← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

فقال عُبيد الله: فعندي رأيٌ أعرضُه عليك. قال: وما هو؟ قال: لا تُهجِّنْ على معاوية بوأيه في ابنه وتبغّضه إليه، فإن رأيتَ أَلْقَى يزيدَ سرًّا من معاوية أُخبرُه برأي أبيه فيه، فعساه أنْ يَنْزعَ عمَّا هو عليه، فلا يبقي لأحد على معاوية حجّة. فقال: افعل. فقدم عُبيدُ الله دمشقَ، فلقيَ يزيدَ، فأخبره، فأَقْطَعَه ووصلَه، واجتمع عُبيد الله بمعاوية، وقال له: يقول لك أخوك: التأنِّيَ والتُّؤدَة. فكَفَّ معاويةُ عن ذلك (١). وقال ابنُ عبد ربّه: إنَّ معاوية إنَّما دعا الناسَ إلى بيعة يزيدَ برأي المغيرة بن شعبة حين كَبِر، وخافَ أن يعزلَه معاوية، فكتب المغيرةُ إلى معاوية يستقيلُه، فأمره بالقدوم عليه، فلما قدم عليه استقاله وقال له: لو نَضَبْتَ للناس عَلَمًا من بعدك يصيرون إليه. قال: مَنْ تَرَى؟ قال: يزيد. قال: فارجع إلى عملك. ولقي المغيرةُ يزيدَ، فأَخْبَرَهُ، فقال يزيد لأبيه: رُدَّ المغيرة إلى عمله. وكان معاويةُ قد عَمَدَ على أن يُوَلِّيَ الكوفةَ سعيدَ بنَ العاص، وقال معاوية للمغيرة: أرسل إليَّ جماعةً من أهل العراق يسألوني. فخرج من عنده وهو يقول: واللهِ لقد (٢) وَضَعتُ رِجْلَه في رِكابٍ طويلٍ على (٣) أُمَّة محمد ﷺ (٤). قال المصنف ﵀: والأصحُّ أن معاويةَ لم يعهد إلى يزيد إلا في هذه السنة، وكان يستشير زياد فيثبِّطُه، ويستشير المغيرة؛ فإذا ثبَّطَه هدَّدَهُ بالعَزْل، وإذا أجابَه أبقاه. ومات زياد ومات المغيرة والأمرُ بحاله إلى هذه السنة. وكان معاوية يتخوَّف الناسَ أن لا يُجيبونه (٥)، فما زال يتوصَّل إلى الأشراف من أهل الشام، ويُطلقُ لهم الأموال، فلما استمالهم دعاهم إلى البيعة.

стр. 3362

وقال المدائني (١): جمع معاويةُ الناسَ للبيعة لابنه يزيد، فلم يدرِ ما يقول، فقام رجل من عُذْرَة، يقال له: يزيد بن الفُجيع (٢) وفي عنقه سيف، فاخترطَ منه شبرًا، وقال: أميرُ المؤمنين هذا. وأشار إلى معاوية. فإن فُقد فهذا. [وأشار إلى يزيد -وكان إلى جانب أبيه- فمن أبي فهذا]. وأشار إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت أخطبُ العرب، وأمر له بمال. قال الهيثم [بن عدي]: ولما بلغ الخبرُ إلى المدينة بذلك اجتمعتِ الشيعة إلى الحسين بن علي ﵉، وعظَّموا ما فعل معاوية وقالوا: وَلَّى على الناس من يشربُ الخمر، ويلعب بالقرود والمعازف وغيرها! فقال الحسين ﵇: الصبرَ الصبر. وكتب مروان إلى معاوية بما جَرَى، فكتب إلى الحسين ﵁: أمَّا بعد، فقد انتهت إليَّ أمور أرغبُ بك عنها (٣)، فإنْ كانت حقًّا لم أُقارِّك عليها، ولَعَمري إنَّ من أعطَى صَفقَة يمينه وعَهْدَ اللهِ وميثاقَه لَحَرِيٌّ (٤) بالوفاء، وإنْ كانت باطلًا فأنتَ أسعدُ الناس بمجانبتها، إنك متى تُنْكِرْني أُنْكرك، ومتى تَكِدْني أَكِدْك، وأخوك كان أشرفَ منك، فاتَّقِ الله، "ولا يستَخِفَّنَّك الذين لا يوقنون" لا تحمِلْني يا حسين على القَطِيعة، ولا تردَّ الأمةَ في الفتنة. والسلام (٥). قال أبو اليقظان: فكتَبَ إليه الحسين ﵁: أمَّا بعد، فقد وصلَني كتابُك تذكرُ فيه كيتَ وكيت. فأمَّا ما نُمِيَ إليك؛ فإثما أنماه المَلَّاقون المشَّاؤون بالنمائم، المفرِّقون بين الجمع، وإني لا أُريد خلافًا عليك. وايمُ الله، إني لقد تركتُ ذلك، وإني أخافُ الله في تركه، وما أظنُّ الله راضيًا عني بترك محاكمتي إياك إليه، ولا عاذري فيك وفي أوليائِك الجائرين القاسطين أولياءِ الشياطين، أَلَسْتَ قاتلَ حُجْر بنِ عَدِيّ وأصحابِه

стр. 3363

المصلِّين القائمين الصائمين، المنكرين الظلم والبِدَع، لا يخافون في الله لَوْمةَ لائم؟ ألستَ الذي أعطيتَهم العهودَ والمواثيق والأَيمان المغلَّظة أنك لا تقتلُهم وأمرتَهم بالتَّبرِّي من أمير المؤمنين، ثم غَدَرْتَ عليهم فقتلتَهم؟ ألستَ المدَّعيَ لزياد بن سُميَّة المولودِ على فراش عُبيد عبدِ ثقيف، وزعمتَ أنه ابنُ أبيك، وقد سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "الولدُ للفراش، وللعاهِرِ الحَجَر" فخالفتَ رسول الله ﷺ ، واتَّبعتَ هواك، ثم سلَّطْتَه على أمَّة محمد ﷺ ؛ يقطعُ أيديَهم، ويَسْمُلُ أعينَهم، ويصلُبُهم في جذوع النخل، ويدفِنُهم أحياءً؟ ألستَ الذي اخترتَ لأُمَّة محمد ﷺ ابنَكَ يزيدَ الفاسقَ الذي يدعُ الصلوات، ويظلُّ سكرانًا من الخمر، ويلعب بالطنابير والمعازف والقرود والصيود، ويُجاهرُ الله بما يعلمُه، ولا يخفَى عليك منه خافية؟ وأما قولُك: اتَّقِ الله، ولا تَرُدَّ الأمَّةَ في الفتنة؛ فما أَعلمُ فتنةً أعظمَ من نفور المسلمين إيَّاك على ما أنتَ عليه (١)، ولا أعلم نظرًا لديني ولنفسي أفضلَ من جهادك، لكن لك عندنا عهودٌ ومواثيقُ، فاتَّقِ الله يا ابْنَ صَخْر، وأيقِنْ بالحساب، وتأهَّبْ للقصاص، فإنَّ للهِ كتابًا لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. والسلام (٢). فلما قرأ معاويةُ كتابَه استشاطَ غيظًا، وكتبَ إلى مروان أَنْ يأخذَ البيعةَ ليزيد على أهل الحجاز. فلما ورد كتابه على مروان، صَعِدَ المنبر وقال: سنَّةُ أبي بكر الراشدة الهادية المهديَّة أنَّ أمير المؤمنين قد كَبِرَ سِنُّه، ورَقَّ عَظْمُه، وخافَ أن يأتيَه أجَلُه فيدعَ الناسَ كالغنم بغير راعٍ، وقد أَبها أن يُقيم للناس إمامًا، وقد أقام ابنَه يزيدَ. فصاح به عبد الرحمن بنُ أبي بكر الصّدِّيق ﵄: كذبتَ وكذبَ معاوية، لا يكون ذلك أبدًا، ولا تُحْدِثُوا علينا سُنَّةَ الروم، كلَّما ماتَ هِرَقْلٌ؛ قام هِرَقْلٌ مكانَه. يا مروان، ما منعَ أبا بكر وعمر أن يستخلفا أحدًا من أولادهما؟ إنَّ (٣) أبا بكر ترك الأهل

стр. 3364

والعشيرة، وعدلَ إلى رجل من بني عَدِيّ بن كدب لَمَّا رآه أهلًا، وأنتُم تتَّخِذُونها هِرَقْلِيَّة! لاها اللهِ ذا. فغضب مروان وقال: هذا الذي أنزلَ اللهُ فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ الآية (١). قال ابنُ عساكر. وكانت عائشةُ رضوان الله عليها في الحُجرة تسمع، فقالت: كذبتَ يا مروان، إنما أنزل الله ذلك في فلان، ولو شئتُ لسمَّيتُه، ولكن أشهدُ أنَّ رسول الله ﷺ لعنَ أباك وأنتَ في صُلْبِه يومئذ (٢). يا ابنَ الزرقاء، أعلينا تتأوَّلُ القرآن؟! لو شئتُ لقلتُ قولًا يَخرج من أقطارها. فقال مروان: ما هذا بأوَّل يومِنا. ونزل من المنبر، وخاضَ الناس، وكادت أن تكون فتنة، فكتبَ مروان إلى معاوية، فأخبره الخبر (٣). وقال ابنُ عَوْن: بايعَ الناسُ ليزيد إلا خمسةَ نَفَر: الحُسَين بن عليّ، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس، ﵁، فإنهم امتنعوا من البيعة ﵃ أجمعين (٤). ذكر قدوم معاوية المدينة: لما كتبَ إليه مروانُ يخبرُه بما جرى، قدمَ المدينةَ معتمرًا، وذلك في رجب، فدخلَ على عائشةَ ﵂، فحمدت الله، وصلَّت على رسول الله ﷺ ، وذكَرَتْ سيرةَ أبي بكر وعُمر ﵄، وحضَّتْه على الاقتداء بهما، وذكرت يزيدَ، فنالتْ منه، فقال لها معاوية: يا

