← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وبينه (١)؟ قال: خافَني على شرفه، وخفتُه على شرفي. قال: فماذا عندك فيه؟ فقال: أسُرُّه غائبًا، وأسوءه (٢) شاهدًا. وفيها عزل معاويةُ سمرة (٣) بنَ جُنْدُب عن البصرة، واستعملَ عليها عبدَ الله بنَ عَمرو بن غَيلان -ثَقَفيٌّ من جلال" (٤) التابعين- فأقام ستة أشهر، ثم عزله، وولَّى عُبيدَ الله بنَ زياد، فكان عبدُ الله بنُ عمرو ظَبْيًا بين حَيّتَين؛ سمُرة، وابنِ زياد. وكان لما ماتَ زياد؛ وَفَدَ ابنُه عُبيد الله على معاوية، فقال له: مَنِ استخلَفَ على البصرة؟ قال: سمُرة بن جُندب. فقال له معاوية: لو استعملكَ أبوك لاستعملتُك. فقال: أنشدُك الله أن يقولَها لي أحدٌ بعدَك (٥). وكان معاوية إذا أراد أن يولِّي رجلًا من بني حرب ولَّاه الطائف، فإذا رأى منه ما يُعجبُه ولَّاه مكَّة (٦)، فإذا أحسن الولاية ولَّاه المدينة (٧). فكان إذا ولَّى الطائفَ رجلًا قيل: هو في أبي جاد (٨)، فإذا ولَّاه مكة قيل: هو في هوَّاز، فإذا لَّاه المدينة قيل: قد حَذَق. ولما قال له عُبيد الله بنُ زياد ما قال، قال: قد ولَّيتُك خُراسان. وأوصاه، فكان فيما أوصاه: لا تبيعنَّ كثيرًا بقليل (٩)، وعليك بالوفاء ولو لعدوِّك، وافْتح بابك، وسهّل

стр. 3327

حُجّابك، وعليك بمواساة أصحابك، واتَّقِ الله ولا تُؤْثِرَنَّ على تقواه شيئًا، ولا تُخرجنَّ أمرًا حتى تُبرِمَه، ولا تُطْمِعنَ أحدًا في غير حقَّه، ولا تُؤْيِسَنَّ أحدًا من حقّه. فسار عُبيد الله إلى خُراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وأولِ سنة أربعٍ وخمسين وهو ابنُ خمس وعشرين سنة، وقدَّم بين يديه إلى خُراسان أسلم بن زُرْعة الكلابي، وسار بين يديه من دمشق الجَعْدُ بنُ قيس (١) يذكر أراجيز يرثي بها زيادًا، منها: أَبْقِ عليَّ عاذلي من اللوْم … فيما أُزِيلت نعمتي قَبل اليَوْم قد ذهبَ الكريمُ والظل الدَّوْمْ وأنشد أيضًا: يومُ الثلاثاء الذي كان مضى … يومٌ قَضَى فيه المليكُ ما قَضَى كان زيادٌ جَبَلًا صَعْبَ الذُّرَى … لا يُبْعِدُ (٢) اللهُ زيادًا إذْ ثَوَى فبكى عُبيد الله حتى بَلَّ عِمامَتَه (٣). ولما ورد عُبيدُ الله إلى خُراسان قطع النهر إلى جبال بُخارى، وفتحَ رامِين وبِيكَنْد (٤). ولقيَ التُركَ بأرض بُخارى، ومع ملكهم امرأتُه فتح (٥) خاتون، فالتَقَوْا، فهزمهم الله، فأعجلَ المسلمون امرأته عن لُبس خفَيها، فلبستْ إحداهما وبقيَ الآخر، فأصابه المسلمون، فقَوَّموا الجَوْرَب بمئتي ألف درهم. وأصابَ عُبيدُ الله من البُخاريَّة ألفَين، فقدم بهم البصرة، وكانوا رماةً بالنُّشَّاب حُذَّاقًا. وأقام ابنُ زياد بخُراسان سنتين.

стр. 3328

وحجَّ في هذه السنة بالناس مروان، [وكان] أميرًا على المدينة، وعلى الكوفة عبدُ الله بنُ خالد بن أَسِيد، وقيل: الضَّحَّاك بن قيس، وعلى البصرة عبدُ الله بنُ عَمرو بن غَيْلان، وعلى المشرق عبيد الله بن زياد [وكان معاوية قد ولَّاه ذلك] (١). وفيها توفي ثَوْبان مولى رسولِ الله ﷺ - وكنيته أبو عبد الله، من أهل السَّرَاة، ويقال: إنه من حِمْيَر؛ أصابه سِباء، فاشتراه رسولُ الله ﷺ ، فأعتقه، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، ولم يزل مع النبيِّ ﷺ حتى قُبض ﷺ ، فتحوَّل إلى الشام، فنزل حمص، وله بها دار صدقة (٢)، ومات بها سنة أربع وخمسين. وقيل: إنه سكنَ الرَّمْلة، ولم يُعْقب (٣). أسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال قوم: روى مئة وعشرين حديثًا (٤). روى عنه شدَّاد بنُ أوس الأنصاري من الصحابة، ومَعدان بن طلحة، وجُبَير بنُ نُفَير، وخالد بن مَعْدان، وغيرهم (٥). أبو قتادة الأنصاري من الصحابة، واسمُه رِبعيّ (٦) بن بلدمَة (٧) بن خُناس بن سنان بن عُبيد بن عديّ بن غَنْم بن كعب بن سَلَمة، وأمُّه كَبْشة بنتُ عبَّاد (٨) من بني سلمة.

стр. 3329

وقيل: اسمه النُّعمان بن رِبْعيّ، وقيل: الحارث بن رِبْعيّ، وقيل: عمرو بن رِبْعيّ (١). وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، شهدَ أُحُدًا، والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ (٢). وكان يُصَفِّرُ لحيتَه، ويسمَّى فارسَ رسول الله ﷺ (٣)، كان يبعثُه في السَّرايا، وقَتَلَ مَسْعَدةَ الغِفاريَّ لما أغارَ على سَرْح المدينة (٤). وأبو قتادة الذي قتل القتيل يوم حُنين، وقضى له أبو بكر ﵁ بسَلَبِه، وقال: لا ها الله، لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْدِ الله فيعطيك سَلَبَه (٥). وبعثه عمر بنُ الخطاب، فقتلَ بعضَ ملوك فارس بيده وعليه مِنْطَقةٌ قيمتُها خمسةَ عشَر ألفَ درهم، فنفَّلَه عمرُ إيَّاها (٦). وولَّى عليُّ بنُ أبي طالب كرم الله وجهه أبا قتادة مكةَ بعد عَزْلِ خالدِ بنِ العاص بن هشام عنها، ثم عزَلَه عنها وولَّاها قُثم بن العباس (٧). ولما قدم معاوية المدينة لم يلقه أحد من الأنصار سوى أبو قتادة (٨)، فقال له معاوية: لقيَني الناس كلُّهم إلا أنتم. فقال: لم يبق لنا معاشرَ الأنصار دوابّ. فقال معاوية: وأين نواضحُكم؟ فقال أبو قتادة: أَنْضَيْناها بها يوم بدر في طلب أبيك. فخجل معاوية (٩).

стр. 3330

وقد جاء مثلُ هذا عن قيس بن سعد. وتوفي أبو قتادة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنةً -وقيل: اثنتين وسبعين سنة- بالمدينة، وقيل: بالكوفة، في خلافة عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، والأولُ أصحّ. فولدَ أبو قتادة عبدَ الله، وعبدَ الرحمن؛ أُمُّهما سُلافة بنت البراء بن معرور. وثابتًا، وعبدَ الله (١) وأمَّ البنين؛ أمُّهم أمُّ ولد. وأمَّ أَبان؛ أمُّها من الأَزْد. أسندَ أبو قتادة عن رسول الله ﷺ ، قال قوم: روى مئة وسبعين حديثًا (٢)، وروى عن معاذ بن جبل وغيره، وروى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأنس، وابنُه عبدُ الله بنُ أبي قتادة، وابنُ المسيِّب، وأبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن، وعطاءُ بنُ يسار، في آخرين. ومن مسانيده ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صومُ يومِ عرَفةَ يكفِّر سنتَين؛ ماضية ومستقبلة، ويومُ عاشوراء يكفِّرُ سنةً ماضية" انفرد بإخراجه مسلم (٣). حكيم بن حزام ابنِ خُوَيْلِد بن أَسَد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وكنيتُه أبو خالد الأَسَديّ، قرشيّ، وهو ابنُ أخي خديجةَ بنتِ خُويلد زوجِ رسول الله ﷺ ، وابنُ عمِّ الزُّبير بنِ العَوَّام. وهو من الطبقة الرابعة مِمَّن أسلمَ يومَ الفتح، وأمُّه أمُّ حكيم بنت زهير [بن الحارث بن أسد] بن عبد العزّى، واسمُها زينب، وقيل: فاختة، وأمُّها سلمى بنت عبد مناف بن عبد الدار بن قُصي (٤).

