← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وقال: لو أنبأتُكم بكلِّ ما أعلمُ لَرَماني الناس بالخَزَق، وقالوا: أبو هريرة مجنون (١). وقال لبُنَيَّةٍ له تركبُ على ظهره: لا أُحلِّيك بالذهب، إني أخافُ عليكِ من اللهب (٢). [وفي رواية: أنه رأى على ابنته الذهب، فقال ذلك. وقال ابن سعد: كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة إذا حجَّ أو غاب. وقال الهيثم: أطال مروان القيلولة (٣) في يوم جمعة، فلما صعد المنبر ناداه أبو هريرة: يا مروان، تظل عند ابنة فلان، تُرَوِّحُك بالمراوح، وتسقيك الماء البارد، والحرُّ يصهر أبناء المهاجرين والأنصار! لقد هممتُ أن أفعل بك وأفعل]. وكان يركبُ الحمار بإكاف، ورَسَنُه من ليف، ويحتطب عليه، ويعبُرُ في السوق وهو أمير المدينة ﵁. [وأخرج البخاري عنه قال (٤): قسمَ رسولُ الله ﷺ يومًا بين أصحابه تمرًا، فأعطى كلَّ إنسان سَبْعَ تمرات، وأعطاني كذلك؛ إحداهنَّ حَشَفَة، فلم يكن تمرةٌ أعجبَ إليَّ منها شدَّت في مَضاغي به. أي: ملأَتْ شِدْقي وما أتمضَّغ به]. ذكر وفاته: حكى أبو نُعيم أنه بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني واللهِ ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري وقلَّة زادي، وإني قد أصبحتُ في صعود يهبط إما على جنة أو نار، ولا أدري أيُّهما يؤخذ بي (٥). [في رواية: بعد المسافة، وقلَّة الزاد].

стр. 3432

قال أبو هريرة: لا تضربُوا على قبري فسطاطًا، ولا تتبعوني بنار، وأسرعوا بي، فإنْ أكنْ صالحًا تأتون بي إلى ربي، وإن أكنْ غيرَ صالح؛ فإنما هو شرٌّ تطرحونه عن رقابكم (١). [وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضع المؤمن على سريره -أو الرجل الصالح- قال: قدِّموني قدِّموني. وإذا وُضع الفاجر قال: يا ويلتاه، أين تذهبون بي] (٢). ومات في ذي الحجة في سنة سبع -أو ثمان- وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين، في آخر خلافة معاوية، وله ثمان وسبعون سنة (٣). قال الواقدي: كان الوليد بنُ عتبة أمير المدينة، فأرسل إليهم فقال: لا تدفنوه حتى تُؤْذِنُوني. ونام بعد الظهر، فقال ابن عُمر وأبو سعيد الخدري -وقد حضرا-: اخرجوا به. [فخرجوا به] فانْتهَوْا به [إلى] موضع الجنائز وقد دنا العصر، فخرج الوليدُ، فصلَّى العصر بالناس، ثم صلَّى عليه، وصلى مروان عليه مع الناس وهو معزول عن المدينة، ومشى بين يديه (٤). [قال الواقدي:] وحملَ أولادُ عثمان ﵁ سريرَه لِما كان في رأيه في عثمان حتى بلغوا البقيع (٥). [قال:] وكتبَ الوليدُ إلى معاوية يُخبرُه بموته، فكتب إليه: احْمِلْ إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأَحْسِنْ جوارهم، فإنه كان مِمَّن نصر عثمان، وكان معه في الدار، فرحمه الله. [وقيل: إنه مات بالعقيق، ونُقل إلى البقيع]. وكان له ولد اسمه بلال، روى عن أبيه، وشهد صفِّين مع معاوية على بعض الرَّجَّالة، وعاش إلى زمن سليمان بن عبد الملك (٦).

стр. 3433

ذكر مسانيده: لم يرو عن رسول الله ﷺ أحدٌ من الرجال أكثرَ ممَّا روى عنه أبو هريرة، فإنه رَوَى خمسة آلاف حديث وثلاثَ مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وإنما صَحِبَهُ أربعَ سنين [أُخرج له في "الصحيحين" ستُّ مئة حديث وتسعة أحاديث] (١). وروى عن أبي بكر، وعمر، [وعبد الله] (٢) بن سلام، وعائشة ﵂، وغيرِهم. وروى عنه: ابنُ عباس، وأنس، وجابر، وعبد الله بنُ ثعلبة بن صُعَير، وأبو أُمامة بنُ سهل بن حُنَيف، وعليُّ بن الحسين، وفقهاء المدينة السبعة (٣)، وأعيان التابعين. وقال أبو أحمد الحاكم: روى عن أبي هريرة ثمان مئة رجل من الصحابة والتابعين. وكان من أحفظ الناس لحديث رسول الله ﷺ بالشام والعراق والبحرين (٤). عبد الله بنُ عامر ابن كُرَيز بن رَبيعة بن حَبِيب (٥) بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، أبو عبد الرحمن. وهو [ابنُ] خالِ عثمان بن عفَّان ﵁. وأمُّه دَجاجة بنتُ أسماء بن الصَّلْت من بني سُليم، وأخوه لأمِّه عبدُ ربِّه بن قيس بن السائب المخزوميّ (٦).

стр. 3434

وعبدُ الله بنُ عامر من الطبقة الأُولى من التابعين من أهل المدينة (١)، وأمُّ عامر البيضاءُ، وهي أمُّ حكيم بنتُ عبد المطلب، عمَّةُ (٢) رسولِ الله. وعاش عامر بن كُريز إلى أيام عثمان رضوان الله عليه، وقدم عمى ابنِه عبد الله البصرة وهو واليها لعثمان رضوان الله عليه (٣). وقال ابن سعد: وُلد عبدُ الله بنُ عامر بمكة بعد الهجرة بأربع سنين، فلما قدم رسولُ الله ﷺ مكة عام القضية سنة سبع معتمرًا؛ حُمل إليه عبدُ الله، فَحنَّكَه وعوَّذه، وتفلَ في فيه وقال: "هذا ابنُ السَّلَميَّة؟ " قالوا: نعم. فقال لبني عبد شمس: "هذا ابنُنا، وهو أشْبَهُكم بنا، وهو مُسْقًى" (٤). وكان له ثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بكثرة المال والولد، فوُلدَ له عبدُ الرحمن بن عبد الله وله ثلاثَ عَشرَةَ سنة، وولَّاه عثمانُ رضوان الله عليه البصرةَ وله خمسٌ وعشرون سنة، وعَزَلَ عنها أبا موسى، وكتب إليه: إني لم أَعْزِلْكَ لعجز ولا خِيانة، وإني لَأحْفَظُ فيك استعمال رسولِ الله ﷺ وأبي بكر وعمر إياك، وإني لَأعرفُ فضلك، وإنك من المهاجرين [الأولين]، ولكني أردتُ أن أَصِلَ قَرابةَ عبدِ الله بنِ عامر، وقد أمرتُه أن يحمل إليك ثلاثين ألف درهم. فلما قدمَ ابن عامر البصرة بعث إلى أبي موسى بالمال، فلم يقبله، وقال: واللهِ لقد عزلَني عثمان وما عندي درهم ولا دينار، فعاوده ابنُ عامر، فقال: واللهِ لا أقبضُه، في عطائي كفاية. فقال: يا أبا موسى ما أحدٌ أعرفَ من بني أخيك بفضلك منّي، أنت أميرُ البلد إن أقمتَ، والموصولُ إدْ رَحَلْتَ (٥) فقال: جزاك الله يا ابنَ أخي خيرًا.

стр. 3435

وقال أبو موسى لما ارتحل إلى الكوفة: يا أهل البصرة، قد أتاكم كريمُ الأمَّهات والعمَّات والخالات، فتى قريش، يقولُ فيكم بالمالِ هكذا وهكذا. يعني ابنَ عامر (١). وكان ابنُ عامر جوادًا شجاعًا، وَصولًا حليمًا، متواضعًا عادلًا، بعث عبدَ الرحمن بنَ سَمُرَةَ بن حبيب (٢)، فافتتحَ خُراسان (٣) صُلحًا على أن لا يَقتلَ بها ابنَ عِرْس ولا قنفذًا؛ لمكان الأفعى بها، فإنها تأكلها (٤). ثم غزا ابنُ عامر قِلاعَ فارس، وإصطخر؛ والكاريان، ففتَحها. وفي أيامه هلك يزدجُرد، وفتحَ إقليم طُوس، ونَيسابُور، وبُوشَنْج والطَّالقَان، وبَلْخ، وعدَّةَ أقاليم. وأحرمَ من خُراسان، وقدمَ على عثمان رضوان الله عليه بالمدينة، ووصلَ الصحابةَ من المهاجرين والأنصار، وحملَ إلى عليٍّ رضوان الله عليه عشرين ألفًا، وأغرق الناس بالعطاء، ثم أعاده عثمانُ ﵁ إلى عمله (٥). ولما قفل من مَرْو إلى الحجّ استخلف على الناس الأحنف بن قيس. وابنُ عامر أوَّلُ مَنْ لبس الخَزَّ بالبصرة؛ لبس جُبَّة دَكْناء، فقال الناس: لبسَ الأمير جلد دُبّ. وهو أوَّلُ من اتَّخذَ الحِياض بعَرَفة، وأجرى إليها الماء، واتَّخَذَ النِّباج (٦)، وأغرسَ فيها النخل، وأَنْبَطَ عيونًا تُدعى بعيون ابن عامر، وحفرَ الحفير (٧)، وبنَى قصرًا قريبًا من قُباء، وحفر السُّمَينة (٨)، واحتفر بالبصرة نهرين، وحفر نهرَ الأُبُلَّة (٩).

