← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وقال معاوية لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: لقد هممتُ أن أُوَلِّيَكَ الكوفة غير مرة، وما يمنعني من ذلك إلا أني قلت: أُوَلِّيه، فيقول في نفسه: أنا ابنُ زيد الشهيدِ يومَ اليمامة، وأحدُ أبناءِ المهاجرين الأولين البدريّين، [وعمي الفاروق أميرُ المؤمنين، وأنا أحقُّ بالأمر من معاوية. قال: لو ولَّيتني لقلتُ ذلك، وأنا أقوله الآن. فضَحِكَ معاوية] (١). قال معاوية لعمرو: أيُّنا أدهى؟ قال عَمرو: أمَّا في البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت. فقال: ادْنُ مني أُسارُّك بشيء. ولم يكن ثَمَّ ثالث. فأدنى إليه عَمرو رأسَه، فقال: غلبتُك أيها الداهية، وهل عندنا أحدٌ أُسارُّك دونه (٢)؟!. وركب معاويةُ يومًا ناقةً، وركب سُليم مولاه جملًا، وكان من الدُّهاة، فَعَلا جملُ سُليم ناقة معاوية، فقال له معاوية: انزل يا سُليم عن بعيرك. فنزل، فركبه معاوية، وأعطاه ناقته فركبها، وقال له: يا سُليم، أنتَ تزعم أنك أدهى العرب وقد غلبتُك. فقال سُليم: أنسيتَ تحويلَك من مركبك، وركوبي إياه؟! فخجل معاوية (٣). وقال معاوية لرجل من سبأ: ما كان أجهلَ قومُك حيث ملَّكوا عليهم امرأة وقالوا: ﴿بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] فقال له الرجل: فقومُك أجهلُ حيث قام رسول الله ﷺ يدعوهم إلى الله فقالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] هلَّا قالوا: فاهْدِنا (٤). ومعاوية أوّل من منع الخِصْيان الكبار من الدخول على الحُرَم؛ دخل يومًا على امرأته فاختة -وقيل: ميسون- وهي مكشوفة الرأس ومعه خَصِيّ، فغطَّتْ رأسَها، فقال: إنَّه خَصِيّ. فقالت: أَتَرى المُثْلَةَ التي حَلَّتْ به أَحَلَّتْ ما حَرَّمَ الله عليه؟! فاسترجع معاوية، وعلم أنه الحقّ [فمنع الخِصيان الكبار من الدخول على النساء.

стр. 3537

وقال ابن سعد:] لبس معاوية يومًا حُلَّةً خضراء، فقام إليه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فجعلَ يضربُه بالدِّرَّة ومعاويةُ يقول: فيم؟! فيم؟! فقيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما أردتَ بهذا؟ فقال: أردتُ أن أضعَ منه (١). دخل أبو الطُّفيل على معاوية فقال له: كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن (٢)؟ فقال: كَوَجْدِ أمِّ موسى ﵇، وإلى الله أشكو تقصيري. فقال: أكنتَ فيمن حضر قتلَ عثمان؟ قال: لا، ولكنّي ممَّن لم ينصره. قال: فما منعكَ من نُصْرتِه وقد كانت واجبةً عليك؟ قال: منعني ما منعَك إذ تربَّصتَ به ريبَ المَنُون. قال: أوَ ما ترى طلبي بثأره؟ قال: بلى، ولكنك وأنا كما قال الجعفي (٣): لا أُلْفِيَنَّكَ بعدَ الموتِ تَنْدُبُني … وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي (٤) وذكر المسعودي (٥) أن رجلًا دخل على معاوية، وكان من أهل الكوفة قد قدم دمشق، فقال: أنا رجل من أهل العراق، دخلت مدينتك وتحتي بعير، فتعلَّق بي رجل وقال: هذه ناقتي أُخذت مني يوم صفِّين. فقال معاوية: [عليَّ بالرجل. فجاء ومعه خمسون رجلًا من أهل دمشق، فشهدوا عند معاوية] أنها ناقتُه، فقال الرجل: أما تُفرِّقون بين الذكر والأنثى؟! فقال معاوية: هذا حكم قد مضى. ودفع البعير إلى الشامي. ثم خلا معاوية بالرجل صاحب البعير وقال له: [كم قيمةُ بعيرك؟ فقال: كذا وكذا. فأضعفه له، وقال له: اذهب إلى ابن أبي طالب وقل له:] يقول لك معاوية: إني أقاتلُك بمئة ألف لا يفرِّقون بين الجمل والناقة.

стр. 3538

وقال المسعودي (١): لقد بلغ من طاعة أهل الشام لمعاويةَ أنَّه صلَّى بهم عند مسيره إلى صفِّين الجمعةَ يومَ الأربعاء. وقيل: إنه قال لهم يوم الجمعة: اليوم لنا عذر. وصلَّى بهم يوم السبت. [وحكى الأصمعي قال:] خاطَرَ (٢) رجل رجلًا على أن يقوم إلى معاوية فيضع يده على كَفَلِه (٣) إذا سجد ويقول: ما أشبهَ عجيزتَك بعجيزة [أمِّك] هند. ففعل الرجل ذلك، فقال له معاوية: يا ابن أخي، إن أبا سفيان كان يعجبُه ذلك منها، فإنْ كنتَ قد خاطرتَ؛ فخُذْ ما خاطرتَ عليه. ثم نزل ذلك الرجل ومعه الرجل الآخر إلى العراق، فتخاطَرا على أن يقومَ إلى زياد وهو في الخطبة، فيقول له: مَنْ أمُّك (٤)؛ فقام إليه وسألَه، فقال له زياد: هذا يخبرُك. وأشارَ إلى صاحب شرطته. فأخذه وضرب عنقَه. وبلغ معاويةَ، فقال: أنا قتلتُه، لو أدَّبْتُه في الأولى ما عاد إلى الثانية. وأُتيَ معاويةُ بسارق، فأمرَ بقطع يده، فقال السارق: يَدِي يا أميرَ المؤمنين أُعِيذُها … بعفوك أن تُلْقَى مكانا يَشِينُها ولا خيرَ في الدنيا ولا في نعيمها … إذا ما شِمالٌ فارقَتْها يمينُها وجاءت أمُّه تبكي وتقول: واحدي وكاسبي، اعْفُ عنه [يا أمير المؤمنين] عفا الله عنك. فقال: حدٌّ من حدود الله، كيف أتركُه؟! فقالت: أَمَا لك ذنوبٌ تستغفرُ الله منها؟! قال: بلى. قالت: فاجْعَلْ هذا معها. فأطلقَه (٥).

стр. 3539

عاتبَ عمرو بنُ العاص معاوية في التأنِّي، فقال معاوية: المتثبِّتُ مُصيبٌ، والعَجِلُ مخطئٌ، ومَنْ لم ينفعه الرِّفْقُ؛ ضرَّه الخُرْق، والعاقلُ مَنْ سَلِمَ من الزَّلَل بالتثبُّتِ خوفًا من زَلَّة القَدَم، ولا يزال العَجِلُ يجني ثمرة الندم (١). وكان معاوية يقول: إياك وصحبةَ المُدْبِر، فإنه غيرُ موفَّق لطريق الرُّشد، فإنك إنْ صحبتَه عَلِقَ بك إدبارُه، وإنْ فارقتَه تَبِعَتْك آثارُه. [قلت: هذا من كلام أرسطا طاليس، ولعل معاوية حكاه عنه]. وكان معاوية يقول: لو كان بيني وبين العالم شعرة؛ ما انقطعت، إنْ مدُّوا أرْخَيتُ، وإنْ أَرْخَوا مددت (٢). وكان يقول: إني لأرفعُ نفسي أن يكون ذنب أعظمَ من عفوي، وجهلٌ أكبرَ من حلمي، أو عورة لا أسترُها بستري، أو مساءة أكبر من إحساني (٣). [قال ابن الكلبي:] وكتب إليه ملك الصين يتهدَّدُه، فقال: من ملك الصين الذي تحتَ يده ألفُ مَلِك، وفي مَرْبطه ألف فِيل، وله ألفُ مدينة، وتحته ألفُ امرأة من بنات الملوك، كلُّ امرأة في قصر من ذهب، وفي مملكته نهران يُخرجان الجوهر والياقوت، وفي مملكته ألفُ جزيرة تُنبت العود والقرنفل، وحصباؤُها اللؤلؤ والمرجان، وفي مملكته ألفُ معدن يُنبت الذهب والفضة. فكتب إليه معاوية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. فقرأ كتابَه ملكُ الصين، فاقشعرَّ جلدُه، ووَجِلَ قلبُه، وسكت عنه. وكان معاوية يقول: أُعِنْتُ على عليّ بكتماني لسرِّي، ونَشْرِ أمرِه، وبطاعةِ أهل الشام، وعصيانِ أهل العراق له، وبَذْلي المال، وإمساكه إياه (٤).

стр. 3540

قال: ما غضبي على مَنْ أملكُ وأنا قادرٌ عليه، ولا غضبي على مَنْ لا أملكُ ولا تناله يدي (١). وقال عمرو بن العاص يومًا لمعاوية: قد أعياني أن أعلم أشجاعٌ أنتَ أم جبان. قال: ولم؟ قال: لأني أراك تُقْدِمُ حتى أقول: أراد القتال، ثم تتأخَّر حتى أقول: قد أراد الفرار. فقال معاوية: ما أُقدِمُ حتى أرى التقدُّم غُنمًا، ولا أتأخَّرُ حتى أرى التأخُّر حزمًا. وأنشد للطائيّ: شُجاعٌ إذا ما أمكنَتْنيَ فُرْصَةٌ … وإلا (٢) تكن لي فُرصةٌ فجبانُ (٣) وقال معاوية حين مات أخوه عُتبة. لولا أنَّ الدنيا بُنيَت على نسيان الأحبَّة؛ ما نَسِيتُ عُتبةَ أبدًا (٤). وقال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وأنت تُحاسَبُ، وقد ألجمَكَ العرقُ. فقال معاوية: أما رأيتَ هناك دَخْلَ مصر (٥)؟!. وقال معاوية لعبد الرحمن بن أمّ الحكم (٦): قد بلغني أنك لهجت بالشعر، فإيَّاك والتشبُّبَ بالنساء، فتَغُرَّ (٧) الشريفة، وإياك والهجاء؛ فإنك تهجو (٨) به كريمًا، وتستثير (٩) به لئيمًا، وإياك والمدحَ، فإنه طُعْمَةُ الدنيء الوَقِح، ولكن عليك بمفاخر قومك، وذكرِ الأمثال السائرة مما تَزِين به نفسَك، وتستدلُّ به على صحة عقلك، وتؤدِّبُ به غيرَك.