стр. 3365

أمَّ المؤمنين، أنتِ العالِمةُ بالله، دَلَلْتِنَا (١) على الحق، وحَضَضْتِنا على حَضِّ أنفسنا (٢)، وأَنتِ أَهل أنْ يُطاعَ (٣) قولُك، ويُمتثلَ أمرُك، وقد كان أمرُ يزيد قضاءً من القضاء، وليس للعباد الخِيرَة في أمرهم، وقد وكَّد الناسُ ببيعته في أعناقهم، وأعطَوْه العُهود والمواثيق، أَفَتَرَيْنَ أنْ يَنْقُضُوا عهودَهم؟ ثم قام وهو يقول: تاللهِ ما رأيتُ خطيبًا أبلغَ من أمّ المؤمنين اليوم (٤). قال الشعبي: ثم صَعِدَ معاويةُ المنبر وقال: إنَّا قد بايعنا يزيدَ، فبايِعُوا، فصاحَ به الحُسين ﵇: لا ولا كَرامَة، أنا - واللهِ- أَحقُّ بها من يزيد، أبي خيرٌ من أبيه، وأمِّي خير من أمِّه، وجدِّي خيرٌ من جدِّه، وأنا خير منه. يا معاوية، أنتَ أعلمُ الناسِ بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، وأنتَ ذاهب إلى الله، فاخْتَر لنفسك والأمةِ. وقال ابن عَوْن: لَمَّا قدم معاويةُ المدينةَ؛ أرسلَ إلى الحسين ﵁، فقال: يا ابنَ أخي، قد اسْتَوْسَقَ (٥) الناسُ لهذا الأمر غيرَ خمسةِ نفرٍ؛ أنتَ رأسُهم وقائدُهم. فقال الحسين: ابْعَثْ إليهم، فإنْ بايَعُوا؛ كنتُ رجلًا منهم، فأخذَ عليه معاويةُ العهودَ أنْ يكتُم ذلك. فخرج من عنده وقد أقعدَ له ابنُ الزُّبير رجلًا، فسألَه عن الحال، فأخبرَه ببعض الأمر. ثم أرسلَ معاويةُ إلى ابن الزبير، فقال له مثلَ ما قال للحسين، وردَّ عليه ابنُ الزُّبير مثلَ ما ردَّ الحُسينُ، وخرج من عنده. ثم أرسلَ إلى ابن عمر، فكلَّمه بكلام ألينَ من كلامه للحسين وابنِ الزبير وقال: قد اسْتَوْسَقَ الناسُ لهذا غيرَ خمسة من قريش، أنتَ تقودُهم، فقال: أنا أبايعُك على أن أَدخُل بعدَك فيما تُجمع عليه الأمة. قال: وتفعل؟ قال: نعم. ثم خرجَ إلى بيته.

стр. 3366

ثم أرسل إلى ععد الرحمن في أبي بكر وقال: لقد هممتَ أنْ أقتلَكَ. فقال: إذًا يُدخِلَك الله النار (١). قال الواقدي: ثم جمعَهم معاويةُ عند المنبر وقال: إني متكلِّم بكلام، فمن ردَّه قتلتُه. وكان خطابُه للخمسةِ نَفر، ثم سعد المنبو وقال: إن هؤلاء الخمسةَ قد بايَعوا. فسكتوا خوفًا من سيفه (٢). وقال أبو اليقظان: كانت البيعة بمكة؛ لأنَّ معاوية لما تجهَّز من دمشق؛ خرج هؤلاء الخمسة معتمرين إلى مكَّة، فلما قدم معاوية المدينة في رجب؛ سألَ عنهم، فأخبره مروان أنهم خرجوا خوفًا من البيعة، فقدم معاويةُ مكةَ، فاعتمرَ، فلمَا قضى عموته جمعَهم وقال لهم: بايِعُوا. فقال عبد الله بن الزُّبير (٣): اخْتَر منَا خَصلَةً من ثلاث: إما أنْ تفعلَ كما فعلَ رسول الله ﷺ ، فإنَّه لم يستخلفْ أحدًا، وإما أنْ تفعلَ كما فعلَ أبو بكر؛ نظرَ إلى رجل من عُرض (٤) قريش، فولَّاه، وإما أن تفعلَ كما فعل عمر، فإنه جعلَها شورَى في ستة نَفر من قريش. ووافقَه الباقون وقالوا: قَدْ أَنْصَفَك. فقال معاوية: إنِّي كنتُ عوَّدتكم عادةً، وأكرهُ أن أمنعَكموها حتى أُبيِّن لكم، إني كنتُ أتكلَّمُ بالكلام فتعترضون عليه وتردُّون عليّ، فإياكم أن تعودوا لمثلها، وإني قائمٌ فقائلٌ مقالةً، فإنْ صدقتُ فيها فلي صِدْقي، وإنْ كذبتُ فعَلَيَّ كذبي، واللهِ لا ينطقُ واحدٌ منكم في مقالتي إلَّا ضربتُ عنقَه. ثم وكَّلَ بكلِّ رجلٍ رجلين، وقال: من ردَّ على فاقتلوه. ثم قام وقال: هؤلاء النَّفَر -وسمَّى كلَّ واحد باسمه- قد بايعوا ابني يزيد، فبايِعُوا. فانجفل الناسُ، فبايَعُوا. ثم ركب رواحلَه، فطلب المثعام، وأمرَ أخاه عُتْبَةَ بن أبي سفيان أنْ يحجَّ بالناس في هذه السنة، فحجَّ بهم.

стр. 3367

واجتمع الناسُ إلى الخمسة نفر ولاموهم وَلَحَوْهُم (١)، فقالوا: يا قوم، واللهِ ما بايَعنا، وإنما فعلَ بنا معاويةُ كذا وكذا (٢). قال الشعبي: ولما قفلَ معاويةُ إلى الشام قال له بعض أصحابه: ما الذي دعاك إلى هذا؟ قال: لولا هوايَ في يزيد لأبْصَرتُ رُشْدِي. وفيها ولَّى معاويةُ سعيدَ (٣) بنَ عثمان بن عفَان خُراسان، فاستفحل أمره، فعزلَه معاوية خوفًا منه. ولما قدم سعيد خُراسان كان بها أسلمُ بنُ زُرْعَة الكلابي من قِبَل عُبيد الله بن زياد، فكتبَ إلى أسلم بعهده على خُراسان (٤)، فلما ورد كتاب عُبيد الله على أسلمَ؛ طرقَ على سعيد بن عثمان منزلَه ليلًا، فأسقطَتْ جاريةً لسعيد غلامًا، فكان سعيد يقول: لأقتلَنَّ رجلًا من بني حرب. وقدم سعيد على معاوية، فشكا إليه أسلمَ، وأقام أسلم واليًا على خُراسان سنتين لم يفتح في معاملته شيئًا. وكان العامل في هذه السنة مروان على المدينة، وعلى الكوفة الضَّحَّاك، وعلى البصرة عبيدُ الله بنُ زياد (٥). وفيها توفي إسحاق بن طلحة (٦) ابن عُبيد الله التَّيمي القُرشيّ، أمُّه أمُّ أبان بنتُ عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهي خالةُ معاوية.

стр. 3368

وإسحاق من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة (١). عبد الله بن قُرْط الأزدي الثُّمالي، كان اسمُه في الجاهلية شيطانًا، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبدَ الله (٢)، وهو أخو عبد الرحمن (٣) بن قرط (٤)، وكلاهما له صحبة. شهد عبدُ الله فتحَ دمشق، وبعثَه أبو عبيدة ﵁[إلى أبي بكر] رسولًا، وشهدَ اليرموك، وهو من الطبقة الأولى ممن نَزَلَ الشام من الصحابة (٥). وولَّاه أبو عبيدة ﵁ حمص مرَّتين، ومنزلُه بها معروف، ولم يزل واليًا عليها حتى مات أبو عبيدة (٦). وكان قد بنى بحمص عِلِّيَّة، فأرسل إليها عمرُ بنُ الخطاب رضوان الله عليه، فحرَّقها وقال: ارتفعتَ على المسلمين، ثم أمرَه أن يلبَس نَمِرةً من أوبار الإبل، وأمرَه أن يَرعَى الإبل والغنم، وقال: ارتفعت على الأرْمَلَة واليتيم والمسكين، ثم قال [له]: ارجع إلى عملك، ولا تَعُدْ. خرجَ عبدُ الله بنُ قُرْط في بلاد الروم يحرسُ ليلةً على شاطئ البحر، فقتلَه الروم، وذلك في سنة خمس -أو ستّ- وخمسين (٧).

стр. 3369

السنة السابعة والخمسون وفيها عزل معاوية مروان عن المدينة [في قول الواقدي]. وقيل (١): إنَّما عزلَه في السنة الآتية. وولَّى الوليدَ بنَ عُتبة بن أبي سفيان. وحجَّ بالناس الوليدُ بنُ عتبة. وكان العاملَ على الكوفة الضحَّاكُ بنُ قيس، وعلى البصرة عُبيد الله بنُ زياد، وعلى خُراسان أسلمُ بنُ زُرْعة خليفةُ ابن زياد، وقيل: بل كان العاملَ على خُراسان سعيدُ بنُ عثمان بن عفان، وعُزل في آخر السنة (٢). وفيها توفي شدَّاد بن أوس ابن المنذر بن حَرَام بن عَمرو بن زيد (٣) مناة بن عامر بن عمرو بن مالك بن النجار. [كذا نسبه ابن سعد (٤). وقال جدّي في "التلقيح": شدّاد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام (٥)، و] كنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو يعلى [قال ابن سعد: ولم تسمَّ لنا أمُّه] (٦). وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار، وأُمُّه صُرَيمة، من بني عديّ ابن النجَّار. وهو ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر. قيل: إنَّه شهدَ بدرًا. ولا يصحّ، وشهد اليرموك والجابية (٧)، ونزل البيت المقدَّس وسكنه، وكان إمامَه.