стр. 3436

وفي أيامه كان حفر الوَقَبَى التي ذكرها أبو الغُول الطُّهَويّ في الحماسة [في] قوله: هُمُ مَنَعُوا حِمَى الوَقَبَى بضَرْبٍ … يُؤَلِّفُ بين أشتاتِ المَنُونِ (١) وكان عبدُ الله بن عامر استعمل بِشْر بن حَزْن بن كهف المازنيَّ على الأحماء التي منها الوَقَبَى، فحفر هو وأخوه خُفاف (٢) بن حَزْن رَكِيَّتَين: ذات القصر، والجَوْفاء، فظهر منهما ماءٌ عَذْب، فخافا أن يغلبَهما عليهما ابنُ عامر، فَدَفَنَاهما وهربا منه، وجرت خطوبٌ وحروبٌ، ونزلها بنو تميم، ثم أزاحوهم عنها، فصارت لبني مازن (٣). وفتح ابن عامر فتوحًا كثيرة. وقال علي ﵁ وقد انتهى إلى حَلْقةٍ بالمسجد وهم يتذاكرون صِلاتِ (٤) ابن عامر، فقال علي ﵁. هو سيِّد فتيان قريش غيرَ مُدافَع، [وتكلمت الأنصار] فقالت (٥): أَبت الطُّلقاءُ إلا عداوةً. فبلغ ذلك عثمانَ رضوان الله عليه، فقال له: قِ عرضَك ودارِ الأنصار (٦)، فألسنتُهم ما قد علمتَ. فبعثَ إليهم بالصِّلات والكِساء، فأَثْنَوْا عليه. ولما استُعتِبَ عثمانُ رضوان الله عليه من عُمَّالِه كان فيما شرطوا عليه أن يُقِرَّ ابنَ عامر على البصرة لتحبُّبِه إليهم، وصِلَتِه هذا الحيَّ من قريش. فلما نَشِبَ (٧) الناسُ في أمر عثمان ﵁ دعا ابنُ عامرٍ مجاشِعَ بنَ مسعود، فعقد له على جيش إلى (٨) عثمان رضوان الله عليه، فساروا حتى إذا كانوا بأداني بلادِ الحجاز؛

стр. 3437

خرجت خارجةٌ من أصحابه، فلقُوا رجلًا، فقالوا: ما الخبر؟ فقال: قُتل نَعْثَل (١) عدوُّ الله، وهذه خَصْلةٌ من شعره. فحمل عليه زُفر بن الحارث الكلابي -وهو يومئذٍ غلام [مع] مجاشع بنِ مسعود- فقتله، فكان أوَّلَ قتيلٍ قتل في دم عثمان ﵁، فرجع مجاشع إلى البصرة. فلما رأى ذلك ابنُ عامر حَمَلَ ما في بيت المال، واستخلفَ على البصرة عبدَ الله بنَ الحضرميّ، ثم شَخَصَ إلى مكة، فَوافَى بها طلحةَ والزُّبير وعائشة ﵂، وهم يُريدون الشام، فأشارَ عليهم بالبصرة، وقال: إن لي بها صنائعَ وأموالًا، فساروا إليها. فلما كان من أمر الجمل ما كان، وهُزم الناس؛ قال عبد الله بن عامر للزُّبير ﵁: أَنْشُدُكَ اللهَ في أمَّةِ محمد، فلا أُمَّةَ (٢) محمد بعد اليوم. وقُتل الزُّبير ﵁، وقُتل عبدُ الرحمن بنُ عبد الله بن عامر، وسار ابنُ عامر، فنزلَ دمشقَ، ولم يزل مع معاوية بالشام، ولم يُسمع له بذكر في صفِّين. ولما بايعَ معاويةَ الحسنُ بن عليّ ﵉؛ ولَّى بُسْرَ بنَ أبي أَرْطاة البصرة، ثم عزلَه، فقال له ابنُ عامر: إنَّ لي بها ودائعَ عند قوم، فإنْ لم تُولِّني إيَّاها ذهَبَتْ. فولَّاه البصرةَ، فأقامَ بها ثلاث سنين، وكان ممدوحًا (٣). وفيه يقول زياد بن الأعجم: أخٌ لك لا تَراهُ الدهرَ إلا … على العَلَّات بَسَّامًا جَوادا أخٌ لك ما مَودَّتُهُ بِمَذْقٍ … إذا ما عادَ فَقْرُ أخيهِ عادا سألناهُ الجزيلَ فما تلَكَّا … وأَعْطَى فوقَ مُنْيَتِنا وزادا وأَحْسنَ ثمَّ أَحْسنَ ثمَّ عُدْنا … فأَحْسَنَ ثمَّ عُدْتُ له فعادا مِرارًا ما رجعتُ إليه إلا … تَبَسَّمَ ضاحكًا وثَنَى الوسادا (٤)

стр. 3438

وأرادَ معاويةُ أن يُصْفِيَ أموال عبد الله [بن عامر] (١) فقال له ابنُ عامر: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دونَ مالِه فهو شهيد". واللهِ لَأُقاتِلَنَّ حتى أُقتل. فأعرضَ عنه معاوية (٢). [قال ابن قتيبة: لم يرو ابن عامر عن رسول الله ﷺ غير هذا الحديث. وقال ابن عساكر (٣)، وزوَّجَه معاويةُ ابنتَه هندًا، وأسكنه إلى جانبه بالخضراء، وكانت دارُه بدمشق في الموضع الذي يُعرف بالجويرة (٤)؛ غربيَّ سوق القمح. قال الزُّبير بن بكَّار: [حدَّثني عمي مصعب بن عبد الله، عن بعض القرشيين قال:] كانت هندُ بنتُ معاوية أبرَّ شيء بعبد الله بنِ عامر، وإنها جاءَتْه يومًا بالمرآة والمشط، وكانت تتولَّى خدمتَه بنفسها، فنظر في المرآة، فرأى وجهَه ووجهَها، وكانت شابَّة جميلة، ورأى الشيبَ في لحيته قد ألحقه بالشيوخ، فرفع رأسَه إليها وقال [لها]: الْحَقِي بأهلك (٥). فانطلقت، فدخلت على أبيها، فأخبرَتْه، فقال معاوية: وهل تطلَّقُ الحُرَّة؟ فقالت: ما أُتِيَ (٦) من قِبَلي. وأخبَرَتْه الخبر. فأرسلَ إليه، فقال: أكرمتُك بابنتي، ثم تردُّها عليَّ من غير جناية! فقال له عبد الله: إن الله منَّ عليَّ بفضله، وجعلني كريمًا لا أُحبُّ أن يتفضَّل عليَّ أحد، وإنَّ ابنتك أعْجَزَتْني مكافأتُها لِحُسن صُحبتها، فنظرتُ في المرآة، فإذا أنا شيخٌ، وهي شابَّة، لا أَزيدُها مالًا إلى مالها، ولا شَرَفًا إلى شرفها، فرأيت أنْ أردَّها إليك فتُزَوَّجَها فتًى من فتيانك، كأنَّ وجهَه ورقةُ مصحف (٧).

стр. 3439

[قلت: وقد عدَّ الزُّبير بن بكَّار هذه الحكاية من مكارم الأخلاق، وإنما هي من مساوئ الأخلاق لوجوه: أحدُها: أنه جعل في مقابلة إحسانها إليه إساءتَه إليها. والثاني: كونُه طلَّقها بغتة من غير جُرم بدا منها، ولا نفير عليه، وربّما تظنُّ بها شرًّا. والثالث: أرى أن النساء تختلف، منهنَّ من تقدِّم الكهول على الشباب، وقد كان قادرًا على إرضائها بالمال وغيره، فلا يُعذر في ذلك]. [قال هشام:] وكان ابنُ عامر صديقًا لأبي ذرّ، فلما وليَ البصرةَ؛ هجرَهُ أبو ذرّ؛ قال نافع الطاحي: مررتُ بأبي ذرّ، فقال لي: مِمَّن أنت؟ فقلتُ: من أهل العراق. فقال: أتعرفُ عبدَ الله بنَ عامر؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان يتقرَّأ (١) معي ويلزمُني، ثم طلب الإمارة، فإذا قدمتَ البصرة؛ فَتَراءَ له (٢)، فإنه سيقول (٣): ألك حاجة؟ فقل له: [أنْزِلْني و] أَخْلِنِي. فإذا أَخْلاكَ فقل له: أبو ذرّ يُقرئك السلام، ويقول لك: إنَّا نأكلُ من التمر، ونشربُ من الماء، ونعيشُ كما تعيش. قال: فلما قدمتُ البصرةَ؛ أبلغتُه الرسالة، فحلَّ إزاره، ثم أدخلَ رأسَه في جَيبِه (٤)، وبكى حتى ملأ جَيبَه. قيل لمعاوية: مَنْ ترى للخلافة؟ فقال: فتى قريش علمًا وحلمًا وشجاعة وسخاءً؛ عبدُ الله بنُ عامر (٥). وقال خليفة: اشترى عبدُ الله بنُ عامر دار خالد بن عُقبة بن أبي مُعَيط التي بالسوق بتسعين ألفًا، فلما كان في الليل؛ سمع بكاء آل خالد، فقال: ما لهم؟ قالوا: يبكون على فراق دارهم. فقال: يا غلام، اذْهَبْ إليهم، فعرِّفْهم أن المال والدار لهم جميعًا (٦).

