← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وبعث عبدُ الله بن معاوية إلى خالد بن عبد الله بن أسيد بقُيَّة إلى العراق، فلما وليَ الحجَّاج وجدَها، فكتب إلى عبد الملك بن مروان يقول: إن عبد الله بن معاوية بعث بها إلى مصعب بن الزبير. فغضب عبد الملك وقال لعبد الله: ألستَ صاحبَ المَرْج، وتُهدي إلى عدوِّي قُبَّة؟! فقال: كذب الحجَّاج، إنما بعثتُ بها إلى خالد بن عبد الله. فصدَّقه عبد الملك (١). وأما هند [بنت معاوية] فتزوَّجها عبدُ الله بنُ عامر بن كُريز. [قال ابن عساكر (٢): كان دارُها بدمشق في دَرْب القلي] ولما كانت الليلة التي بنى بها ابنُ عامر امتنعت منه، فضربَها، فبكت وبَكَينَ جواريها (٣) وصِحْنَ، فسمع [ذلك] معاوية، فأُخبر الخبر، فجاء فدخل وقال لابن عامر: قَبَّحَكَ الله، مثلُ هذه تُضرب! وكانت بنتَ تسع سنين، وكان معاوية قد بنى لها دارًا إلى جانبه، وفتح لها بابًا إليه. ثم قال لابن عامر: اخرُجْ. فخرج، فقال لها معاوية: يا بُنيَّة، إنما هو بَعْلُكِ الذي أحلَّه اللهُ لكِ، وأحلَّكِ له. وأوجب الله عليك طاعته. ألم تسمعي إلى قول القائل: مِن الخَفِراتِ (٤) البِيض، أمَّا حَرامُها … فصعبٌ وأَمَّا حِلُّها فذَلُولُ ثم خرج، ودخل ابنُ عامر، فنال منها حاجته. [وقد ذكرنا أنَّ ابنَ عامر طلَّقها لَمَّا رأى الشيب في وجهه] (٥). وأمَّا عاتكة بنت معاوية (٦) فتزوَّجها يزيدُ بن عبد الملك، وفيها قيل: يا بيتَ عاتكةَ التي أَتَعَزَّلُ … حَذَرَ العِدَا وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ (٧)

стр. 3572

وأمَّا رَمْلَة بنتُ معاوية؛ [فقال البلاذُري (١):] أمُّها كَنُود بنتُ قَرَظة [أخت فاختة. قال ابن عساكر (٢):] وكانت لها دار بدمشق في طرف زقاق الرمان، وطاحونة معروفة إلى هلمَّ جَرًّا، وشهدَتْ وفاةَ أبيها معاوية، وتزوَّجت عمرو بن عثمان بن عفَّان، فولدَتْ له خالدًا وعثمان. واشتكى عمرو بالمدينة، فكان عُوَّاده يدخلون عليه ويخرجون، ويتخلَّف عنده مروان، فيُطيل، فأنكرَتْ رَمْلَةُ ذلك، فخرقَتْ كُوَّةً، وتسمَّعت عليه يومًا، فإذا مروان يقول لعمرو: ما أخذَ معاوية الخلافة إلا باسم أبيك، فما يمنعُكَ من النهوض إلى حقِّك؟ فلنحن أكثرُ رجالًا منهم، منّا فلان، ومنهم فلان، حتى عَدَّ رجال بني حرب، ورجال بني أبي العاص (٣)، وعَدَّ ابْنَيها في رجال أبي العاص. ثم إنَّ عمرًا بَرِئَ وخرجَ إلى الحجّ، وخرجَتْ رَمْلَةُ إلى الشام، فدخلت على أبيها، فقال: واسَوْأتاه! أتُطَلَّقُ الحرَّة؟! فقالت: ما طلَّقني، وإنما كان من الأمر كذا وكذا، فما زال مروان يعدُّ رجال بني العاص حتى عدَّ ابنيَّ خالدًا وعثمان، فتمنَّيتُ موتَهما. فكتب معاويةُ إلى مروان: أواضعُ رِجْلٍ فوق أُخرى تَعُدُّنا … عديدَ الحصى ما إنْ تزالُ تُكاثرُ وأُمُّكمُ تُزْجي تُؤَامًا (٤) لِبَعْلِها … وأُمُّ أخيكم نَزْرَةُ الوُلْدِ عاقرُ؟! ثم عدلَ مروان عن المدينة. وكتب إليه (٥): تُفاخرني بكثرتها قُرَيطٌ (٦) … وقَبْلَكَ طالتِ الحَجَلَ الصُّقورُ

стр. 3573

فإنْ أَكُ في عِدادكمُ قليلًا … فإنّي في عدوّكم كثيرُ بُغاثُ الطير أكثرُها فِرَاخًا … وأمُّ الصَّقْر مِقْلات (١) نَزُورُ (٢) يا مروان، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا بلغَ ولدُ الحَكَم ثلاثين رجلًا اتَخَذُوا مال الله دُوَلًا، ودينَ الله دَخَلًا، وعبادَ الله خَوَلًا" (٣). فكتب إليه مروان: إني أبو عَشَرة، وأخو عَشَرة، وعمُّ عَشَرة، والسلام (٤). وهذه رَمْلةُ هي التي كان يُشَبِّبُ بها وبأُختِها هندٍ عبدُ الرحمن بنُ حسان بن ثابت، وفيها يقول (٥): أُؤَمِّلُ هندًا أن يموتَ ابنُ عامرٍ … ورَمْلَةَ يومًا أنْ يُطَلِّقَها عمرُو [وذكر ابن عساكر في "تاريخه" وقال (٦):] قدمَ عبدُ الرحمن [بن حسان بن ثابت] الشام، فأقام بباب معاوية مدة لم يؤذن له، فقال يزيد لأبيه: اقتُلْه. قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّه قد شبَّبَ بأختي هند. قال: وما الذي قال: قال: فإنه يقول: طال ليلي وبتُّ كالمحزونِ … ومَلِلْتُ الثَّواءَ في جَيرونِ فقال معاوية: وما علينا من طُول ليلِهِ [وحُزنه] وملله؟ قال: فإنه يقول: ولذاك اغْتَرَبْتُ بالشام حتى … ظنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظنونِ فقال معاوية: وما علينا من ظنِّ أهلِه؟ قال: فإنه يقول: هيَ زَهْراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ … اصِ صِيغَتْ من جَوْهرٍ مَكْنُونِ

стр. 3574

قال: صدق. قال: فإنه يقول: وإذا ما نَسَبْتَها لم تَجِدْها … في سَناءٍ من المكارم دُونِ قال: صدق. قال: فإنه يقول: ثم خاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ … ـراءِ تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ قال: كذبَ، ولا كلُّ هذا. ثم ضحك وقال: ما الذي قال أيضًا؟ فقال: قُبَّةٍ من مَراجلٍ (١) ضربوها … عند حدِّ الشتاء (٢) في قَيطُونِ (٣) عن يساري إذا دخلتُ من البا … بِ وإن كنت خارجًا عن يميني تجعلُ النَّدَّ والأُلُوَّةَ والعُو (٤) … دَ صِلاءً ليلًا (٥) على الكانونِ وقِبابٌ قد أُشْرِجَت وبيوتٌ … فَرَشُوها (٦) بالآسِ والزَّرَجونِ (٧) فقال معاوية: يا بنيّ إنَّ القتل لا يجبُ بهذا، والعقوبةُ تزيدُه حَنَقًا، فيزيدُ في قوله، ولكن نتجاوز عنه ونَصِلُه. فوصلَه معاوية. فكفَّ عن قوله. [وقال أبو عُبيدة: هذه الأبيات لأبي دَهْبَل الجُمحي، واسمه وَهْب بن زَمْعة الشاعر، إسلامي، وله ديوان معروف. وحكى ابنُ عساكر له قصة عجيبة (٨)؛ قال: قدم الشام للغَرو، فنزل دمشق، فجاءته امرأة وهو بجَيرُون، فدفعت إليه كتابًا، فقرأه، فقالت: لو بلغتَ معي إلى هذا القصر، فقرأتَه على امرأة فيه؛ كان لك أجر. فبلغ معها القصر، ودخل، فأغلقت المرأة الباب، وجاءته امرأة جميلة، فدَعَتْه إلى نفسها، فأبى وقال: والله لا أفعلُه إلا حلالًا،

стр. 3575

فتزوَّجها، وأقام عندها زمانًا طويلًا، فأيس منه أهله، فاقتسموا ماله إلا امرأته، فإنها لم تأخذ من ماله شيئًا، ولم تيئس منه، وحزنت عليه، فكانت تبكي عليه ليلًا ونهارًا. فقال يومًا لامرأته الشاميَّة: إنك قد أَثِمْتِ فيَّ وفي ولدي، فإن رأيتِ أن تأذني لي حتى آتيَهم، وأُعطيكِ عَهْدَ الله أنني أرجع إليك، فأجَّلَتْه سنة، وأعطته مالًا كثيرًا. وقدم على أهله، فوجدهم قد اقتسموا ماله، ورأى حزن زوجته وما هي فيه، فدفع إليها المال، وقال لأولاده: واللهِ لا أُعطيكم منه شيئًا، أنتم ورثتُموني وأنا حيّ، فهو حظُّكم. ثم قال في زوجته الشامية هذه الأبيات: صاح حيّا الإلهُ حيًّا ودُورًا … عند أصلِ القناةِ من جَيرُونِ فبتلك اغتربتُ بالشام حتى … ظنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظُّنونِ ثم فارقتُها على خير ما كا … نَ قرينٌ مفارقٌ لقرينِ وهي زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ … اصِ صِيغَتْ من جوهرٍ مَكنُونِ (١) قال: ثم خرج أبو دَهْبَل إلى الشام، فبلغه وفاةُ المرأة الشاميَّة، فرجَع. وقوله: المراجل، يعني القُدُور النُّحاس، وأما القَيطُون، فهو المُخْدَع بلغة أهل مصر، وأما المَسْنُون؛ فهو المصوَّر]. قال عُمر بن شَبَّة (٢): شبَّبَ عبد الرحمن بنُ حسان برمْلَةَ وهندٍ ابنتي معاوية، فقال في رملة: رَمْلَ هل تذكرين يومَ غزالٍ … إذْ قَطَعْنا مَسِيرَنا بالتَّمنِّي إذْ تقولين عَمْرَكَ اللهُ هل شي … ءٌ وإنْ جَلَّ سوف يُسْلِيكَ عنّي أَمْ هَلُ اطْمِعْتُ منكم بابن حسا … نَ كما قد أراكَ أُطْمِعْتَ منّي وبلغ يزيد، فقال لأبيه معاوية: ألا ترى إلى هذا العِلْج من أهل يثرب ينتهكُ أعراضَنا، ويُشَبِّبُ بأهلنا ونسائنا! فقال: ومن هو؟ قال: ابنُ حسان. وأنشد قوله. فقال معاوية: يا يزيد، ليست العقوبة من أحدٍ أقبحَ منها من ذوي القُدرة، فأمْهِلْ حتى يَقْدَمَ وفدُ الأنصار، وأَذْكِرْني به.

