← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وبعث إليهم بمسلم بن عقيل، فسرَّحَه مع قيس بن مسهر الصَّيداوي، وعُمارة بن عَبْد (١) السَّلُولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأَرْحَبي، وقال: اكتُمْ أمرَك، فإن رأيتَهم مجتمعين إلى ما كُتبَ إليّ، فعرِّفني. فسار مسلم حتى قدم الكوفة (٢)، فنزل في دار المختار بن أبي عُبيد، وهي تُعرف اليوم بدار مسلم بن المسيّب، وأقبلت إليه الشيعة، فقرأ عليهم كتاب الحسين ﵁، فبَكَوْا، وأجابوا بالسمع والطاعة. وشاع خبرُه، فقام النعمان بن بشير على المنبر، وقال: اتقوا الله عبادَ الله، ولا تُسارعوا إلى الفتنِ وسَفْكِ الدماء. وكان النعمان حليمًا يحبُّ العافية. ثم قال: إني لا أُقاتلُ من لا يُقاتلُني، ولا أَثِبُ على من لا يثبُ عليّ، ولا أُنبِّه نائمَكم، ولا أَتحرَّشُ بكم، ولا آخُذُ على الظِّنَّة والتُّهمة، إلا إنْ أبديتُم صفحتَكم ونكثتُم بيعتَكم، وخالفتُم إمامَكم، فواللهِ لأَضْرِبَنَّكم بسيفي ما ثبتَتْ قائمتُه في يدي. فقام إليه عبد الله بن [مسلم بن سعيد] (٣) الحضرمي، فقال: إنه لا يصلحُ ما ترى إلا القصمُ (٤)، والذي أنت عليه مما بينك وبين عدوِّك رأيُ المستضعفين. فقال النعمان: لأَنْ أكونَ من المستضعفين في طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أكونَ قويًّا في معصية الله، واللهِ لا هتكتُ سترًا ستره الله. ثم نزل.

стр. 3502

فكتب عبدُ الله بنُ مسلم هذا إلى يزيد -وكان حليفًا لبني أمية- يقول: قد قدم مسلمُ بنُ عَقِيل الكوفةَ وقد بايعه شيعةُ الحسين، فإنْ كان لك في المصر حاجة فابعَثْ إليه رجلًا قويًّا، فإن النعمانَ ضعيف. وكتب إليه جماعة، منهم عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعُمارة بن عقبة بن أبي مُعَيط، فاستشار يزيدُ سَرْجُون مولى معاوية، وأخبرَه الخبر فقال له: أرأيتَ معاوية لو نُشِرَ، أَكُنتَ آخذًا برأيه؟ قال: نعم. فأخرج عهدَ عُبيد الله بن زياد على الكوفة، وكان معاوية قد كتبَه، وأخفاه يزيد (١)؛ لأنه كان متخوِّفًا من عُبيد الله. فدعا يزيدُ مسلمَ بنَ عمرو الباهلي، وبعثَ بعهده معه. وكان الحسين ﵁ قد كتبَ إلى أشرافِ أهلِ الكوفة والبصرة كتابًا نسخته واحدة، إلى الأحنف بن قيس، ومالك بن مِسْمَع البكري، والمنذر بن الجارود، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عُبيد الله بن معمر، وهؤلاء أشراف البصرة، كما كتب إلى أشراف الكوفة، وبعثَ بالكتاب مع مولًى لهم يقال له: سليمان، وفيه: إن الله بعث محمدًا بالحقّ، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضَه إليه، وكنَّا أهلَه وعشيوتَه وورثتَه وأحقَّ الناس به، فاستأثرَ قومُنا علينا ميراثَ جدِّنا، فكرهنا الفُرْقَة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنَّنا أحق بذلك الحق منهم وممَّن تولَّاه، وأنا أدعُوكم إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فإن السنَّة قد أُميتَت، والبِدَعَ قد أُحْيِيَت، وبعثتُ بكتابي مع رسول، فاسمعوا وأطيعوا أهدِكُمْ سبيلَ الرشاد. والسلام. فكتم القومُ أمر الكتاب إلا المنذر بن الجارود (٢)، فجاء بالكتاب والرسولِ إلى ابن زياد في الليلة اتي يريد أن يسير في صبْحها إلى الكوفة. فضربَ عنقَ الرسول، وصَعِدَ المنبر فخطب، وقال: يا أهل البصرة، ما أنا مِمَّن يُقَعْقَعُ لي بالشِّنان (٣)، وإني لمنكل

стр. 3503

ممن عاداني (١)، وقد أنصفَ القارَةَ من راماها (٢)، وإنَّ أمير المؤمنين قد ولَّاني الكوفة، وإنّي سائرٌ إليها، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بنَ زياد بن أبي سفيان، فإيَّاكم والخلافَ والإرجاف، فوالذي لا إله إلا هو، لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنَّه، ولآخذنَّ الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا. ونزل. وسار من البصرة ومعه مسلم بنُ عمرو الباهليّ، وشريك بن الأعور الحارثي وأهلُ بيته، فدخلَ الكوفة وعليه عِمامة سوداء، وهو متلثّم، فظنَّه الناس الحسين ﵁، فقال مسلم بن عمرو الباهليّ: تأخَّروا، فهذا الأمير عُبيدُ الله بن زياد. فأخذَتْهم كآبةٌ وحُزن (٣). وكان تأخّر عنه في الطريق جماعةٌ ممن سار معه، فسار عُبيد الله لا يلوي على أحد خوفًا أن يسبقه الحسين ﵁ إلى الكوفة، فلما مرَّ بالناس ظنُّوا أنه الحسين ﵁ وهو معتجرٌ على بغلة وحدَه، فيقولون: مرحبًا بك يا ابنَ رسولِ الله، وهو لا يتكلَّم، وخرجَ إليه الناس من بيوتهم وهو قاصدٌ للقصر. وسع النعمانُ بنُ بشير قولَ الناس: مرحبًا بك يا ابنَ رسول الله، فأغلقَ باب القصر، وجاء ابنُ زياد، فوقفَ على باب القصر وقال: افتح. والخلق معه يصيحون ظنًّا منهم أنه الحسين ﵁، فكلَّمه النعمان وقال له: أنشدك الله، إلَّا تنحَّيتَ، فواللهِ ما أنا بمسلّم إليك أمانتي، وما لي في قتالك من أَرَب. وكان ليلًا وابنُ زياد ساكت، فقال له: افتَحْ لا فتحتَ، فقد طال ليلُك. وسمعه رجلٌ من أهل الكوفة فعرف صوتَه، فنكص إلى القوم وقال: ويحكم، واللهِ إنه ابنُ مَرْجانة! وسمع النعمانُ، ففتح الباب، فدخل، ورجع القومُ ناكصين على أعناقهم. وأصبح، واجتمعوا إليه، فخطبهم (٤).

стр. 3504

وقال في خطبته: أمَّا بعد، فإنَّ أمير المؤمنين ولَّاني مِصْرَكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسانِ إلى سامعكم ومطيعكم، والشدَّةِ على مُرِيبِكم، وأنا متَّبعٌ فيكم أمرَه، ومُنْفِذٌ عهدَه، وأنا لمحسنِكم ومطيعِكم كالوالد، وسَوْطي وسيفي على من خالفَ أمري. والسلام. ثم أخذ العرفاءَ بالشدَّة، والبحثِ عن أهل الرِّيَب ومن تطلَّبَه (١). ثم دعا مولًى لبني تميم -وقيل: مولًى له- يقال له: مَعْقِل (٢)، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: اطلُبْ مسلم بنَ عَقِيل، فإذا اجتمعتَ به، فادفعْ إليه المال، وأخبره أنك منهم، ثم تردَّد إليهم، وطالِعْنِي بأخبارهم. فما زال يبحث حتى اجتمع بمسلم، وأعطاه المال، وصار خِصِّيصًا به، وأظهرَ أنه من أهل حمص أو اليمن. وكان مسلم في بيت هانئ بن عروة، والرجلُ الدسيسُ يطالعُ ابنَ زياد بأخبار هانئ ومسلم بكرةً وعشيًّا. وقدم شريك [بن] الأعور مريضًا، وقال لهانئ: مُرْ مسلمًا يكون عندي، فإنَّ ابنَ زياد يعودُني. فانتقل مسلم إليه، فقال شريك لمسلم: إذا جاء أبنُ زياد يعودُني وقلت: اسقوني ماءً؛ فاخْرجْ عليه، فاقتُلْه. وجاء ابنُ زياد، فجلس على فراش شريك، فقال شريك: اسقُوني ماءً. ثلاث مرات. ومهرانُ (٣) قائمٌ على رأسه، ففطن، فغمزَ عُبيد الله، فقام، فقال: واللهِ لقد أرادوا قتلَكَ. فقال: وكيف مع التزامي (٤) شريكًا، وفي بيت هانئ ويدي عنده (٥)؟!

