← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وكان عمرُو بنُ العاص حاضرًا، فقال له: يا سعيد، أتفخرُ على ابنِ حَرْب وتُراشِقه الكلام، وبهم عززتَ في الجاهلية والإسلام؟!. فقال له سعيد: يا ابن العاص، إذا شحمَ العِيرُ نهقَ، ما لبني سهم ولبني عبد شمس؟! ولكنَّك كالذُّباب تقع على كل شيء. أنا واللهِ إلى ابنِ حرب أقربُ وأعزُّ عليه منك، وواللهِ إنه بك لَعالم. فقال معاوية: صدق سعيد، سعيدٌ يميني، ومروانُ شمالي. فقال عمرو: واللهِ لقد شَهِدْناك وغابَ عنك، ونصرناك وخذلَك، وكان عليك وكنَّا معك، حتى إذا دَسَعَ الوطابُ (١) بزُبْدَتِه؛ وقُدْناها إليك مزمومة الخَيشوم؛ أقبلَ سعيد يتشدَّق! فصاحَ به سعيد: أَلِي تقولُ هذا يا ابنَ النابغة؟! ثم قام مُغْضبًا، فقام معاوية فأصلحَ بينهما. وكان سعيد: محبًّا لبني هاشم، محسنًا إليهم حليمًا وقورًا جوادًا مُمَدَّحًا، يحبُّ مكارم الأخلاق، وكان أحدَ أشراف قريش وفصائحها وأسدَها. ولم يدخل مع معاوية في شيء من حروبه، وقدم عليه بعدَها، وكانت له دارٌ بدمشق تُعرف [بعده] بدار نعيم، وحمام يعرف بحمام نعيم بنواحي الدِّيماس، ثم رجع إلى المدينة (٢). وأمره عثمانُ ﵁ بإملاء المصحف على زيد بن ثابت، ويقال: إنه كان يكتب وزيد يُملي عليه، فإنَّ عثمان قال: يكون الكاتبُ من قريش، والمُمْلي من الأنصار. وضرب رجلًا على عاتقه بالسيف، فأخرج السيف من مِرْفَقِه (٣). وغزا بالناس طبرستان، وكان معاويةُ يُعاقب بينه وبين مروان في عمل المدينة، وله يقول الفرزدق:

стр. 3397

ترى الغُرَّ الجَحاجحَ (١) من قُريشٍ … إذا ما الأمرُ في الحَدَثان عالا قيامًا ينظُرون إلى سعيدٍ … كأنهمُ يَرَوْنَ به هِلالا (٢) وقال معاوية: لكل قوم كريمٌ، وكريمُنا سعيدُ بنُ العاص (٣). واستسقى سعيد يومًا من دارِ بالمدينة ماءً وكان عطشانًا، فَسَقَوْه شربةً، ثم بلَغَه أنَّ صاحبَ الدار قد عرضَها للبيع، قال: ولمَ؟ قال: عليه أربعةُ آلاف دينار دَين. فقال: إن له علينا لَحُرْمَةً؛ سقانا يومًا شربة. ثم بعثَ إليه بأربعة آلاف دينار وقال: اقْضِ بها دينَك، ولا تَبعْ دارَك (٤). وقدم الزُّبيرُ بنُ العوَّام ﵁ الكوفةَ في خلافة عثمان رضوان الله عليه وعليها سعيد بنُ العاص، فقال: انظروا كم في بيت المال؟ فقالوا: تسع مئة ألف درهم. فقال: احملوها إليه، وقال: لو كان فيه أكثر لحملتُه إليك. فقبلها الزبير ﵁ (٥). قال خليفة: وفي سنة تسع وعشرين عزل عثمان الوليدَ بنَ عُقبة عن الكوفة وولَّاها سعيدَ بنَ العاص، فغزا منها أرمينية، وأَذَرْبِيجان، وجُرْجان، فافتتَحها في سنة ثلاثين (٦). [وافتتح طبرستان في سنة ثلاثين] فسأله أهلُها الأمان على أن لا يقتل منهم رجلًا واحدًا، فأَمَّنَهم وقتلَهم كلَّهم إلا رجلا واحدًا (٧). وأقام سعيدٌ الحجَّ للناس سنة ثمانٍ وخمسين (٨).

стр. 3398

وجمع له [معاوية] ولايةَ مكَّة والمدينة، فولَّاها سعيدٌ عَمرًا ابنَه (١). وكان بين سعيد وقوم من أهل المدينة منازعة، فلما وليَها ترك ذلك وقال: لا أنتصر وأنا والٍ (٢). وخطب سعيدٌ أمَّ كلثوم بنتَ عليّ ﵇ بعد وفاة عمر رضوان الله عليه، وكان واليًا على المدينة، وبعثَ إليها (٣) بمئة ألف درهم، فشاورتْ أخاها الحسين ﵁[فقال: لا تتزوَّجيه. فدخل عليها الحسن ﵁، فأخبرته فقال: بل نُزوِّجُه. وأرسل إلى سعيد، فجاء، فقال: أين أبو عبد الله؟ يعني الحسين، فقال الحسن ﵁: أنا كفيل دونَه. فقال سعيد: فلعلَّه كرِهَ ذلك؟ فقال: قد كان ما ذكرتَ. فقال سعيد: واللهِ لا أدخلُ في شيء يكرهُه أبو عبد الله. ثم قام، ولم يأخذ من المال درهمًا (٤). وقد ذكر القصة المدائني فقال: كره إخوتُها تزويجَها منه، فبسطت أمُّ كلثوم رداءها وجلست على سرير، وقالت لابنها زيد بن عمر بن الخطاب: إذا جاء سعيد فزوِّجني منه. وأرسلَتْ إلى سعيد، فجاء، فقال: أين أبو محمد؟ يعني الحَسَن، أين أبو عبد الله؟ يعني الحُسين ﵁. فقالت: كرها ذلك، وابني يزوِّجُني. فقال: لا والله، ما كنتُ لأُدخِل على ابنَي فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ أمرًا يكرهانِه. ثم قام وخرج، وقال لغلامه: احمل إليها مئة ألف أخرى وقُلْ لها: إن ابن عمك كان هَيَّأ لكِ هذه صلةً، فاقْبِضِيها مع تلك. فقَبِلَتْها مع الأولى. وكان سعيد إذا أتاه سائل ولم يكن عنده شيء كتبَ له خُطَّة (٥) إلى زمان ميسور فيقبضُه. وجاءه رجل فقال: لي عندَك يدٌ. قال: وما هي؟ قال: رأيتُك جالسًا وحدَك، فجلستُ إليك. فقال: يدٌ واللهِ. فأعطاه عَشَرَةَ آلاف (٦).

стр. 3399

وكان سعيد يقول: قَبَّحَ اللهُ المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة، أمَّا إذا أتاك وقد تركَ ماءَ وجهه (١)، وقلبُه خائفٌ، وفرائصُه تُرْعَد، وجبينُه يَرْشَح، لا يدري؛ أيرجعُ بنُجْح الطلب، أو بسوء المنقلب، فواللهِ لو خرجتَ له من جميع مالك ما كافيتَه. وكان يقول: اللهمَّ إن كنتَ تعلم [أنَّ] للدنيا [عندي] (٢) حظًّا، فلا تجعلْ لي حظًّا في الآخرة. ولما وَليَ سعيد الكوفةَ جاءَتْه هند بنت النعمان بن المنذر مترهِّبة ومعها جوارٍ لها قد لَبِسْنَ المُسُوح، فأكرمَها وأجلسها على فراشه إلى جانبه، وقضى حوائجها، فقالت له: أيُّها الأمير، لا أزال اللهُ عن كريم نعمةً إلا وجعلَكَ السببَ في عَوْدها إليه، ولا جعلَ لك إلى لئيم حاجة (٣). وأوصى سعيد ابنَه عمرًا أن يبيعَ قصرَه ويقضيَ دينَه، وقال: إن سألك معاويةُ أن يقضيَ ديني؛ فلا تفعل، فلما مات سعيد باع عمرو قصرَه، وجعلَ يقضي دَينَه. فأتاه رجل بقطعة من أديم فيها مكتوب بخطّ سعيد أنَّ له عليه مالًا كثيرًا؛ إمَّا عشرين ألفًا، أو نحوها، فقال عمرُو: هذا خطُّ أبي أعرفُه، ولكنّي أُنكِرُ أن يكون لمثلِك على أبي هذا الدَّين، فمن أين صار لك عليه هذا؟ قال: رأيتُه يومًا، فوقف وقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: لا إنَّما رأيتُك تمشي وحدَك، فأحببتُ أن أصلَ جناحَك. فقال: التمس لي شيئًا أكتبُ فيه. فلم أجدْ إلا هذه الرُّقْعة الأديم، فكتب لي فيها. فقال عمرو: إذن واللهِ لا تأخذُها إلا وافيةً. فأعطاه إيَّاها (٤). وقال الواقديّ: لما احتُضر قال لابنه عمرو: كم عليَّ دَين؟ قال: ثلاثة آلاف ألف درهم. فقال: بِعْ قصري ومزارعي، واقْضِ دَيني. فلمَّا وفدَ ابنُه على معاوية؛ ترحَّم عليه وبكى، وقال: كم دَينُه؟ فأخبره عَمرو، فقال: عليَّ قضاؤه. فقال: قد أوصاني ببيع