стр. 3576

فلما قدموا أخبره، فلما دخل على معاوية قال: ألم يبلغني أنك تُشَبِّبُ بِرَمْلَةَ؟ قال: بلى، ولو علمتُ أنَّ أحدًا أشرفَ منها لشعري لذكرتُه. فقال له معاوية: وأين أنتَ من أختها هند؟ قال: وإن لها أختًا اسمُها هند؟! قال: نعم. قال: وإنَّما قَصَدَ معاويةُ أَنْ يُشبِّبَ بهندٍ، فيُكذِبَ نفسَه. فلم يرضَ يزيد بهذا، فأرسلَ إلى كعب بن جُعَيل، فقال: اُهْجُ الأنصار. قال: فإنَّ لهم عندي يدًا في الجاهلية ولا أُجازِيهم بالهجو، ولكن عليك برجل لا يخاف الله، ولا يستحيي من الناس. قال: مَنْ هو؟ قال: الأخطل. فأرسلَ إليه، فهجاهم، فقال: وإذا نَسَبْتَ ابنَ الفُريعة (١) خِلْتَه … كالجحش بين حمارة وحمارِ لعن الإلهُ من اليهودِ عصابةً … بالجِزْعِ بين صُلَيصلٍ وصُؤارِ (٢) قومٌ إذا هَدَرَ العصيرُ رأيتَهمْ … حُمْرًا عيونُهمُ من المُسْطارِ (٣) خَلُّوا المكارمَ لستُمُ من أهلها … وخُذُوا مَساحِيَكُم (٤) بني النَّجَّارِ ذهبت قريشٌ بالمكارم والعُلا … واللُّؤْمُ تحت عمائمِ الأنصارِ ومدح معاوية، فقال: تَسْمُو العيونُ إلى إمامٍ عادلٍ … مُعْطَى المهابةِ نافعٍ ضرَّارِ وتُرَى عليه إذا العيونُ لَمَحْنَهُ … سيما الحليمِ وهيبةُ الجبَّارِ وبلغ النعمانَ بنَ بشير، فدخل على معاوية فحسَرَ عن رأسه وقال: أيزعُم الأخطل أنَّ اللؤْمَ تحت عمائمنا؟! قال: أوقد فعل؟ قال: نعم. قال: لك لسانُه. فالتجأ إلى يزيد، فحماه، وقال للنعمان: أقِمِ البَيِّنَة. فقال: يا يزيد، وأيُّ بيِّنة أبينُ من قوله (٥)؟!

стр. 3577

وأمَّا صفيَّة بنت معاوية؛ فتزوَّجها محمد بن زياد بن أبيه، وأمُّها أمُّ ولد (١). وعائشة بنت معاوية لأمِّ ولد؛ دخلَ عمرو بن العاص على معاوية (٢) وبين يديه ابنتُه عائشة وهي صغيرة، فقال: مَنْ هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ريحانةُ قلبي عائشة. فقال: انْبِذْها عنك، فوالله إنهنَّ ليُكْثِرْنَ (٣)] لأعداء، ويُقَرِّبْنَ البُعداء، ويورِثْنَ الضَّغائن. فقال معاوية: لا تقُلْ هذا، فواللهِ ما مرَّض المرضى، ولا ندَبَ الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلُهنَّ، ورُبَّ ابنِ أخت قد نفع خاله (٤). وقد أشار إلى ما قال معاويةُ حِطَّان (٥) بن المُعَلَّى -وقيل: المعلَّى بن الحمل (٦) - العَبْدي من شعراء الحماسة حيث يقول: أنزلني الدهرُ على حُكْمِهِ … من شامخٍ عالٍ إلى خفضِ وعالني (٧) الدهرُ بوَفْرِ الغِنى … فليس لي مالٌ سوى عِرْضِي أبكانيَ الدَّهْرُ ويا رُبَّما … أضحكني الدهرُ بما يُرْضي لولا بُنَيَّاتٌ كَزُغْبِ القَطا … جُمعن (٨) من بعضٍ إلى بعضِ لكان لي مضطربٌ واسعٌ … في الأرضِ ذاتِ الطولِ والعرضِ وإنَّما أولادُنا بينَنا … أكبادُنا تمشي على الأرضِ وتزوَّج معاوية نائلة بنت عُمارة الكلبية، فقال لميسون: اذْهبي فانظري إلى ابنة عمِّك، فذهبت وعادت، فقال: كيف رأيتِها فقالت: جميلة كاملة، ولكن رأيتُ تحت سرَّتها خالًا، لَيُوضَعنَّ رأسُ زوجِها في حِجْرها. فطلَّقها معاوية، فتزوَّجت حَبِيبَ بن

стр. 3578

مَسْلَمَة الفِهْريّ (١)، ثم مات، فتزوَّجَها النُّعمان بنُ بشير الأنصاري، فقُتل، ووُضع رأسُه في حِجْرها (٢). [وقال أبو اليقظان: لم يكن عند معاوية أحظى في نسائه من فاختة بنت قَرَظة، وجرت لها واقعة محجيبة، قال:] كان معاوية جالسًا على سريره، فدخل بعض الأعراب عليه، فلم يعبأ به، وشُغل عنه، وكان الرجل قد أتى من شُقَّة بعيدة، فنام خلف السرير، وخرجَ معاوية إلى صلاة العصر (٣) والرجلُ نائمٌ على حاله، فلم يزل إلى الليل، وعاد معاوية بعد العشاء الآخِرة، وأوقدوا السُّرُج، ففتح الرجلُ عينه، فرأى السُّرُج فأُسقِطَ في يده، وأيقَن بالهلاك، وقال في نفسه: جئتُ أبغي الخير، فوقعتُ في الشَّرّ، الآن أُؤخَذُ فيقال: إنما جاء ليغتال معاوية. فلَبَدَ تحت السرير. ولبس معاوية مُلاءةً حمراء، وكان شيخًا عظيم البطن، واستدعى فاختة ابنة قَرَظة [زوجته] وكانت أحظى نسائه، فجاءت، فرمى عنها ثيابَها، وبقيت في درع رقيق يبينُ منه جميع بدنها، فقال لها: عزمتُ عليك إلا نزلتِ فمشَيتِ. فنزلت ومشَتْ، وقال لها: أقبِلي. فأقبلت. ثم قال لها: أدْبِري. فأدبرت [ثم قال: أقبلي. فأقبلت، حتى فعلت ذلك مرارًا] والأعرابيّ ينظرُ إليها، فالتفتَتْ وإذا عينا الرجل تَزْهَرَانِ من تحت السرير [فصاحت وقالت: افَتَضَحْتُ. وقعدَتْ، وتقنَّعت بيديها، فقام معاوية إليها فقال: مالكِ، ويحك؟! قالت: رجلٌ تحت السرير] (٤) فأدخل معاوية يده، فأخذ برأسه، فأخرجه وقال: ما قِصَّتُك؟! فأخبره خبرَه، فقال: لا بأس عليك وهو يضحك ويحادثُه حتى طلع الصباح، فوصلَه، وأرسلَ إلى فاختة وقال لها: [إن] الرجل الذي استخلاك البارحة لا بدَّ له من صلة. فوصَلَتْه، وانصرف [الرجل] داعيًا بعد أنْ كان [أيقن بالهلاك، و] يئس من الحياة. وبلغ الأحنفَ بنَ قيس فقال: إلى ها هنا -واللهِ- انتهى الحِلْم ومكارمُ الأخلاق.

стр. 3579

ذكر قُضاته وعُمَّاله وحُجَّابه وكتَّابه: قد ذكرنا أنه استقضى أبا الدرداء، فلما ماتَ استقضى فَضالة بن عُبيد الأنصاري، فلما مات استقضى أبا إدريس الخَوْلاني، واسمه عائذ الله بن عبد الله. وأما عُمَّالُه: فمات وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى المدينة الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان، وعلى مكَّة عمرو بن سعيد، وعلى شرطته الضحَّاك بن قيس الفِهْرِي، وعلى كتابته سرجون مولاه، وعلى حجابته سعد مولاه، وقَنْبَر (١) مولاه. قدم على معاوية أبو مريم الأزدي، فأقام ببابه مدَّة لا يصل إليه، فلما أذِن له دخل عليه فقال: يا معاوية، ما أتيتُك لحاجة، ولكني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ وَلَّاه الله من أمر المسلمين شيئًا، فاحتجَبَ عن حاجتهم وفاقتهم؛ احتجَبَ الله عنه يومَ فَقرِه إليه وحاجته وفاقته، ومن أغْلَقَ بابَه دون ذوي الفقر والحاجة أغلق الله عن فقره وحاجته أبوابَ السماء" فبكى معاوية وقال لسعد مولاه: قد خلعتُ هذا من عنقي وجعلتُه في عنقك (٢). وكان نقش خاتمه: لا حول ولا قوة إلا بالله، لكل عمل ثواب (٣). ذكر مسانيده: أسندَ عن رسول الله ﷺ مئةً وثلاثةً وستين حديثًا (٤)؛ أُخرج له في الصحيحين ثلاثةَ عشرَ (٥)، وأَخرج له الإمام أحمد بنُ حنبل ﵁ سبعةً وثلاثين حديثًا (٦). وروى معاوية عن أخته أمِّ حَبِيبة ﵂ زوجِ النبي ﷺ ، وعن جماعة من الصحابة، منهم عمر، وعثمان ﵄.

стр. 3580

وروى عنه أبو ذرّ، وأبو سعيد الخُدري، وجَرير بن عبد الله، ووائل بن حُجْر، وعبد الله بن عُمر، وابنُ عباس وابن الزُّبير، والنُّعمان بن بشير، وأبو أُمامة أسعد بن سهل، والصُّنابحيّ، وأبو إدريس الخَوْلاني، وابنُ المسيّب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وابن جُبير (١)، في آخرين. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ (٢): حدَّثنا ابنُ هشام [حدثنا جعفر] حدثنا يزيد بن الأصم قال: سمعتُ معاويةَ بنَ أبي سفيان يقول على المنبر: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين، ولا تزال عِصابةٌ من المسلمين يُقاتلون على الحقّ، ظاهرين على مَنْ ناوأهم إلى يوم القيامة". أخرجاه في الصحيحين (٣). وعن ابن عباس قال: كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ ، فتواريتُ منه خلف باب. قال: فَحَطَأَني حَطْأَةً (٤) وقال: "اذْهَبْ، فادْعُ لي معاوية". قال: فجئتُ وهو يأكل، فأخبرتُ رسول الله ﷺ فقال: "لا أشبع الله بطنه". انفرد بإخراجه مسلم (٥). هانئ بن عروة المُرادي كان عُبيد الله بنُ زياد قد سبقَ الحسين ﵁ إلى الكوفة، وبنى تلك الليلة بأمّ نافع بنت عُمارة بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فلما أصبح بَلَغَه خبر مسلم بن عقيل، وأنه عند هانئ، فأحضر هانئ بن عروة، فدخل عليه وبيده عصًا يتوكَّأ عليها وهو ابن تسع (٦)

стр. 3581

وتسعين سنة، فسلَّم على ابن زياد، وقال: أكل الأمير العيش (١) وحده، فقال له ابنُ زياد: تركتَني أتمتَّع بعُرْس وقد ضممتَ إليك عدوَّنا. وذكر بمعنى ما ذكرنا (٢). وقيل له: مُدَّ عنقَك. فقال: ما كنتُ لأُعينكم على نفسي. فضربوا عنقه. وروى عن عليّ ﵇. وروى عنه ابنُه يحيى بن هانئ (٣). أبو بَرْزَة الأسلمي واسمُه عبد الله بن نَضْلَة بن عبد الله، وقيل: نَضْلَة بن عبد [الله] (٤)، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. أسلم قديمًا، وشهدَ مع رسول الله ﷺ فتح مكَّة. ومن مسانيده: قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٥): حدثنا أبو سعيد، حدَّثنا شدَّاد أبو طلحة، حدَّثنا جابر بن عَمرو أبو الوازع، عن أبي بَرْزَة قال: قلتُ: يا رسول الله، مُرْني بعملٍ أعملُه. قال: "أمِطِ الأذى عن الطريق، فهو لك صدقة". قال: وقتلتُ عبد العُزَّى بن خَطَل وهو متعلّق بأستار الكعبة (٦). وسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ لي حوضًا ما بين أَيْلَةَ إلى صنعاء، عرضُه كطوله، فيه مِيزَابانِ يَنْبُعانِ (٧) من الجنَّة، أحدُهما من وَرِق، والآخرُ من ذهب، أحلى من العسل، وأبردُ من الثلج، وأبيضُ من اللَّبَن، مَنْ شَرِبَ منه لم يظمأْ حتى يدخلَ الجنة، فيه أباريقُ عددَ نجومِ السماء".

