← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فَصل في الحوادِث التي كَانَت بَيَن نُوح والخليل ﵉ منها: قصَّة الضَّحَّاك (١) واختلفوا في نسبه، فقال قوم: هو ابن الأهبوب. وقال الآخرون: ابن علوان، وقيل: ابن عبيد بن عويج، وهو الذي قتل الملك جم شيد، ويقال: إن نُوحًا بعث إليه وإلى قومه فخالفوه، فأهلكهم الله تعالى بالطُّوفان. والأصحّ أنه كان بعد نوح، واسمه بيوراسب. واليمن تزعم أنه منها، وأنّه ولَّى أخاه سنانًا مصر، وهو أول الفراعنة. وأمَّا الفرس فينسبون الضحَّاك إلى جيومرت. وكان مقام الضحاك ببابل، وكان فاجرًا ساحرًا، ذكره جدي ﵀ في "أعمار الأعيان" وقال: عاش ألف سنة (٢). وقال وهب: ملك الدنيا. وهو بيوراسب -بتقديم الراء على الألف- وهو أوَّل من وضع العشور وضرب الدراهم والدنانير على غير سكَّة آدم وغير شريعته. وقد ذكره أبو تمَّام الطائي فقال (٣): [من الكامل] بَلْ كان كالضَّحَّاك في سَطَواتِه … بالعالمينَ وأنتَ إفريدُونُ يعني: أن أفريدون قتل الضَّحَّاك. وكان أفريدون من ولد الملك جَم شيد الذي نشره الضحَّاك بالمنشار. والعرب تزعم أنَّ الضحَّاك لم يكن من ولد الملوك وإنما المُلْك في ولد أوشهنج وجَم شيد وطَهمورث. وكان الضحَّاك غاصبًا، وكرهه الناس لسوء سيرته، وكان أفريدون الملك من ولد جَم قد ترعرع فاستعدَّ لقتال الضحَّاك. وقال ابن مسكويه: كان على كتفيِّ الضحَّاك سلعتان يحرِّكهما إذا شاء، وادَّعى أنهما

стр. 387

حيَّتان يهوِّل بذلك على الضُّعفاء (١). وكانا يضربان عليه فلا يسكنان حتى يطليهما بدماغ آدميَّين، فكان يقتل كل يوم رجلين فيطلي سلعتيه بدماغهما. قال أبو حنيفة الدِّينَوَري: وكان له وزير صالح، وكان الضحَّاك يذبح كل يوم أربعة رجال، فكان الوزير يستحيي اثنين، ويذبح مكانهما كبشين، فيأخذ مخّهما ويقول للرجلين: اذهبا في رؤوس الجبال ولا تقربا الأمصار ولا القرى، قال أبو حنيفة الدينوري: فيقال إنهم أصل الأكراد (٢). ذكر مقتل الضحّاك ذكر علماء السِّير أنه لما كثر فساده وقتْلُهُ الناس اجتمعوا إلى أفريدون، وكان بأصبهان رجل حدَّاد يقال له: كابي، وكان الضحَّاك قد قتل له ولدين، وكان صالحًا، فاجتمع إليه الناس وسألوه قتال الضَّحَّاك، لأن أفريدون كان مستخفيًا من الضحَّاك، وكان لكابي قطعة جلد يتّقي بها حرَّ النار، فرفعها على رمح وجعلها علمًا، وسار إلى الضحَّاك والناس معه، فخرج إليه الضحَّاك، فلمَّا رأى ذلك العلم ألقى الله الرعب في قلبه فانهزم وخلَّى خزائنه وملكه. واجتمع الناس على كابي وأرادوا أن يملِّكوه فأبى وقال: لست من بيت الملك، ولكن ملِّكوا أفريدون فهو من ولد جَم شيد، فملكوه، وكان كابي عونًا له على أمره. ثم إن أفريدون ومن جاء بعده كانوا يعظِّمون عَلَم كابي ورصَّعوه بالدُّرِّ والياقوت، وكانوا يقدِّمونه أمام الجيوش فينصرون، وكانوا يرون ذلك ببركة كابي، وكان عندهم كالتابوت في بني إسرائيل، ويعرف هذا العَلَم بدرفش كابيان، ولم يزل في خزائن الفرس يتوارثونه، كلما ملك واحد زاده جواهر إلى أيام يَزدَجِرد بن شَهْريار، فأخذه المسلمون في وقعة القادسيَّة، وحمل إلى عمر ﵁، فقسم جواهره بين الناس، وسنذكره. وقال بعضهم: إن أفريدون وكابي اتفقا على الضحَّاك فهزماه، ثم ظفر به إفريدون

стр. 388

فقيَّده وحبسه بجبل دُنْباوَنْد، ثم قتله أفريدون بعد ذلك. والفرس تزعم أنَّه مقيَّد إلى الآن بذلك الجبل. وكان مُلك الضحَّاك لست مئة سنة. وقال ابن الكلبي: لما ظفر أفريدون بالضَّحَّاك قال له: أتريد أن تقتلني بجدِّك جَم شِيد؟ فقال له أفريدون: لقد سَمَت بك نفسك إلى مقام عظيم حيث نسبتها إلى جدِّي، إنما أريد أَن أقتلك بثورٍ كان في دار جدِّي جَم شِيد. وفي رواية: أن أفريدون لما جلس على سرير الضحَّاك سمَّى ذلك اليوم مهرجانًا. ولم ينقل من سيرة الضحَّاك ما يستطرف غير واقعة واحدة، وهي أنَّه لما اشتدَّت وطأته وطالت أيامه، تراسل وجوه الناس في أمره، واجتمع الأكابر والعظماء إلى بابه، وكان فيهم كابي، فقدَّموه بين أيديهم لأنه كان جريئًا في الكلام، واستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه، فلم يسلِّم عليه كابي بل قال له. أسلِّم عليك سلام من يملك الأقاليم كلها أم سلام من يملك هذا الإقليم؟ فقال: بل سلام من يملك الأقاليم كلها، فقال له: فإذا كنت تملك الأقاليم كلها فلمَ خصصت هذا الإقليم بنوائبك ومؤونتك؟ وهلَّا ساويت بينه وبين الأقاليم؟ ثم عدَّد أشياء، وصدَّقه الضحاك ووعد الناس بما يحبُّون وانصرفوا. وكانت له أمّ جبَّارة، وكانت تسمع ما يجري، فلمَّا خرجوا أنكرت عليه وقالت: لقد جرَّأتهم عليك، هلَّا قتلتهم؟! فقال لها -مع عتوِّه وتجبُّره-: إنَّ القوم بدهوني بالحقِّ، فلمَّا هممت بالسَّطوة بهم وقف الحقُّ بيني وبينهم كالجبل فحال بيني وبين ما أردت منهم (١). فصل في أَفريدون (٢) واختلفوا فيه، والأصح أنه التاسع من ولد جَم شِيد. وكان شجاعًا جوادًا سائسًا للملك، شديد القوى، حسن الصورة، وهو أوَّل من أظهر علم الطِّب، وقرَّر أحكام النجوم، وذلَّل الفيلة للحرب وقاتل عليها، وأول من وضع الحمام للأخبار (٣)، وأوَّل