стр. 3400

قصره ومزارعه. فاشترى معاويةُ القصر بألف ألف (١)، وكان قصرُه من أحسن القصور، وقد تنوَّقَ في بنائه، وغرم عليه أموالًا كثيرة، وكان بمكان يقال له: العَرْصَة، على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وفيه يقول أبو قَطِيفة عمرُو بن الوليد بن عقبة: القصرُ فالنخل فالجمَّاءُ بينَهما … أَشْهَى إلى النفس من أبوابِ جَيرُونِ (٢) وكان يقال لسعيد: عُكَّة العَسَل (٣)، وهو أحد الأجواد المعدودين. وقال ابن عمر ﵁: جاءت امرأةٌ بِبُرْدٍ إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني نَذَرْتُ أنْ أُعطِيَ هذا البُرْدَ أكرمَ العرب. فقال: "أعْطِيهِ هذا الغلامَ". يعني سعيدَ بنَ العاص، وكان واقفًا. فبذلك سمِّيَت: الثياب السَّعْديّة (٤). وقال الزُّبير بن بكَّار: حضر رجلٌ طعامَ سعيد ليلًا، فلمَّا أكلَ الناس وانصرفوا؛ مكثَ الرجل موضعَه، فقال له سعيد: ما حاجتُك؟ فاستحى الرجل ولم ينطق، فأطفأ سعيد السِّرَاج وقال: قُل ولا تستحي. فذكرَ له إضاقةً شديدة، وخرج إلى بيته، فأرسلَ إليه سعيد: ابْعَثْ إلينا وعاءً نعطيك فيه حاجَتك. فقال الرجل لامرأته: هذا ما صنعتِ بي، كلَّفتيني أن أبذلَ ماءَ وَجْهي إلى سعيد، وقد أمرني أن أبعثَ إليه وعاءً، ولعله يُعطيني فيه تمرًا أو طعامًا ما يُساوي بَذْلَ ماءِ وجهي. وبعثَ إليه سعيد بِبَدْرَتَينِ (٥) مع عَبْدَين، فلما وضعاها بين يدي الرجل؛ وقَفَا، فقال لهما: انصرفا، فقالا: نحن لك. فقال: وكيف؟ قالا: ما بَعَثَ الأمير إلى أحد بِصِلةٍ مع غلام إلا كان له.

стр. 3401

ومات ﵀ سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: تسع وخمسين. وحُمل من قصره بالعَرْصَة على أعناق الرجال، فدُفِنَ بالبقيع (١). ذكرُ أولاده رحمة الله عليه: فولدَ سعيدٌ عثمانَ الأكبر؛ دَرَجَ، ومحمدًا، وعَمْرًا، وعبدَ الله الأكبر؛ دَرَجَ، والحَكَمَ؛ دَرَجَ، وأمُّهُم أُمُّ البنين بنتُ الحَكَم بن أبي العاص بن أُميَّة. وعبدَ الله؛ أُمُّه أُمُّ حَبِيب بنتُ جُبير بنِ مطعم. ويحيى، وأيوب؛ دَرَجَ؛ أمُّهما العاليةُ بنتُ سَلَمَة، من سَعْد العشيرة. وأبان، وخالدًا والزبير درجا؛ أمُّهم جُويرية بنتُ سيف (٢)، من بني كنانة. وعثمانَ الأصغر، وداود، وسليمان، ومعا وية، وآمنة؛ أمُّهم أُمُّ عمرو بنت عثمان بن عفَّان، وأمُّ عَمرٍو هذه [أمُّها] رَمْلَةُ بنتُ شيبة بن ربيعة. وسُليمانَ الأصغر؛ أمُّه أمُّ سَلَمة بنتُ حبيب، من بني كلاب. وسعيدًا؛ وأُمُّه مريمُ بنتُ عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه، وأُمُّها نائلة بنتُ الفُرَافِصَة. وعنبسة؛ لأمِّ ولد، وعُتبة ومريم لأمِّ ولد. وإبراهيم؛ أمُّه بنتُ سَلَمة بن قيس، من بني كلاب. وجَريرًا وأمَّ سعيد، أمُّهما عائشةُ بنت جرير بن عبد الله البَجَليّ. ورملةَ، وأمَّ عثمان، وأُميمة؛ [وأُمُّهُنَّ أُميمةُ] بنت عامر بن مالك. وحفصةَ، وعائشةَ الكبرى، وأمَّ عمرو، وأُمَّ يحيى، وفاخته، وأمَّ حَبِيب الكبرى، وأمَّ حَبِيب الصغرى، وأُمَّ كلثوم، وسارة، وأُمَّ داود، وأُمَّ سليمان، وأُمَّ إبراهيم، وحُميدة، وهُنَّ لأمَّهات أولاد شتَّى. وعائشةَ الصغرى؛ أُمُّها أُمُّ حبيب بنتُ بُجير، كلابية (٣).

стр. 3402

وأشهر أولاده: عَمرو، وعبدُ الله، ومحمدٌ، ويحيى، وعَنْبَسة، وأبان. فأما عمرو فهو الأشدق، كان وصيَّ أبيه؛ قتلَه عبدُ الملك غدرًا (١). وابنُه إسماعيل بن عمرو، كان يسكن الأَعْوص (٢)، وكان فاضلًا زاهدًا لم يلتبس (٣) من سلطان بني أمية بشيء، وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يراه أهلًا للخلافة. وكان أخوه سعيد بن عمرو يسكن أيلة (٤). وهو القائل في مروان يعني سعيدًا: لَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ … عاد الظَّلومُ ظَلِيمًا همُّهُ الهَرَبُ أين الفرارُ وتركُ الملك إذ كشفَتْ … عنك الهُوَينا فلا دين ولا حَسَبُ فَراشة الحِلْم فرعونُ العقابِ وإنْ … تطلبْ نداه فكلبٌ دونه كَلِبُ (٥) قال ابن عساكر (٦): أسندَ سعيدُ بن العاص الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وله عنه رواية. وقد روى عن عُمر، وعثمان، وعائشة، رضوان الله عليهم، وروى عنه ابناه يحيى، وعَمْرو، وسالمُ بنُ عبد الله بن عمر، وعروةُ بن الزُّبير في آخرين. سَمُرَةُ بنُ جُنْدُب ابن هلال بن جُرَيْج بن مُرَّة، من بني مازن (٧) بن فَزَارة، حليف الخزرج، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، كنيتُه أبو سليمان، وقيل: أبو سعيد، وأبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله. وكانت أُمُّهُ تحت مُرَيّ بنِ سِنان (٨) بن ثعلبة، عمِّ أبي سعيد الخُدْري، فكان رَبِيبَه.

стр. 3403

فلمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى أُحد، وعرضَ أصحابَه ورَدَّ من استصغرَه؛ كان فيمن ردَّ سَمُرة، وأجاز (١) رافعَ بنَ خَدِيج، فقال سَمُرَةُ لِمُرَيّ بنِ سِنان: يا أبه، يردُّني رسولُ الله ﷺ ، ويُجيز رافع، وأنا أصرعُه. فأخبرَ مُرَيٌّ رسولَ الله ﷺ ، فقال: "تصارعا" (٢). فصرعَ سَمُرَةُ رافعًا، فأجازَه رسولُ الله ﷺ . فشهد سَمُرَةُ أُحُدًا، وكان سَمُرَة إذا ظفر بواحدٍ منهم قَتَلَه شَرَّ قِتْلَة. وكان الحسن وابنُ سِيرين وفضلاء الصحابة يُثنون عليه، وكان صدوقًا ثقة. وقال ابن سِيرين: كان سَمُرة صدوق الحديث، عظيمَ الأمانة، يحبُّ الإسلام وأهله حتى أحدَثَ ما أحدثَ (٣). واستَخلفَ زيادٌ على البصرة سمرةَ حين خرج إلى الكوفة، فلما عاد زياد من الكوفة وَجَدَ سَمُرةَ قد قتلَ ثمانية آلاف رجل، فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قتلتَ بريئًا؟ فقال: لو قتلتُ أمثالهم لما خفت (٤). وقال أبو السوَّار العدَويّ: قتلَ سَمُرَة من قومي في غداة (٥) واحدة سبعةً وأربعين رجلًا، كلُّهم قد قرأ القرآن. وقال البلاذُري (٦): كان زياد بن أبيه قد تجمَّع له العراقان في سنة خمسين، فكان يشتو بالبصرة، ويَصِيفُ بالكوفة، فيقيم في كل مصر ستة أشهر، فإذا خرج عن الكوفة استعملَ عَمْرَو بنَ حُريث، وإذا خرجَ عن البصرة استعملَ عليها سَمُرَةَ بنَ جُنْدُب، فسفك سمُرةُ الدِّماء، وظلمَ الناسَ.

стр. 3404

وقدمَ على سَمُرة بضعةَ عشرَ رجلًا، فجعلَ يسألُ الرجلَ منهم فيقول. ما دينك؟ ومَنْ نبيُّك؟ فيقول: الإسلام ديني، ومحمد نبيِّي. فقتل الجميع (١). وكان زياد سيئة من سيِّئات معاوية، وكان سمُرة سيِّئةً من سيِّئات زياد. قال الطبري: وهل يُحصى من قتلَ سمرة (٢)؟! ذكر وفاته: قال ابن عساكر: مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين، ووقع في قِدْرَةٍ (٣) مملوءةٍ ماءً حارًّا، كان يتعالج بالقعود عليها من بردٍ أصابَه، فسقطَ فيها فمات، وكان ذلك تصديقًا لقول النبي ﷺ لأبي هريرة، ولثالث معهما: "آخر [كم] موتًا بالنار" (٤). قال أوس بن خالد: كنتُ إذا قدمتُ على أبي محذورة [مكة] سألني عن سَمُرة بن جُندب، وإذا قدمتُ البصرة على سَمُرة، سألني عن أبي محذورة، فقلتُ لأبي محذورة: إذا قدمتُ عليك تسألُني عن سَمُرة. وإذا قدمتُ على سَمُرة سألني عن أبي محذورة؟ فقال: كنتُ أنا وسَمُرة وأبو هريرة في بيتٍ واحد، فجاء رسولُ الله ﷺ ، فأخذَ بعضادَتَي الباب، ثم قال ولثالث معهما: "آخرهم موتًا في النار". فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة، ثم مات سَمُرة. وقال ابن سعد (٥): لما مرض سَمُرَةُ؛ أصابه برد كُزاز شديد، فكان لا يكاد يدفأ، فأمرَ بقِدْرٍ عظيمة، فَمُلئت ماءً، ثم أُوقِدَ تحتَها، واتَّخذَ عليها مجلسًا، فكان يصلُ إليه بخارُها فيُدفئه، فبينا هو كذلك إذْ خُسف تحته، فوقع فيها فنشَّ. وكان عن يمينه كانون، وعن شماله مثلُه، ومن بين يديه ومن خلفه، وكان لا يزدادُ إلا بردًا؛ حتى وقع في القِدْر، فاحترق.