стр. 3440

قال ابن أبي الدنيا: كان لابن عامر رجلٌ يقيم بالمدينة يكتب إليه بأسماء من يريد أن يَقْدَمَ عليه، ولا يَقْدَمُ الرجل إلا على جائزة مُعَدَّة، وأمرٍ قد أُحْكِمَ له (١)، فقدمَ البصرةَ رجلان، أحدهما ابنُ جابر بنِ عبد الله الأنصاري، والآخر من ثَقيف، فلما قربا من البصرة؛ نزلا، فصلَّى ابنُ جابر بنِ عبد الله ركعتين، وقال للثقفي (٢): ما رأيُك في الرجوع؟ فقال: أتعبتُ بَدَني (٣)، وأَكْلَلْتُ مطيَّتي، وأرْجِعُ بغير شيء! فقال ابن جابر: إني قد ندمتُ على قصده، واستحييتُ من ربي أن يراني طالبًا رزقًا من غيره، اللهمَّ رازقَ ابنِ عامر، ارْزُقْني من فضلك. ثم قفلَ راجعًا إلى المدينة. ودخل الثقفيُّ على ابن عامر، فقال له: وأين صاحبك؟ فأخبره بحاله، فبكى ابنُ عامر وقال: أما واللهِ ما قالها أَشَرًا ولا بَطَرًا، ولكن قال حقًّا، فلا جرمَ لَأُضْعِفَنَّ جائزتَه. فأمر للثقفيِّ بأربعة آلاف درهم وكسوة، وأضعفَها لابن جابر، وبعث بها إليه، فخرج الثقفيُّ وهو يقول: أمامةُ ما حِرْصُ الحريصِ يَزِيدُ [هـ] (٤) … فَتِيلًا ولا زُهْدُ المقيمِ بضائرِ خَرَجْنا جميعًا من مساقطِ رُوسِنا … على ثقةٍ منَّا بجودِ ابنِ عامرِ فلمَّا أنَخْنا النَّاعجاتِ ببابهِ … تخلَّفَ عني الخَزْرَجيُّ ابنُ جابرِ وقال ستكفيني عطيَّةُ قادرٍ … على ما أرادَ اليومَ للناسِ قاهرِ وإنَّ الذي أعطى العراقَ ابنَ عامرٍ … لَرَبِّي الذي أرجو لِسَدِّ مفاقري (٥) فقلتُ خَلَا لي وجهُه ولعلَّه … سيجعلُ لي حظَّ الفتى المتأخِّرِ فلما رآني سال عنه صبابةً … وحنَّ كما حنَّتْ طِرابُ الأباعرِ (٦)

стр. 3441

فأضعفَ عبدُ الله -إذ غاب- حظَّهُ … على حظِّ لهفانٍ من الحرصِ فاغرِ فأُبْتُ وقد أَيقَنْتُ أَنْ ليس نافعي … ولا ضائري شيءٌ خلافَ المقادرِ (١) وقال مَغْراءُ (٢) الضَّبِّي: لما قدم ابنُ عامر الشامَ؛ جاءه مَنْ فيه من الصحابة إلا أبا الدَّرْداء، فإنه لم يأتِه، فجاءه ابنُ عامر، فعاتبَه على تأخُّره عنه، فقال له أبوالدرداء: ما كنتَ أصغرَ في عيني منك اليومَ! قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَنا أن نتغيَّر عليكم إذا تغيَّرْتُم. ذكر وفاته: توفي بالمدينة، وقيل: بالشام، وقيل: بمكة. وتوفي سنة سبع -وقيل: ثمان، وقيل: تسع- وخمسين قبل معاوية بسنة (٣). فقال معاوية: يرحم الله أبا عبد الرحمن، بمن نفاخرُ، وبمن نباهي (٤)؟ قال ميمون بن مهران: بعثَ عبدُ الله بنُ عامر حين حضرَتْه الوفاة إلى مشيخة أهل المدينة، فحضروا وفيهم عبدُ الله بنُ عمر ﵁، فقال لهم: أخْبِرُوني: كيف كانت سيرتي، وما حالي؟ فقالوا: ما نشكُّ لك في النجاة، قد كنتَ تَقْرِي الضيفَ، وتفكُّ العاني، وتتصدَّق، وتصلُ رحمك، وتُعتق. فنظر إليه ابنُ عمر وقال (٥): إذا طابت المَكْسَبَة (٦) زَكَت النفقة، وستردُ فتعلم. وقد أخرج مسلم بمعناه (٧)، فقال عن ابن عمر: إنه دخلَ على ابن عامر يعودُه في مرضه، فقال له: ألا تَدْعُو لي؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغير طُهُور، ولا صَدَقَةً من غُلُول".

стр. 3442

وقال ابن قُتيبة: مات ابنُ عامر بمكَّة، ودُفن بعرفات (١). والأكثرُ على أنه مات بالمدينة، سنةَ ثمان وخمسين. [وقد نصَّ عليه البخاري، فقال: ماتت عائشة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عامر، في سنة ثمان وخمسين] (٢). ذكر أولاده: فولدَ عبدُ الله بنُ عامر أحدَ عشرَ رجلًا، وأربعَ نسوة (٣): عبدَ الرحمن لأمِّ ولد؛ قُتلَ يوم الجمل، وهو أولُ أولاده. وعبدَ الله؛ ماتَ قبل أبيه، وعبدَ الملك، وزينبَ؛ أمُّهم كَيِّسَة (٤) بنت الحارث بن كُريز، وأُمُّها بنتُ أَرْطاة بن عَبْد شُرَحْبِيل بن هاشم بن عبد مناف، [وأمُّها أروى بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف]. وعبدَ الحليم (٥)، وعبد الحميد؛ أمُّهُما أمُّ حَبِيب بنتُ سفيان بن عوف (٦) من بني كنانة. وعبدَ العزيز (٧)، وعبدَ المجيد لأمِّ ولد. وعبدَ الرحمن الأصغر، وهو أبو السنابل، وعبدَ السلام؛ دَرَجَ؛ أمُّهما أمُّ ولد. وعبدَ الرحمن، وهو أبو النضر؛ لأمِّ ولد.

стр. 3443

وعبدَ الدائم (١)، وعبدَ الجبَّار، وأَمَةَ الحميد؛ أمُّهم هند بنت سُهيل بن عَمرو العامريّ، وأمُّها الحَنْفاء بنتُ أبي جهل، وأمُّها أروى بنت أسيد بن أبي العيص بن أميَّة. وأمَّ كُلثوم؛ أمُّها أَمَةُ الله بنتُ الوارث بن الحارث بن ربيعة الكلابي. وأَمَةَ الغفَّار؛ أمُّها أمُّ أبان بنت كلبة (٢)، من ربيعة. وأَمَةَ الواحد، وعبدَ الأعلى لأمِّ ولد. وأمَّ عبد الملك، وأمُّها من بني عَقِيل (٣). قال الشيخ موفَّق الدين ﵁ (٤): وعبدُ الأعلى [كان] جوادًا مِطْعامًا (٥)، وأخبارُه في الجُود مشهورة، وكان أشرف من أبيه عبد الله ومن سعيد (٦) بن العاص؛ لأنهما كانا يعتمدانِ على بيت المال، وهو كان يعتمد على صُلْب ماله (٧). وكان لعبد الله عمٌّ يقال له: عُبَيْس (٨) بن كُريز، وأُمُّه مولاةٌ لبني تميم، كانت تُعذَّبُ في الله تعالى، فاشتراها أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، فأعتَقَها. ومسلم بن عُبَيس؛ كان أميرَ الناس في حرب الأزارقةِ (٩) يومَ دُولاب (١٠)، فقُتل شهيدًا يومئذ، وكان من أهل القَدْرِ والدِّين والفضل، وهو أولُ من تولَّى (١١) قتال الأزارقة، وكان قد خرجَ إليهم في اثني عشرَ ألفًا.

стр. 3444

وكانت لعبد الله بن عامر بنتُ عمّ يقال لها: كَيِّسَة (١)، وكانت قبلَه عند مُسَيلِمَةَ الكذَّاب (٢). وعبدُ الله بنُ عامر الهَمَّداني من أهل الأردنّ، كنيتُه أبو عبد الرحمن، كان على شرطة يزيد بن معاوية بعد حُميد بن حُريث الكلبي. وشَتَا عبدُ الله بالروم سنة خمسين، وحدَّث عن معاويةَ بنِ أبي سفيان، وروى عنه سليمانُ بنُ موسى الدمشقيّ. وقال ابن عساكر (٣): دخلَ عبدُ الله بنُ عامر على عبد الملك بنِ مروان، فكلَّمه في رجل من قومه، وقال: يا أمير المؤمنين، نحن نضمنُه لك، وإن كان هذا الرجل ينعزل (٤)؛ فعفوُك يسعُه. فقال: لا، ولكن وجدتُكم يا معاشر اليمن أقلَّ شيءٍ شُكرًا. فقال ابن عامر: كلا، ما أَتَينا أمرًا ساءك، ولو كنَّا فعلنا وكان هذا الكلامُ منك؛ لكان قبيحًا. وايمُ اللهِ، لولا حقُّ الطاعة لعلمتَ أن هذا الكلام يُرَدُّ عليك، وإنما استُعديتَ لِتَعَدَّى، وشُفِّعْتَ لِتَشْفَعَ، وإنَّا انْقَدْنا لأبيك ولك انْقِياد الجَمَل الإلْف، ورَفْرَفْنا حواليك رَفْرَفَةَ الطائر، وأمرتَ فسارَعْنا، ونهيتَ فارْتَدَعْنا، ودعوتَ فسمعنا وأطعنا، كأنَّك لم تسمع بيومِ راهِط (٥) وقد أحرضَ الموتُ بمروان (٦) حتى استجار بقحطان.

стр. 3445

فقال عبد الملك: يغفرُ الله لك أبا عبد الرحمن. ثم خرج وهو يقول: بني أُميَّةَ إنَّ الدهرَ مُنقلِبٌ … ما إِنْ يدومُ له نُعْمَى ولا بُوسُ لا تَكْفُروا نِعَمًا نالتْ أوائلَكمْ … مِنْ أوَّلينا وثَوْبُ العجزِ ملبوسُ أيامَ قيسٌ مع الضحَّاك مُجْلِبَةٌ … كما تَلَاطَمُ في البحر القواميسُ وما لمروانَ إلا نحن مُعْتَصَمٌ (١) … ومُنْقِذٌ وعيون نحوه شُوسُ (٢) لم تُغْنِ عنهم مَعَدٌّ غيرَ قولِهمُ … غالتْ أميةَ بالشام الدَّهارِيسُ (٣) فدافَعَتْ عنه منَّا أُسْدُ مَلْحَمةٍ … كأنَّهمْ في الوَغَى البُزْلُ القناعيسُ (٤) حتى أبادوا الذي مالتْ دعائمُهُ … واستوسَقَتْ لكمُ الشُّمُّ القَدامِيسُ (٥) عقبة بن عامر ابن عَبْس الجُهَنِيّ، من قُضاعة، وهو كان البريدَ إلى عُمر ﵁ بفتح دمشق، خرجَ منها يومَ الجمعة وفي رِجْله خُفَّانِ، فقدمَ على عمر رضوان الله عليه يومَ الجمعة وهو على المنبر، فأخبره بفتوح دمشق (٦)، فقال له عمر ﵁: كم عهدُك بالمسح؟ فقال: من الجمعة إلى الجمعة. فقال: هُدِيتَ لسنَّةِ نبيِّك محمد ﷺ . ولما قُبِضَ [رسول الله ﷺ ] ونَدَبَ أبو بكر ﵁ الناسَ إلى الشام؛ خرجَ عُقبةُ، فشهدَ فُتوحَ الشام ومصرَ، واختطَّ بها دارًا (٧).