стр. 389

من جمع الدرياق، وأوّل من تسمى بـ "كي" فكان يقال له: كي أفريدون، ومعناه أنه متصل بالله تعالى أو بالرّوحانيات (١). وردَّ على الناس ما غصبه الضَّحّاك، وسار بالناس أحسن سيرة، وما لم يجد له من الغصوب أصحابًا ولا أهلًا وقفه على مصالح العامَّة والمساكين، وكان محبًا للعلماء والعلم صاحب فلسفةٍ وفضل. فصل وفاته ذكر ابن مسكويه: أنه كان له ثلاثة أولاد: سرم وإيرج وطوج، فخشي أن لا يتفقوا بعده، فقسم الأرض بينهم أثلاثًا في حياته فجعل الروم وناحية العراق لسرم، والترك والصين لطوج، والهند وما والاها لإيرج، وهو صاحب التاج والسّرير. فلما مات أفريدون وثب طوج وسرم على ايرج فقتلاه واقتسما الأرض بينهما، فملكاها ثلاث مئة سنة. ويقال: إنَّ أفريدون ملَّك عليهما ايرج، وأنّ ملوك الرّوم من نسل سرم، لأنَّ أفريدون ملكه الرُّوم وملك ولده طوج على المشرق، فملوك الترك والصين من نسله، وملك ولده ايرج على العراق ويسمَّى إيران، فالأكاسرة وهي الفرس الأولى والثانية من نسله. وقال أفريدون لمَّا قسم الأرض هذه الأبيات (٢): [من الرمل] وَقَسَمنا ملكنا في دهرنا … قسمة اللحم على ظهر الوَضَمْ فجعَلْنا الشام والرُّومَ إلى … مغْرِبِ الشَّمسِ لغطريفَ سَرَمْ ولطوجٍ مشرق الشمس لهُ … وبلاد الشرق يحويها برغمْ ولإيران جعلنا عنوةً … فارسَ الملكِ ففازوا بالنِّعمْ ويقال: إنّ حكم هذه الأبيات حكم الأبيات المنسوبة إلى آدم وهي قوله: تغيَّرت البلاد ومن عليها.

стр. 390

وملك أفريدون خمس مئة سنة. وقال ابن مسكويه: وكان إبراهيم ﵇ في زمان الضحَّاك، فلهذا قال قوم: إنه نمرود. قلت: وهو وهمٌ، بين الضحَّاك وإبراهيم ﵇ زمان طويل. ثم نشأ لإيرج ولد يقال له: منُّوشَهر فغلب عمَّيْه على الملك، ثم نشأ لطوج ولد تركي، فنفى منُّوشَهر عن بلاده واستولى عليها، وسنذكر القصَّة في سيرة الفرس الأولى بعد أبواب الأنبياء ﵈. ومن الحوادث بين نوح وإبراهيم ﵉ قصة عاد وثمود فنذكرهما. * * *

стр. 391

فَصلٌ في ذِكْر هُود وَقَوم عَاد (١) قالوا: ذكر الله هودًا في ستة مواضع، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] الأخ في القرآن العزيز على وجوه: أحدها: الأخ من الأم والأب أو من أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]. والثاني: الأخ من القبيلة ومنه ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]. والثالث: الأخ في المتابعة: ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]. والرابع: الصَّاحب ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: ٢٣]. والخامس: الأخ في الدين ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والسادس: الإخاء في المودَّة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وأخو عاد: هو هود ﵇. واختلفوا في نسبه على أقوال: أحدها: أنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قاله قتادة. وحكاه جدي ﵀ في "التبصرة" (٢)، ولم يحقق القول في الخلود، واختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: إنه الخلود بخاء معجمة مع تشديد اللام. والثاني: بالحاء المهملة.

стр. 392

والثالث: بالجيم المكسورة واللام المفتوحة. القول الثاني: أنه هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، قاله مجاهد، وحكاه جدي أيضًا في "التبصرة" (١). والثالث: أنه هود بن عبد الله بن رياح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، حكاه ابن قتيبة (٢). وقوم عاد هؤلاء هم أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام. وقال ابن الكلبي: لم يكن بين نوح وإبراهيم من الأنبياء إلَّا هود وصالح. وقال هشام بن محمد: كان هود أشبه ولد آدم بآدم ما خلا يوسف ﵇، وكان آدم حسن الوجه. وقال مقاتل: بين هود ونوح ست مئة سنة، وقيل: ثمان مئة سنة، وهود من العرب، وكذا صالح وشعيب ومحمد ﷺ . وقال ابن عباس: بُعث هود إلى عاد الأولى، فلمَّا هلكوا جاءت عاد الأخرى، ورؤساؤهم شدَّاد وشديد. وقال قتادة: بعث الله إليهم نبيًّا قبل هود، فوصف لهم الجنَّة، فقالوا: نحن نعمل جنَّة، فعملوا الجحة المعروفة بشدّاد بن عاد فأهلكهم الله قبل أن يصلوا إليها، وسنذكر القصَّة. قال مقاتل: في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] قال: أخوهم في النسب لا في الدين. والأحقاف: الرِّمال، واحدها حِقْف. واختلفوا في أي موضع هي؟ على أقوال: أحدها: أنها بالشِّحر باليمن على ساحل البحر، قاله مجاهد.

стр. 393

والثاني: بين عُمان ومَهرة وصَحار. الثالث: بالدَّهْناء والدَّو وعالج وَيبرين، قاله ابن عبّاس. وقال: والأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة، وإليه ينسب المهاري، يقال: إبل مهرية ومهاري قال: وكانوا من قبيلة إرم. وقال الضحَّاك: الأحقاف جبل بالشام. وقال مجاهد (١): هي جبال حِسْمَى وأرضها، والأوّل أصح. وقال مقاتل: وكان ملكهم عاد يعبد القمر، وطال عمره فرأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وتزوج ألف امرأة، وهو أوّل من ملك الأرض بعد نوح. وكان عاد محسنًا إلى الناس يقري الأضياف، ويحفظ السبل، ويرحم المساكين ورأى العاشر من ولده، وعاش ألفًا ومئتي سنة، ثم مات، فانتقل الملك إلى أكبر ولده وهو شديد بن عاد، فأقام خمس مئة وثمانين سنة ثم مات، فانتقل الملك إلى أخيه شدَّاد بن عاد وهو بني إرم ذات العماد وملك تسع مئة سنة (٢)، وسنذكره. وقال ابن قتيبة: كانت عاد ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف وبلادها، وكانت ديارهم بالدُّوِّ والدَّهْناء وعالج ويَبرين ووَبَار إلى حَضْرَمَوت، وكانت أخصبَ البلاد، فلمّا سخط الله عليهم جعلها مفاوز وقفارًا (٣). وكانوا قد ملكوا الأرض لقوَّتهم، وافتخروا، وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وكان الرجل منهم لا يحتلم حتى يبلغ مئتي سنة. فلمَّا أكثر طغيانهم بعث الله إليهم هودًا فقال: يا قوم اعبدوا الله ووحّدوه، يا قوم لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرًا، أي: جُعلًا. وقال مجاهد: سبب هذا أن الأمم كانت تقول للرُّسل: ما تريدون إلا أن تحكموا في أموالنا، فتقول لهم الرّسل كما قال هو. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].