стр. 3405

أسند سمرة الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وأخرجَ له الإمام أحمد ﵀ ثلاثة وخمسين حديثًا (١). وقال ابن عبد البَرّ: كان سَمُرَةُ من الحفَّاظ المكثرين (٢). أبو مَحْذُورَة المؤذِّن واسمه سَمُرة بن مِعْير (٣) -أو: عُمير (٤) - بن لَوْذان الجُمحي، وقيل: أوس. وهو من الطبقة الرابعة مِمَّن أسلم بعد الفتح. وأمُّه من خُزاعة، وكان له أخٌ من أبيه؛ اسمه أُنيس؛ قُتل يوم بدر كافرًا. قال أبو محذورة: خرجتُ في نفر، فكنتُ في بعض طريق حُنين مَقْفَلَ رسول الله ﷺ ، فسَمِعْنا مؤذِّنَ رسولِ الله ﷺ ، فصرَخْنا نحكيه ونستهزئُ به، فسمعَ النبيُّ ﷺ الصوتَ، فأرسلَ إلينا، فوقفنا بين يديه، فقال: "أيُّكم الذي سمعتُ صوتَه؟ " فأشاروا إليَّ، فأطلقهم وحبسني، ثم قال: "قُمْ فأَذِّنْ بالصلاة". فقمتُ ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ ولا مِمَّا يأمرني به، فقمتُ بين يديه، فألقَى عليَّ التَّأذين، فدعاني رسول الله ﷺ حين قضيتُ التَّأذين، فأعطاني صُرَّةً فيها شيء من فضة، ثم وضعَ يدَه على ناصيةِ أبي محذورة، ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، وقال: "بارك الله فيك وعليك". فقلت: يا رسول الله، مُرْني بالتَّأذين بمكَّة. فقال: "قد أمرتُك". وذهب كل شيء كان عندي لرسول الله ﷺ من كراهيته، وعاد ذلك محبَّةً لرسول الله ﷺ . فكان أبو محذورة لا يجُزُّ ناصيتَه ولا يفرِّقُها؛ لأن رسولَ الله ﷺ مسحَ عليها (٥).

стр. 3406

أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها بنت أبي بكر الصديق ﵁، أمُّها أمُّ رُومان. [وقد ذكرنا تزويج رسول الله ﷺ بها بمكة، ودخوله بها في المدينة. وقال ابن سعد:] وُلدَتْ عائشةُ ﵂ في السنة الرابعة من النبوَّة، وتزوَّجها رسولُ الله ﷺ بعد سَوْدَةَ رضوان الله عليها بشهر (١)، على بيت قيمتُه خمسون درهمًا [أو نحوٌ من خمسين] (٢). وكنَّاها [رسولُ الله ﷺ ] أمَّ عبد الله، يعني ابنَ الزُّبير (٣). [وقد ذكرنا أخبارها مفرَّقة في الكتاب، ونحن ذاكرون هاهنا طرفًا من فضلها وأحوالها. قال البخاري بإسناده عن أبي موسى قال:] قال رسول الله ﷺ : "كَمُل من الرجال كثير، ولم يَكْمُلْ من النساء إلا مريمُ بنتُ عمران، وآسِيَةُ بنتُ مُزاحم امرأةُ فرعون. وفضلُ عائشة على النساء كفضل الثَّرِيد على سائر الطعام". متفق عليه (٤). [وإنما ضَرَبَ المثل بالثَّريد لوجوه: أحدها: لأنه أفخر طعام العرب. والثاني: لأنه يأخذ جوهر الطعام كله بالمَرَق. والثالث: لأنه أسهلُ تناولًا من غيره. وقال البخاري بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ لو نزلتَ واديًا فيه شجر قد أُكل منها، ووجدت شجرًا لم يُؤكل منها، في أيِّها كنتَ تُرْتِعُ بعيرَك؟ قال: "في التي لم يُؤكل منها". تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوَّج بكرًا غيرها. انفرد بإخراجه البخاري (٥)].

стр. 3407

ورَوَى عروةُ عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "رأيتُكِ في المنام مرَّتين، فإذا برجلٍ يحملُكِ في سَرَقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتُكَ، فأكشفُ عنها، فإذا هي أنتِ، فأقول: إنْ يكُ هذا من عند الله يُمْضِهِ". متفق عليه (١). قالت عائشة رضوان الله عليها: رأيتُ رسول الله ﷺ واضعًا يده على معرفة [فرس] دِحْيَة الكلبي، فلما انصرف؛ أتيتُه، فقلت: يا رسول الله، رأيتُك واضعًا يَدَكَ على معرفة [فرس] دِحْيَة الكلبي وأنتَ تُكَلِّمُه. قال: "رأيتِ ذلك؟ " قلت: نعم. قال: "ذلك جبريل، وهو يقرأ عليكِ السلامَ". قالت: و ﵇، ورحمةُ الله وبركاتُه، جزاه الله خيرًا من صاحبٍ ودَخِيلٍ، نِعْمَ الصاحبُ، ونِعْمَ الدَّخِيلُ. متفق عليه (٢). [قال أحمد بإسناده عن هشام، عن أبيه، عن عائشة] قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إنِّي لَأَعْلَمُ إذا كنتِ عليَّ راضيةً، وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى". فقلت: ومن أين تعرفُ ذلك؟ قال: "إذا كنتِ عنّي راضيةً تقولين: لا وَرَبِّ محمد، وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى قلتِ: لا وَرَبِّ إبراهيم". فقلت: أجل، والله ما أهجرُ إلا اسمَك (٣). [وفي رواية: "إني لأعرف غضبكِ من رضاكِ" (٤). متفق عليه. وقال ابن سعد بإسناده عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂] قالت (٥): فُضِّلتُ على نساء النبي ﷺ بعشر. قيل: وما هنَّ يا أمَّ المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بِكْرًا قطُّ غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزلَ اللهُ براءتي من السماء، وجاءه

стр. 3408

جبريل بصورتي من السماء في حَرِيرَة وقال: تَزَوَّجْها، فإنَّها امرأتُك، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحد، ولم يكنْ يصنعُ ذلك بأحدٍ من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضةٌ بين يديه كالجنازة، ولم يكن يفعل [ذلك] بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي في فراشي، ولم [يكن] ينزلُ عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقَبَضَ اللهُ نفسَه وهو بين سَحْري ونَحْري، ومات في الليلة التي كان يدور عليَّ فيها، ودُفن في بيتي. [وفي رواية ابن سعد (١): وبَنَى بي لتسع سنين، ورأيتُ جبريل، ولم تره امرأة غيري، وكنت أحبَّ نسائه إليه، وكان أبي أحبَّ أصحابه إليه]. وفي "الصحيحين" عن عَمرو بن العاص قال: قلتُ: يا رسول ﷺ الله، أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة". قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (٢). [وحكى ابن سعد عن مسروق أنه كان إذا حدَّث عن عائشة يقول: حدثتني الصادقة بنت الصِّدِّيق المبرَّأة من كذا وكذا. وفي رواية: حبيبةُ حبيبِ الله (٣)]. وقال مسروق: إن امرأة قالت لعائشة رضوان الله عليها: يا أمَّاه. فقالت: لستُ بأُمِّكِ، أنا أمُّ رجالكم (٤). ووقع رجل في عائشة ﵂ يومَ الجمل، فاجتمعَ عليه الناس، فقال عمَّار: ما هذا؟ قالوا: رجل يقعُ في عائشة. فقال له عمَّار: اسْكُتْ مَقْبُوحًا منبوحًا، أتقعُ في حبيبةِ رسول الله ﷺ ؟ إنها لَزَوجتُه في الجنة (٥). [وقد ذكرنا أن عمارًا قال على منبر الكوفة: إنَّا لنَعْلَمُ أنها زوجةُ رسول الله في الدنيا والآخرة] (٦).

стр. 3409

[ذِكرُ بعض جودها]: روى ابن سعد عن عروة قال (١): رأيت عائشة تصدَّقَتْ بسبعين ألفًا، وإنَّها لترفع جانب دِرْعِها (٢). وذكر جدّي في "الصفوة" عن عطاء قال (٣): بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر، قُوِّم بمئة ألف، فقَسَمَتْهُ بين أزواج النبيِّ ﷺ . وروى ابن سعد عن أمّ ذرَّة قالت (٤): بعث ابن الزبير [إلى عائشة] بمال في غِرارتين يكون مئةَ ألف، فدعت بطبق وهي يومئذٍ صائمة، فجعلت تقسمُه في الناس [فلما أمْسَتْ قالت: يا جارية: هاتي فِطْري، فجاءت بخبز وزيت]، فقالت أمُّ ذرَّة: يا أُمَّ المؤمنين، أمَّا استطعتِ فيما أنفقتِ أن تشتري (٥) بدرهم لحمًا تُفطرين عليه؟ فقالت: لا تُعَنِّفِيني، لو كنتِ أذْكَرْتِني لفعلتُ. [ذكر صفة لباسها ﵁]: روى ابن سعد عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تَلْبَسُ (٦) المُعَصْفَرَ وخواتيمَ الذهب وهي مُحرمة (٧). وكانت تَلْبَسُ ثوبًا مضرَّجًا، ودِرْعًا أحمر، وخمارًا أسود، وكانت تلبَسُ الخَزّ والقَزّ (٨).