стр. 3370

[وقال ابن عساكر:] (١) وروى عنه محمد بن واره (٢) حديثًا أن النبي ﷺ قال له: "ستُفتح الشام، وتكون أنت وولدُك ببيت المقدس". [وقال ابن أبي الدنيا:] ورُؤيَ على سور البيت المقدَّس الشرقي وهو ينظر إلى وادي جهنم ويبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: من هاهنا أخبرنا رسولُ الله ﷺ أنه رأى جهنم (٣). وسكن حمص أولًا، ثم نزل البيت المقدَّس وتوفِّي به. و [قال ابن سعد:] (٤) كانت له عبادة واجتهاد في العمل، وكان إذا أَوَى إلى فراشه كأنَّه حَبَّةٌ على مَقْلًى، فيقول: [اللهم] إن النار أسهَرَتْني. ثم يقومُ إلى الصلاة. [وفي رواية: إن جهنم لا تدعُ أحدًا ينام. قال:] وخرج في سفر، فقال لغلامه: هاتِ السُّفْرَةَ نَعْبَثْ بها. ثم قال: واللهِ ما تكلَّمتُ بكلمة منذُ أسلمتُ إلا وأنا أزُمُّها غيرَ هذه، فلا تحفظوها عليّ (٥). و [قال ابن سعد بإسناده عن قتادة (٦): إن شداد بن أوس، خطبَ الناسَ، فحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه، وقال: أيُّها الناس، أَلَا إنَّ الدُّنيا أَجَلٌ حاضر، يأكلُ منها البَرُّ والفاجر، أَلَا وإنَّ الآخرةَ أَجَلٌ مُستأْخِرٌ، يقضي فيها مَلِكٌ قادر، أَلَا وإنَّ الخيرَ كلَّه بحذافيره (٧) في الجنَّة، أَلَا وإنَّ الشَّرَّ بحذافيره في النار، أَلَا واعلموا أنَّه مَنْ يعملْ مثقال ذرَّة خيرًا يَرَهُ، ومَنْ يَعملْ مثقال ذرَّةٍ شرًّا يَرَهُ.

стр. 3371

و [قال ابن سعد بإسناده عن محمد بن مسلم قال (١): قال شدَّاد بن أوس، وكانت له صحبة] قال: زوِّجُوني، فإنَّ رسول الله ﷺ أوصاني أنْ لا أَلْقَى اللهَ عَزَبًا. وقال ابن سعد (٢): تحوَّلَ إلى فلسطين ومات بها في سنة ثمان وخمسين، وهو ابنُ خمس وسبعين سنة (٣). وقال هشام: توفي بالقدس في سنة سبع وخمسين. [وقيل: سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة أربع وستين. وقال ابن عبد البر (٤): مات سنة إحدى -أو أربع- وأربعين، وهو وهم]. وقال المصنف ﵀: رأيتُ بالحائط الشرقيّ من بيت المقدس قبرًا في حائط السور، وعليه مكتوبٌ اسمُه. وكان له أولاد: يعلى، ومحمد، وعبد الوهَّاب، والمنذر، وأختُهم الخزرج، وأعقب بعضهم (٥). ولما كانت الرَّجْفة بالشام سنة ثلاثين ومئة وزال ملكُ بني أمية؛ وقعت الدُّور والمنزل الذي كان فيه أولادُ شَدَّاد. . . (٦)، فلم يبق إلا محمد؛ ذهبَتْ رِجْلُه تحت الهدم، وعُمِّر بعد ذلك حتى قدم على محمد المهدي. وكانت نعلُ رسول الله ﷺ عند شدَّاد، وهما زوج [فصارت إلى محمد] فقالت له أختُه خَزْرَج؛ وكانت قد تزوَّجت في الأَزْد ولها نَسْل: يا أخي [ليس] لك نَسْل، ولي عقب، فأَعْطِني أَحَدَ النَّعلين يكونُ عند وَلَدي، فهي مَكْرُمَة. فدفعَ لها أحدَ النَّعلين،

стр. 3372

وعاشت إلى زمن المهديّ، فلما قدمَ المهديُّ إلى بيت المقدس؛ جاءته خَزْرَج، وانتسبتْ إلى شدَّاد بن أوس، وأعطَتْه النَّعل، فقَبِلَها منها، وأعطاها ألفَ دينار، وكتبَ لها قرية. وكان محمد باقيًا، فأمر بحمله إليه على أيدي الرِّجال، فحُمل إليه، وطلب منه النعل الآخر، فبكى، وناشَدَه بقَرابته من رسول الله ﷺ أن لا يفرِّقَ بينه وبينه، وقال: إنَّ الأمر قد قَرُب، فلا تفجعني فيها. فَرَقَّ له المهدي، ولم يأخذها منه، ووصلَه (١). ومن مسانيد شدَّاد ﵁: قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٢): حدثنا عليُّ بنُ إسحاق، حدَّثنا ابنُ المبارك [أخبرنا] أبو بكر بن أبي مريم، عن ضَمْرَة بن حبيب، عن شدَّاد بن أَوْس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَه وعَمِلَ لِما بَعْدَ الموت، والعاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هواها، وتمنَّى على الله ". روى شدَّاد عن كعب الأحبار، وروى عن شدَّاد: ابنُه يعلى، وأبو إدريس الخَوْلاني، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرَّحَبي، وجُبير بن نُفير، ومحمود بن لَبِيد في آخرين. شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبدِ الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ العَبْدَرِيّ الحَجَبيّ. وأبو [هـ] عثمانُ الأَوْقَصُ أحدُ حَمَلَةِ اللواء يومَ أُحُد قتلَه عليٌّ ﵇ (٣). وشيبةُ بن عثمان حاجبُ الكعبة الذي آلَ (٤) ولدُه سِدانَةَ البيت. وهو من الطبقة الرابعة (٥) مِمَّن أسلمَ بعد حُنين، وكان قد خرجَ بعد الفتح مع النبيِّ ﷺ ، فأَطْلَعَ اللهُ رسولَه على ما في قلبه، فأسلم. وكنيتُه أبو عثمان، وأمّه أمُّ جميل بنتُ عُمير بن هاشم.

стр. 3373

وتوفِّي سنةَ سبع وخمسين، وقيل: ثمان (١) -أو تسع- وخمسين وهو ابنُ ثمان وخمسين سنة، وهو وهم؛ لأنه شهدَ حُنينًا وهو رجل. ويقال (٢): إنه عاشَ بعد الستين، ووفدَ على معاوية وابنِه يزيد. وكان له من الولد عبدُ الله الأكبر، وجُبير، وعبدُ الرحمن الأكبر، وأمُّ حُجير (٣)؛ أُمُّهم بَرَّة بنتُ سفيان (٤)، من بني سُليم. وعبد الله الأصغر، وهو الأعجم، وعبدُ الملك؛ أمُّهما لُبْنَى بنت شدَّاد، من بني كعب (٥). وعثمانُ، وعبدُ الله، وهو العنقزيّ (٦)؛ أمُّهما بنت السائب، مخزومية. وعبد الكريم، والوليد؛ لأمِّ ولد. وعبدُ ربّه، وعبدُ الرحمن الأصغر؛ أمُّهما بَرَّة (٧) بنت أبي فروة. ومصعب، وقيل: ومسافع. ومن بنات شيبة: صفيَّة بنتُ شيبة، روى عنها عُبيد الله (٨) بن أبي ثَوْر، ومَيمون بن مِهْران. وأختُها تَمْلِكُ بنتُ شيبة. [وسَدَنةُ الكعبة إلى شيبة هذا ينتسبون]. عبد الله بن عمرو بن وَقْدان (٩) ابن عَبْد شمس بن عَبْد وُدّ العامريّ.

стр. 3374

وقيل: عبد الله بن عَبْد بن وَقْدان (١)، كنيتُه أبو محمد، ويعرف بالسَّعْدي؛ لأنه كان مُسترضَعًا (٢) في بني سعد بن بكر بن وائل، من الطبقة الرابعة من مُسْلِمة الفتح. صحبَ رسولَ الله ﷺ ، وروى عنه، وتحوَّل إلى الشام، فنزل دمشق، وتوفي بها، وقيل: نزل حمص (٣). وكان مَرْضيًّا في أهل الشام، قال له عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: علامَ يحبُّك أهل الشام؟ قال: أُغازيهم فأُواسيهم. فعرض عليه أعمر، عَشَرَةَ آلاف درهم وقال: خُذْها فاستَعِنْ بها على غزواتك. فقال: إنّي عنها لَفي غِنًى. فقال عمر رضوان الله عليه: لقد عَرَضَ عليَّ رسولُ الله ﷺ مالًا دون الذي عَرَضْتُ عليك، فقلتُ له مثلَ الذي قلتَ لي، فقال: "يا عمرُ، إذا آتاك اللهُ مالًا لم تَسَلْهُ، ولم تَشْرَهْ إليه نَفْسُك، فَاقْبَلْه، فإنما هو رِزْقُ الله ساقَهُ إليك" (٤). أسند الحديث عن النبي ﷺ ، وقد روى عن عمر بن الخطاب ﵁، وروى عنه (٥) حُوَيطب بن عبد العُزَّى، وبُسْرُ (٦) بنُ أبي أَرْطاة (٧)، وعبد الله بن مُحَيرِيز، ومالك بن يَخامِر (٨) السَّكْسَكِيّ، وغيرهم. وهو الذي سأل رسولَ الله ﷺ : أَنْقَطَعَتِ الهجرة؟ قال: "لا تنقطعُ ما قُوتِلَ الكفارُ" (٩).

стр. 3375

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه كنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان (١)، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وأمُّه أُمُّ رُومان بنت عامر بن عُوَيمر بن عَبْد شمس، من بني دُهْمان، فهو أخو عائشة رضوان الله عليها لأُمِّها وأبيها (٢). وكان اسمه عبد العُزَّى، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الرحمن (٣). [وقال ابن سعد:] ولم يزل على دين قومه، وشهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى المبارزة، فقام أبوه رضوان الله عليه ليبارزَه، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، مَتِّعْنا بحياتك" (٤). ثم أسلم عبد الرحمن في هُدْنَة الحُدَيبية، وهاجر إلى المدينة، وأطعمه رسولُ الله ﷺ بخيبر أربعين وَسْقًا. [قال:] وكان يخضب بالحِنَّاء والكَتَم (٥). [وعبد الرحمن هو الذي أمره رسول الله ﷺ أن يُعمر عائشة من التنعيم، فأردفها وأعمرها (٦). وذكره أبو القاسم ابن عساكر فقال:] وقدم إلى الشام قبل أن تفتح -خرج في تجارة- فرأى ابنة الجُودِيّ فأَحبَّها (٧).

