← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

[قال:] ومَرَّ الحطيئة بحسان وهو يُنشد، فوقف عليه يسمع، فقال له حسان: مَنْ أنت؟ فقال له: أبو مُلَيكَة. فقال: ما كنتَ أهْوَنَ عليَّ منك حيث اكتنَيتَ بامرأة. فقال: أنا الحُطَيئة. فقال: اذْهَبْ بسلام (١). وقالت مُليكة بنتُ الحطيئة: يا أبَهْ، ما بالُك صِرْتَ إلى القصائد القصار بعد الطِّوال؟ فقال: لأنها في الآذان أَوْلَجُ، وفي المحافل أجْوَلُ (٢)، وعلى القلوب أسهل، وبأفواه الرجال أعْلَق. وقال أبو عمرو بن العلاء: أصدقُ بيت قالت العرب: يقولون يستغني وواللهِ ما الغِنَى … من المالِ إلا ما يكفُّ (٣) وما يكفي ومن أحسن ما قال الحطيئة في آل منظور بن زبَّان من أبيات: أَقِلُّوا عليهم لا أَبا لأبيكُمُ … من اللوم أو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا أولئك قومٌ إنْ بَنَوْا أحْسَنُوا البِنا … وإنْ عاهدوا أوْفَوْا وإنْ عَقَدُوا شَدُّوا وإنْ كانتِ النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها … وإنْ أَنْعَمُوا لا كدَّرُوها ولا كَدُّوا هُمُ آلِ سَيَّارِ بنِ عمرو بن جابرٍ … رجالٌ وَفَتْ أحلامُهم ولهم جَدُّ (٤) ولما نزلَ الموتُ بعبد الله بن شدَّاد (٥) قال لابنه: يا بُنَيَّ، كُنْ كما قال الحُطيئة: ولستُ أرى السعادةَ جَمْعَ مالٍ … ولكنَّ التَّقِيَّ هو السعيدُ وتقوى اللهِ خيرُ الزادِ ذُخْرًا … وعند اللهِ للأَتْقَى مَزِيدُ وما لا بُدَّ أن يأتي قريبٌ … ولكنَّ الذي يمضي بعيدُ (٦)

стр. 3467

ولما احْتُضِرَ الحُطَيئة قيل له: أوْصِ. فقال: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ … إذا ارْتَقَى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ زلَّتْ به إلى الحضيضِ قَدَمُهْ … يريدُ أنْ يُعربَهُ فيُعْجِمُهْ (١) ثم قال: احملُوني على حمار، فما ماتَ عليه كريمٌ قطّ، فلعلّي أبقى. وكان مريضًا، فحملوه عليه، فمات (٢). عبد الرحمن [بن الحارث] بن هشام ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم بن يَقَظَة بن مُرَّة المخزومي. ذكره ابنُ سعد في أول الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة (٣). وكنيتُه أبو محمد، وكان ابنَ عشر سنين لما قُبض رسولُ الله ﷺ . ومات [أبوه] في طاعون عَمَوَاس بالشام سنة ثمان عشرة (٤). وقيل: استُشهد باليرموك، فخلفَ عمرُ بنُ الخطاب رضوان الله عليه على امرأته فاطمة بنت الوليد أمِّ عبد الرحمن، وكان عبدُ الرحمن في حِجْر عمر ﵁ وكان يقول: ما رأيتُ رَبِيبًا خيرًا من عمر بن الخطاب. روى عنه، وله دار بالمدينة كبيرة. وكان رجلًا شريفًا سخيًّا سيِّدًا فاضلًا، لم يكن في شباب قريش مثلُه. وشهدَ الجملَ مع عائشة رضوان الله عليها، وكانت تقول: لأَنْ [أكونَ] قعدتُ في منزلي عن مسيري إلى البصرة أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي من رسول الله ﷺ عَشَرَةٌ من الولد، كلُّهم مثلُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

стр. 3468

وكان اسمُ عبد الرحمن إبراهيم، فغيَّره عمر ﵁ لمَّا غيَّر أسامي الأنبياء (١)، فسمَّاه عبدَ الرحمن. وتوفي في خلافة معاوية بالمدينة في سنة تسع وخمسين. قال عبد الله بن عكرمة (٢): دخلتُ على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أعودُه، فقلت: كيف تجدُك؟ قال: أجدُني واللهِ في الموت، وما موتي بأشدَّ عليَّ من أمِّ هشام، أخافُ أن تتزوَّج بعدي. فحلَفَتْ [له] إنها لا تتزوَّجُ بعدَه، فغَشِيَ وجهَه نورٌ، ثم قال: الآن فلينزلِ الموتُ متى شاء. ومات. فلما انقضَتْ عِدَّتُها تزوَّجَتْ عمرَ بنَ عبد العزيز. قال ابن عكرمة: فقلت: فإنْ لَقِيَتْ خيرًا فلا يَهْنِئَنَّها … وإنْ تَعِسَتْ فلليدينِ وللفمِ وبلَغَها ذلك، فكتبَتْ إليَّ تقول: قد بلغني ما تمثَّلتَ به، وما مَثَلي ومَثَلُ أخيك إلا كما قال الشاعر: وهل كنتُ إلا والهًا ذاتَ تَرْحَةٍ … قَضَتْ نَحْبَها بعد الحنينِ الموجّع (٣) فَدَعْ ذِكْرَ مَنْ قد وارَتِ الأرضُ شخصَهُ … وفي غير مَنْ قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ قال: فبلغَ ذلك منِّي كلَّ مَبْلَغ من الغيظ، فحسَبْتُ حِسابها، وإذا هي قد بقيَ عليها من عِدَّتها أربعةُ أيام، فدخلتُ على عُمر، فأخبرتُه، فانتقَضَ النكاح، وعُزل عن المدينة. ذكر أولاده (٤): فولَدَ عبدُ الرحمن محمدًا الأكبر؛ لا بقيَّة له، وأبا بكر، وعُمر، وعثمان، وعكرمة، وخالدًا، ومحمدًا الأصغر، وحَنْتَمة (٥)، وأمَّ حُجَيْن، وأمَّ حكيم، وسَوْدَة، ورَمْلَة؛ أمُّهم فاختة بنتُ عِنَبة (٦) بن سُهيل بن عَمرو.

стр. 3469

وعيَّاشًا، وعبدَ الله؛ لا بقيَّة له، وأبا سلمة؛ هلك صغيرًا، والحارثَ؛ هلك ولا بقية له، وعائشةَ؛ تزوَّجَها معاويةُ بنُ أبي سفيان، وأمَّ سعيد، وأمَّ كلثوم، وأمَّ الزُّبير؛ أمُّهم أمُّ الحسن بنت الزُّبير بنُ العوَّام ﵁، وأمُّها أسماءُ بنتُ أبي بكر الصديق ﵄. والمغيرةَ، وعَوْفًا، وزبنبَ، ورَيطَةَ، وفاطمةَ، وحفصةَ؛ أُمُّهم سُعْدَى بنتُ عَوْف بن خارجة، من بني مُرَّة. والوليدَ، وأبا سعيد، وأمَّ سَلَمة؛ تزوَّجها سعيدُ بنُ العاص بن سعيد بن العاص، وقُريبةَ؛ أُمُّهم أمُّ رَسَن بنت الحارث بن عبد الله بن الحُصَين، من بني كعب. وسَلَمةَ، وعُبيدَ الله، وهشامًا؛ لأمَّهات أولاد. وزينب و [يقال: بل] (١) اسمها مريم؛ أمُّها مريم بنتُ عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه. وهم ثلاثة وثلاثون ولدًا، منهم سبعةَ عشرَ ذكرًا، وستَّ عَشْرَةَ أنثى. وفي فاختة بنت عِنَبة (٢) وعبد الرحمن بن الحارث قال عمر بن الخطاب ﵁: زَوِّجُوا الشريدَ الشريدة -وكان (٣) الحارث بن هشام وسُهيل بن عَمرو خرجا إلى الشام غازيَينِ بأهلهم، فماتوا كلُّهم، ولم يبقَ منهم سوى عبدِ الرحمن وفاختة- وقال: عسى اللهُ أن يَنْشُرَ منهما ولدًا كثيرًا رجالًا ونساءً. فكان كما قال (٤). وكانت بناتُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرغوبًا فيهنَّ؛ قال ابنُ هَرْمَة: فمَنْ لم يُرِدْ مَدْحي فإنَّ قصائدي … نَوافِقُ عند الأكرمين سوامي نَوافِقُ عند المشتري الحمدِ بالنَّدَى … نَفَاقَ بناتِ الحارثِ بنِ هشامِ ورويَ أنَّ زينبَ بنتَ عبد الرحمن كانت جميلة، وكان يقال لها: الموصولة؛ لحُسْنِها؛ كأنَّ كل عُضْوٍ منها خُلِقَ على حِدَتِهِ، ثم وُصِلَتْ بعدُ.

стр. 3470

بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان إلى أخيها المغيرة ليُزوِّجَها منه، فلما قدم؛ نزلَ على يحيى بن الحَكَم عمِّ عبدِ الملك، فقال له: هل لك أن تُزوِّجَني زينبَ، وأُعطيَك أربعين ألفَ دينارٍ لنفسك، وعليَّ رضاها؟ قال: نعم. فزوَّجَه إياها، وأعطاه المال. وبلغ عبدَ الملك، فاستَقْضَى أموال عمِّه، فقال عمُّه: كعكتانِ وزينبُ (١). وكان سيِّدَ وَلَدِ عبد الرحمن أبو بكر، وأمُّه فاختة، وهو أحدُ الفقهاء السبعة الذين يُؤخذ عنهم العلم، من أهل المدينة، وكان يسمَّى الراهبَ؛ لعبادته واجتهاده وفضله. وكان أخوه المغيرة قد زَوَّجَ الحجَّاجَ بنَ يوسف، فهجره أبو بكر، فهجره بنو عبد الرحمن كلُّهم حيثُ هجَره أبو بكر. فأمَّا عكرمة بن عبد الرحمن؛ فوَلِيَ صدقاتِ سعد والرَّباب، وكان جَوادًا (٢). ومن ولده هشامُ بنُ عبد الله بن عكرمة من وجوه قريش، وليَ قضاء المدينة لهارون الرشيد (٣). فأما المغيرةُ بن عبد الرحمن؛ فكان جوادًا مِطْعامًا؛ كان ينحر في كل يوم جَزُورًا، وفي كل يوم جمعة جزورين؛ يُطعمُ الناس. وكان له مالٌ بالمدينة، فكان ابن هشام بن عبد الملك يُساومُه فيه بأُلوف، وهو يأبى بيعَه، فاتَّفق أنَّ المغيرةَ خرج مع ابن هشام إلى أرض الروم في غَزاة، فأصابت الناسَ مجاعةٌ شديدة، فقال له المغيرة: المالُ الذي كنتَ تطلبُ بيعه مني قد سمحتُ لك به. فباعَه منه بعشرين ألف درهم (٤)، فأطعمَ بها الناسَ. فلما رجع ابنُ هشام من غَزاته وقد بلغ أباه الخبرُ؛ قال لابنه: قَبَّحَ اللهُ رأيَك. أما تستحي وأنت أميرُ الجيش وابنُ أمير المؤمنين تُصيبُ الناس معك مجاعةٌ؛ فلا