стр. 394

وكان طول الرجل منهم خمس مئة ذراع وإلى عشرة أذرع (١). فلمَّا عصوا منعهم الله القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم حتى هلكوا من الجدب، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى مكة من يستسقي لنا، وكان لهم ثلاثة أصنام يعبدونها يقال لها: صمود وصداء والهباء -قال قتادة: وكان يقال لملكهم الخلجان، وكانوا مع هذا يعظِّمون الكعبة ويستسقون عندها -فبعثوا سبعين رجلًا فيهم جماعة من أعيانهم: قيل، ولقيم، وجلهمة، ولقمان بن عاد، ومرثد بن سعد، وكان يكتم إيمانه، فنزلوا على بكر بن معاوية، وكان خارج الحرم فأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، وبكر بن معاوية من العمالقة من أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وقيل: ابن عمليق بن سام -وقد ذكرنا الخلاف فيما تقدَّم في ولد سام- فأقاموا عنده شهرًا يأكلون ويشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان -مغنيتان كانتا لبكر- فلمَّا طال مقامهم عنده قال: هلك أخوالي وأصهاري -يعني الذين بعثوا هؤلاء- وهؤلاء أضيافي وما أدري ما أصنع، واستحيى أن يأمرهم بدخول الحرم ليستسقوا، فشكا ذلك إلى قينتيه فقالتا: قل شعرًا نغنِّيهم به، فقال: [الوافر] ألا يا قَيلُ ويحكَ قُمْ فهينِمْ … لعلَّ الله يمنحُنا غَماما فيسقي أرضَ عادٍ إنَّ عادًا … قد امسَوا ما يُبينون الكَلاما من العطشِ الشَّديد فليسَ يرجُو … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمُ بخيرٍ … فقد أمسَت نساؤهمُ أيامى وأنَّ الوحش تأتيهمْ جهارًا … ولا تخشى لعاديِّ لسِهاما وأنتم ها هنا فيما اشتهيتُم … نهاركمُ وليلكمُ التَّماما فَقُبِّح وفدكم من وقد قومٍ … ولا لقُّوا التحيةَ والسَّلاما فغنتهم الجرادتان به، فلمّا سمعوه قالوا: ويحكم، ادخلوا الحرم فاستسقوا لقومكم فقد هلكوا، فقال مرثد: إنكم والله ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم

стр. 395

سقيتم، فقال جلهمة: احبسوا عنَّا هذا فلا يقدم معنا مكة، فإنه قد اتَّبع دين هود، فحبسوه، فأفلتَ وسبقهم إلى مكَّة قبل أن يدعوا بشيء. وكان الناس مؤمنهم وكافرهم يستسقون عند البيت، وأظهر إسلامه حينئذ، فقال بكر بن معاوية يخاطبه: [الوافر] أبا سعد فإنَّك (١) من قبيل … ذوي كرَمٍ وأمُّك من ثمودِ فإنَّا لن نُطيعَك ما بَقينا … ولَسنا فاعلِينَ لدى الوُفود أتأمرنا لنترك دين رفدٍ … ورملَ وآل صدٍّ والعبود ونترك دين آباءٍ كرامٍ … ذوي رأيٍ ونَتْبَع دينَ هُود رفد ورمل وآل صدّ والعبود كلها قبائل من قوم عاد. ثم وقفوا عند البيت يستسقون، فقال واحد منهم: اللهمَّ إنَّا لم نجئك لأسير نفاديه، ولا لمريض تشفيه، فإن كنت مسقيًا فاسق عادًا ما كنت مسقيه، فنشأت سحابةٌ ونودوا منها: اختاروا لأنفسكم، فقال مرثد: يا ربّ أعطني صدقًا وبرًّا، فأعطي، وقال لقمان بن عاد: يا رب أعطني عمرًا فاختار عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من البيضة، ويأخذ الذكر لقوَّته، حتّى إذا مات أخذ غيره إلى أن مات سبعة أنسر، وسنذكره. وقال ابن الكلبي: ثم نشأت ثلاث سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نودي منها: يا قيل اختر لقومك، فقال: أختار السوداء لأنها أكثر ماءً، فقيل لها: اذهبي إلى عاد خليها رمادًا رمددًا، لا تدع منهم أحدًا. وساقها الله إليهم فخرجت من وادٍ لهم يقال له مغيث، فلمَّا رأوها استبشروا بها وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وكان أول من رأى ما فيها امرأة منهم، فصاحت وصعقت، فقيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحًا فيها كشهب النَّار، أمامها رجالٌ يقودونها (٢).

стр. 396

وقال ابن الكلبي (١): أوَّل ما رأى العذابَ الخَلَجَان ملك القوم، فقال: يا هود ما هؤلاء الذين أراهم في السّحاب مثل البخت؟ فقال: ملائكة العذاب، فقال: أرأيت [إن أسلمت] أيعيذني [ربّك] منهم؟ قال: نعم، هؤلاء جندي، ولو فعلَ ما رضيتُ. وفي رواية: أنه لما خرجت الريح من الوادي قال الخلجان لرهط معه: تعالوا نردها، فجاؤوا، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد فترميه فتدق عنقه، فمال الخلجان إلى جبلٍ فهزَّه فاهتز في يده، فقال له هود: أسلم، فلم يفعل، فهلك فيمن هلك، فسخَّرها الله عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي متتابعة ابتدأت غدوة الأربعاء وسكنت في آخر اليوم الثامن. واعتزل (٢) هود ومن معه من المؤمنين فلا يصيبهم منها إلا ما يلين الجلود ويلذُّ النُّفوس. وقال مجاهد: وكان قد آمن معه أربعة آلاف وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٥٨] وكانت الريح تقلع الشجر وتهدم البيوت، ومن لم يكن في بيته منهم أهلكته في البراري والجبال، وكانت ترفع الظعينة بين السّماء والأرض حتى ترى كأنّها جرادة، وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم. وقال ابن عباس: دخلوا البيوت وأغلقوا أبوابها فجاءت الريح ففتحت الأبواب، وسَفَت عليهم الرَّمل، فبقوا تحته سبع ليالٍ وثمانية أيام، فكان يسمع أنينهم في الرمل، وماتوا (٣). وقيل: معنى ﴿حُسُومًا﴾ حسمت كل شيء، أي: قطعته وأتلفته. وقال مقاتل: دخلت عجوز سربًا، فدخلت الريح خلفها فقتلتها، قال: فذلك معنى تسمية العرب هذه الأيام: بأيَّام العجوز. وقال مجاهد: إنما سميت أيام العجوز لأنها في آخر الشتاء، وقد ذكرناه.

стр. 397

وقال ابن مسعود: لم تخرج الريح قط إلَّا بمكيال، إلا في قصة عاد فإنَّها عصت على الخُزان فغلبتهم فلم يعلموا مقدار مكيالها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] والصرصر: ذات الصوت الشديد ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أي: من أصله. فإن قيل: فما معنى إهلاكهم بالريح؟ فالجواب: إنَّما أهلك ذلك الخلق العظيم بالريح التي في ألطف الأشياء لتظهر آثار القدرة، كما أمات الخلق بنفخةٍ ويحييهم بنفخة. وذكر جدّي ﵀ قصتهم بألفاظ مسجوعة، ثم قال: غلبهم الهوى فامتدَّ المقصور. فإن قيل: فما معنى ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] ولم يبعث إليهم سوى هود. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه بُعث إليهم نبيّ كما ذكرنا، والثاني: لما كذَّبوا بما جاء به هود فكأنَّهم كذبوا بما جاء من قبله؛ لأنَّ الأنبياء أولادُ عَلَّات أمهاتهم شتى، والأب واحد (١). قال مجاهد: لما هلكوا أرسل عليهم طيورًا سودًا فنقلتهم، فألقتهم في البحر. وقال ابن الكلبي: ولمّا بلغ مرثد بن سعد هلاكهم قال (٢): [من الوافر] عصَت عادٌ رسولَهمُ فأضحَوا … عظامًا ما تبكهم السَّماء (٣) وسُيِّر وفدُهُمْ شَهْرًا ليسْقَوا … فأردَفَهمْ معَ العطشِ العَمَاءُ بكفرهمُ بربهمُ جِهارًا … على آثار عادِهِمُ العَفَاءُ لهم صنمٌ يقالُ له صُمودا … يُقابِلُه صُداءٌ والهَبَاءُ ألا قبح الإلهُ حُلومَ عادٍ … وإنَّ ديارَهمْ قفرٌ هواءُ