стр. 3331

قال حكيم: وُلدتُ قبل عام الفيل بخمس عشرةَ -وقيل: بثلاث عشرة، وقيل: باثنتي عشرة- قال: وأنا أعقلُ حين أراد عبدُ المطَّلب أن يذبحَ ولدَه عبد الله، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بخمس سنين (١). ووُلد حكيم في الكعبة؛ كانت أمُّه تطوف بالبيت، فضربها المخاض، ففُتح لها بابُ الكعبة، وأُتِيَتْ بنِطْع، فولدَتْه عليه. وشهد حكيم مع أبيه الفِجار الأخير، وفي ذلك اليوم قُتل أبوه حِزام (٢). قال جعفر بن محمود (٣): بكى حكيم يومًا فقال له ابنُه: ما يُبكيك يا آية؟ قال: خِصال كلُّها أبكاني، أمَّا أوَّلُها فبُطءُ إسلامي حتى سُبقتُ في أماكنَ كلُّها صالحة، ونجوتُ يومَ بدرٍ ويومَ أُحُد، فقلتُ: لا أخرجُ من مكة أبدًا، ولا أُوضِعُ مع قريش ما بقيتُ. فأقمتُ بمكة، ويأبى اللهُ أن يشرحَ صدري للإسلام، وذلك لأني أنظرُ إلى بقايا من قريش لهم أسنانٌ متمسّكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم، ويا ليت أنِّي لم أقتدِ بهم، فما أهْلَكَنا إلا اقتداؤنا بآبائنا وكبرائنا. فلما غزا رسولُ الله ﷺ مكة جعلتُ أُفكِّر، وأتاني أبو سفيان بنُ حرب فقال: يا أبا خالد، إني لأخشى أنْ يأتيَنا محمد في جموع يثرب، فهل أنت تابعي على سَرِف (٤) نستعلِمُ الخبر؟ قلت: نعم. فخرجنا نتحدَّث ونحن مشاة، حتى إذا كنَّا بمرّ الظَّهْران (٥) [إذا رسول الله ﷺ في الدَّهْم من الناس، فـ] لقيَ العباسُ أبا سفيان، فذهب به إلى رسول الله ﷺ ، ورجعتُ أنا إلى مكَّة، فأغلقتُ بابي وقلت: لا أُخبرُ قريشًا بشيء من ذلك. فلما دخل رسول الله ﷺ فأمَّنَ (٦) الناسَ؛ جئتُه فأسلمتُ.

стр. 3332

وخرجتُ معه إلى حُنين، فاعطى رجالًا من المغنم أموالًا، وسألتُه يومئذ فألْحَفْتُ في المسألة؛ سألتُه مئةً من الإبل، فأعطاني إياها، ثم سألتُه مئة فأعطاني إيَّاها، ثم قال: "يا حكيم، [إن] هذا المال خضرةٌ حُلوة، فمن أخذَه بسخاوة نفسٍ بُورك له فيه، ومن أخذَه بإشراف نفس لم يبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكلُ ولا يشبع، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". فقال حكيم: والذي بعثكَ بالحقّ، لا أرْزَأُ أحدًا بعدَك شيئًا حتى أفارقَ الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى عطائه، فيأبى أن يأخذَه، وكذا عمر، فيقول عمر رضوان الله عليه: أيُّها الناس، أُشهدُكم على حكيم أنِّي أدعُوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذَه، فلم يَرْزَأ حكيم بعد رسول الله ﷺ [من] أحدٍ شيئًا حتى توفّي (١). وحكى الواقديُّ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "مَنْ دخَلَ دارَ أبي سفيان فهو آَمِنٌ، ومَنْ دَخَلَ دار بُديل بن ورقاء فهو آمِنٌ، ومَنْ دخلَ دار حكيم فهو آِمن" (٢). قال الزُّبير: شهد حكيم يومَ حُنين مسلمًا، وكان إذا حلفَ يقول: لا والذي نجَّاني يومَ بدر، وكان قد هرب في يوم بدر، وكان حكيم في جملة النفر الذين حملوا عثمان ﵁ وصلَّوْا عليه (٣). وحجَّ حكيم ومعه مئة بَدَنَة قد جلَّلها الخزّ (٤)، ووقفَ بعرفة ومعه مئة وصيف في أعناقهم الذهبُ والفضة، قد نقش عليها: عُتقاء الله (٥) عن حكيم بن حزام. فأعتقَ الجميع، ونَحرَ البُدْن، وأهدى ألفَ شاة. وأعتقَ مئة رقبة في الجاهلية، وحملَ على مئة بعير.

стр. 3333

قال حكيم: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ أمورًا كنتُ أَتحنَّثُ بها في الجاهلية من عِتاقة وصِلَةِ رَحِم، هل في فيها من أجر؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أسلمتَ على ما سلفَ لك من خير". فقلتُ: واللهِ لا أَدَعُ شيئًا صنعتُه في الجاهلية إلا فعلتُ مثلَه في الإسلام (١). كان حكيم سيِّدًا في الجاهلية والإسلام، جاء الإسلامُ وبيده دار النَّدوة، فباعها حكيم من معاوية بمئة ألف درهم، وقيل: بستين ألف دينار، فقال له عبد الله بن الزبير: بعتَ شرفَ قومِك ومَكْرُمَةَ قُريش. فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى، وقد اشتريتُ بها دارًا في الجنَّة، اشهدوا أَنِّي جعلتُها في سبيل الله تعالى (٢). وكان حكيم يقول: ما أصبحتُ يومًا وببابي طالب حاجة إلا علمتُ أنها من منن الله عليَّ. وما أصبحتُ يومًا وليس ببابي طالبُ حاجة إلا علمتُ أنها من المصائب التي أسألُ الله الأجرَ عليها (٣). وتوفي بالمدينة، قيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين، وعاش مئة وعشرين سنة؛ ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وكان لا يشربُ من الماء كلَّ يوم إلا شَربَة. ذكر أولاده ﵁: كان له من الولد خالدُ بنُ حكيم، وبه كان يُكنى، وعبدُ الله، ويحيى، وهشام، وأم شيبة؛ أمُّهم زينبُ بنتُ العوَّام بن خُويلد بن أَسَد (٤). وخالدٌ أكبرُ ولد حكيم؛ رُويَ عنه الحديث، وكان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وله صحبة ورواية. وكان لخالد من الولد عبدُ الله، وجُويرية (٥).

стр. 3334

وأما عبدُ الله بن حكيم فقُتل يومَ الجمل، وكان حاملَ اللواء (١)، وله عقب؛ عثمان، وأمُّ شيبة؛ أمُّهما سارة بنت الضحَّاك بن سفيان (٢). أدرك ولدُ حكيم كلُّهم رسولَ الله ﷺ ، وأسلموا يومَ الفتح. وهشام بن حكيم كان من فُضلاء الصحابة وخيارهم، ومِمَّن يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان عمر بنُ الخطاب إذا بلغه شيء يكرهُه يقول: أمَّا ما بقيتُ أنا وهشامُ بنُ حكيم؛ فلا يكونُ ذلك (٣). وكان هشام في نفرٍ من أهل الشام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليس لأحدٍ عليهم إمارة، وكانوا يمشون في الأرض بالنصيحة والإصلاح، يحتسبون، وكان هشام كالسائح لم يتَّخذ أهلًا ولا ولدًا (٤). قال عروة بن الزبير: إن هشام بن حكيم رأى ناسًا من أهل الذِّمَّة قيامًا في الشمس يُعَذَّبون، فقال: ما بالُ هؤلاء؟ قالوا: من أجل الجِزْية. فدخل على عُمير بن سعد وكان على طائفة من الشام، فقال هشام: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ عذَّبَ الناسَ في الدنيا عذَّبَه الله تعالى". فقال عُمير: خَلُّوا عنهم. انفرد بإخراجه مسلم (٥). أسند حكيم [بن حزام] عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه ابنُ المسيِّب، وعُروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وصفوان بن مُحْرِز، ويوسف بن ماهك، وعِراك (٦) بن مالك، والمطَّلب بن حنطب، ومحمد بن سِيرِين، وعطاء بن أبي رباح، في آخرين (٧). ذكر خالد بن حِزام: وأمُّه أمُّ حكيم، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين.

стр. 3335

أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، فنهشته حيَّة في طريقه، فمات قبل أن يدخل إليها، وفيه نزل: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. ومن ولده الضَّحَّاك بن عثمان، والمغيرة بن عبد الرحمن الحِزاميَّان، وكلاهما قد حمل العلم (١). والمغيرة بن عبد الله بن خالد بن حِزام، كان شريفًا، استعملَه ابنُ الزُّبير على اليمن (٢). ومن ولده المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة، من سَرَوات قريش، وأهل النَّدى والفضل، عَرَضَ عليه المَهْديّ القضاءَ ويعطيه مئة ألف درهم، فأبى واستعفى، فأعفاه. وأراد الحجَّ في تلك الأيام، فلم يجد ما يكتري به لنفسه، فحجَّ ماشيًا، وله أشعارٌ حِسان (٣). وابنُه إبراهيم بن المنذر الحِزامي من أئمة الحديث، وكان له مروءة وقدر (٤). ومن ولدِ خالد بن حِزام عثمانُ بنُ عبد الله بن خالد، كان من طلبة العلم والحديث (٥). والضَّحَّاكُ بنُ عثمان بن الضَّحَّاك بن عثمان، علَّامة قريش بالمدينة وأخبارها وأيامها وأشعارها، وهو وأبوه من أكبر أصحاب مالك (٦).