стр. 3471

تُطعمهم، ومعك رجل من عُرض الناس يبيع عقاره وما كان يعزُّ عليه ويطعم الناس ولا يهون عليك؟! وأصيبت عينُ المغيرة في سبيل الله. أسندَ عبدُ الرحمن بن الحارث عن جماعة من الصحابة ﵃، وروى عن أبيه الحارث أنَّه قال: قلتُ: يا رسول الله، مُرْني بأمرٍ أعتصمُ به. فقال: "امْلِكْ عليك لِسانَك". قال: فرأيتُ أنَّ ذلك يسيرًا، ولم أَفْطَنْ له، فلمَّا رُمْتُه إذا لا شيءَ أشدُّ منه (١). وقيل: إنه لم يبقَ من ولد الحارث إلا عبد الرحمن، وأمُّ حكيم زوجةُ عكرمة بن أبي جهل. قيس بنُ سَعْد ابنِ عُبادة بن دُلَيْم (٢) بن حارثة الأنصاري، من الطبقة الثالثة من الأنصار من بني ساعدة (٣). وكنيتُه أبو عبد الملك، وقيل: أبو عبد الله، وأمُّه فُكيهة بنت عُبيد بن دُلَيم بن حارثة. قال قيس: إنَّ أباه دَفَعَه إلى النبيِّ ﷺ [يخدمُه]. قال: فخرج عليَّ رسولُ الله ﷺ وقد صلَّيتُ ركعتين، واضطجعتُ، فضربَني برجله وقال: "ألا أدلُّك على بابٍ من أبواب الجنة؟ ". قلت: بلى. قال: "لا حول ولا قوَّة إلا بالله" (٤). قال الواقدي: كان قيس بنُ سعد من رسول الله ﷺ بمنزلة الشُّرَط من الأمير (٥).

стр. 3472

وكان شجاعًا جوادًا؛ بعثَه رسول الله ﷺ في عِدَّةٍ من السَّرايا، وكان يُثني عليه ويقول: "هو من بيت الجود" (١). وكان قيس من أمراء عليٍّ ﵇؛ لم يزل محافظًا على مودَّته مجاهدًا بين يديه إلى أن صالحَ الحسنُ ﵁ معاوية. قال عروة: كان قيس بنُ سعد مع عليٍّ ﵇ في مقدمته، ومعه خمسةُ آلاف قد حلقُوا رؤوسَهم بعد ما ماتَ عليّ، فلما دخلَ الحسنُ ﵁ في بيعة معاوية، أَبَى قيس أن يدخلَ معه، وقال لأصحابه: إنْ شئتُم (٢) جالدْتُ بكم أبدًا حتى يموت الأعجل، وإن شئتُم أخذتُ لكم أمانًا. فقالوا: خُذْ لنا أمانًا. فأخَذَ لهم أمانًا أنَّ لهم كذا وكذا، ولا يُعاقَبُون بشيء، وأنا رجل منهم. وأبي أنْ يأخذَ لنفسه خاصةً شيئًا. فلما ارْتَحلُوا نحو المدينة ومعه أصحابه؛ جعل ينحرُ لهم كلَّ يوم جَزُورًا حتى بلغوا صِرَار (٣). وقال أبو نُعيم: قيس بن سعد خادمُ رسول الله ﷺ ، وصاحبُه، وصاحبُ لوائه. وقال أنس بن مالك: خدمَ قيسٌ رسول الله ﷺ عشر سنين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجود لَمَّا نحرَ الجزائر في السَّريَّة التي كان فيها. وقال موسى بن عقبة: كان قيس ينحرُ في اليوم أربعين جَزُورًا. وجاءَتْه عجوزٌ، فقال لها: كيف حالُكِ؟ فقالت: ما في بيتي فأرة! فقال لها: لقد ألطفتِ في المسألة، لأَملأنَّ بيتكِ فأرًا. فملأ بيتَها من التمر والدقيق والدراهم. وقال هشام بن عروة (٤): باع قيس مالًا له بالمدينة من معاوية بسبعين ألفًا (٥)، فأمر مناديًا، فنادى في المدينة: مَنْ أرادَ القرضَ فليأتِ منزلَ سعد بن عبادة، فأقرض خمسين ألفًا، وأجاز بالباقي، فمرض، فقلَّ عُوَّادُه، فقال لزوجته قُرَيبة بنت أبي قحافة

стр. 3473

أختِ أبي بكر رضوان الله عليه: يا قُريبة، ما تَرَينَ قِلَّة عُوَّادي؟ فقالت: للذي لك عليهم من الدَّين. وكان قد كتب له صِكاكًا. فقال: أخزى الله مالًا يمنعُ الإخوان من الزيارة. فأرسل إلى كلِّ رجلٍ بصَكِّه الذي له عليه، ثم أمرَ مناديًا ينادي: من كَان لقيس عليه دين فهو حِلّ. قال: فكُسِرتْ عتبةُ بابِه من العشيّ من عِيادتِه!. قال الواقدي: رجع قيس إلى المدينة، فلم يزل بها حتى توفي في آخر خلافة معاوية. ولم يذكر له ولدًا. أسند قيس عن رسول الله ﷺ الحديث. مَصْقَلَة بن هُبيرة (١) الشيبانيّ، كان مع أمير المؤمنين ﵇، فنافق ومضى إلى معاوية، وكان أميرُ المؤمنين ﵁ محسنًا إليه، ولما خرجَ إلى الشام قال: قضى وطَرًا منها عليٌّ فأصبحَتْ … إمارتُه فينا أحاديثَ راكبِ وكانت له بالكوفة دار، فهدمَها عليٌّ رضوان الله عليه. ولَمَّا صار مَصْقَلَة إلى معاوية أرسل رجلًا نصرانيًّا ليأخذ عياله من الكوفة إلى الشام، فعلم به عليٌّ ﵁، فقطع يدَه. ولما استُشهد علي ﵁ ولَّاه معاوية طبرستان، فمات بها، فضُرب به المَثَل، فقيل: حتى يرجع مَصْقَلَة من طبرستان. وله عقب بالكوفة (٢). مَعْقِل بنُ يسار (٣) ابن عبد الله بن مُعَبِّر (٤) بن حَرَاق، أبو عبد الله المُزني، من الطبقة الثالثة من المهاجرين الذين نزلوا البصرة، وبنى بها دارًا.

стр. 3474

وهو صاحب نهر معقل؛ أمره بحفره عمرُ بن الخطاب رضوان الله عليه، فحفره، ومات بالبصرة في آخر [خلافة] معاوية بن أبي سفيان، وإليه يُنسب الرُّطَب المَعْقِليّ (١). أسندَ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ؛ قال الإمام أحمد ﵀ (٢): حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، أن مَعْقِلَ بنَ يسار اشتكى، فدخل عليه عُبيد الله بنُ زياد يعوده، فقال له: أما إني سأُحدِّثُك حديثًا لم أكن حدَّثْتُك به، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يسترعي اللهُ عبدًا رعيَّة؛ فيموت يوم [يموت] وهو لها غاشٌّ؛ إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنة". أخرجاه في الصحيحين (٣).

стр. 3475

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الثامن [٦٠ - ٦٩ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد رضوان عرقسوسي

стр. 3476

السنة الستُّون فيها أخذَ معاويةُ بنُ أبي سفيان البيعةَ لابنه يزيد على الوفد الذين وفدوا من البصرة مع عُبيد الله بن زياد حين مرض معاوية. قال أبو مخنف: لما مرض معاويةُ مرضَه الذي مات فيه؛ دعا ابنَه يزيد، فقال له: يا بنيّ، إني قد كفيتُك الرجال (١)، ووطَّأتُ لك الأشياء، وذلَّلتُ لك الأعداء، وأخضعتُ لك أعناقَ العرب، وإني لا أتخوَّفُ عليك أن ينازعك هذا الأمر الذي استتبَّ إلا أربعةَ نفر من قريش: الحُسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر (٢). فأمَّا الحُسين؛ فإنَّ أهل العراق لن يَدَعُوه حتى يُخرجوه، فإنْ خرجَ عليك فظَفِرتَ به؛ فاصْفَحْ عنه، فإنَّ له رَحِمًا ماسَّة، وحقًّا عظيمًا. وأمَّا ابنُ عمر؛ فإنه رجلٌ قد وقَذَتْه العبادة، وإذا لم يبق أحدٌ غيرُه؛ بايَعك. وأمَّا الذي يجثُم لك جُثُومَ الأسد، ويراوغُك رَوَغان الثعلب، فإذا أمكَنَتْهُ فُرصةٌ وثبَ، فابنُ الزُّبير، فإن هو فعلَها بك، وأمكنَتْك منه فُرصة وَقَدَرْتَ عليه؛ فقَطِّعْه إرْبًا إرْبًا. وأما عبد الرحمن بنُ أبي بكر؛ فليست له هِمَّة إلا في اللهو؛ إذا رأى أصحابَه صنعوا شيئًا صنعَ مثلَه (٣). ثم مات في رجب، وسنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 3477

الباب الثاني في ذكر يزيد بن معاوية وكنيتُه أبو خالد: ومات معاوية ويزيدُ غائبٌ عن دمشق، فلما قدم لم يكن له همٌّ إلا بيعةُ النَّفَر الذين سمَّاهم له أبوه، فأقرَّ عُبيدَ الله بنَ زياد على البصرة، والنعمان بنَ بشير على الكوفة، وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة عَمرو بن سعيد بن العاص. فكتب إلى الوليد بن عُتبة كتابًا يعرِّفه فيه بمعاوية؛ يقول: أمَّا بعد، فإن معاويةَ كان عبدًا من عباد الله، استخلفَه مدَّةً، فعاشَ بقَدَر، ومات بأَجَل، فرحمه الله، فقد عاش حميدًا، ومات فقيدًا (١). والسلام. وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة: أمَّا بعد، فخذ حُسَينًا، وابنَ عُمر، وابنَ الزُّبير بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رُخْصة. والسلام (٢). وبعث بالكتاب مع عبد الله بن عمرو بن أويس أحد بني عامر بن لؤي، فقرأ الوليد كتاب يزيد بن معاوية وبكى، وترحَّم عليه، ثم استدعى مروانَ بنَ الحَكَم من بيته، وكان منقطعًا عنه؛ لأن الوليدَ لما ولَّاه معاويةُ المدينةَ عزَّ على مروانَ عزلُه عنها، فكان يتردَّد إلى الوليد متكارهًا، وعرفَ الوليدُ ذلك، فنال من مروان عند جلسائه، وبلغ مروانَ، فصارمَه، وأقامَ في بيته. فلما جاء كتاب يزيد بنعي معاوية والبيعةِ له؛ فَزعَ الوليدُ، وخافَ من موت معاوية وأخذِ البيعة على من سمَّاهم يزيد، فعند ذلك احتاج إلى رأي مروان، فأحضرَه وقال له: ما الرأي؟ قال: أن تبعثَ الساعةَ إلى هؤلاء النَّفَر فتدعوَهم إلى البيعة، فإنْ بايعوا، وإلَّا فاضربْ أعناقَهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فيصير كلُّ واحد منهم إلى قُطْر، فيغلب عليه، ويدعو إلى نفسه، إلَّا ابنَ عمر، فإنَّه لا يرى القتال، ولا الولاية على الناس، إلا أن يُدفعَ إليه هذا الأمر عفوًا، أو يدفع عن نفسه (٣).