стр. 3541

وقال معاوية (١): من كَتَمَ سِرَّه كان الخِيارُ له، ومن أفشاه كان الخِيارُ عليه (٢). وقال: أنا أعلم بأغلى شيء في السوق وأرخصِه. قالوا: ما هو؟ قال الجيِّد رخيص، والرديءُ غالٍ (٣). [قال الواقدي:] وكان يقول: ما من عدوّ إلا وأنا قادر على مداراته واستصلاحه، إلا عدوَّ نعمةٍ وحاسدَها، فإنه لا يُرضيه مني إلا زوال نعمتي، فلا أرضاه الله أبدًا (٤). ذكر بعض واقعاته مع عبد الله بن الزبير (٥): دخل الحسين ﵁ على معاوية ومعه مولاه ذكوان، وعند معاوية جماعةٌ من قريش، منهم عبد الله بنُ الزبير، فأجلسَه معاويةُ معه على سريره، ورحَّبَ به، وقال له: يا أبا عبد الله، تَرَى هذا القاعدَ -وأشار إلى ابن الزبير- سيدركُه الحسد لبني عبد مناف. فقال ابنُ الزبير: أمَّا الحُسين؛ فقد عَرَفْنا فضلَه وقرابتَه من رسول الله ﷺ ، فإنْ شئتَ أَنْ أُعَرِّفَك فضلَ الزُّبير على صخر بن حرب؛ فعلتُ. فقال ذكوان مولى الحسين ﵁: يا ابنَ الزُّبير، إنَّ مولايَ ما منعَه من الكلام إلا أنه كُفي بغيره، وإلا فهو طَلْقُ اللسان، رابطُ الجَنان، إنْ تكلَّم؛ تكلَّمَ بعلم، وإنْ صمتَ؛ صمتَ بحِلْم، فأنا القائل فيه: إنَّ الذي يجري لِيُدركَ شأْوَهُ … يُنْمَى لغير مُسَوَّدٍ ومُسَدَّدِ (٦) بل كيف يُدركُ نورَ بدرٍ ساطعٍ … خيرِ الأْنام وفَرع آلِ محمدِ جَزْل الكلامِ وسابق في علمِهِ (٧) … والناسُ بين مُقَصِّرٍ ومُبَلِّدِ

стр. 3542

فقال معاوية: صدقتَ يا ذكوان، أكثرَ اللهُ في موالي الكرام مثلك. فقال ابن الزُّبير: إنَّ أبا عبد الله سكتَ، وتكلَّم مولاه، ولو تكلَّم لأجبناه وكَلِفْناه (١)، فإنه لا جوابَ لهذا العبد. فقال ذكوان: هذا العبدُ خيرٌ منك، وأكرمُ وَلاءً، وأحسنُ أفعالًا. وقال معاوية: قاتلكَ الله يا ابنَ الزُّبير، ما أَعْتاكَ وأبغاك! أتريد أن تفتخر بحضرة أبي عبد الله؟! لأنتَ المتعدِّي لطَوْرِك، فقس شِبْرَكَ بفِتْرِكَ، وانظر أين تقعُ من بني عبد مناف، أما واللهِ لو وقعتَ في بحور بني هالثمم وبني عبد مناف لَتعْطِّينَّك (٢) بأمواجها، ثم لَتلقينَّك في أُجاجِها (٣)، فما بقاؤك في البحور إذا غَمَرَتْك؟ وفي الأمواج إذا قَبَرَتْك (٤)؟ فحينئد تعرفُ نفسَك، وتندمُ على ما كان من جُرْأتك، وتتمنَّى لِما أصبحت فيه الأمانَ (٥)، وقد حيل بين العير والنَزَوان. فالتفت ابنُ الزبير إلى الحاضرين وقال: ناشدتُكُم اللهَ، هل تعلمون أنَّ أبي حَوَاريُّ رسولِ الله ﷺ ؟ وأنَّ [أباه] أبا سفيان هذا حاربَ (٦) رسولَ الله ﷺ ، وكان عليه في جميع المواطن كلِّها؟ وأنَّ أمي أسماءُ بنتُ أبي بكر ذاتُ النطاقين، وأن أمَّه هندٌ آكلةُ الأكباد، وجدِّي الصِّدِّيق، وجدّه المشدوخ ببدر كافرًا (٧)، وعمتي خديجة زوجُ النبي ﷺ ، وعمَّته أمُّ جميل حمَّالةُ الحطب، وجدَّتي صفيةُ بنت عبد المطلب، وجدَّته حَمامة، وزوج عَمَّتي خيرُ ولدِ آدم، محمدٌ رسول الله، وزوج عمَّته شرُّ ولدِ آدم أبو لهب، وخالتي عائشةُ أمُّ المؤمنين، وخالتُه أشقَى الشقيات، وأنا عبد الله، وهو معاوية.

стр. 3543

فقال له معاوية: يا ابنَ الزُّبير، إنه واللهِ ليس لك في القديم (١) رِياسة، ولا في الحديث سياسة، ولقد سُدْناك قديمًا وحديثًا، وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشًا اجتمعت يومَ الفِجار على [رِياسَةِ] حربِ بنِ أمية (٢)، وأن أباك وأسرتَه كانوا تحت رايته، راضون بإمارته، غير منكرين لفضله، ولا طامعين في عزله، وإنْ أمَرَ أطاعوا، وإنْ قال أنْصَتُوا. ولم تزل فينا الرياسة حتى بعثَ [الله] محمدًا ﷺ ، وانتخَبَه من خلقه من أُسرتي، لا من أُسرتك، وبني أبي، لا من بني أبيك، فجَحَدَتْه قريش أشدَّ الجُحود، وجاهدَتْه أشدَّ الجهاد، إلا من عصمه الله من قريش. ومن ساد (٣) قريشًا وقادهم إلا أبو سفيان؟ فكانت الجيوش تلتقي، ورئيس الهدى منا، ورئيس الضلالة منكم (٤)، ومهديُّكم تحت راية مهديِّنا، وضالُّكم تحت راية ضالِّنا، فنحن الأرباب، وأنتم الأذناب، حتى خلَّصه الله من عظيم شِرْكه، وعَصَمَه بالإسلام (٥) من عبادة الأصنام، وكان في الجاهلية عظيمًا شأنُه، وفي الإسلام معروفًا مكانُه، ولقد أعطيَ يومَ الفتح ما لم يُعْطَه أحدٌ من آبائك؛ بقول رسول الله ﷺ : "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن". فجعلَ داره حَرَمًا آمنًا، وقَرَنها بالمسجد الحرام، ولم تكن دارُ آبائك حرمًا. وأما هند فامرأةٌ من قريش، كانت عظيمة الخَطَر في الجاهلية، كثيرةَ الخير في الإسلام. وأما جدُّك الصِّدِّيق؛ فبتصديق بني عبد منافٍ صار صِدِّيقًا، لا بتصديق بني عبد العُزَّى. وأما جدِّي المشدوخ ببدر؛ فلعمري؛ فلقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنُه، فلو برزْتَ أنت وأبوك وبنو عبد العُزَّى؛ ما بارزوكم، ولا رأَوْكُم أهلًا ولا أكفاءً لهم كما طلب ذلك غيركم، فلم يُجيبوه، حتى برزَ إليهم أكفاؤُهم، فقضى الله مناياهم بأيديهم. وأما عمَّتك وخالتك؛ فبنا صِرْنَ أمهاتِ المؤمنين. وأما صفية فهي التي أدْنَتْك من الظِّلّ، ولولاها لكنتَ ضاحيًا.

стр. 3544

وأما قولك: أنا عبد الله، وأنت معاوية؛ فقد علمَتْ قريش أيُّنا أجودُ في الإزَم، وأجزلنا في العُدْم (١)، وأمنعُ للحُرَم، ولا واللهِ لا أراك (٢) منتهيًا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالبهم بالدخول، وقدَّم إليهم الخيول، وقد خدعتُم أميرَ المؤمنين، ولم تُراقبوا حُرْمةَ رسول الله ﷺ إذْ مددتُم على نسائكم السُّجُوف (٣)، وأبرزتُم زوجتَه للحُتوف، ومُقارعةِ السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربًا، فلم يُنْجِه ذلك أن طحنَه أبو الحسين بِكَلْكَلِهِ (٤) طَحْنَ الحصيد بأيدي العبيد. وأمَّا أنتَ فأَفْلتَّ بعد أن خَمَشَتْك بَراثنُه، ونالتْك مخالبُه. وَايمُ الله، لَيُقَوِّمُنَّك بنو عبد مناف بِثِقَافها (٥)، ولَتُصْبِحَنَّ منها صَباح (٦) أبيك بوادي السِّباع، وما كان أبوك بموهن حدّه (٧)، ولكن كما قال الشاعر: تنازلَ سِرْحانٌ فريسةَ حادرٍ (٨) … فَقَضْقَضَهُ (٩) بالكَفِّ منه وَحَطَّما وقال محمد بن السائب: اعتمر (١٠) معاوية في رجب -أو في بعض حَجَّاته- ولما قفل إلى الشام [و] بينا هو يسير في بعض الليالي إذا برجل يُسايرُه ويدنو منه، فقال: مَنْ أنت؟ فقال: عبد الله بنُ الزُّبير. قال: وما الذي أدناك مني؟ فقال ابن الزبير: لو شئتُ لقتلتُك منذ الليلة. فقال له معاوية: مه، لستَ من قَتَلَة الملوك، وإنَّما يَصِيدُ كلُّ طائر قَدْرَهُ من الطير. فقال ابن الزُّبير: إليَّ تقول هذا وقد سرتُ تحت لواء أبي لنصرة عثمان في قتال ابنِ أبي طالب وهو من تعرفُه. فقال: لا جرمَ قتلَ أباك بشماله ويمينُه فارغة. فقال ابنُ الزبير: كان ذلك في نُصرة عثمان. فقال: دَعْ عنك، فوالله لولا بِغْضَتُكَ لعليّ

стр. 3545

لكنتَ جرَرْتَ (١) بِرِجْلِ عثمانَ فيمن جَرَّ. فقال: إنَّ لك في رقابنا بيعةً، وسيعلم مَنْ يأتي بعدَك. فقال معاوية: إني لا أتخوَّف (٢) عليك ألا تقتل (٣)، وكأنّي بك وقد وقعتَ في الأُنْشُوطة، فتمنَّيتَ أنَّ أبا عبد الرحمن (٤) كان لك، ولو حضرك لأطلقَك. فقال ابنُ الزبير: إليَّ تقول هذا، وأنا ابن حواريٍّ وصِدِّيق، وأنت طليق بن طليق. فقال له معاوية: لقد هممتُ أنْ أَعِظَك بالرِّفْق، وأَعْسِفَكَ عن الطريق (٥). ثم أعرضَ عنه (٦). ذكر المنقول من حلمه واحتماله: كان يقول: ما شيءٌ أحبَّ إليَّ من جُرْعة غيظ أتجرَّعُها طلبًا لثواب الله تعالى (٧). [وحكى أيضًا (٨) عن الحسن البصري أنه قال: لو سلك معاوية بالناس غير سبيل الاحتمال والمداراة؛ لاختُطف اختطافًا (٩). وقال الهيثم: قال معاوية ذات يوم والحسن عنده: من أكرم الناس أبًا وأمًّا، وجدًّا [وجَدَّةً]، وعمًّا وعمَّة، وخالًا وخالة؟ فقال له عبد الله بن العجلان: هذا القاعد. وأشار إلى الحسن. فقال معاوية: صدقت (١٠)]. وقال (١١): وقال عبد الله بن همَّام السَّلُوليّ:

стр. 3546

فإنْ تَأْتُوا بِبَرَّةَ أوْ بهندٍ … نُبايِعْها أميرةَ مؤمنينا أيا لَهَفي لَوَ أنَّ لنا رجالًا … يكونوا مثلَنا متناسِقِينا إذًا لضَرَبْتُكُمْ حتى تعودوا … بمكة تلعقون بها السَّخِينا (١) شَرِبْنا الغَبْنَ (٢) حتى لو سُقِينا … دماءَ بني أميَّةَ ما رَوينا لقد ضاعَتْ رعيَّتُكُمْ (٣) وأنتُمْ … تصيدون الأرانبَ غافلينا وبلغ معاويةَ فقال: ما تركَ ابنُ همَّام شيئًا، ذكرَ أمهاتِنا، وشربَ دماءَنا، وتأسَّفَ على رجال يقاتلوننا، اللهم اكْفِناه (٤). وشهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال: كذبتَ. فقال: كذب المتزمِّلُ في ثيابك يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: هذا جزاء مَنْ عَجِل (٥). وضرب يزيد غلامًا له، فقال له معاوية: كيف ضربتَ من لا يستطيعُ امتناعًا منك (٦)؟! واجتمع عمرو بنُ العاص وعبد الله بنُ عباس عند معاوية، فقال له عمرو: يا بني هاشم، أما واللهِ لقد تقلَّدتُم من دم [عثمان] كَفَرْمِ الإماء العوارك (٧)، فأطعتم فُسَّاق أهلِ العراق في عَيْبه، وأجزرتموه مُرَّاق أهلِ مصر، وآويتُم قَتَلَتَه. فالتفت ابنُ عباس إلى معاوية، فقال له: واللهِ ما تكلَّم ابنُ النابغة (٨) إلا عن رأيك، وإنَّ أحقَّ الناس مَنْ طُلب منه دمُ عثمان لَأنتما (٩). أما (١٠) أنت يا معاوية؛ فزيَّنْتَ له ما صنع، حتى إذا حُصِرَ، طلبَ نُصرتك، فتربَّصتَ عليه وتثاقلتَ عنه حتى قُتل؛ وأحببتَ قَتْلَه لتنال ما نلتَ.

стр. 3547

وأما أنت يا ابن النابغة؛ فأضرمتَ المدينة عليه نارًا، ثم هربتَ إلى الشام، ونزلتَ فلسطين تُحَرِّضُ عليه الصادر والوارد، حتى دعا. . . (١) في شِعاف الجبال حيث عزلك عن مصر، ولم تكن عنده [إلا] كذُبابٍ مرَّ على أنفه، فلما بلغك قَتْلُه دعَتْك عداوةُ أمير المؤمنين إلى أن لَحِقْتَ بهذا -وأشار إلى معاوية- فبِعْتَ منه دينَك وأمانتَك -إن كان لك دين- بمصر. فقال معاوية: يا ابنَ عباس، حسبُك، فقد عرَّضَني عمرو لك ونفسَه (٢) إلى سماع هذا، فلا جزاه الله خيرًا. دخل شريك (٣) بن الأعور الحارثي على معاوية، وكان آدمَ (٤) دميمًا، إلا أنه كان شريفًا في قومه، وكان شيعيًّا، شهد صفِّين مع علي ﵇، فأراد معاويةُ أنْ يضعَ منه، فقال: إنك لشريك، وما لله من شريك، وإنك ابنُ الأعور، والصحيحُ خيرٌ من المعيوب، وإنك لدميمٌ حِنْزَقْرَةٌ (٥) أسود، فكيف سوَّدَك قومك؟ فقال له شريك: إنك لمعاوية، وهل معاويةُ إلا كلبةٌ عَوَتْ فاستَعْوَت الكلاب، وإنك ابنُ صخر، والسهل خير، وإنك ابنُ حَرْب، والسِّلْمُ خير (٦)، فكيف صِرْتَ أميرَ المؤمنين؟ ثم خرج مُغْضَبًا وهو يقول: أَيَشْتِمُني معاويةُ بنُ حربٍ … وسيفي صارمٌ (٧) ومعي لساني وحولي من ذوي يَمَنٍ لُيوثٌ … ضراغمة تَهُشُّ إلى الطِّعانِ فلا تبسُطْ لسانَك يا ابنَ هندٍ … علينا أَنْ بلغْتَ مدى الأماني فإنْ تَكُ للشقاء لنا أميرًا … فإنَّا لا نُقيمُ على الهوانِ وإنْ تَكُ من أميَّة في ذُراها … فإني من بني عبد المدانِ

стр. 3548

قدم معاوية المدينةَ، فدخلَ دارَ عثمان رضوان الله عليه، فقالت عائشة بنتُ عثمان، وا أبتاه! فقال: يا ابنةَ أخي، إن الناس أعطَوْنا طاعةً تحتَها أحقاد، وأظْهَرْنا لهم حِلْمًا تحته غضب، ومع كل إنسان سيف، فإن نَكَثْنَا بهم نكثوابنا، ولا ندري أتكون لنا أو علينا، ولأَنْ تكوني ابنة عمّ أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأة رجل من أعراض المسلمين (١). وقف أبو الدرداء يومًا بباب معاوية، فحجبَه، فقال: مَنْ يَغْشَ أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن وجدَ بابًا مغلقًا وجد إلى جانبه بابًا مفتوحًا، إنْ دعا أجيب، وإنْ سألَ أُعطِي. وبلغ معاويةَ، فأَذِنَ له واعتذر إليه (٢). قالت فاختة امرأة معاوية لمعاوية: لِمَ تُصانع الناس؟ فلو أخذتهم من عَلُ، كانوا الأذلِّين، وكنتَ قاهرًا لهم. فقال لها: إن في العرب بعدُ بقيّة، ولولا ذلك لجعلتُ عاليَها سافلَها. فقالت له: واللهِ ما بقيَ أحدٌ إلا وأنت قادرٌ عليه. فقال لها: هل لكِ أن أُريَكِ بعضَ ذلك منهم؟ قالت: نعم. فأدخلَها بيتًا، وأسبل (٣) عليها سِتْرًا، ثم أمرَ حاجبه أنْ يُدْخِل عليه رجلًا من قيس. فأدخلَ رجلًا يقال له: الحارث، فقال له معاوية: إيهِ يا حُوَيرث، أنت الذي تطعنُ في الخلافة، وتنتقصُ أهلَها، واللهِ لقد هممتُ أنْ أجعلَك نَكالًا. فقال: يا معاوية، ألهذا دعوتَني؟ واللهِ إنَّ ساعدي لشديد، وإنَّ رُمْحي لمديد، وإنَّ سيفي لحديد، وإن جوابي لَعتِيد، وإن لم تأخذ ما أُعطِيتَ بشكر؛ لَتُنْزَعَنَّ عمَّا نكره بصُغْر. فقال: اخْرجْ. فقالت فاختة: ما أقوى قلبَ هذا وأجرأَه! [فقال معاوية:] وما ذاك إلا بإدلاله بطاعة قومه له. ثم قال للحاجب: أدخِلْ آخر. فدخل رجلٌ يقال له: جارية. فقال له: إيه يا جُويرية (٤)، أنت الذي بلغني عنك تخبيبُ الجند (٥)، وقلَّةُ الشكر. فقال: يا معاوية،

стр. 3549

وعلام تُشكر؟ فواللهِ ما تُعطي إلا مداراةً، ولا تحلُمُ (١) إلا مصانعةً، فاجْهَدْ جَهْدَك، فإن ورائي من ربيعة ركنًا شديدًا، لم تَصْدَأ (٢) أدرعُهم مُذْ جَلَوْها، ولا كلَّتْ سيوفُهم مُذْ شحذُوها. فقال: اخْرُجْ. فخرج. ودخل رجل آخر من اليمن يقال له: عبد الله، فقال: إيهِ يا عُبيد الله (٣)، ألحقتُك بالأقوام، وأطلقتُ لسانَك بالكلام، ثم يبلغُني عنك ما يبلغُني من سوء الإرجاف، لقد هممتُ أن أجعلَك عبرة لأهل الشام. فقال: يا معاوية، ألهذا دعوتَني؟! صغَّرتَ اسمي ولم تنسبني إلى أبي، وإنَّما سُمّيتَ معاويةَ باسم كلبة عَوَتْ، فارْبَعْ على ظَلْعِك (٤)، فذلك خيرٌ لك. فقال: أخرج. فخرج. وخرجَتْ فاختة، فقالت: أيها الرجل، صانِعِ الناس وسُسْهُم برفقك وحلمك، فأبعدَ الله مَنْ لامَك. وخطبَ معاويةُ يومًا بالمدينة، فقام إليه غلام من الأنصار، فقطعَ عليه الكلامَ، وقال: ما الذي جعلك وأهلَ بيتك أحقَّ بهذه الأموال منَّا، وإنَّما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا، وما لنا عندك ذنب غير أنَّا قتلنا جدَّك عُتبة، وأخاه شيبة، وخالك الوليد بنَ عتبة، وأخاك حنظلة يومَ بدر. فقال معاوية: واللهِ يا ابن أخي، ما أنتم قتلتموهم، ولكنَّ الله قَتَلَهم بملائكة على أيدي بني أبيهم، وما ذاك بعارٍ ولا مَنْقَصَة. فقال الأنصاري: فأين العار والمَنْقَصةُ إذًا؟ قال: صدقتَ (٥). وكان بين يديه مال، فقال: احملْ منه ما شئتَ. فحملَ وقْرَه، وعاد معاوية إلى خطبته. وخطب معاوية، فنال من عليّ (٦)، فقام أبو الدَّرداء إليه وقال: كذبتَ يا معاوية، ليس هو كما تقول. فنزل معاوية من المنبر، فقال له يزيد: أتحتملُ هذا كلَّه؟! فقال: مَهْ، إنَّه من عُصْبةٍ عاهدوا اللهَ لا يسمعوا كذبةً إلا ردُّوها.