стр. 3505

ودخل عُبيد الله القصر وقال لأسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث: عليَّ بهانئ. قالا: إنه لا يأتي إلا بأمان. قال: وهل أحْدَثَ حَدَثًا فيحتاجَ إلى الأمان؟! فإنْ لم يأتِ [إلا] بالأمان فآمِناه. فلما دخلَ على ابن زياد قال له: يا هانئ، أما تعلمُ أن أبي دخل هذا القصر (١) فلم يترك فيه أحدًا من الشيعة إلا قتله إلا أباك، ثم أحسنَ إليك؟ قال: بلى. قال: فكان جزائي منك أن خَبَأْتَ في بيتك رجلًا ليقتلني؟! فقال: معاذ الله، ما فعلت. فأخرج الرجلَ الذي كان دسيسًا، فأُسْقِظَ في يد هانئ، وقال: أيها الأمير قد كان الذي بلغَك، ولن أضَيِّعَ يدَك (٢) عندي، وأنتَ آمنٌ وأهلُك، فسِرْ حيثُ شئتَ. ومِهْرانُ قائمٌ على رأس عُبيد الله وبيده العَنَزَة، وقد كَبا عُبيدُ الله، فقال مهران: واذُلَّاه! هذا العبدُ الحائكُ يؤمِّنُك في سلطانك! فقال: خُذْهُ. فأخذَ مِهْرانُ بضفيرتَيْ هانئ، وحلَّهما، وأخذ عُبيد الله العَنَزَة، فضربَ بها وَجْهَ هانئ، فكسرَ أنفَه وجبينَه وحبسَه (٣). وسمعَ الناسُ الهَيعَةَ، فقام أسماء بن خارجة فقال لابنِ زِياد (٤): أَرُسُلُ غَدْر؟! أمرتَنا أن نأتيَك به، حتى إذا أتيناك به هشمتَ وَجْهَ الرجل، وأسلتَ دماءه على لحيته، وزعمتَ أنك تقتله! فقال ابنُ زياد: وإنَّك هاهنا! فأمر به، فلُهِزَ وتُعْتِع [به] (٥). وخافَ ابنُ الأشعث فقال: رضينا ما يفعلُ الأمير، فإنما هو مؤدِّب. وبلغ عَمرَو بن الحجَّاج أنَّ هانئًا قد قُتل، فأقبلَ في مَذْحِج حتى أحاط بالقصر وقال: أنا عَمرُو بنُ الحجَّاج، فقال ابنُ زياد لشُرَيح: اخْرُجْ إليهم، فخرج فسكَّنهم (٦).

стр. 3506

وخرج مسلم بن عَقِيل من دار هانئ في ثمانية عشر ألفًا (١)، وشِعارُهم: يا منصور أَمِتْ أَمِتْ. فما بلغ القصرَ إلا في ثلاث مئة، وليس مع [ابن] زياد في القصر إلا ثلاثون رجلًا وأهلُه، فأمرَ محمد بنَ الأشعث أن يخرج في كِنْدة، فيرفع راية أمان، وأمرَ شَبَث بن رِبْعيّ التميميّ، وحجَّار بن أَبْجَر العجليّ وشمر بن أبي الجوشن العامريّ، فخذَّلُوا الناسَ عن مسلم بن عقيل، واطَّلع الباقون من القصر، فخذَّلُوا عنه عشائرهم، فتفرَّقوا (٢). وبقي وحدَهُ، وجاء إلى طَوْعة، فأجارَتْه، وكتَمَتْ حاله عن ابنها، وكان مولًى لمحمد بن الأشعث. وعلم به محمد بن الأشعث، فأخبرَ ابنَ زياد، فبعث إلى عَمرو بن حريث صاحب شُرَطَتِه: ابْعَثْ مع ابن الأشعث سبعين رجلًا من قيس. وإنما خصَّ قيسًا؛ لعلمه أنَّ كلَّ قبيلةٍ يكرهون أن يصاب فيهم مسلم بن عقيل (٣). فبعثَ معه عَمرو بنَ عُبيد الله بن عباس السُّلمي، فأتوا الدار التي فيها مسلم، فلما سَمِعَ [وقع] حوافِرَ الخيل وأصوات الرجال، عرف أنه قد أُتي، فخرج إليهم بسيفه، وكانوا قد اقتحموا عليه الدار، فضربَهم حتى أخرجهم منها، وضربه بُكير بن حُمْران (٤) الأحمري، فقطع شَفَةَ مسلم العليا، وأشْرَعَ في السفلى، وضربه مسلم في رأسه ضربة منكرة، وثنَّى بأُخرى على حبل العاتق كادت تطلُع على جوفه، فلما رأوا ذلك، أشرفوا عليه من ظهر البيت يرمونه بالحجارة، ويُلْقُون عليه القصب وفيه النار، فخرج من البيت والسيف في يده يقاتلُهم، فصاح به محمد بنُ الأشعث: لك الأمان. وهو يحملُ ويقول:

стр. 3507

أقسمتُ لا أُقتلُ إلَّا حُرًّا … وإن رأيتُ الموتَ شيئًا نُكْرا كلُّ امرئ يومًا مُلاقٍ شرًّا … أخاف أنْ أُكْذَبَ أو أُغرَّا (١) فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تُكذبُ ولا تُغَرُّ، إنَّ القوم بنو عمِّك، ليسوا بقاتليك. ثم حملوه على بغلة، وانتزعُوا سيفه من عُنقه، فقال: هذا -واللهِ- أوّلُ الغدر. ثم بكى، فقيل له: من يطلبُ مثلَ الذي تطلبُ إذا نزل به مثلُ هذا لا يبكي (٢)! فقال: واللهِ ما أبكي لنفسي، وإنما أبكي للحسين وأهلي حيث يُصيبُهم ما أصابني. ثم قال مسلم لمحمد بن الأشعث: هل لكَ أنْ تبعثَ إلى حُسين، فتخبرَه أنَّ أهلَ الكوفة قد كذَّبوه وكذَّبوني، وأنه ليس لمكذوبٍ رأي. فقال: إني واللهِ أَبعثُ إليه، وأُخبِرُ ابنَ زياد أنَّني أمَّنتُك. وبعثَ إلى الحسين إياسَ الطائيَّ بكتابٍ فيه ما قال مسلم، وأعطاه نفقةً وراحلةً، فلقيَه بِزُبالة (٣)، وأخبرَه وبلَّغه الرسالة، فقال حسين: كل ما حُمَّ (٤) نازلٌ، وعند الله نحتسبُ أنفسَنا وفسادَ أُمَّتِنا. وأقبل محمد بن الأشعث بمسلم إلى باب القصر، وأخبر ابنَ زياد بأمان محمد، فقال: إنما أرسلناك لتأتيَنَا به، لا لتؤَمِّنَه. وكان مسلم قد عطش، وإذا بِقُلَّةٍ على باب القصر فيها ماء، فقال: اسقوني. فقال له مسلم بن عَمرو: ما أبردها! واللهِ لا تذوقُ منها قطرة حتى تذوقَ الحميم في نار جهنّم. فقال له مسلم: ويحك، مَنْ أنت؟ فقال: أنا مَنْ عرفَ الحقَّ إذْ أنكرتَه، ونصح إمامه إذْ

стр. 3508

غَشَشْتَه، وسمع وأطاعَ إذْ عَصَيتَه، أنا مسلم بن عَمْرو الباهليّ. فقال له ابنُ عَقِيل: لأمِّك الثُّكْلُ! ما أجفاكَ وأفظَّكَ وأقسى قلبَك! أنتَ يا ابنَ باهلةَ أولى بالحميم، والخلودِ في نار الجحيم. وكان عُمارة بنُ عقبة بن أبي مُعَيْط حاضرًا، فأرسلَ غلامَه، فجاء بقُلَّةٍ فيها ماءٌ وقَدَح، فصبَّ في القَدَح وسقاه، فلم يقدر أن يشربَ من كثرة الدَّمِ، وسقَطَتْ ثنيَّتاه في القَدَح، فقال: الحمدُ لله، لو كان هذا الماءُ من الرزق المقسوم لشربتُه. وأُدخل على ابنِ زياد، فلم يسلِّم عليه بالإمرة، فقال له الحَرَسيّ: ألا تسلِّمُ على الأمير؟! فقال: إنْ كان يُريدُ قتلي فما سلامي عليه؟! وإنْ كان لا يريدُه، فليَكْثُرَنَّ سلامي عليه. فقال ابن زياد: لَعَمْري لَتُقْتَلَنَّ. فقال: دَعْني أوصِ إلى بعض قومي. قال: افعل. فقال لعُمر بن سعد بن أبي وقاص: بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سر. فقال له ابنُ زياد: لا تمتنع من حاجة ابنِ عمك. فقال له: عليَّ بالكوفة سبعُ مئة درهم دَينٌ، فاقْضِها عني، واستَوْهِبْ جُثَّتي من ابن زياد، فوارِها، وابعثْ إلى حسين من يردُّه، فإني كتبتُ إليه أخبرُه أنَّ الناس معه. ثم قال ابن زياد لمسلم: إيهِ يا ابنَ عَقِيل! أتيتَ الناسَ وكلمتُهم واحدةٌ، وأمرُهم جميع، لتفرِّقَ كلمتَهم؟ فقال: ما أتيتُ لهذا، وإنما أهلُ المصر كتبوا إلينا أن أباك قتلَ خيارهم، وسفكَ دماءَهم، وعملَ فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمرَ بالعدل، وندعوَ إلى كتاب الله، فقال ابن زياد: وما أنت وذلك يا فاسق؟ أولستَ بالمدينة تشرب الخمرَ؟ قال مسلم: كذبتَ، واللهِ ما شربتُه قطّ، وأنتَ وأمثالُك يَلَغُون في دماء المسلمين. قال له ابنُ زياد: تمنَّيتَ أمرًا حال اللهُ دونَه، ولم يَرَكُم أهلَه. قال: فَمَنْ أهلُه يا ابنَ زياد؟ قال: أميرُ المؤمنين يزيد. ثم شتم ابنُ زياد عليًّا وعَقِيلًا والحسنَ والحُسين ﵃، ثم قال: أين الذي ضربَ رأسَه مسلمُ بنُ عَقيل بالسيف؟ فقال: خُذْه، واصْعَدْ به إلى أعلى القصر فاضْرِبْ عُنُقَه،

