتب زيادٌ إلى معاوية: إنَّ عبد الله بن عباس (٧) يُفسدُ عليَّ الناسَ، فإنْ أَذِنْتَ في تَوَعَّدتُه. فكتبَ إليه معاوية: إنَّ أبا الفضل وأبا سفيان كانا في الجاهلية في مِسْلاخ (٨) واحد، وذلك حِلْف لا يُفسدُه سوءُ رأيك. وكان زياد لا يُداعب أحدًا في مجلسه ولا يضحك، فاختصم إليه بنو راسب وبنو الطّفاوة في غلام، وأقام كلُّ واحد بيِّنة، فتوقَّف زياد في الحكم بينهم، فقال له حارثة بن بدر الغُدَاني: أَلْقِهِ في دِجْلة، فإنْ رسبَ، فهو لبني راسب، وإنْ طَفا فهو لبني

стр. 3307

طُفاوة. فغضب زياد (١) وقال: ما الذي جرَّأك على الدُّعابة في مجلسي، فقال: نادرة حضرَتْ، فخفتُ أن تَفُوتَني، فقال: لا تَعُد لمثلها. وكان زياد يعظِّم قَدرَ حارثة الغُدَاني. [وقال الأصمعي:] وكان [حارثة] مُولعًا بشرب الخمر؛ دخلَ يومًا على زياد وفي وجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: ركبتُ الأشقر، فَجَمَحَ بي. فقال: أما إنك لو ركبتَ الأشْهبَ ما عرضَ لك. فحارثةُ كنى عن النبيذ، وزياد كنى عن اللبن (٢). [وقال العُتبيّ: وكان حارثة شريفًا شاعرًا، فقيل لزياد: ليس هذا من شاكلتك، إنه مسور يشرب الخمر (٣)، ولا يَحْسُن بك أن تصحبه. فقال: كيف لا أصحبُ رجلًا ما سألتُه قطّ عن شيء إلا وجدتُ عنده علمًا منه، ولا مضى أمامي فاضطرني أن أُنادِيَه، ولا مشى (٤) خلفي فاضطرني أن ألتفت إليه، ولا ركب معي فمسَّتْ ركبتُه ركبتي. فلما وليَ عُبيد الله بن زياد البصرة بعد أبيه؛ اطَّرحَ حارثةَ وجفاه، فقال له حارثة: يا عُبيد الله، ما لك لا تُنزلُني المنزلة التي كان أبوك يُنزلُني إياها؟! فقال: إن أبي كان قد برع في الفضل بحيث أن لا يضرّه صحبة مثلك، وأنا حَدَث أخافُ أن تحرقني بنارك، فدع الشراب وكن أوَّلَ داخل عليّ وآخرَ خارج، فقال: أنا ما تركتُه لله، أتركُه لأجلك! قال: فاختر بلَدًا أو سُقْعًا أُولّيك إياه. فاختار سُقعًا من العراق يقال له: سُرَّق، فولّاه إيّاه، وسنذكره في سنة ست وتسعين. وقد رثى حارثة زيادًا] (٥). وكان زياد قد ضبطَ الأمور، فكان يقول: لو ضاعَ حَبْلٌ بيني وبين خُراسان لعرفتُ من أخَذَه (٦).

стр. 3308

و [قال العتبي] ملك العراقيين خمس سنين؛ لم يُغلَق لأحد من رعيَّته باب، وكان يقول: من أغلق بابَه ليلًا أو نهارًا قتلتُه (١). ونبش أقوامٌ قبرًا فدفَنَهم وهم بالحياة (٢). و [قال البلاذُري:] قدم [زياد] البصرة وبها سبع مئة ماخور، فهدمها (٣). وكانت بينه وبين أقوام أضغان، فاستوحشوا منه، فصَعِدَ المنبر وقال: قد كان بيني وبين أقوام منكم هَنات، وقد جعلتُها تحت قدمي، ألا وإنَّ القُدرة تُذهب الحفيظة، واللهِ لا هتَكْتُ سترًا، ولا كَشَفْتُ قِناعًا حتى يُبديَ في أحدٌ صفحتَه (٤). وكان بينه وبين الحسن شنآن (٥)، فولَّاه سِجِسْتان. و [قال المدائني:] أسلم زياد في كُتَّاب بالطائف وهو ابن خمس سنين عند جُبير بن حيَّة الثقفي [وكنيته أبو فرتنا] فحفظ له ذلك، فقدمَ عليه، فولَّاه أصبهان (٦). و [قال العتبي:] كان [زياد] يقول: لا يستكملُ المروءةَ مَنْ يُحْوِجُ (٧) أهلَه إلى غيره. وقدم زياد على معاوية، فقال له: ما بلغَ من سياستك لرعيتك؟ فقال: أقمتُهم بعد جَنَف، وكففتُهم عما يُعرف (٨)، فأذْعَنَ المعانِدُ رغبةً، وخضعَ الأَصْيَدُ (٩) الغَشوم رَهْبةً. قال: فبأيّ شيءٍ صيَّرتَهم إلى ذلك؟ قال: بالمُرهفات القَواضب (١٠)، يُمضِيها العزم