стр. 3410

[وحكى ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن عائشة كانت تُحرِمُ في الدِّرْع المُعَصْفَر] (١). وقال أيمن المكّيّ: دخلتُ على عائشة وعليها دِرْع قِطْريّ، ثمنُه خمسةُ دراهم (٢). [القِطْري، بكسر القاف: ضرب من البُرود]. ذكر قصتها مع ابن الزُّبير في اليمين التي حلفت: قال البخاريّ: حدَّثنا أبو اليَمان، حدَّثنا شعيب، عن الزُّهْريّ، حدَّثني عَوْفُ بن مالك بن الطُّفيل -وهو ابنُ أخي عائشة لأمِّها- أنَّ عائشةَ حدَّثت أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبير قال في بيعٍ -أو عطاءٍ أعطته عائشة-: واللهِ لَتنتهِيَنَّ عائشةُ، أو لَأَحْجُرَنَّ عليها. قالت: أهو قال هذا؟! قالوا: نعم. قالت: فللَّهِ عليَّ نَذْرٌ أن لا أُكَلِّمَهُ أبدًا. فاسْتَشْفَعَ إليها حين طالتِ الهجرة، فقالت: واللهِ لا أُشَفِّعُ فيه أبدًا، ولا أتحنَّثُ (٣) في نذري. فلمَّا طال ذلك عليه! كَلَّمَ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمةَ، وعبدَ الرحمن بنَ الأسود بن عَبْد يغوث -وهما من بني زُهْرة- وقال: نَشَدْتُكما (٤) اللهَ لَما أَدْخَلْتُماني عليها، فإنه لا يحلُّ لها قَطِيعتي (٥). فأقبلا مُشْتَملَين عليه بأرديتهما حتى استأْذَنا عليها، وقالا: ندخُلُ كلُّنا؟ قالت: نعم. ولم تعلم أنَّ ابنَ الزُّبير معهما، فلما دخلوا دخلَ ابنُ الزُّبَير معهما الحجاب، وطَفِقَ يعتنقُها ويبكي، ويناشدُها اللهَ، وطَفِقا يناشدانِها اللهَ إلا ما كلَّمتِه (٦)، ويقولان: قد نهى رسول الله ﷺ عن الهجرة، ولا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاث. وعائشةُ تبكي وتقولُ: إنِّي قد نَذَرْتُ، والنَّذْرُ شديد. فلم يزالا بها حتى كَلَّمَتْه، وأعتَقَتْ في نذرها ذلك أربعين رقبةً.

стр. 3411

وكانت تذكُرُ نَذْرَها بعد ذلك. فتبكي حتى تَبُلَّ خِمارَها دموعُها (١). انفرد بإخراجه البخاري (٢). [وأخرجه الحميدي عن عروة قال: كان عبدُ الله بن الزُّبير أَحَبَّ الناس إلى عائشة بعد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وكان أَبَرَّ الناس بها، وكانت لا تُمسك شيئًا، فما جاءها من رزق تصدَّقت به، فقال ابن الزُّبير: ينبغي أن يُؤخذ عليها؛ أو: على يديها. فقالت: أيُؤخَذُ على يديّ! للهِ عليَّ نذرٌ إنْ كلَّمتُه. فاستشفعَ إليها برجال من قُريش، وبأخوال رسول الله خاصَّة. فقال له عبد الرحمن بن الأسود والمِسْور: إذا استأْذَنَّا عليها فاقتحمِ الحجاب. وذكره. وأرسل إليها عبد الله بن الزبير بعشر رقاب، فأعتقتهم، ثم لم تزل تُعتق حتى أعتقت أربعين رقبة، وكانت أرقَّ شيء علي بني زُهرة لقرابتهم من رسول الله ﷺ ] (٣). قال البَلاذُريّ (٤): اعتقَتْ مئة رقبة. [قال:] وكانت عائشة رضوان الله عليها لا نردُّ عبدَ الرحمن بنَ الأسود في شيء، وكان له عندها مكانة. [قلت:] وهذا عبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث بن وَهْب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزُّهري]. وُلدَ على عهد النبيّ ﷺ ، وأدركه ولم يره (٥)، وليس له صحبة. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. [وأمُّه آمنة (٦) بنت نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب].

стр. 3412

وروى عن أبي بكر وعمر ﵄، وله دارٌ بالمدينة عند أصحاب الغرابيل والقِباب. [هذا صورة ما ذكره ابن سعد (١)]. [وقال هشام:، ولما حُصِرَ عثمان رضوان الله عليه في داره أشرف عليهم وقال: قد وَلَّيتُ عبدَ الرحمن بنَ الأسود العراق. وبلغَ عبدَ الرحمن فقاك: واللهِ لَرَكعَتَينِ (٢) أَرْكَعُهُما أَحبُّ إليَّ من إمرة العراق. وكان صالحًا، وشهدَ فتح دمشق. [وأبوه الأسود؛ كان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وعذَّبه جبريل حتى حنى ظهرُه، ورسول الله ﷺ يقول: "خالي يا جبريل". فقال: دعه. فمات، وقد ذكرناه في السيرة. وكان عبد الرحمن أبيض الرأس واللحية، فأمرتْه عائشة أن يغلفهما (٣) بالحِنَّاء والكَتَم، وقالت: كان أبي يفعل بهما ذلك]. ذكر عبادتها وصومها: وكانت عائشة ﵂ تصومُ الدَّهرَ، ولا تُفْطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر (٤). وقال ابنُ جريج: قال عطاء: كنتُ أنا وعُبيد بن عُمير نأتي عائشة وهي مجاورةٌ في جوف ثَبِير. قلت: وما حجابُها يومئذ؟ قال: هي في قُبَّةٍ لها تركية، عليها غشاءً بينَنا وبينَها (٥). وذكر في "الصفوة" عن شيبة بن نِصاح، عن القاسم قال (٦): كنتُ إذا غدوتُ أبدأ ببيت عائشة أُسَلِّمُ عليها، فغدوتُ يومًا؛ فإذا هي قائمةٌ تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا

стр. 3413

عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]. وتدعو وتبكي وتردِّدُها، فقمتُ حتى مللتُ القيام، فذهبتُ إلى السوق [لحاجتي] ثم رجعت، وإذا هي قائمة [كما هي] تصلي وتبكى. و [قال ابن سعد بإسناده أن عائشة] قالت: واللهِ لوَدِدْتُ أني شجرة، واللهِ لَوَدِدْتُ أني كنتُ مَدَرَة، واللهِ لَوَدِدْتُ أني لم يكن خلقني شيئًا قطّ (١). [وفي رواية ابن سعد بإسناده عن عيسى بن دينار قال: سألت أبا جعفر عن عائشة، فقال: استغفر لها! أما علمتَ ما كانت تقول؟ يا ليتني كنتُ شجرة. وذكره. قلت: وما ذاك منها؟ قال: توبة (٢)]. وقال البلاذُري: إن رجلًا كان في دار عائشة، وكان يلعبُ بالنَّرْد، فأرسلَتْ إليه: إنْ أخرجتَ النَّرْدَ من داري (٣)، وإلا أخرجتُك. وقال إسحاق الأعمى: دخلتُ على عائشة، فاحتجبَتْ منِّي، فقلت: تحتجبين منّي ولستُ أراكِ! قالت: إن لم تكن تراني، فإنِّي أراك. وكانت إذا قرأَتْ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، تبكي حتى تَبُلَّ خمارها (٤). ذكر طرف من مواعظها: كتَبَتْ إلى معاوية (٥): أما بعد، فإنَّ العبد إذا عَمِلَ بمعصية الله، عادَ حامدُه من الناس ذامًّا. وقالت: إنكم لَنْ تلْقَوُا اللهَ بشيءٍ خيرٍ لكم من قلَّةِ الذُّنوب، فمن سرَّه أن يسبق الدائب المجتهد؛ فليكفَّ نفسَه عن الذنوب (٦). [وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال:] وكانت تقول: إياكم أنْ تعصُوا اللهَ بنعمه.

стр. 3414

ذكر غزارة علمها [وفصاحتها]: قال أبو موسى: ما أشكَلَ علينا أصحابَ رسول الله ﷺ حديثٌ قطُّ فسألْنَا عائشةَ إلا وَجَدْنا عندها منه علمًا (١). وقال مسروق: لقد رأينا الأكابر من الصحابة يسألونها عن الفرائض (٢). وقال عروة: ما رأيت أحدًا من الناس أعلمَ بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحلال ولا بحرام، ولا بِشِعْرٍ، ولا بحديث العرب، ولا بنسب، من عائشة (٣). [وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن هشام بن عروة (عن عروة) أنه كان يقول لعائشة: يا أُمَّاه، لا أعجبُ من فِقْهك؛ أقولُ: زوجةُ رسول الله ﷺ ، وابنةُ أبي بكر، ولا أعجبُ من علمك بالشِّعْر وأيام الناس؛ أقول: ابنةُ أبي بكر. وكان من أعلم الناس. ولكن من علمك بالطِّبِّ! قال: فضربت على منكبه وقالت: أي عُرَيَّة، إن رسول الله ﷺ كان يَسْقَمُ في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كلِّ وجه، فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجها، فمن ثمَّ] (٤). وقال الزُّهري: لو جُمع علمُ عائشةَ إلى علم جميع أزواج النبيّ ﷺ وجميع النساء (٥)؛ كان علمُ عائشةَ أكثر (٦). قال عروة: ربَّما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا ومئة بيت (٧). وقال الأحنف بنُ قيس: سمعتُ خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ [وغيرهم]، فما سمعتُ الكلام من مخلوق أحسنَ منه من في عائشة ﵂ (٨).