стр. 3509

وأَتْبعْ جسدَه رأسَه فأخذه وصعد به وهو يقول: اللهمَّ احْكُمْ بيننا وبين قوم كذَّبُونا وغرُّونا وخَذَلُونا وقتلُونا. فقتلَه (١). وقدم محمد بنُ الأشعث إلى ابنِ زياد فكلَّمه في هانئ بن عُروة، وقال: قد عرفتَ مكانَه في المِصْر وعشيرتَه، وقد علم قومُه أنِّي أنا (٢) وصاحبي سُقناه إليك، أَنْشُدُكَ اللهَ لَمَا وَهَبْتَه لي، فإنَّني لا طاقةَ لي بعداوة قومِه، وهم أعزُّ أهلِ المصر. فوعده أن يُطلقه، ثم بدا له، فأمرَ بإخراجه إلى السوق مكتوفًا، فانتَهَوْا به إلى موضع تُباع فيه الغنمُ وهو يصيح: واذُلَّ مَذْحِجاه! ولا مَذْحِجَ اليوم. ثمْ ضرب عنقَه رشيد مولًى لعبيد الله بن زياد، تركيّ (٣). وبعث برأس مسلم وهانئ مع هانئ بن أبي حيَّة الوَادعي والزُّبيرِ بن الأَرْوح التميمي، وأمر كاتبَه عمرَو بنَ هانئ أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من أمر مسلم وهانئ، فكتب كتابًا أطال فيه، وكان أوَّلَ مَنْ أطال في الكتب، فلما نظرَ فيه عُبيدُ الله كرهه، وقال: ما هذا التطويل؟ اكتب إليه: أمَّا بعد، فالحمدُ لله الذي أخذَ لأميرِ المؤمنين بحقِّه، وكفاه مُؤْنةَ عدوِّه، أُخبرُ أميرَ المؤمنين أنَّ مسلم بن عَقِيل لجأَ إلى دار هانئ بن عُروة المرادي، وأنِّي جعلتُ عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرِّجال، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما، وأمكن اللهُ منهما، فضربتُ أعناقَهما، وبعثتُ إليك برؤوسهما. والسلام. فكتب إليه يزيد بنُ معاوية: أما بعد، فإنَّك لم تَعْدُ أن كنتَ كما أُحِبُّ، عملتَ عملَ الحازم، وصُلْتَ صَوْلَةَ الشجاع الرابط الجأش، فقد أَغْنَيتَ وكفَيتَ، وصدَّقْتَ ظنِّي بك ورأيي فيك، وقد بلغني أن الحسين قد توجَّهَ نحو العراق، فضَعِ المناظرَ والمسالح، واحتَرِسْ واحبِسْ على الظِّنَّة، وخُذْ على التُّهَمَة؛ غير أنك لا تقتلُ إلا من قاتَلَك،

стр. 3510

واكتبْ إليَّ بكلِّ ما يحدُثُ من خبر إن شاء الله (١). فقد ابتُلِيَ بالحسين زمانُك من بين الأزمان، وبلدُك من بين البلدان، وابتُلتَ به بين العمال، وإنما أنتَ أَحَدُ أعضاءِ ابنِ عمك، فاحْرِصْ أن تكون كلَّها (٢)، وعندها تُعتقُ أو تعودُ عبدًا. والسلام (٣). وكان مخرجُ مسلم بن عَقِيل يوم الثلاثاء (٤) لثمانِ ليالٍ مضَينَ من ذي الحجَّة سنة ستين، ويقال: يوم الأربعاء يوم عرفة بعد (٥) مخرجِ الحسين من مكة إلى العراق بيوم. ولما خرج مسلم بن عَقِيل؛ خرج معه المختارُ بن أبي عُبيد، وعبدُ الله بن الحارث بن نوفل، ومع المختار رايةٌ خضراء، ومع عبد الله رايةٌ حمراء، وجاء المختارُ برايته فركزها عند باب عَمرو بن حُريث، وقال: إنما جئتُ لأمنع (٦) عَمرًا. فلما قُتل مسلم أمرَ ابنُ زياد بحبس المختار وعبدِ الله بن الحارث. وحجَّ بالناس عَمرو بن سعيد بن العاص. قال معمر: لما كان يومُ التروية قدم عمرو بن سعيد مكة في جند كثيف، وكان يزيد قد كتبَ إليه أنْ يُناجزَ الحسين إد هو ناجزَه، أو يغتاله إن عجزَ عنه، وعلم الحُسين ﵁، فخرج يومَ التروية، وقبل خروجه طاف بالبيت ومعه عبد الله بن الزبير، فقال له عبد الله: أقِمْ ها هنا ونُقاتل أبناءَ المنافقين، فقال: لا أُريد القتال في الحرم. قال: فلعلَّنا لا نلتقي بعد هذا اليوم، فأخبرني متى يرثُ المولودُ، ويُورَث، ويتمُّ عقلُه؟ وعن جوائز السلطان؛ هل تحلُّ أم لا؟ فقال الحسين ﵁: أمَّا المولود؛ فإذا استهلَّ صارخًا، وأمَّا جوائز السلطان؛ فحلال ما لَم يَغصِبِ الناسَ أموالهم.

стр. 3511

وقيل: أقامَ الحجَّ يحيى بن سعيد نيابةً عن أخيه، وكان على مكة والمدينة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة عُبيد الله بنُ زياد، وعلى خُراسان عبدُ الرحمن بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبيرة (١). وفيها توفي بلال بن الحارث المُزَنيُّ من الطبقة الثالثة من المهاجرين، كنيتُه أبو عبد الرحمن. قال ابن عبَّاس: أعطى النبيُّ ﷺ بلال بنَ الحارث المُزَنيَّ معادنَ القَبَليَّة؛ جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها، وحيثُ يصلح الزرعُ من قُدْس (٢). فلما كان عمرُ بنُ الخطاب رضوان الله عليه قال له: إن رسول الله ﷺ لم يُقْطِعْ (٣) لتحتجزه (٤)، فخُذْ منه ما قَدَرْتَ عليه وعلى عمله، وأَطْلِقْ الباقي للمسلمين. ففعل. وقال أبو بشير المازنيُّ: قال النبيُّ ﷺ : "من وجدتُموه يقطع من الحِمَى شيئًا فلكم سَلَبُه". وكان النبيُّ ﷺ استعملَ عليه بلال بنَ الحارث المزنيّ، وعلى عهدِ أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، فمات بلال في خلافة معاوية، فاستعمل على الحمى بعذ ذلك (٥).

стр. 3512

وتوفِّي في سنة ستين، وهو ابنُ ثمانين سنة (١). وحضر غَزاةَ دَوْمَةِ الجَنْدل مع خالد بنِ الوليد (٢)، وهو أوَّلُ من قدم على رسول الله ﷺ من وفد مُزَينة سنة خمس من الهجرة (٣). وقدم مصر لغزو إفريقية ومعه أربع مئة من قومه، وكان يحمل لواءهم (٤). وابنُه حسان بن بلال أوَّلُ من أظهرَ الإرجاء بالمدينة (٥). أسند بلال الحديثَ عن رسول الله ﷺ (٦). خِراشُ بن أُميَّة ابن ربيعة الكعبيّ، كنيتُه أبو نَضْلة، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. شهد مع النبيِّ ﷺ المُرَيسِيع، والحُدَيبية، وبعثه رسول الله ﷺ يومئذٍ إلى قريش، وهو الذي حلق رأس رسول الله ﷺ يوم الحُدَيبِية [وحَلَقَهُ أيضًا في عُمرة] الجِعِرَّانة (٧)، وأقام بالمدينة حتى توفي بها في هذه السنة. زيد بن خالد الجُهَني أبو عبد الرحمن، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، توفي بالكوفة سنة ستين آخِرَ خلافة معاوية، وقيل: مات بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وهو ابنُ خمس وثمانين سنة، وله صحبة ورواية (٨).

стр. 3513

شريك بن الأعور الحارثي شاعر، وفد على عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكان من أصحاب عليّ ﵇، شهدَ معه الجمل وصفِّين، ووفدَ على معاويةَ، وأشخَصَه ابنُ زياد من البصرة إلى الكوفة، فمات بعد خروج مسلم بن عَقِيل بثلاثة أيام. أبو مسلم الخَوْلاني واسمُه عبد الله بن ثُوَب، على خلاف في ذلك، من الطبقة الثانية من التابعين (١)، وقيل: من الأولى (٢). كان من الأفاضل الأخيار، صاحب كرامات، مُجابَ الدعوة (٣). نزل داريا [قرية من قرى الشام]. وأدرك جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، وهو الذي أُلقيَ في النار فلم تضرَّه. قال شُرَحْبِيل بنُ مسلم: إنَّ الأسود العنسيَّ تنبَّأَ باليمن، فأرسل إلى أبي مسلم، فقال: تشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: تشهدُ أني رسولُ الله؟ قال: لا (٤). فأمرَ بنارٍ عظيمة فأُضْرِمَتْ، وطَرَح أبا مسلم فيها، حخرجَ منها سالمًا لم تضرَّه، فقال له أصحابه: أخْرِجْه؛ وإلَّا أفسدَ عليك البلاد. فأخرجَه من اليمن. فقدم المدينة وقد قُبض رسولُ الله ﷺ ، واستُخلِفَ أبو بكر رضوان الله عليه، فأناخَ راحلتَه على باب المسجد، ودخلَ فقام فصلَّى إلى سارية، فبَصُرَ به عمر بنُ الخطاب

стр. 3514

رضوان الله عليه، فجاء فجلس إليه وقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن. قال: ما فعل صاحبُنا الذي حرقَه الأسود بالنار فلم تضرَّه؟ قال: ذلك عبد الله بن ثُوب. فقال: ناشدُتك الله، أنتَ هو؟ قال: نعم. فقام عمر رضوان الله عليه، فقبَّل ما بين عينيه، ثم جاء به، فأجلسه بينه وبين أبي بكر رضوان الله عليه وقال: الحمدُ لله الذي لم يُمتني حتى أراني رجلًا من أمَّة محمد ﷺ فُعِلَ به كما فُعل بإبراهيم الخليل ﵇ (١). وقال علقمة بن مَرْثد: انتهى الزُّهد إلى ثمانية من التابعين، منهم أبو مسلم الخَوْلَاني، ما كان يُجالس أحدًا يتكلَّم في أمور الدنيا إلا تحوَّل عنه (٢). وكان يصوم الدهر، ويقوم الليل، ويصلِّي كلَّ يوم وليلة أربع مئة ركعة ويقول: إنَّ الخيل لا تجري إلى الغابات وهي بُدْنٌ، إنما تجري وهي ضُمْر، وإنَّ بين أيدينا أيامًا لها نعمل (٣). وقال الحافظ أبو نُعيم: كان أبو مسلم كثيرَ الغزو لبلاد الروم، فإذا مرُّوا بنهر يقول: اُعْبُروا بسم الله. ويمرُّ بين أيديهم. فيمرُّون بالنهر الغَمْر، فربَّما لا يبلغ من الدوابّ إلا إلى الرُّكَب، أو قريبًا من ذلك، فإذا جاوز النهر قال: من ذهبَ له شيء فأنا ضامنٌ له. فألقى بعضُهم مِخْلاةً عَمْدًا، فلما جاوز قال الرجل: مِخْلاتي وقعت في النهر. قال:

стр. 3515

اتبعني. فإذا هي قد تعلَّقت ببعض أشجار النهر (١). وروى ابنُ عساكر قال: كان أبو مسلم يخوضُ دجلة وهي ترمي بالخشب من مدِّها، ولا يضرُّه ذلك (٢). [قلت: هذا واحدٌ من الأمة شارك الخليل ﵇ في خوض النار، وشارك موسى ﵇ في خوض البحر] (٣). قال عطاء: قالت امرأة أبي مسلم الخَوْلاني: ليس لنا دقيق. فقال: هل عندكِ شيء؟ فقالت: درهمٌ بِعْنا بِهِ غَزْلًا. فقال: اِبْغِينيه، وهاتي الجِراب. وأخذَه ومضى إلى السوق، ووقفَ على بائع الطعام، فجاء سائل، فقال له: تَصَدَّقْ عليَّ للهِ تعالى. فأعطاه الدرهم، وعَمَدَ إلى الجِراب، فملأه من نُحاتةِ النَّجَّارِين، ثم أقبل إلى [باب] بيته، فرماه في الدِّهْليز، ومضى إلى المسجد. فأخذتِ المرأةُ الجِراب، فإذا فيه دقيق حُوَّارَى (٤)، فعجَنَتْ (٥) منه وخَبَزَتْ. وجاء أبو مسلم بعد هَدِيءٍ (٦) من الليل، فدخل فقدَّمَتْ إليه أرغفةً، فقال: من أين لكم هذا؟! قالت: من الدقيق الذي جئتَنا به في الجِراب، ولا تشتري إلا منه. فجعل يأكل ويبكي. ويقول: نعم (٧). وكانت لأبي مسلم منزلة من معاوية، كان إذا دخل عليه قام وقعد بين يديه.

стр. 3516

وكان أبو مسلم إذا انصرفَ من المسجد إلى منزله كبَّر على باب منزله، فتجيبُه زوجتُه بالتكبير، فإذا كان في صحن الدار كبَّر فتُجيبُه امرأتُه، فإذا بلغ إلى باب البيت كبَّر، فتُجيبه. فانصرفَ ذاتَ ليلةِ إلى باب منزلِه، فكبَّر، فلم يُجبه أحد، فدخل فكبَّر في صحن الدار، فلم يُجبه أحد، فكبَّر على باب البيت، فلم يُجبه أحد. وكان من عادة زوجته إذا دخلَ بيتَه قامت إليه، فنَزَعَتْ رداءه، وأخَذَتْ نعليه، وجاءَتْه بطعام يُفطر عليه، فلم تقُم إليه. فدخل البيت، وإذا ليس فيه سراج، وإذا بامرأته جالسةٌ منكِّسةَ الرأس، فقال لها: ما لكِ؟ فقالت: أنتَ لك من معاوية منزلةٌ، وليس لنا خادم، فلو سألتَه فأخْدَمَنا خادمًا. وقد كانت جاءَتْها امرأةٌ قبل ذلك، فقالت: إنَّ زوجَكِ له منزلةٌ من معاوية، فلو أخبرَه بحالكم، فأَخْدَمَكُم خادمًا نَعَشْتُم. فلما قالت له امرأته ذلك فهم، فرفعَ يديه وقال: اللَّهم من أفسدَ عليَّ امرأتي أفْسِدْ عليه بصرَه. فبينا تلك المرأة جالسةٌ في بيتها إذْ أنكَرَتْ بصرَها، فقالت لأهلها: ما لِسراجِكم قد طَفِئ؟ فقالوا: ما طَفِئَ. فعلمَتْ من أين أُتِيَتْ، فقالت: قودوني إلى دار أبي مسلم، فقادوها (١) إليه وهي تبكي وتسألُه أن يدعوَ لها. فرقَّ لها ورحمها، وسألَ اللهَ، فردَّ عليها بصرَها، ورجعت المرأة إلى الحال التي كانت عليها (٢). وقال أبو مسلم: ما طلبتُ من الدنيا شيئًا فوفي (٣) لي، حتى لقد ركبتُ حمارًا مرَّة، فلم يمش، فنزلتُ عنه، فركبَه غيري، فمشى، ونمتُ ورأيتُ قائلًا يقول لي: لا تحزنْ على ما زُويَ عنك من الدنيا، وإنما يُفعل هذا بأوليائه وأحبابه وأهل طاعته. فسُرِّيَ عني. وقال: تركُ الذنب خيرٌ من التوبة. وكان يقول: لأَن يولدَ لي مولودٌ يُحسِنُ اللهُ نباتَه؛ حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجبَ ما يكون إليّ؛ قبضه اللهٌ مني؛ أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها (٤).

стр. 3517

[وقال أبو نُعيم: كان قد علَّق سَوْطًا في مسجده ويقول: أنا أولى بالسَّوْط من الدوابّ. فإذا دخل ضرب روحه سَوْطًا أو سَوْطين] (١). كان يقول: لو رأيتُ النارَ عِيانًا ما كان عندي مستزادٌ (٢). وكان الصبيان يقولون له: يا أبا مسلم، احبسْ علينا هذا الطائر، فيدعو، فيحبسُه الله حتى يأخذوه بأيديهم (٣). ورآه كعب الأحبار فقال: هذا حكيم هذه الأمة (٤). وكان يمشي في داريا إلى مسجد دمشق [-وبين داريا ومسجد دمشق أربعة أميال-] يلتمس الفضيلة (٥). وكان إذا استسقى سُقي (٦). وكانت له سُبْحَة يُسَبِّح بها، فنام ليلة وهي في يده، فاستدارت تسبِّح، فالتَفَّتْ على ذراعه، فانتبه، فقال لامرأته: يا أمَّ مسلم، هلمّي فانظري العجب. فجاءت؛ وإذا السُّبْحَة تسبِّح وتلتفُّ على ذراعه وتقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات. فلما جلست المرأة سكنت السُّبْحة (٧). وقالت له جاريته [يومًا]: لقد جعلتُ لك السُّمَّ في طعامك غير مرة، ولا يضرُّك. فقال: "ولمَ فعلت؟ قالت: أنا جارية شابَّة، ولا تُدنيني من فراشك. قال: فإنّي أقول إذا

стр. 3518

قرَّبتِ إليَّ طعامًا: بسم الله خيرِ الأسماء الذي لا يضرُّ مع اسمه داء، ربِّ الأرض والسماء. وأعتقها (١). وقد ذكره القاضي أبو بكر محمد بنُ الطَّيِّب في كتاب "الإمامة"، وأثنى عليه؛ قال (٢): دخل أبو مسلم على معاوية في جماعة من أماثل أهل الشام، فقال له أبو مسلم: يا معاوية، نراك قد استَعْدَدْتَ لمحاربة عليِّ بنِ أبي طالب، وألزَمْتَه دمَ عثمان، وقد بلَغَنا أنه بريءٌ من دمه، وله من السابقة والقِدم والقَرابة من رسول الله ﷺ ما لا يُنكره أحد. فقال [له] معاوية: ألستُم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلومًا؟ قالوا: بلى. قال: فليدفَعْ إلينا قَتَلَةَ عثمان نقتُلْهم به، وهو الإمام، ولا محاربة بيننا وبينه (٣). فقال له أبو مسلم: أنصفت، ائذن لنا أن نأتيَه. فقال: قد أذنتُ. فخرج أبو مسلم في جماعة فيهم أبو هريرة، فأَتَوْا عليًّا رضوان الله عليه، فأدركوه بالرَّحْبة، فذكروا له ما قال معاوية، فأذن للناس فدخلوا عليه، فقال: من قتلَ منكم عثمان؟ فقالوا كلُّهم: نحن قتلناه، أو فقالوا: كلُّنا قتلناه. فرجع أبو مسلم، فدخل على معاوية، فأخبره بما قالوا، ثم التفتَ أبو مسلم إلى أهل الشام، فقال: انصروا خليفتَكم المظلوم، وأنا أوَّلُكم في سرَعان الناس (٤). وقال هشام بن الغاز (٥): قام أبو مسلم إلى معاوية وهو على المنبر، فناداه: يا معاوية، إنما أنت قبرٌ من القبور، أتحسبُ أن الخلافة جمعُ المال وتفريقُه؟! كلا، إنما هي قول بالحقّ وعمل بالعدل، يا معاوية، إنَّا لا نُبالي إذا تكدَّرت الأنهار وصفا لنا رأسُ العين. فقال معاوية: صدقتَ يا أبا مسلم، يرحمُك الله.

стр. 3519

ودخل عليه يومًا فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس: الأمير يا أبا مسلم (١)! فقال معاوية: دَعُوا أبا مسلم، فإنّه أعلم بما يقول. فقال أبو مسلم: إنما مَثَلُك مَثَلُ رجلٍ استأجر أجيرًا، فولَّاه ماشيته، وجعلَ له الأجر على أن يُحْسِنَ الرِّعْيَة (٢). فإنْ هوَ أحسن إليها (٣) حتى تلحقَ الصغيرة، وتسمنَ العجفاء؛ أعطاه أجرَه وزاده، وإنْ هو أضاعَها غضبَ عليه وعاقَبَه، ولم يُعْطه أجرَه. فقال معاوية: ما شاء الله! وحبس معاوية العطاء عن الناس شهرين، فقام إليه أبو مسلم وهو على المنبر، فقال: يا معاوية، إن هذا المال ليس من كَدِّك ولا كَدِّ أبيك، وإنما هو مالُ الله. فقال معاوية: صدقت. اغدوا على عطائكم (٤). ذكر وفاته: مات في سنة ستين في أيام يزيد بن معاوية (٥). وقيل: في أيام معاوية (٦). وقيل: سنة اثنتين وستين (٧). [والأول أصح]. وقيل: سنة أربع وأربعين. وهو وهم. ومات بدمشق بداريا، ودُفنَ بها، وقبرُه يزار. وقيل: مات بأرض الروم في غَزاة مع بُسْر بنِ أبي أَرْطاة، وأوصى أن يُدفن في قبور الشهداء.