стр. 3446

ووَليَ الجُنْدَ [بمصر] لمعاوية بعد عُتبةَ بنِ أبي سفيان سنة أربع وأربعين، ثم أغزاه معاويةُ البحرَ سنة سبع وأربعين، وكان عاملًا على مصر، فعزلَه عنها، وولَّى مَسْلَمةَ بنَ مُخَلَّد، فلم يُظْهِر ذلك مسلمةُ حتى دفعَ عقبةُ غازيًا في البحر، وبلَّغه الخبر، فقال: ما أنْصَفَنا معاويةُ؛ عزلَنا وغرَّبنا (١). وشهد عقبة صفِّين، ثم تحول إلى مصر (٢). وكان له دار بدمشق نحو قنطرة بني سِنان، من نواحي باب تُوما (٣). وكان يخضبُ بالسَّوَاد ويقول: نُسَوِّدُ أعلاها وتَأْبَى أصولُها (٤) ذكر وفاته: [قال الواقدي وابن البرقي وابنُ عبد البَرّ:] مات عقبة بمصر سنة ثمان وخمسين، ودفن بالفسطاط (٥). [وقد وهم خليفة فقال: قُتل بالنهروان سنة ثمان وثلاثين شهيدًا] (٦).

стр. 3447

أسند [عقبة] الحديث عن رسول الله ﷺ [أُخرج له في "الصحيحين" سبعة عشر حديثًا (١). وليس في الصحابة من اسمه عقبة بن عامر سواه]. روى عن عمر ﵁، وروى عنه ابنُ عباس، وأبو أُمامة، وأبو أيوب، وأبو إدريس الخَوْلاني، وابنُ المسيِّب، وجُبير بن نُفير في آخرين (٢). يزيد بن شجرة الرَّهاويّ من الطبقة الأولى من التابعين، من أهل الشام (٣). وذُكر فيمن له صحبة ورواية، وغزا مع يزيد بن معاوية القسطنطينية في سنة خمسين (٤). وكنيتُه أبو شجرة، وروى عن أبي عُبيدة بن الجرَّاح ﵁. وكان عابدًا مُتَأَلِّهًا غازيًا، قتله الروم في البحر شهيدًا في سنة ثمان وخمسين. وروى عنه مجاهد، والزُّهري، وأبو الزَّاهريَّة (٥). السنة التاسعة والخمسون فيها عزلَ معاويةُ عبدَ الرحمن بنَ أُمِّ الحَكَم عن الكوفة، وولَّاها النعمانَ بنَ بشير الأنصاري (٦). وقيل: إنَّ عَزْلَه كان في السنة الماضية.

стр. 3448

وفيها ولَّى معاويةُ عبد الرحمن بنَ زياد [خُراسان. قال علماء السير (١): قدم عبد الرحمن بن زياد، على معاوية وافدًا، فقال له: يا أمير المؤمنين، أَما لنا حقٌّ؟ قال: بلى، فماذا تريد؟ قال: الولاية. قال: ما الذي أصنعُ بك؟ أخوك عُبيد الله (٢) على البصرة وسجستان، والنُّعمانُ بنُ بشير على الكوفة، وله مع رسول الله ﷺ صحبة، فإنْ شئتَ أشركتُك مع أخيك عُبيد الله، فإنَّ عملَه يَسَعُك؟ قال: ذاك إليك. فولَّاه خُراسان. فأقامَ عليها حتى مات معاوية ووَليَ يزيد، فقدمَ عليه عبدُ الرحمن بمال عظيم، وذلك بعد قتل الحسين ﵇. ولما ولَّاه معاويةُ خُراسان؛ بعثَ قيس بنَ الهيثم السُّلميَّ، فأخذ أسلم بن زوعة [فحبسه، ثم قدم عبد الرحمن، فأغرم أسلم بن زُرْعة] ثلاث مئة ألف درهم. وكان عبد الرحمن حريصًا ضعيفًا، فأقامَ بِخُراسان سنتين لم يغزُ غزوةً واحدة (٣). وفيها قدم عُبيد الله بنُ زياد على معاوية ومعه أعيانُ أهل البصرة والعراق، فدخل عليه عُبيدُ الله فقال له [معاوية (٤):] ائذنْ لوفدك على قدر منازلهم وشرفهم. فأذن لهم، فدخل الأَحْنَف بنُ قيس في آخرهم، وكان سيِّئَ المنزلةِ عند عُبيد الله بن زياد، فلما رآه معاويةُ رحَّبَ به، وأدناه حتى أجلسه معه على سريره. ثم قال معاوية للقوم: تكلَّموا. فتكلَّموا، وأَثْنَوْا على ابن زياد والأحنفُ ساكتٌ، فقال له معاوية: ما لَكَ يا أبا بحر لا تتكلَّم؟ فقال: إن تكلَّمتُ خالفتُ القوم. فقال: قوموا، فقد عزلتُه عنكم، واطلبوا واليًا ترضَوْنَه. فلم يبق أحدٌ من القوم إلا أتى رجلًا من بني أمية وأشراف (٥) الشام يطلبون الولايةَ، وقعدَ الأحنفُ في بيته لم يأت أحدًا، فأقاموا أيامًا، ثم أحضرهم معاوية، فقال لهم:

стр. 3449

من اخترتُم؟ فاختلفت كلمتُهم، وسمَّى كلُّ فريقٍ منهم رجلًا والأحنفُ ساكت، فقال له معاوية: يا أبا بحر، ما لَكَ لا تتكلَّم؟ فقال: إن ولَّيتَ علينا من أهل بيتك لم نعدلْ بعبيد الله أحدًا، وإن ولَّيتَ علينا من غيرهم، فانظر في ذلك. فقال معاوية: فإني قد أعدتُه. ثم إن معاويةَ قبَّحَ رأيَ ابنِ زياد في مباعدته الأحنف، وأوصاه به، فلمَّا هاجت الفتنة عند موت يزيد بن معاوية لم يَفِ لعُبيد الله سوى الأحنفِ بنِ قيس (١). ذكر ما جرى فيها ليزيد بن زياد بن ربيعة بن مُفرِّغ الحِمْيَريّ مع بني زياد: كان ابنُ مُفَرِّغ صديقًا لسعد بنِ عثمان بن عفَّان، فسأله الخروج معه إلى خُراسان، فلم يفعل، وخرج مع عبَّاد بن زياد، وقد ليَ سجستان، فجفاه عبَّاد، ولم ير منه ما يحبّ، فهجاه، وكان أصابَ الجندَ الذين كانوا مع عبَّاد ضيقٌ في عَلَفِ دوابِّهم، وكان عبَّاد عظيمَ اللحية، فقال ابن مُفَرِّغ: ألا ليتَ اللِّحى كانَتْ حَشِيشًا … فنَعْلِفَها خيولَ المُسلمينا (٢) وقال أيضًا: إذا أوْدَى معاويةُ بنُ حَرْبٍ … فبَشِّرْ شعبَ قَعْبِك بانصدعِ فأَشْهَدُ أنَّ أمَّكَ لم تُباشِرْ … أبا سفيانَ واضعةَ القِناعِ ولكن كان أمرًا فيه لَبْسٌ … على وَجَلٍ شديدٍ وارْتِياعِ (٣) وكان قد ركبَه دينٌ، فأمرَ عبَّاد غرماءَه أن يَسْتَعْدُوا عليه، ففعلوا، فباع غلامًا له يقال له: بُرْد؛ كان قد ربَّاه، وجاريةً يقال لها: أراكة. فقال أبنُ مُفرِّغ: أُبْقِي (٤) على الأمرِ الذي … كانَتْ عَواقبُه نَدامَهْ

стр. 3450

تركي سعيدًا ذا النَّدَى … والبيتُ يُعملُ (١) بالدِّعامَهْ وصحبتُ عَبْدَ بني عِلا … جٍ (٢) تلك أشراطُ القِيامَهْ وشَرَيتُ بُرْدًا ليتَني … من بعدِ بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ [أو بُومةً] تدعُو الصَّدَى … بين المُشَقَّرِ (٣) واليَمامَهْ ومعنى شَرَيتُ: أي: بِعْتُ (٤). ولَمَّا هجا ابنُ مُفَرِّغ عبَّادًا بسجستان؛ هربَ منه إلى البصرة وعُبيدُ الله يومئذٍ عند معاوية؛ لَمَّا قدمَ معه أشرافُ أهل البصرة. فكتب عبَّاد بنُ زياد إلى أخيه عُبيد الله بشعرِ ابنِ مُفرِّغ، فلما وقفَ عليه، دخل إلى معاوية، وأنشده إيَّاه وقال: لا بدَّ من قتله، فقال له معاوية: أدِّبْه ولا تقتُلْه. ولَمَّا قدم ابنُ مُفَرِّغ البصرة من سجستان؛ استجار بالأحنف، فقال: لا أُجِيرُ على ابنِ سُمَيَّة. فدار على جماعة، منهم خالد بنُ عبد الله، وعمر بن عُبيد الله بن معمر (٥)، والمنذر بن الجارود، فكلُّهم وعدَه أن يُجِيرَه إلا المنذر فأجارَه وأدخلَه دارَه، وكانت بَحْرِيَّة بنتُ المنذر عند عُبَيد الله بن زياد. فلما قدم عُبيد الله البصرة؛ سألَ عن ابنِ مُفَرِّغ، فقيل له: هو في دار المنذر. وجاء المنذر مسلِّمًا، فأرسل ابنُ (٦) زياد الشُّرَط، فدخلوا دار المنذر، وأخذوا ابنَ مُفَرِّغ، فلم يشعر المنذر وهو عند ابن زياد [إلا] وابنُ مُفَرِّغ قائمٌ على رأسه، فقام المنذر فقال: أيُّها الأمير، إني قد أجرتُه. فقال: يا منذر، يمدحك وأباك، ويهجوني وأبي، ثم تُجيرُه علي!.