стр. 3478

فأرسل الوليدُ عبدَ الله بنَ عمرو بن عثمان، فقال: اذهب فائتني بالحسين وابنِ الزُّبير. وعبدُ الله يومئذ غلامٌ حَدَث، فجاء إلى المسجد، فوجدَهما فيه، فقال: إن الأمير يدعوكما. فقالا: انصرف، فنحن نأتيه. ثم قال ابنُ الزُّبير للحسين: وما يُريدُ منَّا في هذه الساعة التي لم يكن له عادةٌ بالجلوس فيها؟! فقال الحسين: أظنُّ أنَّ طاغيتَهم قد مات، فبعثَ إلينا ليأخذ البيعةَ علينا قبل أن يفشوَ الخبر في الناس. فقال ابن الزُّبير: هو ذلك، فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمعُ مواليَّ وخاصَّتي، وأمضي إليه فأُجلِسُهم على الباب وأدخلُ عليه. فقال: أخافُ عليك. قال: لا تخف. ثم جمع فتيانه ومواليَه وقال: اقعُدوا على الباب، فإن دعوتُكم، أو سمعتُم صوتي قد علا فادخلُوا (١). ثم جاء فدخل على الوليد ومروانُ عندَه، وسلَّم وكأنَّه لا يظنُّ أن معاويةَ قد مات، وقال: الصلةُ خيرٌ من القطيعة، والصلحُ خيرٌ من الفساد، وقد آنَ لكما أن تجتمعا، أصلحَ اللهُ ذاتَ بينِكما. فلم يجيباه في هذا بشيء، وألقى الوليدُ إليه كتابَ يزيد وقال: بايع. فقال: مِثْلي لا يبايعُ سرًّا؛ إذا أظهرتَ [موتَ] معاوية (٢)، ودعوتَنا علانيةً مع الناس؛ بايَعْنا، وكان الأمر واحدًا. فقال له الوليد، وكان يحبُّ العافية: انصرفْ على خِيرة الله تعالى حتى تأتيَنا مع جماعةِ الناس. فقال له مروان: واللهِ لئن فارقَك الساعةَ ولم يبايعْ لا قَدَرْتَ منه على مثلِها حتى تكثرَ القتلى بينكما، مُرْهُ بالبيعة، فإن أبي فاضربْ عنقَه. فوثبَ عند ذلك الحُسين ﵁ وقال: يا ابن الزَّرْقاء، أنتَ تقتلني أو هو؟! كذبتَ واللهِ وأثمتَ.

стр. 3479

ثم خرج الحسين ﵁ إلى بيته، فقال مروان للوليد: واللهِ لا يمكِّنك من مثلها من نفسه أبدًا. فقال له الوليد: ويحك يا مروان، اخترتَ التي فيها هلاكُ ديني، واللهِ ما أُحبُّ أنَّ لي ما طَلَعَتْ عليه الشمس وغربَتْ وأني قتلتُ حُسينًا، سبحان الله! أَقتلُ حُسينًا أنْ قال: لا أُبايع! واللهِ إني لا أحسبُ أنَّ امرأ يُحاسَبُ يوم القيامة بدم الحسين إلا خفيفَ الميزان عند الله. وجعل يردّد الكلام. فقال له مروان: أصَبْتَ. وفي قلبه ما فيه (١). وأمَّا ابنُ الزُّبير؛ فأتى دارَه، فأقامَ بها، فأرسلَ إليه الوليد، وألحَّ عليه، وهو يقول: أَمْهِلُوني. فألحُّوا عليه، وشتمه موالي العبيد وقالوا: يا ابنَ الكاهلية، واللهِ لئن لم تأتِ الأمير، لَيقْتُلَنَّك. فبعثَ ابنُ الزبير أخاه جعفرًا إلى الوليد، فقال: كُفَّ عن أخي، فقد أفْزَعْتَه، وغدًا يأتيك. فكَفَّ عنه، وكان الوليد كافًّا عن الحسين ﵁. وخرج ابنُ الزُّبير من ليلته، فأخذ على طريق الفُرْع ومعه أخوه جعفر؛ ليس معهما ثالث، وتجنَّبُوا الطريقَ الأعظم خوفًا من الطلب، وقصدا مكة، فبينا (٢) ابنُ الزبير يُساير أخاه جعفرًا تمثَّل جعفر بقول [ابن] نُوَيرة (٣) الحنظلي: وكلُّ بني حَوَّا (٤) سَيُمْسُونَ ليلةً … ولم يَبْقَ من أعقابِهم غيرُ واحدِ فقال عبد الله: يا أخي (٥)، ما أردتَ بهذا؟ كأنَّه تطيَّر منه. فقال: واللهِ ما أردتُ إلا الخير، وإنما هو شيءٌ جرى على لساني من غير تعمُّد.

стр. 3480

وكان مخرجُ ابن الزُّبير ليلة السبت لثلاث بقين من رجب، سنة ستين قبل مخرج الحسين ﵁ بليلة، وبعثَ الوليدُ في أثرِه الرجال، فلم يقدروا عليه، واشتغلوا به عن الحسين، فخرَج الحسين ﵁ ليلةَ الأحد بأهله ومواليه وإخوتِه وبني أخيه، وجميعِ أهل بيته إلا محمد بن الحنفية، فإنه لم يخرج معه وقال له: يا أخي، أنتَ أحبُّ الناسِ كلِّهم إليَّ، وأعزُّهم عليَّ، وأنت أحقّ بالنصيحة من سائر الناس، تنحَّ ببيعتك (١) عن يزيد بن معاوية عن (٢) الأمصار ما استطعت، ثم ابعَثْ رُسُلك إلى الناس، فادْعُهم إلى نفسك، فإنْ بايعوك؛ حَمِدْتَ الله، وإن أجمعوا على غيرك لم يَنْقُصْ ذلك دينَك ولا عقلَك، ولا تذهبُ مروءتُك ولا فضلُك، وإني أخافُ أن تدخل مصرًا من الأمصار، أو تأتيَ جماعة من الناس، فيختلفون، فطائفةٌ معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لأوَّل الأَسِنَّة، فإذا خيرُ هذه الأمة نَفْسًا وأبًا وأُمًّا أضْيَعُها دمًا، وأذلُّها أهلًا! فقال له الحسين ﵁: يا أخي فإني نازلٌ مكةَ. فقال: نعم، فإن اطمأنَتْ بك الدار فنَعَمْ، وإنْ نَبَتْ بك؛ لَحِقْتَ بالرِّمال، وشَعَفِ (٣) الجبال، وخرجتَ من مكان إلى مكان، حتى تنظر إلى ما يصيرُ أمرُ الناس. فقال: جزاك اللهُ يا أخي خيرًا، فلقد نَصَحْتَ وأشْفقْتَ، وأرجو أن يكون رأيُك موفَّقًا إن شاء الله تعالى. وقال أبو سعيد المَقْبُرِيّ: رأيتُ الحُسين داخلًا مسجد المدينة معتمدًا على رجلين، وهو يتمثَّل بقول ابنِ مُفَرِّغ: لا ذَعَرْتُ السَّوامَ (٤) في فَلَق الصُّبْـ … ـحِ مُغِيرًا ولا دُعيتُ يَزِيدا يومَ أُعْطِي من المَهابَةِ ضَيمًا (٥) … والمنايا يَرْصُدْنَني أن أَحِيدا

стр. 3481

فقلت في نفسي: والله ما تمثَّل بهذين البيتين إلا لأمرٍ يُريده، فما مكثَ إلا يومين حتى خرجَ إلى مكة. قال أبو مخنف (١): ولَمَّا خرج إلى مكة قرأ قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]. ولما دخل مكة قرأ قوله تعالى: ﴿قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. ولما خرج الحسين رضوان الله عليه من المدينة لقيه عبدُ الله بنُ مطيع، فقال له: إلى أين يا أبا عبد الله؟ جُعلتُ فداك، فقال: إلى مكة. فقال له: إياك وأهلَ الكوفة، فإنها مَدَرَة مشؤومة (٢)، قتلَ أهلُها أباك، وخَذَلُوا أخاك، فالحزمَ الحزمَ، فإنك سيِّدُ العرب، ولن يعدلَ بك أهلُ الحجاز أحدًا. وسيتداعى الناس إليك من كل جانب، فلا تفارقْ حرمَ الله تعالى، فواللهِ لئن هلكتَ لَنُسْتَرَقَنَّ بعدَك كلُّنا. وأما ابنُ الزبير فإنه سبق الحسين إلى [مكة]، وبها عَمرو بنُ سعيد الأشدق، فبعث إليه عَمرو فقال: ما الذي أقدمك؟ فقال: جئتُ عائذًا بالبيت. فكان ناحية عن الناس لا يصلِّي بصلاتهم، ولا يقفُ معهم (٣). وأقبل الحسين ﵁ بعدَه بيومين، فنزل مكة، وأقبلَ الناس يُهرعون إليه من كلّ مكان، وابنُ الزُّبير قُدَّامَ البيت يصلّي عندَه عامَّةَ النهار، ويطوفُ بالبيت، ويأتي الحسينَ ﵁ كلَّ يوم يُسَلِّمُ عليه، وعَمرو بن سعيد كافٌّ عنهما. وبعث الوليد إلى ابن عمر، فقال له: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناسُ بايعتُ. فتركوه لأنهم كانوا يأمنونه (٤).