стр. 398

قصة شدَّاد بن عاد وبنائه الجنَّة اختلفوا: هل كان قبل هود أو في أيام هود؟ على قولين. وهو شدَّاد بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وفيه يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] الآية. واختلفوا في إرم على أقوال: أحدها: أنها قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك، قاله مقاتل. والثاني: إنها اسم الجنَّة التي بناها شدَّاد بن عاد، قاله مجاهد. والثالث: دمشق، قاله عكرمة. والرابع: الإسكندرية، قاله القرظي. والخامس: أنَّها آمِد، قاله مقاتل. والقول الأوَّل أظهر (١). قال سعيد بن المسيَّب: كانت منازلهم باليمن ومَهَرَة، وكانوا أصحاب عُمُد وخيام، وكانوا جبابرة قد خصُّوا بالطُّول -ويقال للطويل مُعَمدٌ- وكان الرجل منهم يحمل الصخرة على رأسه فيقتل بها جماعة، وكانوا يطلبون المرعى فينتقلون من مكان إلى مكان. وقال ابن الكلبي: إرم هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل السّواد والجزيرة، وكان مسكنهم بوادي القرى. وقال الجوهري: وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ من لم يُضف (٢) جعل إرم اسمه ولم يصرفه لأنه جعل عادًا اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة، وجعله بدلًا منه. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرف جعله اسم أمهم أو اسم بلد (٣). وحكى أبو إسحاق الثعلبي عن الضحاك أنه قرأ ﴿أرم ذات العماد﴾ بفتح الألف

стр. 399

والراء، والأَرم: الهلاك يقال: أَرَم بنو فلان أي: هلكوا، وهي رواية العَوفي عن ابن عباس. قال: والصَّواب أنّها اسم قبيلة أو بلدة فلذلك لم تصرف، ولو كان بمعنى أهلكهم وجعلهم رميمًا لصرف. قلت: ولعامَّة القراء على الوقف على إرم (١)، فمن أراد القبيلة وصف قَوْمَها بالطول والبطش والقوّة والشدَّة. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن المقدام بن معدي كَرِب عن النبي ﷺ أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: "كان الرجل منهم يأتي الصخرة فيحملها على الحيِّ فيهلكهم" (٢). قال الكلبي: كان طول الرجل منهم أربع مئة ذراع. وروي عن ابن عباس أنه قال: كانوا أهل عمد وخيام ينتجعون الكلأ والعشب، وينتقلون إلى الخصب حيث كان في أيّام الرَّبيع، ثم يرجعون إلى منازلهم إذا هاج العود، ومن أراد المدينة. قال جدي ﵀ في كتاب "التبصرة": حدَّثنا عبد الخالق بن أحمد بن يوسف بإسناده عن وهب بن منبّه عن عبد الله بن قلابة، وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن وهب بن منبّه عن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له شردت، فبينا هو في صحاري عدن أَبْيَن في تلك الفلوات إذ وقع على مدينة عليها حصن، وحول الحصين قصور كثيرة، فلما دنا منها ظنَّ أنَّ فيها أحدًا يسأله عن إبله، فلم يرَ خارجًا ولا داخلًا، فنزل عن ناقته وعقلها وسلَّ سيفه، ودخل باب الحصن، فإذا هو ببابين عظيمين من ذهب مرصَّعين بالجواهر واليواقيت -أو بالياقوت الأحمر- فلمَّا رأى ذلك دُهش وتحيَّر وفتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم يُر في الدنيا مثلها، وفيها قصور شواهق، عليها

стр. 400

قِباب الذهب والفضة مرصعة بالجواهر واليواقيت، مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك، وترابها الزعفران، ونظر إلى الأزقة وإذا فيها الشجر مثمر، وتحته أنهار مطردة تجري في قنوات من فضة، فقال الرجل: إنّ هذه هي الجنَّة، فحمل من لؤلؤها وياقوتها ومسكها ما قدر عليه وخرج، فركب راحلته وعاد إلى اليمن، فأَظهر ما كان أخذه، وبلغ معاوية بن أبي سفيان ذلك فأرسل إليه، فلمَّا دخل عليه قصَّ عليه القصَّة، فأنكر معاوية بن أبي سفيان ذلك وأرسل إلى كعب الأحبار، فلما حضر قال له: يا أبا إسحاق، هل تعرف في الدُّنيا مدينة من ذهب وفضَّة -وذكرها على الوصف- فقال: نعم أنا أخبرك بها وبمن بناها، إنما بناها شدَّاد بن عاد، واسمها إرم ذات العماد التي وصفها الله في كتابه، فقال معاوية (١): فحدِّثني حديثها، فقال: إن عادًا الأول كان له ابنان: شديد وشدَّاد، وهلك عاد وملك شديد، فبقي زمانًا ثم مات، وملك شدَّاد ودانت له الأمم وملك الدنيا، وكان مولعًا بقراءة الكتب، كما مرَّ بذكر الجنَّة دعته نفسه إلى بناء مثلها، عتوًّا على الله، فأمر ببناء إرم ذات العماد، وأَمَّر على بنائها مئة قهرمان، مع كل قهرمان ألف من الأعوان، ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فاعملوا لي مدينة من ذهب وفضة وزبرجد ولؤلؤ، تحتها أعمدة من زبرجد، وفوق القصور غرف، ومن فوق الغرف غرف، واغرسوا تحت القصور وفي أزقَّتها فنون الثمار، وأَجروا تحتها الأنهار، فإني أسمع في الكتت صفة الجنَّة، وأريد أن يكون لي مثلها، قالوا: ومن أين لنا الذهب والفضَّة والجواهر؟ فكتب إلى ملوك الدنيا -وكان تحت يده مائتان وستون ملكًا- فأمر أن يحملوا إليه من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة ما يقدرون عليه، ففعلوا فخرج القهارمة وتبددوا في الأرض ليتخيَّروا أطيبَ مكان، فإذا هم بأرض طيبة الهواء، خاليةٍ عن الجبال والتلال، وفيها أنهار مطَّردة، وتربتها صحيحة، فقالوا: هذه صفة الأرض التي أمر الملك ببناء المدينة فيها، فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، وبنوها بالذهب والفضة، وأجروا مياهها في قنوات الذهب والفضة، وأقاموا في بنائها ثلاث مئة سنة. وعاش شدَّاد تسع مئة سنة، فلمَّا كمل بناؤها كتبوا إليه: قد كملت فما ترى؟ فكتب إليهم: ابنوا عليها حصنًا، وابنوا حول الحصين ألف قصر يكون

стр. 401

في كلّ قصر وزير من وزرائي، وكان له ألف وزير، وأقام يتجهَّز للنقلة إليها في عشر سنين، وسار إليها بأهله ووزرائه، فلمَّا كان على مسيرة يوم وليلة منها بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعًا، ولم يدخل إرم ولا أحد ممن كان معه، ولم يُقْدَر على أحد منهم حتى الساعة. هذه سورة ما حكى جدّي ﵀ في "التبصرة" (١). وأما الثعلبي فإنه زاد بعد هذا، وقال: وقال كعب وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له في تلك الصحاري -والرجل عند معاوية جالس- فالتفت إليه كعب فقال: هذا والله ذلك الرجل (٢). وحكى الشعبي عن دَغْفَل الشيباني قال: ثم ملك بعده ولده مَرْثَد بن شدَّاد، وكان أبوه قد خلفه بحَضرَموت على سلطانه، فأمر يحمل أبيه من تلك المفازة، فحمل إلى حَضْرَموت مطليًا بالصَّبِر والكافور، وأمر فحفرت له حفيرة في الجبل مثل المغارة، وجعله على سرير من ذهب، وألقى عليه سبعين حلَّة منسوجة بقضبان الذهب، ووضع عند رأسه لوحًا من ذهب، وكتب عليه بالقلم المسند: [مجزوء الرمل] اعتبر بي أيُّها المغـ … ـرور بالعمرِ المديدِ أنا شدَّاد بن عادٍ … صاحب الحصن العميدِ وأخوا القوَّة والبأ … ساء والملك الحَشيدِ دان أهل الأرض لي … من خوف وَعْدِي ووعيدي وملكت الشرق والغرب … بسلطان شديدِ وبفضل الملك والعد … دة فيه والعديدِ فأتى هودٌ وكنَّا … في ضلال قبل هودِ فدعانا لو أجبنا … هـ إلى الأمر الرَّشيدِ فعصيناه وناديـ … ـنا ألا هل من مَحيدِ