стр. 3309

يتبعُه الحزم (١). فقال معاوية: لكني ضبطتُ رعيَّتي بالحِلْم، وتَودّدتُ إلى ذوي الضّغَن بالبَذْل، وأسلمتُ (٢) العامَّة بأداء الحقوق، فسَلِمَتْ في الصدور، وانْقادَتْ صِعاب الأمور خاضعة. وقال زياد: اثنان يتعجَّلان النَّصَب، ولعلهما لا يظفران بِبُغْية: الحريصُ بحرصه، ومعلّم البليد ما لا يبلغُه فهمُه (٣). وقال زياد: ما كذبتُ إلا مرَّة واحدة؛ لقيتُ رجلًا فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى عبد الرحمن بن زياد (٤). فقلت له: ارجع وإلا قطعتُ منك عضوًا. فقال: أرجع. ثم لقيتُه بعد ذلك [فقلت: إلى أين؟]، فقال: إلى عبد الرحمن بن زياد. فقلت له: أما قلت لك كذا وكذا؟ فقال: لا صَبْرَ لي عنه، فافعل ما تشاء. فقلت: إن رجلًا طابَتْ نفسُه بقطع عضوٍ منه محبةً لعبد الرحمن؛ لأهل أن لا يُؤْذَى. ثم قلت له: امضِ إليه (٥). وكتبَ زياد إلى عمَّاله: أمِيطُوا الحدودَ عن ذَوي المروءات. وكتبَ إلى عاملِ له: اشترِ بعضَ دِينكَ ببعض، وإلا ذهبَ كلُّه. وكتبَ على قصة قوم شَكَوْا عاملَهم: مَنْ أَمالهُ الباطلُ قَوَّمَهُ الحقُّ. وكتبَ في قومٍ نَقَبُوا بيتًا: تُنْقَبُ ظُهورُهم. وكتبَ في قصَّة مُتَظَلِّم: الحقُّ يَسَعُك. وفي قصة جارح: الجُروح قِصاص. وكتبَ في قصَّة مُتَظَلِّم: كُفِيتَ. وكتبَ إليه رجل يشكو ولدَه، فكتب [إليه]: ربَّما كان عقوقُ الولدِ من سوء تأديب (٦) الوالد.

стр. 3310

و [قال أبو اليقظان:] كان معاوية قد جمع لزياد العراقيين سنة خمسين، وكان يَشْتُو بالبصرة، ويَصِيفُ بالكوفة، فيُقيم في كل مصرٍ ستةَ أشهر، فإذا خرج عن الكوفة (١) استنابَ عَمرو بنَ حُريث، وإذا خرجَ عن البصرة (٢) استخلفَ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُب، فيسفك الدماء (٣). وسنذكره إن شاء الله تعالى (٤). ولقي رجلٌ زيادًا فقال: أيُّها الأمير، إن أبينا (٥) مات، وإنَّ أخونا (٦) تعدَّى على ميراثنا فأخذَه، فقال زياد: لا رَحِمَ اللهُ أباك، ولا حَفِظَ أخاك، ولا أَحسَنَ الخلافةَ عليك، ولقد ضَيَّعتَ من نفسك أكثرَ مما ضاع من مالِك. ومرَّ زياد في موكبه برجل أعمى من بني مخزوم، فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: يا أبا العُريان -وكان يتكنَّى به- هذا زياد بنُ أبي سفيان. فقال: ما ولدُ أبي سفيان غيرُ فلان وفلان، ولرُبَّ بيت هدَمَه الله (٧)، وعبدٍ رُدَّ إلى مواليه. وبلغ معاويةَ، فكتبَ إلى زياد: اقْطع لسان أبا العُريان (٨). فبعث إليه زياد بألف دينار، وقال للرسول: قُلْ له: ابنُ أخيك يُسلَّمُ عليك ويقول لك: استنفق من هذه حتى يأتيَكَ مثلُها. فأخذها، ثم مرَّ عليه زياد، فوقف، فسلَّم فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: زياد. فبكى وقال: واللهِ واللهِ إني لأعرِفُ حَزْمَ أبي سفيان في منطقه ونُبْلِه.

стр. 3311

وقال [البلاذُري عن] عجلان حاجب (١) زياد: دخل زياد يومًا من صلاة الظهر، وفي المجلس هرَّة تُراصِدُ شيئًا، فأردتُ طَرْدَها، فنهاني. ثم خرج، فصلَّى العصر وعاد وهي على حالها، فجعلَ يُلاحظها، فلما كادت الشمسُ أن تغربَ؛ خرج جُرَذٌ، فوثبت عليه، فأخَذَتْه، فقال زياد: مَنْ طلبَ حاجة فلْيصبر صبرَ هذه الهِرَّة، فإنه يظفر بحاجته (٢). وكان الجَمُوح بنُ عمرو الفَهْميّ قد شهد صِفين مع أمير المؤمنين رضوان الله عليه، وكان حليفًا لأبي سفيان، فلما انقضت صِفِّين أمَّنَه معاوية، وكتب إلى زياد ينهاه عنه، فقال له زياد: تولَّ بيتَ المال. فامتنَعَ، فقال له: أَتَابَى عَلَيَّ وقد سفكتَ الدَّماء مع عليّ بن أبي طالب؟ فقال له: [يا] زياد، إليَّ تقولُ هذا؟ فواللهِ لقد كنتَ منتفيًا من الأبِ الذي انتسبتَ إليه، و [منسوبًا إلى الأب الذي] انتفيتَ منه، وأنت تسفكُ الدِّماء معه، تَجْبي الخَراج [إليه]، وأنت يومئذ خيرٌ منك اليوم. فضربه زياد مئة سَوْط، وحَلَقَ رأسَه ولحيتَه. وبلغ معاويةَ، فكتبَ إليه: واللهِ يا ابْنَ سُميَّة، لقد هممتُ أن أبعثَ إليك مَنْ يفعلُ بك مثلَ ما فعلتَ به. فأطلقَه، ثم قدمَ على معاوية، فاعتذرَ إليه، ووصله وأعطاه مِخْصَرَة (٣). وكتب [زياد] إلى معاوية: أشكو إلى الله ما ألقاه من سفهاء قريش. فكتبَ إليه معاوية: أصبر، فإنَّ حُلَماءها صبروا عليك حتى وضعوك بالموضع الذي أنتَ به اليوم (٤). وكان زياد يقول: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه، وإنما العاقل من يحتالُ للأمر قبل أن يقع فيه (٥).