стр. 3376

[وقال الزُّبير: خرج في تجارة، فرآها، فوقعت بقلبه. فلما رجع قال: تَذَكَّرْتُ ليلى والسماوةُ دونَها … فما لابنةِ الجُودِيِّ ليلى وما لِيا فبعث عمر ﵁ جيشًا وقال: إنْ أصبتُم ابنةَ الجُودِيّ فادْفَعُوها إلى عبد الرحمن. فأصابُوها فدفعوها إليه، وكان المسلمون قد وهبوا له سهامَهم، فحَظِيَتْ عنده، وآثَرَها على نسائه حتى شكونه إلى عائشة رضوان الله عليها، فعاتبَتْه على ذلك، فقال: واللهِ كأنِّي أَرْشُف بأنيابها حَبّ الرُّمَّان. فأصابها وجعٌ في فيها حتى سقط، فجفاها (١)، فشكَتْه إلى عائشة ﵂، فقالت له: قد أفْرَطْتَ في حُبِّ ليلى، وأفْرَطْتَ في بُغْضها، فإمَّا أن تُنْصِفَها، أو تُجهِّزَها إلى أهلها، فجهَّزَها إلى أهلها إلى الشام. ويقال: إنَّها ماتت عنده (٢). [وقال الزبير:] وشهد عبدُ الرحمن مع أخته عائشة ﵄ يوم الجمل، وشهده أخوه محمد مع علي ﵇، وامتنع عبد الرحمن من البيعة ليزيد، فبعث إليه معاويةُ بمئة ألف درهم، فَرَدَّها وقال: واللهِ لا بعتُ ديني بدنياي. وخرج إلى مكة، ثم نزل ظاهرَها حتى مات. ولم يبايع يزيدَ (٣). وقدم مصر في سنة ثمان وثلاثين؛ أرسلته عائشة رضوان الله عليها إلى عمرو بن العاص ليشفع في أخيها محمد، فقال عمرو: لا أُغني عنكَ شيئًا، إن معاوية قد جعلَ الأمر لهذا الكنديِّ -يعني معاويةَ بنَ حُدَيج- ولم يجعله إليّ (٤). وحضر عبدُ الرحمن مع خالد بن الوليد يومَ اليمامة، ورمى مُحَكَّمَ اليمامة بسهم، فذَبَحَه، وكان مُحَكَّم [اليمامة] قد سَدَّ ثُلْمةً من الحصن، فلما قُتل دخلَ المسلمون، وقَتَلَ ذلك اليوم سبعةً من كبارهم (٥).

стр. 3377

وكان عبدُ الرحمن أَسَنَّ أولادِ أبي بكر الصدِّيق ﵄، وكان من أشجع رجالِ قريش، وأرماهُم بسهم (١). وكان رجلًا صالحًا فيه دُعابة، وكان جَوادًا؛ أتَتْهُ امرأةٌ من الأعراب، فقالت له: أتيتُك من شُقَّةٍ بعيدة، مُؤمِّلةً لمعروفك، تخفضُني خافضة، وترفعُني رافعة، في مُلِمَّاتٍ من البلاء، رَهَصْنَ (٢) عظمي، وبَرَيْنَ لحمي، بَعُدَ المالُ والولدُ وكثرةُ العَدد والعُدد، فسألْتُ (٣) أحياءَ العرب: مَنِ المأمولُ سَيْبُه، المأمونُ عَيْبُه؟ فدَلُّوني عليك، فإمَّا أَنْ تُحسِنَ صَفَدي، أو تُقِيمَ أَوَدِي (٤)، أو تَرُدَّني إلى بلدي. فقال: لا، بل أجمعُهُنَّ لكِ. ففعل بها ذلك (٥). ذكر وفاته ﵁: ومات بالحُبْشي (٦)، فحُمل حتى دُفِنَ بمكَّة، وقَدِمَتْ عائشة ﵂[من المدينة] فأَتَتْ قبرَه، فوقَفَتْ عليه، وصَلَّتْ عليه، وتَمثَّلَتْ بهذين البيتين: وكنَّا كَنَدْمانَي جَذِيمة. . . [وقد ذكرتُهما] (٧). ثم قالت: أما والله لو شهدتُك ما زُرْتُ قَبرَك، ولو شهدتُك ما حُمِلْتَ من حُبْشِي ميّتًا، ولَدُفِنْتَ مكانَك.

стр. 3378

وحُبْشيّ جَبَل بأسفل مكَّة، على ستَّة أميال منها (١). [وروى ابن سعد عن ابن أبي مُليكة أيضًا قال: حملنا عبد الرحمن على رقابنا ستة أميال إلى مكة، وعائشة غائبة، فقَدِمَتْ بعد ذلك فقالت: أروني قبر أخي، فأرَوْها، فصلَّتْ عليه]. وروى ابن سعد قال: قدمَتْ أمُّ المؤمنين ذا طُوَى حين رفعُوا أيديَهم عن قبر عبد الرحمن، ففعلَتْ يومئذٍ وتركَتْ، فقالتْ لها امرأةٌ: وإنَّكِ لتفعلين مثلَ هذا؟! قالت: وما رأيتِني فعلت؟ إنه ليست لنا أكبادٌ كأكباد الإبل. ثم أمرَتْ بفسطاط، فضُرب على قبره، ووكَّلُوا به إنسانًا. فقدم ابنُ عمر رضوان الله عليهما، فرأى الفُسطاط مضروبًا، فسألَ عنه، فحدَّثوه، فقال للرجل: انْزَعْهُ. فقال: إنهم وكَّلُوني به. فقال: انْزَعْهُ، وأخْبِرْهم أنَّ عبدَ الرحمن إنَّما يُظلُّه عملُه (٢). ورَوى (٣) أنَّ عائشة رضوان الله عليها قالت: ما آسى من أمره إلا على خَصْلَتَين: أنه لم يُعالج، ولم يُدفن حيث مات. وكان مات فجأةً. ودخلت امرأةٌ بيتَ عائشة رضوان الله عليها وهي صحيحة، فسجدَتْ، فماتَتْ، فقالت عائشة ﵂: إن في ذلك لَعبرةً لي في عبد الرحمن، [رَقَدَ] في مَرْقدٍ له. قال: فذهبوا يُوقظونه (٤)، فوجدوه ميِّتًا. وكان قد دخلَ في نَفْس عائشةَ ﵂ من موته تهمةُ أن (٥) يكون صُنع به شَرٌّ، أو عُجِل عليه (٦) فدُفن وهو حيّ، فذهبَ ما كان في نفسها من ذلك [ورأت موتَ المرأة عبرة.

стр. 3379

قال:] وأعتَقَتْ [عنه عائشة] تِلادًا من تِلادِهِ (١) ورِقابًا، ترجو أن ينفعَه ذلك بعد موته. [وكانت تزوره بعد موته، وتصلي، وتستغفر له] (٢). وكان عبدُ الرحمن حَلَفَ لا يكلِّم إنسانًا، فلما ماتَ قالت: يميني في يمين ابن أمِّ رُومان (٣). [وقال الواقدي: نام عبد الرحمن نومة في مرقد له، فمات فجأة]، وهو أوَّلُ من مات في الإسلام فجأة من غير وصيّة، فقالت عائشة رضوان الله عليها: أما واللهِ لو أُصيب في بعض جسده لكان أحبَّ إليّ. ثم قالت: إنَّها أخْذَةُ أسف، وتخفيفٌ عن المؤمن (٤). وكانت تزورُه في هَوْدَج، وعلى حمار (٥). [وقيل: إنه مات بالصِّفاح] (٦). وقيل: إنّه مات في سنة ثلاث وخمسين، والأول أشهر (٧). أولاده ﵁: كان له من الولد محمد، وهو أبو عَتِيق، وأمُّه أُميمة (٨) بنتُ عديّ بن قيس، من سهم.

стр. 3380

وعبدُ الله، وأمُّ حكيم، وحفصة الكبرى، وهي التي زوَّجَتْها عائشةُ للمنذر بن الزُّبير وعبدُ الرحمن غائب، فلما قدم أراد فسخ النكاح وقال: يُفْتاتُ عليَّ في بناتي؟ فقالت عائشة رضوان الله عليها: أوَ ترغبُ عن المنذر؟ فرضيَ وأجازَ ما صنعَتْ عائشة ﵂ (١). وأسماء؛ وأمُّ كلثوم، وحفصة الصغرى؛ لأمَّهات أولاد شتَّى. قال ابن سعد (٢): فأما عبد الله بن عبد الرحمن، فأمُّه قُريبة الصغرى بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالتُه أمُّ سَلَمة زوجُ النبيِّ ﷺ (٣). وكان لعبد الله بن عبد الرحمن من الولد: أبو بكر، وطلحة، وعمران، وعبد الرحمن، ونفيسة -تزوَّجَها الوليدُ بنُ عبد الملك- وأمُّ فَرْوَة، وأمُّهم عائشةُ بنتُ طلحة بن عُبيد الله التَّيمي، وأمُّها أُمُّ كلثوم بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق رضوان الله عليه. وأمُّ أبيها، وأمُّها مريمُ بنت عبد الله بن عِقال العُقيلي (٤). وأمَّا محمد أبو عَتِيق؛ فإنه وُلد في حياة النبيِّ ﷺ ، فأدركَه هو وأبوه، وجدُّه وجدُّ أبيه أبو قحافة، فهؤلاء أربعة أدركوا رسولَ الله ﷺ ، ولم يتفق ذلك لغيرهم. وولدَ أبو عتيق عبدَ الله، وهو صاحبُ المُزاح. وولدَ عبدُ الله (٥) طلحةَ بنَ عبد الله (٦)، وأمُّه عائشة بنت طلحة بن عُبيد الله، وكان طلحةُ جَوادًا سَرِيًّا مُمَدَّحًا، وفيه يقول الشاعر: قَرَعْنا دارَهم (٧) دارًا فدارًا (٨) … فخيرُ الدُّورِ دارُ أبي يَسارِ (٩)

стр. 3381

بها من سِرِّ تَيمٍ مَضْرَحِيٌّ … يُهين كرائمَ الكُومِ العِشارِ (١) لِصِدِّيقِ النبيِّ أبوه بَخْ بَخْ … وأُمُّكَ بنتُ تيَّارِ البحارِ (٢) هما اجتمعا عليك فجئْتَ خِرْقًا … تُبارِي الرِّيحَ من كَرَمِ النِّجارِ (٣) وولدُ طلحةَ هذا يسكنون البَدْوَ، ومنازلُهم بين مكةَ والمدينة. أسندَ عبدُ الرحمن ﵁ الحديثَ عن رسول الله ﷺ (٤). عُبيد الله (٥) بنُ العبَّاس ابن عبد المطَّلب، كنيتُه أبو محمد، وهو أحدُ الأجواد المعدودين في قريش، وكان أصغرَ من أخيه عبدِ الله بسنة (٦). وهو من الطبقة الخامسة، ممن ماتَ رسولُ الله ﷺ وهم حُدَثاءُ الأسنان. وأمُّه أمُّ الفضل لُبابة (٧) الكبرى بنت الحارث الهلاليَّة، وهي أمُّ عبدِ الله، وعُبيدِ الله، والفَضْل، ومَعْبَد، وقُثَم، وعبدِ الرحمن، وأمِّ حبيب، بني العباس ﵁ (٨). وأمُّ الفضل أختُ ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ النبي ﷺ . وكان لعُبيد الله حين قُبض رسولُ الله ﷺ اثنتا عشرة سنة، ورأى رسولَ الله، وسمعَ منه، وكان سَخِيًّا جوادًا، فكان عبد الله وعُبيد الله ابنا العباس إذا قدما مكَّةَ أوسعَ عبدُ الله الناسَ علمًا، وأوسعَهم عُبيدُ الله طعامًا، وكان عُبيد الله رجلًا تاجرًا (٩).