стр. 3336

وابنُه محمد بن الضَّحَّاك جالسَ الواقديَّ، وأخذَ عنه؛ قال الواقديّ: هذا الفتى خامسُ خمسة جالستُهم على طلب العلم، هو وأبوه الضحاك [وجدُّه عثمان، وجدُّ أبيه الضحاك] وجدُّ جدِّه عثمان بن عبد الله (١). ومات محمد بن الضَّحَّاك شابًّا، وقد كان خلفَ أباه في العلم، وظهرت مروءتُه (٢). وذكروا خالد بنَ حِزام له صحبة، وليس له رواية. حُوَيْطب بن عبد العُزَّى ابن أبي قيس بن عَبْد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ. ذكره ابن سعد فيمن نزل مكة من الصحابة (٣). ويكنى أبا محمد، وأمُّه زينب بنت علقمة من بني منقذ (٤). أسلم حُوَيْطب يومَ فتح مكة، وشهد مع رسولِ الله ﷺ حُنينًا والطائف، وأعطاه رسولُ الله ﷺ مئةَ بعير من غنائم حُنين مع المؤلَّفة قلوبُهم، واستقرض منه رسولُ الله ﷺ أربعين ألفًا (٥). وهو أحدُ شهود الكتاب الذي كتبَه رسولُ الله ﷺ بينه وبين أهل مكة عامَ الحُديبية، وهو الذي بعثَتْه قريش مع سُهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ في عُمرة القضاء وقد أقامَ ثلاثًا، فقالا: قد انقضى الأجلُ وما شرطتَ فاخْرُجْ عنَّا (٦).

стр. 3337

ثم سكنَ حُوَيْطب المدينةَ، وله بها دار عند البلاط، وخرج غازيًا إلى الشام مع الحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو (١). وهو أحدُ النفر الذين أمرهم عمر رضوان الله عليه بتجديد أنصاب الحَرَم، وكان فيمن دفنَ عثمان رضوان الله عليه (٢). وباع بالمدينة دارًا من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستشرف لها الناس، فقال معاوية: وما أربعون ألف دينار لرجل خلفه خمسةٌ من العيال (٣)؟!. وجاء به يومَ الفتح أبو ذرّ إلى رسول الله ﷺ ، فأسلمَ، ثم حَسُن إسلامُه (٤). دخل حُوَيْطِب على مروان، فقال له مروان: يا شيخ، تأخَّر إسلامُك حتى سبقك الأحداث! فقال له حُوَيْطِب: واللهِ لقد هممتُ بالإسلام غيرَ مرَّة؛ ما يمنعُني منه إلا أبوك؛ يقول: أتُضَيِّعُ شرفَك، وتدعُ دينَ آبائك لدينٍ مُحدَث؟ فخجل مروان وندم على قوله. فقال له حُويطب: فإنْ شككت في قولي فسَلْ عثمان بنَ عفان بما لَقِيَ من أبيكَ. فازداد مروان غمًّا (٥). وعاش حُوَيْطب مئةً وعشرين سنة؛ ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وتوفّي بالمدينة سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية، [وقيل: مات في آخر خلافة معاوية] وقيل: مات سنة اثنتين وخمسين، وقيل: استُشهد غازيًا بالشام (٦). وكان له أربعة أولاد: أبو سفيان، وسفيان، وأبو الحكم، وعبد الرحمن، أسلموا مع أبيهم (٧).

стр. 3338

سعيد بن يَرْبُوع ابن عنكثة (١) بن عامر بن مخزوم، كنيتُه أبو يربوع، وقيل: أبو مُرَّة، وقيل: أبو هود (٢). وكان اسمه أصْرَم، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ سعيدًا وقال له: أيُّما أكبرُ، أنا أم أنت؟ فقال: يا رسول الله، أنتَ أكبرُ وأنا أَسَنّ (٣). أسلم يوم الفتح، وشهد حُنينًا، وأعطاه رسول الله ﷺ خمسين بعيرًا من غنائم حنين، وهو أحد الذين جدَّدُوا أنصابَ الحرم (٤). وخرج مع عمر رضوان الله عليه إلى الشام في خَرْجَته الذي رجع فيها من سَرغ (٥)، ولما جمع مشيخة قريش واستشارَهم في رجوعه بسبب الطاعون؛ كان سعيد فيهم (٦). وذهب بصره فجاءه عمرُ رضوان الله عليه إلى منزله، فعزَّاه، فقال: لا أدعُ الصلاةَ في جماعة في المسجد، فأرسل إليه قائدًا من السَّبْي (٧). وكان من المعمَّرين؛ مات بالمدينة في هذه السنة وله مئة وعشرون سنة. وكان له من الولد: هُود، والحَكَم، وعُبيد الله (٨)، وعبد الرحمن، وعبد الله، وعياض، وعون (٩)، ونبطة (١٠)، وأمُّ حبيب، وآمنة (١١).

стр. 3339

وله صحبة ورؤية، وليس له رواية. سَوْدَة بنت زمعة ابن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي، أمّ المؤمنين ﵄، وأمها الشَّمُوس بنتُ قيس بن عَمرو، من بني النجار (١). وكانت قبل رسول الله ﷺ عند السكران بن عَمرو بن عَبْد شمس بن عَبْد وُدّ، وكان أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ومعه سودة، وكانت قد أسلمت قديمًا، وأولدَها عبدَ الله (٢). ومات السكران بالحبشة -وقيل: بمكة- قبل الهجرة (٣)، وتزوَّجها رسول الله ﷺ في السنة العاشرة من النبوَّة (٤)، وبسببها نزلَ الحجاب (٥). وسَوْدَةُ التي وهبَتْ يومَها لعائشة؛ قالت عائشة ﵄: كانت سَوْدَةُ بنتُ زَمعة قد أَسَنَّتْ، فكان رسولُ الله ﷺ لا يستكثرُ منها، وقد علمتْ مكاني من رسول الله ﷺ ، وأنه يستكثرُ مني، فخافت أن يُفارقها، وضنَّت بمكانها [عنده]، فقالت: يا رسول الله، إنَّ يومي الذي يُصيبني لعائشة، وأنتَ منه في حِل. فقبلَها رسولُ الله ﷺ (٦). ورويَ أنَّ النبي ﷺ قال لها: "اعتَدِّي". فقعدَتْ له على طريقه وقالت: أسألك بالذي اصطفاك على خلقه، أَطَلَّقْتَنِي لِمَوْجِدَةٍ وجدتَها عليَّ؟ قال: "لا" قالت: يا رسول الله، ما بي حُبُّ الرجال، ولكني أُحب أن أبْعَثَ في أزواجك، فراجِعني. فراجعَها (٧).

стр. 3340

وكانت عائشة ﵂ تقول: ما من الناس امرأةٌ أحب إليّ أن أكون في مِسْلاخها من سَوْدَة بنتِ زمعة، إلا أنها امرأةٌ فيها حسد (١). قال أبو هريرة: حجَّ رسول الله ﷺ بأزواجه عام حجة الوَداع، ثم قال: "هذه [الحجة]، ثم ظهورَ الحُصُر". فكان كل نساء النبي ﷺ يحجُّ إلا سَوْدة بنت زَمعة، وزينب بنت جحش؛ قالتا: لا تُحرِّكُنا دابة بعد رسول الله ﷺ (٢). وأطعمَ رسولُ الله ﷺ سَوْدَة بخيبر ثمانين وَسْقًا تمرًا، وعشرين وَسْقًا شعيرًا. ويقال: قمح (٣). وقالت عائشة ﵂: اختصمَ عَبْد بنُ زَمعة، وسعدُ بنُ أبي وقاص عند رسول الله ﷺ في ابنِ أَمَةِ زمعة، فقال عَبْد: يا رسول الله، أخي ابنُ أَمَةِ أبي، فقال سعد: أوصاني أخي: إذا قدمتَ مكَّة فانظر ابنَ أَمَةِ زَمعة فاقْبِضه، فإنه ابْني. فنظر رسول الله ﷺ ، فرأى شَبَهًا بيِّنًا بِعُتْبة، فقال: "هو لك يا عَبْد، الوَلَدُ للفراش، واحتَجِبي منه يا سَوْدَة". فما رآها حتى لَقِيَ الله (٤). وبعثَ عمر بنُ الخطَّاب رضوان الله عليه إلى سَوْدَة غرائر دراهم (٥)، فأمرَتْ جاريتَها ففرَّقَتْها. وتوفّيت سَوْدَةُ ﵂ بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثلاث. وقيل: ثلاث وعشرين وصلَّى عليها عمر رضوان الله عليه (٦).