стр. 3582

السنة الحادية والستون وفيها قُتل الحسينُ بنُ عليّ ﵄. وفيها ولَّى يزيدُ بنُ معاوية سَلْم بنَ زياد سِجِسْتان وخُراسان. وقال علماء السير: وفَدَ سَلْم بنُ زياد وهو ابنُ أربع وعشرين سنة، فقال له يزيد: يا أبا حرب (١)، أُوَلِّيك عمل أخَوَيك عبدِ الرحمن وعبَّاد. فقال: ذلك إليك. فولَّاه سِجِسْتان وخُراسان. فبعث سَلْمُ بنُ زياد الحارثَ بنَ معاوية الحارثي جدّ عيسى بن شبيب من الشام إلى خُراسان، وبعث أخاه يزيدَ بنَ زياد إلى سِجِسْتان، فكتب عُبيدُ الله [بنُ زياد إلى عبَّاد أخيه] يخبرُه (٢) بولاية سَلْم على خُراسان وسِجِسْتان. وكان في بيت المال أموالٌ كثيرة، فقَسَمَها عَبَّاد في عَبِيدهِ ومَوَاليه، وبقيَتْ بقيَّة، فنادى مُناديه: مَنْ أحبَّ السَّلَفَ فليأخُذْ. فأسلفَ الباقي. وخرج عبَّاد من سِجِسْتان مفارقًا، فسلك غير الطريق الأعظم، ووصل أخوه سَلْم، فحال بينَهما في تلك الليلةِ جَبَل، فذهبَ لعبَّاد ألفُ مملوك، مع كل مملوك عَشَرةُ آلاف، وسلك طريقًا تُخرجه إلى الشام. وقدم عبَّاد على يزيد، فقال [يزيد]: أين المال؟ فقال: قسمتُه في أربابِه، وكنتُ مقيمًا في ثغر نقاتلُ العدوّ. ووصل سَلْم بنُ زياد إلى سِجِسْتان (٣)، وتبعه وجوهُ الناس، منهم طلحةُ بنُ عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ، والمُهَلَّب بنُ أبي صُفْرة، ويحيى بنُ يعمر العَدْواني حليف

стр. 3583

هُذَيل (١)، وعبد الله بن خازم السّلميّ، وغيرُهم من أشراف البصرة وأعيانِها وفرسانِها، وكانوا في ألف (٢)، وقيل: في ستة آلاف؛ أمرَ يزيد بنُ معاوية عُبيدَ الله بنَ زياد بانتخابهم، وكان سَلْم يحبُّ الفرسان وينتخبُهم لأجل الجهاد، وكان ممَّن انتخب حنظلةُ بن عَرَادة (٣)، وكان من الوجوه، فسأل عُبيد الله بنُ زياد أخاه سَلْمًا أَن يَدَعه له، فقال سَلْم: خَيِّرْه، فإن اختارَك تركتُه. فاختارَ حنظلةُ سَلْمَ بنَ زياد، فخرج معه، وخرج معه أيضًا صِلَةُ بن أَشْيَم العدويّ، وكان قد توقَّف، فرأى في منامه قائلًا يقول له: اُخرجْ، فإنك تُفلح وتَنجح وتَربح. فخرج، فأضافه سَلْم إلى أخيه يزيد بن زياد، فسار إلى سِجِسْتان. وأخرج سَلْم معه امرأتَه أمَّ محمد بنتَ عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، وهي أوَّلُ امرأةٍ من العرب قُطع بها النهر. وكان أمراء خُراسان يغزون في الصيف، فإذا دخل الشتاء قفلوا من غزوهم إلى مَرْو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك الصُّغْد في مدينة مما يلي خُوارزم يتشاورُون في أمر غزو المسلمين، وكان المسلمون يسألون ملُوكهم أن يغزوا تلك المدينة، ولا يأذنون لهم في غزوها، فلما غزا سَلْم شَتَّى في [بعض] مغازيه، فسأل المهلَّبُ بنُ أبي صُفْرة سَلْمَ بنَ زياد أن يأذنَ له في غَزْو تلك المدينة، فأَذِنَ له، فسار في أربعة آلاف (٤)، فقاتلَهم، فسألُوه الصُّلح على عشرين ألفَ ألفِ درهم، فصالحهم، وأخذ منهم عَرُوضًا من دقيق ودوابَّ ومتاع يساوي خمسين ألف ألف، فَحَظِيَ بها عند سَلْم، وبعثَ به إلى يزيد مع مَرْزُبان مَرْو. وغزا سَلْم الصُّغْد؛ سَمَرْقَنْد ونواحيها وبُخارى، فغنم. وولدت أمُّ محمد بنتُ عبد الله من سَلْم ابنًا، فسمَّاه صُغْديّ.

стр. 3584

وأرسلت أمُّ محمد إلى امرأة صاحب الصُّغْد تستعيرُ منها حُلِيًّا، فبعثت لها بتاجها (١)، وقفل سَلْم، ولم ترُدَّهُ إليها. وفيها قدم عبدُ الرحمن بنُ زياد على يزيد بعد قتل الحسين ﵁ من خُراسان، فقال له يزيد: كم قدمتَ به معك من المال؟ قال: عشرين ألف ألف درهم، فقال: إن شئتَ حاسبناك، وقبضناها منك، ورَدَدْناك إلى عملك، وإن شئتَ سوَّغناك إيَّاها وعزلناك، وتُعطي عبدَ الله بنَ جعفر خمس مئة ألف درهم. فقال: بل تُسَوِّغُني إيَّاها، وتستعملُ من شئت. وأرسل عبد الرحمن بنُ زياد إلى عبد الله بن جعفر بألفِ ألفِ درهم وقال: خمسُ مئة ألف من قِبَلي، وخمسُ مئة ألف من يزيد (٢). وفيها أظهر عبد الله بنُ الزُّبير الخلافَ على يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين ﵁. لمَّا وصلَ الخبرُ إلى مكَّة بقتل الحسين ﵁ قام (٣) ابن الزبير خطيبًا، فعظَّم مقتلَهُ، وعابَ أهلَ الكوفة خاصَّة، وأهلَ العراق عامَّةً، وقال: إن العراق قومٌ غُدُر فُجُر إلا قليلًا، وإن أهل الكوفة شِرارُ أهلِ العراق، وإنهم دَعَوْا حُسينًا لِيُولُّوه عليهم وينصروه (٤)، فلما قدم عليهم ثارُوا عليه، فقالوا: إمَّا أنْ تَفَحعَ يَدَك في يد ابنِ زياد (٥) بن سُميَّة، فيُمضي فيك حُكمَه، وإمَّا أن تُحاربَ. فاختار المنيَّةَ الكريمةَ على الحياة الذميمة. فرحم الله حسينًا، وأَخْزَى قاتلَه، فبَعْدَه لا يطمئنُّ إليهم أحد، ولا يُقبل لهم عهدٌ، أَمَا واللهِ لقد قتلوه؛ طويلًا بالليل قيامُه، كثيرًا في النهار صيامُه، أَمَا واللهِ ما كان يُبَدِّلُ بالقرآن الغِناء، ولا بالبكاء من خشية الله صوتَ الحُداء، ولا بالصيام شُربَ الحرام، ولا بمجالس الذكر الركضَ في تَطْلاب الصيد -يُعَرِّض بيزيد- فسوف يَلْقَوْن غيًّا (٦).

стр. 3585

فثارَ إليه أصحابُه وقالوا: أيها الرجلُ، أظْهِرْ بيعتَك، فلم يبق أحد -إذ هلك حسين (١) - يُنازعك في هذا الأمر. وقد كان بُويع سرًّا، وأَظهر أنه عائذٌ بالبيت، فقال لهم: لا تَعْجَلُوا. وعَمرو بنُ سعيد يومئذ عاملُ مكَّة. وعَلا أمرُ ابنِ الزُّبير، وكاتبَه أهلُ المدينة والحجاز واليمن وتهامة. ولما قال ابنُ الزبير هذه المقالةَ؛ قيل ليزيد: لو شاء عَمرو بنُ سعيد لأَخذَ ابنَ الزبير قهرًا، وبعث به إليك (٢). فعزل يزيد عَمرًا لهلال ذي الحجة عن الحجاز، وولَّى الوليدَ بنَ عُتْبة بن أبي سفيان مكانَه، فأقامَ الحجَّ سنة إحدى وستين، وأعاد أبا ربيعة (٣) العامريّ إلى قضائه. ولما رأى عَمرو بنُ سعيد بن العاص أنَّ الناس قد اشْرَأَبُّوا إلى ابن الزُّبير، ومَدُّوا إليه أعناقَهم؛ ظنَّ أن تلك الأمورَ تتمُّ، فأرسلَ إلى عبد الله بن عَمرو بن العاص -وكان عالمًا قد قرأ كتبَ دانيال وغيرها- فقال له: أخْبِرْني عن هذا الرجل، أَيتِمُّ له ما يطلب؟ وأخْبِرْني عن صاحبي -يعني يزيد- ماذا يؤول أمرُه؟ فأرسل إليه عبدُ الله: ما أرى صاحبَك إلا أحدَ الملوك الذين تتمُّ لهم أمورهم إلى أن يموت على حاله، كما مات الملوك قبلَه. فكان يرفُقُ بابنِ الزُّبير وأصحابِه؛ مع إظهار الشدةِ عليهم. وبلغَ يزيدَ رِفْقُهُ بهم، فعزَله (٤). وقيل: إنما حجَّ بالناس في هذه السنة عَمرو بنُ سعيد؛ لأن الوليد بن عُتبة لم يُدرك الموسم. وكان العاملَ على البصرة والكوفة عُبيد الله بنُ زياد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البصرة هشام بنُ هُبَيرة، وعلى خُراسان وسِجِسْتان سَلْمُ بنُ زياد (٥).