стр. 402

فأتتنا صيحة تهـ … ـوي من الأفق البعيد فتوافينا كزرع … وسط بيداءٍ حصيدِ قلت: والعجب من جدي ﵀ كيف حكى مثل هذه الحكاية ولم يتبيَّن ما فيها (١)، فإنَّ في إسنادها عبد الله بن لهيعة، وقد ضعَّفه في "الواهية" وقال: كان مدلسًا، وتكلَّم فيه الدَّارقطني وغيره. ثم ذكر فيها معاوية، وأين كعب الأحبار من زمن معاوية؟ وليَ الأمر في سنة إحدى وأربعين وكعب مات في سنة اثنتين وثلاثين. ثم العقول السليمة تأبى مثل هذا؛ لأنَّ شدَّاد بن عاد له ألوف السنين، وما كان في العالم من يقف على هذه المدينة إلا ابن قلابة، وكان رجلًا بدويًّا، وكم قد مرَّ بتلك الأرض من ملوك اليمن مثل التَّبابعة وغيرهم. فصل في وفاة هود واختلفوا في أي مكان توفي على أقوال: أحدها: بأرض الشِّحْر من بلاد حضرموت، وقبره ظاهر هناك ينزل عليه النّدى والطلّ في شدّة الحرّ، وموضعه أحرّ الأماكن، وقد ذكره ابن سعد في "الطبقات" (٢). والثاني: بمكة، لمّا أهلك الله قومه أمره أن ينزل بمكّة بمن معه من المؤمنين، قاله مجاهد. والثالث: بجامع دمشق بالحائط القبلي (٣). والأوَّل أظهر. وعاش هود مئة وخمسين سنة، وحكى الخطيب عن ابن عباس أنه عاش أربع مئة وستين سنة، وكان بينه وبين نوح ﵉ ثمان مئة سنة. قصة لقمان بن عاد صاحب النسور قد ذكرنا أنه كان في الوفد (٤)، وسأل الله طول العمر، فأعطاه عمر سبعة أنسر، كان

стр. 403

يأخذ الفرخ من البيضة حين يخرج، فإذا مات أخذ غيره، فلم يبق غير واحد. قال له ابن أخيه: يا عم، لم يبق من عمرك إلَّا عمر هذا النَسر. فقال لقمان: هذا لُبَد، واللبد بلسانهم الدَّهر. فلمَّا انقضى عمر النسر مات. وذى جدي في كتاب "أعمار الأعيان" وقال: لقمان هذا هو الأكبر، وهو ابن عاد بن عاديا من بقيَّة عاد الأولى، وهو صاحب النسور، بعثته عاد مع الوفد إلى الحرم يستسقون فدعوا وسأل هو البقاء، واختار عمر سبعة أنسر كما هلك نسر أخذ مكانه آخر، يأخذ النسر وهو فرخ فيربيه إلى أن يموت، فعاش ألفين وأربع مئة ونيفًا وخمسين سنة (١). قلت: وقد اختلف الناس في عمر النسر، وعامتهم على أنه يعيش خمس مئة سنة، فعلى هذا قد عاش لقمان ثلاثة آلاف وخمس مئة سنة، ولم يبلغ هذا العمر أحد من بني آدم. وقيل: إنه عاش ثلاثة آلاف وثمان مئة سنة؛ لأنه كان له قبل أن يأخذ النسور ثلاث مئة سنة. ولمّا وقع لبد قال له لقمان: انهض فلم يقدر ومات، فمات لقمان. وقد ذكره الجوهري في حرف الدال، فقال: ولبد آخر نسور لقمان. قال: وتزعم العرب أنّ لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلمّا أهلكوا خُيِّر لقمان بين بقاء سبع بعرات سُمر، من أظبٍ عُفْر، في جبل وَعْر، لا يمسها القطر، أو بقاء سبعة أنسر، كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار النسور، وكان آخر نسوره يسمى لُبَدًا، وقد ذكرته الشعراء قال النابغة: [من البسيط] أضحَتْ خلاءً وأضحى أهلها احتملوا … أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ هذه صورة كلام الجوهري (٢). قصة جرت للقمان ذكر هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان لقمان مغرىً بحبِّ النّساء، وكان يتزوَّج

стр. 404

المرأة فتخونه، فتزوَّج صغيرة لم تعرف الرجال، فنقر لم مغارًا في جبل، وجعل له سلاسل يصعد إليها فيها، فإذا نزل أزالها، فمرَّ بها رجل من العمالقة فرآها فوقعت في قلبه، فأخبر قومه وقال لأهله: لا بدَّ لي منها، فقالوا: ويحك وكيف تصنع؟ فقال: اجمعوا سيوفكم ثم اجعلوني في وسطها وشدُّوها حزمةً ثم أودعوها عنده، ففعلوا وجاؤوا إلى لقمان فقالوا: نريد أن نسافر، ونحن نستودعك سيوفنا حتى نرجع. فأطلعَ السيوف إلى المغارة وكانوا قد واعدوه يومًا بعينه يرجعون إليه، فكان لقمان إذا نزل خرج الرَّجل وأتى الجارية، وإذا جاء لقمان عاد إلى مكانه. وجاء الميعاد فجاء القوم وأخذوا السيوف، فلمَّا كان في بعض الأيام نام لقمان على ظهره فرأى في سقف المغارة نخامة، فقال للجارية: من تنخم هذه؟ قالت: أنا، قال: فتنخمي، فتنخمت فلم تصلْ إلى السقف، ففطن وقال: من السيوف دُهيت، ثم رمى بالجارية من ذروة الجبل فتقطعت قطعًا، وانحدر مغضبًا يطلب القوم، فلقيته ابنةٌ له يقال لها: صحر، فقالت: ما لي أراك يا أبة مغضبًا؟ فقال: وأنت أيضًا من النساء، فضربها فقتلها فقالت العرب: ما أذنبت إلا ذنب صحر، فذهبت مثلًا (١). * * *

стр. 405

فَصلٌ في ذِكر صالِح ﵇ وقَومِه (١) ذكره الله في خمسة مواضع، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] الآية. قال الزجاج: الثمد الماء القليل الذي لا مادَّة له، وإنما قال أخاهم لأنه من قبيلتهم، وقد ذكرناه. واختلفوا في ثمود، فقال الجوهري: ثمود قبيلة من العرب الأولى، وهم قوم صالح (٢). وكذا قال الفرَّاء: [سمُّوا] (٣) ثمود لقلَّة مائهم، وقيل: هو اسم رجل، قال عكرمة: هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقال جدي في "التبصرة": هو ثمود بن جابر بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: ثمود بن جابر بن سام بن نوح. قال الكلبي: وكانت هذه القبيلة تنزل وادي القرى إلى البحر والسواحل وأطراف الشام، وكانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون المساكن فتنهدم، فلما طال ذلك عليهم اتخذوا من الجبال بيوتًا فنحتوها وعملوها على هيئة الدور، وكانوا قد عتوا وتجبرواه وأما صالح فاختلفوا في نسبه على أقوال: أحدها: أنه صالح بن عبيد بن جابر بن إرم بن سام بن نوح، قاله مجاهد. والثاني: صالح بن عبيد بن أنيف بن ماسخ بن خادر بن جابر بن ثمود. وقيل: جائر بالجيم والثاء. قاله مقاتل. والثالث: صالح بن كانوا، قاله الربيع. والرابع: صالح بن عبيد بن يوسف بن سانح بن عَبيل بن حاذر بن ثمود، قاله مجاهد. قال: وكان بينه وبين هود مئة سنة.