стр. 3520

قال محمد بن شعيب (١) عن بعض مشيخة دمشق قال: أقبلنا من أرض الروم إلى دمشق، فمررْنا بالعمير الذي يلي حمص على أربعة أميال منها، فاطَّلع راهبٌ من صومعته فقال: من أين أنتم؟ قلنا: من أهل دمشق، كنَّا بأرض الروم. قال: هل تعرفون أبا مسلم الخَوْلانيّ؟ قلنا: نعم. قال: أقرئوه عني السلام، وأخبروه أنَّا نجد في الكتب أنه رفيق عيسى بن مريم، أَمَا إنكم لا تجدونه حيًّا. فلما أشرفنا على الغوطة بَلَغَنا خبرُ موتِه. [وهذه الرواية تدلُّ على أنه مات بدمشق]. قال ابن عساكر: والذي دوَّنه العلماء أنه مات بأرض الروم (٢). ولم يذكر أحدٌ أنه نُقل إلى داريا، وأظنُّ المكان الذي نُسب إليه بداريا قبر عمرو بن عُبيد (٣) الخولاني، فإنه خلف على أمِّ مسلم؛ امرأةِ أبي مسلم، وكان عَمرو من أفضل زمانه. أسند أبو مسلم عن أبي بكر، وعمر، ومعاذ بنِ جبل، وعُبادة بنِ الصَّامت، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح، وأبي ذرّ، وعوف بنِ مالك، وغيرهم ﵃. وروى عنه أبو إدريس الخَوْلاني، وعُمير بن هانئ، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخُراساني، وجُبير بن نُفير، وأبو العالية الرِّياحي، وأبو قِلابة الجَرْمي في آخرين. رحمة الله عليه (٤). أبو حُميد السَّاعدي واسمُه عبد الرحمن [بن] عَمرو بن سَعْد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عَمرو بن الخزرج بن ساعدة، وهو من الطبقة الثانية، من الخزرج (٥).

стр. 3521

شهد أُحُدًا مع رسول الله ﷺ ، وكان له من الولد: المنذر، وسَعْد، وعَمْرة. وأمُّهم كَبْشَة بنتُ [عَبْد] عَمرو بن عُبيد (١)، خزرجيَّة، وانقرضَ ولده. أسند عن رسول الله ﷺ أحاديث. [وليس في الصحابة من كنيته أبو حُميد غيره]. ومن مسانيده: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدُكم المسجد فليقل: اللهمَّ افْتَحْ لي أبوابَ رحمتك. وإذا خرج يقول: اللهمَّ إني أسألك من فضلك" (٢). عبد المطَّلب بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف. نزل دمشق، وبنى بها دارًا، وكان له من الولد محمد؛ وأمُّه أُمُّ البنين بنت حُمْرَة (٣) بن مالك؛ هاجر حُمْرَة من اليمن إلى الشام في أربع مئة عبد، فأعتقهم جميعًا، فانتسبوا إلى هَمْدان بالشام، فلذلك كره أهلُ العراق أنْ يُزَوِّجُوا أهلَ الشام لكثرة دَغَلِهم (٤)، ومن انتمى إليهم من غيرهم. وكان لعبد المطَّلب أروى؛ أمُّها أمُّ عمير بنت مازن (٥). ولم يزل عبد المطلب بن ربيعة بالمدينة إلى زمن عمر بن الخطاب، ثم تحوَّل إلى دمشق، وهلك بها في أيام يزيد بن معاوية، وأوصى إلى يزيد، فقبلَ وصيَّته.

стр. 3522

أسند عبد المطَّلب الحديث عن رسول الله ﷺ . عمرو بن الزُّبير ابن العوَّام، وأمُّه أمُّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، من الطبقة الثانية (١) من التابعين، من أهل المدينة. وكان أجملَ أهلِ زمانِه، وكان شديد العارضة، منيع الحَوْزَة. وكان يقال: عمرٌو لا يُكَلَّمُ، ومن يُكَلِّمْ عمرًا يندم. وكان يجلس بالبِلاط، ويطرحُ عصاه، فلا يتخطَّاها أحدٌ إلا بإذنه. وكان قد اتَّخذ من العبيد مئتين (٢). وكان الزبير بن العوام ﵁ يوقف عَمرًا ومصعبًا، فينظُر أيُّهما أحسنُ، ثم يقول: ما خلقَ اللهُ شيئًا أحسنَ منكما. وكان عمرو مغاضبًا لأخيه عبد الله يروم ما يرومه (٣). ولما قدم عمرو بنُ الزبير من المدينة إلى مكة كان يخرجُ فيصلِّي، وعبدُ الله لا يمنعه، ويجلسان فيتحدَّثان، فيقول له عمروء: يا أخي، احْقِنْ دماء المسلمين، وبِرَّ قسم يزيد، وأجعلُ في عنقك جامعةً من فضَّة، فلا يضرُّك، ولا تجعل الناس بعصيانك في بلد حرام وشهر حرام يضرب بعضهم بعضًا، فقال عبد الله: أنا سامعٌ مطيع، وأنت عامل يزيد، وأنا أصلِّي خلفك، فأمَّا أن تجعلَ في عنقي جامعةً وأُقاد إلى الشام؛ فلا ولا كرامة وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه" فراجِعْ يزيد. فقال عمرو: لا والله، ما أَقدِرُ على ذلك.

стр. 3523

ثم إن عبد الله حبسَ عمرًا في حبس عارم (١)، وحبس معه عارمًا -واسمه زيد (٢) - وكانت دارًا، فقيل: سجن عارم، وبنى عبدُ الله بن الزبير لعارم بيتًا ذراعين في ذراعين، وأطبق عليه الجصّ والآجرّ بعد أن جعله فيه، وكان عارم مع عمرو بن الزبير. ونادى منادي ابن الزبير: ألا مَنْ كانت له على عمرو بن الزُّبير ظُلامة، أو قصاص، فلْيحضُرْ. وكان قد ضربَ جماعة بالمدينة. فأحضره عبدُ الله بنُ الزُّبير وقال له: يا عدوَّ الله، المستحلَّ لحرمةِ الله، لَأضْربنَّك بكل سَوْط ضربتَ به أحدًا من الناس. وطلبَ غرماؤه القصاص إلا المنذر [بن] الزبير (٣)، وابنه محمد، وعثمان (٤) بن عبد الله بن حكيم بن حزام، فإنَّهم أبَوْا أنْ يقتصُّوا منه. وكان يُقام كل يوم فيُقتصُّ منه لمن ضربَه ضربًا وثيقًا (٥). فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، فقال: جلدَني مئة سَوْط، وليس بوالٍ، ولم آتِ ذنبًا، ولم أخلع يدًا من طاعة. فقال له عبد الله: اقتصَّ منه. فضربَه مئة سَوْط. فنَغِلَ جسمُه (٦)، فمات. فأمر به عبدُ الله، فصُلِب (٧). وقيل: صحَّ من ذلك الضربِ، وأُخرج من السجن، فمرَّ به عبدُ الله بنُ الزبير وهو جالسٌ بفِناء داره وقال: أبا يَكْسُوم (٨)، ألا أراك حيًّا؟! ثم أمر به، فسُحب إلى السجن، فما بلغه حتى مات، فأمرَ به عبدُ الله، فطُرِح في شِعْب الخَيف، وهو المكان الذي صُلِبَ فيه ابنُ الزُّبير من بعد (٩).

стр. 3524

ومن ولدِ عمرو بن الزُّبير: الوليدُ بنُ عمرو بن الزُّبير [بن عمرو بن عمرو بن الزُّبير] (١) كان سريًّا مريًّا، وكان من جلساء مالك بن أنس. ويقال: إنه هو الذي صنَّف له "موطَّأه" (٢). وسعيدُ بنُ عمرو بن الزبير [أخوه، روى عن مالك] (٣). أبو أُسَيد السَّاعِديّ واسمُه مالك بن ربيعة بن البَدِي (٤) بن عامر بن عمرو بن حارثة (٥) بن عمرو (٦) بن الخزرج. وأمُّه عمرة بنت الحارث بن جبل (٧). شهد أبو أُسيد بدرًا وأُحُدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه رايةُ بني ساعِدة يومَ الفتح. وكان دَحْداحًا، أبيض الرأس واللحية، وكان يُحفي شاربَه، ويلبس خاتمًا من ذَهَب (٨). وذهب بصرُه قبل موته، ومات سنة ستين وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة، وله عقبٌ بالمدينة وبغداد.