стр. 3482

ولما خرجَ ابنُ الزُّبير من المدينة عَمَدَ الوليد بنُ عتبة إلى كلِّ مَنْ كان هواهُ مع ابن الزبير فحبسه، كعبد الله بن مطيع العَدَويّ، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وغيرهما، فكلَّمه فيهم ابنُ عمر ﵄، فأَبى أن يطلقهم (١)، فمضى شيبان العدويّ، فأطلقهم من الحبس، فلحقُوا بابن الزبير (٢). وفيها عَزَلَ يزيدُ الوليدَ بنَ عُتبة عن المدينة في شهر رمضان، وأمَّر عليها عَمْرَو بنَ سعيد الأشدق (٣). وسببُ عزله أن مروان كتب إليه يُخبره بما جرى بينَه وبينَ الوليد في أمر الحسين وابن الزُّبير، وكثَّر عليه مروانُ رجاء أن يولِّيَه يزيد المدينة، وكان يزيدُ يكرهُ مروانَ وأولادَه، فولَّى عمرَو بن سعيد، فقَدِمَها في رمضان، وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير ﵁ يدعُوه إلى البيعة، ويقول: أُذكِّرُكَ اللهَ في نفسك، فإنَّك ذو سِن في قريش، وقد مضى لك سَلَفٌ صالح، وقَدَمُ صدقٍ من عبادةٍ واجتهاد، فادْخُلْ فيما دخل فيه الناس، ولا تُرْدِهِم في فتنة، فتُحلَّ ما حرَّم الله تعالى. وكتب في أسفل الكتاب: لو بغيرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ … كنتُ كالغَصَّانِ بالماء اعتصاري (٤) فلما وقفَ ابنُ الزُّبير على كتابه، كتب إليه: أمَّا بعد، فاجْعَلْها شُورى بين المسلمين. وأغلظَ له في العبارة، وقال: كيف أُبايعُ من يشربُ الخمرَ، ويلعبُ بالقرود، ويأتي أمهات أولاد أبيه؟! ونحو ذلك. فغضبَ يزيد، وحلف لا يقبلُ له بيعةً حتى يُؤتى به في جامعةٍ (٥). فقال ابن الزبير: لا أَبَرَّ الله قَسَمَه.

стр. 3483

ولا أَلِينُ لِغيرِ الحقِّ أَسْأَلُهُ (١) … حتى يلينَ لِضِرْسِ الماضِغِ الحَجَرُ وكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد: جَهِّزْ جيشًا لغزو ابنِ الزُّبير. وكان الحارثُ بنُ خالد المخزومي على الصلاة بمكة من قِبَلِ عمرو بن سعيد، فمنَعَه ابنُ الزُّبير، فكتبَ الحارثُ إلى عمرو: ابعث لي جيشًا أقاتل ابنَ الزبير. وكان عمرو بن سعيد لما قَدِمَ المدينةَ ولَّى شُرَطَتَه عمرَو بنَ الزُّبير، لِما كان يعلمُ ما بينه وبين أخيه عبدِ الله من البغضاء، فضربَ عَمرُو بنُ الزُّبير كل من كان يَهْوَى هوى ابنِ الزبير، وكان مِمَّن ضربَ المنذرُ بنُ الزبير، وابنُه محمد بنُ المنذر، وعبدُ الرحمن بن الأسود بن عَبْد يغوث، وعُثمان بنُ عبد الله (٢) بن حكيم بن حِزام، وخُبيبُ بنُ عبد الله بن الزبير، ومحمدُ بنُ عمَّار بن ياسر، فضربَهم من أربعين إلى خمسين، وهربَ منه عبد الرحمن بن عثمان التميمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة. فاستشار عَمرو بن سعيد [عمرَو] بنَ الزُّبير وقال: مَنْ نُوَجِّهُ إلى أخيك؟ فقال: ما توجِّهُ إليه رجلًا أَنْكَى له مني. فجهَّزه إليه في جمع كثير، وقدَّمَ في مقدِّمته أُنيس بن عَمرو الأسلمي في سبع مئة، فعسكر بالجُرْف. فجاء مروانُ إلى عَمرو بن سعيد، فقال له: اتَّقِ اللهِ، ولا تَغْزُ مكَّة وتُحلَّ حُرْمَةَ البيت، ودَعُوا ابنَ الزُّبير، فقد أَسَنَّ، وله بضعٌ وستون سنةً، وهو رجلٌ لَجُوجٌ، واللهِ لئن لم تقتلوه لَيموتَنَّ. فقال عَمرو بنُ الزُّبير: واللهِ لنُقاتِلَنَّه ولنَغْزُوَنَه في جوف الكعبة على رغم أنف مَنْ زعم. فقال مروان: واللهِ إني لَيَسُوؤني ذلك. وسار أُنيس بن عَمرو الأسلمي حتى نزل بذي طُوى، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأَبْطَح، وأرسلَ عَمرو إلى أخيه عبدِ الله: بُرَّ يمين الخليفة، وتعال أَجْعلْ في عنقك جامعةً من فضة، واتَّقِ اللهَ، ولا تَرْمِ بعض الناس ببعض، فأنتَ في بلدٍ حرام. وقال عبد الله بن الزُّبير: موعدك المسجد. وأرسلَ عبدُ الله بنُ الزُّبير عبدَ الله بنَ

стр. 3484

صفوان الجُمحي إلى أُنيس من قِبَل ذي طُوى -وكان قد اجتمع إلى [ابن] صفوان قومٌ ممن نزلَ حول مكة- فقاتَلُوا أُنيس بنَ عمرو فانهزمَ، وأقبلَ عَمرو بنُ الزُّبير، فقاتله جماعةٌ من أصحاب عبدِ الله، فهزمُوه، وتفرَّق عنه أصحابُه، فدخل دارَ علقمةَ، فأتاه عُبيدة بن الزُّبير، فأجارَه، وجاء إلى أخيه عبدِ الله فقال: قد أجَرْتُ عَمرًا. فقال له ابنُ الزُّبير: أتُجِيرُ من حقوق الله؟ هذا ما لا يصلح (١). وروى الواقدي هذه القصة من طريق آخر عن أبي الجَهْم قال: بعثَ يزيد بن معاوية جامعةً من فضَّة، فيها سلسلة من فضَّة، وقال لعمرو بن سعيد: قد حلفتُ لا أقبلُ بيعةَ ابنِ الزبير حتى تجعلَ هذه في عنقه ويُؤتى به إليّ. فلما مرُّوا بهما في المدينة قال مروان متمثّلًا ببيت من شعر العبَّاس بن مِرْداس السّلمي: فخُذْها فليسَتْ للعزيزِ بخُطَّةٍ … وفيها مقالٌ لامْرِئٍ مُتَذَلِّلِ (٢) وقبله بيتٌ آخر، وهو: أعامرُ إنَّ القومَ ساموكَ خُطَّةً … ومالكَ في الجيران عنها بمعدلِ (٣) ووصل البريد إلى ابن الزُّبير (٤)، فقال: قبَّح اللهُ يزيد الصُّيود، يزيد القُرود والخمور. وبلَغَه شعرُ مروان، فقال: واللهِ لا كنتُ أنا ذلك المُتَذَلِّل، ارْجعْ إلى من بَعَثَك خاسرًا، لا وَفَى اللهُ بنذره. فقال أبو دَهْبَل الجُمَحِيّ (٥):

стр. 3485

لا يَجْعَلَنَكَ في غُلٍّ وسِلْسِلَةٍ … كيما يقالُ (١) أتانا وهو مَغْلُولُ بين الحواريِّ والصِّدِّيقِ ذو نَسَبٍ … ضافٍ وسيفٍ على الأعداء مسلولُ فأنشد عبد الله بن الزُّبير: إنِّي لَمِنْ نَبْعَةٍ صُمٌّ مَكاسِرُها … إذا تناوحتِ القَصْباءُ والعُشَرُ (٢) فلا أَلِينُ لغيرِ الحقِّ أسألُهُ … حتى يلينَ لِضِرْسِ الماضغِ الحَجَرُ (٣) وذكر بمعنى ما تقدَّم، وأن عبيدة بن الزبير دخل بعمرو على عبد الله بن الزبير وقد قاتلَ قتالًا شديدًا وعلى وجهه الدم، فقال له عبد الله: ما هذا الدم في وجهك؟ فقال عَمرو: ولسنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومُنا … ولكنْ على أقدامنا تَقْطُرُ الدِّما (٤) فقال عبد الله لعبيدة: أمرتُ أن يجهَّز (٥) هذا الفاسقُ المستحلُّ لِحُرُمات الله. ثم أقاد عَمْرًا من كلِّ من ضربَه إلا المنذر وابنَه، فإنهما أَبَيا أن يستقيدا، ومات عَمرو تحت السِّياط (٦). ذكر مقام الحسين ﵇ بمكة ومكاتبات أهل الكوفة إليه: لما بايع معاويةَ الناسُ ليزيد؛ كان الحسين ﵇ ممن لم يُبابع له، فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، وهو يأبى عليهم، فقدم منهم قومٌ إلى محمد ابن الحنفيَّة، فسألوه أن يخرج معهم، فأبى، وجاء إلى الحسين ﵁، فأخبره بما عَرَضُوا (٧) عليه وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا الدنيا، ويُشِيطُوا دماءنا.

стр. 3486

فأقام الحسين ﵁ على ما هو عليه من الهموم، مرَّة يُريد أن يسيرَ إليهم، ومرةً يُجمع الإقامة، فجاء إليه أبو سعيد الخُدْري، فقال: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وعليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك (١) قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج، فلا تخرج، فإني سمعتُ أباك ﵀ يقول بالكوفة: واللهِ لقد مَلِلْتُهم وأبغضتُهم، وملُّوني وأبغضوني، وما بلوتُ لهم وفاءً، مَنْ فازَ بهم فاز بالسهم الأخيب (٢)، واللهِ ما لهم ثباتٌ ولا عزمُ أمر، ولا صبرٌ على السيف. وقدِمَ المسيَّب بن نَجَبَة الفَزاريّ وعدَّةٌ معه إلى الحسين ﵇ بعد وفاة الحسن ﵁، فدَعَوْه (٣) إلى خلع معاوية، وقالوا: لقد علمنا رأيك ورأيَ أخيك (٤)، فقال: إني لأرجو أن يُعطيَ اللهُ أخي على نيَّتِه في حُبِّه الكفَّ، وأن يُعطيَني [على نيَّتي] في حبِّي جهادَ الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إنِّي لستُ آمنُ أن يكون الحسين مَرْصَدًا للفتنة، وأظنُّ يومَكم من حسين طويلًا. فكتب معاوية إلى الحسين: إنَّ مَنْ أعطى اللهَ صَفْقَةَ يمينِه لجديرٌ بالوفاء، وقد أُنبئْتُ أن قومًا من أهل الكوفة قد دَعَوْك إلى الشِّقاق، وأهلُ العراق مَنْ قد جَرَّبْتَ؛ قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتَّقِ الله، واذكرِ الميثاق، فإنك متى تَكِدْني أكِدْك. والسلام. فكتب إليه الحُسين ﵇: أتاني كتابُك، وأنا بغير الذي بلَغَكَ [عني] جدير، والحسناتُ لا يهدي لها إلا اللهُ، وما أردتُ لك محاربةً، ولا عليك خِلافًا، وما أظنُّ لي عذرًا عند الله في تركِ جهادِك، وما أعلمُ فتنةً أعظمَ من ولايتك أمرَ الأمة، والسلام. فلما قرأ كتابه معاويةُ قال: إنْ أَثَرْنا بأبي عبد الله إلا أسدًا.