стр. 3312

ذكر وفاته: [حكى الواقدي عن أشياخه قالوا:] كتب زياد إلى معاوية: إني قد ضبطتُ العراق بشمالي، ويميني فارغة. يعني فولِّني الحجاز أشغل يميني به، فكتبَ بعهده على الحجاز، وبعثَ به مع الهيثم بن الأسود النَّخَعي رسولِ زياد، وبلغ أهلَ الحجاز، فاجتمعَ منهم نفرٌ إلى عبد الله بن عُمر رضوان الله عليهما، وأخبروه، فقال: ارفعوا أيديَكم. فرفعوها، فقال: اللهم اكْفِنَا يمين زياد. فطُعن بها في الحال. وقال البَلاذُري: أرسل زياد إلى بني عَبس أن يسبُّوا عليًّا، وأن يتبرؤوا منه، فحكى النضر العبسي عن أبيه (١)، عن عمه [قال]: فأغفيتُ إغفاءةً؛ فإذا برجل أسود، فراعني، فقلت: مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا النقَّاد ذو الرقَبَة، أُرسلت إلى هذا الشاتم صاحب الرَّحَبَة. فاستيقظتُ، وإذا برسول زياد يقول: انصرفوا اليوم، فإنَّ الأمير عليل. فعرضَتْ له الأكَلَة، فمات بعد ثلاثة أيام، فقلتُ: ما كان مُنْتَهِيًا عمَّا أرادَ بنا … حتى أُتيحَ له النَّقَّادُ ذُو الرَّقَبَهْ فجلَّلَ الرأسَ منه ضربةً عَجِلًا … لَمَّا تناولَ بغيًا صاحبَ الرَّحَبَهْ وقال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري (٢): جمعَ زياد أهل الكوفة، فملأ بهم المسجد والرَّحَبَة والقصر ليعرضَهم على البراءة من أمير المؤمنين. [قال عبد الرحمن:] فإني لمع نفر من أصحابي (٣) من الأنصار والناس في أمرٍ عظيمٍ؛ إذ هَوَّمْتُ تهويمةً، فرأيت شيئًا طويل العُنُق؛ مثل عُنُق البعير؛ أهْدَبَ أهْدَلَ (٤)، فقلت: ما أنتَ (٥)؟ فقال: أنا النَّقَّاد ذو الرقبة، بُعثتُ إلى صاحب هذا القصر. قال:

стр. 3313

فاستيقظتُ فَزِعًا، فقلت لأصحابي: هل رأيتُم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتُهم، فبينما نحن كذلك؛ إذْ خَرجَ خارجٌ من القصر، فقال: إنَّ الأمير يقول لكم: انصرفوا عنّي، فإنِّي اليوم عنكم لَمشغول. وأصابه الطاعون، فمات. وقال القاسم بن سليمان (١): وقع طاعون بالكوفة، فبدَا زياد، فخرج من الكوفة، فلما ارتفعَ الطاعون؛ رجعَ، فطُعن في أصبعه. قال القاسم: فأرسلَ إليَّ فأتيتُه، فقال: أتجدُ ما أجدُ من الحرّ؟ قلت: لا. قال: فإني أجدُ في قلبي مثل جمر النار. واجتمع إليه مئة وخمسون طبيبًا، منهم ثلاثةٌ من أطباء كسرى، فسُئلوا عنه، فقالوا: مُروه بالوصيَّة. [وقال عمر بن شَبَّة:] وأشاروا عليه بقطع أصبعه، فاستشارَ شُرَيحًا القاضيَ في ذلك، فقال له: أخشى أن يكون الألَمُ في قلبك، والوَجَعُ في يدك، وأن يكون الأجل قد دنا، فتَلْقَى الله أجْذَمَ وقد قطعتَ يدَك كراهيةَ لقائه، أو أن يكونَ في الأجل تأخير، فتعيشَ أجْذَمَ، فتُعَيَّرَ به أنتَ وولدُك من بعدك. فتَرَكَها. وخرج شُريح من عنده، فسألوه، فأخبرهم بما، أشار به، فلاموه وقالوا: هلا أشرتَ عليه بقطعها؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن" (٢). [وفي رواية: أن زيادًا أرسل إلى شُريح يستشيرُه في قطع يده، فقال له: لا تفعل، إنك إن عشتَ؛ عشتَ أجذم، كان هلكت؛ كنتَ جانيًا على نفسك] فقال زياد: أنامُ أنا والطاعون في لحاف واحد! وعزمَ على أن يقطعَ أصبعه، فلما نظرَ إلى النار والمكاوي جزع، فترك ذلك (٣). و [قال المدائني:] ما كان زياد يقطعُ أمرًا دون شُريح، فقال له: ما تقول في قطع أصبعي؟ فقال له: سَلِ الأطباء. فسأل دينار مولى بكر بن وائل (٤)، فقال له: أينَ تجدُ الألم؟ قال: في قلبي. قال: عِشْ سَويًّا، ومُتْ سَويًّا، ولا تُمَثِّلْ بنفسك.

стр. 3314

[وقال أبو بكر بن عيَّاش: الذي أشار عليه أن لا يقطعها أبو جُهيم (١) بن مالك الأسدي. وقال المدائني:] وخرجَ شُريح من عند زياد، فسأله مسروق بن الأجدع، والمسيَّب بن نَجَبة، وسُليمان بن صُرَد، وعُروة بن المغيرة، وخالد بن عُرفُطة، وأبو بُردَة بن أبي موسى، فقالوا: كيف تركتَ الأمير؟ قال: يأمرُ وينهى. ومعناه: يأمر بالوصية والكَفَن، وينهى عن النَّوْح والبكاء (٢). وقال الشعبي لما احتُضر زياد؛ جعلوا يُمَنُّونه الأمانيّ، فقال: وكيف وأبو المغيرة على الطريق؟! قال الشعبي: كان بالكوفة رجلٌ زاهد عابد، وَرعٌ مشغولٌ بنفسه؛ يقال له: أبو المغيرة الحميري؛ استدعاه زياد، فإذا سَمتٌ وهيبَة، فقال في نفسه، لو مال هذا لَمال معه أهلُ العصر، فقال له: الزَم بيتَك، لا تخرجْ منه. فقال: واللهِ لَصلاةٌ واحدةٌ في جماعة أَحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، ولزيارةُ أخٍ في الله [وعيادة مريض] أَحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها. قال: فاخْرُجْ فصَلِّ، وعُدِ المريض، وزُرْ إخوتك، والزم شأْنَك. قال: وإذا رأيتُ منكرًا؛ لا أُغيِّرُه؟! قال: لا. قال: واللهِ لَمقامٌ واحدٌ في ذلك أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها. قال: فإنه السيف. قال: فالسيف. فقدَّمَه، فضربَ عُنُقَه. فكان يقال لزياد: أَبْشر، فيقول: كيف أُبْشِرُ وأبو المغيرة على الطريق (٣)؟! قال الواقدي: مات زياد في شهر رمضان بقصر الإمارة بالكوفة، ولم يَمُت فيه من الأمراء غيرُه وغيرُ المغيرة بن شعبة، وذلك في سنة ثلاث وخمسين [من غير خلاف، يعني في هذه السنة]. وأوصى أن يُدفن بالثَّوِيَّة إلى جانب أبي موسى (٤). فدُفن إلى جانبه، وقبرُه عند دكَّان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عند منقطع البيوت بالكوفة.