стр. 3550

وقال معاوية لأبي الجَهْم بن حُذيفة: أيُّنا أسنُّ؟ أنا أم أنتَ؟ فقال أبو الجَهْم: واللهِ لقد أكلتُ في عُرْس أمِّك، وأذكرُ دخولَها على زوجها. فقال معاوية: على أيِّ أزواجها؟ قال: على حفص (١) بن المغيرة. فقال معاوية: واللهِ لقد كانت كريمةَ المناكح، وإيَّاك يا أبا الجَهْم والقُدومَ (٢) بعدها على السلطان بمثل هذا، فأمْرُ السلطان كاللعب، وصَوْلَتُه كالأسد. وفي رواية: فإنَّه يغضب غضب الصِّبيان، ويصولُ صَوْلَةَ الأسد (٣). فقال أبو الجَهْم: نميلُ على جوانبِه كأنَّا … إذا مِلْنا نميلُ (٤) على أبينا نُقَلّبُهُ (٥) لِنَخْبُرَ حالتَيهِ … فنَلْقَى (٦) منهما كَرَمًا ولِينا وهجا عُقبة (٧) الأسديّ معاويةَ من أبيات: مُعاويَ إننا بَشَرٌ فأَسْجِحْ (٨) … فلسنا بالجبال ولا الحديدِ أكلْتُم أرضَنا فَجَرَدْتُموها … فهل من قائمٍ أو من حَصِيدٍ فهَبْنا أمةً هَلَكَتْ ضَياعًا … يزيدُ أميرُها وأبو يزيدِ أتطمع في الخلود إذا هَلَكْنا … فليس لنا ولا لك من خلودِ فلما وقف معاوية على الأبيات، استشار أصحابَه فيه، فقال قوم: اقتُلْه. وقال آخرون: مَثِّلْ به. وقال قوم: افعل به كذا وكذا. فقال معاوية: ألا نفعلُ ما هو خير لك فقال: وما هو؟ قال: ارفعوا أيديَكم لندعوَ عليه (٩).

стр. 3551

ثم دعاه معاوية فقال: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: نصحتُك إذْ غَشُّوك، وصَدَقتُك إذْ كَذَبُوك. فقال: ما أظنُّك إلا صادقًا. وقضى حوائجَه (١). دخل أبو بُردة بن أبي موسى حمَّامًا، فزحَمَ رجلًا، فرفع الرجل يَدَه، فلطَم أبا بُرْدَة في وجهه، فقال عقبة الأسدي: لا يَصْرِمُ اللهُ اليمينَ التي لها … بوجهك يا ابنَ الأشعريّ نُدوبُ فاستعدى عليه معاوية، فقال: إنه هجاني. قال: وما قال: قال: فأنشده البيت. فقال: هذا رجل دعا ولم يقل إلا خيرًا. فقال أبو بُردة: فقد قال: وأنت امرؤٌ في الأشعرين مقابَلٌ (٢) … لديهم وفي البطحاء (٣) أنت غريبُ فقال معاوية: وإذا كنتَ في الأشعريين مقبلًا؛ فما ذاك؟ فقال: فقد قال: ولا أنا من حُدَّاثِ أمِّك بالضُّحى … ولا مَنْ يزكِّيها بظهر مَغِيبِ (٤) فقال معاوية: وماذا عليه إذا لم يزكِّها؟ ولو كان قال: أنا من حُدَّاثها؛ لكان لك أن تغضب. ثم قال معاوية: والذي قال لي أشدُّ. يعني قوله: معاويَ إننا بشرٌ فأَسْجِحْ … فلسنا بالجبال ولا الحديدِ (٥) الأبيات المتقدَّمة.

стр. 3552

افتخر يومًا معاوية فقال: إن الله فضَّل قريشًا بثلاث، فقال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ونحن عشيرتُه، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ونحن قومُه، وقال: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ﴾ ونحن قريش. فقام فتى من الأنصار، دقال: على رِسْلك يا معاوية، فإنَّ الله يقول: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، وأنتم قومُه. وقال: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، وأنتم قومُه، ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وأنتم قومُه. فهذه ثلاث بثلاث. فأفحمه (١). ذكر بعض الوافدين عليه: وَفَدَ عليه الأحنف بن قيس، ومحمد بنُ الأشعث الكِنْدي، فأذِنَ للأحنف أولًا، ثم أذن لمحمد، فهرولَ محمد فدخل أولًا، فشقَّ ذلك على معاوية وغضب وقال: يا ابنَ الأشعث، كيف (٢) تقدَّمتَ أبا بَحْر (٣) ولم آذَنْ لك قبلَه؟ وإنَّا كما نلي أمورَكم؛ فكذا نلي أدبكم. وواللهِ ما يزيدُ متزيِّد في حظِّه (٤) إلا لنقصٍ يجدُه في نفسه، فإيَّاك إياك. ووصلَ الأحنفَ، وحرمَ ابنَ الأشعث (٥). الحسن بن علي ﵇ - وفد عليه مرارًا. قال معاوية يومًا والحسن ﵁[عنده]: مَنْ أكرمُ الناسِ أبًا وأمَّا، وجَدًّا وجدَّةً، وعمًّا وعمَّة، وخالًا وخالةً؟ فقال له عبد الله بن العجلاني (٦): هذا القاعد. وأشار إلى الحسن. فقال معاوية: صدقتَ.

стр. 3553

حُضَيْن (١) وفي حُضَين يقول علي ﵇ يوم صِفِّين: لِمن رايةٌ سوداءُ يخفقُ ظلُّها … إذا قيل قَدِّمْها حُضَينُ تَقَدَّما فيوردُها في الصفِّ حتى يُقيلَها (٢) … حِياضَ المنايا تقطرُ الموتَ والدِّما قال ابن ماكولا: كان الحُضين أثيرًا (٣) عند بني أمية، فقتله أبو مسلم الخُراساني (٤). وقال العسكري: كان من سادات ربيعة، ولَّاه علي ﵁ إصْطَخْر، وحملَ راية ربيعة يومَ صفِّين، وكان يُبَخَّل. وفيه قال زياد الأعجم: يَسُدُّ حُضَيْنٌ بابه خشية القِرى … بإصْطَخْرَ والكبشُ السمينُ بدرهمِ أسند حُضَيْن عن عثمان، وعليّ، والمهاجر، والمجاشع بن مسعود. وكان إذا دخل على حُضَين خَتَنُهُ على أخته، أو صهرُه على ابنتِه، تنحَّى له عن مجلسه. وقال: مرحبًا بمن ستر العورة، وكَفَى المُؤْنة. كان الحُضَيْن بخراسان مع قتيبة بن مسلم. حُضَيْن بن المنذر (٥)، وفدَ على معاوية، وكنيتُه أبو ساسان (٦)، فكان يقف ببابه ولا يؤذن له إلا في آخر الناس، ما كان يُعطي الحاجب والبوَّاب شيئًا. فقال له معاوية يومًا: يا أبا ساسان، ما لك لا تدخلُ إلا في آخر الناس؟ فقال: وكلُّ خفيفِ الشأنِ يسعى مشمِّرًا … إذا فتحَ البوَّابُ بابَك إصبعا ونحن الجلوسُ الماكثون رزانةً … حياءً إلى أن يُفتحَ البابُ أجمعا

стр. 3554

فأشار إليه معاوية: أنْ أَعْطِهِم شيئًا (١) ومن الوافدين على معاوية: ثَوْبُ (٢) بن تُلْدَة الوالبي الأسدي أحد المُعمَّرين المخضرمين، عاشَ مئتين وأربعين سنة، وفدَ على معاوية. وقال في سنِّه وعُمرهِ: وإنَّ امرءًا قَدْ عاشَ عشرين حَجَّةً … إلى مئتين كلُّها هو دائبُ لَرَهْنٌ لأحداثِ المنايا وإنَّما … يُلَهِّيهِ في الدنيا مُناهُ الكواذبُ دخل على معاوية فقال له: كيف بصرُك؟ قال: أحدُّ ما كان. قال: فكيف مشيُك؟ قال: كنتُ أمشي، فأنا اليومَ أُهَرْول. قال: أدركتَ أميةَ بنَ عبد شمس؟ قال: نعم، رأيتُه وهو أعمى وله عبدٌ يقودُه، ولقد رأيتُه يطوف بالبيت، فلا أدري أنِّي (٣) أكبر أم هو. قال: فكيف أكلُك؟ قال: كنتُ آكلُ مرَّةً، فأنا آكلُ اليوم مرتين، وكنتُ أرى هلالًا واحدًا، وأنا اليوم أراه هلالين. وهو القائل (٤): لقد عَلِمَتْ بالقادسيَّة أنَّني … صبورٌ على اللَّأْواء عَفُّ (٥) المكاسب أخوضُ بسيفي غمرةَ الموت مُعْلِمًا … وأقدمُ إقدامَ امرئٍ غيرِ هائبِ (٦)

стр. 3555

وفَوْقي دِلاصٌ ذاتُ شَكٍّ حصينةٌ … كأنَّ قَتِيرَيها عيونُ الجَنادبِ (١) وإمَّا تَرَينِي قَلَّ مالي فقُلُّهُ … لدفع خطوب جمَّةٍ ومعائبِ (٢) إذا قلَّ مالي لم أَلُذْ (٣) بذوي الغنى … ولكن أخشِّنُ الحوادثَ (٤) جانبي وإنْ بلدةٌ نأَتْ (٥) عليَّ طِلابُها … صرفتُ لأخرى رحلتي وركائبي وإنْ مرَّ من دهرٍ عليَّ حوادثٌ … تشيب النواصي بعد شيبِ الحواجِبِ فلستُ إذا ما الدَّهْرُ أحدثَ نكبةً … بأخضعَ ولَّاجٍ بيوتَ الأقارب صُحَار بن عبَّاس (٦) العَبْدي [ذكر المدائني أنه] وفدَ على معاوية، وكان أزرق، فقال له معاوية: يا أزرق. فقال: خير البُزَاة الزُّرْق. فقال [له]: يا أحمر. فقال: [خير] الذهب الأحمرُ (٧). فقال له: ما هذه البلاغةُ فيكم يا عبد قيس؟ فقال: شيء يعتلجُ في صدورنا، فنَلْفِظُه كما يلفِظُ البحرُ الزَّبَد. قال: فما رأسُ البلاغة؟ قال: أن تقولَ ولا تُخطئ، وتعجلَ ولا تُبطئ. ثم وصف قبيلتَه وقال: ومنَّا عبد الله بن سوار (٨)، خرج في أربعة آلاف إلى ثغر السِّنْد، فلم يُوقِدْ أحدٌ في عسكره نارًا بطعام، حتى أتى البلاد. ورأى يومًا في عسكره نارًا، فقال: ما هذه النار؟ فقيل له: امرأةٌ ولدَتْ؛ اتخذوا لها خبيصًا. فأمَرَ أن يُطْعَمَ العسكر كلُّهم الخَبِيص ثلاثةَ أيام. وأما صعصعة بن صُوحان فأبلغُ أهل زمانه.