стр. 3341

وأخوها: مالك بن زَمعَة كنيتُه أبو محمد، هاجر إلى الحبشة المرة الثانية، ثم قدم مع جعفر بن أبي طالب، وكان معه امرأتُه عُميرة بنت السعديّ، من بني عامر بن لؤي (١). ولما لك صحبةٌ ورؤية، وليس له رواية. أسندَتْ سَوْدَةُ رضوان الله عليها عن رسول الله ﷺ الحديث؛ قالت: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ أبي شيخ كبير، لا يستطيعُ أن يحجَّ. قال: "أَرأيتَكَ لو كان على أبيكَ دينٌ فقضَيتَ عنه دينَه، قُبل منك؟ " [قال: نعم] قال: "فاللهُ أرحَمُ، حُجَّ عن أبيكَ" (٢). عمرو بن أمية ابن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عَبْد بن ناشرة بن كعب بن جُدَيّ بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كِنانة الضمريّ، من الطبقة الثانية من المهاجرين. شهد بدرًا وأُحُدًا مع الكفار، ثم أسلم حين انصرف المشركون عن أُحُد. وكان شجاعًا فاتكًا، له إقدام، ويكنى أبا أمية؛ كنَّاه به رسولُ الله ﷺ . وأول مشاهده مسلمًا بئرُ مَعُونة في صفر على رأس ستةٍ وثلاثين شهرًا من الهجرة، فأسَرَتْه بنو عامر يومئذ، فقال له عامر بن الطُّفيل: قد كان على أمي نَسَمة، فأنتَ حرٌّ عنها. وجزَّ ناصيته. وقدم المدينة، ولقيَ قبل دخولها رجلين من بني كلاب، فقتلَهما، وأخبرَ رسولَ الله ﷺ بخبر بئر مَعُونة، فقال له رسول الله ﷺ : "أنتَ من بينهم" يعني أفلتَّ ولم تُقتل كما قُتلوا. وودَى رسولُ الله ﷺ الرجلين اللذين قتلَهما عمرو (٣).

стр. 3342

وبعث رسول الله ﷺ عمرو بنَ أمية ومعه سَلَمة بنُ أسلم بن جريش الأنصاري سريةً إلى مكة لقتل أبي سفيان بن حرب، فعُلِمَ بمكانهما، فهربا. وبعثه رسول الله ﷺ إلى النجاشيّ، فزوَّجه أُمَّ حَبِيبة بنتَ أبي سفيان، وحملَ جعفر إلى النبي ﷺ (١). وكانت لعمرو بن أمية دار بالمدينة عند الخرَّاطين، ومات بالمدينة في سنة أربع وخمسين. وكانت عنده سُخيلة بنتُ عُبيدة بن الحارث بن المطَّلب بن عبد مناف، فولدَتْ له نفرًا. أسند عمرو الحديث عن رسول الله ﷺ (٢). مَخْرَمَة بنُ نَوفَل ابن أُهيب بن عبد مَناف بن زُهرة بن كلاب القُرشيّ، الزُّهْريّ، كُنيتُه أبو المِسْوَر، وقيل: أبو صفوان، وقيل: أبو الأسود، وقيل: أبو مسعود. وهو من الطبقة الرابعة من مُسلِمة يومِ الفتح (٣). وكان عالمًا بأنساب قريش، وبأنصاب الحرم (٤). وأمُّه رُقَيقَة بنت أبي صيفيّ بن هاشم بن عبد مناف، لِدَةُ عبدِ المطَّلب (٥) صاحبة المنام (٦).

стр. 3343

وكان مَخْرمة من المؤلَّفة قلوبُهم، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه، وشهدَ حُنينًا والطائفَ، وأعطاه رسولُ الله ﷺ خمسين بعيرًا، وكان شَهْمًا لبيبًا، وأطعَمَه رسول الله ﷺ من خيبر (١) أربعين وَسْقًا. قال مخرمة لابنه: قد جاءت رسولَ الله ﷺ أقبية (٢)، فخُذْني إليه لعلَّه أنْ يُعطِيَنا منها شيئًا. فجاء به إلى باب رسول الله ﷺ ، فسمع صوتَه، فخرج وفي يده قَباء، فجعل يقول: "يا أبا المِسْور، خبأتُ هذا لك". وكانت فيه فَظاظة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "بئس أخو العشيرة" (٣). وذهب بصرُه في خلافة عثمان رضوان الله عليه (٤). ومات في سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين وهو ابن مئة وخمس عشرة سنة. [وقيل: ابن تسعين سنة، ووُلِدَ له وهو ابنُ خمس عشرةَ سنة] (٥). وكان له من الولد: المسور، وصفوان، والصَّلْت، وأمُّ صفوان؛ أُمُّهم عاتكةُ بنتُ عوف، أختُ عبد الرحمن بن عوف ﵁. أسند مَخْرَمة الحديثَ عن رسول الله ﷺ . مُرَّة بن شَراحِيل الهمداني من أكابر التابعين، يقال له: مُرَّةُ الخير، ومُرَّة الطَّيِّب؛ لعبادته؛ كان يصلِّي كلَّ يوم وليلة ألفَ ركعة، فلما ثَقُل وبَدَّنَ (٦)؛ صار يُصلِّي أربع مئة ركعة، وكانت مَبارِكُهُ مثلَ مبارك الإبل.

стр. 3344

وسجد حتى أكلَ الترابُ جبهتَه، فلما مات رأى رجلٌ في منامه وكأن موضعَ سجوده كهيئة الكوكب الدُّرِّيّ، فقال: ما هذا؟ قال: بُدِّلْتُ به ما ترى. قال: فكيف منزلك؟ قال: خير منزلة، أنا في دار لا يظعنُ عنها أهلُها ولا يموتون. وكان أثرُ العبادة بيِّن في وجهه وبين عينيه. أسند عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، رضوان الله عليهم، وغيرِهم (١). السنة الخامسة والخمسون وفيها: عزلَ [معاويةُ] عبدَ الله (٢) بن عَمرو بن غَيلان عن البصرة، وولَّاها عُبيدَ الله بنَ زياد. وسببُه أن عبدَ الله بن عَمرو خطبَ على منبر البصرة، فحصبَه رجلٌ من بني ضَبَّة يقال له: جُبير بن الضَّحَّاك، فأمرَ بقطع يدِه. فقُطعتْ يدُه، فقال بنو ضَبَّة: إنَّ صاحبَنا جنى على نفسه وقد عُوقب على جنايته، ولا نأمنُ أن يبلغَ خبرُه إلى معاوية، فيأتيَ منه أمرٌ يتضمَّن العقوبة العامَّة والخاصَّة، فاكْتُبْ لنا إليه كتابًا بأنه قُطع في شُبهة، ولو لم يثبت عليه. فكتبَ لهم، وأخطأ في كتابته (٣). فساروا إلى معاوية، ودفعوا إليه الكتاب وقالوا: قَطَعَه ظُلمًا، ونُريد القَوَدَ منه. فقال معاوية: أمَّا القَوَدُ من عمَالي فلا سبيل لكم عليه، وإنْ أحببتُم، فالدِّيَة في بيت المال. فوداه، ثم قال: قد عزلتُه عنكم، فمن تختارون؟ قالوا: مَنْ تَخْتار. وكان يعلم ميلَهم إلى عبد الله بن عامر، فقال: ما تقولون فيه، فقد علمتُم شرفَه وعفافَه وطهارتَه؟ فقالوا: أنتَ أعلم. فولَّى عليهم عُبيدَ الله بنَ زياد، واستخلفَ ابنُ زياد على خُراسان أسلمَ بنَ زُرْعة (٤)، واستقضى ابنُ زياد على البصرة زُرارةَ بنَ أَوْفى، ثم عزلَه وولَّى ابنَ أُذَيْنَة.

стр. 3345

وفيها عزل معاويةُ عبدَ الله بن خالد بن أَسِيد عن الكوفة، وولَّاها الضَّحَّاك بن قَيس الفِهْريّ. وحجَّ بالناس في هذه السنة مروان بنُ الحكم، وكان على المدينة (١) وفيها توفِّي الأَرقَمُ (٢) بنُ أبي الأَرقَم ابن أَسَد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي الأرقم عبد مناف، والأرقم من الطبقة الأولى من المهاجرين الأوَّلين. وكان من كبار الصحابة، قديمَ الإسلام، أسلمَ بعد سبعة، فكان سُبْع الإسلام، وقيل: بعد عشرة. واستخفى رسول الله ﷺ في داره من قريش، ودارُه بمكة على الصَّفا، وكان رسولُ الله ﷺ يدعو إلى الله فيها، وأسلم فيها جماعة كثيرة (٣). والأرقم صاحبُ حلف الفُضول (٤)، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأُحُدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وأسلم في دار [هـ] حمزةُ وعمرُ ﵄، وأعيانُ الصحابة (٥). وتصدَّق الأرقم بهذه الدار على ولده، وكان في نسخة كتاب الوَقْف: هذا ما قَضَى الأرقم في رَبْعِهِ، وهو ما حاذَى الصفا، أنها محرَّمةٌ، لا تُباع ولا تُورث، شهد هشامُ بنُ العاص [وفلان مولى هشام بن العاص] (٦).

стр. 3346

ولم تزل هذه الدار صدقةً قائمةً في أيدي ولدِه إلى زمن أبي جعفر (١)، فكان إذا حجَّ ينظُرُ إليها في طوافه وسعيِه، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن [بن حسن] بالمدينة؛ كان عبد الله بن عثمان بن الأرقم (٢) فيمن بايعَه ولم يخرج معه، فتعلَّق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة، فكبَّله بالحديد، وحبسه حتى باعه نصيبه منها بمئة ألف درهم (٣)، ثم تتبَّع إخوتَه حتى اشترى الجميع، ثم وهبها أبو جعفر لابنه محمد المهدي، ووهبها المهدي للخَيزُران أمِّ هارون وموسمى، فعُرفَتْ بها، فقيل: دار الخَيْزُران، فبنت بها مسجدًا [ثم] انتقلت إلى جعفر بن موسى الهادي، ثم بعدُ اشتراها غسان بن عبَّاد من ولد جعفر بن موسى. ذكر وفاته رضوان الله عليه: مرضَ الأرقمُ بالمدينة، فأوصى أن يُصليَ عليه سعدُ بنُ أبي وقَّاص ﵄، وكان سعد بالعقيق ومروان والي (٤) على المدينة، فاحتبس عليهم (٥) سعد لبعد المسافة، فقال مروان: أيُحبسُ رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لرجل غائب؟ وأراد الصلاةَ عليه، فلم يُمكِّنْه عُبيد الله (٦) بنُ الأرقم، وقامَتْ معه بنو مخزوم، ومنعوه، حتى جاء سعد، فصَلَّى عليه. ودُفن بالبقيع، وهو ابنُ بضع وثمانين سنة، وذلك في سنة خمس وخمسين، وقيل: في سنة ثلاث وخمسين. وكان له من الولد عُبيدُ الله (٧) لأمِّ ولد، وعثمان لأمِّ ولد، وكنيتُه أبو عمرو، وقيل: أمُّهما حُميدة بنت عبد الرحمن بن عوف.