стр. 3415

وكان معاوية يقول: ما فتحَتْ عائشةُ بابًا تُريد أن تُغلقَه إلا أغلقته، ولا غلَّقت بابًا تريد فتحه إلا فتَحَتْه (١). وقال عروة (٢): رأَتْ عائشةُ رضوان الله عليها قارئًا متماوتًا متخشِّعًا، فقالت: تبًّا لهذا. وبورك لكلِّ سهل طَلْق متبسِّم، يرى لك المنَّة عليه بردِّ السلام. وقاتلَ الله كلَّ عبوس متماوت يلقاك بوجهٍ مكفهرّ، يمنُّ عليك بعمله؛ فلا أكثر الله في المسلمين أمثاله (٣). ذكر وفاتها ﵂: قال ذكوان (٤) حاجب عائشة رضوان الله عليها: إنه جاء عبد الله بن عباس يستأذنُ عليها. قال: فجئتُ وعند رأسها ابنُ أخيها عبدُ الله بنُ عبد الرحمن، وهي تموت (٥)، فقلتُ: هذا ابنُ عبَّاس يستأذن. [فأكبَّ عليها عبدُ الله ابنُ أختها، فقال: هذا ابن عباس يستأذن] فقالت: دعني من ابن عباس. فقال لها: يا أمَّتاه، إنَّ ابن عباس من صالحي بَنِيك يسلِّمُ عليك ويودِّعُك. فقالت: ائذن له إنْ شئتَ. فأدخلتُه، فلما جلس قال: أَبْشِرِي، فما بينَكِ وبين أن تَلْقَي محمدًا ﷺ والأحبَّةَ إلا أن تخرجَ الروحُ من الجسد، كنتِ أحبَّ نساءِ رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن رسولُ الله ﷺ يحبُّ إلا طيِّبًا، وسَقَطَتْ قِلادتُكِ ليلةَ الأبواء، فأصبحَ رسول الله ﷺ حتى (٦) يصبح في المنزل (٧)، وأصبح الناسُ وليس [معهم] ماءٌ، فأنزلَ الله تعالى آيةَ التيمُّم، فكان ذلك بسببك وما أنزل الله لهذه الأمَّة من الرُّخْصَة، وأنزلَ اللهُ براءتَكِ من فوق سبع سماواتِه، جاء بها الرُّوحُ الأمين، فأصبحَ وليس مسجدٌ من مساجد الله إلا تُتلى فيه آناءَ الليل والنهار.

стр. 3416

فقالت: دَعْني منك يا ابنَ عبَّاس، فوالذي نفسي بيده، لَوَدِدْتُ أنِّي كنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. [وقد أخرج البخاري بمعناه (١)، وفيه: فقال لها ابنُ عبَّاس: يا أُمَّ المؤمنين، تَقْدَمِينَ على فَرَطِ صِدْقٍ؛ رسولِ الله وأبي بكر. وفي رواية (٢): استأذنَ ابن عبَّاس على عائشة وهي مغلُوبة، فقالتْ: أخشى أنْ يُثْنِيَ عليَّ. فلما دخل قال: أبشري، فإن رسول الله لم ينكح بِكْرًا غيرك، ونَزَلَ عُذْرُكِ من السماء. وذكره. وللبخاري عن ابن الزبير أن عائشة قالت له (٣): ادْفِنِّي مع صواحبي، ولا تدفنّي مع رسول الله، فإني أخشى أن أزكى به. ومعناه: أن أُمدح به. وهذا من تواضعها]. و [قال ابن سعد بإسناده عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها] قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عائشة، إنْ أَردتِ اللحوق بي؛ فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسةَ الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبًا حتى تُرقِّعيه" (٤). [وقال ابن سعد: أوصت عائشة أن لا يُتبعوا سريرها بنار، ولا يجعلوا قطيفة حمراء (٥). قال:] وقالت: إذا كُفِّنتُ وحُنِّطتُ، ثم دلَّاني ذكوان في قبري وسوَّى عليَّ، فهو حُرّ (٦). [قال:] وكانت إذا سُئلت: كيف أصبحتِ؟ تقول: صالحة والحمد لله (٧). وتوفيت ﵂ في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وصلَّى عليها أبو هريرة، ودفنت بعد الإيتار، ليلة سبعَ عشرةَ مضت من شهر رمضان ليلة الثلاثاء (٨).

стр. 3417

وأَمرت أن تُدفن من ليلتها، فاجتمع الناس وحضروا، فلم تُر ليلةٌ أكثرُ ناسًا منها، نزلَ لها أهلُ العوالي، ودُفنت باالبقيع (١). [وفي رواية ابن سعد عن الواقدي، عن ابن أبي عتيق قال: حُمل معها جَريد في الخِرَق فيه النار ليلًا، ورأيتُ النساء بالبقيع، كأنه عيد. قال: وصلى عليها أبو هريرة بالبقيع، وابنُ عمر في الناس لا ينكره، وكان مروان قد اعتمر في تلك السنة، فاستخلف أبا هريرة (٢)]. ونزل في قبرها عبدُ الله بنُ الزُّبير، والقاسمُ بنُ محمد، وعبدُ الله بنُ محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر. [وفي رواية:] وذكوان [مولاها] (٣). وقال ابن أبي عتيق: رأيتُ ليلةَ ماتت عائشة حُمل معها جرائد، لَفُّوا عليها الخِرَق، وغمسوها في زيت، وأشعلوا فيها النار. ودفنوها ليلًا (٤). قال الواقدي: هي يومئذٍ بنتُ ستٍّ وستين سنة، وتزوَّجها رسولُ الله ﷺ سنة عشرٍ من النبوة، قبلَ الهجرة بثلاث سنين، وهي بنت ستِّ سنين، ودخلَ بها وهي بنتُ تسعِ سنين، وتوفِّي عنها وهي بنتُ ثمان عشرة سنة ﵂ (٥). [وقال الهيثم: كان العامل على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان؛ لأن معاوية كان قد عزل مروان بن الحَكَم عنها. وقال الواقدي: ماتت عائشة في رمضان في إمرة مروان، والوليدُ بن عتبة إنما وليَ المدينة في ذي القَعْدة (٦).

стр. 3418

وقال أبو نُعيم: ماتت في سنة سبع وخمسين. وقيل: كان لها يوم ماتت تسع وستون سنة. وقال البخاري: ماتت سنة ثمان -أو تسع- وخمسين. والله أعلم (١)]. ذكر مسانيدها ﵂: لم ترو امرأةٌ عن رسول الله ﷺ أكثرَ مما روت عائشة، فإنها رَوَتْ عنه ألفي حديث، ومئتي حديث، وعَشَرَةَ أحاديث (٢)؛ أُخرجَ لها في "الصحيحين" مئتا حديث، وسبعةٌ وتسعون حديثًا؛ المتفق عليها مئة وأربعة وسبعون حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بتسعة وستين (٣). وأخرج لها الإمام أحمد ﵀ نيِّفًا وأربع مئة، منها متفق عليه، ومنها أفراد (٤). وروى عنها من الصحابة والتابعين خلق كثير يطول ذكرهم. واتفقوا على أنها لم تلد من رسول الله ﷺ ، وقيل: أسقطت سقطًا، ولا يثبت. [وليس في الصحابيات من اسمُها عائشة بنت أبي بكر سواها]. ذكر مواليها رضوان الله عليها: ذكوان [وقد ذكرناه] كان يصلي بها في رمضان، ويقرأ من المصحف. [وقيل: كان ينظر بين كل شفعين، فيحفظ مقدار ما يصلي به، فظنَّ الراوي أنه كان يقرأ من المصحف]. مات في سنة ثلاث وستين (٥).

стр. 3419

بَرِيرَة قال أيمن: دخلتُ على عائشة فقلتُ لها: يا أمِّ المؤمنين، إني كنتُ لِعتبة بن أبي لهب، وإن بنيه وامرأتَه باعوني واشترطوا هم وأمُّهم الولاء، فَمَوْلَى مَنْ أنا؟ فقالت: يا بنيّ، دخلَتْ عليَّ بَرِيرَة وهي مُكاتبَةٌ، فقالت: اشتريني. فقلت: نعم. فقالت: إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي (١). فقلتُ: لا حاجة لي فيك. فسمع ذلك رسولُ الله ﷺ -أو بلغه- فقال: "ما بالُ بَرِيرة؟ " فأخبرته، فقال: "اشتريها فأعتقيها، وَدَعِيهِم يشترطون ما شاؤوا". فاشتريتُها فأعتقتُها، وقال رسول الله ﷺ : "الوَلاء لمن أعتق، ولو اشترطوا مئة مرة" (٢). وبَرِيرة هي التي تُصُدِّقَ عليها بلحم، فدخل رسول الله ﷺ على عائشة، فأخبرته، فقال: "هو عليها صدقة، ولنا هديَّة". فأكلَ منه (٣)، [وقد ذكرناه في السيرة]. [وبَرِيرة هي التي طلَّقها زوجها، واختلَفت الفقهاء بسببها. وكان لعائشة أخ من أمِّها، يقال له: الطُّفيل بن سخبرة، له صحبة، وروى عن عائشة ﵂ الحديث]. قال هشام بن عروة: بلغ عائشةَ ﵂ أن أقوامًا يتناولون من أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، فأرسلت إلى أزْفِلَةٍ منهم (٤)، فلما حضروا سَدَلَتْ أستارها، ثم دَنَتْ، فحمدت الله، وصَلَّتْ على رسوله ﷺ ، ثم قالت: أبي وما أَبِيَهْ؟ [أبي] واللهِ لا تَعْطُوهُ الأَيدي (٥)، ذاك طَوْدٌ مُنِيف (٦) وفَرْعٌ مَدِيد، هيهات! كذبتِ الظُّنون، أَنْجَحَ إذْ أكْدَيتُم (٧)، وسَبَقَ إذْ وَنَيتُم (٨) "سَبْقَ الجوادِ إذا اسْتَوْلَى على الأَمَدِ" (٩). فتى قريشٍ