стр. 3487

وكتب إليه معاوية: إني لأظنُّ أنَّ في رأسك نزوة، فوددتُ أني أدركتُها فأغفرَها لك. قال مسافع بن شيبة: لقيَ الحسينُ ﵁ معاويةَ بمكة عند الرَّدْم (١)، فأخذَ بِخِطامِ راحلته، فأناخ به، ثم سارَّه حسين طويلًا وانصرفَ، فزجر معاويةُ راحلتَه، فقال له يزيد: لا يزالُ رجلٌ قد عرضَ لك، فأناخَ بك! فقال: دعه، لعلَّه يطلبها من غيري فلا يسوغُها فيقتله. ولما احتُضر معاوية، دعا يزيدَ، فأوصاه بما أوصاه به، وقال: انظُرْ حُسينَ بنَ علي ابنَ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ، فإنه أحبُّ الناسِ إلى الناس، فصِلْ رَحِمَه، وارْفُقْ به، يَصْلُحْ لك أمرُه، فإن يكنْ منه شيءٌ؛ فأرجو أن يكفيَك اللهُ بمن قتل أباه، وخذل أخاه (٢). ولما خرج الحسينُ ﵁ قال له ابن عمر ﵄: لا تَخْرُجْ، فإنَّ رسول الله ﷺ خيَّرَه اللهُ بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بَضْعَةٌ منه، ولا تنالُها. يعني الدنيا. فاعتَنَقَه وبكى. وودَّعه. فكان ابنُ عمر يقول: غَلَبَنا حُسين على الخروج، ولَعَمْري لقد رأى في أبيه وأخيه عِبْرةً، ورأى من الفتنة وخِذْلانِ الناسِ لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرَّك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخلَ فيه الناس، فإن الجماعةَ خير. وقال أبو واقد الليثي: لقيتُ حسينًا بمَلَل (٣)، فناشدتُه اللهَ أن يرجعَ، فقال: لا أرجعُ. وقال جابر بن عبد الله: كلَّمْتُ حُسينًا، فقلت: اتَّقِ الله، ولا تضربِ الناسَ بعضَهم ببعض، فواللهِ ما حُمدتُم ما صنعتم. فعصاني. وكتب إليه المِسْورُ بنُ مَخْرَمَة ينهاه عن الخروج.

стр. 3488

وكتبت إليه (١) عَمْرَةُ بنتُ عبد الرحمن تُعَظِّمُ [عليه] ما يريد أن يصنع وتقول: أشهدُ بالله لقد حَدَّثَتْني عائشةُ أنها سمعَتْ رسولَ الله ﷺ يقول: "يُقتلُ الحسينُ بأرض بابل". ولَمَّا قرأَ كتابَها قال: فلا بدَّ لي إذًا من مصرعي. ومضى. وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له: يا ابن العمِّ، إنَّ الرَّحِمَ تَظْأَرُني عليك (٢)، وما أدري كيف أنا في النصيحة لك عندك؟ فقال: ما أنت بمن يُسْتَغَشّ. فقال: قد رأيتَ ما صنع أهلُ العراق بأبيك وأخيك. ونهاه، فجزاه خيرًا. فقال أبو بكر: عند الله نحتسبُ أبا عبد الله (٣). وأشار عليه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بمثل هذا، وقال: إنك تسير إلى بلد فيه عمالُ يزيدَ وأمراؤُه، و [معهم] بيوتُ الأموال، وإنما الناس عبيدُ الدرهم والدينار، ولا آمنُ عليك أن يقاتلك مَنْ وعدَك نَصْرَه. فجزاه خيرًا (٤). وكتب إليه عمرُو بنُ سعيد بن العاص: أسألُ اللهَ أن يُلهِمَكَ رُشْدَك، وأن يصرفك عما يُرْدِيك، وقد بلغني أنك قد عزمتَ على الشُّخُوص إلى العراق، وإني أُعِيذُك بالله من الشِّقاق، فإن كنتَ خائفًا، فأَقْبِلْ إليَّ (٥)، فلكَ عندي الأمان والبِرُّ والصِّلة. فكتب إليه الحسينُ ﵁: إنْ كنتَ أردتَ بكتابك إليَّ بِرِّي وصِلَتِي (٦)، فَجُزِيتَ خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يُشاقِقْ مَنْ دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين، وخَيْرُ الأمانِ أمانُ الله، ولم يؤمن بالله مَنْ لم يَخَفْه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا تُوجِبُ لنا أمانَ الآخرة عنده.

стр. 3489

وكتب يزيد إلى ابن عباس: أمَّا بعد، فإنَّ ابنَ عمِّك حُسينًا وعبدَ الله بن الزبير [ما] اكترثا ببيعتي (١)، ولحقا بمكة مرصدين للفتنة، متعرِّضين للهلكة، فامَّا ابن الزبير (٢) فهو صريع القَنا، وقتيل السيف غدًا، وأمَّا الحُسين فقد أحببتُ الإعذارَ إليكم أهلَ البيت ممَّا كان منه، وقد علمتُم ما بيني وبينكم من الوُصْلَة وعظيم الحُرْمَة، ووشائج (٣) الأرحام. وقد قطع ذلك حسين وبَتَّهُ، وأنت زعيمُ أهلِ بيتك، وسيِّدُ أهلِ بلادِك، فالقَه، فارْدُدْه عن السعيِ في الفُرْقة ورَدّ هذه الأمة في الفتنة، فإن قَبِلَ منك وأنابَ إلى قولك؛ فله عندي الأمانُ والكرامةُ الواسعة، وأجري عليه ما كان يُجريه أبي على أخيه، وإنْ طلبَ زيادة فاضْمَنْ له ما أراك اللهُ؛ أُنفِذْ ضمانَك، وأقومُ لك بذلك، وله عليَّ الأَيمان المغلَّظة، والمواثيقُ المؤكدة ما تطمئنُّ به نفسُه وتُعيد عليه. عجِّل جوابي وبكل حاجة لك فلي (٤). وكتب في أسفل الكتاب: يا أيها الرَّاكبُ الغادي لِطَيَّتِهِ … على عُذافِرةٍ في سَيرها قُحَمُ (٥) أَبْلِغْ قُرَيشًا على نَأيِ الزمان (٦) بها … بني وبين حسينِ اللهُ والرَّحِمُ ومَوْقفٌ بِفِناء البيتِ أَنْشُدُهُ … عَهْدُ الإلهِ وما تُوفَى به الذِّمَمُ غَنَّيتُمُ قومَكُمْ فخرًا بأُمِّكُمُ (٧) … أُمِّ لَعَمْري حَصانٌ عَفَّةٌ (٨) كَرَمُ هي التي لا يُداني فَضْلَها أحدٌ … بنتُ الرسولِ وخيرِ الناسِ قد عَلِمُوا وفَضْلُها لكُمُ فضلٌ وغيرُكُمُ … من قومِكُمْ لهمُ في فضلها قِسَمُ

стр. 3490

إنِّي لَأَعْلَمُ أوْ ظَنًّا كعالِمِهِ … والظَّنُّ يَصْدُقُ أحيانًا فينتظِمُ أَنْ سوف يَتْرُكُكُم ما تَدَّعُونَ به (١) … قتلى تَهادَاكُمُ الغِرْبان (٢) والرَّخَمُ (٣) يا قومَنا لا تَشُبُّوا الحَرْبَ إذْ سَكَنَتْ … ومَسِّكُوا بحبالِ السِّلْم واعْتَصِمُوا قد غَرَّتِ الحَرْبُ مَنْ قَدْ كان قبلكمُ … من القرون وقد بادَتْ بها الأُممُ فأنْصِفُوا قومَكمْ لا يَهْلِكُوا بَذَخًا (٤) … فرُبَّ ذي بَذَخٍ (٥) زَلَّتْ به القَدَمُ لا تركبوا البغيَ إنَّ البغيَ مَصْرعَةٌ … وإن شاربَ كأسِ البغيِ ينحسِمُ فكتب إليه ابن عباس: أمَّا ابنُ الزُّبير فرجلٌ ينقطع عنا برأيه يُكاتِمنا أضغانًا يُسِرُّها في صدره، يَرِي علينا وَرْيَ الزِّناد (٦)، لا فَكَّ الله أسيرَها، فطِع (٧) في أمره ما أنت راءٍ. وأما الحسين فإنه لما قدم مكة سألتُه ما الذي أقدمَهُ؟ وقلتُ: لِمَ تركتَ حَرَمَ جدِّك ومنازلَ آبائك؟ فأخبرني أن عامِلَك وابنَ الحَكَم أساءَا إليه، فأقبلَ مستجيرًا بحرم الله، عائذًا ببيته. ولن أدعَ النصيحةَ فيما يجمعُ اللهُ به الكلمةَ ويُطفئُ به النائرة، ويُخمِد الفتنة، ويحقنُ دماء الأمة، فاتَّقِ اللهَ في السِّرِّ والعلانية، ولا تَبِيتَنَّ ليلةً وأنتَ تُريد لمسلمٍ غائلةً، ولا ترصُدْه بمظلمة، ولا تحفر له مهواةً، فكم من حافر جُرْفًا (٨) لغيره أوقعَه اللهُ فيه، وكم من مُؤَمِّلٍ أملًا لم يُؤْتَ ما أَمَّلَه، ولا تشغلنَّك عن الأخرى ملاهي الدنيا وأباطيلُها، فإنَّ كلَّ ما اشتغلتَ به عن الله يضُرُّ ويفنى، وما اشتغلتَ [به] من الأخرى ينفع ويبقى.

стр. 3491

ودخل عبد الله بنُ عباس على الحسين ﵁، فكلَّمَهُ ليلًا طويلًا وقال له: أنشدك الله أن تهلك غدًا بحالِ مَضْيَعَة (١)، لا تأتِ العراق، وإنْ كنتَ ولا بدَّ فاعلًا؛ فأقِمْ حتى ينقضيَ الموسم، وتلقى الناس، وتعلمَ على ما يَصْدُرون، ثم ترى رأَيك. وكان ذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين. فأبى الحسين، فقال له ابن عباس: واللهِ إني لَأَظنُّك ستُقتلُ غدًا بين (٢) بناتك ونسائك؛ كما قُتل عثمانُ بين نسائه وبناته. واللهِ إني لَأخافُ أن تكونَ الذي يُقادُ به عثمانُ، فإنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون. فقال: يا أبا العباس، إنَّك شيخٌ قد كَبِرْتَ، فقال له ابن عباس: لولا أن يُزْرِيَ بي [أو بك] ذلك؛ لنَشَّبْتُ (٣) يدي في رأسك، ولو أعلمُ أنَّنا إذا تَناصَينا (٤) أقمتَ؛ لفعلتُ، ولكن لا إخالُ ذلك نافعي (٥). أَتَسِيرُ إلى قوم قد نَافَوا أميرَهم، وضبطوا بلادهم لأجلك؟! قال: لا. قال: فإنْ فعلوا ذلك فسِرْ إليهم على بصيرة، وإن كانوا إنما دَعَوْك وأميرُهم قائمٌ، وعمَّالُه تَجْبِي البلاد، وهولُهم قاهر، فهم إنما دَعَوْك للقتال، ولا آمنُ أن يخذُلوك. فقال الحسين: فسر (٦)، وأستخيرُ الله وأنظرُ (٧)، ولَأَنْ (٨) أُقتلَ بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ أَنْ تُسْتَحَلَّ بي. يعني مكة. فبكى ابنُ عباس وقال: أقررتَ عينَ ابنِ الزُّبير. ثم خرج من عنده وهو مُغْضَب، وابنُ الزُّبير على الباب، فقال له: يا ابنَ الزُّبير: قد أتى ما أحببتَ قرَّتْ عينُك. هذا أبو عبد الله يخرج إلى العراق ويتركُك والحجازَ. ثم قال: يا لكِ من قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ … خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصْفِري

стр. 3492

ونَقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِى (١) … قد ذهبَ الصيادُ عمْكِ فابْشِرِي لا بدَّ من أخذِكِ يومًا فاصْبِرِي (٢) ودخل ابنُ الزُّبير، فقال له: علامَ عزمتَ؟ فقال: نفسي تحدِّثُني بإتيان الكوفة. فقال له ابن الزُّبير: لو كان لي بها مثلُ ضيعتك (٣) لَمَا عَدَلْتَ عنها. ثم خافَ ابنُ الزُّبير أن يتَّهمه فقال: لو أقمتَ بالحجاز وأردتَ هذا الأمر ها هنا، ما خُولفَ عليك (٤)، أقِمْ في هذا المسجد أجمعْ الناس عليك. فقال الحسين: واللهِ لأَنْ أُقْتَلَ خارجًا منها بِشِبْرٍ أحبُّ إليَّ من أَنْ أُقتلَ بها، ولَأَن أُقتلَ خارجًا عنها بشبرين أحبُّ إلي من أن أقتل خارجًا عنها بشبر. ولو كنتُ في جُحْرِ هامَّة، لاستخرجوني حتى يقتلوني، وواللهِ لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدتِ اليهود في السبت (٥). ودخلَ عليه ابنُ عباس من الغد (٦)، فقال له: إنِّي لأتخوَّفُ عليك في هذا الوجه البوارَ والاستئصال، إن أهل العراق قومٌ غُدْر، فأقِمْ بهذا البلد، فإنك سيِّد أهل الحجاز، فإنْ كان القوم يريدونك؛ فاكتُبْ إليهم فليَنْفُوا عدوَّهم، ثم اقْدَمْ عليهم، فإن أبيتَ؛ فاخْرجْ إلى اليمن، فإنَّ بها حصونًا وشِعابًا، وهي أرضٌ عريضة، ولأبيك بها شيعة، وأنتَ عن الناس بمعزل، فكاتبِ الناس، وثَبِّتْ دُعاتَك في البلاد، فإني أرجو أن يأتيَكَ الذي تحبُّ. فقال له الحسين ﵁: يا ابن عمّ، واللهِ إني لَأَعلَمُ نُصحك وشفقتك، ولكن قد أزمعت المسير إلى العراق. فقال له: فإنْ كنتَ سائرًا؛ فلا تَسِرْ بنسائك وبناتك وصبيانك، فإني أحْافُ أن تُقتلَ كما قُتل عثمان ونساؤه وولدُه ينظرون

стр. 3493

إليه (١). فلما رآه لا يُصغي إلى نصحه ولا يلتفتُ إلى قوله؛ خرج من عنده وهو يقول: واحسيناه. وكتب إليه عبد الله بن جعفر يقول: أَنْشُدُكَ اللهَ أن لا تُفارق مكة حتى أصل إليك، فإن هلكتَ طَفِئَ نورُ الإسلام، واستُؤْصل أهلُ بيتك، وأنتَ عَلَمُ الهدى، ورجاء المؤمنين، لا تعجل فأنا قادم (٢). وبعث بالكتاب مع ابنيه عون ومحمد. فوقف على الكتاب ولم يُجب عنه. وبعثَ الحسين ﵁ إلى المدينة، فقدم عليه من خفَّ معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا، ونساءٌ وصبيانٌ من بناته وأخواته، وتبعهم محمد بن الحنفية، فادرك حسينًا بمكة، ونهاه فلم يقبل، فحبس محمدٌ ولدَه عنه، ولم يبعَثْ معه أحدًا منهم، فغضب الحسين وقال: ترغبُ بولدك عن موضع أُصابُ فيه؟ فقال محمد: وما حاجتي تصابُ ويصابون معك؟ وإن كانت مصيبتُك أعظمَ عندنا منهم، واللهِ إني لَأُحبُّ لك ولهم العافية (٣). وبعث أهل العراق إلى الحسين ﵁ الكُتب والرسل يستحثُّونه، فخرج مسرعًا إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا من أهل الكوفة، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة [سنة ستين]. وكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد: أمَّا بعد، فإن الحسين قد توجَّه إليك، وهو ابنُ فاطمة بنتِ رسولِ الله ﷺ ، وواللهِ ما أحدٌ يسلِّمُه اللهُ أحبَّ إلينا من الحسين، فإيَّاك أن تُهيِّج على نفسك ما لا يسدُّه شيءٌ ولا تنساه العامَّة ولا تدع ذكره، والسلام.

стр. 3494

وكتب إليه عمرو بن سعيد: أمَّا بعد، فإنَّ الحُسين قد توجَّه إليك، وفي مثلها تُعتَق أو تُسْتَرَقّ (١). ولما خرج الحسين ﵁ لقي عِيرًا من التنعيم قد أقبلوا بها من اليمن إلى يزيد بن معاوية من بَحير بن ريسان الحِمْيري عاملِه على اليمن، وعليها وَرْسٌ وطِيب، فأخذه، عليها الحسين ﵁، وأوفاهم كِراءها، وأخذ بعضَهم معه إلى العراق، فأحسن إليهم (٢). وقال الفرزدق: خرجْنا حُجَّاجًا؛ فلما كنَّا بالصِّفَاح (٣)؛ إذ بركبٍ عليهم اليلامق (٤)، ومعهم الدَّرَق، فلما دنوتُ منهم، إذا أنا بالحسين بن علي، فقلت: أبو عبد الله! فقال: يا فرزدق، ما وراءَك؟ قلت: أنتَ أحبُّ الناس إلى الناس، والقضاء في السماء (٥)، والسيوفُ مع بني أميَّة (٦). قال يزيد الرِّشْك: حدَّثني من شافَهَ الحسين (٧) قال: رأيتُ أبنيةً بفلاةٍ من الأرض مضروبةً، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: للحسين. فأتيتُه، فإذا شيخ يقرأ القرآن ويبكي، ودموعُه تسيل على خَدَّيه، فقلت: بأبي أنتَ وأمِّي! ما أنزلك هذه البلاد؟ فقال: هذه كُتبُ أهلِ الكوفة إليّ، ولا أُراهم إلا قاتلي، فإنْ فعلوا ذلك؛ لم يَدَعُوا للهِ حُرْمَةً إلا انتهكوها، فيسلِّطُ الله عليهم من يُذِلُّهم حتى يكونوا أَذَل من فَرَمِ الأَمَة (٨). وقد كان الحسين ﵁ قَدَّمَ مسلم بنَ عَقِيل ابن أبي طالب، إلى الكوفة، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة المُرادي، وينظرَ إلى اجتماع الناس إليه، ويكتب إليه بخبرِهم.

стр. 3495

فقدم (١) مسلم الكوفةَ مستخفيًا، وأتَتْه الشيعةُ، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين بن عليّ: قد بايَعَني منهم ثمانيةَ عشرَ ألفًا، فَعَجِّلِ القُدوم، فليس دونها مانع. فلما جاءه كتابُ مسلم أَغَذَّ (٢) السير حتى انتهى إلى زُبالة (٣)، فجاءت رُسُل أهل الكوفة إليه بديوانٍ فيه أسماء مئة ألف. وكان النُّعمان بنُ بشير على الكوفة، ومات معاوية وهو عليها، فخاف يزيد أن لا يُقْدِمَ النُّعمان على الحُسين ﵁، فكتب إلى ابنِ زياد، فضمَّ إليه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه بإقبال الحسين ﵁ إليها. فإن كان لك جناحان فَطِرْ حتى تسبقَه إليها. فأقبل عُبيد الله مسرعًا، فدخلَ الكوفة، فلما رأَتْه السَّفِلَةُ وأهلُ السوق، خرجوا يشتدُّون بين يديه وهم يظنون أنه الحسين ﵁، لأنهم كانوا يتوقَّعُونه، وكان عُبيد الله بنُ زياد متلثِّمًا، فجعلوا يقولون: أهلًا بك يا ابن رسول الله، الحمدُ لله الذي أرانا إياك، ويُقَبِّلُون يده ورجله. فقال عُبيد الله بن زياد: لشدَّ ما فَسَدَ هؤلاء. ثم دخل ابنُ زياد المسجد، فصلَّى ركعتين، وصَعِدَ المنبر، وكشف عن وجهه، فلما رآه الناسُ؛ مال بعضُهم على بعض وأَقْشَعُوا عنه (٤). وبنى عُبيد الله في تلك الليلة بأمِّ نافع بنت عُمارة بن عقبة بن أبي مُعَيط، وأُتيَ في تلك الليلة برسولٍ قد كان أرسله الحسين إلى مسلم بن عَقِيل يقال له: عبدُ الله بنُ بُقْطُر (٥)، فقتلَه. وكان قدم مع عُبيد الله بن زياد من البصرة شريك بن الأعور الحارثي، وكان شيعةً لعليّ ﵇، فنزل على هانئ بن عروة، فاشتكى شريك، فأتاه عُبيد الله يعودُه في منزل هانئ، وكان يترَدَّدُ إليه، ومسلم بنُ عَقِيل هناك لا يعلم به. فهيَّؤوا لعبيد الله ثلاثين رجلًا يقتلونه، فدخل عُبيد الله، فَجَبُن القومُ عنه، فجعل شريك يقول:

стр. 3496

ما تنظرون بسلمى أن تُحيُّوها اسْقُوني شربة ماء ولو كانت فيها نفسي. فقال عُبيد الله: ما يقول؟ قالوا: يَهْجُر (١). وتَحَشْحَشَ (٢) القوم في البيت، وأنكر عُبيد الله ما رأى منهم، [فوثب] (٣) فخرج، ودعا مولًى لهانئ بن عُروة -وكان في الشرطة- فسأله، فأخبره الخبر، فمضى حتى دخلَ القصر، وأرسل إلى هانئ بن عروة وهو يومئذٍ ابنُ بضعٍ وتسعين سنة، فقال: ما حملك على أن تُجير عدوِّي؟ قال: يا ابن أخي، إنه جاء حقٌّ هو أحقُّ منك ومن أهل بيتك. فوثب ابنُ زياد وفي يده عَنَزَة (٤)، فضربَ بها رأس هانئ حتى نثرَ دماغه، وقتله. وبلغ الخبرُ مسلمَ بنَ عَقِيل، فخرج في نحو أربع مئة من الشيعة، فما بلغ القصر إلا وهو في نحوٍ من ستين رجلًا (٥)، وجاء الليل فهرب مسلمٌ، فدخل على امرأة من كِنْدة، يقال لها: طَوْعَة، فاستجار بها. وعلم به محمد بنُ الأشعث بن قيس، فأخبرَ به ابنَ زياد، فبعث إليه، فأتِيَ به، فأنّبه وبكَّتَه، وأمرَ بقتله. فقال: دعني حتى أوصي. قال: نعم. فنظر إلى عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص، فقال له، إن لي إليك حاجةً، وبيني وبينك رَحِمٌ. فقال له عُبيد الله: انظر في حاجة ابنِ عمِّك. فقام إليه فقال: يا هذا، إنه ليس ها هنا رجلٌ من قريش غيرُك، وهذا الحُسين بن علي قد أظلَّك، فأرْسِلْ إليه رسولًا، فلينصرف، فإن القوم قد غرُّوه وخَدَعُوه وكذَّبوه، وإنه إن قُتل لم يكن لبني هاشم بعده نظام، وعليَّ دَينٌ أخذتُه منذ دخلتُ الكوفة، فاقْضِه عني، واظلُب جُثَّتي من ابنِ زِياد، فوارِها. فسأله ابنُ زياد: ما قال لك؟ فأخبره عمر، فقال: أما مالُك فهو لك لا نمنعُك منه، وأمَّا حسين؛ فإنْ تَرَكَنا لم نُرِدْه، وأمَّا جُثَّتُه، فإذا قتلناه لم نبالِ ما صُنع به. ثم أمر به فقتل.