стр. 3347

أدرك عُبيد الله (١) أيامَ عمر بنِ عبد العزيز رضوان الله عليه، واستُشهد غازيًا بالشام ولا عقب له. وكان له (٢) أمية ومريم، أمُّهما هند بنتُ عبد الله بن الحارث بن أسد بن خُزيمة. وصفيَّة لأمِّ ولد، ويتعادُّ ولدُ الأرقمِ إلى بضعة وعشرين إنسانًا؛ كلُّهم من ولد عثمان بن الأرقم، وبعضهم بالشام. وأما ولد عُبيد الله بن الأرقم، فانقرضوا، فلم يبقَ منهم أحد (٣). أسند الأرقم الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ قال الإمام أحمد ﵀: حدَّثَنا عبَّاد بن عبَّاد المهلَّبي عن هشام بن زياد، عن عثمان بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي عن أبيه -وكان من أصحاب النبي ﷺ [أن النبي ﷺ ]، قال: "إن الذي يتخطَّى رِقابَ الناسِ يومَ الجمعة، ويُفَرِّقُ بين الاثنين (٤)؛ كالجارِّ قُصبَهُ في النار". سعد بن أبي وقاص [واسم أبي وقَّاص] مالك (٥) بن أُهيب (٦) بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب بن مُرَّة، وكنيتُه أبو إسحاق، وأمُّه حَمنَة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وقيل: بنت أبي سفيان، وقيل: بنت أبي أسد. يلتقي مع رسول الله ﷺ في النَّسَب عند مُرَّة. ذكر إسلامه رضوان الله عليه: [قال ابن سعد بإسناده عن عامر بن سعد عن أبيه:] قال سعد ﵁: ما أسلمَ رجل قبلي إلا رجلٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه.

стр. 3348

[وفي رواية:] ولقد أسلمتُ [يوم أسلمتُ] وما فرض الله الصلوات الخمس. [وفي رواية:] وأنا ابنُ سبعَ عشرةَ سنة (١)، ولقد مكثْتُ سبعة أيام وإني لثلُثُ الإسلام (٢). ذكر صفته ﵁: [وحكى ابن سعد أنه] كان دَحداحًا، قصيرًا، غليظًا، ذا هامة، شَثْنَ الأصابع، آدمَ، أَفْطَسَ، أشعر (٣). وقيل: كان طُوالًا، وكان يخضب بالسَّوَاد، يلبسُ خاتمًا من ذهب (٤)، ويسبحُ بالحصى في يده (٥). [ذكر جملة من مناقبه وسيرته]: هو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأَحَدُ العشرة المبشَّرين، وأحدُ أصحاب الشُّورى، وشهد بَدرًا وأُحُدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير، وقيل: بينه وبين سعد بن معاذ، وهو أوَّلُ مَنْ رَمَى بسهم في سبيل الله، وفَدَّاه رسولُ الله ﷺ بأبيه وأمه؛ جمع له بينهما (٦). وفي "الصحيحين" عن علي كرَّم الله وجهه أنه قال: ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُفَدِّي أحدًا بأبويه إلا سعدَ بنَ مالك (٧).

стр. 3349

وقالت عائشة (١) ﵄: سهرَ رسولُ الله ﷺ ليلة، فقلت له: ما شأنُك؟ فقال: "ليتَ رجلًا صالحًا من أصحابي يَحْرُسُني الليلةَ". [قالت:] فبينا نحن على ذلك إذْ سمعتُ خَشْخَشَةَ سلاح، فقال: "مَنْ هذا؟ " فقال: أنا سَعدُ بنُ مالك. فقال: "ما جاء بك (٢)؟ " قال: وقعَ في نفسي خوفٌ عليك، فجئتُ أَحرُسُك. فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نامَ حتى سمعت غَطِيطَه. متفق عليه (٣). وعن عامر بن سعد أن أخاه عمر بن سعد انطلق إلى سعد وهو في إبلِهِ خارج المدينة، فلما راه سعد قال: أَعوذُ بالله من شرّ هذا الراكب. فنزل وجاء إليه وقال: يا أبه، نَزَلْتَ في إبلك وغنمك، وتركْتَ الناسَ يتنازعونَ المُلك بينهم؟! فضربَ سعدٌ في صدره وقال: اسكُتْ، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يُحبُّ العَبْدَ التَّقيَّ الغنيّ الخَفِيّ" انفرد بإخراجه مسلم (٤). وقد ظهرَتْ كراماتُ سعد ﵁ في ابنه عمر بقوله: أعوذُ بالله من شرِّ هذا الراكب، فإنه هو الذي كان مقدَّم العسكر الذي قاتلَ الحُسين ﵁ وقتلَه (٥). قال جابر بنُ عبد الله: أقبلَ سعدٌ والنبيُّ ﷺ جالسٌ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خالي، فلْيُرِني امرؤٌ خاله" (٦). يعني من جانب أمِّه، فإنَّها من بني زُهْرَة. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد ﵁ أنه قال: اللهم إنَّ لي بنين صغار (٧)، فأَخِّرْ عني الموت حتى يبلُغوا. فأخَّرَ الله عنه الموتَ عشرين سنة (٨). و [قال أبو نُعَيم:] كان سعد مُجابَ الدعوة؛ دعا له رسولُ الله ﷺ ، فقال: "اللهمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَه، وأجِبْ دعوتَه". فاستجابَ الله فيه (٩).

стр. 3350

وقال قيس بن أبي حازم: نبِّئْتُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ اسْتَجِبْ لسعدٍ إذا دعاك" (١). و [دعا] على أبي سعدة (٢)، وقال: اللهمَّ عَرِّضْه للفتن (٣). ودعا على الذي قال: وسعدٌ ببابِ القادسيّةِ مُعصَمُ (٤). فقتله الله. وكانت الصحابة تتَّقي دعوته. [وذكر أبو القاسم ابن عساكر قال:] خرجت جارية لسعد ﵁ يقال لها: زبرا، عليها قميص جديد، فكشفَتْها الرِّيح، فشدَّ عليها عُمر ﵁ بالدِّرَّة، وجاء سعدٌ ليمنعَها منه، فضربَه عُمرُ بالدِّرَّة، وفذهبَ سعدٌ ليدعوَ على عمر، فناولَه عمرُ رضوان الله عليه الدِّرَّة وقال: اقتصَّ. فعفا عنه سعد (٥). [قال ابن عساكر:] وسمع سعدٌ ﵁ رجلًا يتناولُ عليًّا وطلحةَ والزُّبَير ﵃، فقال: لَتَكُفَّنَّ عن سَبِّهم وإلا دعوتُ عليك. فقال: أَتُخَوِّفُني بدعائك؟ فقال سعد ﵁: اللهمَّ أَرِنا فيه آيةً اليومَ تكونُ عِبْرةً للعالمين. فجاءَتْ بُخْتٌ (٦) نادَّة لا يردّها أحدٌ، فخبَطَته بقوائمها حتى مات.

стр. 3351

[قال:] وكانت له ابنةٌ طولُها نحو الذراع (١)، فقيل: ما بالُها؟ قالوا: جاءَتْه يومًا بطَهور، وغمست يدها فيه، فلطمها وقال: لا شبَّ اللهُ قَرْنَكِ (٢). فبَقِيَتْ على حالها (٣). [قال:] واطَّلَعَتْ عليه يومًا امرأةٌ في بيته وهو يتوضأ، فقال: شاهَ وجهُك. فعاد وجهُها في قفاها. [ومن هذا شيءٌ كثير]. و [قال ابن سعد:] ثبتَ سعد ﵁ يوم أُحُد حين وَلَى الناس (٤)، وكان في جيش أسامة إلى مُؤْتة (٥). [قال:] وهو الذي فتحَ القادسيَّة ومدائنَ كسرى، واختطَّ الكوفة (٦)، وبنى فيها قصرًا، ووَلِيَها لعمر وعثمان رضوان الله عليهما، وشهد الجابية (٧)، وكان بيده إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم الفتح (٨). [وقال هشام:] وكان قد شرعَ سعدٌ في بناء دارٍ بالمدينة، فقال عمر ﵁: اذْهبْ إلى العراق. فقال: تشغلُني عن بناء داري. فقال عمر: اذْهبْ وأنا أبنيها لك. فكان عمر يحضُرُ عمارتَها. فيقال: إن ذلك البناءَ قائم إلى اليوم بحاله، وهي بالبَلاط (٩). و [قال الهيثم:] لما قُتل عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه قال له ابنُ أخيه هاشم بنُ عُتبة: ها هنا مئة ألف سيف يرونك أحقَّ بهذا الأمر من جميع الناس. فقال: أُرِيدُ من