стр. 3382

واستعملَه عليٌّ ﵁ على اليمن، وأمرَه فحجَّ بالناس سنةَ ستٍّ وثلاثين (١)، وسبعٍ وثلاثين. وفي سنة تسع وثلاثين بعثَ معاويةُ [يزيد] بنَ شجوة الرَّهاوي ليحجَّ بالناس فاختلفا، فأقامَ شيبةُ (٢) الحجَّ للناس. وقيل: إن الذي اختلفَ مع يزيدَ بنِ شجرة قُثَمُ بنُ العبَّاس. وعُبيد الله (٣) أحدُ من نزلَ في قبر عليّ ﵇ بالكوفة، ولم يزل مع الحسن بن عليّ ﵇ حتى عرفَ زَهادَتَه في الأمر، فصار إلى معاوية (٤). ذكر طرف من أخباره: جاءه رجل فقال: يا ابنَ عبَّاس، لي عندك يدٌ، وقد احتجتُ إليها. قال: وما هي؟ قال: رأيتُك يومًا واقفًا عند زمزم، وغُلامُك يَمْتَحُ لك منها (٥)، وحرُّ الشمس قد آذاك، فظَلَلْتُ عليك بردائي حتى شربتَ، وانصرفتُ. فقال: أجَلْ، إنَّ ذلك لَيتردَّدُ في فكري وخاطري، وإني ما نسيتُه لك. ثم قال لغلامه: ما عندَك؟ قال: عَشَرَةُ آلافِ درهم. قال: ادْفَعْها إليه، وما أُراها تَفِي بحقِّه عندنا. فقال له الرجل: واللهِ لو لم يكن لإسماعيلَ ﵇ ولدٌ غيرُك لكان فيه كفاية، فكيف وقد وَلَدَ سيِّدَ الأوَّلين والآخِرِين، ثم شَفَعَه بأبيك وبك؟! فقال عُبيد الله لغلامه: ادْفَعْ إليه عشرة آلاف أخرى لأجل كلامه هذا (٦).

стр. 3383

ومنع معاويةُ الحُسينَ ﵇ عطاءَه وما كان يُجريه عليه، فقدم عُبيد الله من الشام بمالٍ عظيم؛ يقال: إنَّه ألفُ ألفِ درهم، فقيل للحسين ﵇: إنك محتاجٌ وقد قَدِمَ ابنُ عمِّك بهذا المال، فلو بعثتَ إليه فاقترَضْتَ منه. فقال الحسين: وما يُغني هذا المال عُبيد الله وهو أجودُ من الرِّيح إذا عَصَفَتْ، وأسْخَى من البحر إذا زَخَر (١)؟! وبلغَ عُبيدَ الله ضائقةُ الحسين، فقال: ويحكَ يا معاوية، بئس ما اجْتَرَحْتَ من الإثم حين أصبحتَ ليِّنَ المِهاد، رفيعَ العِماد، وابنُ رسولِ الله ﷺ في ضِيقٍ من الحال وكثرةٍ من العِيال. ثم قال [لقهرمانه: احمل إلى] الحسين (٢) نِصْفَ ما أملكُه من ذهبٍ وفضة وثياب ومتاع وأثاث ودوابَّ وعَبيدٍ وجواريَ وصامتٍ وناطق، وأخبره أنَّني قد شاطرتُه مالي، فإن أقنعه؛ وإلا فادْفَعْ إليه الشطر الآخر. وعبيدُ الله أوَّلُ من فعلَ هذا في الإسلام (٣). وقدمَ عُبيد الله على معاوية، فأهدى له حُلَلًا كثيرة، ومِسْكًا وآنيةَ ذهبِ وفضة، فجاء بها الحاجب، فوضعَها بين يديه، وجعلَ الحاجبُ ينظرُ إليها، فقال له عُبيد الله: في نفسك منها شيء؟ قال: نَعَمْ، مثلُ ما كان في نفس يعقوب من يوسُف. فقال: خُذْها فهي لك. فقال: أخافُ من معاوية أن ينقِم عليَّ. فقال عُبيد الله: فاخْتِمْها بخاتمك، وادْفَعْها إلى الخازن، فإذا حان خروجُنا حَمَلَها إليك. فقال الحاجب: واللهِ لَهذه الحيلةُ في الكرم أحسنُ من الكَرَم، ولَودِدْتُ أنِّي لا أموتُ حتى أراك مكانه. يعني معاوية (٤). فقال: دَعْ هذا، فإنَّا قومٌ نَفِي بما عقدنا، ولا ننقض ما أكَّدْنا. وجاءه رجل من الأنصار، فقال: يا ابْنَ عَمِّ رسولِ الله ﷺ ، وُلد لي الليلةَ مولودٌ، فسمَّيتُه باسمك تبرُّكًا، وماتَتْ أمُّه الليلةَ، فقال له: باركَ الله لك في الهدية، وأجَرَك على المصيبة. ثم دعا بوكيله وقال: اذهبْ الساعةَ فاشْتَرِ له جاريةً تحضُن المولود،

стр. 3384

وادفَعْ إليه مئتي دينار نفقةً لتربيته. ثم قال للرجل: عُدْ إلينا بعد أيام، فإنك جئتَنا وفي العيش يُبسٌ، وفي المال قُلٌّ (١). فقال له الرجل: جُعِلتُ فِداك، لو سبقتَ حاتِمًا بيومٍ واحد ما ذكَرَتْه العربُ أبدًا، ولكنَّه سبقك، فجئتَ تاليًا، وأنا أشهدُ أن عَفْوَ جودِك أكثرُ من مجهوده، وطَلَّ كرمِك أكثرُ من وابِلِه (٢). ونزل عُبيدُ الله على أعرابيٍّ في بعض أسفاره، ولم يكن عنده سوى شاةٍ، فذبَحَها له، فقال لمولاه: كم معك؟ فقال: خمسُ مئة دينار. فقال: ادْفَعْها إليه، فقال: إنما ذبحَ لك شاةً قيمتُها خمسةُ دراهم، وأنتَ لا تعرفُه! فقال: قد بَذَلَ لي مجهودَه، فلو أعطيتُه الدُّنيا كلَّها ما كافأْتُه، وهَبْ أنَّني لا أعرفُه، أما أعرفُ نفسي؟! فدفَعَها إليه وارتحلَ. ثم إنه اجتازَ به بعد مدَّة وقد صارَ له نَعَمٌ وشاءٌ، فقال له: انزلْ عندي. فامتنع، فقال: هذه نعمتُك عليَّ وعندي. فقال: إني مجتازٌ في أمر. فلما سارَ قليلًا؛ قال في نفسه: لا يظنُّ الرجلُ أنِّي تَعَلَّلْتُ عليه لئلا أَرْفِدَه. فأرسلَ إليه بخمس مئةِ دينار، فتَبِعَه الرجلُ وقال: إنَّ المَدْحَ فيك أقلُّ من قليل، ولكن قد قلتُ أبياتًا أُحبُّ أن تَسمعها. قال: قل. فقال: تَوَسَّمْتُهُ (٣) لَمَّا رأيتُ مَهابةً … عليه فقلتُ المرءُ من آلِ هاشمِ أو المرءُ من آلِ المُرارِ فإنَّهم (٤) … ملوكٌ وأبناءُ الملوكِ الأكارمِ (٥) فقمتُ إلى عَنْزٍ بقيِّةِ أعْنُزٍ … فَجَدَلْتُها (٦) فِعْلَ امْرِئٍ غيرِ نادم فعوَّضَني منها غِنايَ وجادَ لي … بما لم تَجُدْ به عفْوًا كَفُّ آدمي (٧)

стр. 3385

وكان عُبيد الله يقول: ثوبُك على غيرك أحسنُ منه عليك (١). وقال: الجوادُ من آسى بالكثير (٢) وآثرَ بالقليل. وقدم على معاويةَ، فأعطاه ستةَ آلاف درهم (٣)، فما رامَ عن دمشق حتى فرَّق الجميع، فقيل له: أسرفْتَ! فقال: لولا لذَّةُ العطاء واكتسابُ المحامد، ما باليتُ بالمال، ولا رأيتُ معاوية ولا رآني. وكان عُبيد الله جالسًا في الحرم، فسقطَتْ دارٌ عند الصفا، فارتاعَ لها الناس وقاموا، وبقيَ فتًى قد أنْصتَ لحديث عُبيد الله، ولم يشتغل عنه، فقال لوكيله: كم عندك؟ فقال: ألفُ دينار. قال: أعطِ للفتىْ ثُلُثَيها، واحبِسْ لنا ثُلثَها (٤). وكان بصرُ عُبيد الله قد ضَعُفَ قبلَ موته، وقيل: كُفَّ، فمرَّ به مَعْنُ بنُ أوس المُزني، فسأله عُبيد الله عن حاله، فقال مَعْن: أخذتُ فنونَ (٥) المالِ حتى نَهَكْتُهُ (٦) … وبالدَّيْنِ حتى ما أكادُ أُدانُ وحتى سَألْتُ القَرْضَ عند ذوي الغِنَى … وردَّ فلانٌ حاجتي وفلانُ فقال له عُبيد الله: كم دَينُك؟ قال: عَشَرَةُ آلاف. فأعطاه إيّاها (٧). وكان عُبيد الله يُسمَّى تيارَ الفُرات، وكان ينحرُ كلَّ يومٍ بمكَّةَ جَزُورًا يُطعمُه للناس، وما كان أحدٌ بالمدينة يتغدَّى ويتعشَّى إلا في داره (٨).