стр. 3315

وقال ابن أبي الزناد (١): لما حضرت زياد الوفاة قال له ابنه: يا أَبَه، قد هيأتُ لك ستين ثوبًا [أُكفِّنُك فيها]. فقال: يا بنيّ، قد دنا من أبيك لباسٌ خيرٌ من لباسه هذا، أو أُسلبُ سريعًا (٢). فماتَ بالثَّويَّة إلى جانب الكوفة وقد توجَّه يريدُ الحجاز واليًا عليها (٣). ولما وُضع زياد لِيُصَلَّى عليه؛ تقدَّمَ ابنُه عُبيد الله، فأخذَ مِهْران بمنكبه وقال: وراءَك. وقال له شُريح: الأمير غيرُك. وقذَما عبدَ الله بنَ خالد بن أَسِيد، فصلَّى عليه. وحقدها عُبيد الله على مِهْران، فلما تولَّى ضربَه (٤). [ولما بلغ ابنَ عمرَ موتُه قال: ذهبَ ابنُ سُمية (٥)، فلا الدنيا بقيت له، ولا الآخرةَ أدرك]. ذكر ميراثه، وسنِّهِ، ومدَّةِ ولايته، وقول العلماء فيه، وغير ذلك: [قال الهيثم:] لم يترك سوى ألفِ دينار، وقميصين، وإزارين، ولم يخفف عقارًا، ولا دارًا، وكان يقول: ما دامَ مُلْكُنا قائمًا فالدُّنيا لنا، وإنْ زال عنَّا فالذي يَجْزِينا من الدنيا أقلُّها (٦).

стр. 3316

وأمَّا سنُّه؛ فقد قال ابن سعد وغيره: إنه وُلدَ عامَ الفتح. فإنْ كان كذلك؛ فقد كان له خمس وخمسون سنة، وقيل: ستّ وخمسون سنة. وإن كان قد وُلد سنة إحدى من الهجرة كما حكى الطبري؛ فله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون (١). وكان على خاتمه صورةُ طاووس. وأما مدَّة ولايته؛ فقال أبو عبد الله الحاكم: وليَ زياد العراق سنة ثمان وأربعين، ومات سنة ثلاث وخمسين، فكانت ولايته خمس سنين، وكذا حكى الطبري: خمس سنين (٢). وقال أبو القاسم ابن عساكر عن الأصمعي قال (٣): أقام زياد على العراق تسع سنين؛ ما بنى دارًا، ولا وضعَ لَبِنَة على لَبِنَة، وما غرسَ شجرة، وما كَذَبَ قطّ. وسُرَّ (٤) أهلُ العراق والعلماءُ والزُّهَّادُ بموته، وقالوا: مات طاغيةُ العراق، وأعظمُ إنكارهم عليه كونُه ينال من أمير المؤمنين؛ مع زُهْده، وعفافه، وقناعته، وشهامته، وحُسنِ سياستِه. ولما بلغَ معاويةَ موتُه قال (٥): وأَفْرَدْتُ سهمًا في الكِنانةِ واحدًا … سَيرمَى [به] أَوْ يَكْسِرُ السهمَ كاسِرُهْ وذُكر زيادٌ عند عمرَ بنِ عبدِ العزيز: فقال: سَعَى لأهل العراق سعيَ الأم البَرَّة، وجمعَ لهم جَمعَ الذَّرَّة (٦).

стр. 3317

وقال الشعبيّ: تشبَّه زياد بعمرَ بنِ الخطَّاب، فأفرط (١)، وتشئه الحجَّاج بزياد، فأهلكَ الناسَ. وقال الأصمعي: يقال: إن الدُّهاةَ أربعة: معاوية للرَّويّة، وعَمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بنُ شعبة للمُعضِلَة (٢)، وزياد لكلّ كبيرة وصغيرة. [وقال ابن سعد:] روى زياد عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ورُويت عنه أحاديث (٣). وقال ابنُ عساكر: روى عنه ابنُ سيرين (٤)، وقَبِيصَة بن جابر، وعبد الملك بن عُمير، والشَّعبيّ، وأبو عثمان (٥) النَّهدي، وغيرهم. ذكر أولاده [وما رُثِيَ به]: [قال علماء السِّيَر:] كان له أربعون ولدًا ذكورًا وإناثًا: فالذُّكور: عبد الرحمن، والمغيرة، ومحمد، وأبو سفيان؛ أُمُّهم مُعاذة من بني عقيل. وعبد الله، وعُبيد الله، وأمُّ عبد الله؛ أُمُّهم مَرْجانة. وسَلْم، وعثمان، وقتادة، والربيع، وأبو عُبيدة، ويزيد، وعَنْبَسة، وعمرو، والغُصن، وعُتْبة، وأبان، وجعفر، وإبراهيم، وعبَّاد، وسعيد (٦). وكان زياد قد بعثَ إلى سعيد بن العاص بمال كثير وطِيب، وخطبَ ابنتَه، ففرَّقَه سعيد على جلسائه، ولم يُبق منه شيئًا، ثم كتبَ في أسفل كتاب زياد: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ فقال له الرسول لما فرَّق المال والهدايا: إنها كثيرة! فقال سعيد: أنا أكثرُ منها (٧).