стр. 3586

وفيها توفّي جَبْر (١) بن عَتِيك ابن قيس الأنصاري، وهو من الطبقة الأولى من بني [معاوية بن مالك بن عوف بن] عمرو بن عوف، وأمُّه جميلة بنت زيد الأنصارية، وكنيتُه أبو عبد الله. شهدَ بدرًا، وأُحُدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخَى بينَه وبين خبَّاب بن الأَرتّ، وكانت معه رايةُ بني معاوية بن مالك يوم الفتح. ومرض، فعاده رسول الله ﷺ ، وتوفي في سنة إحدى وستين وهو ابنُ أحدٍ وسبعين سنة. وكان له من الولد عَتِيك، وعبدُ الله، وأمُّ ثابت؛ أمُّهم هَضْبَة بنتُ عَمرو بن مالك، من قيس عَيلان (٢). أسندَ جَبْر الحديث عن رسول الله ﷺ . وفي الصحابة آخر يقال له. جابر بن عَتِيك الأنصاري، روى عنه الإمام أحمد ﵁ قال: [حدثنا رَوْح] حدثنا مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عَتِيك بن الحارث، عن عَتِيك، وهو جدُّ عبد الله بن [عبد الله أبو أمِّه، أنّه أخبره، أن جابر بن عَتِيك أخبره، أنَّ عبد الله بن] ثابت لما مات قالت ابنتُه: واللهِ إنْ كنتُ لأرجُو أن تكون شهيدًا. أَمَا إنَّك قد كنتَ قضيتَ جِهازَكَ. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ قد أَوْقَعَ أَجْرَهُ على قَدْرِ نيَّته، وما تَعُدُّونَ الشهادةَ فيكم؟ " قالوا: قَتْل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "الشهادةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيل الله: المقتولُ في سبيل الله شهيد (٣)، والمَطْعُونُ شهيد، والغريقُ شهيد، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيد، والمَبْطُونُ شهيد، وصاحبُ الحريق شهيد، والذي يموتُ تحت الهَدْم شهيد، والمرأةُ تموتُ بِجُمْعٍ شهيدة" (٤).

стр. 3587

الحسينُ بنُ عليّ بن أبي طالب ﵄ - قد ذكرنا خروجَه من مكة إلى أرض العراق، ونذكر مقتلَه، وما يتعلَّقُ به: بينا الحسين ﵁ يقصد مكانًا ينزل به وقد سار عن القادسية؛ إذا سوادٌ عظيم قد أقبل، فظنُّوه النَّخْل، وإذا هو هوادي الخيل (١) قد أقبلَتْ كالليل المظلم، وكان ابنُ زياد قد جهَّز إليه الحرّ بن (٢) يزيد التميمي؛ على مقدمته الحصين بن تميم الكوفي (٣) في أربعة آلاف، وقيل: في ألف فارس، كأنَّ راياتِهم أجنحةُ الطيور، وأسنَّتَهم اليعاسيب، فأمر الحسينُ ﵁ بأبنيته فضُربت، وجاء القوم فوقفوا بإزائه، وكان مجيئُهم من القادسية، وكان الحُصين بن تميم على شرطة ابنِ زياد، ولم يزل الحرّ بن يزيد مُواقفًا للحسين ﵁ حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين ﵁ الحجَّاج بن مسروق الجُعفيّ فأذَّن. فلمَّا حضرت الإقامة خرج الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنها معذرةٌ إلى الله تعالى وإليكم، إني لم آتكم حتى أتَتْني كُتُبكم، وقد قَدِمَتْ علي رُسُلُكم أنِ اقْدَمْ علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعلَّ الله تعالى أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ، فإن كنتُم على ذلك فقد جئتُكم، وإنْ كنتُم لقدومي كارهين رجعتُ إلى المكان الذي جئتُكم منه. فلم ينطقوا، وقالوا للمؤذِّن: أقم الصلاة. فقال الحسين ﵁ للحُرِّ: أتريدُ أن تصليَ بأصحابك؟ قال الحرّ: لا، بل أنتَ تُصلِّي بأصحابك، ونحن نُصلِّي بصلاتك. فصلى بهم الحسينُ ﵁، وعاد إلى فُسطاطه، وانصرف الحُرُّ إلى خيمته (٤).

стр. 3588

ولما جاء وقت العصر صلَّى بهم الحسين ﵁، ثم أعاد عليهم كلامَه، فقال له الحرُّ: واللهِ ما ندري ما هذه الكتب والرُّسُل التي تذكر. فقال الحسين ﵁ لعقبة بن سمعان: هاتِ الخُرْجَين (١) اللذين فيهما الكتب. فأخرجَهما عقبة، فنثرَهما بين أيديهم، فقال الحرُّ: فإنَّا لسنا من الذين كاتبوك، وقد أُمِرْنا إذا نحن لاقيناك أن لا نُفارقَك حتى نُقْدِمَك الكوفةَ على عُبيد الله بن زياد. فقال الحسين ﵁: الموتُ أدنى من ذلك. ثم أمر الحسين ﵁ أصحابَه فركبوا، وجاء الحُرُّ، فحال بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين ﵁: ثَكِلَتْكَ أمّك! ما تُريد؟ فقال الحرّ: أما واللهِ لو غيرُك من العرب يقولُها ما تركتُ ذِكْر أمِّه بالثُّكل، ولكن مالي إلى ذِكْرِ أمِّك سبيل إلا بأحسنِ ما يُقْدَر عليه. فقال له الحسين ﵁: فما تريد؟ قال. أحملُك إلى الكوفة. قال: لا سبيل إلى ذلك. وترادَّا الكلام، فقال له الحرُّ: ما أُمِرْتُ بقتالك، وإنما أُمرت أن لا أُفارقَك حتى أُقْدِمَك الكوفة، [فإن أبيتَ، فخُذْ طريقًا لا تُدخلك الكوفة] (٢) ولا تردَّك إلى المدينة تكون نَصَفًا بيني وبينك، وإن شئتَ كتبتَ إلى ابن زياد أو إلى يزيد، فلعلَّ الله أن يأتيَ بأمر يرزُقُني فيه العافية، ولا يبتليني الله بشيء من أمرك. ثم قال: فخُذْ هاهنا، فتَياسَر عن طريق العُذَيب (٣) والقادسية. وسار الحرُّ معه يُسايره. ولما نزل الحسين ﵁ البيضة (٤) قام خطيبًا في أصحابه وأصحاب الحرّ بن يزيد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، إن رسول الله ﷺ قال: "من رأى (٥) سلطانًا جائرًا مستحلًّا لمحارم الله، تاركًا لعهد الله، مخالفًا لسنَّةِ رسوله، يعمل في

стр. 3589

عباد الله بالإثم والعدوان؛ فلم يغيّر عليه بقول أو فعل، كان حقًّا على الله أن يُدخلَه مُدْخَلَه". ألا إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفسادَ في الأرض، وعطَّلُوا الحدود، واستأثَرُوا بالفَيء، وأحلُّوا ما حرَّم الله، وحرَّمُوا ما أحلَّه الله، وأنا أحقُّ مَنْ غيَّر ذلك، وقد أَتَتْني كُتُبكم أنَّكم لا تُسْلِمُوني، ولا تخذُلُوني، فإنْ تمَّمتُم عليَّ بيعتكم أصبتُم رُشْدَكم، فأنا الحسين بنُ عليّ، وابنُ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكُم فيَّ أُسوة، وإنْ لم تفعلوا ونقضْتُم عهدكم وغَدَرْتُم؛ فلَعَمْرِي ما هي لكم بنُكْر، لقد فعلتُموها بأخي وأبي وابنِ عمِّي مُسلم بنِ عَقِيل، والمغرورُ من اغتَرَّ بكم، فحظَّكم أخطأتُم، ونَصِيبَكم ضَيَّعتُم (١) ومَنْ نكثَ فإنَّما ينكثُ على نفسه، وسيُغْني الله عنكم. والسلام. الخطبة الثانية خطبها بذي حُسَم وقال: إنه قد نزلَ بنا من الأمر ما ترَون، وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت، وأدبر معروفُها، ولم يبقَ منها إلا صُبابةٌ كصُبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا تَروْن أنَّ الحقَّ لا يُعمَلُ به، وأنَّ الباطلَ لا يُتَناهَى عنه، وإني لا أرى الموتَ إلا سعادة (٢)، ولا الحياة مع الظالمين إلَّا بَرَمًا (٣). فقام زهير بن القَيْن البَجَليّ فقال لأصحابه: أتتكلَّمون أم أتكلّم؟ قالوا: بل تكلَّمْ. قال: قد سمعنا -هداك الله يا ابنَ رسولِ الله- مقالتَك. واللهِ لو كانت الدنيا لنا باقيةً، وكنَّا مخلَّدين فيها، وأن نفارقَها (٤) في نصرك ومواساتك، لآثَرْنا الخروج معك على الإقامة فيها. فدعا له الحسين ﵁، وجزاه خيرًا (٥).

стр. 3590

وقال له الحرُّ بن يزيد: يا حسين، إني أُذكِّرك (١) اللهَ في نفسك، فإني أشهدُ لئن قاتلتَ (٢) لَتُقْتَلَنَّ، ولئن قُوتِلتَ لتهلكنّ. فقال له الحسين ﵁: فَبالموتِ تُهَدِّدُني؟! وهل يعدو بكم الخَطْب إلا أن تقتلوني؟! ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وكان قد لقيَه وهو يريد نُصرة رسول الله ﷺ ، فقال: أين تذهب؟ فإنَّك مقتول، فقال: سأمضي فما في الموت عارٌ على الفتى … إذا ما نَوَى (٣) حقًّا وجاهدَ مُسلما وآسَى الرِّجال الصالحين بنفسه … وحسبُك ذُلًّا أن تعيش وتُرغَما (٤) فلما أن سمع الحرُّ ذلك منه تنحَّى عنه، وكان يسير بأصحابه ناحية، والحسين ﵁ ناحية، حتى انتهَوْا إلى عُذَيْب الهِجانات، وإذا بأربعة نَفَر من الكوفة قد أقبلوا على رواحلهم يجنِّبون فرسًا (٥) لنافع بن هلال يقال له: الكامل، ودليلُهم الطِّرِمَّاحُ بنُ عدي، جاؤوا ليقاتلوا مع الحسين ﵁، والطِّرِمَّاحُ يرتجز ويقول: يا ناقتي لا تُذعَرِي من زَجْري … وشَمَري قبلَ طلوعِ الفجرِ بخير رُكْبانٍ وخيرِ سَفْرِ … حتى تَحِلِّي بكريم النَّجرِ الماجدِ الجدِّ (٦) رحيبِ الصدرِ … أتى به اللهُ لخيرِ أمرِ ثُمَّتَ أبقاهُ بقاءَ الدهرِ فأراد الحرُّ ردَّهم إلى الكوفة، فقال له الحسين ﵁: لأمنعنَّهم ممَّا أمنعُ منه نفسي، إنما جاؤوا إلى نُصرتي. فسكت الحرّ.