стр. 3386

وهو أوَّلُ من فَطَّر جارَه في رمضان، وأوَّلُ من وضعَ الموائدَ على الطُّرُق (١)، وفيه يقول ابنُ مُفَرِّغ: وفي السنة الشهباءِ (٢) أطعمَ حامِضًا … وحُلْوًا وَلحمًا تامكًا (٣) ومُمزَّعا وأنْتَ ربيعٌ لليتامَى وعِصْمَةٌ … إذا المَحْلُ من جَوِّ السماءِ تَطَلَّعا أبوك أبو الفَضْلِ الذي كان رحمةً … وَغَيثًا (٤) ونُورًا للخلائق أَجمَعا وعُبيد الله هو الذي قَتَلَ بُسْرُ بنُ أبي أَرْطاة وَلَدَيه باليمن. ولَمَّا فارقَ عُبيدُ الله الحسنَ ﵁ وصارَ إلى معاوية؛ رأى بُسْرًا عند معاوية، فقال لمعاوية: أنتَ الذي أمرتَ هذا بذبحِ وَلَدَيّ؟ فقال معاوية: لا، ولقد كرهتُ ذلك. فقال ابنٌ لعُبيد الله من أَمَة يقال لها جُمانة: يا معاوية، واللهِ لا نرضَى عِوَض أَخَوَيَّ إلا بعبد الله ويزيد. فقال معاوية: لولا كرامةُ أبيك لَأَطَلْتُ حَبْسَك. ذكر وفاته: ومات بالمدينة سنة ثمان وخمسين. وقيل: سبع وخمسين. وقيل: مات باليمن. وقيل: عاش إلى زمن يزيد بن معاوية. وقيل: مات سنة سبع وثمانين، وله بضعٌ وثمانون سنة، في أيام عبد الملك بن مروان. وقيل: مات بالشام في أيام معاوية (٥). ذكر أولاده: فولَدَ عُبيدُ الله بنُ العبَّاس محمدًا، وبه كان يُكنَّى، وأمُّه الفَرْعَة بنت قَطَن بن الحارث، عامريَّة. والعبَّاسَ. والعاليةَ (٦)؛ تزوَّجَها عليُّ بنُ عبد الله بن العبَّاس،

стр. 3387

فولَدَتْ له محمَّدَ بنَ عليّ، وفي ولدِه الخلافةُ من بني العبَّاس. وميمونةَ؛ أمُّهم عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان بن الدَّيَّان بن قَطَن بن زياد بن الحارث بن مَذْحِج (١). ولُبابةَ (٢) وأمَّ محمد؛ أُمُّهما عَمْرة بنت عَويب بن عبد كُلال؛ حِمْيَرِيَّة. وعبدَ الرحمن، وقُثَمَ؛ أُمُّهما أمُّ حكيم بنت قارظ بن خالد (٣)، من بني زُهْرة بن كلاب، وهما اللَّذان ذَبَحَهما بُسْرُ بنُ أبي أَرْطاة العامريّ باليمن. وعبدَ الله، وجعفرًا، وكلثوم (٤)، وعَمْرَةَ، وأُمَّ العباس؛ أُمُّهم أُمُّ ولد. قال ابنُ سعد (٥): عبدُ الله بن عُبيد الله [ابن عباس] من الطبقة الثالثة من التابعين، وأمُّه أمُّ ولد. فولدَ عبدُ الله بنُ عُبيد الله الحُسَينَ، والحَسَنَ؛ أُمُّهما أسماءُ بنتُ عبدِ الله بن عباس. [روى عَبدُ الله بن عُبيد الله عن عبد الله بن عباس، و] روى عنه ابنُه حسين وغيرُه. وكان ثقةً، وله أحاديث. وقد انقرضَ عَقِبُه. والعباسُ بن عُبيد الله؛ فإنه لأمِّ ولد، روى الحديث عن أبيه (٦). فولدَ العباسُ بن عُبيد الله العباسَ بنَ العبَّاس، لا بقيَّةَ له، وسليمانَ، وداودَ، وقُثَم الأكبر، درج، وقُثَمَ الأصغرَ عاملَ اليمامة لأبي جعفر، وأمَّ جعفر، وميمونةَ، وهي أُمُّ محمد، وعَبْدَةَ، والعاليةَ، وأمَّ جعفر، وهم لأُمَّهات أولادٍ شتَّى. وللعبَّاس بن عُبيد الله بقيَّة (٧) وعَقِبٌ ببغداد. وقُثَم بنُ العبَّاس بن عُبيد الله بن العبَّاس كان مُمَدَّحًا، وفيه يقول داود بن سليمان (٨):

стр. 3388

نَجَوْتِ مِنْ حَلٍّ ومِنْ رِحْلةٍ … يا ناقُ إنْ أدْنَيتِني مِنْ قُثَمْ إنَّكِ إنَّ ابْلَغْتِنِيهِ غدًا … عاشَ لنا اليُسْر (١) وماتَ العَدَمْ في باعِهِ طُولٌ وفي وجهِهِ … نورٌ (٢) وفي العِرْنِينِ (٣) منه شَمَمْ لم يَدْرِ ما "لا" وبلى قد دَرَى … فعافَها واعْتاضَ عنها نَعَمْ (٤) أَصَمُّ عن قِيلِ الخَنا سمعُهُ … وما عنِ الخيرِ به مِنْ صَمَمْ وكان لقُثَم هذا ابنٌ اسمُه محمد، وَليَ اليمامةَ ومكَّةَ لأبي جعفر. وجاء أعرابيٌّ إلى قُثَم بن العباس بن عُبيد الله بن عباس فقال: يا قُثَمَ الخيرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ … اُكْسُ بُنَيَّاتي وأُمَّهُنَّهْ فقال له: ما أفعل. فقال: واللهِ واللهِ لتَفْعَلَنَّهْ فقال: واللهِ لأَبَرَّنَّ قَسَمَكَ. فأعطاه عَشَرَةَ آلاف درهم (٥). وكان لعُبيد الله بن العبَّاس ولد اسمه حسين (٦)؛ أُمّه أسماء (٧)، وكان جَوادًا فقيهًا، حُمِلَ عنه الحديث، ومات في سنة إحدى وأربعين ومئة، وكان يقولُ الشعر، وقيل: كان يُضَعَّفُ في الحديث (٨).

стр. 3389

وأخوه حَسَن بن عَبْد الله (١) لأبيه وأمِّه. وكانت تحت حَسَن (٢) هذا لُبابة (٣) بنت الفضل بن العباس بن عُتْبة بن أبي لهب الشاعر، فولَدَتْ له أسماءَ بنتَ حَسَن بنِ عبد الله (٤)، وكانت تسكنُ المدينة، وهي التي رَفَعَتْ علمَ أبي جعفر المنصور يومَ دخلَ عيسى بن موسى لقتال محمد بن عبد الله بن حسن؛ على منارة مسجد رسول الله ﷺ ، وكان أسودَ، فكان سببًا لوَهَن المُبَيِّضَة (٥) من أصحاب محمد بن عبد الله. ويقال لهذه المرأة: الحسناء (٦). ذكر بنات عُبيد الله بن العباس: العاليةُ؛ تزوَّجها عليُّ بن عبد الله بن العبَّاس، فولَدَتْ له محمدَ بنَ عليّ، والدَ الخلفاء (٧). وميمونةُ بنتُ عُبيد الله؛ تزوَّجَها عُبيد الله (٨) بنُ عليّ بن أبي طالب، وهو الذي قُتل مع مصعب بن الزُّبير (٩) في حرب المُختار، فخَلَفَ عليها أبو سعيد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميَ، ثم نافع بن (١٠) جُبير بن مُطْعِم.

стр. 3390

أسندَ عُبيدُ الله بنُ العبَّاس ﵄ الحديثَ عن رسول الله ﷺ (١). وروى عنه: سليمان بنُ يسار، وابنُ سِيرِين، وعطاءُ بنُ أبي رباح، وابنُه عَبدُ الله بن عُبيد الله (٢). السنة الثامنة والخمسون فيها عزلَ معاويةُ مروانَ [بنَ الحكم] عن المدينة بالاتفاق، وأمَّرَ عليها الوليدَ بنَ عُتْبةَ بنِ أبي سفيان (٣). وفيها ولَّى معاويةُ ابنَ أختِه عبدَ الرحمن بنَ أمِّ الحَكَم بنتِ (٤) أبي سفيان الكوفةَ -وأبوه عبدُ الله بن عثمانَ بنِ ربيعة الثقفيُّ- وعزلَ عنها الضَّحَّاكَ بنَ قيس. وخرج طائفة من الخوارج، وهم الذين حبسهم المغيرة بن شعبة، فقُتِلُوا جميعًا (٥). وأساء عبدُ الرحمن ابنُ أمِّ الحَكَم السيرةَ في أهل الكوفة، فطردوه، فلحقَ بمعاوية، فشكاهم إليه، فقال: لا طاقةَ لي بأهل العراق، [فقال له:] سأُوَلِّيك (٦) خيرًا منها. فولَّاه مصر. فتوجَّه إليها، وكان بها معاوية بن حُدَيج، فالتقاه ببعض الطريق وقال: ارْجِعْ إلى خالك، فإنَّا لا ندعُك أنْ تسيرَ فينا كما سِرْتَ في أهل الكوفة. وفيها ثارتِ الخوارجُ على عُبيد الله بن زياد، فقتلَ منهم خلقًا كثيرًا؛ منهم عُروة بن أُدَيَّة؛ أغلظ ابن زياد (٧) وقال [له]: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ [الشعراء: ١٢٨]. فقطح يدَيه ورجلَيه. وكان أخُوه مِرْداسُ بنُ أُدَيَّة رأسَ الخوارج، فحبَسه ابنُ زياد، فلمَّا رأى السَّجَّان عبادتَه واجتهادَه؛ أَذِنَ له أن ينصرفَ إلى بيته ليلًا، ويعودَ إلى السجن نهارًا.