стр. 3420

ناشئًا، وكَهْفُها كَهْلًا، يَفُكُّ عانِيَها (١)، ويَرِيشُ مُمْلِقَها (٢)، ويَرْأَبُ شَعْبَها (٣) حتى حَلِيَتْهُ قلوبُها، ثم اسْتَشْرى (٤) في الله، فما بَرِحَتْ شَكِيمَتُه (٥) في ذات الله حتى اتَّخَذَ بِفِنائِه مسجدًا يُحيي فيه ما أماتَ المُبْطِلُون. وكان -واللهِ- غَزِيرَ الدَّمْعَة، وَقِيذَ الجواوح (٦)، شَجِيَّ النشيج (٧)، فانقصفت (٨) إليه نِسوان مكَّة وولْدَانها يسخرون منه، [ويستهزئون به] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] فأَكْبَرَت ذلك رجالاتُ قُريش، فحَنَتْ له قِسِيَّها، وفَوَّقَتْ له سهامَها (٩)، وانتثلوا (١٠) غَرَضًا، فما فلُّوا (١١) له صَفاةً (١٢)، ولا قَصَفُوا له قناةً، ومرَّ

стр. 3421

على سِيسائه (١)، حتى إذا ضربَ الدينُ بِجِرانِه، وألقى بَرْكَهُ (٢)، ورَسَتْ أوْتادُه، ودخلَ الناسُ فيه أفواجًا، ومن كلِّ فِرْقةٍ أرْسالًا وأشتاتًا، اختارَ الله لنبيِّه ﷺ ما عنده، فقبضَه إليه، فلما [قُبِضَ ﷺ ]، نَصبَ الشيطانُ رُواقَه، ومَدَّ طُنُبَهُ (٣)، ونَصَبَ حَبائلَه، فظنَّ رجالٌ أنْ قد تَحقَّقَتْ أطماعُهم، ولاتَ (٤) حين الذي يرجون، وأَنَّى والصِّدِّيقُ بين أظهرهم! فقامَ حاسرًا مُشَمِّرًا، فجمعَ حاشيتَه، ورفعَ قُطْرَيه (٥)، فرَدَّ نَشْرَ الإسلام على غَرْبِه (٦)، ولَمَّ شَعْثَهُ بِطَيِّهِ، وأقامَ أوَدَهُ بثِقافِهِ (٧)، فانْدَفَن (٨) النِّفاقُ بوطأته، وانتاشَ الدينَ بنَعْشِه (٩)، فلمَّا أراحَ الحقَّ إلى أهله، وقرَّر الرؤوسَ على كواهلها، وحَقَنَ الدِّماءَ في أُهُبِها؛ أَتَتْه مَنِيَّتُه، فَسَدَّ ثُلْمتَه بنظيره في المَرْحَمة (١٠)، وشَقِيقِه في السِّيرة والمَعْدَلَة، ذلك عمر بن الخطاب، فللَّهِ دَرُّ أُمٍّ حَمَلَتْ به (١١)، ودَرَّتْ عليه، لقد أوْحَدَتْ به (١٢)،

стр. 3422

فَفَنَّخَ الكَفَرَةَ ودَيَّخَها (١)، وشَرَّدَ الكفرَ شَذَرَ مَذَرَ، وبَعَجَ الأرضَ وبَخَعَها (٢)، فقاءَتْ أُكُلَها، ولَفَظَتْ خَبِيئَها، تَرْأَمُهُ وَيصْدِفُ عنها (٣)، وتَصَدَّى له ويأباها، ثم وَرعَ فيها، وَوَدَعَها كما صحِبَها (٤)، فأرُوني ما ترون، وأيَّ يوم تنقمون (٥)، أيومَ إقامتِه إذْ عَدَلَ فيكم؟ أم يومَ ظَعْنِه، فقد نظر لكم؟ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم. عبد الله بن حَوَالة ذكره ابن سعد (٦) فيمن نزل الشام من الصحابة، ويكنى أبا حوالة. قال الهيثم: وهو من الأَزْد. وقال محمد بن عمر: هو من بني مَعِيص بن عامر بن لؤي، يكنى أبا محمد، وكان سكن الأردنّ، ومات سنة ثمان وخمسين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال ابنُ البَرْقي: جاءت عنه أربعة أحاديث. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٧): حدثنا إسماعيل بنُ إبراهيم، حدثنا الجُرَيري، عن عَبْد الله (٨) بن شقيق، عن ابنِ حَوالة قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو في ظلِّ دَوْحَة -أو دَوْمَة (٩) - وعنده كاتبٌ يُملي عليه، فقال: "أَلَا أَكْتُبُكَ يا ابنَ حَوالة؟ ".

стр. 3423

فقلت: فيمَ يا رسول الله؟ فأعرض عني، وأكَبَّ على كاتبه يُملي عليه، ثم قال: "أَنَكْتُبُكَ يا ابنَ حَوالة؟ ". فقلتُ: ما أدري، ما خارَ الله لي ورسولُه: فأعرض، فنظرتُ، فإذا في الكتاب عُمر، فعلمتُ أنَّ عُمر ما يُكتب إلا في خير، فقال: "أَنَكْتُبُكَ يا ابنَ حَوالة؟ " فقلت: نعم. قال: "فكيف تصنعُ في فتنة تخرجُ من أطراف الأرض، كأنها صَياصِي البقر (١)؟ " قلت: لا أدري كيف أصنع. [قال: "وكيف تصنعُ] في أخرى بعدها كأنَّ الأُولى فيها انتفاجة أرنب؟ " (٢). فقلت: لا أدري. فقال: "اتَّبِعُوا هذا". ورجلٌ مُقَفِّي (٣) حينئذٍ، قال: فأخذتُ بمَنْكِبِه وأقبلْتُ بوجهه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: "نعم". فإذا هو عثمان بنُ عفَّان (٤). وقال الإمام أحمد ﵀ (٥): حدثنا يزيد بن عبد ربِّه، حدثنا بقيَّة، حدثني بَحِير (٦) بن سَعْد، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي قُتَيلة، عن ابن حَوالة، قال رسول الله ﷺ : "سيصيرُ الأمرُ إلى أن يصيرَ جنودٌ (٧) مُجَنَّدة، جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق". فقال ابنُ حَوَالة: خِرْ لي يا رسول الله إنْ أدركتُ ذلك. فقال: "عليكَ بالشام، فإنَّه خِيرَةُ اللهِ من أرضه، يجتبي إليه خِيرَتَه من عباده، وإن اللهَ تَكَفَّلَ (٨) لي بالشامِ وأهلِه".

стр. 3424

أبو هريرة الدَّوْسِيّ ﵁ - [واختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال: أحدها: حكاه ابن سعد عن الواقدي قال: كان اسمه عبد شمس، فسمِّيَ في الإسلام عبدَ الله. والقول الثاني: عبد شمس (١). والثالث: عبد الرحمن بن صخر، وقيل. ابن غَنْم. والرابع: عامر بن عبد شمس. والخامس: عبد غَنْم. والسادس: عبد الله بن عمرو. والسابع: عبد الله بن عامر. والثامن: عبد الله بن عائذ. والتاسع: عَبْد بن غَنْم. والعاشر: عمرو بن عبد غَنْم. والحادي عشر: عبد نُهم بن عتبة. والثاني عشر: عبد تيم. والثالث عشر: عبد نُعم بن عامر. والرابع عشر: عبد يا ليل. والخامس عشر: عبد العُزَّى. والسادس عشر: عامر بن عميرة. والسابع عشر: عمير بن عامر. والثامن عشر: سعد بن الحارث.

стр. 3425

والتاسع عشر: سكين بن وذمة. والعشرون: سكين بن مَلّ. وقيل: سكين بن هانئ. والحادي والعشرون: سكن بن صخر. والثاني والعشرون: جرثوم. والثالث والعشرون: عبد شمس بن عامر (١). قال جدّي في "الصفوة": قد] اختلفوا في اسمه على أقوال؛ أشهرها عبد شمس بن عامر. [وقول الواقدي: إنه كان اسمه: عبد شمس، فسمِّي في الإسلام عبد الله أثبت. وحكى ابن سعد عن الكلبي عن أبيه أنه قال: إن أبا هريرة اسمه عمير بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن غياث بن أبي صعب بن هُنيَّة بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غَنْم بن دَوْس. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسُمِّيتُ في الإسلام عبد الرحمن، وإنما كنَّاني أبا هريرة لأني كنتُ أرعى غنمًا، فوجدتُ هِرَّةً، فحملتُها في كُمّي، فقال لي: أنت أبو هريرة]. وكان حليفًا لأبي بكر الصِّدِّيق ﵁. وأمُّ أبي هريرة ابنةُ صُفَيح بن الحارث بن شابي، وكان سَعْدُ بن صُفَيح خالُ أبي هريرة من أشدِّ أهلِ زمانه، فكان لا يأخذُ أحدًا من قريش إلا قَتَلَهُ بأبي أُزَيهِر (٢) الدَّوْسيّ (٣).

стр. 3426

[ذكر صفته]: [قال الواقدي: وكان أبو هريرة آدَمَ بعيدَ ما بين المنكبين ذا ضفيرتين، برَّاق الثَّنايا [أو أفرق الثنايا] يخضِبُ بالحِنَّاء والكَتَم [-وقيل: كان يصفرها-] ويُحْفِي شارِبَه. ذكر طرف من أخباره: [قال ابن سعد: حدثنا يزيد بن هارون وعفَّان بن مسلم؛ قالا: حدثنا سَلِيم بن حيَّان قال: سمعتُ أبي يقول:] قال أبو هريرة: نشأتُ يتيمًا، وهاجرتُ مسكينًا، وكنتُ أجيرًا لبُسْرةَ بنتِ غَزْوَان بطعام بطني، وعُقْبَةِ رِجْلِي (١)، فكنتُ أخدُمُ إذا نَزَلُوا، وأَحْدُو إذا ركبوا، فَزَوَّجَنِيها اللهُ، فالحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدِّينَ قِوامًا وأبا هريرةَ إمامًا (٢). [وفي رواية ابن سعد أيضًا: فكانت تكلِّفُني أن أركب قائمًا، وأن أورد حافيًا، فلما زوَّجنيها الله ﵎ كلفتُها أن تفعل مثل ذلك (٣)]. وقال: ما شهدتُ مع رسول الله ﷺ مَشْهدًا قطّ إلا قَسَمَ لي منه، إلا ما كان من خيبر، فإنها كانت لأهل الحُدَيبِيَة خاصَّة (٤). وقال: واللهِ لا يسمعُ بي مؤمنٌ ولا مؤمنة إلا أَحبَّني. قيل له: وما يُعْلِمُك ذاك؟ فقال: إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام، فتَأْبَى عَلَيَّ. فدَعَوْتُها ذاتَ يوم إلى الإسلام، فأسمعَتْني في رسول الله ما أكره، فجئتُ إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ أدعو أمَّ أبي هريرة إلى الإسلام قديمًا (٥). فدعوتُها، فأسمَعَتْني فيك ما أكره. فقال: "ارجع إليها، فادْعُها إلى الإسلام".