стр. 406

وقال مقاتل: وكان في قومه بقايا من قوم عاد على طولهم وهيئتهم، وكان لهم صنم من حديد يدخل فيه الشيطان في السنة مرَّة واحدة ويكلمهم، وكان أبو صالح سادنه، فغار لله وهمَّ بكسره، فناداهم الصنم: اقتلوا كانوا، فقتلوه ورموه في مغار، فبكت عليه امرأته مدَّة فجاءها ملك فقال: إن زوجك في المغار الفلاني، فجاءت إليه وهو ميت، فأحياه الله تعالى، فقام إليها فوطئها في الحال، فعلقت بصالح من ساعتها وعاد كاثوا ميِّتًا. وشبَّ صالح فبعثه الله إلى قومه، ذكره مقاتل بن سليمان في "المبتدأ" له. واختلفوا متى بعث على قولين: أحدهما: حين راهق الحلم، قاله وهب. والثاني: لما تمَّ له أربعون سنة، قاله ابن عباس. قال علماء السّير: فلمَّا تجبَّروا وطغوا وكفروا بعث الله إليهم صالحَّا فَدعاهم إلى الله تعالى فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ لأنَّ آدم خلق منها وهم منه ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] أطال أعماركم. وقال ابن قتيبة: وكان صالح تاجرًا (١). قصة الناقة روى الوالِبيُّ عن ابن عباس قال: لما دعاهم صالح إلى الله تعالى اقترحوا عليه ناقة لأنهم كانوا أصحاب إبل، وكانت النوق عندهم عزيزة، فطلبوا منه الدَّلالة من حيث ما هم عليه ثمَّ تنطعوا، فقالوا: لتكن سوداء حالكة، عُشَراء ذات عرف وناصية ووبر. فسأل الله فأوحى الله إليه: اخرج بهم إلى فضاءٍ من الأرض، فخرجوا، فقال: من أين تريدونها؟ فأشاروا إلى صخرة وقالوا: من هذه، فأشار إليها صالح وقال: اخرجي بإذن الله، فتمخَّضت تمخض الحامل وانفجرت عن ناقة كما طلبوا، ثم تلاها من الصخرة فصيلٌ لها، فآمن خلق ممَّن حضر، منهم ملكهم جَندع بن عمرو. ثم قال لهم صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] من الكلأ، ليس عليكم مؤونتها ولا علفها -وتأكلْ مجزوم بجواب الشرط المقدَّر، والمعنى: إن

стр. 407

تذروها تأكل- ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] بعقر. والسُّوء في القرآن على وجوه: أحدها: العقر كما ذكرنا. والثاني: الشدَّة ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]، والثالث: الزنا ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] والرابع: البرص ﴿تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]. والخامس: العذاب ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [الزمر: ٦١]. والسادس: الشرك ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] والسابع: السَّبُّ ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢] والثامن: الضرُّ ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] والتاسع: الذنب ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ﴾ [النساء: ١٧]. ثم قال لهم صالح: لها شِرْب يوم ولكم شِرْب يوم؛ لأنَّ مياههم كانت قليلة، فكانت تشرب ماء الوادي في يوم، ويحلبونها في يوم، فيشربون لبنها عوض ما شربت. ولما ألحَّ عليهم صالح بالموعظة لم يلتفتوا إليه، وعزموا على قتله، وكان يبيت ناحيةً عنهم في مسجد له، فكمنوا له ليلةً تحت صخرةٍ يرصدونه وذلك قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] فدعا عليهم فوقعت عليهم الصخرة فقتلتهم، فأصبحوا يقولون: قتلهم صالح. فأجمعوا على عقر النّاقة وقالوا: قد ضايقتنا في الماء والكلأ. قال مقاتل: أوحى الله إليه: إنَّ قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم صالح: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] أي: احذروا قتلها ولا تمنعوها شربها، فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال: ما تعقرونها أنتم، بل يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: وما علامته فوالله ما نجده إلا قتلناه، فقال: غلامٌ أشقر أزرق أحمر قصير أصهب سناط، وهو أحمر ثمود. وكان في المدينة شيخان عزيزان لأحدهما ابن يُرغَبُ له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤًا، فتناكحا، فولد بينهما ذلك المولود، وكان قوم صالح قد وضعوا الشُّرَطَ مع القوابل يطوفون على النساء، يقتلون كل مولود ولد بهذا الوصف، فلما ولد هذا المولود نظر إليه النساء فصرخن وقلن: هذا والله عاقر الناقة، وأرادوا قتله، فمنعه جدَّاه من القتل، وكانا منيعين. وقال أبو إسحاق الثعلبي: حدثنا محمَّد بن حمدون بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: ذكر رسول الله ﷺ عاقرَ النَّاقة، فقال: "انتدب لها رجلٌ

стр. 408

عارمٌ ذو عزٍّ ومَنَعة في قومه كأبي زَمْعَة" وذكر الحديث (١). وقال الثعلبي: كان أشقر أزرق قصيرًا، واسمه قديرة (٢). وقال الجوهري: قدار بن سالف (٣)، بالدَّال المهملة. وهو الأصح. وقال وهب: وكان في المدينة ثمانية وهي يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فانضافوا إلى المولود فصاروا تسعة. وذكر وهب أسماءهم فقال: مصدع بن دهر، وأسلم، ورهمي، ورهيم، ودعمي، ودعيم، وقبال، وصداق، وقدار بن سالف، قال وهب: وكان الثمانية حاكة، وكان في المدينة امرأتان لهما جمال فرآهما قدار ومهجع (٤)، قال مقاتل: إحداهما اسمها عنيزة بنت غنم، والأخرى صدوق بنت المحيَّا، فقالت صدوق: من يكفينا أمر الناقة؟ فقال قدار: أنا فما لي عندك؟ فقالت: نفسي، وقالت عنيزة للآخر كذلك، فقالا: ميلا علينا بالخمر، فشربا حتى سكرا وطلبا منهما الزنا فقالتا حتى تفرغا من أمر الناقة. وكان قد استغويا النفر الذين سمَّيناهم فخوجوا إلى النَّاقة وهي على الحوض قائمة فضربها قُدار على عرقوبها فوقعت. وقال مجاهد: رماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، ثم شدَّ عليها بالسيف فكسر عرقوبها. ثم نحرها، وقالوا: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إ﴾ [الأعراف: ٧٧] من العذاب. وجاء الخبر إلى صالح فأقبل فرآها كذلك، فوقف يبكي، فجاء قومه يعتذرون إليه ويقولون: إنما عقرها فلان وفلان. ولما عقرت صعد فصيلها إلى الجبل، فقال لهم صالح: انظروا فإن أدركتموه فعسى أن يُرفَعَ عنكم العذاب. فمضوا خلفه فلم يقدروا عليه. ولما علا على الجبل رغا ثلاثة أصوات، وهذا الجبل يقال له: القارة، وكان قصيرًا، فلمَّا قصدوا الفصيل طال إلى عنان السماء. وصعد صالح ورآه، فلمَّا رآه سالت دموع الفصيل على خدَّيه، فقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] لكل رغوة يوم، وآية العذاب أن