стр. 3451

ثم قيَّده وأسقاهُ دواءً مُسَهِّلًا وأركبَه على جمل (١)، وأوثقَ معه خنزيرةً، فجعلَ ابنُ مُفَرِّغ يسلحُ (٢)، والخنزيرة تصيح من شدَّة وَثاقها، وابنُ مُفَرِّغ يقول: ضَجَّتْ أميةُ لَمَّا مَسَّها القَرَنُ (٣) وقيل لابن زياد: لِمَ اخْتَرتَ له هذا التأديب؟ فقال: لأنه سَلَحَ علينا، فقابلناه بمثل ما فعل بنا. ثم بعث به عُبيد الله إلى أخيه عبَّاد بسجستان، فكلَّمت اليمانيةُ معاويةَ فيه بالشام (٤)، فبعث رسولًا إلى عبَّاد يأمرُه بحمله إليه، فأرسلَ به إليه. فلما دخلَ على معاوية؛ بكى وقال: ارتكبَ [ابنُ] (٥) زياد منّي ما لم يركب من مسلم. فقال له معاوية: ألستَ القائلَ كذا وكذا؟ ثم قال له معاوية: اذهب، فقد عفَوْنا عنك، فانظر أيَّ أرضٍ شئتَ. فنزل الموصل، فأقام بها، ثم عاد إلى البصرة، ودخل على عُبيد الله فأمَّنَه (٦). وفيها غزا الصائفةَ عَمرو بنُ مُرَّة بن عَبْس الجُهَنيُّ. وكنيتُه أبو طلحة، وقيل: أبو مريم الأسديّ. ذكره ابنُ سعد فيمن نزلَ الشامَ من الصحابة من قُضاعة؛ قال: وكان شيخًا على عهد رسول الله ﷺ (٧).

стр. 3452

أسلم قديمًا، وشهدَ المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ (١). وكان معاوية يُسمِّيه أَسَدَ جُهَينة، وكان سادنَ صنم جُهَينَة، فكسرَه، وقدمَ على رسول الله ﷺ ، فأسلم (٢). قال ابن عساكر (٣): كانت له دار بدمشق بناحية باب توما يُنسب إلى ابنه طلحة بن عَمرو، ويعرف اليوم بدرب طلحة، وكان قوَّالًا بالحقّ. وقال ابن منده: سكن فلسطين ومصر (٤). وقال ابن سُمَيْع: مات بالشام في أيام عبد الملك بن مروان (٥). وأسند عن رسول الله ﷺ الحديث؛ قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل بنُ إبراهيم، عن علي بن الحَكَم، حدثني أبو الحسن، أنَّ عَمرو بنَ مرَّة قال لمعاوية: يا معاوية، إني قد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من إمام -أو والٍ- يُغلقُ بابَه دون ذوي الحاجة والخَلَّة والمَسْكَنَة إلا أغلَقَ اللهُ أبوابَ السماء دون حاجته وخَلَّتِه ومسكنته"، قال: فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس (٦). وحجَّ بالناس في هذه السنة عثمانُ بنُ محمد بن أبي سفيان. وكان الواليَ على المدينة الوليدُ بنُ عُتبة بنِ أبي سفيان، وعلى الكوفة النعمانُ بن بشير، وعلى قضائها [شُريح، وعلى البصرة عُبيد الله بنُ زياد، وعلى قضائها، هشام بن هُبيرة، وعلى خُراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سِجِسْتان عبَّاد بن زياد، وعلى كَرْمان شريكُ بن الأعور الحارثي نائب عُبيد الله بنِ زياد (٧).

стр. 3453

وفيها توفي أسامةُ بنُ زيد ﵁ - ابن حارثة بن شَراحِيل بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس، الكلبيُّ، مولى رسولِ الله ﷺ ، وحِبُّه وابنُ حِبِّه. وكنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو حارثة. وأمُّه أمّ أيمن -واسمُها بَرَكَة- حاضنةُ رسول الله ﷺ ، ومولاتُه. وأسامةُ من الطبقة الثانية (١) من المهاجرين، وُلد بمكَّة، ونشأ بها حتى أدرك، لم يعرف إلا الإسلام، ولم يَدِنْ بغيره، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وكان رسول الله ﷺ يحبُّه حبًّا شديدًا، فكان عنده كبعض أهله (٢). وقيل: هاجر إلى المدينة وهو ابنُ ثمانِ سنين. وبعث رسول الله ﷺ أسامة في جيش فيهم أبو بكر وعمر ﵄ فطعن الناسُ فيه لأنه كان مولًى، ولم يبلغ عشرين سنة. وبلغ رسولَ الله ﷺ وهو في مرضه، فصعد المنبر (٣). . . وقد ذُكر الحديث في مرض رسول الله ﷺ (٤). وقالت عائشة ﵂: عَثَرَ أسامةُ على عتبة الباب -أو على أُسْكُفَّة الباب- فشُجَّ وجهُه، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، أمِيطِي عنه الدَّم". قالت: فتَقَذَّرْتُه. فجعلَ رسولُ الله ﷺ يَمَصُّ شجَّتَه ويَمَجُّه ويقول: "لو كان أسامةُ جاريةً لَكَسَوْتُهُ وحَلَّيْتُه حتى أُنْفِقَه" (٥).

стр. 3454

[قال شريك: الدم حرام، وقد مصَّه رسول الله ﷺ ، ثم لفظه ومَجَّهُ، والطعام حرامٌ على الصائم، ولا بأس بأن يذوق منه بطرف لسانه ما لم يدخل حلقَه] (١). قالت [عائشة]: كان النبيُّ ﷺ يمسحُ الرَّمَصَ (٢) من عينيه. وقالت: لا ينبغي لأحد أن ينتقص أسامة بعد ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من كان يحبُّ اللهَ ورسولَه؛ فليُحِبَّ أسامة" (٣). وقال أسامة: كان رسول الله ﷺ يُقعدني على فخذه، ويُقعد الحسنَ على فخذه الأخرى ويقول: "اللهمَّ إني أُحبُّهما، فأحبَّهما، اللهمَّ إني أَرحَمُهُما، فارْحَمْهُما" (٤). وللبخاري عن ابن عمر ﵄ أنه نظرَ إلى رجل يسحبُ ثيابَه في المسجد، فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: محمد بن أسامة. فطأطأ ابنُ عمر رأسه وقال: لو رآه رسول الله ﷺ لأحبَّه (٥). قالت عائشة: دخلَ مُجَزِّزٌ المُدْلِجيّ على رسول الله ﷺ ، فرأى أسامةَ بنَ زيد، وزيدًا قد غطَّيا رؤوسهما وعليهما قَطِيفة، وقد بَدَتْ أقدامُهما، فقال: "إنَّ هذه الأقدام بعضُها من بعض". قالت: فَسُرَّ رسولُ الله ﷺ حتى بَرَقَتْ أَسارِيرُ وَجْهِه (٦). [وقال الدارقطني: كان أسامةُ مثلَ الليل، وكان أبوه زيد أبيضَ أحمرَ أشقرَ] (٧).

стр. 3455

وروى ابن سعد (١) أن رسول الله ﷺ أخَّر الإفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أسود أفطس، فقال أهل اليمن: إنما حُبسنا من أجل هذا! قال يزيد بن هارون: فلذلك ارْتَدُّوا في زمن أبي بكر ﵁؛ لاستخفافهم بأمر رسول الله ﷺ . [وقد ذكرنا أن رسول الله ﷺ لما حجَّ أردفَ أسامةَ خلفَه، ولما دخل يوم الفتح مكةَ كان رَدِيفَه] (٢). وبلغت النخلةُ على عهد عثمان بن عفَّان ﵁ (٣) ألفَ درهم، فاشتهَتْ عليه أُمُّهُ جُمَّارًا (٤)، فاشترى نخلةً بألف درهم، فنقَرَها، وأخرجَ ما فيها من الجُمَّار، فأطعمَه أُمَّه، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ أمِّي سألَتْني إيَّاها، ولا تسألُني شيئًا أقدرُ عليه إلا أعطيتُها إيَّاه. وقالت عائشة رضوان الله عليها: إن قُريشًا أهمَّهم أمرُ المخزومية التي سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: من يُكلِّمُ فيها رسولَ الله ﷺ ؟ قالوا: ومَنْ يجترئُ عليه إلا أسامةُ بنُ زيد حِبُّ رسولِ الله ﷺ ؟ فكلَّمه أسامة، فقال: "أتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود الله؟! ". ثم قام فخطب وقال: "إنَّما هَلَكَ مَنْ هَلَكَ قبلَكم؛ كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ الله، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمد سَرَقَتْ لقَطَعْتُ يدَها". متفق عليه (٥). [وإنما كان من أمرها أنها تستعيرُ المتاع وتجحدُه، وكانت كذلك في غَزاة الفتح. وروى جابر أنها استعاذت بأمّ سلمة. قالت عائشة: ثم تابت وحسُنَتْ توبتُها، وتزوَّجت، فكنت أرفعُ حاجتَها إلى رسول الله ﷺ بعد (٦).