стр. 3352

المئة ألفِ سيف سيفًا يُعرفُ [به] المؤمنُ من الكافر، فإذا ضربتُ به الكافرَ قطع، وإذا ضربتُ به المؤمنَ لم يقطع. فانصرفَ هاشم إلى عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فشهدَ معه صفِّين (١). واعتزلَ سعدٌ الناسَ بعد قتل عثمان ﵁، فنزل بالعقيق [بمكان يقال له: قَلَهيَّا] (٢) واحتفرَ بئرًا فأعذب ماؤها (٣)، وقال لأهله: لا تخبروني بشيء حتى يجتمع الناس على إمام. [وهل شهد التحكيم؟ فيه قولان، وقد ذكرناه هناك] (٤). ذكر وفاته رضوان الله عليه: [حكى ابن إسحاق عن أشياخه قالوا:] كان له جُبَّةٌ قد لَقِيَ المشركين فيها يوم بدر وأُحُد (٥)، فأَوْصى أنْ يُكَفَّنَ فيها وقال: إنَّما كنتُ أدَّخِرُها لمثل هذا اليوم (٦). وقالت عائشة بنت سعد (٧): مات أبي بالعقيق في قصره على عَشَرَة أميال من المدينة، فحُمل على أعناق الرجال إلى البقيع، وصلَّى عليه مروان، وهو والي المدينة يومئذٍ، وذلك في سنة خمس وخمسين، وكان يومَ مات [ابن] بضع وسبعين سنة. قال الواقدي: وهذا أثبتُ ما روينا في وفاته.

стр. 3353

وقال ابن سعد: وقد سمعتُ عن بعض أهل العلم أنه مات سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، وقيل: وسبع وخمسين، وثمان وخمسين، والأوَّلُ أصحّ (١). قال: وصلَّى عليه أزواج رسولِ الله ﷺ في حُجَرِهِنَّ، ودُفن بالبقيع. وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: أدخِلُوا جِنازة سعد إلى المسجد لأُصلِّيَ عليها. فأنكر الناسُ عليها، فقالت: ما أسرعَ ما نَسِيَ الناسُ، واللهِ ما صلَّى رسولُ الله ﷺ على سُهيل بن بيضاء وأخيه إلا في جوف المسجد (٢). [وقال ابن سعد: سُئل الزّهري: أَيجوزُ حملُ الميّت من أرض إلى أرض؟ فقال: قد حُمل سعدٌ وغيرُه من العقيق وغيره إلى المدينة، ولم ينكر أحدٌ عليهم] (٣). ذِكرُ ميراثه وما خلَّف: [قال هشام وابن سعد:] خلَّف سعد ﵁ مئتي ألف درهم، وخمسين ألفًا. وحكى ابن سعد عن الواقدي بإسناده إلى عائشة بنت سعد قالت (٤): أرسل أبي سعدٌ إلى مروان بن الحكم بزكاة عين مالِه خمسةَ آلافِ درهم. وقاسمه عمر بنُ الخطاب ماله لَمَّا عَزَلَه عن الكوفة (٥). وفي سنَّه قولان: أحدهما: بضع وسبعون سنة. والثاني: اثنان وثمانون سنة. وهو آخر العشرة موتًا ﵁ (٦).

стр. 3354

ذِكرُ أولادِه ﵁: كان له أربعون ولدًا ما بين ذكرٍ وأنثى، وقيل: أربعٌ وخمسون، منهم: إسحاقُ الأكبر، وبه كان يُكنى، دَرَجَ، وأمُّ الحكم (١) الكبرى؛ أمّهما ابنةُ شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة. وعُمر، ومحمد، وحفصة، وأُمّ القاسم، وأمُّ كلثوم؛ أمُّهم مارية (٢) بنتُ قيس بن معدي كرب؛ كِنْديَّة. وعامر، وإسحاق الأصغر، وإسماعيل، وأمُّ عِمران؛ أمُّهم أمُّ عامر بنت عَمرو، من بَهْراء. وإبراهيمُ، وموسى، وأمُّ الحَكَم الصُّغرى، وأمُّ عَمرو، وهند، وأمُّ الزُّبير، وأمُّ موسى؛ أمُّهم زَبَد، يزعم (٣) بنوها أنها بنت الحارث بن يَعْمَر (٤)، من بني بكر بن وائل؛ أُصِيبَتْ سِباءً. وعَبدُ الله؛ أمُّه سلمى بنت الحارث، من بني تَغْلب بن وائل. [ومصعب، وأمُّه خولة بنت عمرو .... ] (٥). وعبدُ الله الأصغر، و [بُجَير، واسمُه] عبد الرحمن، وحَمِيدة؛ أُمُّهم أمُّ هلال بنتُ ربيع، من مَذْحِج. وعُمير الأكبر، دَرَجَ قبل أبيه، وحَمْنَة؛ أمُّهُما أمُّ حكيم بنت قارظ (٦)، من بني زُهْرة (٧).

стр. 3355

وعُمير الأصغر، وعَمرو، وعِمران، وأمُّ عمرو، وأمُّ أيوب، وأمُّ إسحاق؛ أمهم سلمى بنت خَصَفَة بن ثَقْف (١) بن ربيعة، من بني عُكابة. وصالح؛ نزلَ الحِيرة لشرٍّ وقعَ بينه وبين أخيه عُمر بن سعد، ونزلَها ولدُه، ثم نزلُوا رأس العين، وأمُّه طيبة (٢) بنت عامر بن عُتبة، من النمر بن قاسط (٣). وعثمان، ورَملة؛ أمُّهما أمُّ حُجَيْر. وعَمْرة، وهي العمياء، تزوَّجَها سهيل (٤) بن عبد الرحمن بن عوف؛ أمُّها سَبيَّة. وعائشة؛ أمُّها زين بنت الحارث، من بكر بن وائل (٥). فهؤلاء ستة وثلاثون ولدًا، منهم ثمانية عشر ذكرًا، وثمانية عشر أنثى. فأعيانُهم: محمد بنُ سَعد من الطبقة الأُولى من التابعين من أهل المدينة، كنيتُه أبو القاسم، وكان قد خرجَ مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وشهدَ دَيرَ الجماجم، ثم أُتيَ به إلى الحجّاج، فقتلَه (٦). وقد سمعَ من عثمان رضوان الله عليه، وكان ثقةً، له أحاديثُ ليست بالكثيرة. وكان له من الولد إسماعيل، وكان من فقهاء قريش، وإبراهيم، دَرَجَ (٧)، وأمُّ عبد الله، وعائشة، وهم لأمَّهات أولادٍ شتَّى.

стр. 3356

عامر بنُ سَعد من الطبقة الأولى أيضًا، توفي سنة أربعٍ ومئة. وقيل: توفِّي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. وكان ثقة كثير الحديث. وكان له من الولد داود، ويعقوب؛ لا عقب له (١)، وأمّ إسحاق، وحفصة، وحميدة، وأمُّ هشام، وأمّ عليّ؛ أمُّهم [أمُّ] عُبيد الله، من الأشعريّين. عمرُ بنُ سَعد من الطبقة الأولى أيضًا، وكان بالكوفة قد استعمله عُبيد الله بنُ زياد على الرَّيِّ وهمذان، وقطع معه بعثًا. فلمَّا قدمَ الحسينُ ﵇ العراقَ أمره عُبيد الله أنْ يسيرَ إليه، وبعثَ معه أربعةَ آلافٍ من جُنده، وقال له: إنْ وضَعَ يدَه في يدي؛ وإلَّا فقاتِلْه. فأبَى عُمر، فقال: إنْ لم تفعلْ هدمتُ دارَك، وعزلتُك عن عملك. فسار إلى الحسين، فقاتَلَه حتى قُتِلَ الحسين ﵇. فلما غلبَ المختارُ على الكوفة قَتَلَ عُمرَ وابنَه حَفْصًا. وكان لعمر بن سعد من الولد: حفص، وحفصة، وأمُّهما مريم بنتُ عامر بن أبي وقاص. وعبدُ الله الأكبر لأمِّ ولد؛ تُدعى سلمى. وعبدُ الرحمن الأصغر، وأمُّ عَمرو، وأُمُّهما أمُّ يحيى بنتُ عبد الله بن معدي كرب، من كِنْدَة. وحمزةُ، وعبدُ الرحمن، ومحمد، ومغيرةُ لا عقب له، وحمزةُ الأصغر؛ أُمُّهم أُمُّ ولد. ومحمدُ الأصغر، والمغيرة، وعبد الله؛ لأُمَّهاتِ أولاد (٢).

стр. 3357

وأمُّ يحيى، وأمُّ سَلَمة، وأمُّ كلثوم، وحميدة، وحفصة الصغرى (١)، وأمّ (٢) عبد الله، لأمهات أولاد. عَمرو بن سَعد من الطبقة الأولى أيضًا، قُتلَ يومَ الحرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين (٣). عُمير بن سعد من الطبقة الأولى أيضًا، قُتل يومَ الحَرَّة (٤). مصعب بن سَعد من الطبقة الأولى أيضًا، توفِّي سنةَ ثلاثٍ ومئة، وكان له من الولد زُرَارة، ويعقوب [وعقبة] (٥) وأمُّهم أمُّ حسن بنتُ فَرقَد، من ضَبَّة. وسَلامَة وأمُّ حسن؛ أمُّهما سُكَينة بنتُ الجليس، من بني زُهرة. وكان مصعب ثقةً كثيرَ الحديث، نزلَ الكوفة، ورَوَى عن علي ﵇ (٦)، وروى عنه إسماعيلُ بنُ أبي خالد (٧). إبراهيم بن سَعد من الطبقة الأولى أيضًا، روى عن عليّ ﵇، وكان ثقة كثيرَ الحديث (٨) يحيى بن سَعد من الطبقة الأولى أيضًا.