стр. 3427

قال: فجئتُ (١)، فإذا البابُ مُجافٌ (٢)، وسمعت خَضْخَضَةَ الماء، فلَبِسَتْ دِرْعَها، وعَجِلَت [عن] خمارها ثم قالت: ادخُلْ يا أبا هريرة. فدخلتُ، فقالت: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله. فجئتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ ، أبكي من الفرح كما بَكَيْتُ من الحُزن، فقلت: أبْشِرْ يا رسول الله، قد أجابَ الله دعوتَك، قد هدى أمَّ أبي هريرةَ إلى الإسلام. ثم قلت: يا رسول الله، ادْعُ اللهَ أنْ يُحبِّبَني وأمي إلى المؤمنين والمؤمنات. فقال: "اللهمَّ حَبِّبْ عُبَيدَك هذا وأمَّه إلى كلِّ مؤمن ومؤمنة". [قال:] فليس يسمعُ بي مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا أَحبَّني (٣). [وفي رواية: فما خلقَ الله من مؤمن ولا مؤمنة يسمع بي ولا يراني، أو يرى أمي، إلا وهو يُحبُّني]. وقال: إنكم تقولون: ما بالُ المهاجرين لا يُحَدِّثون عن رسول الله ﷺ بهذه الأحاديث؟ وما بال الأنصار لا يُحَدِّثُون عن رسول الله ﷺ ؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلُهم صَفَقاتهم (٤) في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلُهم أَرَضُوهم والقيامُ عليها، وإني كنتُ امرأً مسكينًا (٥)، وكنتُ أُكْثِرُ مجالسةَ رسولِ الله ﷺ ، أحْضُر إذا غابوا، وأحفظُ إذا نَسُوا، وإنَّ رسولَ الله ﷺ حدَّثَنا يومًا فقال: "مَنْ يَبْسُطُ ثوبَه حتى أفرغَ من حديثي، ثم يقبضه إليه، فليس ينسى شيئًا سمعه منّي قطّ" (٦). وايمُ الله، لولا آيةٌ في كتاب الله ما حدَّثْتُكم بشيء أبدًا: ﴿إِنَّ

стр. 3428

الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ الآية كلُّها [البقرة: ١٥٩]. أخرجاه في الصحيحين (١). وقال: واللهِ إنْ كنتُ لَأعْتَمِدُ بكبدي على الأرض من الجوع، [وإن كنتُ لَأشُدُّ الحجر على بطني من الجوع] (٢) ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر، فسألتُه عن آية من كتاب الله، ما سألتُه إلا ليُشبِعَني (٣)، فلم يفعل، فمرَّ عمر، فسألْتُه وما سألتُه إلا ليُشْبِعَني، فلم يفعل، فمرَّ أبو القاسم محمدٌ رسولُ الله ﷺ ، فعرفَ ما في وجهي وما في نفسي، فقال: "أبا هِرّ". قلتُ: لبَّيك يا رسول الله، فقال: "اِلْحَقْ بي". فتبعتُه، فدخلَ، واستأذنْتُ، فأذِنَ لي، فوجدَ لَبَنًا في قَدَح، فقال: "مِنْ أينَ لكم هذا اللَّبَن؟ ". فقالوا: أهداه إلينا فلان. أو آل فلان. قال: "أبا هرّ". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "انطلق إلى أهل [الصُّفَّة، فادْعُهُمْ لي] ". قال: وأهلُ الصُّفَّة أضيافُ الإسلام، لم يَأْوُوا إلى أهلٍ ولا مالٍ، إذا جاءَتْ رسولَ الله ﷺ هديَّةٌ أصابَ منها شيئًا، وبعثَ بها إليهم (٤)، وإذا جاءَتْه الصدقةُ أرسلَ بها إليهم، ولم يُصِبْ منها. قال أبو هريرة (٥): فأَحْزَنَني ذلك. قال: وكنتُ أرجو أن أُصِيبَ من اللَّبن شَرْبَةً أَتَقَوَّى بها بقيَّة يومي وليلتي، فقلت: أنا الرسولُ، فإذا جاء القومُ كنتُ أنا أُعْطِيهم، فما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعةِ رسوله بُدٌّ. فانطلقتُ، فدعوتُهم، فأَقْبَلُوا، فاسْتَأذَنُوا، فأَذِنَ لهم، فأخذُوا مجالِسَهم من البيت. [ثم] قال: "أبا هِرّ، خُذْ فأَعْطِهِم". فأخذتُ القَدَح، فجعلتُ أُعْطِيهم، فيأخذُ الرجلُ القَدَحَ، فيشربُ حتى يَرْوَى، ثم يردُّ القَدَح، حتى أتيتُ على آخِرِهم، ودفعتُه إلى

стр. 3429

رسول الله ﷺ ، وقد بَقِيَتْ فيه فَضْلَة، فرفَع رأسَه إليّ وتبسَّمَ وقال: "بَقِيتُ أنا وأنتَ، فاقْعُدْ واشْرَبْ". فقعدتُ وشربتُ، وهو يقول: "اشْرَبْ" وأنا أشرب. قالها ثلاثًا. فقلت: والذي بعثَك بالحقّ، ما أَجِدُ له مَسْلَكًا. فقال: "ناولْنِي القَدَح" فرَدَدْتُه إليه، فشَرِبَ من الفَضْلة. انفردَ بإخراجه البخاريّ (١). وقال [ابن سعد: حدثنا رَوْح (حدثنا) ابنُ عَوْن، عن عبد الرحمن بن عُبيد، عن أبي هريرة قال] (٢) إنْ كنتُ لأتبعُ الرجلَ أسألُه عن الآية من كتاب الله لَأَنا أعلمُ بها منه ومن عشيرته (٣)، وما أتبعُه إلا ليطعمَني القبضةَ من التمر، أو السَّفَّةَ (٤) من السَّويق أو الدقيق، أسُدُّ بها جُوعي. [فأقبلتُ أمشي مع عمر بن الخطاب ليلةً أُحدِّثُه حتى بلغ بابه، فأسندَ ظهره إلى الباب واستقبلني بوجهه، وكلّما فرغتُ من حديث؛ تأخّر، حتى إذا لم أر شيئًا؛ انطلقت، فلما كان بعدُ؛ لَقِيَنِي، فقال: أبا هريرة، أما إنه لو كان في البيت شيءٌ أطعمناك (٥)]. وقال: ما أحدٌ من الناس يُهْدِي إليَّ هدية إلا قبلتُها، فأمَّا أنْ أسألَ؛ فلم أكنْ لأسأل. وكان يُسَبِّحُ في كل يوم اثنيَ عَشَرَ ألفَ تسبيحة، ويقول: أُسَبِّحُ بقدر ذنبي (٦)! [وروى أبو نُعيم عنه (٧) أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة، فلا ينام حتى يُسَبِّحَ به]. وقال: لقد كنتُ أُصرَعُ -أو: لقد رأيتُني أُصرَعُ- بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة (٨)، فيقول الناس: إنه لَمجنون. وما بي إلا الجوع.

стр. 3430

[وحكى عنه ابن سعد قال (١): قال أبو هريرة: ما وجعٌ أحبُّ إليَّ من الحمَّى، لأنها تعطي كلَّ مَفْصِل قسطه من الوجع، وإن الله يعطي كل مَفْصِل قسطه من الأجر]. وكانت له زنجيَّة، فرفعَ عليها السَّوْطَ يومًا وقال: لولا القِصاصُ لأغشيتُك به، ولكنّي سأبيعُك مِمَّن يوفِّيني عنكِ، اذْهَبِي فأنتِ حرَّةٌ لوجهِ الله تعالى (٢). وقال أبو عثمان النَّهْدِي! تضيَّفْتُ أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأتُه وخادمُه يَعْتَقِبون الليلَ أثلاثًا؛ يُصلِّي هذا ثم يوقظ هذا، [ويصلي هذا] ثم يوقظ هذا (٣). [وقال أبو نُعيم (٤):] أقبل أبو هريرة يومًا وهو يحملُ حُزْمة حطب في السوق، وهو [يومئذٍ] خليفةُ مروان على المدينة، فقال: أوْسِعُوا الطريق للأمير. والحُزْمةُ على ظهره. [وحكى ابنُ سعد عن الزُّهْري قال (٥): لم يكن أبو هريرة يحجُّ حتى ماتت أمه؛ لصحبتها. وقال ابن سعد: حدَّثنا عفَّان بن مسلم ويحيى بن عبَّاد قالا: حدثنا حمَّاد بنُ سَلَمة، حدثنا يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدَّث عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى على جنازة فله قيراط، ومن صلَّى عليها وتبعها فله قيراطان". فقال له عبد الله بنُ عمر: انظر ما تحدِّثُ، فإنَّك تُكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، فأخذ بيده وذهب به إلى عائشة، فسألها، فقالت: صدق أبو هريرة، فقال: ما كان يشغلني عن رسول الله ﷺ الصَّفْقُ في الأسواق. وذكر بمعنى ما تقدم. فقال ابن عمر: أنت أعلمُنا وأحفظنا لحديثه] (٦). وقال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأمَّا أحدُهما فبيَّنتُه، وأمَّا الآخرُ فلو بيَّنْته لقُطع هذا البلعوم (٧).