стр. 3456

فإن قيل: فلِمَ قال رسول الله ﷺ : لو سرقت فاطمة؟ ولمَ خصَّ بذلك ابنتَه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن اسم المخزومية فاطمة بنت الأسود، فاتفق الاسمان. والثاني: أنه ضربَ المثل بأعز الخلق عليه زجرًا للغير، وحفظًا لأموال الناس]. و [ذكر ابنُ عساكر عن عبد الله بن دينار قال (١):] كان عمر بن الخطاب إذا لقيَ أسامةَ قال له: السلام عليك أيها الأمير. فيقول أسامة: وعليك السلام يا أمير المؤمنين، إليَّ تقول هذا؟! فيقول عمر رضوان الله عليه: لا أزالُ أدعوك الأمير ما عشتُ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ماتَ وأنتَ أميرٌ عليّ. وقال ابنُ عساكر: قدم أسامة الشام، فنزل المِزَّةَ، واختار المُقام بها، فأقطعَه معاوية إيَّاها (٢). وقال: إن أسامة وفدَ على معاوية، فأقعدَه معه على سريره، ولاطَفَه. فمدَّ أسامةُ رِجْلَه، فقال معاوية: يرحمُ اللهُ أمَّ أيمن، كأنِّي أنظرُ إلى ظُنْبُوبِ ساقِها بمكّة؛ كأنه ظُنْبُوبُ نَعامة خرجاء. فقال أسامة: فعل الله بك وصنع يا معاوية، هي واللهِ خيرٌ منك ومن أبيك ومن أمِّك، وأكرمُ على الله. فقال معاوية: وأكرمُ أيضًا؟! فقال أسامة: نعم، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (٣). [والظُّنبوب: العظم اليابس من قُدُم الساق. وقال البلاذري: لما نهض علي ﵇ لقتال أهل الجمل؛ دعا أُسامةَ بن زيد إلى الخروج معه، فاعتذر بقتل الرجل الذي قتله في بعض سراياه، وعاتبه رسول الله ﷺ وقال: "أقتَلتَه بعد أن قال: لا إله إلا الله؟! ". وقد ذكرناه (٤).

стр. 3457

قال البلاذري: واسم الرجل المقتول كُهيل بن قيس، أو نُهيك بن مرداس السلمي (١). والله أعلم]. ذكر وفاته: قال الواقدي: قُبض رسولُ الله ﷺ ولأسامة عشرون سنة، وكان قد سكن وادي القُرى بعد رسول الله ﷺ ، ثم نزلَ المدينة، فمات بالجُرْف في آخر خلافةِ معاوية، فحُمل إلى المدينة [ولم يذكر السنة التي مات فيها (٢). وحكى ابن سعد أن مولًى له قال: كان أسامة يركب إلى وادي القُرى، وكان له به مال، وكان يصوم الاثنين والخميس (٣). قال: فقلت له: قد كَبِرْتَ ورققت (٤)! فقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس وقال: "إن الأعمال تُعرض فيهما". وقال أبو معشر: مات أسامة بالجُرْف في سنة تسع وخمسين، فحُمل، على أعناق الرجال فدفن بالبقيع. وقيل: في سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين (٥)، وقيل: سنة ستين، أو سنة أربع وستين. وحكى ابن عساكر أنه مات بالمِزَّة (٦) [قرية من قرى دمشق] والأول أصح. [وقد نصَّ عليه ابنُ إسحاق وغيره، رواه عنه ابن عبد البَرّ فقال (٧): سكن أسامة وادي القُرى، ثم رجع إلى المدينة، فأقام بالجُرْف، فتوفي به، فحمل إلى المدينة].

стр. 3458

ذكر أولاده: تزوَّج أسامة هند بنت الفاكه (١) بن المغيرة المخزومي، ودُرَّة بنت عديّ بن قيس السهمي (٢)، فولدت له محمدًا وهندًا، وتزوَّج فاطمة بنت قيس أخت الضحاك، فولدت له جُبيرَّا، وزيدًا، وعائشة، وتزوَّج أمَّ الحكم بنتَ عُتْبة (٣) بن أبي وقَّاص، وابنة أبي حمدان (٤) السهمي، وتزوَّج برزة بنت ربعي من بني عُذْرَة (٥)، فولدت له حَسَنًا وحُسَينًا. قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم (٦): كان رسول الله ﷺ يحبُّ أسامة بن زيد، فلمَّا بلغ وهو ابنُ أربع عشرة سنةَ؛ تزوَّج امرأةً يقال لها: زينب بنت حنظلة بن قَسامة، ثم طلَّقها أسامة، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أدُلُّه على الوضيئة وأنا صهره؟ ". وجعلَ رسول الله ﷺ ينظرُ إلى نُعيم بن عبد الله النحَّام، فقال: يا رسول الله، كأنك تُريدني؟ قال: "أجل". فتزوَّجها، فولدت له إبراهيم بن نُعيم؛ قُتل يومَ الحرَّة (٧). قال الواقدي: لم يبلغ أولادُ أسامة من الرجال والنساء دهرَه أكثر من عشرين إنسانًا (٨). وذكر ابن سعد محمد بن أسامة في الطبقة الثانية من التابعين؛ قال (٩): وتوفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً قليل الحديث. وأخوه الحسن بن أسامة بن زيد، روى عنه ابنه محمد بن الحسن وغيره، وكان قليل الحديث (١٠).

стр. 3459

قال ابن عساكر: فاطمة بنتُ أسامة بن زيد، سكنت المِزَّة، وانتقلت إلى المدينة. ودخلت على عمر بن عبد العزيز ﵁ ومعها مولاةٌ لها تُمسكها بيدها، فقام لها عمر، وأجلَسها في مجلسه، وجلس بين يديها، وصافحها ويدُه في ثيابه، وما ترك لها حاجةً إلا قضاها، وقال لها: هل من حاجة؟ فقالت: تحملُني إلى قبر أبي (١). فجهَّزها وحملَها. [قال (٢): وكان أبوها خرج إلى وادي القُرى؛ إلى ضيعة له، فمات بها، وترك ابنته بالمِزَّة]. أسند أسامة ﵁ عن رسول الله ﷺ مئة [حديث] وثمانيةً وعشرين حديثًا (٣). وروى عن أسامة ابنُ عبَّاس، وأبو هريرة، في آخرين (٤). [وقد فرَّقنا بعض أحاديثه في الكتاب؛ قال (أحمد) (٥): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أسامة قال: قال رسول الله ﷺ : "قمتُ على باب الجنة، فإذا عامَّةُ مَنْ دخلَها المساكينُ، وإذا أصحاب (الجَدِّ) محبوسون (٦)، إلا أصحابَ النار؛ فقد أُمِرَ بهم إلى النار". قال: "وقمتُ على باب النار؛ فإذا عامَّةُ من يدخلُها النساء". متفق عليه (٧).

стр. 3460

وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد غيره. وأما حديث أسامة بن شَرِيك قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وأصحابُه عنده؛ كأنما الطيرُ على رؤوسهم، فسألوه، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوَى؟ قال: "نعم، تَدَاوَوْا، فإن الله لم يضع داءً إلا وَضَعَ له دواء، غير داءٍ واحد، وهو الهَرَم" (١). فأمَّا من غير الصحابة؛ فستة، كلُّ واحد اسمه أسامة بن زيد: أحدهم: أسامة بن زيد، تنوخي (٢)، وكنيتُه أبو عيسى الكاتب الكلبي مولاهم، وَليَ كتابة عبد الملك بن مروان، ووليَ الخَراج لهشام بن عبد الملك، وللوليد بن عبد الملك، وهو الذي كسر الصنم بالإسكندرية. روى عنه زيد بن أسلم وغيره. والثاني: أسامة بن زيد، أبو زيد الليثي. روى عن نافع والزُّهري. والثالث: أسامة بن زيد، مولى عمر بن الخطاب ﵁. والرابع: أسامة بن زيد؛ كلبي. روى عن زهير بن معاوية وغيره. والخامس: أسامة بن زيد، شيرازي، روى عن أبي خليفة الفضل بن الحُباب الجُمحي. والسادس: أسامة بن زيد بن أسلم (٣)، روى عن أبيه] (٤). أوس بن عوف الثقفي أحدُ بني مالك، ذكره ابنُ سعد فيمن نزل الطائف من الصحابة (٥)، وهو الذي رمى عروةَ (٦) بنَ مسعود الثقفي بسهم فقتلَه.

стр. 3461

ثم قدمَ بعد قَتْلِه إلى المدينة في وَفْدِ ثَقِيف على رسول الله ﷺ ، وخاف من أبي المُلَيح بن عروة، وقاربِ (١) بن الأسود بن مسعود، وقبلَ أنْ يُقاضيَ رسولُ الله ﷺ ثَقِيفًا، فتعرّضا له، فشكا إلى أبي بكر ﵁، فنهاهما عنه وقال: ألستُما (٢) مسلمَين؟! قالا: بلى. قال: فتأخذانِ بذَحْلِ (٣) الشِّرْك؟ وهذا رجل قد قدم يريدُ الإسلام وله ذِمَّةٌ وأمان، ولو قد أسلم صار دمُه عليكم حرامًا. ثم قاربَ بينهم حتى تصافحوا (٤)، وكفُّوا عنه. فأسلمَ، وصحبَ رسولَ الله ﷺ . ومات في سنة تسع وخمسين، وله صحبة ورؤية، وليس له رواية. الحُطيئة [الشاعر] واسمُه جَرْوَل بن مالك (٥) بن جُؤَيَّة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قُطَيعة بن عَبْس العَبْسيّ، الشاعر. وكنيتُه أبو مُلَيكة، وقيل: أبو أمية. ذُكر في طبقات الشعراء مع بِشْر (٦) بن أبي خازم، وكعب بن زهير. [وقال الجاحظ: كان الحُطَيئة من المخضرمين؛ أدرك الجاهلية والإسلام]. أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ بمدَّة. ولا ذكرَ له في الصحابة، ولا في الوفود. و [قال الأصمعي:] كان أسودَ الوجه، قبيحَ المنظر، وكان لسانُه وباطنُ شفتيه وفمُه أسود. [قال: والذي يكون لونُه أسود، يكون أحمر اللسان وداخل الفم، والحُطَيئة كان أسودَ الظاهر والباطن.