стр. 3497

فقال عبد الله بن الزَّبِير الأسدي، وقيل: ابن همَّام السَّلُولي (١): فتًى هو أَحْيَا من فتاةٍ حَيِيَّةٍ … وأقْطَعُ من [ذي] شفرتين صَقِيلِ فإنْ كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظُري … إلى هانئٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ تَرَيْ جسدًا قد غَيَّرَ الموتُ لونَهُ … ونَضْحَ دمٍ قد سال كلَّ مَسِيلِ أصابَهما أمرُ الأميرِ (٢) فأصْبَحا … أحاديثَ مَنْ يَهْوي (٣) بكلّ سبيلِ تَرَي بطلًا قد هَشَّمَ السيفُ رأسَهُ … وآخرَ يهوي من طَمارِ قتيلِ أيركبُ أسماءُ الهمالِيجَ (٤) آمنًا … وقد طلبَتْهُ مَذْحِجٌ بقتيلِ (٥) فإن أنتمُ لم تثأروا بأخيكمُ … فكونوا بغايا أُرْضِيَتْ بقليلِ طَمار: هو المكان المرتفع، وأسماء: هو ابنُ خارجة الفَزَاري؛ كان ابنُ زياد بعثه وعَمرو بن الحجاج الزّبيدي إلى هانئ، فأعطياه العهودَ والمواثيق، فأقبلَ معهما، فغَدَرَ به ابنُ زياد، فقتلَه. وقضى عُمر بنُ سعد دَينَ مُسلم بن عَقِيل وكفَّنَه ودفنَه، وبعث رجلًا إلى الحسين ﵁، فحمله على ناقة، وأعطاه نفقةً، وأمرَه أن يبلِّغه ما قال مسلم، فلحقَه على أربع مراحل، فأخبره. وبعث عُبيد الله بنُ زياد رأس مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة إلى يزيد بن معاوية. وبلغ الحسينَ ﵁ قتلُ مسلم وهانئ، فقال له ابنه علي الأكبر: يا أبه، ارْجِعْ، فإنهم أهلُ العراق وغَدْرُهُمْ، فلا يَفُون لك بشيء. فقال بنو عقيل: ليس هذا بحين رجوع. وحرَّضُوه على المُضِيّ. فقال حسين لأصحابه: قد تَرَوْن ما يأتينا، وما أرى القومَ إلا سيخذُلُوننا، فمن أحبَّ منكم الرجوع فليرجع. فرجع عنه قوم صاروا إليه في طريقه، وبقي معه أصحابُه الذين خرجوا معه من مكة؛ فكانت خيلُهم اثنتين وثلاثين فرسًا.

стр. 3498

وكان حسين بنُ علي ﵁ قد وجَّه قيسَ بن مسهر (١) الأسديَّ إلى مسلم قبل أن يبلغَه قتلُه، وكان [ابنُ] زيادٌ قد وجَّه حُصين بنَ تميم الطُّهويّ إلى القادسية في جيش وقال: مَنْ أنكرتَه فَخُذْه، فأخذ قيسَ بنَ مُسْهِر، وبعثَ به إلى ابن زياد، فقال له ابنُ زياد: قد قتل الله مسلمًا، فقُمْ في الناس، فاشتم الكذَّاب ابن الكذَّاب. يعني حسينًا ﵁. [فصعد قيس المنبر] وقال: أيُّها الناس، إني تركتُ الحسينَ بنَ علي بالحاجر (٢)، وأنا رسولُه إليكم، وهو يستنصرُكم. فأمرَ به ابنُ زياد، فطُرح من فوق القصر فمات (٣). وقال البلاذُري (٤): إن هذا الرسول عبدُ الله بنُ بُقْطُر، وكان أخًا لحسين ﵁ من الرَّضاعة، ولما قال له ابن زياد: اصعد فالعَنْ الكذَّاب، فصعد على أعلى القصر وقال: قد أقبلَ إليكم ابنُ رسولِ الله ﷺ لتنصروه على الدِّعيّ ابنِ الدَّعيّ [ابن] مَرْجانَة (٥) لعنه الله ولعنَ أباه ومَنْ ولَّاه. ثم ألقى نفسه من القصر (٦)، فتكسَّرت عظامُه وبه رَمَق، فجاء رجلٌ فذبَحَه، فقيل له: عَجِلْتَ عليه! فقال: أردتُ أَنْ أُرِيحَه. ووجَّه الحُصَينُ بنُ تميم الحرَّ بنَ يزيد اليربوعي (٧) إلى الحسين ﵁ في ألفين (٨) وقال: سايِرْهُ ولا تَدَعْهُ يرجع حتى يدخل الكوفة، وجَعْجِعْ به (٩).

стр. 3499

وجاء الحسين ﵁، فأخذ بطريق العُذَيْب (١). حتى نزلَ الجَوْف مسقط النَّجف، ثم نزل قصر أبي مقاتل، فخفقَ خَفْقَةً، ثم انتبه يسترجع وقال: إني رأيتُ في المنام آنفًا فارسًا يُسايِرُنا ويقول: القوم يسيرون والمنايا تسري (٢) إليهم، فعلمتُ أنه نَعَى إلينا أنفسنا. ثم سار حتى نزل كَرْبَلاء، فقال: أيُّ منزلٍ هذا؟ فقالوا: كَرْبَلاء، فقال: كَرْبٌ وبلاء. وقال أبو مخنف: لما خرج الحسين ﵁ اجتمع (٣) أشرافُ الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صُرَد، فقال لهم سليمان: إن معاوية قد هلك وأقام ابنَه، وقد امتنعَ الحسين من بيعته، فإنْ كنتم تنصرونه فاكتبوا إليه، وإن خفتُم الفشل فلا تغرُّوه. فقالوا: لا، بل نقاتلُ عدوَّه ونَقْتُلُ أنفسَنا دونَه. فقال: اكتبوا إليه. فكتبوا: بسم الله الرّحمن الرحيم، إلى الحسين بن علي من سليمان بن صُرَد، والمسيّب بن نَجَبَة، ورِفاعة بن شدَّاد، وحبيب بن مُظاهر، وشِيعتِه من المؤمنين من أهل الكوفة، سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإنَّا نحمدُ إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، والحمدُ لله الذي قَصَمَ عدوَّك الجبَّار الذي انْتَزَى (٤) على هذه الأمة، وابتزَّها أمرَها وغَصَبَها فَيئَها، وتأمَّرَ عليها بغير رضًى منها، ثم قتل خيارَها، واستبقى شرارها، وجعلَ مال الله دُولًا بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعدًا له كما بَعِدَتْ ثمود، هانه ليس علينا إمام، فأقْبِلْ إلينا، لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، وإن النعمان بن بشير في القصر، لسنا نُصلِّي معه، ولا نخرج معه في عيد، لو بَلَغَنا أنك قد أقبلتَ إلينا؛ أخرجناه حتى ألحقناه بالشام، والسلام. وبعثوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهلالي، وعبد الله [بن وال] (٥). قال: فخَرَجَا مسرعَيْن حتى قدما (٦) مكة لعشرٍ مَضَين من شهر رمضان، فلما كان بعد أيام بعثوا إلى الحسين ﵁ قيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله

стр. 3500

الأَرْحَبي (١)، وعُمارة بن عَبْد (٢) السَّلُولي، ومعهم نحوٌ من مئة وخمسين صحيفة (٣)، ثم لَبِثُوا أيامًا، وبعثُوا إليه هانئ بن هانئ السَّبِيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكتبوا معهما كتابًا مضمونه: أما بعد، فحيَّهَلَا، والعجلَ العجلَ، والوَحا الوَحا (٤)، فإنَّ الناس ينتظرونك، لا رَأْيَ لهم في غيرك، والسلام. وكتب إليه شبَثُ بنُ رِبْعيّ، وحجَّار بنُ أَبْجَر، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رُويم (٥)، وعَزْرَةُ بنُ قيس، وعَمرو بن حجَّاج الزبيدي، ومحمد بن عُمير التميمي: أمَّا بعد، فقد اخْضرَّ الجَناب، وأينعت الثمار (٦)، فإن شئتَ فاقْدَمْ على جندٍ لك مجنَّد، والسلام. واجتمع الرسل كلُّهم عنده بمكة، فكتب الحسين ﵁ إليهم مع ابن هانئ السَّبِيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكانا آخِرَ الرسل إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أمَّا بعد، فإن هانئًا وسعيدًا قدما على بكتبكم، وكانا آخِرَ من قدمَ عليَّ من رسلكم، وقد فهمتُ ما قد ذكرتُم من أقوالكم، وقد بعثتُ إليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرتُه أن يكتب إليَّ بما أجمعَ عليه ملأكم، وذَوُو الحِجا منكم، وأهلُ الفضل، فإنْ كتبَ إليَّ أنه قد اجتمع رأيُ ملئكم على ما قَدِمَت به رسلُكم ونطَقَتْ به كتبُكم؛ قدمتُ عليكم وشيكًا إنْ شاء الله، ولَعَمْرِي ما الإمام إلا القائل بالكتاب (٧)، القائم بالقسط (٨)، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام.