стр. 3591

ثم قال لهم الحسين ﵁: أخبروني خبر الناس. فقال له مُجمِّع بن عبد الله العائدي، وهو أحد النَّفَر الأربعة الذين جاؤوا: أمَّا أشرافُ الناس فهم أَلْبٌ واحد عليك (١)، قد أُعظمتْ رِشْوَتُهم، ومُلِئَتْ غَرائرُهم، وأما بقية الناس فإنَّ أفئدتَهم تهوي إليك، وسيوفَهم غدًا مشهورة عليك. فقال: خبِّرُوني، ما فُعلَ برسولي قيس [بن] مسهر الصيداوي؟ فقال: أخذه ابنُ زياد لمَّا بعث إليه الحُصين بن تميم، فأمره أن يلعنك ويلعن أباك، فصلَّى عليك وعلى أبيك، ولعنَه ولعن أباه، ودعاهم إلى نُصرتك، فألقي من القصر، فمات. فبكى الحسين ﵁ وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣] (٢). وقال الطِّرمَّاح بنُ عديّ: إني لأنظر؛ ما أرى معك أحدًا، ولو لم يُقاتلْك إلا الذين معك وهم ملازموك لكان فيهم كفاية، كيف وقد جمع لك ابنُ زياد جمعًا لم أرَ مثلَه قطّ، فاعدِلْ بنا إلى جَبَلَي طيِّئ؛ أَجَأ وسَلْمَى، فإنَّا امتنَعْنا بهما من ملوك غسان وحِمْير، والنُّعمان وكسرى، ولا تمضي إلا عشرة أيام حتى آتيَك بعشرين ألفًا من طيِّئ يضربون بين يديك بأسيافهم، فلا يُوصَلُ إليك وفيهم عينٌ تَطْرِف. فجزاه خيرًا وقال: قد كان بيننا وبين هؤلاء كلام، ولسنا نقدر على الانصراف. ففارقه الطِّرمَّاح على أن يعودَ إليه. وسار الحسين ﵁ حتى نزلَ قصر بني مقاتل، وإذا بفسطاط مضروب، فقال الحسين ﵁: لمن هذا؟ فقيل: لعُبيد الله (٣) بن الحرّ الجُعْفي. فقال: ادْعُوه لي. فأتاه الرسول، فاستدعاه، فاسترجع (٤) وقال: ما خرجتُ من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها، واللهِ ما أُريدُ أن أراه ولا يراني. وأبلغَه الرسول ما قال، فقام الحسين ﵁، ومشى إليه، ودعاه إلى نُصرته، فقال مثل تلك المقالة، فقال الحسين ﵁: فإذا لم تنصرونا؛ فلا تُقاتلونا. فقال: أمَّا هذا فلا.

стр. 3592

ثم قام الحسين ﵁ فخرج وسار من قصر بني مقاتل، فلما كان آخرُ الليل، خفقَ رأسُه خَفقَةً، ثم انتبه وهو يقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. فقال له عليّ ابنُه: مالك يا أَبَهْ؟! فقال: يا بُنيّ، إنِّي خفقتُ رأسي (١) خفقةً؛ وإذا بفارس يسايرُني على فرس ويقول: القوم يسيرون والمنايا تسيرُ إليهم. فعلمتُ أنه نعى نفوسَنا إلينا. فقال: يا أَبَهْ، أَلسنا على الحقّ؟! قال: بلى. قال: فإذًا لا نُبالي بالموت مُحِقِّين. فجزاه خيرًا. وسار الحسين ﵁ حتى نزل نِينَوَى (٢) على شطّ الفُرات، وإذا براكب على نَجِيبٍ (٣) من ناحية الكوفة، ومعه كتابٌ من ابنِ زياد إلى الحرّ، ففتحه، وفيه: أمَّا بعد، فجَعْجِعْ بالحسين (٤)، ولا تُنْزِلْه إلا بالعَراء في غير حصن، وعلى غير ماء. فقال الحرّ: هذا كتابُ الأمير، ورسولُه معي، فلا أُفارقُك حتى تنزلَ موضعًا امر (٥). فقال: ننزلُ نِينَوَى، أو بالغاضريَّة. فقال الحرّ: لا والله، إلى ها هنا. فقال له (٦) زهير بن القَين: واللهِ إني لأرى ما بعد هذا أشدَّ منه، فقتالُ هؤلاء أهونُ. فقال الحسين ﵁: ما أبدؤهم بقتالٍ حتى يَبْدَؤونا. فقال: سِرْ بنا إلى هذه القرية، فإن قاتلونا قاتلناهم. قال: وما يقال لها؟ قال: العَقْر. قال: أعوذ بالله من العَقْر. ثم نزل بكربلاء يوم الخميس ثاني المحرَّم. ذكر إرسال ابنِ زياد عُمَر بنَ سعد بن أبي وقَّاص إلى الحسين ﵇: وجَّه ابنُ زياد عمرَ (٧) بن سعد إلى الحسين ﵁ في أربعة آلاف، وكان قد استعمله قبل ذلك على الرّيّ وهَمَذان، فقطع ذلك البعث معه، فلما أمره بالمسير إلى الحسين

стр. 3593

﵁ امتنعَ واستعفى منه، فقال له ابنُ زياد: واللهِ لئن لم تَسِرْ إليه لأعزلنَّك، وأهدمنَّ دارَك، ولأضربنَّ عنقك. فقال: إذًا أفعل (١). وجاءتْه بنو زُهرة وقالوا: ننشدك ألله أن يبقي فعلك بالحسين عداوة بيننا وبين بني هاشم (٢). وجاءه ابنُ أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة فقال له: أَنشدُك الله يا خال أن تقطع رحمك وتعصيَ ربَّك، فواللهِ لأَنْ تخرجَ من دنياك ومالِك وسلطان الأرض كلّها خير لك (٣) من أن تلقى اللهَ بدم الحسين. فقال له عمر: فإني لا أفعلُ ذلك، ولا أُقاتلُه. وعاد إلى ابنِ زياد، فاستعفاه، فلم يُعْفِه، فسار إلى قتال الحسين ﵁ في أربعة آلاف. وقد أخبرَ عليٌّ ﵇ بهذا، فإنه لقيَ عُمرَ بنَ سعد في بعض الأيام، فقال له: ويحك يا عُمر! كيف بك وقد قمتَ مقامًا تخيَّر فيه بين الجنة والنار، فتختار النار (٤)؟! ولما نزل عُمر بن سعد نِينَوَى؛ استحيى أن يجتمع بالحسين ﵁، فعرض على الرؤساء أن يذهبوا إليه ويسألوه: في أيّ شيء قَدِمَ؟ فكلُّهم أبي ذلك؛ لأنهم كاتبوا الحسين ﵁. فقال كثير بن عبد الله الشعبي -وكان فاتكًا-: أنا أذهب إليه، وإنْ شئت قتلتُه (٥). فقال عمر: ما أُريدُ قَتْلَه، وإنما أُريدُ سؤاله. فمضى إليه، فلم يُمكِّنوه من الوصول إليه خوفًا منه. فعاد إلى عمر. فبعثَ قرَّة بن قيس (٦) الحنظلي، فجاء وسلَّم على الحسين ﵁، وأبلغه الرسالة التي من عمر، فقال: إنَّما جئتُ لأنه كتب إليَّ أهلُ مِصْرِكم بكذا وكذا. فأمَّا إذْ كرهوني؛ انصرفتُ عنهم.

стр. 3594

فكتب ابنُ سعد إلى ابن زياد بذلك، فقال ابن زياد: الآن إذْ عَلِقَتْ مخالِبُنا به … يرجو النجاة ولات حين مَناصِ وكتب إلى عمر بن سعد: أمَّا بعد، فقد بلغني كتابُك، فاعْرِضْ على حسين أن يُبايع لأمير المؤمنين يزيد هو وأصحابه، فإذا فعل ذلك رأَينا رأْيَنا. والسلام. وقال حميد بن مسلم: كتَبَ ابن زياد إلى عمر بن سعد: أما بعد، فَحُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يدنو منه، كما فُعل بأمير المؤمنين عثمان. قال: فبعثَ ابنُ سعد خمس مئة فارس، فنزلوا على الشرائع (١)، وحالوا بينه وبين الماء، وذلك قبل مقتله بثلاث. وناداه عبد الله بن [أبي] حصين الأزدي: يا حسين، ألا تنظرُ إلى الماء كأنَّه كبدُ السماء؟ واللهِ لا تذوقُ منه قطرة حتى تموتَ عطشًا. فقال الحسين ﵀: اللهمَّ اقْتُلْه عَطَشًا، ولا تَغْفِرْ له أبدًا (٢). قال حميد بن مسلم: واللهِ لقد عُدتُه في مرضه بعد ذلك، فكان يشربُ حتى يَبْغَر (٣)، ثم يعود فيقيء، ثم يعود فيشرب حتى يَبْغَر، فما زال كذلك حتى مات عَطَشًا. [قال الهيثم:] (٤) وناداه عَمرو بنُ الحجاج -وكان ممَّن كاتبه-: يا حسين، هذا الماء يلغُ فيه الكلاب، وتشربُ منه خنازير السَّواد والحُمُر والذئاب، وواللهِ لا تذوقُ منه قطرةً حتى تذوق الحميم في نار الجحيم (٥). فكان سماع هذا الكلام عليه أشدَّ من منع الماء. ولما اشتدَّ العطش بالحسين ﵁ وأصحابِه؛ دعا أخاه العبَّاس، وبعث معه ثلاثين فارسًا وعشرين راجلًا، وبعث معهم عشرين قِرْبة، فجاؤوا إلى الشريعة وعليها عَمرو

стр. 3595

ابن الحجَّاج الزّبيدي، فقال: من أنتم؟ فقال العبَّاس: جئنا لنشربَ من هذا الماء الذي حَلَأْتُمونا عنه (١). فقال له عمرو: اشرب هنيئًا مريئًا. فقال: لا واللهِ لا أشربُ منه قطرة وحسين عطشان. فقال: لا سبيل إلى هذا. إنما وُضِعنا ها هنا لنمنعهم من الماء. وجاء أصحابُ العباس فقال: املؤوا قِرَبَكم. فشدَّ الرَّجَّالة فملؤوها. وثار إليهم عَمرو بن الحجاج، فاقتتلوا. وخَلَصُوا بالقِرَبِ إلى الحسين ﵁، فشرِبَ هو وأصحابه (٢). ويقال للعبَّاس بن علي: السَّقَّاء؛ لأنه حمل ذلك اليوم قِرْبةً على كتفه. وبعث الحسين ﵁ عَمرو (٣) بنَ قَرَظةَ بن كعب الأنصاريّ إلى عُمر بن سعد يقول: الْقَني الليلةَ بين العسكرين. وخرج الحسين ﵁ في عشرين فارسًا، وعمر في مثلها، فلما التقيا؛ أمر كلُّ واحد منهما أصحابَه أن يبعدوا عنه، ففعلوا. وتحدَّثا، فقال له الحسين ﵁: اختاروا مني خصالًا ثلاثة: إمّا أنْ أرجعَ إلى المكان الذي أقبلتُ منه، وإمَّا أن أضعَ يدي في يد يزيد بن معاوية، فيرى فيما بيني وبينه رأيَه، وإمَّا أن تسيِّروني إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، فأكونَ كرجلٍ من أهله (٤). قال عُقبة بن سَمْعان: صحبتُ الحسين ﵁ من المدينة إلى مكة، ومن مكةَ إلى العراق؛ لم أفارقْه حتى قُتل، ولم يَفُتْني منه كلمة قالها إلى يومِ قَتْلِه، لا واللهِ إنْ أعطاهم ما يذكر الناس وما يزعمون من أن يضعَ يده في يدِ يزيد بن معاوية، وإنما قال: دَعُوني أرجعْ إلى المكان الذي أقبلتُ منه، أو أن أذهبَ في هذه الأرض العريضة حتى انظر ما يصيرُ إليه أمرُ الناس (٥). والتقى الحسين ﵁ عُمر بنَ سعد مرارًا ثلاثًا أو أربعًا، وكتب عُمر بن سعد إلى ابن زياد: أمَّا بعد؛ فإنَّ الله قد أطفأ النائرة، وجمعَ الكلمة، وأصلَح أمرَ الأمة.