стр. 3525

وكان له من الولد أُسَيْد الأكبر، والمنذر، وغليظ، وأُسَيْد الأصغر، وحمزة، وميمونة، وحبابة (١)، وحفصة، وفاطمة. أسندَ الحديثَ عن رسول الله ﷺ (٢). مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد ذكر مقتلُه. معاوية بن أبي سفيان ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة (٣). [وقال هشام بن الكلبي:] وسبب موته أنه كانت به قَرْحَةٌ ينفثُ منها الدم، وكانت قد أصابته لَقْوَةٌ في آخر [عمرة أو] حجَّة حجَّها، وذلك أنه لَمَّا نزل الأبواء؛ اطَّلع في بئر، فأصابَتْه لَقْوَةٌ، فكان يبكي ويقول: لقد ابتُليت في أحسني (٤)، فرحم الله عبدًا دعا لي بالعافية، ولئن ابتُليت فقد ابتُليَ الصالحون قبلي، ولي اليوم بضعٌ وسبعون سنة (٥). فقال له مروان: أجزعت؟ فقال: يا مروان، أخافُ أن يكون هذا عقوبةً من ربِّي، ولولا هوايَ في يزيد لأبصَرْتُ رُشْدي. [قال المدائني:] وأوصى بنصف ماله أن يُرَدَّ في بيت المال؛ أشار إلى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه؛ قاسمَ عمَّاله أموالهم (٦). ثم تمثَّل:

стр. 3526

إنْ تُناقِشْ يَكُنْ نقاشُك يا ربّ … عذابًا لا طَوْقَ لي بالعذابِ أو تُجاوزْ فأنتَ ربٌّ غفورٌ … عن مسيءٍ ذُنوبُه (١) كالترابِ [قال أبو اليقظان:] ولما احتُضر أنشد: لَعَمْري لقد عُمِّرْتُ في المُلْكِ بُرْهةً … ودانَتْ (٢) ليَ الدنيا بوَقْعِ المآثرِ (٣) وأُعطيتُ جَمَّ المال والعلم والنُّهَى … ودوَّختُ أفناء الملوك الجبابرِ (٤) فأضْحَى الذي قد كان منّي يسرُّني … كبرقٍ مضى في الذاهبات (٥) الغوابرِ فيا ليتني لم أُمسِ في الملك ليلةً … ولا عشتُ في اللذَّات عيشَ النواضرِ (٦) وكنتُ كذي طِمْرَين عاش ببُلْغةٍ … من العيش حتى زار ضنك المقابرِ ثم قال: أسنِدُوني. فأسندوه، فكحَلَ عينَيه وأَذِنَ للناس، فدخلوا للسلام عليه قيامًا، فلما خرجوا أنشد: وتجلُّدي للشَّمامِتينَ أُرِيهمُ … أنِّي لِرَيبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْصعُ وإذا المنيَّةُ أنشبَت مِخْلابَها (٧) … ألْفَيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ (٨) ثم جعل يتمَلْمَلُ ويقول: ما لي ولِحُجْرٍ وأصحابِه (٩)، يا ليتني كنتُ رجلًا من قريش بذي طُوى، ولم ألِ من هذا الأمر شيئًا (١٠).

стр. 3527

ودخل عليه عمرو بن سعيد [بن العاص] الأشدق، ومعاويةُ ثقيل، فقال عمرو: كيف أصبحتَ؟ فقال: صالحًا. فقال: لقد أصبحت عينك غائرة، ولونُك كاسفًا وأنفك ذابلًا، فاعْهَدْ أيها الرجل [عهدك] ولا تخدعْ نفسَك، فقال: وهل من خالدٍ إنَّا (١) هلكنا … وهل في الموت يا لَلنَّاسِ عارُ (٢) [وحكى المدائني قال:] حسر معاوية عن ذراعيه، فإذا كأنهما عَسِيبا نخل، وقال: هل الدنيا إلا ما جَرَّبْنا وذُقْنا؟ واللهِ لوَدِدْتُ أني لم أُعمَّر (٣) فوق ثلاث حتى ألقى ربي. ثم قال لابنته رَمْلة: حوِّلي أباك. ثم قال: لا يَبْعَدَنَ رَبِيعةُ بنُ مُكَدَّمٍ … وسَقَى الغوادي قبرَه بذَنُوبِ (٤) فيقال: إنَّ هذا [كان] آخِرَ كلامه. [وقال الواقدي:] وكان عنده قميصُ رسولِ الله ﷺ ، وإزارُه، ورداؤه، وشيءٌ من شَعره، فقال: إذا أنا متُّ، فأَدْرِجوني في هذه الثياب، واحْشُوا منخري وشدقي شعر رسول الله ﷺ ، وخلُّوا بين معاوية وبين أرحم الراحمين (٥). وقال الطبري (٦): قال معاوية في مرضه: كساني رسول الله ﷺ قميصًا فرفعتُه، وقلَّم أظفارَه، فأخذتُ قُلامَتَه، فجعلتُها في قارورة، فإذا متُّ، فألْبِسُوني قميصَه، واسحقوا تلك القُلامة، وذُرُّوها في عيني وفمي، عسى أن يرحمني ربِّي.

стр. 3528

ذكر وصيَّته ووفاته ولما احتُضر دعا الضَّحَّاكَ بنَ قيس الفِهريّ، وكان صاحب شرطته، ومُسْرِفَ بنَ عقبة المُرِّيّ (١)، وكان يزيد غائبًا، فأوصى إليهما وقال: قولا ليزيد: انظر أهلَ الحجاز، فإنهم أهلُك وأصلُك، فأَكْرِمْ مَنْ قَدِمَ عليك منهم، وتعاهَدْ من غاب عنك، وانظرْ إلى أهل العراق، فإنْ سألوك أن تَعْزل عنهم كل يوم عاملًا فافعل، فإنَّ عَزْلَ عاملٍ واحدٍ أَحَبُّ إليك (٢) من أن تُشْهِر عليك مئة ألف سيف، وأُوصيك بأهل الشام؛ فليكونوا بطانَتك وعَيبَتَك، فإنْ رابَك شيء من عدوِّك فاستنصرْ بهم، ثم ارْدُدْهم إلى بلادهم، فإنْ هم أقاموا بغيرها أَخذُوا بغير أخلاقهم (٣). وقال معاوية: مَنْ بالباب؟ فقال مولًى له: نفر من قريش يتباشرون بموتك. قال: ولِمَ؟ فواللهِ ما لهم بعدي إلا الذي يسوءُهم (٤). واتفقوا على أنه مات بدمشق في رجب سنة ستين؛ قيل: في نصف رجب (٥) ليلة الخميس. وقيل: لثمان بقين منه، ودُفن بالباب الصغير. وقيل: بين الباب الصغير وباب الجابية. [قال هشام:] ولما مات؛ قام الضَّحَّاك بن قيس الفِهْريّ خطيبًا على المنبر وعلى يديه أكفان معاوية، فقال: أيها الناس، إنَّ معاوية كان عبدًا من عبيد الله، دعاه إليه،

стр. 3529

فأجابه، ونحن مُدْرِجُوه في أكفانه، ومدخلوه في قبره، ومخلُّون (١) بينه وبين ربِّه، فإنْ شاءَ رحمه، وإن شاء عذَّبه، فمن أراد منكم أن يصليَ عليه فليحضر وقتَ الظهر. ثم حضروا، وتقدَّم الضحاك، فصلّى سعليه، وجدَّد البيعة ليزيد على الناس. واختلفوا في سنِّه على أقوال: أحدُها: ثمانون سنة. والثاني: اثنتان وثمانون سنة [ذكره البلاذري]. والثالث: ثمان وسبعون سنة [قاله ابن الكلبي]. والرابع: خمس وسبعون سنة [قاله عمر بن شبَّة]. والخامس: ثلاث وسبعون [قاله علي بن محمد]. والسادس: خمس وثمانون. [حكاه الطبري عن هشام بن محمد عن أبيه. قالوا:] والأصحُّ ما بين سبع وسبعين إلى ثمان وسبعين (٢). [وعام الفتح كان ابن عشرين سنة إن ثبت ذلك]. ذكر [خلافته] وأيامه كانت ولايتُه على الشام عشرين سنة أميرًا وعشرين سنة خليفة (٣). وذكره الهيثم بن عدي قال: وقف عبد الملك بن مروان على قبره وعليه ثُمامة نابتة (٤)، فقال: قاتلَ الله الدنيا ومن يغترُّ بها، هذا عاشَ عشرين سنة أميرًا، وعشرين سنةً خليفة، ثم صمار أمره إلى هذا. فللهِ درُّ [ابن] حَنْتَمَة (٥). يعني عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.

стр. 3530

[قال أبو معشر:] وبُويع له بالخلافة سنة إحدى وأربعين في جمادى الأولى، وتوفي في رجب سنة ستين، وكانت خلافتُه تسعَ عشرةَ سنةً وثلاثةَ أشهر (١). وقيل: وسبعة وعشرين يومًا. وقيل: تسع عشرة سنة إلا أيامًا. ولما وقف عبد الملك على قبره أنشد: هل الدهرُ والأيامُ إلا كما ترى … رَزِّيةُ مالٍ أو فِراقُ حبيبِ (٢) ذكر قدوم يزيد [قال أبو اليقظان:] لما مات معاوية كان يزيد بحُوَّارِين ونواحي ذَنَبَةَ والماطِرُونِ (٣) مشغولًا بلهوه وصيده، فكتب إليه الضَّحَّاك بن قيس يحثُّه على القدوم، ويخبره بمرض أبيه، فلما قرأ الكتاب قال: جاء البريدُ بقِرْطاس يَخُبُّ بِهِ … فأوْجَس القلبُ من قِرطاسه فَزَعا قلنا لك الويلُ ماذا في صحيفتكُمْ … قال (٤): الخليفةُ أمسى مُثْبَتًا وَجِعا فمادَتِ الأرضُ أو كادَتْ تميدُ بنا … كأنَّ أعْيَنَ (٥) من أركانها (٦) انقطعا (٧) مَنْ لا تَزَلْ نفسُه توفي على تَلَفٍ (٨) … تُوشِكْ مقاليدُ تلك النفسِ أنْ تقعا