стр. 3431

وقال: لو أنبأتُكم بكلِّ ما أعلمُ لَرَماني الناس بالخَزَق، وقالوا: أبو هريرة مجنون (١). وقال لبُنَيَّةٍ له تركبُ على ظهره: لا أُحلِّيك بالذهب، إني أخافُ عليكِ من اللهب (٢). [وفي رواية: أنه رأى على ابنته الذهب، فقال ذلك. وقال ابن سعد: كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة إذا حجَّ أو غاب. وقال الهيثم: أطال مروان القيلولة (٣) في يوم جمعة، فلما صعد المنبر ناداه أبو هريرة: يا مروان، تظل عند ابنة فلان، تُرَوِّحُك بالمراوح، وتسقيك الماء البارد، والحرُّ يصهر أبناء المهاجرين والأنصار! لقد هممتُ أن أفعل بك وأفعل]. وكان يركبُ الحمار بإكاف، ورَسَنُه من ليف، ويحتطب عليه، ويعبُرُ في السوق وهو أمير المدينة ﵁. [وأخرج البخاري عنه قال (٤): قسمَ رسولُ الله ﷺ يومًا بين أصحابه تمرًا، فأعطى كلَّ إنسان سَبْعَ تمرات، وأعطاني كذلك؛ إحداهنَّ حَشَفَة، فلم يكن تمرةٌ أعجبَ إليَّ منها شدَّت في مَضاغي به. أي: ملأَتْ شِدْقي وما أتمضَّغ به]. ذكر وفاته: حكى أبو نُعيم أنه بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني واللهِ ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري وقلَّة زادي، وإني قد أصبحتُ في صعود يهبط إما على جنة أو نار، ولا أدري أيُّهما يؤخذ بي (٥). [في رواية: بعد المسافة، وقلَّة الزاد].

стр. 3432

قال أبو هريرة: لا تضربُوا على قبري فسطاطًا، ولا تتبعوني بنار، وأسرعوا بي، فإنْ أكنْ صالحًا تأتون بي إلى ربي، وإن أكنْ غيرَ صالح؛ فإنما هو شرٌّ تطرحونه عن رقابكم (١). [وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضع المؤمن على سريره -أو الرجل الصالح- قال: قدِّموني قدِّموني. وإذا وُضع الفاجر قال: يا ويلتاه، أين تذهبون بي] (٢). ومات في ذي الحجة في سنة سبع -أو ثمان- وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين، في آخر خلافة معاوية، وله ثمان وسبعون سنة (٣). قال الواقدي: كان الوليد بنُ عتبة أمير المدينة، فأرسل إليهم فقال: لا تدفنوه حتى تُؤْذِنُوني. ونام بعد الظهر، فقال ابن عُمر وأبو سعيد الخدري -وقد حضرا-: اخرجوا به. [فخرجوا به] فانْتهَوْا به [إلى] موضع الجنائز وقد دنا العصر، فخرج الوليدُ، فصلَّى العصر بالناس، ثم صلَّى عليه، وصلى مروان عليه مع الناس وهو معزول عن المدينة، ومشى بين يديه (٤). [قال الواقدي:] وحملَ أولادُ عثمان ﵁ سريرَه لِما كان في رأيه في عثمان حتى بلغوا البقيع (٥). [قال:] وكتبَ الوليدُ إلى معاوية يُخبرُه بموته، فكتب إليه: احْمِلْ إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأَحْسِنْ جوارهم، فإنه كان مِمَّن نصر عثمان، وكان معه في الدار، فرحمه الله. [وقيل: إنه مات بالعقيق، ونُقل إلى البقيع]. وكان له ولد اسمه بلال، روى عن أبيه، وشهد صفِّين مع معاوية على بعض الرَّجَّالة، وعاش إلى زمن سليمان بن عبد الملك (٦).

стр. 3433

ذكر مسانيده: لم يرو عن رسول الله ﷺ أحدٌ من الرجال أكثرَ ممَّا روى عنه أبو هريرة، فإنه رَوَى خمسة آلاف حديث وثلاثَ مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وإنما صَحِبَهُ أربعَ سنين [أُخرج له في "الصحيحين" ستُّ مئة حديث وتسعة أحاديث] (١). وروى عن أبي بكر، وعمر، [وعبد الله] (٢) بن سلام، وعائشة ﵂، وغيرِهم. وروى عنه: ابنُ عباس، وأنس، وجابر، وعبد الله بنُ ثعلبة بن صُعَير، وأبو أُمامة بنُ سهل بن حُنَيف، وعليُّ بن الحسين، وفقهاء المدينة السبعة (٣)، وأعيان التابعين. وقال أبو أحمد الحاكم: روى عن أبي هريرة ثمان مئة رجل من الصحابة والتابعين. وكان من أحفظ الناس لحديث رسول الله ﷺ بالشام والعراق والبحرين (٤). عبد الله بنُ عامر ابن كُرَيز بن رَبيعة بن حَبِيب (٥) بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، أبو عبد الرحمن. وهو [ابنُ] خالِ عثمان بن عفَّان ﵁. وأمُّه دَجاجة بنتُ أسماء بن الصَّلْت من بني سُليم، وأخوه لأمِّه عبدُ ربِّه بن قيس بن السائب المخزوميّ (٦).

стр. 3434

وعبدُ الله بنُ عامر من الطبقة الأُولى من التابعين من أهل المدينة (١)، وأمُّ عامر البيضاءُ، وهي أمُّ حكيم بنتُ عبد المطلب، عمَّةُ (٢) رسولِ الله. وعاش عامر بن كُريز إلى أيام عثمان رضوان الله عليه، وقدم عمى ابنِه عبد الله البصرة وهو واليها لعثمان رضوان الله عليه (٣). وقال ابن سعد: وُلد عبدُ الله بنُ عامر بمكة بعد الهجرة بأربع سنين، فلما قدم رسولُ الله ﷺ مكة عام القضية سنة سبع معتمرًا؛ حُمل إليه عبدُ الله، فَحنَّكَه وعوَّذه، وتفلَ في فيه وقال: "هذا ابنُ السَّلَميَّة؟ " قالوا: نعم. فقال لبني عبد شمس: "هذا ابنُنا، وهو أشْبَهُكم بنا، وهو مُسْقًى" (٤). وكان له ثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بكثرة المال والولد، فوُلدَ له عبدُ الرحمن بن عبد الله وله ثلاثَ عَشرَةَ سنة، وولَّاه عثمانُ رضوان الله عليه البصرةَ وله خمسٌ وعشرون سنة، وعَزَلَ عنها أبا موسى، وكتب إليه: إني لم أَعْزِلْكَ لعجز ولا خِيانة، وإني لَأحْفَظُ فيك استعمال رسولِ الله ﷺ وأبي بكر وعمر إياك، وإني لَأعرفُ فضلك، وإنك من المهاجرين [الأولين]، ولكني أردتُ أن أَصِلَ قَرابةَ عبدِ الله بنِ عامر، وقد أمرتُه أن يحمل إليك ثلاثين ألف درهم. فلما قدمَ ابن عامر البصرة بعث إلى أبي موسى بالمال، فلم يقبله، وقال: واللهِ لقد عزلَني عثمان وما عندي درهم ولا دينار، فعاوده ابنُ عامر، فقال: واللهِ لا أقبضُه، في عطائي كفاية. فقال: يا أبا موسى ما أحدٌ أعرفَ من بني أخيك بفضلك منّي، أنت أميرُ البلد إن أقمتَ، والموصولُ إدْ رَحَلْتَ (٥) فقال: جزاك الله يا ابنَ أخي خيرًا.

стр. 3435

وقال أبو موسى لما ارتحل إلى الكوفة: يا أهل البصرة، قد أتاكم كريمُ الأمَّهات والعمَّات والخالات، فتى قريش، يقولُ فيكم بالمالِ هكذا وهكذا. يعني ابنَ عامر (١). وكان ابنُ عامر جوادًا شجاعًا، وَصولًا حليمًا، متواضعًا عادلًا، بعث عبدَ الرحمن بنَ سَمُرَةَ بن حبيب (٢)، فافتتحَ خُراسان (٣) صُلحًا على أن لا يَقتلَ بها ابنَ عِرْس ولا قنفذًا؛ لمكان الأفعى بها، فإنها تأكلها (٤). ثم غزا ابنُ عامر قِلاعَ فارس، وإصطخر؛ والكاريان، ففتَحها. وفي أيامه هلك يزدجُرد، وفتحَ إقليم طُوس، ونَيسابُور، وبُوشَنْج والطَّالقَان، وبَلْخ، وعدَّةَ أقاليم. وأحرمَ من خُراسان، وقدمَ على عثمان رضوان الله عليه بالمدينة، ووصلَ الصحابةَ من المهاجرين والأنصار، وحملَ إلى عليٍّ رضوان الله عليه عشرين ألفًا، وأغرق الناس بالعطاء، ثم أعاده عثمانُ ﵁ إلى عمله (٥). ولما قفل من مَرْو إلى الحجّ استخلف على الناس الأحنف بن قيس. وابنُ عامر أوَّلُ مَنْ لبس الخَزَّ بالبصرة؛ لبس جُبَّة دَكْناء، فقال الناس: لبسَ الأمير جلد دُبّ. وهو أوَّلُ من اتَّخذَ الحِياض بعَرَفة، وأجرى إليها الماء، واتَّخَذَ النِّباج (٦)، وأغرسَ فيها النخل، وأَنْبَطَ عيونًا تُدعى بعيون ابن عامر، وحفرَ الحفير (٧)، وبنَى قصرًا قريبًا من قُباء، وحفر السُّمَينة (٨)، واحتفر بالبصرة نهرين، وحفر نهرَ الأُبُلَّة (٩).
следующие страницы →