стр. 3462

قال: وكان أربعةٌ على هذا الوصف: الحُطَيئة، وأبو الأسود الدِّيلي، وحُميد الأرْقَط، وخالد بن صفوان (١)]. وكان جَشِعًا سَؤُولًا جوَّالًا في الآفاق هجَّاءً، خبيثَ اللسان، هجا نفسه، وأباه، وأمَّه، وعمَّه، وخاله. فقال يهجو نفسَه: أَبَتْ شفتايَ اليومَ إلا تكلُّمًا … بِشَرٍّ فما أدري لمن أنا قائلُهْ أَرَى ليَ وجهًا شَوَّهَ اللهُ خلقَهُ … فقُبِّحَ من وَجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ (٢) وقال في هجو أمِّه: تَنَحَّي واقْعُدي عنِّي بعيدًا … أراحَ اللهُ منكِ العالمينا جزاكِ اللهُ شرًّا من عجوزٍ … ولقَّاكِ العُقوقَ من البنينا (٣) وقال لأبيه وعمِّه وخالِه: لحاكَ اللهُ ثم لحاكَ حقًّا … أبًا ولحاكَ مِنْ عمٍّ وخالِ فنِعْمَ الشيخُ أنت لِذِي المخازي … وبئسَ الشيخُ أنتَ لِذِي المعالي (٤) وقال أبو عُبيدة مَعْمَر: قَدِمَ الزِّبْرِقان بن بَدْر على أبي بكر رضوان الله عليه في الرِّدَّة، فساقَ صدقاتِ بني عوف، فلما كان ببعض الطريق رأى الحُطَيئة، وكان بين الزِّبْرِقان وبين بني قُرَيع معارضة (٥) ومهاجاة، فأراد أن يستظهر بالحُطَيئة عليهم، فقال له: هل لك إلى خير مواساة؟ فقال: ومَنْ لي بذلك؟ فقال: اِلْحَقْ ببني سَعْد حتى آتيَك، فإنما أُؤدِّي هذه الصدقةَ إلى أبي بكر، ثم أَلْحَقُ بك. فقال: عَمَّنْ أسأل؟ قال: أُمَّ مَطْلعَ الشَّمسِ، وسَلْ عن الزّبْرقان [بن بدر، ثم ائْتِ أمَّ شذرة، فقل لها، يقول لك بَعْلُكِ الزِّبْرقان بن بدر: أحسني إلى قومك. فإنها ستفعل.

стр. 3463

ففعل الحُطَيئة ذلك، فلما رأته بنو قُريع قالوا:] (١) الداهية! يريد الزِّبْرِقانُ أن يستظهر [به] علينا. فأتاه بَغِيض بن شمَّاس، فقال: يا أبا مُلَيكة، هل لك [إلى خَصْلَةٍ هي] خيرٌ مِمَّا قصدتَ؟ قال: وما هي؟ قال: مئةٌ من الإبل تتعجَّلُها وتنزُل عندنا. قال: نعم. فنزل عليهم، وعدلَ عن الزِّبْرِقان. وجاء الزِّبرقان إلى امرأتِه، فقال: أين جاري؟ فقالت: خَبُث عليك. وأقام في بني قُريع يهجو الزِّبْرِقان، فقال من أبيات: دعِ المكارمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها … واقْعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكاسي (٢) ومات أبو بكر ﵁، وقام عمر ﵁، فاستعدى عليه الزِّبْرِقانُ [عمرَ] (٣) وقال: هجاني وأنشد البيت عمر ﵁، فقال [له]: ليس هذا بهجوٍ، أما ترضى أن تكون طاعمًا كاسيًا؟! فقال الزِّبْرقان: فسَلْ حسانَ بنَ ثابت. فأرسلَ إليه عمر رضوان الله عليه، فسأله (٤)، فقال حسان: ما هجاه، ولكن سَلَحَ عليه! فحبسَ عمر ﵁ الحُطَيئةَ، فأطال حَبْسَه، فكتبَ إليه من الحَبْس يقول: ماذا تقولُ لأفراخٍ بِذي مَرَخٍ (٥) … زُغْبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ غادَرْتَ كاسِبَهُم في قَعْرِ مُظْلِمةٍ … فَارْحَمْ عليك سلامُ اللهِ يا عُمَرُ أنتَ الإمامُ الذي من بعدِ صاحبِهِ … أَلْقَتْ إليك مقاليدَ النُّهَى البَشَرُ فامْنُنْ على صِبْيَةٍ بالرَّمْلِ مسكنُهمْ … بين الأباطح تغشاهم بها القِرَرُ (٦) نفسي فداؤك كم بيني وبينهمُ … من عَرْضِ داوِّيَةٍ (٧) تَعْمَى بها الخُبُرُ (٨)

стр. 3464

فلما وقف عمر على الأبيات بكى، فقال عَمرو بنُ العاص: ما أظَلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء أعدلَ من رجل [يبكي على شعر الحُطيئة، أو:] يَرِقُّ للحُطيئة. فجمع عمر رضوان الله عليه الصحابة [في المسجد] واستشارهم فيه، فقال: ما تُشيرون (١) فيمن يُشَبِّبُ بالحُرَم، ويهجو المسلمين، ويمدحُ بعض الناس بما ليس فيه؟ فاتفقوا على قطع لسانه. فأحضر الحجَّام والموسى، ولم يبقَ إلا أن يقطع لسانه، فسأله فيه عبدُ الرحمن بن عوف ﵁ وأكابرُ الصحابة، فاستتابَه، وأطلقَه. وقيل: إنه اشترى منه أعراضَ المسلمين بثلاثة آلاف درهم. وقال ابن عساكر (٢): إن الحُطَيئة لَمَّا أطلقَه عمر رضوان الله عليه؛ سأله كتابًا إلى علقمة بن عُلاثة، فسار نحوه إلى الشام، فوجد الناسَ منصرفين من جِنازة علقمة، فقال وهو على قبره: لَعَمْرِي لَنِعْمَ المرءُ من آلِ جعفرٍ … بِحَوْرانَ أمْسَى علَّقَتْه (٣) الحبائلُ فإنْ تَحْيَ لا أَمْلَلْ حياتي وإنْ تَمُتْ … فما في حياةٍ بعد موتِك طائلُ وما كان بيني لو لقيتُك سالمَّا … وبين الغِنَى إلا ليالٍ قلائلُ فقال له ابنٌ لعلقمة: كم كان في ظنِّك أنه يعطيك؟ فقال: مئة ناقة، يتبعها أولادها. فقال: هي لك. وقال ابنُ الكلبي: إنَّ علقمةَ بن عُلاثة بلغَه قصدُ الحطيئة له، وأنَّه في الطريق، فمرضَ، فأَوصى له بمثل سهم من سهام ولده (٤). وعلقمة بنُ عُلائة بنِ عَوْف بن الأحوص، من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري، وفدَ على رسول الله ﷺ ، فأسلمَ، وسُرَّ رسولُ الله ﷺ بإسلامه، وكتبَ إلى خُزاعة يبشِّرُهم بإسلامه.

стр. 3465

وعلقمة هو الذي نافَرَ عامر بنَ الطُّفيل في الجاهلية. وذكره ابن سعد في قبائل العرب الذين أسلموا ورجعوا إلى بلاد قومهم في الطبقة الرابعة من الصحابة (١). واستعمل عمر بن الخطاب ﵁ علقمة على بلاد حوران، فماتَ بها. وأمُّ علقمة ليلى بنت أبي سفيان بن هلال بن النَّخَع. ولعلقمة صحبة ورؤية، وليس له رواية. [وكان للحطيئة بنت يقال لها: مُليكة، وكانت جميلة]. وقال الشعبي (٢): اجتمع الحُطيئةُ وكعب الأحبار عند عمر ﵁، فأنشد الحُطيئة: مَنْ يفعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ (٣) … لا يذهبُ العُرْفُ بين اللهِ والناسِ (٤) فقال كعب: هي واللهِ في التوراة كذلك: لا يذهبُ العُرْفُ بين الله وخلقه. قال ابنُ الكلبي: أراد الحُطَيئةُ أن يمضيَ إلى اليمن ليمدح بعض ملوكها، فلما ركبَ راحلتَه قال يخاطب ابنتَه: عُدِّي السنينَ إذا خرجتُ لرجعتي (٥) … ودعي الشهورَ فإنهنَّ قصارُ فأجابته ابنته من الخِدْر: أُذْكُرْ تشوُّقَنا (٦) إليك وضعفَنا … وارْحَمْ بناتِك إنَّهنَّ صغارُ فنزل عن راحلته، وحطَّ رَحْلَه، وأمسك عن [ذكر] السفر. نزل الحُطَيئة على رجل من العرب ومعه ابنتُه مُلَيكة، فسمع غناءً، فقال لصاحب البيت: ارْفَعْ غِناءك [عنَّا] فإنه رائد الفجور، وإلا رحلتُ من عندك، فما أُحبُّ أنْ تسمعَه ابنتي.