стр. 3531

لَمَّا انتهينا وبابُ الدارِ منصفقٌ … لصوت رَمْلَةَ رِيعَ القلبُ فانصدعا ثم انْبَعَثْنا على خُوصٍ مُزَمَّمةٍ … نرمي العَجاجَ (١) بها لا نأْتَلِي سَرَعا وما نُبالي إذا بلَّغْنَ أرْحُلَنا … ما ماتَ منهنَ بالبَيداء (٢) أو ظَلَعا أوْدَى ابنُ هندٍ وأوْهَى المجدُ يتبعُهُ … كيما يكونا جميعًا قاطنَينِ معا (٣) أَغَرُّ أَبْلَجُ يُسْتَسْقَى الغمامُ به … لو قارعَ الناسَ عن أحسابهم قَرَعا لا يرقعُ الناسُ ما أَوْهَى ولو جَهَدُوا … أنْ يرقعوه ولا يُوهون ما رَقَعا (٤) [وقال الطبري (٥): مات معاوية ويزيد بحُوَّارِين، فكتبوا إليه حين مرض]. وأقبل يزيد وقد دُفن، فأتى قبرَه، فصلَّى عليه، ثم دعا له، وأتى منزلَه، وأقام ثلاثًا لا يخرج منه، ثم خرج وعليه أثر الجَزَع، فصعد المنبر [وقام الضحاك بن قيس إلى جانب المنبر] فخاف عليه من الحَصَر (٦)، ففطنَ يزيد، فقال: يا ضحَّاك، أجئتَ تعلِّم بني عبد شمس الكلام؟!. ثم خطب فقال: أيها الناس، إن معاويةَ كان عبدًا لله، أنعم عليه، ثم قبضه إليه، ولا أُزكِّيه على الله، هو أعلم به، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. ثم نزل. وقيل: إنه قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، ومن شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن أراد رفع. إنَّ معاويةَ كان حبلًا من حبال الله، مدَّهُ ما شاء أن يَمدَّه، ثم قطعه حيث أراد قَطْعه، وكان دونَ مَنْ كان قبلَه، وخيرًا ممن يأتي بعده. وقد صار إلى الله، فإنْ شاء عفا عنه، وإن شاء [رَحِمَه، وإنْ] عاقبَه فبذنبه، وإنْ رَحِمَه فبفضله. وقد

стр. 3532

وَليتُ الأمرَ بعدَه ولستُ أعتذرُ من جهل، ولا آسَى (١) على طلب (٢)، فإنْ أحب اللهُ شيئًا يسَّره، وإن كرهه غيَّره. ثم نزل. فلم يقدر (٣) أحدٌ على تعزيته. فقام عبد الله بن همَّام السلولي فقال: اِصْبِرْ يزيدُ فقد فارقتَ ذا مِقَةٍ (٤) … واشْكُرْ حِباءَ (٥) الذي بالملكِ حاباكا لا رُزْءَ أعظمُ في الأقوام قد علموا … مِمَّا رُزِئتَ ولا عُقبى كعُقْباكا أصبحتَ راعيَ أهلِ الأرضِ كلِّهِمُ … فأنتَ ترعاهُمُ واللهُ يرعاكا وفي معاويةَ الباقي لنا خَلَفٌ … إذا بَقِيتَ ولا نَسْمَعْ بمنعاكا (٦) فانفتح باب الكلام. ثم كتب يزيد قبل كلّ شيء كتابًا إلى الوليد بن عتبة [بن أبي سفيان] بأخذِ البيعة على الحسين، وابنِ عمر، وابن الزبير ﵃[وقد ذكرناه]. ذكر جملة من أخبار معاوية: لما بُويع بالخلافة ولَّى شرطتَه قيس بن حمزة الهَمْداني، ثم عزلَه، وولَّى زُميل بن عمرو العُذْرِيّ (٧)، وولَّى كتابته سرجون بن منصور الرومي، وولَّى حجابته سعدًا مولاه، وولَّى القضاءَ فَضالةَ بن عُبيد الأنصاريّ، فمات، فاستقضى عائذ الله أبا إدريس بن عبد الله الخَوْلانيّ.

стр. 3533

ومعاويةُ أوَّلُ من اتَّخذَ الحَرسَ؛ قال معاوية: لَمَّا ولَّاني عمر بنُ الخطاب الشام قالت لي أمي هند: يا بنيّ، إن هذا الرجلَ قد استعملك على أمر خطير، فاعمَلْ فيه بما يُوافقه؛ كرهتَه أو أحبَبْتَه، وإياك ومخالفتَه، فيكونَ ذلك سببًا لنفوره عنك وإزالة النعمة. ففعلتُ ما أمَرَتْني به، فرأيتُ عليه الخير والبركة ودوامَ الولاية. وقال لي أبي: يا بني إنَّ هؤلاء الرهطَ من المهاجرين سبقونا وتأخَّرْنا، فرفَعهم سَبْقُهم، وقصَّر بنا تأخُّرُنا، حتى صِرْنا أتباعًا، وصارُوا قادةً، وقد قلَّدوك جسيمًا من الأمر، فلا تُخالفنَّ رأيَهم، فإنك تجري إلى أمدٍ لو بلغتَه لَنَفُسْتَ فيه (١). فعجبتُ من اختلافهما في اللفظ، واتفاقهما في المعنى (٢). ومعاويةُ أوَّلُ من بنى الخضراء (٣) بدمشق، وأقام بها أربعين سنة، وهو أوَّلُ من اتخذ ديوان الختم على الإطلاقات، وكان على ديوان الختم عبدُ الله بن مِحْصَن الحميري (٤)، وهو أول من استكتب الدية، ثم ابنه يزيد (٥). دخل عبدُ الله بنُ عباس ﵄ يومًا على معاوية وعنده جماعة من بني هاشم، فقال معاوية: بم تفخرون علينا يا بني هاشم؟ أليس الأبُ واحدًا، والأمُّ واحدة، والدارُ واحدة؟ فقال له ابن عباس: نفخرُ عليك وعلى سائر الناس برسول الله ﷺ ، فإنك لا تستطيع له إنكارًا، ولا تَرِيمُ عنه نِفارًا. فقال له معاوية: لقد أُعطيتَ لسانًا ذَرِبًا؛ تكاد تغلبُ بباطلك حقَّ غيرك، على أنّي أُحِبُّك لأربع؛ مع مغفرتي لك أربعًا. أمَّا حبِّي إيَّاك فلقرابتك. وأما الثانية: فلأنَّك من أسرتي الذين أتقوَّى بهم. وأما الثالثة: فإنك لسانُ قريش. أما الرابعة: فلأن أباك كان خِلًّا لأبي.

стр. 3534

وأما الأربع التي غفرتُ لك: فقتالك لي يوم صفِّين، ومعاداتك لي فيمن عاداني. وأما الثانية: فخِذْلانُك لعثمان مع مَنْ خذَل. وأما الثالثة: فسَعْيُك على أمِّ المؤمنين عائشة فيمن سعى. وأما الرابعة: فنفيُك أخي زيادًا عني فيمن نَفَى. ووجدتُ اللهَ يقول: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وقال الشاعر (١): ولستَ بمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلَمُّهُ … على شَعَثٍ، أيُّ الرِّجالِ المهذَّبُ؟ فعفوتُ عن هذه الأربع لتلك الأربع، وكنتُ كما قيل: سأَقْبَلُ مِمَّن قد أتى بجميلةٍ … وأصفحُ عما كان من قبل ذلكَ (٢) فَتَشَزَّنَ (٣) ابنُ عباس مستشرفًا على الجماعة، ثم قال: أمَّا محبَّتُك لي لقرابتي [من رسول الله ﷺ ؛ فذلك الواجب عليك وعلى كل من آمن برسول الله ﷺ … ] (٤). وأمَّا قولك: إني من أسرتك، فما زلتُم أتباعًا لنا في الجاهلية والإسلام. وأما قولك: إني لسانُ قريش [فإني لم أُعط من ذلك شيئًا لم تُعْطَه، ولكنك قلت ذلك لشرفك وفضلك، كما قال الأول:] (٥) فكلُّ كريمٍ للكريم مُفَضِّلٌ … يراهُ له أهلًا وإن كان فاضلا وأما قولُك: إن إبي كان خِلًّا لأبيك؛ فأقول: سأحفظ مَنْ آخي أبي في حياتِه … وأرْمُقُهُ من بَعْدِه في الأقاربِ وإِنِّي لمن لا يحفظُ الوُدَّ قاليًا … ولستُ له في النائباتِ بصاحبِ

стр. 3535

وأما قولك: إني كنتُ يوم صِفِّين عليك؛ فلو لم أفعلْه لكنت شرَّ الناس. وأما قولك: إني خذلتُ عثمان؛ فقد علمتَ أنه ولَّاني الموسم في العام الذي حُصر فيه، ولم أشهد قتلَه، على أنه قد خَذَله من كان أقربَ إليه منِّي. يشير إلى معاوية. وأما قولك عن عائشة؛ فإن الله أمرَها بالقَرار في بيتها، وأن تحتجب في سِتْرها، فلما خالفَتِ الأمر وَسِعَنا ما كان منا إليها. وأما نفي زياد عنك؛ فإنَّ النبي ﷺ فعل ذلك بقوله: "الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر" (١) وأنتَ عكستَ ذلك. وقال معاوية يومًا في مجلسه: مَنْ أفصحُ الناس؟ فقامَ رجل فقال: قوم تَيامَنُوا عن طُمْطُمانِيَّةِ حِمْيَر، وتَياسَرُوا [عن] كَسْكَسَةِ بكر، وليس فيهم غَمْغَمة قُضاعة (٢). قال: مَنْ هم؟ قال: قومُك قريش. قال: صدقت، فممَّن أنت؟ قال: من جَرْم. قال (٣): جَرْمٌ أفصحُ الناس. ولما بلغ معاويةُ السبعين كان يقول: ما من شيءٍ كنتُ أستلذُّه مع الشباب فأجده اليوم كما أُحبُّ إلا الحديث الحسن. ثم قال: مَنْ عاش أخْلَقَتِ الأيامُ جِدَّتَهُ … وخانَه ثقتاه المسمعُ والبصرُ (٤)