стр. 3318

فأما عبد الرحمن بن زياد؛ فكُنيتُه أبو خالد؛ ولَّاه معاويةُ خُراسان، وله عَقِب بالبصرة. وأما المغيرة ومحمد، فلا عَقِبَ لهما. وأما أبو سفيان، لما وقع الطاعون الجارف بالبصرة هرب منه إلى البادية، فمات بها، وله عقب بالبصرة (١). وأما عُبيد الله، فكنيتُه أبو حفص، وكان أبوه قلاد قد زوَّج أمَّه مَرجانةَ من شيرويه الأَساوري، ودفعَ إليه عُبيدَ الله، فنشأ بالأَساورة (٢)، وكانت فيه لُكْنَةٌ، ولَّاه معاويةُ خُراسان، ثم وليَ بعد أبيه العراق [ثماني سنين] خمسٌ منها على البصرة، وثلاثٌ على الكوفة (٣)، وهو قاتلُ الحسين ﵇، وكان أبغضَ الناسِ إلى يزيدَ بنِ معاوية، فلما قَتَلَ الحسينَ؛ أحبَّه وقرَّبَه. ولما مات يزيد، هربَ من البصرة إلى الشام، فأقامَ مع مروان، ثم جاء إلى الشام الجزيرة لقتال إبراهيم بن الأَشتر، فقتله إبراهيم بالزَّاب في يوم عاشوراء؛ اليومِ الذي قَتلَ فيه الحسينَ ﵇ سنة سبع وستين، وسنذكره هناك، ولم يعقِب (٤). وأما سَلْم بنُ زياد، فكنيتُه أبو حرب، وكان أجودَ بني زياد. ولَّاه يزيدُ بنُ معاوية خُراسان، وقال له: إنَّ أباك كفى أخاه عظيمًا، وقد استكفيتُك، فاكفِنِي صغيرًا، ولا تَتَّكِلَنَّ على عُذرٍ مني، فقد اتَّكلتُ على كفاية منك. وإياك منِّي أن أقول لك: إياك مني (٥)، فإنَّ الظنَّ إذا أخلفَ مني فيك؛ أخلف منك فيَّ، وأنت في أدنى حظك، فاطْلُبْ أقصاه، وقد أتعبَك أبوك، فلا تُرِيحَنَّ نفسك.

стр. 3319

فلم يزل سَلْم على خُراسان حتى مات يزيدُ بنُ معاوية، فقَدِمَ البصرة، ثم قَدِمَ مكة وبها عبدُ الله بنُ الزبير، فحبَسه، وأغرمَه أربعةَ آلافِ ألفِ درهم، ثم لحق بعبد الملك بنِ مروان، فولاه خُراسان، فقدم البصرة، فمات بها (١)، وله عَقِب. وفيه يقول ابنُ عَرَادة: عَتِبْتُ على سَلْمٍ فلما هجرتُهُ … وصاحَبْتُ أقوامًا بَكَيتُ على سَلْمِ (٢) وأمَّا عبَّاد بن زياد؛ فكنيتُه أبو حَرْب أيضًا، وولاه معاويةُ سِجِسْتان تسع سنين، وله عَقِب بالشام والبصرة، وكان يُسابق بالخيل، وفيه يقول ابنُ مُفَرِّغ (٣): سبقَ عبَّادٌ وصَلَّتْ لحيتُهْ (٤) ومات بِجَرُود من أرض الشام سنة مئة (٥). وأما الرَّبيع بنُ زياد؛ فكان أعرج، وله عقب بالبصرة. وأما أبو عُبيدة بن زباد؛ فولاه أخوه سَلْم كابُل، فأسَرَتْه التُّرك، ففداه سَلْم بسبع مئة ألف درهم [وله عقب]. وأما يزيد بنُ زياد؛ فولَّاه أخوه سَلْم سِجِسْتان، فقتلَتْه الترك، ولا عَقِبَ له. وأما عَنْبَسَة بن زياد؛ فمات في الطاعون الجارف بطريق مكة، ولا عقب له. وأمَّا عُتْبَة؛ فله عقب بالبصرة.

стр. 3320

وأمَّا محمد بن زياد؛ فزوَّجه معاويةُ ابنتَه (١). وأمَّا بناتُ زياد؛ فالمشهوراتُ منهن: أمّ عبد الله، وأمُّ معا وية، وأمُّ حَبِيب، ورَمْلَة، ورَيْطة، وصخرة، وأُمُّ أبان، وجُوَيرية؛ لأمَّهات شَتَّى (٢). واستخلفَ زياد على الكوفة عبدَ الله بنَ خالد بن أَسِيد، فأقرَّه معاوية، وأقرَّ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُب على البصرة ستةَ أشهر، وقيل: أربعة (٣)، ثم عزله. وكان فاتكًا سفَّاكًا؛ قال: لعنَ اللهُ معاويةَ؛ لو أطعتُ الله كما أطعتُه؛ ما عذَّبَني أبدًا (٤). وقال حارثة بنُ بدر الغُدَاني يرثي زيادَ بنَ أبيه: أبا المغيرةِ والدُّنيا مُغَيَّرةٌ … وإنَّ مَنْ غَرَّتِ (٥) الدُّنيا لَمغرورُ قد كان عندَك للمعروف معرفةٌ … وكان عندَك للتنكير تنكيرُ لو خَلَّدَ الخيرُ والإسلامُ ذا قَدَم … إذًا لخلَّدكَ الإسلامُ والخيرُ وقال مسكين الدارمي: رأيتُ زيادةَ الإسلام وَلَّتْ … جِهارًا حين وَدَّعَنا زيادُ فقال الفرزدق لمسكين: أَمِسْكينُ أبكى اللهُ عينَك إنَّما … جرى في ضلالٍ (٦) دَفعُها فَتَحدَّرا بَكَيتَ امرَأً من أهلِ مَيْسانَ فاجرًا … ككسرى على عِدَّانِه (٧) أو كقَيصَرا