стр. 3466

[قال:] ومَرَّ الحطيئة بحسان وهو يُنشد، فوقف عليه يسمع، فقال له حسان: مَنْ أنت؟ فقال له: أبو مُلَيكَة. فقال: ما كنتَ أهْوَنَ عليَّ منك حيث اكتنَيتَ بامرأة. فقال: أنا الحُطَيئة. فقال: اذْهَبْ بسلام (١). وقالت مُليكة بنتُ الحطيئة: يا أبَهْ، ما بالُك صِرْتَ إلى القصائد القصار بعد الطِّوال؟ فقال: لأنها في الآذان أَوْلَجُ، وفي المحافل أجْوَلُ (٢)، وعلى القلوب أسهل، وبأفواه الرجال أعْلَق. وقال أبو عمرو بن العلاء: أصدقُ بيت قالت العرب: يقولون يستغني وواللهِ ما الغِنَى … من المالِ إلا ما يكفُّ (٣) وما يكفي ومن أحسن ما قال الحطيئة في آل منظور بن زبَّان من أبيات: أَقِلُّوا عليهم لا أَبا لأبيكُمُ … من اللوم أو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا أولئك قومٌ إنْ بَنَوْا أحْسَنُوا البِنا … وإنْ عاهدوا أوْفَوْا وإنْ عَقَدُوا شَدُّوا وإنْ كانتِ النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها … وإنْ أَنْعَمُوا لا كدَّرُوها ولا كَدُّوا هُمُ آلِ سَيَّارِ بنِ عمرو بن جابرٍ … رجالٌ وَفَتْ أحلامُهم ولهم جَدُّ (٤) ولما نزلَ الموتُ بعبد الله بن شدَّاد (٥) قال لابنه: يا بُنَيَّ، كُنْ كما قال الحُطيئة: ولستُ أرى السعادةَ جَمْعَ مالٍ … ولكنَّ التَّقِيَّ هو السعيدُ وتقوى اللهِ خيرُ الزادِ ذُخْرًا … وعند اللهِ للأَتْقَى مَزِيدُ وما لا بُدَّ أن يأتي قريبٌ … ولكنَّ الذي يمضي بعيدُ (٦)

стр. 3467

ولما احْتُضِرَ الحُطَيئة قيل له: أوْصِ. فقال: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ … إذا ارْتَقَى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ زلَّتْ به إلى الحضيضِ قَدَمُهْ … يريدُ أنْ يُعربَهُ فيُعْجِمُهْ (١) ثم قال: احملُوني على حمار، فما ماتَ عليه كريمٌ قطّ، فلعلّي أبقى. وكان مريضًا، فحملوه عليه، فمات (٢). عبد الرحمن [بن الحارث] بن هشام ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم بن يَقَظَة بن مُرَّة المخزومي. ذكره ابنُ سعد في أول الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة (٣). وكنيتُه أبو محمد، وكان ابنَ عشر سنين لما قُبض رسولُ الله ﷺ . ومات [أبوه] في طاعون عَمَوَاس بالشام سنة ثمان عشرة (٤). وقيل: استُشهد باليرموك، فخلفَ عمرُ بنُ الخطاب رضوان الله عليه على امرأته فاطمة بنت الوليد أمِّ عبد الرحمن، وكان عبدُ الرحمن في حِجْر عمر ﵁ وكان يقول: ما رأيتُ رَبِيبًا خيرًا من عمر بن الخطاب. روى عنه، وله دار بالمدينة كبيرة. وكان رجلًا شريفًا سخيًّا سيِّدًا فاضلًا، لم يكن في شباب قريش مثلُه. وشهدَ الجملَ مع عائشة رضوان الله عليها، وكانت تقول: لأَنْ [أكونَ] قعدتُ في منزلي عن مسيري إلى البصرة أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي من رسول الله ﷺ عَشَرَةٌ من الولد، كلُّهم مثلُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

стр. 3468

وكان اسمُ عبد الرحمن إبراهيم، فغيَّره عمر ﵁ لمَّا غيَّر أسامي الأنبياء (١)، فسمَّاه عبدَ الرحمن. وتوفي في خلافة معاوية بالمدينة في سنة تسع وخمسين. قال عبد الله بن عكرمة (٢): دخلتُ على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أعودُه، فقلت: كيف تجدُك؟ قال: أجدُني واللهِ في الموت، وما موتي بأشدَّ عليَّ من أمِّ هشام، أخافُ أن تتزوَّج بعدي. فحلَفَتْ [له] إنها لا تتزوَّجُ بعدَه، فغَشِيَ وجهَه نورٌ، ثم قال: الآن فلينزلِ الموتُ متى شاء. ومات. فلما انقضَتْ عِدَّتُها تزوَّجَتْ عمرَ بنَ عبد العزيز. قال ابن عكرمة: فقلت: فإنْ لَقِيَتْ خيرًا فلا يَهْنِئَنَّها … وإنْ تَعِسَتْ فلليدينِ وللفمِ وبلَغَها ذلك، فكتبَتْ إليَّ تقول: قد بلغني ما تمثَّلتَ به، وما مَثَلي ومَثَلُ أخيك إلا كما قال الشاعر: وهل كنتُ إلا والهًا ذاتَ تَرْحَةٍ … قَضَتْ نَحْبَها بعد الحنينِ الموجّع (٣) فَدَعْ ذِكْرَ مَنْ قد وارَتِ الأرضُ شخصَهُ … وفي غير مَنْ قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ قال: فبلغَ ذلك منِّي كلَّ مَبْلَغ من الغيظ، فحسَبْتُ حِسابها، وإذا هي قد بقيَ عليها من عِدَّتها أربعةُ أيام، فدخلتُ على عُمر، فأخبرتُه، فانتقَضَ النكاح، وعُزل عن المدينة. ذكر أولاده (٤): فولَدَ عبدُ الرحمن محمدًا الأكبر؛ لا بقيَّة له، وأبا بكر، وعُمر، وعثمان، وعكرمة، وخالدًا، ومحمدًا الأصغر، وحَنْتَمة (٥)، وأمَّ حُجَيْن، وأمَّ حكيم، وسَوْدَة، ورَمْلَة؛ أمُّهم فاختة بنتُ عِنَبة (٦) بن سُهيل بن عَمرو.

стр. 3469

وعيَّاشًا، وعبدَ الله؛ لا بقيَّة له، وأبا سلمة؛ هلك صغيرًا، والحارثَ؛ هلك ولا بقية له، وعائشةَ؛ تزوَّجَها معاويةُ بنُ أبي سفيان، وأمَّ سعيد، وأمَّ كلثوم، وأمَّ الزُّبير؛ أمُّهم أمُّ الحسن بنت الزُّبير بنُ العوَّام ﵁، وأمُّها أسماءُ بنتُ أبي بكر الصديق ﵄. والمغيرةَ، وعَوْفًا، وزبنبَ، ورَيطَةَ، وفاطمةَ، وحفصةَ؛ أُمُّهم سُعْدَى بنتُ عَوْف بن خارجة، من بني مُرَّة. والوليدَ، وأبا سعيد، وأمَّ سَلَمة؛ تزوَّجها سعيدُ بنُ العاص بن سعيد بن العاص، وقُريبةَ؛ أُمُّهم أمُّ رَسَن بنت الحارث بن عبد الله بن الحُصَين، من بني كعب. وسَلَمةَ، وعُبيدَ الله، وهشامًا؛ لأمَّهات أولاد. وزينب و [يقال: بل] (١) اسمها مريم؛ أمُّها مريم بنتُ عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه. وهم ثلاثة وثلاثون ولدًا، منهم سبعةَ عشرَ ذكرًا، وستَّ عَشْرَةَ أنثى. وفي فاختة بنت عِنَبة (٢) وعبد الرحمن بن الحارث قال عمر بن الخطاب ﵁: زَوِّجُوا الشريدَ الشريدة -وكان (٣) الحارث بن هشام وسُهيل بن عَمرو خرجا إلى الشام غازيَينِ بأهلهم، فماتوا كلُّهم، ولم يبقَ منهم سوى عبدِ الرحمن وفاختة- وقال: عسى اللهُ أن يَنْشُرَ منهما ولدًا كثيرًا رجالًا ونساءً. فكان كما قال (٤). وكانت بناتُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرغوبًا فيهنَّ؛ قال ابنُ هَرْمَة: فمَنْ لم يُرِدْ مَدْحي فإنَّ قصائدي … نَوافِقُ عند الأكرمين سوامي نَوافِقُ عند المشتري الحمدِ بالنَّدَى … نَفَاقَ بناتِ الحارثِ بنِ هشامِ ورويَ أنَّ زينبَ بنتَ عبد الرحمن كانت جميلة، وكان يقال لها: الموصولة؛ لحُسْنِها؛ كأنَّ كل عُضْوٍ منها خُلِقَ على حِدَتِهِ، ثم وُصِلَتْ بعدُ.

стр. 3470

بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان إلى أخيها المغيرة ليُزوِّجَها منه، فلما قدم؛ نزلَ على يحيى بن الحَكَم عمِّ عبدِ الملك، فقال له: هل لك أن تُزوِّجَني زينبَ، وأُعطيَك أربعين ألفَ دينارٍ لنفسك، وعليَّ رضاها؟ قال: نعم. فزوَّجَه إياها، وأعطاه المال. وبلغ عبدَ الملك، فاستَقْضَى أموال عمِّه، فقال عمُّه: كعكتانِ وزينبُ (١). وكان سيِّدَ وَلَدِ عبد الرحمن أبو بكر، وأمُّه فاختة، وهو أحدُ الفقهاء السبعة الذين يُؤخذ عنهم العلم، من أهل المدينة، وكان يسمَّى الراهبَ؛ لعبادته واجتهاده وفضله. وكان أخوه المغيرة قد زَوَّجَ الحجَّاجَ بنَ يوسف، فهجره أبو بكر، فهجره بنو عبد الرحمن كلُّهم حيثُ هجَره أبو بكر. فأمَّا عكرمة بن عبد الرحمن؛ فوَلِيَ صدقاتِ سعد والرَّباب، وكان جَوادًا (٢). ومن ولده هشامُ بنُ عبد الله بن عكرمة من وجوه قريش، وليَ قضاء المدينة لهارون الرشيد (٣). فأما المغيرةُ بن عبد الرحمن؛ فكان جوادًا مِطْعامًا؛ كان ينحر في كل يوم جَزُورًا، وفي كل يوم جمعة جزورين؛ يُطعمُ الناس. وكان له مالٌ بالمدينة، فكان ابن هشام بن عبد الملك يُساومُه فيه بأُلوف، وهو يأبى بيعَه، فاتَّفق أنَّ المغيرةَ خرج مع ابن هشام إلى أرض الروم في غَزاة، فأصابت الناسَ مجاعةٌ شديدة، فقال له المغيرة: المالُ الذي كنتَ تطلبُ بيعه مني قد سمحتُ لك به. فباعَه منه بعشرين ألف درهم (٤)، فأطعمَ بها الناسَ. فلما رجع ابنُ هشام من غَزاته وقد بلغ أباه الخبرُ؛ قال لابنه: قَبَّحَ اللهُ رأيَك. أما تستحي وأنت أميرُ الجيش وابنُ أمير المؤمنين تُصيبُ الناس معك مجاعةٌ؛ فلا
следующие страницы →