стр. 3596

فلما قرأ ابنُ زياد كتابَه قال: هذا كتابُ رجل ناصحٍ لأميره، مشفقٍ على قومه، نَعَمْ قد قبلتُ. فقام إليه شَمِرُ بنُ ذي الجَوْشَن وقال: أتقبلُ هذا منه وهو إلى جانبك؟! واللهِ لئن رَحَلَ عن بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننَّ أولى بالقوة والعزّ، ولتكوننَّ أولى بالضعف والعجز، واللهِ لئن لم ينزل على حكمك ليكوننَّ وهنًا عليك، ولقد بلغني أنَّ الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين، فيتحدَّثان عامَّة الليل. فمال ابنُ زياد إلى قول شَمِر وقال: الرأيُ ما قلتَ (١). وجعل الرجل والرجلان والثلاثة من أهل الكوفة يتسلَّلُون إلى عسكر الحسين ﵁، وبلغ ابنَ زياد، فخرجَ، فعسكر بالنُّخَيلَة (٢)، واستخلف على الكوفة عَمرو بن حُريث، وضبط الجسر، فلم يترك أحدًا يجوزُه (٣). وعقد ابنُ زياد لحُصين بن تميم التميمي على ألفين (٤)، وبعثه مددًا لعُمر بن سعد، فصاروا ثمانيةَ آلاف. ولم يبلغ الذين مع الحسين ﵁ مئة. ودعا ابنُ زياد شَمِرًا، وناولَه كتابًا، وقال له: اذهبْ به إلى عُمر بن سعد، فليعرض على حسين وأصحابه النزولَ على حكمي، فإن فعلوا فليبعثْ بهم سِلْمًا، وإن أَبَوْا فليقاتِلْهم، فإن امتنع فاضرب عنقه، وأنت الأمير على الناس (٥). وكان في الكتاب: إني لم أبعثْك إلى الحسين لتطاولَه وتُمَنِّيه وتكونَ له عندي شافعًا، فانظرْ فإنْ نزلَ هو وأصحابُه على حُكمي؛ فابْعَثْ بهم إليَّ سِلْمًا، وإنْ أَبَوْا فازحَفْ إليهم، واقْتُلْهم، ومَثِّلْ بهم، فإنْ قُتل الحسين؛ فأوطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه، وإن أبيتَ فسلِّم العسكر إلى شَمِر، فقد أمرناه فيك بأمر، والسلام (٦).

стр. 3597

وجاءه شَمِر فوقفَ على عسكر الحسين ﵁ ونادى: أين بنو أختنا؟ فخرج العباسُ وعثمانُ وعبدُ الله وجعفر بنو علي بن أبي طالب ﵇، فقال لهم: أنتم يا بني أختي آمنون. فقالوا له: لعنك الله، ولعنَ أمانتكَ ومَنْ أمَّنَنَا، ويحك! أَتُؤَمِّنُنا، وابنُ رسولِ الله ﷺ وابنُ فاطمة لا أمانَ له؟! اذهَبْ مذمومًا مدحورًا. ومعناه أنَّ أمَّ البنين -هي أمُّ العباس وعثمان وعبد الله وجعفر- كِلابيَّة، وشَمِر -لعنه الله- كِلابيّ (١). ولما قدم شَمِر بكتاب ابن زياد على عُمر بن سعد؛ قرأه وقال له: ويلك يا أبرص، ما لَك؟! لا قرَّب اللهُ دارَك، ولا أدنى مَزارَك، وقبَّحَ ما أتيتَ به، واللهِ إنِّي لأظنُّك ثَنَيتَهُ أن يقبل ما كتبتُ به إليه، أفسدتَ علينا أمرَنا، قد كنَّا نرجو أن يصلح، واللهِ لا يستسلمُ حسين أبدًا، لَنَفْسُ أبيه بين جَنْبَيه. فقال له شَمِر: دَعْ هذا، وأخْبِرْني ما أنت صانع، أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه؟ وإلَّا فخلِّ بيني وبين ذلك. فقال: لا، ولا كرامة لك، وأنا أتولَّى ذلك. قال: فدونك. فنهض إليه عشيَّة الخميس لسبع مضين من المحرَّم بعد صلاة العصر والحسينُ جالسٌ أمامَ بيته مُحتبيًا بسيفه؛ إذْ خفقَ برأسه على ركبتيه، وسمعَتْ أختُه زينبُ بنتُ عليّ الضجَّةَ (٢)، فدنَتْ من أخيها وقالت: يا أخي، أما تسمعُ الأصوات، وعُمر بن سعد ينادي: يا خيل الله اركبي وأبشري؟! فرفع الحسين رأسَه وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ الساعةَ في النوم، فقال لي: إنك تروحُ إلينا. فلطمَتْ زينبُ وجَهها، وقالت: واويلتاه! وقال الحسين ﵁: ليس لكِ الويل يا أختاه، اسكُني. وقال له العبَّاس بن عليّ: أتاك القومُ. فقال: يا أخي ارْكَبْ إليهم، وسَلْهُم عمَّا بدا لهم، وما الذي جاء بهم؟ فالتقاهم العباس، فسألهم، فقالوا: ورد كتاب الأمير بكذا وكذا.

стр. 3598

فجاء فأخبر الحسين رضوان الله عليه، فقال: عُدْ إليهم، وقل لهم: انصرفوا هذه العشيَّة لننظر في أمرنا الليلةَ، وفي غداة غد يكون ما يريدُ الله. فجاء إليهم فأعاد عليهم ما قال الحسين ﵁: فقال عُمر بن سعد لأصحابه: ما تقولون؟ فقالوا: أنت الأمير، والرأيُ رأيُك، قال: وَدِدْتُ أن لا أكونَ أميرًا. فقال له عَمرو بن الحجَّاج الزبيدي: سبحان الله! لو كان من الدَّيلم ثم سألك هذا لقد كان ينبغي لك أن تُجيبَه! وقال ابن الأشعث: أجِبْهُم إلى ما سألوك، فواللهِ لَيُصَبِّحُنَّكَ بالقتال غُدْوَة. فعاد عُمر بن سعد إلى فسطاطه (١). وقال الحسين رضوان الله عليه: إنما دفعتُهم العشيَّة لنصلّي الليلة، ونسألَ ربَّنا، وندعوَه ونستغفرَه (٢). ولما انصرف القوم عن الحسين ﵁؛ عرضَ على أصحابه أن يتفرَّقوا، فأبَوْا وقالوا: واللهِ لا نُفارقُكَ حتى يصيبَنا ما أصابك. فبات الحسين ﵁ وأصحابه تلك الليلة، وسألوا الله تعالى وبَكَوْا وتضرَّعوا. قال عليُّ بن الحسين ﵄. وكنتُ مريضًا، وعمَّتي زينب عند رأسي، فاعتزَلَ أبي ليُصلح سيفَه وقال: يا دَهْرُ أُفٍّ لك من خليلِ … كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ من صاحبٍ أو طالبٍ قتيل … وكلُّ حيٍّ سالكُ السبيلِ وجعل يُرَدِّدُها، ففهمتُ ما أراد، فخنقَتْني العَبْرة، فردَدْتُ دَمْعي، وعلمتُ أنَّ البلاء قد نزل. وأمَّا عمَّتي فسمعَتْ، وهي امرأة، فأدركَها الجَزَع والرِّقَّة، فلم تملك نفسها أنْ قامَتْ تجرُّ ثوبَها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، فقالت: واثُكلاه! ليت الموتَ أعْدَمَني الحياة اليوم، ماتَتْ أمّي فاطمة، وعليٌّ أبي، وحسنٌ أخي، يا خليفة الماضين،

стр. 3599

ويا ثِمال الباقين (١). فقال لها الحسين ﵁: يا أُخَيَّة، لا يُذهِبْ حِلْمَك الشيطانُ. فقالت له: بأبي أنتَ وأمِّي يا أبا عبد الله، استَقْتِلْ، نفسي فداؤك (٢). فردَّد غُصَّته، وترقرقت عيناه، ثم قال: ولو تُرك القَطا لَهَدَا وناما (٣). فقالت: يا ويلتا! أتغتصبُ نفسك اغتصابًا، فذلك الذي أقْرَحَ قلبي. ثم لطمت وجهها، وشقَّت جيبَها، وخرَّتْ مغشيًّا عليها، فقام الحسين ﵁، فرشَّ قال وجهها الماء، وقال لها: يا أُخيَّة، اتقي الله، وتَعَزَّيْ بعزاء الله، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَه. ثم قام، فخرج إلى أصحابه، وأمرهم أن يُدخلوا البيوتَ بعضَها في بعض، ويستقبلوا العدوَّ من وجهٍ واحد. فلما كان صباح يوم الجمعة -وقيل: يوم السبت- خرج عُمر بن سعد، وقد عَبَّأَ الحسين ﵁ أصحابَه وقتَ صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا، وأربعون راجلًا، وجَعلَ زُهير بن القَين في الميمنة، وحبيب بن مظهر في الميسرة، وأعطى رايته العبَّاس بن عليّ، وجعلوا البيوت من وراء ظهورهم؛ وأمر الحسين ﵁ بِحَطَبٍ وقَصَب أن يكونَ من ورائهم، ثم يُلقي فيه النار مخافةَ أن يأتوه من ورائه. وكان مع الحسين ﵁ خمسون رجلًا (٤)، وأتاهم من الحُرّ (٥) عشرون، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلًا.

стр. 3600

حديث كَرْبَلاء: [رُوي عن شَهْر بن حَوْشب، عن أمّ سَلَمة، أنها أخبرت الحسين فقالت: كان جبريل عند النبي ﷺ وأنت معي، فبكيتَ، فقال رسول الله ﷺ : "دعي لي ابني". فتركتُك، فأخذك في حجره، فقال له جبريل: أتحبُّه؟ قال: نعم. قال: "إنَّ أمَّتك ستقتلُه، فإن شئت أُريك من تربة أرضه التي يُقتل فيها. قال: نعم. فبسط جبريل جناحه على أرض كربلاء، فأراه إياها، فَشَمَّها، ففاضَتْ عيناه (١) ". فلما شمَّ الحسين أرض كربلاء، قال: هذه -والله- الأرض التي أراها جبريل رسول الله ﷺ ، وأخبره أنني أُقتلُ فيها] (٢). [قال الواقدي:] ولما نزل الحسين ﵁ أرض كَرْبَلاء قال: ما يقال لهذه الأرض؟ قالوا: كَرْبَلاء. قال: كَرْبٌ وبلاء. ثم قال: أخبرتني أمُّ سَلَمة أنَّ النبيَّ ﷺ أخبرها أنني أُقتلُ ها هنا. [وقد أخرج حديث أمّ سَلَمة سائر العلماء] (٣). قال أنس: استأذنَ مَلكُ القَطْرِ ربَّه أن يزورَ رسولَ الله ﷺ ، فأَذِنَ له، وكان في بيت أمِّ سلمة، فقال رسول الله ﷺ : "يا أمَّ سلمة، امْلِكِي البابَ علينا، لا يدخلنَّ أحد". فجاء الحسين وهي على الباب، فاقتحم الباب ودخل، وجعلَ رسول الله ﷺ يلزمُه ويُقَبِّلُه، فقال له المَلَك: أتُحبُّه؟ قال: نعم. فقال: إن أمَّتك ستقتلُه. فإنْ شئتَ أُريك المكان الذي يُقتلُ فيه. قال: نعم. فقبض قبضةً من المكان الذي قُتل فيه، فأَشَمَّه إيَّاها، فإذا هو طينةٌ حمراء، أو: فجاء بطينة حمراء، فأخذَتْها أمُّ سلمة، فصرَّتْها في خِمارها. قال ثابت (٤): فكان أنس يقول: هي كربلاء.