стр. 3321

فَضَالة بن عُبيد ابن نافذ (١) بن قيس، أبو محمد الأنصاري، من الطبقة الثانية [من الأنصار] من الأوس، وأمُّه عَفْرة بنتُ محمد بن عُقبة. وهو الذي بشَّر الأنصار بقدوم رسول الله ﷺ [إلى المدينة] وهو ابن ستّ سنين. وكان شاعرًا (٢)، وهو أحدُ الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحتَ الشجرة، وشهدَ أُحُدًا، والخندقَ، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ . ثم نزل الشام (٣). وكان له شرفٌ، وولَّاه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه (٤). قال الوليد بنُ مسلم: لما احتُضر أبو الدرداء؛ قال له معاوية: مَنْ تَرَى لهذا الأمر؟ قال: فَضالة. فلما مات أبو الدرداء قال له معاوية: قد ولَّيتُك القضاء. قال: اعفِنِي. فقال معاوية: والله ما حابَيتُك، ولكن استَتَرتُ بك من النار، فاسْتَتر منها ما استطعتَ (٥). وكان معاويةُ إذا غاب عن دمشق استخلفَ فَضالة عليها في صِفِّين وغيرها. واستعملَه على الصوائف غير مرة. وقال الليث بن سعد: وفي سنة إحدى وخمسين شَتا فَضالة بأرض الروم. وقال ابن سعد عن الواقدي: كان فضالة قاضيًا بالشام، ونزل دمشق، وبنى بها دارًا. ذكر وفاته: حكى ابن عساكر عن ابن معين قال: مات فَضَالة في دمشق سنة ثلاث وخمسين.

стр. 3322

قال: وقال سعيد بن عبد العزيز (١): فحمل معاوية بن أبي سفيان سريرَه، وقال لابنه عبد الله: اعقُبْنِي، فلن تحملَ مثلَه بعدَه. ودُفن بالباب الصغير، وله عقب بدمشق. [ويقال: إنه مات بعد معاوية، وهو وهم (٢). وقال ابن يونس:] وشهد فَضالة فَتْح مصر، ووَليَ البحرَ بها. وكان له من الولد حُميد، ومحمد، وعبد الله، وعُبيد الله، وعَمرو (٣)، وأمُّ جميل، وعائشة. أسند فَضالة عن رسول الله ﷺ الحديثَ (٤). فَيرُوز الدَّيلَمِيّ كنيتُه أبو عبد الله (٥)، وفَدَ على رسول الله ﷺ . وهو الذي قتلَ الأسودَ العَنْسيّ. وفيروز من أبناء اليمن (٦)، ووفد على معاوية، وروى عن رسول الله ﷺ وهو من الطبقة الرابعة من أبناء فارس الذين سكنوا اليمن (٧). وقيل: هو ابن أخت النجاشي، وشهد له رسول الله ﷺ بالصلاح لما قتل الأسودَ، فقال: "قتلَه الرجل الصالح فيروز" (٨).

стр. 3323

وكان معاوية قد ولَّى اليمنَ أخاه عُتبةَ بن أبي سفيان، وأقام بها ثلاث سنين [ثم ارتفع إلى معاوية، واستخلف فيروز الدَّيلَمي، فمكث فيروز على صنعاء ومَخالِيفها ثمان سنين] ثم مات في سنة ثلاث وخمسين (١). ولما وفد على معاوية بالمدينة لم يدخل على عائشة رضوان الله عليها، فلما عاد من الشام استأذنَ عليها، فقالتْ له: يا ابنَ الدَّيلميّ، ما منعكَ أنْ تمرَّ بي؟ أَرَهْبَةً من معاوية؟! لولا أني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يدخلُ الكذَّابُ وقاتلُه مَدخلًا واحدا" ما أَذِنتُ لك (٢). وَرْدَان مولى عمرو بن العاص كنيته أبو عبد الله (٣)، وقيل: أبو عثمان، من سَبْيِ أصبهان. شهد فتح مصر (٤)، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل مصر (٥)، وبه سمِّيَ سوقُ وَردَان بالفُسطاط. وقيل: إنه من روم أَرْمينيا، وقيل: من روم طرابلس الغرب (٦). وقال أبو سعيد بن يونس: نزلت الروم البُرُلُّس، وكان وَرْدَان مرابطًا بها، فخرج إليهم ومعه عائذ بن ثعلبة البَلَويّ، فالتَقَوْا على البُرُلُّس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتل وَرْدان وعائذ شهيدين؛ وذلك في سنة ثلاث وخمسين (٧). روى وَرْدَان عن مولاه [عمرو بن العاص]، وكان صاحبَ رأي، وكان عمرو لا يصنعُ شيئًا إلا برأيه ومشورته، فلما ماتَ عمرو ﵁ ولَّاه معاويه خَراجَ مصر.

стр. 3324

السنة الرابعة والخمسون فيها عَزَلَ معاويةُ سعيدَ بنَ العاص عن المدينة، واستعملَ عليها مروانَ بنَ الحَكَم، ولم يزل معاوية يَهُمُّ بعزل سعيد لَمَّا كتب به إليه مووان بنُ الحَكَم على شأن دَفْنِ الحسنِ بن عليّ عند رسول الله ﷺ ، ومعاوية يَعِدُ مروانَ بعزله وتوليته على المدينة، وأقام سعيد واليًا ومعاويةُ يستحي منه أن يعزلَه، وسعيد يعلمُ بذلك، ومروان يكتبُ إلى معاوية (١)، فكان سعيد يلقَى مروانَ ممازحًا له، فيقول له: ما جاءك بعدُ فيما قِبَلنا شيء؟ فيقول مروان: أتظن أني أطلبُ عملَك؟ فلما كان في سنة أربع وخمسين جاءت ولايةُ مروان وعزلُ (٢) سعيد [فلقي سعيدٌ] مروانَ وقال له: قد كان وعدَك حين (٣) توفّي الحسنُ بنُ علي أن يُولِّيَك ويعزلَني، فأقمتُ كما ترى هذه المدة، فقال له مروان: اقْصُر، فقد رأينا منك يوم مات الحسن أمورًا، فَظَننَّا أنَّ صَفْوَك مع القوم. فقال سعيد: لَلْقَومُ أشدُّ لي [تهمةً] وأسوأُ فيَّ رأيًا منهم فيك (٤). وكان معاوية يُغْرِي بين سعيد بن العاص ومروان، ولا يحبُّ أن يكون ما بينهما صالحًا، فكتب إلى سعيد وهو عاملُه على المدينة أنِ اهْدِم دارَ مروان. فلم يهدمها، وكتبَ إليه ثانيًا وثالثًا، وكتب إليه يأمُره بقبض أموالِ مروان كلِّها، ويجعلها صافيةً، ويقبض فَدَك منه، وكان وهبَها له، فكتب سعيد إلى معاوية: يا أمير المؤمنين، له قرابة قريبة. واستعطفَه لمروان، فجاء جواب معاوية بمثل الكتاب الأول، وأغلظَ لسعيد، فأخذَ الكتابين، فوضعهما عند جارية له. فكتب معاوية إلى مروان بولاية المدينة، وهدمِ دار سعيد، وقبضِ أمواله. فركبَ مروان ومعه الفَعَلَةُ والمَساحي لهدمِ دار سعيد فقال: تهدم داري؟! فقال: هذا كتابُ