стр. 3391

فذَكَر ابنُ زياد في بعض الليالي أنه يُريد قتلَ الخوارج غدًا، وبلَغَ السَّجَّانَ، فخافَ أن يَسمع مِرْداس بذلك فلا يحضر، فلمَّا كان آخِرُ الليل عاد مِرْداس إلى السجن، فقال له السَّجَّان: بلغكَ ما عَزَمَ عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: فكيف عدت؟! قال: قد أحسنْتَ إليَّ، فما جزاؤك أن يُساءَ إليك بسببي (١)؟ وجلس زياد يقتل الخوارج، ثم دعا (٢) بمرداس ليقتلَه، فوثبَ السَّجَّانُ -وكان ظِئْرًا لعُبيد الله (٣) - فأخبرَه خبرَه، وقصَّ عليه القصَّة وقال: هَبْهُ لي. فوهَبَه إيَّاه. وفي سنة ثمان وخمسين ولَّى معاويةُ مالكَ بنَ عبد الله بن سِنان الخَثْعَمِيّ من أهل فلسطين قتال الروم وكنيته أبو حَكِيم على الصوائف (٤)، فسمَّاه المسلمون ملك الصوائف، وله صحبة (٥)، يُعرف بمالك السرايا؛ لكثرة غزْوهِ (٦). وهو من الطبقة الثالثة من أهل الشام. ولَمَّا أمَّره معاويةُ على الصوائف سمَّاه المسلمون ملك الصوائف، وشَتا بأرض الروم سنة ستّ وأربعين، [وقادَ الصوائف أربعين] سنة؛ في أيام معاوية، ويزيد، وعبد الملك بن مروان (٧). وقال أبو المُصَبِّح الحمصي (٨): كنَّا نسيرُ بأرض الرُّوم، فنظر مالكٌ إلى جابر بن عبد الله يمشي ويقود بغلًا له، فقال له مالك: أَلَا تَرْكبُ يا أبا عبد الله؟ فقال جابر:

стр. 3392

سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماه في سبيل الله، حرَّمَهما اللهُ على النار". فنزل مالك، ونزلنا معه، فما رأيتُ ماشيًا أكثرَ من ذلك اليوم (١). وكان مالك رجلًا صالحًا، له فصْائلُ جمَّةٌ يطولُ ذكرها، وكان يقسم الغنائمَ على كتاب الله وسنَّةِ رسوله، ولا يُحابى أحدًا، كتبَ إليه معاويةُ وإلى عبد الله بن قيس الفَزَاريّ أن يصطفيا له من الخُمْس، فأمَّا عبدُ الله فأنفذَ كتابَه، وأمَّا مالكٌ فلم يُنفِذْه، فلما قدما على معاوية أَذِنَ لمالك قبلَ عبد الله وفضَّلَه عليه في الجائزة، فعاتَبه عبدُ الله، فقال معاوية: إنَّ مالكًا عصاني وأطاعَ الله، وأنْتَ أطعتَني وعصيتَ الله. وقال معاوية لمالك: ما منَعك أن تُنْفِذَ كتابي؟ فقال له مالك: ما أقبحَ أنْ أكونَ أنا وأنتَ في زاويةٍ من زوايا النار، تلومُني وألومُك (٢)!. وكان مالكٌ يقول لأصحابه والجيش: خُذُوا الفاكهةَ من الشجرة، ولا تقطعوا الشجرة، فإنها تنفعُكُم في غَزْوكم مِنْ قابِل (٣). وكان يصوم الدهر، وأحصَوْا صيامَه فوجدُوه قد صام ستِّين سنة (٤). وقال حسان مولاه: كان في فخذه كتابة بين الجلد واللحم: الله (٥)، ما كتبَها كاتب. وكُسِرَ على قبره أربعون لِواءً (٦). وروى الحديث عن رسول الله ﷺ (٧)، وصَحِبَهُ (٨).

стр. 3393

وفيها قُتل يزيدُ بنُ شجرة الرَّهاويّ في البحر في السُّفن. ويقال: إن الذي غزا في البحر في هذه السنة جُنادة بن [أبي] أمية. ويقال: إن عَمرو بن يزيد الجُهني شتا في هذه السنة بأرض الروم (١). وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة الوليدُ بنُ عتبة ابن أبي سفيان بالاتفاق] وكان على المدينة، وكان على الكوفة الضَّحَّاكُ بنُ قيس -وقيل: ابنُ أمِّ الحَكَم- وعلى البصرة عُبيدُ الله بنُ زياد، وعلى قضاء الكوفة [شُرَيح] (٢). وفيها مات عُميرة بن يثربيّ (٣) قاضي البصرة، فاستقْضَى [ابنُ] زياد هشامَ بنَ هُبيرة (٤). وفيها توفي سعيدُ بن العاص ابن سعيد أبي أُحَيْحَة، وكنية سعيد أبو أُحَيْحَة (٥). وقيل: أبو عثمان، وقيل: أبو عبد الرحمن. وأُمُّ سعيدٍ: أمُّ كُلثوم بنتُ عَمرو بنِ عبد الله، من بني عامر بنِ لُؤي، وأمُّها أُمُّ حبيب بنت العاص بن أُميَّة بن عبد شمس. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وقُبض رسولُ الله وسعيدٌ ابنُ سبع سنين، أو نحوها، وقيل: ابن تسع سنين (٦).

стр. 3394

أدركَ رسولَ الله ﷺ ، وله عنه رواية، وكان أحدَ أجواد قريش. وقال الشيخ موفَّق الدين ﵀ (١): وُلد عام الهجرة. وقيل: سنة إحدى. وقُتل أبوه العاص يومَ بدرٍ كافرًا، وكالت سعيد يظنُّ أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل أباه، فقال له عمر: ما لي أراك مُعرضًا كأنَّك ترى أني قتلتُ أباك؟! ما أنا قتلتُه، وإنما قتله عليُّ بنُ أبي طالب، ولو قتلتُه ما اعتذَرْتُ من قتل مشرك، ولكنّي قتلتُ خالي بيدي العاصَ بنَ هشام بن المغيرة المخزومي. فقال سعيد: يا أمير المؤمنين، ولو قتلتَه كنتَ على حقّ، وكان على باطل. فسَرَّ عُمرَ ﵁ ذلك منه (٢). ولم يزل سعيد بن العاص في ناحية عثمان رضوان الله عليه للقرابة التي بينهما، فلما عَزلَ عثمانُ ﵁ الوليدَ بنَ عقبة عن الكوفة؛ استعملَ سعيدًا عليها، فعمل عليها خمس سنين إلا شهرًا (٣). ولم يزل سعيد مع عثمان ﵁ وقاتل معه يومَ الدار، وضربَه [يومئذٍ] رجل في رأسه [ضربة] مأمومة (٤). ولَمَّا قُتل عثمان وخرج طلحة والزُّبير وعائشة من مكة يريدون البصرة؛ كان سعيد قد هربَ إلى مكة وخرجَ معهم إلى ذات عِرْق، فقام خطيبًا فقال: إنَّ عثمانَ عاشَ في الدنيا حميدًا، وخرج منها فقيدًا، وتوفِّي سعيدًا شهيدًا، فضاعف الله حسناتِه، وحطَّ سيِّئاتِه، ورفع درجاتِه ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية. وقد زعمتُم أيُّها الناس أنكم إنما خرجتُم تطلبُون بدم عثمان، فإن كنتُم تريدون ذلك، فإنَّ قَتَلَةَ عثمان على صدور هذه المَطِيِّ وأعجازها، فمِيلُوا عليها بأسيافكم، وإلَّا

стр. 3395

فانصرفوا إلى منازلكم، ولا تقتُلوا في رضي المخلوقين أنفسَكم، ولا يُغني الناسُ عنكم يومَ القيامة شيئًا. فقال مروان: لا، بل نضربُ بعضَهم ببعض، فمن قُتل كان الظَّفَر فيه، ويبقَى الباقي فنطلُبُه وهو واهنٌ ضعيف. وقام المغيرة فقال: الرأي ما رآه سعيد، من كان من هوازن فأحبَّ أن يتبعني [فليفعل]. فاتَّبعه ناسٌ منهم، وخرج حتى نزل الطائف، فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفِّين (١). [ورجع سعيد بن العاص بمن اتَّبعه حتى نزل مكة، فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفِّين]. فلما ولِيَ معاويةُ الخلافةَ سنة إحدى وأربعين وكان سعيد بنُ العاص مقيمًا بمكة لم يشهد شيئًا من الحروب؛ قدم على معاوية، فسلَّم عليه، فقال له معاوية: حيَّاك اللهُ بالسلام، وأسعدَك بسلامة المَقْدَم، نِعْمَ الزائرُ أنتَ، فهلَّا قبلَ ذلك وقد شَفَى (٢) بنا الأمر على التَّلَف، ونحن كأفراخ الحَجَل يأوي من هضبة إلى شاهق، ولكنك كما قال الفَقْعسي في سليمان بن محيف (٣): وأسلَمني لَمَّا رأى الخيلَ أقْبَلَتْ (٤) … عشيةَ يهدي القومَ نصرُ بن مالكِ وقام بنعيي نادبًا ثم عابني … بنهبيَ جازاني ببيض السنابكِ فأَعْرضتُ عما كان من قُبح فعلِهِ … وقاسمتُه نهبي كفعل المشاركِ فقال له سعيد: بئس التحيةُ من ابنِ العمّ على بُعد اللقاء، وإنما أبعدني عنك غِناك عني، ولو دعوتَني لأجبتُ، وعلى كلِّ حال فبُعدي عمَّا كنتُم فيه أحبُّ إليَّ من قربي منه.