стр. 409

تصبح وجوهكم في اليوم الأول محمرَّة، وآية العذاب أن تصبح في اليوم الثاني مصفرَّة، والثالث مسودَّة، وذلك في يوم الخميس والجمعة والسبت. وكانوا في ذلك الوقت يسمُّون الأيام بأسمائها القديمة: فيوم الخميس مؤنس، والجمعة عَروبة، والسَّبت شيار. فأصبحت وجوههم في اليوم الأوَّل كأنما طليت بدم، وفي اليوم الثاني كأنما طليت بالخَلوق، وفي اليوم الثالث كأنما طليت بالقار. ونودوا ألا إن العذاب قد حضر، فتحنَّطوا وتكفَّنوا بالأنطاع، وحفروا قبورهم ونزلوا فيها، ظنًّا منهم أن الله يرحمهم. فإذا بجبريل ﵇ قد ظهر من المشرق، فسدَّ عين الشمس وصاح بهم صيحةً ارتجَّت لها الدنيا وقال: موتوا لعنكم الله. فتقطَّعت قلوبهم في صدورهم وماتوا جميعًا. وكان رجل منهم يقال له: أبو رغال في حرم مكة، فمنعه الحرم من العذاب، وسنذكره في قصَّة أصحاب الفيل. قال ابن عباس فذلك معنى قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] ومعنى تمتعوا: عيشوا ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ [هود: ٦٧] أي: هالكين صرعى ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٨] أي يقيموا. قال قتادة: كان مُلْكُ ثمود إلى أن هلكوا مئتين وثمانين سنة، وكان ملكهم جندع بن عمرو، وقد أسلم فنجَّاه الله تعالى، واعتزلهم هو وأخوه، وقال: [من البسيط] كانَت ثمودُ ذوي عَزمٍ (١) ومكرُمةٍ … ما إنْ يضامُ لهمْ في النَّاس من جارِ فأَهلكوا ناقةً كانت لربهمُ … قَد أنذَرُوها وكانوا غير أبرارِ قال مقاتل: واسم العذاب الذي عذِّبوا به الطغوى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ [الشمس: ١١] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ الدمدمة: الهلاك بعنف، وهي صيحة جبريل ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] أي: قلب بيوتهم فسوَّاها بالأرض ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس: ١٥] أي: العاقر؛ لأنه لو خاف لما عقرها.

стр. 410

قرأت على شيخنا أبي اليمن الكندي ﵀ في معنى "فدمدم" حكايةً قرأها على شيخه أبي منصور بن الجواليقي عن مشايخه، عن الأصمعي قال: أشكل عليَّ في القرآن مواضع، فسألت عنها رجالًا من أهل العلم فلم أجد عندهم علمًا منها، فدخلت البادية أطلب العرب الخُلَّص، فنزلتُ على عجوز، قال: والذي أشكل عليَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] ﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤] ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]. قال: فأقمت عند العجوز ذلك اليوم فقالت لابنتها: أين العصفور الذي كان ها هنا؟ فقالت: ذهب، فقالت: قومي فانظري ما حاله، فقامتا وذهبت، وعادت وبيدها عصفور فأخذته العجوز وقالت: ويحك، ظننتُ أن لن تحورَ. أي: ترجع إلينا، فقلت: هذه واحدة. ثم قالت: أين أبوك؟ فقالت: عند تلك الباسقة. وأشارت إلى نخلة عالية، فقلت: هذه الثانية. فقالت: اذهبي إليه ليحضر إلى الضيف، فذهبت وعادت ثم قالت: مضى إلى ذلك النُّحاس. وأشارت إلى دخان بعيدٍ. فقلت هذه الثالثة. ثم جاءت بقصعة فيها ثريد فأكلت منها ثم قالت: يا بنيَّة اغسلي القصعة ودمدميها، فغسلتها وكبَّتها، قال: فقلت: وهذه الرابعة. ونمت عندهم فلمَّا كان آخر الليل قالت: يا بنية، اجلبي للضيف، فقالت: إنه ليل، فلما طلع الفجر قالت: يا أمَّاه، قد طلع الفجر، فقالت: ومن أين علمت؟ قالت: قد برد عرجوني، يعني خلخالها، قال: فانصرفت وقد استفدت من العجوز جميعَ ذلك. وقال ابن عباس: كان صالح ينزل الحِجر وبينه وبين وادي القرى ثمانية عشر ميلًا. ولما سار النبي ﷺ إلى تبوك لم ينزل الحجر، وسنذكره في سيرته. قال مقاتل: وضربت بهم العرب المثل في الشؤم فالوا: أحمد ثمود، وقالوا في الفصيل: رغا فوقهم سقب السماء، فصار مثلًا لكل من يهلكه الله تعالى.

стр. 411

وقال علماء السِّير: لما هلكوا قال صالح لمن آمن معه: إنَّ هذه دار سخط فاظعنوا بناعنها. واختلفوا أي مكان نزل؟ فقال الحسن: نزل بلاد فلسطين وأقام بالرَّملة. وقال السُّدي: أهلَّ من ساعته بالحج هو ومن آمن معه في العباء القطواني، وركبوا قلائص مخطمة بحبالٍ من ليف، ثم لبُّوا وأتوا مكة، فأقاموا يتعبَّدون حتى ماتوا، فقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر. وكذا قال ابن قتيبة (١). قال: وأقام في قومه عشرين سنة، وتوفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاث مئة وست وثلاثين سنة، وقد حكاه الخطيب عن ابن عباس، وهو الأظهر (٢). وأهل التوراة يقولون: لا ذكر لعاد وثمود فيها، وقد كذبوا الله أصدق القائلين. وقال ابن قتيبة: كان صالح زاهدًا يمشي حافيًا ولا يتخذ حذاء، ولا مأوى له إلا المسجد، وكان مع الناقة أينما توجَّهت (٣). وعيسى بن مريم سلك طريقه في الزُّهد. ويقال: إن دانيال الأكبر الذي حفر دجلة والفرات كان بين نوح وإبراهيم، وقيل: في أيام صالح، وقيل: بينه وبين هود، وقيل: بعد الطوفان. وذكروا أنَّ أنفه كان طوله ذراعًا، وهو الذي وجد المسلمون قبره بالعراق في زمان الفتوح، وسنذكره. وأمَّا دانيال الأصغر فإنَّه كان في زمان بُخْتَنَصَّر، وسنذكره إن شاء الله تعالى في أيام بُخْتَنَصَّر. ويقال: إنه كان بين هود وصالح مئة سنة، وبين صالح وإبراهيم ست مئة وثلاثون سنة * * *

стр. 412

فَصل في ذِكْر الخَليل ﵇ (١) اختلفوا في نسبه على قولين: أحدهما: أنه إبراهيم بن تارَح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن عابر بن شالخ بن قينان بن أَرْفَخْشَذ بن سام بن نوح، حكاه السّدي عن أشياخه. والثاني: إبراهيم بن تارَح بن أشرغ بن أرغو بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، قاله وهب وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: قابلت هذا النسب بما في التوراة فوجدته موافقًا لما فيها إلَّا أني وجدت مكان أشرغ: شاروغ (٢). واتفقوا على أن تارَح هو آزر، وبعضهم يقول: إنّ آزر اسم صنم، وليس بصحيح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]. وفي "إبراهيم" لغات ذكر بعضها الجوهري وبعضها ابن الجواليقي في "المعرب". فأمَّا الجوهري فقال: وإبراهيم اسم أعجمي وفيه لغات: إبراهَامُ وإبراهَمُ [وإبراهِمُ] (٣). وقال ابن الجواليقي: وأمَّا إبراهيم ففيه لغات، قرأت على أبي زكريَّا عن أبي العلاء قال: إبراهيم اسم قديم وليس بعربيّ وقد تكلَمت به العرب على وجوه فقالوا: إبراهيم وهو المشهور وإبراهَام [وقد قرئ به، وإبْراهِمُ على حذف الياء، وإبرَهَم] (٤). وقال الجوهري: وآزر اسم أعجمي (٥). وقال البلاذُري عن الشرقي بن قطامي أن معنى آزر: السيّد المعين.