стр. 3501

وبعث إليهم بمسلم بن عقيل، فسرَّحَه مع قيس بن مسهر الصَّيداوي، وعُمارة بن عَبْد (١) السَّلُولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأَرْحَبي، وقال: اكتُمْ أمرَك، فإن رأيتَهم مجتمعين إلى ما كُتبَ إليّ، فعرِّفني. فسار مسلم حتى قدم الكوفة (٢)، فنزل في دار المختار بن أبي عُبيد، وهي تُعرف اليوم بدار مسلم بن المسيّب، وأقبلت إليه الشيعة، فقرأ عليهم كتاب الحسين ﵁، فبَكَوْا، وأجابوا بالسمع والطاعة. وشاع خبرُه، فقام النعمان بن بشير على المنبر، وقال: اتقوا الله عبادَ الله، ولا تُسارعوا إلى الفتنِ وسَفْكِ الدماء. وكان النعمان حليمًا يحبُّ العافية. ثم قال: إني لا أُقاتلُ من لا يُقاتلُني، ولا أَثِبُ على من لا يثبُ عليّ، ولا أُنبِّه نائمَكم، ولا أَتحرَّشُ بكم، ولا آخُذُ على الظِّنَّة والتُّهمة، إلا إنْ أبديتُم صفحتَكم ونكثتُم بيعتَكم، وخالفتُم إمامَكم، فواللهِ لأَضْرِبَنَّكم بسيفي ما ثبتَتْ قائمتُه في يدي. فقام إليه عبد الله بن [مسلم بن سعيد] (٣) الحضرمي، فقال: إنه لا يصلحُ ما ترى إلا القصمُ (٤)، والذي أنت عليه مما بينك وبين عدوِّك رأيُ المستضعفين. فقال النعمان: لأَنْ أكونَ من المستضعفين في طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أكونَ قويًّا في معصية الله، واللهِ لا هتكتُ سترًا ستره الله. ثم نزل.

стр. 3502

فكتب عبدُ الله بنُ مسلم هذا إلى يزيد -وكان حليفًا لبني أمية- يقول: قد قدم مسلمُ بنُ عَقِيل الكوفةَ وقد بايعه شيعةُ الحسين، فإنْ كان لك في المصر حاجة فابعَثْ إليه رجلًا قويًّا، فإن النعمانَ ضعيف. وكتب إليه جماعة، منهم عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعُمارة بن عقبة بن أبي مُعَيط، فاستشار يزيدُ سَرْجُون مولى معاوية، وأخبرَه الخبر فقال له: أرأيتَ معاوية لو نُشِرَ، أَكُنتَ آخذًا برأيه؟ قال: نعم. فأخرج عهدَ عُبيد الله بن زياد على الكوفة، وكان معاوية قد كتبَه، وأخفاه يزيد (١)؛ لأنه كان متخوِّفًا من عُبيد الله. فدعا يزيدُ مسلمَ بنَ عمرو الباهلي، وبعثَ بعهده معه. وكان الحسين ﵁ قد كتبَ إلى أشرافِ أهلِ الكوفة والبصرة كتابًا نسخته واحدة، إلى الأحنف بن قيس، ومالك بن مِسْمَع البكري، والمنذر بن الجارود، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عُبيد الله بن معمر، وهؤلاء أشراف البصرة، كما كتب إلى أشراف الكوفة، وبعثَ بالكتاب مع مولًى لهم يقال له: سليمان، وفيه: إن الله بعث محمدًا بالحقّ، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضَه إليه، وكنَّا أهلَه وعشيوتَه وورثتَه وأحقَّ الناس به، فاستأثرَ قومُنا علينا ميراثَ جدِّنا، فكرهنا الفُرْقَة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنَّنا أحق بذلك الحق منهم وممَّن تولَّاه، وأنا أدعُوكم إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فإن السنَّة قد أُميتَت، والبِدَعَ قد أُحْيِيَت، وبعثتُ بكتابي مع رسول، فاسمعوا وأطيعوا أهدِكُمْ سبيلَ الرشاد. والسلام. فكتم القومُ أمر الكتاب إلا المنذر بن الجارود (٢)، فجاء بالكتاب والرسولِ إلى ابن زياد في الليلة اتي يريد أن يسير في صبْحها إلى الكوفة. فضربَ عنقَ الرسول، وصَعِدَ المنبر فخطب، وقال: يا أهل البصرة، ما أنا مِمَّن يُقَعْقَعُ لي بالشِّنان (٣)، وإني لمنكل

стр. 3503

ممن عاداني (١)، وقد أنصفَ القارَةَ من راماها (٢)، وإنَّ أمير المؤمنين قد ولَّاني الكوفة، وإنّي سائرٌ إليها، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بنَ زياد بن أبي سفيان، فإيَّاكم والخلافَ والإرجاف، فوالذي لا إله إلا هو، لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنَّه، ولآخذنَّ الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا. ونزل. وسار من البصرة ومعه مسلم بنُ عمرو الباهليّ، وشريك بن الأعور الحارثي وأهلُ بيته، فدخلَ الكوفة وعليه عِمامة سوداء، وهو متلثّم، فظنَّه الناس الحسين ﵁، فقال مسلم بن عمرو الباهليّ: تأخَّروا، فهذا الأمير عُبيدُ الله بن زياد. فأخذَتْهم كآبةٌ وحُزن (٣). وكان تأخّر عنه في الطريق جماعةٌ ممن سار معه، فسار عُبيد الله لا يلوي على أحد خوفًا أن يسبقه الحسين ﵁ إلى الكوفة، فلما مرَّ بالناس ظنُّوا أنه الحسين ﵁ وهو معتجرٌ على بغلة وحدَه، فيقولون: مرحبًا بك يا ابنَ رسولِ الله، وهو لا يتكلَّم، وخرجَ إليه الناس من بيوتهم وهو قاصدٌ للقصر. وسع النعمانُ بنُ بشير قولَ الناس: مرحبًا بك يا ابنَ رسول الله، فأغلقَ باب القصر، وجاء ابنُ زياد، فوقفَ على باب القصر وقال: افتح. والخلق معه يصيحون ظنًّا منهم أنه الحسين ﵁، فكلَّمه النعمان وقال له: أنشدك الله، إلَّا تنحَّيتَ، فواللهِ ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، وما لي في قتالك من أَرَب. وكان ليلًا وابنُ زياد ساكت، فقال له: افتَحْ لا فتحتَ، فقد طال ليلُك. وسمعه رجلٌ من أهل الكوفة فعرف صوتَه، فنكص إلى القوم وقال: ويحكم، واللهِ إنه ابنُ مَرْجانة! وسمع النعمانُ، ففتح الباب، فدخل، ورجع القومُ ناكصين على أعناقهم. وأصبح، واجتمعوا إليه، فخطبهم (٤).

стр. 3504

وقال في خطبته: أمَّا بعد، فإنَّ أمير المؤمنين ولَّاني مِصْرَكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسانِ إلى سامعكم ومطيعكم، والشدَّةِ على مُرِيبِكم، وأنا متَّبعٌ فيكم أمرَه، ومُنْفِذٌ عهدَه، وأنا لمحسنِكم ومطيعِكم كالوالد، وسَوْطي وسيفي على من خالفَ أمري. والسلام. ثم أخذ العرفاءَ بالشدَّة، والبحثِ عن أهل الرِّيَب ومن تطلَّبَه (١). ثم دعا مولًى لبني تميم -وقيل: مولًى له- يقال له: مَعْقِل (٢)، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: اطلُبْ مسلم بنَ عَقِيل، فإذا اجتمعتَ به، فادفعْ إليه المال، وأخبره أنك منهم، ثم تردَّد إليهم، وطالِعْنِي بأخبارهم. فما زال يبحث حتى اجتمع بمسلم، وأعطاه المال، وصار خِصِّيصًا به، وأظهرَ أنه من أهل حمص أو اليمن. وكان مسلم في بيت هانئ بن عروة، والرجلُ الدسيسُ يطالعُ ابنَ زياد بأخبار هانئ ومسلم بكرةً وعشيًّا. وقدم شريك [بن] الأعور مريضًا، وقال لهانئ: مُرْ مسلمًا يكون عندي، فإنَّ ابنَ زياد يعودُني. فانتقل مسلم إليه، فقال شريك لمسلم: إذا جاء أبنُ زياد يعودُني وقلت: اسقوني ماءً؛ فاخْرجْ عليه، فاقتُلْه. وجاء ابنُ زياد، فجلس على فراش شريك، فقال شريك: اسقُوني ماءً. ثلاث مرات. ومهرانُ (٣) قائمٌ على رأسه، ففطن، فغمزَ عُبيد الله، فقام، فقال: واللهِ لقد أرادوا قتلَكَ. فقال: وكيف مع التزامي (٤) شريكًا، وفي بيت هانئ ويدي عنده (٥)؟!

стр. 3505

ودخل عُبيد الله القصر وقال لأسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث: عليَّ بهانئ. قالا: إنه لا يأتي إلا بأمان. قال: وهل أحْدَثَ حَدَثًا فيحتاجَ إلى الأمان؟! فإنْ لم يأتِ [إلا] بالأمان فآمِناه. فلما دخلَ على ابن زياد قال له: يا هانئ، أما تعلمُ أن أبي دخل هذا القصر (١) فلم يترك فيه أحدًا من الشيعة إلا قتله إلا أباك، ثم أحسنَ إليك؟ قال: بلى. قال: فكان جزائي منك أن خَبَأْتَ في بيتك رجلًا ليقتلني؟! فقال: معاذ الله، ما فعلت. فأخرج الرجلَ الذي كان دسيسًا، فأُسْقِظَ في يد هانئ، وقال: أيها الأمير قد كان الذي بلغَك، ولن أضَيِّعَ يدَك (٢) عندي، وأنتَ آمنٌ وأهلُك، فسِرْ حيثُ شئتَ. ومِهْرانُ قائمٌ على رأس عُبيد الله وبيده العَنَزَة، وقد كَبا عُبيدُ الله، فقال مهران: واذُلَّاه! هذا العبدُ الحائكُ يؤمِّنُك في سلطانك! فقال: خُذْهُ. فأخذَ مِهْرانُ بضفيرتَيْ هانئ، وحلَّهما، وأخذ عُبيد الله العَنَزَة، فضربَ بها وَجْهَ هانئ، فكسرَ أنفَه وجبينَه وحبسَه (٣). وسمعَ الناسُ الهَيعَةَ، فقام أسماء بن خارجة فقال لابنِ زِياد (٤): أَرُسُلُ غَدْر؟! أمرتَنا أن نأتيَك به، حتى إذا أتيناك به هشمتَ وَجْهَ الرجل، وأسلتَ دماءه على لحيته، وزعمتَ أنك تقتله! فقال ابنُ زياد: وإنَّك هاهنا! فأمر به، فلُهِزَ وتُعْتِع [به] (٥). وخافَ ابنُ الأشعث فقال: رضينا ما يفعلُ الأمير، فإنما هو مؤدِّب. وبلغ عَمرَو بن الحجَّاج أنَّ هانئًا قد قُتل، فأقبلَ في مَذْحِج حتى أحاط بالقصر وقال: أنا عَمرُو بنُ الحجَّاج، فقال ابنُ زياد لشُرَيح: اخْرُجْ إليهم، فخرج فسكَّنهم (٦).
следующие страницы →