стр. 3325

أميرِ المؤمنين. فدعا سعيدٌ بالكتابين اللذين كتبهما إليه معاوية، فوقف عليهما مروان، فخجل وقال: أنتَ خيرٌ مني. فقال له سعيد: إنَّما أرادَ أن يُوقعَ بينَنا (١). فقال مروان: أنت -واللهِ يا أبا عثمان، فِداك أبي وأمّي- خَيرُنا وأكْرَمُنا وأَبَرُّنا وأَوْصَلُنا. ثم كفَّ عن هدمِ دارِه وقبضِ أموالِه. وكتب مروان إلى معاوية: كتبتَ إليَّ تأمرُني بعَقٍّ … كما قبلي كتبتَ إلى سعيدِ فلمَّا أنْ عصاكَ أرَدْتَ حَمْلي … على ملساءَ تزلقُ بالصعيدِ لأَقطع واصلًا وأخا حِفاظٍ … فرأيُك ليس بالرأي السديدِ فخجلَ معاوية (٢). وكتبَ سعيد إلى معاوية: العجبُ لِما صنعَ أميرُ المؤمنين بنا في قرابتنا أن يُضْغِنَ (٣) بعضنا على بعض، وإيراثِ العداوة الأولادَ (٤)، فَارْعَ لنا حَقَّ القَرابة، وقيامَنا بنصرة الإمام المظلوم. فكتب إليه معاوية يعتذر، وأنه قد رجَعَ عن ذلك. ثم قدم سعيد على معاوية، فأكرمه ووصَلَه وقال: كيف تركتَ مروان أبا عبد الملك، فقال: ضابطًا لعمله (٥)، منفِّذًا لأمرك. فقال: إنه كصاحبِ الخُبْزَة؛ كُفِي نُضْجَها [فأكلها]. فقال سعيد: كلا، إنه لَمعَ قومٍ لا يُحمل بهم السَّوْط، ولا يَحِلُّ لهم السيف، يتهادَوْنَ كوَقْع النَّبْل (٦)؛ سهمٌ لك وسهمٌ عليك. قال: فما الذي باعدَ بينك

стр. 3326

وبينه (١)؟ قال: خافَني على شرفه، وخفتُه على شرفي. قال: فماذا عندك فيه؟ فقال: أسُرُّه غائبًا، وأسوءه (٢) شاهدًا. وفيها عزل معاويةُ سمرة (٣) بنَ جُنْدُب عن البصرة، واستعملَ عليها عبدَ الله بنَ عَمرو بن غَيلان -ثَقَفيٌّ من جلال" (٤) التابعين- فأقام ستة أشهر، ثم عزله، وولَّى عُبيدَ الله بنَ زياد، فكان عبدُ الله بنُ عمرو ظَبْيًا بين حَيّتَين؛ سمُرة، وابنِ زياد. وكان لما ماتَ زياد؛ وَفَدَ ابنُه عُبيد الله على معاوية، فقال له: مَنِ استخلَفَ على البصرة؟ قال: سمُرة بن جُندب. فقال له معاوية: لو استعملكَ أبوك لاستعملتُك. فقال: أنشدُك الله أن يقولَها لي أحدٌ بعدَك (٥). وكان معاوية إذا أراد أن يولِّي رجلًا من بني حرب ولَّاه الطائف، فإذا رأى منه ما يُعجبُه ولَّاه مكَّة (٦)، فإذا أحسن الولاية ولَّاه المدينة (٧). فكان إذا ولَّى الطائفَ رجلًا قيل: هو في أبي جاد (٨)، فإذا ولَّاه مكة قيل: هو في هوَّاز، فإذا لَّاه المدينة قيل: قد حَذَق. ولما قال له عُبيد الله بنُ زياد ما قال، قال: قد ولَّيتُك خُراسان. وأوصاه، فكان فيما أوصاه: لا تبيعنَّ كثيرًا بقليل (٩)، وعليك بالوفاء ولو لعدوِّك، وافْتح بابك، وسهّل

стр. 3327

حُجّابك، وعليك بمواساة أصحابك، واتَّقِ الله ولا تُؤْثِرَنَّ على تقواه شيئًا، ولا تُخرجنَّ أمرًا حتى تُبرِمَه، ولا تُطْمِعنَ أحدًا في غير حقَّه، ولا تُؤْيِسَنَّ أحدًا من حقّه. فسار عُبيد الله إلى خُراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وأولِ سنة أربعٍ وخمسين وهو ابنُ خمس وعشرين سنة، وقدَّم بين يديه إلى خُراسان أسلم بن زُرْعة الكلابي، وسار بين يديه من دمشق الجَعْدُ بنُ قيس (١) يذكر أراجيز يرثي بها زيادًا، منها: أَبْقِ عليَّ عاذلي من اللوْم … فيما أُزِيلت نعمتي قَبل اليَوْم قد ذهبَ الكريمُ والظل الدَّوْمْ وأنشد أيضًا: يومُ الثلاثاء الذي كان مضى … يومٌ قَضَى فيه المليكُ ما قَضَى كان زيادٌ جَبَلًا صَعْبَ الذُّرَى … لا يُبْعِدُ (٢) اللهُ زيادًا إذْ ثَوَى فبكى عُبيد الله حتى بَلَّ عِمامَتَه (٣). ولما ورد عُبيدُ الله إلى خُراسان قطع النهر إلى جبال بُخارى، وفتحَ رامِين وبِيكَنْد (٤). ولقيَ التُركَ بأرض بُخارى، ومع ملكهم امرأتُه فتح (٥) خاتون، فالتَقَوْا، فهزمهم الله، فأعجلَ المسلمون امرأته عن لُبس خفَيها، فلبستْ إحداهما وبقيَ الآخر، فأصابه المسلمون، فقَوَّموا الجَوْرَب بمئتي ألف درهم. وأصابَ عُبيدُ الله من البُخاريَّة ألفَين، فقدم بهم البصرة، وكانوا رماةً بالنُّشَّاب حُذَّاقًا. وأقام ابنُ زياد بخُراسان سنتين.