стр. 3396

وكان عمرُو بنُ العاص حاضرًا، فقال له: يا سعيد، أتفخرُ على ابنِ حَرْب وتُراشِقه الكلام، وبهم عززتَ في الجاهلية والإسلام؟!. فقال له سعيد: يا ابن العاص، إذا شحمَ العِيرُ نهقَ، ما لبني سهم ولبني عبد شمس؟! ولكنَّك كالذُّباب تقع على كل شيء. أنا واللهِ إلى ابنِ حرب أقربُ وأعزُّ عليه منك، وواللهِ إنه بك لَعالم. فقال معاوية: صدق سعيد، سعيدٌ يميني، ومروانُ شمالي. فقال عمرو: واللهِ لقد شَهِدْناك وغابَ عنك، ونصرناك وخذلَك، وكان عليك وكنَّا معك، حتى إذا دَسَعَ الوطابُ (١) بزُبْدَتِه؛ وقُدْناها إليك مزمومة الخَيشوم؛ أقبلَ سعيد يتشدَّق! فصاحَ به سعيد: أَلِي تقولُ هذا يا ابنَ النابغة؟! ثم قام مُغْضبًا، فقام معاوية فأصلحَ بينهما. وكان سعيد: محبًّا لبني هاشم، محسنًا إليهم حليمًا وقورًا جوادًا مُمَدَّحًا، يحبُّ مكارم الأخلاق، وكان أحدَ أشراف قريش وفصائحها وأسدَها. ولم يدخل مع معاوية في شيء من حروبه، وقدم عليه بعدَها، وكانت له دارٌ بدمشق تُعرف [بعده] بدار نعيم، وحمام يعرف بحمام نعيم بنواحي الدِّيماس، ثم رجع إلى المدينة (٢). وأمره عثمانُ ﵁ بإملاء المصحف على زيد بن ثابت، ويقال: إنه كان يكتب وزيد يُملي عليه، فإنَّ عثمان قال: يكون الكاتبُ من قريش، والمُمْلي من الأنصار. وضرب رجلًا على عاتقه بالسيف، فأخرج السيف من مِرْفَقِه (٣). وغزا بالناس طبرستان، وكان معاويةُ يُعاقب بينه وبين مروان في عمل المدينة، وله يقول الفرزدق:

стр. 3397

ترى الغُرَّ الجَحاجحَ (١) من قُريشٍ … إذا ما الأمرُ في الحَدَثان عالا قيامًا ينظُرون إلى سعيدٍ … كأنهمُ يَرَوْنَ به هِلالا (٢) وقال معاوية: لكل قوم كريمٌ، وكريمُنا سعيدُ بنُ العاص (٣). واستسقى سعيد يومًا من دارِ بالمدينة ماءً وكان عطشانًا، فَسَقَوْه شربةً، ثم بلَغَه أنَّ صاحبَ الدار قد عرضَها للبيع، قال: ولمَ؟ قال: عليه أربعةُ آلاف دينار دَين. فقال: إن له علينا لَحُرْمَةً؛ سقانا يومًا شربة. ثم بعثَ إليه بأربعة آلاف دينار وقال: اقْضِ بها دينَك، ولا تَبعْ دارَك (٤). وقدم الزُّبيرُ بنُ العوَّام ﵁ الكوفةَ في خلافة عثمان رضوان الله عليه وعليها سعيد بنُ العاص، فقال: انظروا كم في بيت المال؟ فقالوا: تسع مئة ألف درهم. فقال: احملوها إليه، وقال: لو كان فيه أكثر لحملتُه إليك. فقبلها الزبير ﵁ (٥). قال خليفة: وفي سنة تسع وعشرين عزل عثمان الوليدَ بنَ عُقبة عن الكوفة وولَّاها سعيدَ بنَ العاص، فغزا منها أرمينية، وأَذَرْبِيجان، وجُرْجان، فافتتَحها في سنة ثلاثين (٦). [وافتتح طبرستان في سنة ثلاثين] فسأله أهلُها الأمان على أن لا يقتل منهم رجلًا واحدًا، فأَمَّنَهم وقتلَهم كلَّهم إلا رجلا واحدًا (٧). وأقام سعيدٌ الحجَّ للناس سنة ثمانٍ وخمسين (٨).

стр. 3398

وجمع له [معاوية] ولايةَ مكَّة والمدينة، فولَّاها سعيدٌ عَمرًا ابنَه (١). وكان بين سعيد وقوم من أهل المدينة منازعة، فلما وليَها ترك ذلك وقال: لا أنتصر وأنا والٍ (٢). وخطب سعيدٌ أمَّ كلثوم بنتَ عليّ ﵇ بعد وفاة عمر رضوان الله عليه، وكان واليًا على المدينة، وبعثَ إليها (٣) بمئة ألف درهم، فشاورتْ أخاها الحسين ﵁[فقال: لا تتزوَّجيه. فدخل عليها الحسن ﵁، فأخبرته فقال: بل نُزوِّجُه. وأرسل إلى سعيد، فجاء، فقال: أين أبو عبد الله؟ يعني الحسين، فقال الحسن ﵁: أنا كفيل دونَه. فقال سعيد: فلعلَّه كرِهَ ذلك؟ فقال: قد كان ما ذكرتَ. فقال سعيد: واللهِ لا أدخلُ في شيء يكرهُه أبو عبد الله. ثم قام، ولم يأخذ من المال درهمًا (٤). وقد ذكر القصة المدائني فقال: كره إخوتُها تزويجَها منه، فبسطت أمُّ كلثوم رداءها وجلست على سرير، وقالت لابنها زيد بن عمر بن الخطاب: إذا جاء سعيد فزوِّجني منه. وأرسلَتْ إلى سعيد، فجاء، فقال: أين أبو محمد؟ يعني الحَسَن، أين أبو عبد الله؟ يعني الحُسين ﵁. فقالت: كرها ذلك، وابني يزوِّجُني. فقال: لا والله، ما كنتُ لأُدخِل على ابنَي فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ أمرًا يكرهانِه. ثم قام وخرج، وقال لغلامه: احمل إليها مئة ألف أخرى وقُلْ لها: إن ابن عمك كان هَيَّأ لكِ هذه صلةً، فاقْبِضِيها مع تلك. فقَبِلَتْها مع الأولى. وكان سعيد إذا أتاه سائل ولم يكن عنده شيء كتبَ له خُطَّة (٥) إلى زمان ميسور فيقبضُه. وجاءه رجل فقال: لي عندَك يدٌ. قال: وما هي؟ قال: رأيتُك جالسًا وحدَك، فجلستُ إليك. فقال: يدٌ واللهِ. فأعطاه عَشَرَةَ آلاف (٦).

стр. 3399

وكان سعيد يقول: قَبَّحَ اللهُ المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة، أمَّا إذا أتاك وقد تركَ ماءَ وجهه (١)، وقلبُه خائفٌ، وفرائصُه تُرْعَد، وجبينُه يَرْشَح، لا يدري؛ أيرجعُ بنُجْح الطلب، أو بسوء المنقلب، فواللهِ لو خرجتَ له من جميع مالك ما كافيتَه. وكان يقول: اللهمَّ إن كنتَ تعلم [أنَّ] للدنيا [عندي] (٢) حظًّا، فلا تجعلْ لي حظًّا في الآخرة. ولما وَليَ سعيد الكوفةَ جاءَتْه هند بنت النعمان بن المنذر مترهِّبة ومعها جوارٍ لها قد لَبِسْنَ المُسُوح، فأكرمَها وأجلسها على فراشه إلى جانبه، وقضى حوائجها، فقالت له: أيُّها الأمير، لا أزال اللهُ عن كريم نعمةً إلا وجعلَكَ السببَ في عَوْدها إليه، ولا جعلَ لك إلى لئيم حاجة (٣). وأوصى سعيد ابنَه عمرًا أن يبيعَ قصرَه ويقضيَ دينَه، وقال: إن سألك معاويةُ أن يقضيَ ديني؛ فلا تفعل، فلما مات سعيد باع عمرو قصرَه، وجعلَ يقضي دَينَه. فأتاه رجل بقطعة من أديم فيها مكتوب بخطّ سعيد أنَّ له عليه مالًا كثيرًا؛ إمَّا عشرين ألفًا، أو نحوها، فقال عمرُو: هذا خطُّ أبي أعرفُه، ولكنّي أُنكِرُ أن يكون لمثلِك على أبي هذا الدَّين، فمن أين صار لك عليه هذا؟ قال: رأيتُه يومًا، فوقف وقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: لا إنَّما رأيتُك تمشي وحدَك، فأحببتُ أن أصلَ جناحَك. فقال: التمس لي شيئًا أكتبُ فيه. فلم أجدْ إلا هذه الرُّقْعة الأديم، فكتب لي فيها. فقال عمرو: إذن واللهِ لا تأخذُها إلا وافيةً. فأعطاه إيَّاها (٤). وقال الواقديّ: لما احتُضر قال لابنه عمرو: كم عليَّ دَين؟ قال: ثلاثة آلاف ألف درهم. فقال: بِعْ قصري ومزارعي، واقْضِ دَيني. فلمَّا وفدَ ابنُه على معاوية؛ ترحَّم عليه وبكى، وقال: كم دَينُه؟ فأخبره عَمرو، فقال: عليَّ قضاؤه. فقال: قد أوصاني ببيع

стр. 3400

قصره ومزارعه. فاشترى معاويةُ القصر بألف ألف (١)، وكان قصرُه من أحسن القصور، وقد تنوَّقَ في بنائه، وغرم عليه أموالًا كثيرة، وكان بمكان يقال له: العَرْصَة، على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وفيه يقول أبو قَطِيفة عمرُو بن الوليد بن عقبة: القصرُ فالنخل فالجمَّاءُ بينَهما … أَشْهَى إلى النفس من أبوابِ جَيرُونِ (٢) وكان يقال لسعيد: عُكَّة العَسَل (٣)، وهو أحد الأجواد المعدودين. وقال ابن عمر ﵁: جاءت امرأةٌ بِبُرْدٍ إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني نَذَرْتُ أنْ أُعطِيَ هذا البُرْدَ أكرمَ العرب. فقال: "أعْطِيهِ هذا الغلامَ". يعني سعيدَ بنَ العاص، وكان واقفًا. فبذلك سمِّيَت: الثياب السَّعْديّة (٤). وقال الزُّبير بن بكَّار: حضر رجلٌ طعامَ سعيد ليلًا، فلمَّا أكلَ الناس وانصرفوا؛ مكثَ الرجل موضعَه، فقال له سعيد: ما حاجتُك؟ فاستحى الرجل ولم ينطق، فأطفأ سعيد السِّرَاج وقال: قُل ولا تستحي. فذكرَ له إضاقةً شديدة، وخرج إلى بيته، فأرسلَ إليه سعيد: ابْعَثْ إلينا وعاءً نعطيك فيه حاجَتك. فقال الرجل لامرأته: هذا ما صنعتِ بي، كلَّفتيني أن أبذلَ ماءَ وَجْهي إلى سعيد، وقد أمرني أن أبعثَ إليه وعاءً، ولعله يُعطيني فيه تمرًا أو طعامًا ما يُساوي بَذْلَ ماءِ وجهي. وبعثَ إليه سعيد بِبَدْرَتَينِ (٥) مع عَبْدَين، فلما وضعاها بين يدي الرجل؛ وقَفَا، فقال لهما: انصرفا، فقالا: نحن لك. فقال: وكيف؟ قالا: ما بَعَثَ الأمير إلى أحد بِصِلةٍ مع غلام إلا كان له.
следующие страницы →