стр. 3556

ظالم بن عَمْرو، أبو الأسود الدّيلي وفدَ على معاوية، فحَبِقَ (١)، فخجلَ، فقال: اسْتُوْها عليَّ يا أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لا بأس عليك. إنَّ هذا الذي فعلتَه أفعلُه أنا وأبي (٢). عبد الله بنُ جعفر وفدَ عليه، وله معه واقعاتٌ، تُذكر في ترجمته. عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعريّ وفد عليه بعد التحكيم وعليه برنس أسود، فلما خرج من عنده قال: وفدَ علينا الشيخ لنُولِّيَه، وواللهِ ما ولَّيناهُ أبدًا (٣). عديّ بن حاتم الطائي دخل على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال له (٤): يا أبا طريف، متى ذهبَتْ عينُك؟ فقال: يومَ فرَّ أبوك، وقُتل خالُك (٥)، وضُربتَ على قفاك، وأنا مع الحقِّ، وأنت مع الباطل. فقال معاوية: إنَّ طَيِّئًا كانوا لا يحجُّون البيت، ولا يُعظِّمون حُرْمَتَه. فقال عديّ بن حاتم: كانوا يفعلون ذلك حيث يعلمون أنَّ البيت لا ينفع قربُه، ولا يضرُّ بُعْدُه، فلما علموا ذلك؛ كانوا أغلبَ الناس عليه، كانت طَيِّئ وخَثْعَم لا يحجُّون البيت، وكانوا يُسَمَّوْن الأَفْجَران (٦).

стр. 3557

ولما وفد على معاوية قال له: [ما] أنصفَك ابنُ أبي طالب، حيث قُتل أولادُك؛ طريف وطَرَفة وطراف (١)، وبقيَ أولادُه! فقال له عديّ: ما أنصفتُه أنا حيث استُشهد، وبقيتُ بعدَه. فقال معاوية: قد بقيَتْ من دم عثمان قطرة لا يمحوها إلا دمُ شريفٍ من أشراف اليمن. يعني عديًّا. فقال له عديّ: واللهِ إنَّ القلوبَ التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإنَّ سيوفَنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدْنَيتَ (٢) إلينا من الغدر شبرًا لَنُدْنِيَنَّ إليك من الشَّرِّ باعًا (٣)، وإنَّ جزَّ الحلقوم وحَشْرَجةَ الحَيزُوم (٤) لأهونُ علينا [من] أن نسمعَ المساءةَ في أمير المؤمنين. فقال معاوية لكاتبه: اكتُبْها، فإنَّها كلمةٌ حكيمةٌ (٥). عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة كتب معاوية إليهما، فأقدَمَهما. [فقدم] عمرٌو من مصر، والمغيرةُ من الكوفة، فاجتمعا قبل الدخول عليه، فقال عمرو للمغيرة (٦): ما دعانا إلا ليعزلنا، فإذا دخلتَ عليه، فاشتك الضعف، واستأذِنْه في إتيان المدينة، وأَستأْذنُه أنا في إتيان مكة، فإنه سيقع (٧) في قلبه [أنَّا] إنما نُريد الفساد عليه، وتغيير قلوب الناس، فلما دخلا عليه ذكرا له ذلك، فقال: لقد تَواطَأْتُما على أمر، وإنكما لَتريدان شرًّا، ارجعا إلى عملكما. مسكين الدارمي (٨) الشاعر، وفدَ على معاوية، فأنشد أبياتًا، منها:

стр. 3558

ما ضرَّ لي جارًا أُجاورُه … أن لا يكون لِبابِهِ سِتْرُ أعمى إذا ما جارتي خَرَجَتْ … حتى يُوارى جارتي الخِدْرُ وتَصَمُّ عمَّا بينهم أُذُني … حتى تكونَ كأَنْ بها وَقْرُ الوليد بن عقبة ابن أبي مُعَيْط بن أبي عَمرو بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو وَهْب، كان من رجال قريش ظَرْفًا، وحِلْمًا، وشجاعة، وأدبًا، وكان من الشعراء المطبوعين. ومن ولده عَمرو، أبو قَطِيفة، الشاعر، سيَّره عبدُ الله بن الزبير مع بني أمية إلى الشام لَمَّا نفاهم، فقال: أقطعُ الليلَ كلَّه باكتئابٍ … وزفيرٍ فما أكادُ أنامُ وبقومي بُدِّلْتُ لَخْمًا وكَلْبًا … وجُذامًا وأين منِّي جُذامُ أقْرِ عني السلامَ إن جئتَ قومي … وقليلٌ لَهُمْ لَدَيّ السلامُ فبلغ ابنَ الزُّبير، فرقَّ له وقال: حَنَّ أبو قَطِيفة، من لَقِيَه فليُخبره أنه آمِنٌ. وبَلَغَه، فرجع إلى المدينة، فمات في طريقه قبل أَنْ يصلَ إليها (١). يزيد بن الأسود، أبو عَمرو الجُرَشي [قال الواقدي:] قدم على معاوية -وكان صالحًا زاهدًا- وقد أجدبت الأرض، وانقطع الغيث، فخرج به إلى المُصَلَّى وقال: اللهمَّ إنَّا نتوسَّلُ إليك بخيارنا وأفضلِنا يزيدَ بنِ الأسود، ثم قال: قُمْ يا يزيد، فارْفَعْ يدَيك، فقام ورفع يَدَيه، ورفعَ الناسُ أيديَهم، فَسُقُوا حتى كادوا أن لا يبلغوا منازلَهم. [وذكر ابنُ عساكر يزيدَ بنَ الأسود وقال (٢):] أدرك يزيد الجاهليَّة، وأسلمَ، ولم يلقَ رسولَ الله ﷺ ، وسكن الشام بقرية [يقال لها:] زِبدين، من أعمال الغوطة،

стр. 3559

وكانت له دارٌ بدمشق، وكان يخرجُ من دمشق إلى زِبْدِين، فتُضيءُ له إبهامُه اليمنى، فلا يزال يمشي في ضوئها حتى يبلغَ زِبْدِين. وكان يسكن داخل الباب الشرقي، فروي أنه كان يصلي العشاء الآخرة بدمشق، ثم يخرج (١) إلى زِبْدِين. وهو من الطبقة الأولى من التابعين. وذكره بعضهم في الصحابة. وكان يسير هو ورجلٌ من أهل حمص في أرض الروم، فسمعَ مناديًا ينادي: يا يزيد بن الأسود، إنَّك لمن المقرَّبين، وإنَّ صاحبك لمن العابدين. فكان الأوزاعي إذا حكى هذه الحكاية يقول: إلى ها هنا (٢) انتهى الفضل. [قال:] (٣) وكان يزيد كثيرَ الغزو، وكانوا يرون أنه من الأبدال، وكان قد حلف أن لا يضحك، ولا ينام مضطجعًا، ولا يأكل سمينًا، حتى يلقى الله. فمات وهو على ذلك. [قال:] (٤) واستسقى به الضحَّاك بن قيس بعد موت يزيد بن معاوية، فقال له: قُمْ يا بكَّاء، فاشْفَعْ لنا إلى ربك. فعطف بُرْنُسَه على منكبه، وحسر عن ذراعيه وقال: اللهم إنَّ عبادك هؤلاء يستشفعون بي إليك. فما دعا إلا [دعاءً] قليلًا حتى مُطروا مطرًا كادوا يغرقون منه. ثم قال: اللهمَّ إنَّ هذا قد شَهَرَني -يعني الضحَّاك- فأَرِحْني منه. فما مضت جمعة حتى قُتل الضحَّاك. وكان يزيد معتزلًا للفتن. ربيعة بن عِسْل اليَرْبُوعي من أهل البصرة، وفدَ على معاوية، فقال له: أعنّي على بناء داري باثني عشر ألف جذع، فقال له: وكم سعة دارك؟ قال: فرسخان في فرسخين. فقال: دارك بالبصرة، أو البصرة في دارك؟!

стр. 3560

وخطب إلى معاوية ولم يُزوِّجه (١). عُبَيد (٢) بن سَرِيَّة الجُرْهُمي عاش ثلاث مئة سنة (٣)، وأدرك الإسلام، وأسلم، وقصد معاويةَ بالشام، فقال له: كيف وجدتَ الدنيا؟ فقال: يوم كيوم، وليلة كليلة. فقال له معاوية: ما أحسنُ الأشياءِ في عينك؟ قال: عينٌ خرَّارة في أرضٍ خَوَّارة. قال: ثم ماذا؟ قال: فَرَسٌ في بطنها فَرَس. قال: أَقِمْ عندنا. قال: إن أبي وأمي هلكا في مثل هذه السنة، ونفسي تحدِّثُني أني هالك فيها، فلا حاجة لي في المُقام عندك. فقال له معاوية: سلني حاجتَك. فقال: أمَّا الآخرةُ فإنَّها بيد غيرك، وأمَّا الدُّنيا فما تقدرُ على ردِّ شبابي، فما أسألُك؟ فقال: هل رأَيتَ حَرْبًا؟ يعني جدَّه. قال: رأيتُ أميةَ أعمى (٤) يقودُه غلامٌ له يقال له: ذكوان. فقال: لا تقل هذا، فإنَّهم سادةُ الحيّ. فقال: قد قلتُ ما رأيتُ، فقُلْ أنتَ ما شئتَ (٥). عمرو بن عامر السلمي دخل على معاوية وهو شيخ كبير يُرْعَشُ، فقال له معاوية: كيف تجدُك يا عمرو؟ فقال: أحببتُ (٦) النساء وكنَّ الشفاء (٧)، وفقدتُ المَطْعَمَ وكان المَنْعَم، وثقُلْتُ على وجه الأرض، وقَرُبَ بعضي من بعض، فنومي سُبات، وفهمي هَفَوات (٨)، وسمعي تارات. قال: فهل قلتَ في ذلك شعرًا؟ قال: نعم، فأنشده:

стр. 3561

إذا ذهبَ القَرْنُ الذي أنتَ فيهمُ … وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنتَ غريبُ وما للعظامِ البالياتِ من البِلَى … شفاءٌ وما للرُّكبَتين طبيبُ وإنَّ امْرَأً قد سارَ تسعين حِجَّةً (١) … إلى مَنْهلٍ من ورْدِهِ لَقريبُ فقال له معاوية: ما تُحبُّ؟ قال: عشرةَ آلاف درهم، أَقضِي بها ديني، وعشرةَ آلاف درهم أَقسِمُها في أهلي وعَشيرتي، وعشرةَ آلاف درهم أُنفقُها بقيَّةَ عُمُري. فقال له معاوية: نعم. فضرب له بكلِّ عشرةٍ مئةً، فأطلقَ له ثلاث مئة ألف درهم، فقبضَها ورحل. ذكر الوافدات على معاوية: بَكَّارَة الهلاليَّة كانت قد أسنَّتْ وعَشِيَ بصرُها. [وقيل: إنها] دخلَت عليه لَمَّا قدم المدينة، فقال لها: كيف أنتِ يا خالة؟ فقالت: بخير. قال: غَيَّركِ الدهر! فقالت: الدهرُ ذو غِيَر (٢)، مَنْ عاشَ كَبِرَ، ومن ماتَ قُبِرَ. وكان عنده مروان، فقال: وهي القائلة: أترى ابنَ هندٍ للخلافةِ مالكًا … هيهاتَ! ذاك -وإنْ أراد- بعيدُ مَنَّتْك (٣) نفسُك بالخلافة ضَلَّةً (٤) … أغواك عمرو (٥) والشقيُّ سعيدُ (٦) فقال سعيد بن العاص: وهي القائلة: قد كنتُ أطمعُ أن أموتَ ولا أرى … فوقَ المنابرِ من أميَّةَ خاطبا فاللهُ أخَّرَ مُدَّتي فتطاولَتْ … حتى رأيتُ من الزمان عجائبا (٧)

стр. 3562

في كل يومٍ لا يزال (١) خطيبُهم … بين الجميعِ لآلِ أحمدَ عائبا فقالت له: يا معاوية، أنا القائلة [جميع] ما قالوا: وما خَفِيَ عنكَ أكثرُ. فضحك معاوية وقال: ما يمنعُنا ذاك من بِرِّكِ، اذْكُري حوائجَكِ. فقالت: أمَّا الآنَ فلا. ثم خرجت. الزرقاء بنت عديّ الهَمْدانيَّة [قال علماء السير:] وفَدَتْ عليه بدمشق، وكانت امرأةً فصيحةً، جَزْلَةَ الرأي، سريعةَ الجواب، وكانت في أيام صِفِّين تقومُ بين الصفوف، وتُحرِّضُ الناسَ على قتال معاوية، وكانت تحبُّ أميرَ المؤمنين ﵁. ولما صالح الحسنُ ﵁ معاويةَ وعاد إلى الشام؛ جلس ليلةً (٢) يَسْمُرُ وعندَه عَمْرو بن سعيد (٣)، وعُتبة بن أبي سفيان (٤)، والوليد بن عتبة (٥)، ذكروها وما فعلت بصِفِّين، فكتب إلى المغيرة بن شعبة أن يُوفدَها عليه مع فرسان من قومها مكرَّمة. فأرسل إليها المغيرةُ، فأخبرها، فقالت: إنْ كان الأمرُ إليَّ؛ فلا حاجةَ لي إليه، وإن كنتُ مُكْرَهة فالمُكْره معذور. فجهَّزها إلى معاوية، فلما دخلَتْ عليه وعنده من سَمَّينا؛ قال: مَرْحَبًا وأهلًا. فقالت: عندك المَرْحَبُ والأهل. فقال: كيف كان مسيرُك؟ قالت: كريمة كَرَبِيبَةِ بيتٍ، أو كطفل مُهِّدَ له (٦). فقال: ألستِ الراكبةَ يوم صِفَين الجملَ الأحمرَ تُوقِدين نارَ الحرب، وتُحرِّضين الناسَ على قتالي؟ قالت: بلى. قال: فإنك قد شَرَكْتِ ابنَ أبي طالب في كل دم سفَكَه. فقالت: أحسنَ اللهُ بِشارَتَك. فقال: واللهِ لَوَفاؤُكم له بعد وفاتِه أعجبُ من حُبِّكم له في حال حياته! فقالت: مات الرأسُ وبُتر الذَّنَب، ولن يعودَ ما ذهب، والدَّهرُ ذو غِيَر، ومن تفكَّر اعتبر. فقال: وهل تحفظين مِمَّا كنتِ تقولين شيئًا؟ قالت: لا والله. قال: فأنا أحفظُ منه، كأني بكِ وأنتِ تقولين: أيُّها الناسُ، إنكم قد أصبحتُم في فتنة غَشَّتْكُم جلابيبَ

стр. 3563

ظُلَمِها، وجارَتْ بكم عن قَصْدِ المَحَجَّة (١)، فيا لَها من فتنةٍ عمياءَ صمَّاءَ بكماء، لا تَسْمَعُ لِناعِقِها، ولا تَسْلَسُ لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، وإن الكواكب لا تُنير مع القمر، وإن الحديد بالحديد يُفْلَح، وإنَّ خضاب النساء الحِنَّاء، وإنَّ خضابَ الرجالِ الدماء (٢). فهلمُّوا قُدُمًا غيرَ ناكصين ولا متشاكسين. وذكر كلامًا طويلًا. ثم قال لمن عنده: ما تَرَوْن فيها؟ قالوا: اقْتُلْها. قال: بئس ما أشَرْتُم! أيحسُنُ بمثلي أن يُقال عنه: إنه قتلَ امرأةً بعد ما ظَفِرَ بها (٣)!. ثم قال لها: اذكُري حاجتَكِ. فقالت: آليتُ على نفسي أن لا أسألَ أميرًا شيئًا، ومثلُكَ مَنْ يجودُ من غير طلب، ويُعطي من غير مسألة. فأحسنَ إليها ووصلَها ومَنْ معَها بجوائزَ سَنِيَّة، وكتبَ إلى المغيرة يُوصيه بها. سَوْدَة بنت عُمارة بن زهير (٤) الهَمْدَانيَّة وفدَتْ على معاوية، وكانت مِمَّن شَهِدْنَ صِفِّين مع أمير المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالب رضوان الله عليه، فقال لها: أنت القائلة لأخيك يوم صِفِّين: شَمِّرْ كفعلِ أبيك يا ابنَ عُمارةٍ … يومَ الظِّعان ومُلتَقَى الأقرانِ وانْصُرْ عليًّا والحسينَ ورَهْطَهُ … واقْصِدْ لهندٍ وابنِها بهوانِ وقُدِ الجيوشَ وسِرْ أمامَ لوائِهِ … قُدُمًا بأبيضَ صارمٍ وسِنانِ فقالت: دَعْ عنك أذكارَ (٥) ما مضى، فإنه قد نُسيَ. فقال: وما حملَكِ على ذلك؟ فقالت: حبُّ عليٍّ واتِّباعُ الحقّ، وأَنشُدُك اللهَ اتِّباعَ ما قد مضى. فقال: ما مثلُ مقامِ

стр. 3564

أخيكِ يُنْسَى. فقالت: فات أمسِ، فخُذْ في اليوم. فقال: اذكري حاجَتَكِ. فقالت: قد أصبحتَ للناس سيِّدًا، ولأمورهم متقلِّدًا، واللهُ سائلُك عمَّا افترضَ عليك من حقِّنا، ولا تزال تُقْدِمُ علينا من يَنُوء بعزِّك، ويبطش بلسانك (١) ويحصدنا حَصْدَ السُّنْبُل، ويدوسُنا دَوْسَ البقر، ويدُقُّنا دَقَّ الحصيد، ويسومُنا الخَسِيسَة، وهذا ابنُ أرطاة (٢) قدمَ بلادَنا، فقَتلَ رجالنا، واستصفى أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومَنَعة، فإمَّا عَزَلْتَه فشكرناك، وإمَّا تركتَه فذَمَمْناك. فقال: أتُهدِّديني بقومكِ؟! واللهِ لقد هممتُ أن أردَّكِ إليه على قَتَب (٣) أشْرَس، فيُنْفِذَ حكمَه. فسكتَتْ وقالت: صلَّى الإلهُ على رُوحٍ تضمَّنَها … قبرٌ فأصبحَ فيه العَدْلُ مَدْفُونا قَدْ حالفَ الحقَّ لا يبغي به بَدَلًا … فصار بالحقِّ والإيمانِ مَقْرُونا قال: ومَنْ ذاك؟ قالت: أميرُ المؤمنين أبو حسن. فقال: ما أرى عليكِ أثرًا منه. قالت: بلى. ولَّى صدقاتِنا رجلًا فحاف علينا. . . (٤)، فأتيتُه وهو قائم يصلِّي، فانصرفَ من صلاته، ثم قال برحمة ورأفة وتعطُّف: ألكِ حاجة؟ فأخبرتُه، فبكى، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهمَّ إني لم آمُرْه بذلك، ولا أرْضَى بظلم الرعيَّة. ثم أخرجَ من جيبه قطعة جِراب (٥)، فكتبَ فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ الآية (٦). إذا أتاك كتابي هذا فاغتَزِلْ عملَنا. فقال معاوية: يا أهل العراق لقد جرَّأكم ابنُ أبي طالب على الولاة، وغَرَّكم قولُه:

стр. 3565

فلو كنتُ بوَّابًا على بابِ جنَّةٍ … لقلتُ لهَمْدان ادخُلي بسلامِ ثم قال: اكتُبوا لها إلى العامل بالعدل والإنصاف. فقالت: ألي خاصَّة، أم لقومي عامَّة؟ فقال: وما أنتِ وقومُك؟ فقالت: إنه واللهِ لَلُؤْمٌ انفرادي عنهم، فإنْ كان عدلًا شاملًا؛ وإلَّا وَسِعَني ما وسِعَ قومي. فقال: اكتبوا لها ولقومها. عِكْرِشَة بنت الأطرش (١) دخلَت على معاوية مُتوكّئة على عُكَّاز، فسلَّمت عليه بإمرة المؤمنين، فقال: يا عِكْرِشة، الآن صِرتُ أميرَ المؤمنين؟! فقالت: نعم إذْ لا أبو حسن حيّ. فقال: ألستِ المتقلِّدةَ حمائلَ السيف في صِفِّين، وأنتِ قائمةٌ بين الصَّفَّين تقولين: أيُّها الناس، إن معاوية قد دَلَفَ (٢) إليكم بعُجْم العَرَب، غُلْفِ القلوب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبُّوه، فاللهَ اللهَ عبادَ الله في دين الله، وإياكم والتَّثبُّط (٣)، فإنه ينقُضُ عُرى الإيمان، ويُطفئ نورَ الحقّ. هذه بدرٌ الصغرى، والعقبةُ الأُخرى، يا معاشرَ المهاجرين والأنصار، امْضُوا على بصيرتكم (٤)، واصبرُوا على عزيمتكم، لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتُم، ألا وإنَّ الجنة تحت ظِلال السيوف، وهذا معاويةُ قد أتاكم بأهل الشام، كالحُمُر الناهقة، وأنتم أُسُودُ الشَّرَى (٥). قال: ما الذي حملكِ على ذلك؟ فقالت: دَعْ عنكَ هذا، فقد كانت صدقاتُنا تُؤخذ من أغنيائنا، فتردُّ في فقرائنا، وقد فقدنا ذلك، فما يُجْبَرُ لنا كَسِير، ولا يُنْعَشُ لنا فقير. فأمر بردِّ صدقاتِهم فيهم (٦).