стр. 3358

[إسماعيل بن سعد من الطبقة الأولى أيضًا] (١) كان له من الولد يحيى؛ أمُّهُ بنتُ سُليمان (٢)، من بني زُهْرة. وإبراهيم، وأبو بكر، ومحمد، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وعمران، وأمُّ يحيى، وأمُّ أيوب؛ لأمَّهاتِ أولادٍ شتَّى. عبد الرحمن بنْ سعد أمُّه أمُّ هلال، من طيِّئ (٣). عائشة بنت سعد روت عن أبيها، وعن عدَّةٍ من أزواج رسول الله ﷺ . قالت: كنتُ أدخلُ على أزواج رسول الله ﷺ وعليَّ الحُلِيّ والذهب، لا يُنكرون عليَّ، وما رأيتُ على واحدةٍ منهنَّ ثوبًا أبيض. وفي رواية: رأيت عليهن مُعَصْفَرات (٤). ذكر إخوة سعد ﵁: كان له عُتْبة، وهو الذي شَجَّ جبينَ رسولِ الله ﷺ يومَ أُحُد، وكَسَرَ رَباعِيَتَه، ثم أسلمَ وماتَ مسلمًا، وأوصى إلى أخيه سعد (٥).

стр. 3359

وولدُه هاشمُ بنُ عُتْبة يُسمَّى المِرْقال، قُتل يومَ صِفِّين مع عليّ ﵇ (١). أسندَ سعدٌ ﵁ الحديث؛ قال قوم: مئتي حديث وأحدًا وسبعين حديثًا، وقيل دون ذلك (٢). وروى عن أبي بكر، وعمر رضوان الله عليهما (٣). وروى عنه: ابنُ عمر، وابنُ عبَّاس، وجابر بنُ سَمُرة، وعائشة، وبنو سعد: عامرٌ، ومصعبٌ، ومحمدٌ، وإبراهيمُ، وعمرُ، وعائشةُ. وابنُ المسيِّب، وإبراهيمُ بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وقيس بنُ أبي حازم، وعَمرو بنُ ميمون الأَوْدي، وشُريح بن هانئ بن يزيد النَّخَعي، والأحنف بن قَيس، وأبو عبد الرحمن عبدُ الله (٤) بنُ حبيب السُّلَمي، وعروة بنُ الزبير في آخرين (٥). أبو اليَسَر كعب بن عمرو ابن عبَّاد بن عمرو بن سَواد (٦) الخزرجي، من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني سَلَمة. وأمّه نُسَيبَة بنت قيس، من بني سَلَمة. شهد العقبةَ، وبدرًا وهو ابنُ عشرين سنة، وأُحُدًا، والخندقَ، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وكان رجلًا دحداحًا قصيرًا ذا بطن. وتوفّي بالمدينة سنة خمس وخمسين، وله عقب بالمدينة. وهو الذي أسَرَ العباسَ ﵁ يومَ بدر، وشهدَ مع على مشاهدَه كلَّها، وهو آخِرُ أهلِ بدرٍ موتًا (٧).

стр. 3360

أسندَ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ؛ قال الإمام أحمد ﵁ (١): حدَّثَنا معاوية بنُ عَمرو، حدَّثنا زائدة، عن عبد الملك بن عُمير، عن رِبْعيّ قال: حدَّثني أبو اليَسَر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَع عنه؛ أظلَّه اللهُ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه". وكان له من الولد عُمير، ويزيد، وعائشة، ﵃ (٢). السنة السادسة والخمسون وفيها دعا معاويةُ الناسَ إلى بيعةِ يزيدَ ابنِه، وجعلِه وليَّ عهدِه من بعده. وله أسباب: أحدها أن معاوية كان جعلَ الأمر من بعده للحسن بن علي ﵉، فلما ماتَ الحسن رحمة الله عليه، عهد معاويةُ إلى عبد الله بن أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، فماتَ، وتركَ مئتي ألف دينار. ولما احتُضر قال: يا ليتني كنت غلامًا لغلمان المهاجرين، ويا ليت هذه الدنانير كانت بعرًا. قال أبو ريحانة: الله أكبر! يفرُّون إلينا، ولا نفرُّ إليهم. فلما مات بايع معاوية لابنه يزيد، وقد كان معاوية كتب إلى زياد بن أبيه يستشيرُه في البيعة ليزيد، فمنعَه من ذلك، وبعثَ إليه عبيدَ الله بنَ كعب الأسديّ (٣)، وأوصاه زياد، فقال: يا عُبيد الله، لكل مستشير ثقة، ولكلِّ [سرٍّ] مستودع، وقد أبدَع بالناس خصلتان: إذاعةُ السِّرِّ، وإخراجُ النصيحة [إلى غير أهلها]. وليس موضع السِّرِّ إلا أحدُ رجلين: رجلِ آخرةٍ يرجو ثوابًا، ورجلِ دنيا له شرف وعقلٌ يصون بهما نفسه، وقد ظننتُهما بك، وإني دعوتُك لأمر اتّهمتُ عليه بطون الصحف، إن معاوية كتب إليَّ يزعمُ أنه قد أجمع رأيه على توليته يزيدَ ابنَه أمرَ هذه الأُمَّة، وهو يتخوَّف نُفْرةَ الناسِ عليه لِما عليه يزيد من الهَنات القبيحة. فاذهَبْ إليه فقل له: رويدك لا تعجل، فإنَّ العَجَلَةَ من الشيطان.

стр. 3361

فقال عُبيد الله: فعندي رأيٌ أعرضُه عليك. قال: وما هو؟ قال: لا تُهجِّنْ على معاوية بوأيه في ابنه وتبغّضه إليه، فإن رأيتَ أَلْقَى يزيدَ سرًّا من معاوية أُخبرُه برأي أبيه فيه، فعساه أنْ يَنْزعَ عمَّا هو عليه، فلا يبقي لأحد على معاوية حجّة. فقال: افعل. فقدم عُبيدُ الله دمشقَ، فلقيَ يزيدَ، فأخبره، فأَقْطَعَه ووصلَه، واجتمع عُبيد الله بمعاوية، وقال له: يقول لك أخوك: التأنِّيَ والتُّؤدَة. فكَفَّ معاويةُ عن ذلك (١). وقال ابنُ عبد ربّه: إنَّ معاوية إنَّما دعا الناسَ إلى بيعة يزيدَ برأي المغيرة بن شعبة حين كَبِر، وخافَ أن يعزلَه معاوية، فكتب المغيرةُ إلى معاوية يستقيلُه، فأمره بالقدوم عليه، فلما قدم عليه استقاله وقال له: لو نَضَبْتَ للناس عَلَمًا من بعدك يصيرون إليه. قال: مَنْ تَرَى؟ قال: يزيد. قال: فارجع إلى عملك. ولقي المغيرةُ يزيدَ، فأَخْبَرَهُ، فقال يزيد لأبيه: رُدَّ المغيرة إلى عمله. وكان معاويةُ قد عَمَدَ على أن يُوَلِّيَ الكوفةَ سعيدَ بنَ العاص، وقال معاوية للمغيرة: أرسل إليَّ جماعةً من أهل العراق يسألوني. فخرج من عنده وهو يقول: واللهِ لقد (٢) وَضَعتُ رِجْلَه في رِكابٍ طويلٍ على (٣) أُمَّة محمد ﷺ (٤). قال المصنف ﵀: والأصحُّ أن معاويةَ لم يعهد إلى يزيد إلا في هذه السنة، وكان يستشير زياد فيثبِّطُه، ويستشير المغيرة؛ فإذا ثبَّطَه هدَّدَهُ بالعَزْل، وإذا أجابَه أبقاه. ومات زياد ومات المغيرة والأمرُ بحاله إلى هذه السنة. وكان معاوية يتخوَّف الناسَ أن لا يُجيبونه (٥)، فما زال يتوصَّل إلى الأشراف من أهل الشام، ويُطلقُ لهم الأموال، فلما استمالهم دعاهم إلى البيعة.