стр. 3536

وقال معاوية لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: لقد هممتُ أن أُوَلِّيَكَ الكوفة غير مرة، وما يمنعني من ذلك إلا أني قلت: أُوَلِّيه، فيقول في نفسه: أنا ابنُ زيد الشهيدِ يومَ اليمامة، وأحدُ أبناءِ المهاجرين الأولين البدريّين، [وعمي الفاروق أميرُ المؤمنين، وأنا أحقُّ بالأمر من معاوية. قال: لو ولَّيتني لقلتُ ذلك، وأنا أقوله الآن. فضَحِكَ معاوية] (١). قال معاوية لعمرو: أيُّنا أدهى؟ قال عَمرو: أمَّا في البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت. فقال: ادْنُ مني أُسارُّك بشيء. ولم يكن ثَمَّ ثالث. فأدنى إليه عَمرو رأسَه، فقال: غلبتُك أيها الداهية، وهل عندنا أحدٌ أُسارُّك دونه (٢)؟!. وركب معاويةُ يومًا ناقةً، وركب سُليم مولاه جملًا، وكان من الدُّهاة، فَعَلا جملُ سُليم ناقة معاوية، فقال له معاوية: انزل يا سُليم عن بعيرك. فنزل، فركبه معاوية، وأعطاه ناقته فركبها، وقال له: يا سُليم، أنتَ تزعم أنك أدهى العرب وقد غلبتُك. فقال سُليم: أنسيتَ تحويلَك من مركبك، وركوبي إياه؟! فخجل معاوية (٣). وقال معاوية لرجل من سبأ: ما كان أجهلَ قومُك حيث ملَّكوا عليهم امرأة وقالوا: ﴿بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] فقال له الرجل: فقومُك أجهلُ حيث قام رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الله فقالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] هلَّا قالوا: فاهْدِنا (٤). ومعاوية أوّل من منع الخِصْيان الكبار من الدخول على الحُرَم؛ دخل يومًا على امرأته فاختة -وقيل: ميسون- وهي مكشوفة الرأس ومعه خَصِيّ، فغطَّتْ رأسَها، فقال: إنَّه خَصِيّ. فقالت: أَتَرى المُثْلَةَ التي حَلَّتْ به أَحَلَّتْ ما حَرَّمَ الله عليه؟! فاسترجع معاوية، وعلم أنه الحقّ [فمنع الخِصيان الكبار من الدخول على النساء.

стр. 3537

وقال ابن سعد:] لبس معاوية يومًا حُلَّةً خضراء، فقام إليه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فجعلَ يضربُه بالدِّرَّة ومعاويةُ يقول: فيم؟! فيم؟! فقيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما أردتَ بهذا؟ فقال: أردتُ أن أضعَ منه (١). دخل أبو الطُّفيل على معاوية فقال له: كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن (٢)؟ فقال: كَوَجْدِ أمِّ موسى ﵇، وإلى الله أشكو تقصيري. فقال: أكنتَ فيمن حضر قتلَ عثمان؟ قال: لا، ولكنّي ممَّن لم ينصره. قال: فما منعكَ من نُصْرتِه وقد كانت واجبةً عليك؟ قال: منعني ما منعَك إذ تربَّصتَ به ريبَ المَنُون. قال: أوَ ما ترى طلبي بثأره؟ قال: بلى، ولكنك وأنا كما قال الجعفي (٣): لا أُلْفِيَنَّكَ بعدَ الموتِ تَنْدُبُني … وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي (٤) وذكر المسعودي (٥) أن رجلًا دخل على معاوية، وكان من أهل الكوفة قد قدم دمشق، فقال: أنا رجل من أهل العراق، دخلت مدينتك وتحتي بعير، فتعلَّق بي رجل وقال: هذه ناقتي أُخذت مني يوم صفِّين. فقال معاوية: [عليَّ بالرجل. فجاء ومعه خمسون رجلًا من أهل دمشق، فشهدوا عند معاوية] أنها ناقتُه، فقال الرجل: أما تُفرِّقون بين الذكر والأنثى؟! فقال معاوية: هذا حكم قد مضى. ودفع البعير إلى الشامي. ثم خلا معاوية بالرجل صاحب البعير وقال له: [كم قيمةُ بعيرك؟ فقال: كذا وكذا. فأضعفه له، وقال له: اذهب إلى ابن أبي طالب وقل له:] يقول لك معاوية: إني أقاتلُك بمئة ألف لا يفرِّقون بين الجمل والناقة.

стр. 3538

وقال المسعودي (١): لقد بلغ من طاعة أهل الشام لمعاويةَ أنَّه صلَّى بهم عند مسيره إلى صفِّين الجمعةَ يومَ الأربعاء. وقيل: إنه قال لهم يوم الجمعة: اليوم لنا عذر. وصلَّى بهم يوم السبت. [وحكى الأصمعي قال:] خاطَرَ (٢) رجل رجلًا على أن يقوم إلى معاوية فيضع يده على كَفَلِه (٣) إذا سجد ويقول: ما أشبهَ عجيزتَك بعجيزة [أمِّك] هند. ففعل الرجل ذلك، فقال له معاوية: يا ابن أخي، إن أبا سفيان كان يعجبُه ذلك منها، فإنْ كنتَ قد خاطرتَ؛ فخُذْ ما خاطرتَ عليه. ثم نزل ذلك الرجل ومعه الرجل الآخر إلى العراق، فتخاطَرا على أن يقومَ إلى زياد وهو في الخطبة، فيقول له: مَنْ أمُّك (٤)؛ فقام إليه وسألَه، فقال له زياد: هذا يخبرُك. وأشارَ إلى صاحب شرطته. فأخذه وضرب عنقَه. وبلغ معاويةَ، فقال: أنا قتلتُه، لو أدَّبْتُه في الأولى ما عاد إلى الثانية. وأُتيَ معاويةُ بسارق، فأمرَ بقطع يده، فقال السارق: يَدِي يا أميرَ المؤمنين أُعِيذُها … بعفوك أن تُلْقَى مكانا يَشِينُها ولا خيرَ في الدنيا ولا في نعيمها … إذا ما شِمالٌ فارقَتْها يمينُها وجاءت أمُّه تبكي وتقول: واحدي وكاسبي، اعْفُ عنه [يا أمير المؤمنين] عفا الله عنك. فقال: حدٌّ من حدود الله، كيف أتركُه؟! فقالت: أَمَا لك ذنوبٌ تستغفرُ الله منها؟! قال: بلى. قالت: فاجْعَلْ هذا معها. فأطلقَه (٥).

стр. 3539

عاتبَ عمرو بنُ العاص معاوية في التأنِّي، فقال معاوية: المتثبِّتُ مُصيبٌ، والعَجِلُ مخطئٌ، ومَنْ لم ينفعه الرِّفْقُ؛ ضرَّه الخُرْق، والعاقلُ مَنْ سَلِمَ من الزَّلَل بالتثبُّتِ خوفًا من زَلَّة القَدَم، ولا يزال العَجِلُ يجني ثمرة الندم (١). وكان معاوية يقول: إياك وصحبةَ المُدْبِر، فإنه غيرُ موفَّق لطريق الرُّشد، فإنك إنْ صحبتَه عَلِقَ بك إدبارُه، وإنْ فارقتَه تَبِعَتْك آثارُه. [قلت: هذا من كلام أرسطا طاليس، ولعل معاوية حكاه عنه]. وكان معاوية يقول: لو كان بيني وبين العالم شعرة؛ ما انقطعت، إنْ مدُّوا أرْخَيتُ، وإنْ أَرْخَوا مددت (٢). وكان يقول: إني لأرفعُ نفسي أن يكون ذنب أعظمَ من عفوي، وجهلٌ أكبرَ من حلمي، أو عورة لا أسترُها بستري، أو مساءة أكبر من إحساني (٣). [قال ابن الكلبي:] وكتب إليه ملك الصين يتهدَّدُه، فقال: من ملك الصين الذي تحتَ يده ألفُ مَلِك، وفي مَرْبطه ألف فِيل، وله ألفُ مدينة، وتحته ألفُ امرأة من بنات الملوك، كلُّ امرأة في قصر من ذهب، وفي مملكته نهران يُخرجان الجوهر والياقوت، وفي مملكته ألفُ جزيرة تُنبت العود والقرنفل، وحصباؤُها اللؤلؤ والمرجان، وفي مملكته ألفُ معدن يُنبت الذهب والفضة. فكتب إليه معاوية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. فقرأ كتابَه ملكُ الصين، فاقشعرَّ جلدُه، ووَجِلَ قلبُه، وسكت عنه. وكان معاوية يقول: أُعِنْتُ على عليّ بكتماني لسرِّي، ونَشْرِ أمرِه، وبطاعةِ أهل الشام، وعصيانِ أهل العراق له، وبَذْلي المال، وإمساكه إياه (٤).

стр. 3540

قال: ما غضبي على مَنْ أملكُ وأنا قادرٌ عليه، ولا غضبي على مَنْ لا أملكُ ولا تناله يدي (١). وقال عمرو بن العاص يومًا لمعاوية: قد أعياني أن أعلم أشجاعٌ أنتَ أم جبان. قال: ولم؟ قال: لأني أراك تُقْدِمُ حتى أقول: أراد القتال، ثم تتأخَّر حتى أقول: قد أراد الفرار. فقال معاوية: ما أُقدِمُ حتى أرى التقدُّم غُنمًا، ولا أتأخَّرُ حتى أرى التأخُّر حزمًا. وأنشد للطائيّ: شُجاعٌ إذا ما أمكنَتْنيَ فُرْصَةٌ … وإلا (٢) تكن لي فُرصةٌ فجبانُ (٣) وقال معاوية حين مات أخوه عُتبة. لولا أنَّ الدنيا بُنيَت على نسيان الأحبَّة؛ ما نَسِيتُ عُتبةَ أبدًا (٤). وقال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وأنت تُحاسَبُ، وقد ألجمَكَ العرقُ. فقال معاوية: أما رأيتَ هناك دَخْلَ مصر (٥)؟!. وقال معاوية لعبد الرحمن بن أمّ الحكم (٦): قد بلغني أنك لهجت بالشعر، فإيَّاك والتشبُّبَ بالنساء، فتَغُرَّ (٧) الشريفة، وإياك والهجاء؛ فإنك تهجو (٨) به كريمًا، وتستثير (٩) به لئيمًا، وإياك والمدحَ، فإنه طُعْمَةُ الدنيء الوَقِح، ولكن عليك بمفاخر قومك، وذكرِ الأمثال السائرة مما تَزِين به نفسَك، وتستدلُّ به على صحة عقلك، وتؤدِّبُ به غيرَك.
следующие страницы →