стр. 3566

أمّ سِنان المَذْحِجِيَّة وفَدَتْ عليه متظلِّمةً من مروان بن الحَكَم؛ حبس غلامًا، هي جدَّتُه، فدخلَتْ عليه فقال: مَنْ أنتِ؟ فانتسبَتْ له، فعرفَها، فقال: ما الذي أقْدَمَكِ علينا اليوم، وبالأمسِ تشتميننا، وتُحرِّضين علينا عدوَّنا؟ فقالت: إنَّ لبني عبد مناف أخلاقًا طاهرة، لا يجهلون بعد علم، ولا يَسْفَهون بعد حِلْم، وإنَّ أولى [الناس] باتِّباع ما سنَّه آباؤه لأنتَ. فقال: أنسيتِ قولكِ: يا آلَ مَذْحِجَ لا مُقامَ فشَمِّرُوا … إنَّ العدوَّ لآل أحمدَ يرصُدُ (١) هذا عليٌّ كالهلالِ تحفُّهُ … وَسْطَ السماء من الكواكب أَسْعُدُ (٢) خيرُ الخلائق وابنُ عمِّ محمدٍ … إنْ يهدكُمْ فاليوم (٣) منه تهتدوا فقال بعض جلسائه وهي القائلة: إمَّا هلكتَ أبا الحُسَينِ (٤) فلم تزل … بالحقّ (٥) تعرف هاديًا مهديَّا قد كنتَ بعد محمد خَلَفًا كما (٦) … أوصى إليك بنا وكنت وَفِيَّا (٧) فاليومَ لا خَلَفٌ يؤمَّل (٨) بعدَهُ … هيهات نأمل (٩) بعدَه إنْسيَّا فقالت: يا معاوية، واللهِ ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هذا وأمثالُه، فادْحَضْ مقامَهم، وأبْعِدْ منزلتهم عنك تزدَدْ من الله قُرْبًا ومن المسلمين حُبًّا، كان أَميرُ المؤمنين أحبَّ إلينا منكَ، وأنْتَ أحبُّ إلينا من غيرك. قال: مِمَّنْ؟ قالت: من مروان

стр. 3567

وسعيد. قال: حاجتَكِ؟ فذكرتْ قصتها مع مروان وقالت: إنه لا يحكم بعدل، ولا يقضي بسنَّة، يتتبَّعُ عثراتِ المسلمين، ويكشف عوراتِ المؤمنين، وحبس ابني، فأتيتُه أُكلِّمُه، فأغلظ لي. فوصلها معاوية وأحسنَ إليها، وكتبَ إلى مروان ينهاه عنها، ويأمره بإطلاق ابنها. ذكر أخبار متفرقة من سيرة معاوية: ولَّاه عمر ﵁ الشام عند موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة (١). وكان عمر ﵁ كتب إلى يزيد بن أبي سفيان بغزو قَيسارَّية، فغزاها وبها بطارقةُ الروم، فخلَّف أخاه معاوية عليها. وسارَ يزيد يُريد دمشق، وأقام معاوية على قيساريَّة حتى فتحَها في شوَّال سنة تسع عشرة. وتوفّي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام، واستخلفَ أخاه على عمله، فكتبَ إليه عمر ﵁ بعهده على ما كان يزيدُ يليه من عمل الشام، ورزقَه ألف دينار في كل شهر (٢)، فأقام أربع سنين. ومات عمر ﵁، فأقرَّه عثمان ﵁ على ذلك اثنتي عشرة سنة (٣). وكان عمر رضوان الله عليه إذا دخل الشام ورأى معاوية يقول: هذا كسرى العرب (٤). وذُمَّ [معاويةُ] عند عمرَ رضوان الله عليه، فقال: دعُونا من ذمِّ مَنْ يضحكُ في الغضب، ولا يُنال ما عندَه إلا بالرِّضى، ولا يُؤخذُ ما فوق رأسه إلا كان تحت قدميه (٥). وقال [ابن] عمر: ما رأيتُ أحدًا بعدَ رسول الله ﷺ أسودَ من معاوية. قيل له: فالخلفاءُ الأربعة؟ فقال: كانوا واللهِ خيرًا منه وأفضل، وكان أسودَ منهم (٦).

стр. 3568

وكان عاملُ معاويةَ على المدينة إذا أرادَ أنْ يُبْرِدَ بريدًا نادى: مَنْ له حاجةٌ إلى أمير المؤمنين فليكتبها. فكتب زرُّ بن حُبَيش -أو أيمن بن خُرَيم- كتابًا لطيفًا، ورمى به بين الكتب، وفيه: إذا الرجالُ ولَدَت أولادُها … واضطربَتْ من كِبَرٍ أعضادُها وجعلَتْ أسقامُها تَعْتَادُها … فهي زُروعٌ قد دَنا حصادُها فلما وردت الكتب قرأ معاوية الكتاب، فقال: نعى إليَّ نفسي (١). ونظر إلى رجل في عباءة فازدراه، فقال له: إنَّ العباءة لا تُكلِّمك، وإنَّما يُكلِّمك مَنْ فيها (٢). وقال قَبِيصة بن جابر (٣) الأسديّ: صحبتُ عمر بن الخطاب ﵁، فما رأيتُ رجلًا أفقهَ ولا أحسنَ مدارسةً منه، وصحبتُ طلحةَ بنَ عُبيد الله، فما رأيتُ رجلًا أعطى الجزيل من غير مسألة مثله (٤)، وصحبتُ معاويةَ، فما رأيتُ رجلًا أثقل حلمًا، ولا أبعدَ أناةً منه، وصحبتُ زيادًا، فما رأيتُ رجلًا أشبه سريرةً بعلانية منه، ولو أن المغيرةَ بنَ شعبة جُعل في مدينة لا يُخرج من أبوابها كلِّها إلا بالغَدْر (٥) لخرجَ منها. ذكر أولاده: كان له من الولد (٦): عبدُ الرحمن، ويزيد، وعبدُ الله، وهند، وعاتكة (٧)، ورَمْلَة، وصفيَّة، وعائشة. وأولُ مولودٍ وُلد له عبدُ الرحمن، وبه كان يكنى [ولا عقبَ له.

стр. 3569

وأما عبدُ الله، فكان ضعيفًا، ولقبُه: مُبَقَّت (١)] ولا عقبَ له من الذكور. [وقال ابن عساكر:] (٢) وكنيتُه أبو الخير، وقيل: أبو سليمان، وكان يضعَّف في عقله. وأختُه هند بنت معاوية. وأمُّ عبد الرحمن وعبد الله وهند: فاختة (٣) بنت قَرَظَة بن عَبْد عَمرو بن نوفل بن عبد مناف. غزت فاختة مع معاوية قبرس سنة ثمان وعشرين، أو خمس وعشرين، وماتَتْ هناك (٤). وقيل: إن التي ماتت هناك كَنُود ابنة قَرَظة أختُ فاختة (٥). قال الطبري (٦): مات عبد الرحمن صغيرًا. ويزيد أمُّه ميسون بنت [بَحْدَل بن أُنَيف بن] دَلْجَة بن قُنافة بن عديّ بن زهير بن حارثة بن جناب الكلبيّ، ولَدَتْ له يزيد وابنةً يقال لها: أَمَةُ رَبِّ المشارق، فماتت صغيرة. رَوَتْ ميسون عن معاوية الحديث، وروى عنها محمد بن عليّ، وكانت لبيبة، وهي التي دخل عليها خَصِيٌّ، فاستترَتْ منه (٧). [قال البلاذُري: أم يزيد اسمها ميسون بنت بَحْدَل بن أُنَيف] (٨) كلبيّة، حُملت إلى معاوية من البادية، فأسكنها الخضراء (٩) بدمشق، فأقامت عنده مُدَيدَةً، فَحنَّتْ إلى وطنها، فقالت [تتذكَّر الزمنَ الماضي بهذه الأبيات]: لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني … أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفوفِ

стр. 3570

وبيتٌ تخفُقُ الأرواحُ (١) فيه … أحبُّ إليَّ من قَصرٍ مُنيفِ وكلبٌ ينبحُ الأضيافَ منّي (٢) … أحبُّ إليَّ من هِزٍّ أَلوفِ وخِرْقٌ من بني عمِّي كريمٌ … أحبُّ إليَّ من عِلْجٍ عَلِيفِ (٣) وسمعَها معاويةُ فقال: أنا العِلْجُ العَلِيف، فطلَّقَها وردَّها إلى أهلها، وذلك بعد ما ولدت يزيد. [والخِرْق، بخاء معجمة وراء مهملة: السَّخِيُّ الكريم]. ولم يكن عند معاوية أعزَّ عليه من يزيد، واجتمع عنده الخطباء، فأكثَرُوا، فقال: لأَرْمِيَنَّكُم بالخطيب المِصْقَع، قُم يا يزيد. وكان عبدُ الله بنُ معاوية من أضعف الناس عقلًا وأحمقِهم، وشهد مَرْجَ راهِط مع الضحَّاك بن قيس، فأُخِذَ أسيرًا، فأُتيَ به عَمرَو بنَ سعيد الأشدق، فقال عمرو: يا أبا سليمان، نحن نُقاتل لنَشُدَّ مُلْكَكُم، وأنت تُقاتل لتُضعفه! فقال له: اسكُتْ يا لطيم الشيطان (٤). مرَّ عبدُ الله بطحَّان قد علَّق في عنق بغلِ الطاحونة جُلاجِلَ (٥)، فقال عبد الله: لِم فعلتَ هذا؟ فقال: أنا في العِلّيَّة وهو يدور، فربَّما وقف ولم أعلم به، فجعلتُ في عنقه هذه الجُلاجِل حتى إذا وقف علمتُ. فقال: أرأيتَ لو وقفَ وحرَّك رأسَه، من أينَ تعلم أنه قد وقف؟ فقال الطحَّان: ليس له عقل مثل عقل الأمير، إذْ لو كان له عقلٌ كعقل الأمير لوقف (٦)!.