стр. 3362

وقال المدائني (١): جمع معاويةُ الناسَ للبيعة لابنه يزيد، فلم يدرِ ما يقول، فقام رجل من عُذْرَة، يقال له: يزيد بن الفُجيع (٢) وفي عنقه سيف، فاخترطَ منه شبرًا، وقال: أميرُ المؤمنين هذا. وأشار إلى معاوية. فإن فُقد فهذا. [وأشار إلى يزيد -وكان إلى جانب أبيه- فمن أبي فهذا]. وأشار إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت أخطبُ العرب، وأمر له بمال. قال الهيثم [بن عدي]: ولما بلغ الخبرُ إلى المدينة بذلك اجتمعتِ الشيعة إلى الحسين بن علي ﵉، وعظَّموا ما فعل معاوية وقالوا: وَلَّى على الناس من يشربُ الخمر، ويلعب بالقرود والمعازف وغيرها! فقال الحسين ﵇: الصبرَ الصبر. وكتب مروان إلى معاوية بما جَرَى، فكتب إلى الحسين ﵁: أمَّا بعد، فقد انتهت إليَّ أمور أرغبُ بك عنها (٣)، فإنْ كانت حقًّا لم أُقارِّك عليها، ولَعَمري إنَّ من أعطَى صَفقَة يمينه وعَهْدَ اللهِ وميثاقَه لَحَرِيٌّ (٤) بالوفاء، وإنْ كانت باطلًا فأنتَ أسعدُ الناس بمجانبتها، إنك متى تُنْكِرْني أُنْكرك، ومتى تَكِدْني أَكِدْك، وأخوك كان أشرفَ منك، فاتَّقِ الله، "ولا يستَخِفَّنَّك الذين لا يوقنون" لا تحمِلْني يا حسين على القَطِيعة، ولا تردَّ الأمةَ في الفتنة. والسلام (٥). قال أبو اليقظان: فكتَبَ إليه الحسين ﵁: أمَّا بعد، فقد وصلَني كتابُك تذكرُ فيه كيتَ وكيت. فأمَّا ما نُمِيَ إليك؛ فإثما أنماه المَلَّاقون المشَّاؤون بالنمائم، المفرِّقون بين الجمع، وإني لا أُريد خلافًا عليك. وايمُ الله، إني لقد تركتُ ذلك، وإني أخافُ الله في تركه، وما أظنُّ الله راضيًا عني بترك محاكمتي إياك إليه، ولا عاذري فيك وفي أوليائِك الجائرين القاسطين أولياءِ الشياطين، أَلَسْتَ قاتلَ حُجْر بنِ عَدِيّ وأصحابِه

стр. 3363

المصلِّين القائمين الصائمين، المنكرين الظلم والبِدَع، لا يخافون في الله لَوْمةَ لائم؟ ألستَ الذي أعطيتَهم العهودَ والمواثيق والأَيمان المغلَّظة أنك لا تقتلُهم وأمرتَهم بالتَّبرِّي من أمير المؤمنين، ثم غَدَرْتَ عليهم فقتلتَهم؟ ألستَ المدَّعيَ لزياد بن سُميَّة المولودِ على فراش عُبيد عبدِ ثقيف، وزعمتَ أنه ابنُ أبيك، وقد سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "الولدُ للفراش، وللعاهِرِ الحَجَر" فخالفتَ رسول الله ﷺ ، واتَّبعتَ هواك، ثم سلَّطْتَه على أمَّة محمد ﷺ ؛ يقطعُ أيديَهم، ويَسْمُلُ أعينَهم، ويصلُبُهم في جذوع النخل، ويدفِنُهم أحياءً؟ ألستَ الذي اخترتَ لأُمَّة محمد ﷺ ابنَكَ يزيدَ الفاسقَ الذي يدعُ الصلوات، ويظلُّ سكرانًا من الخمر، ويلعب بالطنابير والمعازف والقرود والصيود، ويُجاهرُ الله بما يعلمُه، ولا يخفَى عليك منه خافية؟ وأما قولُك: اتَّقِ الله، ولا تَرُدَّ الأمَّةَ في الفتنة؛ فما أَعلمُ فتنةً أعظمَ من نفور المسلمين إيَّاك على ما أنتَ عليه (١)، ولا أعلم نظرًا لديني ولنفسي أفضلَ من جهادك، لكن لك عندنا عهودٌ ومواثيقُ، فاتَّقِ الله يا ابْنَ صَخْر، وأيقِنْ بالحساب، وتأهَّبْ للقصاص، فإنَّ للهِ كتابًا لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. والسلام (٢). فلما قرأ معاويةُ كتابَه استشاطَ غيظًا، وكتبَ إلى مروان أَنْ يأخذَ البيعةَ ليزيد على أهل الحجاز. فلما ورد كتابه على مروان، صَعِدَ المنبر وقال: سنَّةُ أبي بكر الراشدة الهادية المهديَّة أنَّ أمير المؤمنين قد كَبِرَ سِنُّه، ورَقَّ عَظْمُه، وخافَ أن يأتيَه أجَلُه فيدعَ الناسَ كالغنم بغير راعٍ، وقد أَبها أن يُقيم للناس إمامًا، وقد أقام ابنَه يزيدَ. فصاح به عبد الرحمن بنُ أبي بكر الصّدِّيق ﵄: كذبتَ وكذبَ معاوية، لا يكون ذلك أبدًا، ولا تُحْدِثُوا علينا سُنَّةَ الروم، كلَّما ماتَ هِرَقْلٌ؛ قام هِرَقْلٌ مكانَه. يا مروان، ما منعَ أبا بكر وعمر أن يستخلفا أحدًا من أولادهما؟ إنَّ (٣) أبا بكر ترك الأهل

стр. 3364

والعشيرة، وعدلَ إلى رجل من بني عَدِيّ بن كدب لَمَّا رآه أهلًا، وأنتُم تتَّخِذُونها هِرَقْلِيَّة! لاها اللهِ ذا. فغضب مروان وقال: هذا الذي أنزلَ اللهُ فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ الآية (١). قال ابنُ عساكر. وكانت عائشةُ رضوان الله عليها في الحُجرة تسمع، فقالت: كذبتَ يا مروان، إنما أنزل الله ذلك في فلان، ولو شئتُ لسمَّيتُه، ولكن أشهدُ أنَّ رسول الله ﷺ لعنَ أباك وأنتَ في صُلْبِه يومئذ (٢). يا ابنَ الزرقاء، أعلينا تتأوَّلُ القرآن؟! لو شئتُ لقلتُ قولًا يَخرج من أقطارها. فقال مروان: ما هذا بأوَّل يومِنا. ونزل من المنبر، وخاضَ الناس، وكادت أن تكون فتنة، فكتبَ مروان إلى معاوية، فأخبره الخبر (٣). وقال ابنُ عَوْن: بايعَ الناسُ ليزيد إلا خمسةَ نَفَر: الحُسَين بن عليّ، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس، ﵁، فإنهم امتنعوا من البيعة ﵃ أجمعين (٤). ذكر قدوم معاوية المدينة: لما كتبَ إليه مروانُ يخبرُه بما جرى، قدمَ المدينةَ معتمرًا، وذلك في رجب، فدخلَ على عائشةَ ﵂، فحمدت الله، وصلَّت على رسول الله ﷺ ، وذكَرَتْ سيرةَ أبي بكر وعُمر ﵄، وحضَّتْه على الاقتداء بهما، وذكرت يزيدَ، فنالتْ منه، فقال لها معاوية: يا

стр. 3365

أمَّ المؤمنين، أنتِ العالِمةُ بالله، دَلَلْتِنَا (١) على الحق، وحَضَضْتِنا على حَضِّ أنفسنا (٢)، وأَنتِ أَهل أنْ يُطاعَ (٣) قولُك، ويُمتثلَ أمرُك، وقد كان أمرُ يزيد قضاءً من القضاء، وليس للعباد الخِيرَة في أمرهم، وقد وكَّد الناسُ ببيعته في أعناقهم، وأعطَوْه العُهود والمواثيق، أَفَتَرَيْنَ أنْ يَنْقُضُوا عهودَهم؟ ثم قام وهو يقول: تاللهِ ما رأيتُ خطيبًا أبلغَ من أمّ المؤمنين اليوم (٤). قال الشعبي: ثم صَعِدَ معاويةُ المنبر وقال: إنَّا قد بايعنا يزيدَ، فبايِعُوا، فصاحَ به الحُسين ﵇: لا ولا كَرامَة، أنا - واللهِ- أَحقُّ بها من يزيد، أبي خيرٌ من أبيه، وأمِّي خير من أمِّه، وجدِّي خيرٌ من جدِّه، وأنا خير منه. يا معاوية، أنتَ أعلمُ الناسِ بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، وأنتَ ذاهب إلى الله، فاخْتَر لنفسك والأمةِ. وقال ابن عَوْن: لَمَّا قدم معاويةُ المدينةَ؛ أرسلَ إلى الحسين ﵁، فقال: يا ابنَ أخي، قد اسْتَوْسَقَ (٥) الناسُ لهذا الأمر غيرَ خمسةِ نفرٍ؛ أنتَ رأسُهم وقائدُهم. فقال الحسين: ابْعَثْ إليهم، فإنْ بايَعُوا؛ كنتُ رجلًا منهم، فأخذَ عليه معاويةُ العهودَ أنْ يكتُم ذلك. فخرج من عنده وقد أقعدَ له ابنُ الزُّبير رجلًا، فسألَه عن الحال، فأخبرَه ببعض الأمر. ثم أرسلَ معاويةُ إلى ابن الزبير، فقال له مثلَ ما قال للحسين، وردَّ عليه ابنُ الزُّبير مثلَ ما ردَّ الحُسينُ، وخرج من عنده. ثم أرسلَ إلى ابن عمر، فكلَّمه بكلام ألينَ من كلامه للحسين وابنِ الزبير وقال: قد اسْتَوْسَقَ الناسُ لهذا غيرَ خمسة من قريش، أنتَ تقودُهم، فقال: أنا أبايعُك على أن أَدخُل بعدَك فيما تُجمع عليه الأمة. قال: وتفعل؟ قال: نعم. ثم خرجَ إلى بيته.
следующие страницы →