стр. 3328

وحجَّ في هذه السنة بالناس مروان، [وكان] أميرًا على المدينة، وعلى الكوفة عبدُ الله بنُ خالد بن أَسِيد، وقيل: الضَّحَّاك بن قيس، وعلى البصرة عبدُ الله بنُ عَمرو بن غَيْلان، وعلى المشرق عبيد الله بن زياد [وكان معاوية قد ولَّاه ذلك] (١). وفيها توفي ثَوْبان مولى رسولِ الله ﷺ - وكنيته أبو عبد الله، من أهل السَّرَاة، ويقال: إنه من حِمْيَر؛ أصابه سِباء، فاشتراه رسولُ الله ﷺ ، فأعتقه، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، ولم يزل مع النبيِّ ﷺ حتى قُبض ﷺ ، فتحوَّل إلى الشام، فنزل حمص، وله بها دار صدقة (٢)، ومات بها سنة أربع وخمسين. وقيل: إنه سكنَ الرَّمْلة، ولم يُعْقب (٣). أسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال قوم: روى مئة وعشرين حديثًا (٤). روى عنه شدَّاد بنُ أوس الأنصاري من الصحابة، ومَعدان بن طلحة، وجُبَير بنُ نُفَير، وخالد بن مَعْدان، وغيرهم (٥). أبو قتادة الأنصاري من الصحابة، واسمُه رِبعيّ (٦) بن بلدمَة (٧) بن خُناس بن سنان بن عُبيد بن عديّ بن غَنْم بن كعب بن سَلَمة، وأمُّه كَبْشة بنتُ عبَّاد (٨) من بني سلمة.

стр. 3329

وقيل: اسمه النُّعمان بن رِبْعيّ، وقيل: الحارث بن رِبْعيّ، وقيل: عمرو بن رِبْعيّ (١). وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، شهدَ أُحُدًا، والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ (٢). وكان يُصَفِّرُ لحيتَه، ويسمَّى فارسَ رسول الله ﷺ (٣)، كان يبعثُه في السَّرايا، وقَتَلَ مَسْعَدةَ الغِفاريَّ لما أغارَ على سَرْح المدينة (٤). وأبو قتادة الذي قتل القتيل يوم حُنين، وقضى له أبو بكر ﵁ بسَلَبِه، وقال: لا ها الله، لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْدِ الله فيعطيك سَلَبَه (٥). وبعثه عمر بنُ الخطاب، فقتلَ بعضَ ملوك فارس بيده وعليه مِنْطَقةٌ قيمتُها خمسةَ عشَر ألفَ درهم، فنفَّلَه عمرُ إيَّاها (٦). وولَّى عليُّ بنُ أبي طالب كرم الله وجهه أبا قتادة مكةَ بعد عَزْلِ خالدِ بنِ العاص بن هشام عنها، ثم عزَلَه عنها وولَّاها قُثم بن العباس (٧). ولما قدم معاوية المدينة لم يلقه أحد من الأنصار سوى أبو قتادة (٨)، فقال له معاوية: لقيَني الناس كلُّهم إلا أنتم. فقال: لم يبق لنا معاشرَ الأنصار دوابّ. فقال معاوية: وأين نواضحُكم؟ فقال أبو قتادة: أَنْضَيْناها بها يوم بدر في طلب أبيك. فخجل معاوية (٩).

стр. 3330

وقد جاء مثلُ هذا عن قيس بن سعد. وتوفي أبو قتادة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنةً -وقيل: اثنتين وسبعين سنة- بالمدينة، وقيل: بالكوفة، في خلافة عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، والأولُ أصحّ. فولدَ أبو قتادة عبدَ الله، وعبدَ الرحمن؛ أُمُّهما سُلافة بنت البراء بن معرور. وثابتًا، وعبدَ الله (١) وأمَّ البنين؛ أمُّهم أمُّ ولد. وأمَّ أَبان؛ أمُّها من الأَزْد. أسندَ أبو قتادة عن رسول الله ﷺ ، قال قوم: روى مئة وسبعين حديثًا (٢)، وروى عن معاذ بن جبل وغيره، وروى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأنس، وابنُه عبدُ الله بنُ أبي قتادة، وابنُ المسيِّب، وأبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن، وعطاءُ بنُ يسار، في آخرين. ومن مسانيده ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صومُ يومِ عرَفةَ يكفِّر سنتَين؛ ماضية ومستقبلة، ويومُ عاشوراء يكفِّرُ سنةً ماضية" انفرد بإخراجه مسلم (٣). حكيم بن حزام ابنِ خُوَيْلِد بن أَسَد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وكنيتُه أبو خالد الأَسَديّ، قرشيّ، وهو ابنُ أخي خديجةَ بنتِ خُويلد زوجِ رسول الله ﷺ ، وابنُ عمِّ الزُّبير بنِ العَوَّام. وهو من الطبقة الرابعة مِمَّن أسلمَ يومَ الفتح، وأمُّه أمُّ حكيم بنت زهير [بن الحارث بن أسد] بن عبد العزّى، واسمُها زينب، وقيل: فاختة، وأمُّها سلمى بنت عبد مناف بن عبد الدار بن قُصي (٤).
следующие страницы →