стр. 3571

وبعث عبدُ الله بن معاوية إلى خالد بن عبد الله بن أسيد بقُيَّة إلى العراق، فلما وليَ الحجَّاج وجدَها، فكتب إلى عبد الملك بن مروان يقول: إن عبد الله بن معاوية بعث بها إلى مصعب بن الزبير. فغضب عبد الملك وقال لعبد الله: ألستَ صاحبَ المَرْج، وتُهدي إلى عدوِّي قُبَّة؟! فقال: كذب الحجَّاج، إنما بعثتُ بها إلى خالد بن عبد الله. فصدَّقه عبد الملك (١). وأما هند [بنت معاوية] فتزوَّجها عبدُ الله بنُ عامر بن كُريز. [قال ابن عساكر (٢): كان دارُها بدمشق في دَرْب القلي] ولما كانت الليلة التي بنى بها ابنُ عامر امتنعت منه، فضربَها، فبكت وبَكَينَ جواريها (٣) وصِحْنَ، فسمع [ذلك] معاوية، فأُخبر الخبر، فجاء فدخل وقال لابن عامر: قَبَّحَكَ الله، مثلُ هذه تُضرب! وكانت بنتَ تسع سنين، وكان معاوية قد بنى لها دارًا إلى جانبه، وفتح لها بابًا إليه. ثم قال لابن عامر: اخرُجْ. فخرج، فقال لها معاوية: يا بُنيَّة، إنما هو بَعْلُكِ الذي أحلَّه اللهُ لكِ، وأحلَّكِ له. وأوجب الله عليك طاعته. ألم تسمعي إلى قول القائل: مِن الخَفِراتِ (٤) البِيض، أمَّا حَرامُها … فصعبٌ وأَمَّا حِلُّها فذَلُولُ ثم خرج، ودخل ابنُ عامر، فنال منها حاجته. [وقد ذكرنا أنَّ ابنَ عامر طلَّقها لَمَّا رأى الشيب في وجهه] (٥). وأمَّا عاتكة بنت معاوية (٦) فتزوَّجها يزيدُ بن عبد الملك، وفيها قيل: يا بيتَ عاتكةَ التي أَتَعَزَّلُ … حَذَرَ العِدَا وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ (٧)

стр. 3572

وأمَّا رَمْلَة بنتُ معاوية؛ [فقال البلاذُري (١):] أمُّها كَنُود بنتُ قَرَظة [أخت فاختة. قال ابن عساكر (٢):] وكانت لها دار بدمشق في طرف زقاق الرمان، وطاحونة معروفة إلى هلمَّ جَرًّا، وشهدَتْ وفاةَ أبيها معاوية، وتزوَّجت عمرو بن عثمان بن عفَّان، فولدَتْ له خالدًا وعثمان. واشتكى عمرو بالمدينة، فكان عُوَّاده يدخلون عليه ويخرجون، ويتخلَّف عنده مروان، فيُطيل، فأنكرَتْ رَمْلَةُ ذلك، فخرقَتْ كُوَّةً، وتسمَّعت عليه يومًا، فإذا مروان يقول لعمرو: ما أخذَ معاوية الخلافة إلا باسم أبيك، فما يمنعُكَ من النهوض إلى حقِّك؟ فلنحن أكثرُ رجالًا منهم، منّا فلان، ومنهم فلان، حتى عَدَّ رجال بني حرب، ورجال بني أبي العاص (٣)، وعَدَّ ابْنَيها في رجال أبي العاص. ثم إنَّ عمرًا بَرِئَ وخرجَ إلى الحجّ، وخرجَتْ رَمْلَةُ إلى الشام، فدخلت على أبيها، فقال: واسَوْأتاه! أتُطَلَّقُ الحرَّة؟! فقالت: ما طلَّقني، وإنما كان من الأمر كذا وكذا، فما زال مروان يعدُّ رجال بني العاص حتى عدَّ ابنيَّ خالدًا وعثمان، فتمنَّيتُ موتَهما. فكتب معاويةُ إلى مروان: أواضعُ رِجْلٍ فوق أُخرى تَعُدُّنا … عديدَ الحصى ما إنْ تزالُ تُكاثرُ وأُمُّكمُ تُزْجي تُؤَامًا (٤) لِبَعْلِها … وأُمُّ أخيكم نَزْرَةُ الوُلْدِ عاقرُ؟! ثم عدلَ مروان عن المدينة. وكتب إليه (٥): تُفاخرني بكثرتها قُرَيطٌ (٦) … وقَبْلَكَ طالتِ الحَجَلَ الصُّقورُ

стр. 3573

فإنْ أَكُ في عِدادكمُ قليلًا … فإنّي في عدوّكم كثيرُ بُغاثُ الطير أكثرُها فِرَاخًا … وأمُّ الصَّقْر مِقْلات (١) نَزُورُ (٢) يا مروان، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا بلغَ ولدُ الحَكَم ثلاثين رجلًا اتَخَذُوا مال الله دُوَلًا، ودينَ الله دَخَلًا، وعبادَ الله خَوَلًا" (٣). فكتب إليه مروان: إني أبو عَشَرة، وأخو عَشَرة، وعمُّ عَشَرة، والسلام (٤). وهذه رَمْلةُ هي التي كان يُشَبِّبُ بها وبأُختِها هندٍ عبدُ الرحمن بنُ حسان بن ثابت، وفيها يقول (٥): أُؤَمِّلُ هندًا أن يموتَ ابنُ عامرٍ … ورَمْلَةَ يومًا أنْ يُطَلِّقَها عمرُو [وذكر ابن عساكر في "تاريخه" وقال (٦):] قدمَ عبدُ الرحمن [بن حسان بن ثابت] الشام، فأقام بباب معاوية مدة لم يؤذن له، فقال يزيد لأبيه: اقتُلْه. قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّه قد شبَّبَ بأختي هند. قال: وما الذي قال: قال: فإنه يقول: طال ليلي وبتُّ كالمحزونِ … ومَلِلْتُ الثَّواءَ في جَيرونِ فقال معاوية: وما علينا من طُول ليلِهِ [وحُزنه] وملله؟ قال: فإنه يقول: ولذاك اغْتَرَبْتُ بالشام حتى … ظنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظنونِ فقال معاوية: وما علينا من ظنِّ أهلِه؟ قال: فإنه يقول: هيَ زَهْراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ … اصِ صِيغَتْ من جَوْهرٍ مَكْنُونِ

стр. 3574

قال: صدق. قال: فإنه يقول: وإذا ما نَسَبْتَها لم تَجِدْها … في سَناءٍ من المكارم دُونِ قال: صدق. قال: فإنه يقول: ثم خاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ … ـراءِ تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ قال: كذبَ، ولا كلُّ هذا. ثم ضحك وقال: ما الذي قال أيضًا؟ فقال: قُبَّةٍ من مَراجلٍ (١) ضربوها … عند حدِّ الشتاء (٢) في قَيطُونِ (٣) عن يساري إذا دخلتُ من البا … بِ وإن كنت خارجًا عن يميني تجعلُ النَّدَّ والأُلُوَّةَ والعُو (٤) … دَ صِلاءً ليلًا (٥) على الكانونِ وقِبابٌ قد أُشْرِجَت وبيوتٌ … فَرَشُوها (٦) بالآسِ والزَّرَجونِ (٧) فقال معاوية: يا بنيّ إنَّ القتل لا يجبُ بهذا، والعقوبةُ تزيدُه حَنَقًا، فيزيدُ في قوله، ولكن نتجاوز عنه ونَصِلُه. فوصلَه معاوية. فكفَّ عن قوله. [وقال أبو عُبيدة: هذه الأبيات لأبي دَهْبَل الجُمحي، واسمه وَهْب بن زَمْعة الشاعر، إسلامي، وله ديوان معروف. وحكى ابنُ عساكر له قصة عجيبة (٨)؛ قال: قدم الشام للغَرو، فنزل دمشق، فجاءته امرأة وهو بجَيرُون، فدفعت إليه كتابًا، فقرأه، فقالت: لو بلغتَ معي إلى هذا القصر، فقرأتَه على امرأة فيه؛ كان لك أجر. فبلغ معها القصر، ودخل، فأغلقت المرأة الباب، وجاءته امرأة جميلة، فدَعَتْه إلى نفسها، فأبى وقال: والله لا أفعلُه إلا حلالًا،

стр. 3575

فتزوَّجها، وأقام عندها زمانًا طويلًا، فأيس منه أهله، فاقتسموا ماله إلا امرأته، فإنها لم تأخذ من ماله شيئًا، ولم تيئس منه، وحزنت عليه، فكانت تبكي عليه ليلًا ونهارًا. فقال يومًا لامرأته الشاميَّة: إنك قد أَثِمْتِ فيَّ وفي ولدي، فإن رأيتِ أن تأذني لي حتى آتيَهم، وأُعطيكِ عَهْدَ الله أنني أرجع إليك، فأجَّلَتْه سنة، وأعطته مالًا كثيرًا. وقدم على أهله، فوجدهم قد اقتسموا ماله، ورأى حزن زوجته وما هي فيه، فدفع إليها المال، وقال لأولاده: واللهِ لا أُعطيكم منه شيئًا، أنتم ورثتُموني وأنا حيّ، فهو حظُّكم. ثم قال في زوجته الشامية هذه الأبيات: صاح حيّا الإلهُ حيًّا ودُورًا … عند أصلِ القناةِ من جَيرُونِ فبتلك اغتربتُ بالشام حتى … ظنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظُّنونِ ثم فارقتُها على خير ما كا … نَ قرينٌ مفارقٌ لقرينِ وهي زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ … اصِ صِيغَتْ من جوهرٍ مَكنُونِ (١) قال: ثم خرج أبو دَهْبَل إلى الشام، فبلغه وفاةُ المرأة الشاميَّة، فرجَع. وقوله: المراجل، يعني القُدُور النُّحاس، وأما القَيطُون، فهو المُخْدَع بلغة أهل مصر، وأما المَسْنُون؛ فهو المصوَّر]. قال عُمر بن شَبَّة (٢): شبَّبَ عبد الرحمن بنُ حسان برمْلَةَ وهندٍ ابنتي معاوية، فقال في رملة: رَمْلَ هل تذكرين يومَ غزالٍ … إذْ قَطَعْنا مَسِيرَنا بالتَّمنِّي إذْ تقولين عَمْرَكَ اللهُ هل شي … ءٌ وإنْ جَلَّ سوف يُسْلِيكَ عنّي أَمْ هَلُ اطْمِعْتُ منكم بابن حسا … نَ كما قد أراكَ أُطْمِعْتَ منّي وبلغ يزيد، فقال لأبيه معاوية: ألا ترى إلى هذا العِلْج من أهل يثرب ينتهكُ أعراضَنا، ويُشَبِّبُ بأهلنا ونسائنا! فقال: ومن هو؟ قال: ابنُ حسان. وأنشد قوله. فقال معاوية: يا يزيد، ليست العقوبة من أحدٍ أقبحَ منها من ذوي القُدرة، فأمْهِلْ حتى يَقْدَمَ وفدُ الأنصار، وأَذْكِرْني به.
следующие страницы →