стр. 3601

وروى أبو أُمامة الباهليُّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يا أمَّ سَلَمة، إذا تحوَّلَتْ هذه التربة دمًا؛ فاعلمي أنه قد قُتل ابني". قال: فأخذَتْ أمُّ سَلَمة التربة، فجعلَتْها في قارورة، فلما كان يومَ قُتل الحسين ﵁ تحوَّل دمًا، فعلمت أنه قد قُتل (١). وقال ابن سعد (٢): حدَّثنا محمد بن عُمر، حدَّثنا موسى بنُ محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سَلَمة، عن عائشة قالت: كانت لنا مَشْرَبَة (٣)، فكان رسولُ الله ﷺ إذا أراد لُقِيَّ جبريل [لَقِيَه] فيها، فلقِيَه مرّةً فيها، وأمرَ عائشةَ أن لا يصعدَ إليه أحد، فدخلَ الحسين بنُ علي، ولم تعلم حتى غَشِيَهما، فقال جبريل: مَنْ هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "ابني". فقال: إن أمَّتك ستقتلُه، وإن شئتَ أخبرتُك بالأرض التي يُقتل بها. فأشار جبريل إلى الطَّفّ (٤)، بالعراق، وأخذ تربة حمراء، فأراه إيَّاها، وقال: هذه [من] تربةِ مصرعِهِ (٥). فقال رسول الله ﷺ : "اشتدَّ غضبُ الله على مَنْ يسفكُ دمَه". وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ (٦): حدثنا محمد بنُ عُبيد، حدثنا شُرَحْبِيلُ بنُ مُدْرِك، عن عبد الله بن نُجَيّ، عن أبيه، وكان سار مع عليّ إلى صفِّين، وكان صاحب مَطْهَرَتِه، فلما حاذَى نِينَوَى -قرية على شطّ الفرات عند كَرْبَلاء- وقف عليّ، فنادى: اصْبِرْ أبا عبد الله، اصبِرْ أبا عبد الله، ما يقال لهذه الأرض؟ فقالوا: كَرْبَلاء (٧). فبكى حتى بلَّ الأرض من دموعه ثم قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقلت: ما يُبكيك يا رسول الله؟ فقال: "كان عندي جبريلُ آنِفًا، وأخبرني أنَّ الحسين ولدي يُقتلُ

стр. 3602

بطَفِّ العراق (١). قال: فقال لي جبريل: هل لك أن أُشِمَّك من تربته؟ قلت: نعم. فقبض جبريلُ قبضة من تراب، وأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أنْ فاضَتا". وقال الحسن بن كثير: لما سار أمير المؤمنين إلى صفِّين مرَّ بكربلاء، فوقف يبكي ويقول: بأبي أُغَيلِمةٌ يُقتلون ها هنا. هذا مُناخ ركابهم، هذا موضع رحالهم، هذا مصرع الرجل. وجعل ينتحبُ ويبكي (٢). ذكر القتال والقتل: كان على رُبْع أهل الكوفة (٣) عبد الله بن زهير بن سُلَيم الأزدي، وعلى رُبْع ربيعة وكِنْدة قيس بن الأشعث الكِنْدي، وعلى رُبْع مَذْحِج وأسد عبدُ الرحمن بن أبي سَبْرة (٤) الجعفيّ، وعلى رُبْع تميم وهَمْدان الحُرّ بن يزيد الرياحي، ثم اليربوعي، فشهد هؤلاء كلُّهم قتل الحسين ﵁، إلا الحُرَّ بن يزيد ﵀، فإنه مال إلى عسكر الحسين ﵁، وقاتل بين يديه حتى قُتل. وكان الأمير على الكلّ عمر بن سعد، وكانوا ثمانية آلاف. ولما خيَّرهم الحسين ﵁ أقبلَ الحُرّ بن يزيد على عُمر بن سعد، فقال له: أمقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: نعم. قال: أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرَضَ رِضىً؟! قال عُمر بن سعد: لو كان الأمرُ إليَّ لفعلتُ. فقال الحُرّ: سبحان الله، ما أعظم هذا! يعرضُ ابنُ رسولِ الله ﷺ عليكم ما يعرض فتأبَوْنه! ثم مال إلى الحسين ﵁، فقاتل معه حتى قُتل. وفيه يقول الشاعر (٥) المتوكل الليثي: لَنِعْمَ الحُرُّ حُرُّ بني رياحٍ … وحرٌّ عند مختلف الرِّماحِ

стр. 3603

ونِعْم الحرُّ ناداه حسينٌ … فجادَ بنفسه عند الصباحِ ولما صار الحرُّ إلى الحسين ﵁ قال له: يا ابنَ رسولِ الله، جعلني اللهُ فِداك، أنا الذي جَعْجَعتُ بك السير، وحبستُك عن الرجوع، وسايرتُك في الطريق، واللهِ ما ظَنَنْتُ أنَّ القوم يردُّون عليك ما عرضتَ عليهم أبدًا، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، وإني قد جئتُك تائبًا مما كان منّي ومُواسيًا لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفتَرَى ذلك توبة؟ فقال له الحسين ﵁: نعم، يتوبُ الله عليك، ويغفرُ لك. ما اسمُك؟ قال: الحُرّ بن يزيد. قال: أنتَ الحرُّ كما سَمَّتْك به أمُّك، أنت الحُرُّ في الدنيا والآخرة. فنادَى: يا أهل الكوفة، لأمِّكم الثُّكْل (١)، دَعَوْتُموه، حتى إذا أتاكم أَسْلَمْتُموه، فأصبح كالأسير في أيديكم، لا يملكُ لنفسه نفعًا ولا ضَرًّا، وحَلَأْتُموه (٢) ونساءَه وصبْيَتَه وأصحابَه عن ماء الفرات الجاري الذي تشربُه اليهود والنصارى والمجوس، وتتمرَّغُ فيه خنازيرُ السَّواد وكلابُه، بئسَ ما خلفتُم محمدًا في ذُرِّيَّته، لا سقاكم الله يومَ الظمأ إنْ لم تتوبوا وتَنْزِعُوا عمَّا أنتم عليه في ساعتكم هذه. فحملوا عليه ورمَوْه بالنَّبْل. وكان الحرُّ يرتجزُ ويقول: أضربُ في أعراضكم بالسيفِ … عن خير مَنْ حلَّ مِنَى والخَيفِ فتكاثروا عليه، فقتلوه. وجعلَ ابنُ سعد على ميمنته عَمرو بنَ الحجَّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شَمِرَ بن ذي الجَوْشن، وعلى الخيل عَزْرة بن قيس الأحْمَسيّ. وعلى الرجَّالة شَبَث بن رِبْعيّ اليربوعي، وأعطى الراية دريدًا (٣) مولاه. ودخل الحسين ﵁ الفسطاط، فاطَّلَى بالنُّورة (٤)، وماثَ مِسْكًا (٥) في جَفْنَة، وتطيَّبَ، ثم خرج، وركب دابته، ووقف في الصفّ.

стр. 3604

واقتتل أصحابُه مع القوم قتالًا شديدًا، فكان أولَ من أنشبَ القتال سالمٌ مولى عُبيد الله بن زياد؛ برز من الصّفّ، فخرج إليه عبد الله بنُ عُمير (١) الكلبي، فقتلَه. وأمرَ الحسين ﵁، فأضرموا النارَ في القَصَب خوفًا على الحُرَم (٢)، فناداه شَمِر بن ذي الجَوْشَن: يا حسين، تعجَّلتَ النار في الدنيا قبل يوم القيامة. فعرفَه الحسين ﵁ فقال: با ابنَ راعية المِعْزَى، أنتَ أولى بها صِلِيَّا (٣)، يا ملعون، لقد أخبرني جدِّي أنَّ كلبًا يلغُ في دماء أهل البيت، وما إخالُك إلا إيَّاه (٤). ثم ركب الحسين ﵁ راحلته، ونادى بأعلى صوته: أيُّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعتذرَ إليكم من مَقْدَمي عليكم، فإنْ قبلتُم عذري، وصدَّقتموني، وأعطيتموني النَّصَف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن عليَّ سبيل، وإنْ لم تقبلوا عذري، ولم تعطوني النَّصَف من أنفسكم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. فلما سمع أخواتُه وبناتُه كلامَه هذا؛ صِحْنَ وبَكَينَ، وارتفعت أصواتُهنَّ، فأرسل إليهنَّ العباسَ أخاه، وقال: قل لهنّ: اسكتن، فلعمري فليكثرنَّ بكاؤهم. ثم قال: لا يُبعد الله ابنَ عباس. أشار إلى قوله: لا تأخُذْ معك نساءك وبناتك (٥). فلما سكتْنَ، حمدَ الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، اُنْسُبُوني مَنْ أنا، ثم ارجعوا إلى نفوسكم، وعاتِبوها وانظروا، هل يحلُّ لكم قتلي؟! ألستُ ابنَ بنت نبيِّكم ﷺ ، وابنَ وَصِيِّه وابنِ عمِّه؟! أو ليس حمزةُ سيِّدُ الشهداء عمَّ أبي؟! أو ليس جعفرٌ

стр. 3605

الطيارُ في الجنة عمِّي؟! أليست فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ أمي؟! أليست خديجةُ جدَّتي؟! أليس قد استفاضَ فيكم أن رسول الله ﷺ قال لي ولأخي: "هذانِ سيِّدا شبابِ أهل الجنة". فإن لم تُصدِّقوني فسلُوا جابر بن عبد الله، أو أبا سعيد الخُدري، أو زيد بن أرقم، أو سهل بن سعد، أو أنس بن مالك. فناداه شَمِر بن ذي الجَوْشن: هو يعبدُ الله على حرف إن كان يدري ما يقول. والباقي سكوت (١). فنادى الحسين ﵁: يا شَبَث بن رِبْعيّ، ويا حجَّار بن أَبْجَر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ: قد أينعت الثمار، واخضرَّ الجَناب، وإنما تَقْدَمُ على جند مجنَّدٍ لك فأقْبِلْ. فقالوا: لم نفعل. فقال: هذه كتبُكم. فأمَّا إذْ كرهتُموني فدعوني أنصرفْ عنكم إلى مأْمني من الأرض. فقال له قيس بن الأشعث: أو تنزلُ على حكم ابن عمِّك؟ فإنَّهم لن يُرُوك إلا ما تُحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه. فقال له الحسين ﵁: أنت أخو أخيك، أتُريدُ أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بنِ عقيل؟! لا واللهِ لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرُّ إقرار العبد. ثم نزل عن راحلته، وجلس بفِناء بيته (٢). وناداه (٣) محمد بن الأشعث: يا حسين، أبْشِرْ، الساعةَ تَرِدُ الجحيم. فقال له الحسين ﵁: لعنك الله، ولعن أباك وقَوْمَك يا ابنَ المرتدّ الفاجر، عدوّ الله ورسوله والمسلمين (٤). ولما زحفوا قِبَلَ الحسين ﵁ ناداهم زهير بنُ القَين: ويحكم يا أهل الكوفة! تخذُلُون ابنَ بنتِ نبيّكم، وتنصرون الطاغية عُبيد الله بن زياد؟! وذكر مثالبَه ومثالبَ بني أميَّة، وما فعلوا بحُجْر بن عديّ وغيره، فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم، وقال: اسْكُتْ لا سكتَّ، أبْرَمْتَنا بكلامك. فقال له زهير: يا ابنَ البوَّال على عقبيه، إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، واللهِ ما أظنُّك تُحْكِمُ من كتاب الله آيتين، فأبْشِرْ بالخِزْي

стр. 3606

يومَ القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إن اللهَ قاتلُك وصاحِبَك بعد سماعة. فقال له: يا ملعون، بالموت تُخوِّفُني؟! فواللهِ لَلْمَوتُ أحبُّ إليَّ من الخُلْد معكم. ثم رفع صوته ونادى: عبادَ الله، لا يَغُرَّنَّكم في دينكم هذا الجِلْفُ الجافي وأشباهُه، فواللهِ لا تَنالُ شفاعةُ محمدٍ ﷺ قومًا هوقوا دماء ذرِّيَّته وأهلِ بيته. وأرسل إليه الحسين ﵁: ارجعْ، فقد نصحتَهم كما نصحَ مؤمنُ آلِ فرعون قومَه، ولكن لا يفقهون (١). وأولُ من زحف عليهم عُمر بن سعد؛ رَمَى بسهم وقال للناس: اشهدوا [أني أولُ من رمى] ثم (٢) قال لمولاه وبيده الراية: يا دريد تَقَدَّم (٣). وبعثَ خمس مئة من الرُّماة، فأقبلوا إلى الحسين ﵁، فرشقوهم بالنَّبْل، فعقروا خيولهم، فصاروا كلُّهم رجَّالة (٤). وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشدَّ قتالٍ خلقه الله، ولا يقدرون على إتيانهم إلا من وجهٍ واحد لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض (٥). فلما رأى ذلك عُمر بن سعد أرسل رجالًا وقال: قَوِّضُوا الأبنية. فلم يقدروا من النَّبْل، فقال: حرِّقُوها. فجاؤوا بالنار، فقال الحسين ﵁: دعوهم يحوقونها، فإن حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها ومن النار. وحمل شَمِر حتى طعن فسطاط الحسين ﵁ برمحه وقال: عليَّ بالنار حتى أُحرق هذا البيت على أهله. قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، وصاح به الحسين ﵁: يا ابنَ ذي الجَوْشَن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! حرقك الله بالنار.

стр. 3607

وجاءه شَبَث بن رِبْعيّ فقال له: ما شهدتُ موقفًا أقبح من موقفك! أَمِطْ عن النساء. فاستحى منه، وانحرف عنهنَّ (١). وقُتل من أصحاب الحسين ﵁ غلبتهم (٢). وجاء وقت الصلاة، فقال الحسين ﵁: سلُوهم أن يكفُّوا عنَّا حتى نُصلي. فقال الحُصين بن تميم: إنَّها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظهر -وكان من أكابر أصحاب الحسين ﵁: يا حمار، أتُقبلُ منك الصلاة، ولا تقبل من ابنِ رسول الله ﷺ ؟! فحمل عليه الحُصين بنُ تميم، فضرب حبيبٌ وجهَ فرسِه بالسيف، فشَبَّ به فرسُه، فسقط، واحتمله أصحابُه، فقال حبيب: أُقسمُ لو كنَّا لكم أعدادا … أو شطركم ولَّيتُمُ أكتادا (٣) يا شرَّ قومٍ حَسَبًا وآدَا ثم حمل عليهم وقاتلهم قتالًا شديدًا، وحملَ عليه رجل من تميم، فطعنه، وحمل عليه الحصين بنُ تميم، فضربه بالسيف على رأسه، فوقع، ونزل إليه التميمي، فاحتزَّ رأسه، فقال له الحصين: أنا شريكُك في قتله. فقال التميمي: لا والله ما قتله غيري. فقال الحصين: أعطني إياه أعلّقه في عنق فرسي حتى يعلم الناس أني شريكك في قتله، فدفعه إليه، وعلّقه في فرسه [فجال به في العسكر] ثم دفعه إليه، فدخل التميمي الكوفة ورأس حبيب بن مظهر في عنق فرسه يريد ابنَ زياد، فرآه القاسم بنُ حبيب، وهو يومئذٍ قد راهقَ الحلم، فخرج مع الفارس، لا يفارقُه كلما دخلَ القصر وخرج، فارتاب منه الفارس، فقال: ما لك يا بنيّ؟! قال: لا شيء. قال: بلى، فاخبِرْني. فقال: إنَّ هذا رأسُ أبي، فلو أعطيتنيه حتى أدفنه. فقال: إنما قصدي أن يثيبني الأميرُ عليه. فقال له الغلام: لكن الله يُثيبك عليه أسوأ الثواب.

стр. 3608

ثم لم يكن لذلك الغلام همٌّ إلا اتّباع آثار التميمي ليقتلَه بأبيه، فلمَّا كان زمنُ مصعب؛ دخل الغلام عسكر مصعب (١)، فرأى التميميَّ قائلًا نصف النهار في فسطاطه، فدخل عليه فقتله (٢). ولما قُتل حبيب بن مظهر، هدَّ ذلك الحسينَ ﵁ وقال عندها: للهِ أحتسبُ نفسي (٣). وصلَّى بهم صلاة الخوف في وقت الظهر، واشتدَّ القتال بعد الظهر، وتقدَّم زهير بنُ القَين، فقاتل قتالًا شديدًا وهو يقول: أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القَينِ … أَذُودُهم بالسيفِ عن حُسينِ ثم أخذَ يضرب على منكب الحسين ويقول: أَقْدِمْ هُديتَ هاديًا مَهْدِيَّا … فاليومَ تَلْقَى جدَّك النَّبِيَّا وحسنًا والمرتضى عليَّا … وذا الجناحين الفتى الكَمِيَّا وأسدَ اللهِ الشهيدَ الحيَّا فشدَّ عليه كثير بنُ عبد الله الشعبيّ، ومهاجر بن أوس، فقتلاه. وحمل عليهم نافع بن هلال الجَمَلي، فقتلَ اثني عشر من أصحاب ابنِ سعد، ثم تكاثروا عليه، فأخذه شَمِر أسيرًا، وجاؤوا به إلى عمر بن سعد، فقال: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعتَ بنفسك؟! ثم ضربه شَمِر بالسيف، فقتله (٤). وجاء أصحابُ الحسين ﵁، فوقفوا بين يديه، قالوا: ما بقيَ إلا أن نفديَك بأرواحنا. وقاتلوا دونه واحدًا بعد واحد، حتى قُتلوا عن آخِرهم، فلم يبقَ منهم إلا اليسير. وكان أوَّلَ قتيل من آل أبي طالب عليٌّ الأكبر بن الحسين بن علي ﵃، وأمُّه ليلى بنت أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود الثقفي؛ لما رأى أصحابَ الحسين ﵁ قد قُتلوا وهم حوله كربيض الغنم؛ حملَ وهو يقول:

стр. 3609

أنا عليُّ بنُ حسينِ بنِ علي … نحنُ وربِّ البيت أولى بالنبي من شَمِرٍ وعُمرٍ وابنِ الدَّعي (١) فقال مُرَّةُ بن منقذ العبدي: لَأثْكِلَنَّه أباه. فطعنه فوقع، فقطَّعوه بأسيافهم. وحملوه إلى الحسين ﵁، فقال: قتلوك يا بنيّ، ما أجرأهم على الله! على الدنيا بعدك العَفَاء. وخرجت زينب بنت فاطمة ﵉، فأكَبَّتْ عليه، فأخذ الحسين ﵁ بيدها، فولَّى بها إلى الفسطاط. ثم إن عَمرو بن صبيح المرِّيَّ (٢) رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فخَيَّطَ يدَه مع جبهته (٣)، ثم رماه بسهم آخر، ففلق قلبَه. وأحاطَ بهم الناس من كل جانب، فحمل عبدُ الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر، فقتلَه، وحمل عامرُ بن نَهْشَل التَّيمي (٤) على محمد بن عبد الله بن جعفر، فقتله. وشدَّ عثمان بن خالد الجُهني على عبد الرحمن بن عقيل، ومع عثمان بشر بن سوط الهَمْداني، فقتلاه، وحمل عَمرو بنُ سعد بن نُفيل الأسدي على القاسم بن الحسن بن علي، وكان مثل القمر، فقتله. وبقي الحسين ﵁ قائمًا وحده، فكلما انتهى إليه رجل من الناس كره أن يتولَّى قتلَه، فانصرف عنه، حتى جاءه مالك بن الكندي، فضربه بالسيف على رأسه وعليه بُرْنُس، فجرحه، وامتلأ البرنُس دمًا، فدعا عليه الحسين ﵁ وقال له: لا أكلتَ بها ولا شربتَ.

стр. 3610

وأخذ الكنديُّ البُرنُس وكان من خزّ، وقَعد الحسين ﵁ وأُتِيَ بصبيٍّ له صغير، فأجلسه في حِجره -وقيل: هو عبد الله بن الحسين ﵁[فرماه رجل من بني أسد بسهم، فذبحه، فتلقَّى الحسين ﵁] (١) دمَه، فملأ كفَّه، فجعل يبكي ويقول: اللهم إنك تعلم ما يصنع هؤلاء القومُ بإخوتي وولدي. فنودي من الهواء: دَعْه، فإنَّ له مرضعًا في الجنة. ورمى عبدُ الله بنُ عقبة الغَنَويُّ أبا بكر بن الحُسين (٢) بسهم، فقتلَه، وفيه يقول ابنُ قَتَّة: وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهمُ يومًا بها حيثُ حَلَّتِ (٣) وزعموا أن العبَّاس قال لإخوته من أمِّه؛ عبد الله، وجعفر، وعثمان: يا بني أمّي، تقدَّمُوا فقاتِلُوا حتى أرثكم، فإنه لا ولدَ لكم. فتقدَّموا، فقُتلوا (٤)، قَتَلَ هانئُ بنُ ثُبَيت الحضرميُّ عبدَ الله، وقَتَلَ جعفرًا أيضًا، وقَتَلَ عثمانَ رجلٌ من بني أصبح (٥)، وقتل محمدًا رجلٌ من دارم. وعطش الحسين ﵁، فدنا ليشربَ من الماء، فرماه حُصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقَّى الدمَ من فيه، ويُومئ به إلى السماء، وقال: اللهم أَقِلَّهم عددًا، واقتُلْهم بَدَدًا، ولا تُبقِ منهم على الأرض أحدًا، واجعلهم طرائق قِدَدا، ولا تُرضي عنهم الوُلاةَ أبدًا (٦).
следующие страницы →