стр. 413

وقال سلمان التيمي: معنى آزر شين وعيب، وقيل: معناه في لغتهم المعوج. وقال وهب: اسم أم إبراهيم نوتا بنت كرنبا من بني سام بن نوح، وكرنبا هو الذي حفر نهر كوثا بالعراق، نسب إلى أبيه أو إلى كوثا. وكوثا مدينة بابل، وكوثا قرية من سواد الكوفة، ومحلَّة بالكوفة، وبمكة أيضًا، وكان أهلها يؤذون النبيّ ﷺ (١)، وفيهم يقول علي بن أبي طالب ﵁ (٢): [من الخفيف] لعن الله أهل كوثاء دارًا … ورماها بالذلّ والاحتقار لست أعني كوثا العراق ولكن … ربّة الدار دار عبد الدار وأراد عليّ ﵁ بكوثا الثانية محلة بالكوفة كان ينزلها، قال: وهو معنى قوله: نحن من أهل كوثا. فأمّا كوثا العراق فهي مدينة بابل، ولم يذكرها الجوهري ولا في "المعرَّب". وقال ابن سعد في "الطبقات": وكنية إبراهيم أبو الأضياف (٣). فصل في أسمائه قد سمَّاه الله تعالى بأسماء كثيرة: منها: الأوَّاه، لقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وكان يكثر التأوُّه في الصلاة خوفًا من الله تعالى. ومنها: الحليم والمنيب ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ [هود: ٧٥]. ومنها: الحنيف ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] والحنيف: المائل إلى الذين. ومنها: القانت والشاكر إلى غير ذلك. وقيل: إنَّ هذه أوصافٌ له. وقال مقاتل: قد ذكر الله إبراهيم في القرآن في أحدٍ (٤) وسبعين موضعًا.

стр. 414

وكان النبي ﷺ يثني عليه، قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : يا خير البريَّة، فقال: "ذاك إبراهيمُ ﵇". انفرد بإخراجه مسلم (١). وقال هشام: لم يكن بين نوح وإبراهيم إلَّا هود وصالح، وكان بين إبراهيم وهود ست مئة سنة وثلاثون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف ومئة وثلاث وأربعون سنة، وسنذكر ما بين النبيين من السنين فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأكثرهم على أنه ولد بأرض بابل، إلا في قول (٢). رجعنا إلى الحديث: قوله ﷺ عن إبراهيم: إنه خير البريَّة، قال أبو سليمان الخطابي: إلَّا أنَّ هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ : "أنا سيد ولدِ آدم" (٣). ولمسلم أيضًا عن جابر عن النبي ﷺ قال: "عُرض عليَّ الأنبياءُ فرأيتُ إبراهيمَ فإذا أقرَبُ من رَأيتُ شبيهًا صَاحِبُكم" يعني نفسه، وذكر موسى وعيسى (٤). وسنذكره في موضعه. وقال ابن عباس: سمَّى الله الخليل شجرة في قوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] وإنما سمَّاه شجرة لأنَّ أكثر الأنبياء من صلبه، وقد ذكرنا أنه ولد بأرض بابل إلا في قول. ذكر مولده ﵇ قال علماء السِّير: ولد الخليل في زمان نمرود الجبَّار، رأى المنجِّمون والكهَّان سيرته في علومهم، فقالوا لنمرود بن كنعان. إنَا لنجد في علومنا أنَّ غلامًا يولد في قريتك هذه يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، يقال له: إبراهيم، يولد في شهر كذا وكذا في سنة كذا وكذا.

стр. 415

فلمَّا دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إلى كلِّ حامل فحبسهنَّ عنده ولم يعلم بحبل أم إبراهيم، فجعل لا يولد غلام في ذلك الشهر إلَّا ذبحه (١). قلت: وهذا من سفه نمرود؛ لأنه إن كان قد جرى القدر بإزالة ملكه ودينه فلا بدَّ من ذلك، ولا ينفع الاحتراز، وإن لم يكن جرى القدر بذلك فأين الغلام المطلوب حتى يذبح الغلمان كلهم؟! وعلى هذا قصة فرعون لما أمر بذبح الأطفال احترازًا من موسى ﵇. وقال وهب: إنما وجد مولد إبراهيم وسيرته في علوم إدريس، ومن هناك أخذ المنجمون. وقال الضحَّاك: رأى نمرود في منامه كأنَّ كوكبًا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر، فارتاع ودعا بالسَّحرة والكهَّان والقافة فأخبرهم بما رأى، فقالوا: يولد مولود من صفته كذا وكذا. وقال ابن إسحاق: لم تعلم أم إبراهيم بحبلها لأنَّها كانت جارية حديثة السنِّ (٢). وقال السُّدي: كان آزر من خواص نمرود، لما قال له الكهَّان ما قالوا خرج من المدينة فنزل ظاهرها، فعرض له أمر مهم إلى قصره، فقال لآزر: أنت أميني وصاحبي، اذهب إلى الحاجة الفلانية ولا تلمَّ بأهلك، فقال آزر: أنا أشَحُّ على أمانتي من ذلك. فلمَّا دخل المدينة وقضى الحاجة قال: ما يضرني لو نظرتُ إلى أهلي من غير مباشرة؟ فجاء إلى منزله فواقع امرأته، فحملت بإبراهيم وأخبرت الكهنةُ نمرودَ بأنَّ أمَّ الغلام قد حملت به في هذه الليلة، فلم يذهب فكره إلى آزر ثقة به، وأقامت أمُّ إبراهيم تخفي حملها إلى زمان ولادتها، وضربها الطلق فخرجت إلى مغارة فوضعته هناك، ثمَّ سدَّت بابها، وكانت تتعاهده فتراه يمص إبهامه واللَّبن يدرُّ منه (٣). وقال مقاتل وابن إسحاق: كان يمصّ من إصبع لبنًا، ومن إصبع عسلًا ومن أخرى

стр. 416

ماء. وسألها آزر عن حملها فقالت: ولدت جاريهًّ ميتة، فسكت عنها. وذكر الثعلبي: أن أمَّه أخبرت أباه به فحفر له سَرَبًا وسدَّ عليه الباب بصخرة مخافة السباع. واختلفوا في أيّ مكان ولد على أقوال: أحدها: ببابل من أرض السَّواد، مدينة نمرود، قاله ابن عباس. والثاني: بكُوثا، مكان محلّة بالكوفة، قاله مجاهد. والثالث: بالسّوس من أرض الأهواز، قال عكرمة. والرابع: بين الكوفة والبصرة، قاله السُّدي. والخامس: بكَسكر ثم نقله أبوه إلى كوثا، قاله الرَّبيع بن أنس. والسادس: بحرَّان ثم نقله أبوه إلى بابل، قاله وهب. والأول أصح. وقال السُّدي: لمّا تبيّن حملها، حَمَلها آزر إلى أرضٍ بين الكوفة والبصرة يقال لها: أورى، فأنزلها في سَرَب، وجعل عندها ما يصلحها، فولدت هناك، ثم ردَّها إلى بابل. وقال الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن ابن عباس: أنَّ أمَّه كانت تَخْبَؤُه في كهف في جبل قاسيون، بقريةٍ يقال لها: برزة، في الموضع الذي يعرف اليوم بمقام إبراهيم، وأنه ولد في هذا المكان ويسمّى برزة قاسيون. ثم اعترف أبو القاسم بالحقِّ ووافق أرباب السّير فقال: والصحيح أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من أرض العواق، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه لمّا هاجر إلى الشام صلى فيه (١). وهذا أشهر. فصل في النماردة قال علماء السِّير: النماردة ستة: أحدهم: نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن كوش بن حام بن نوح وقيل: نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش وملك الأقاليم كلها، وهو أول من لبس التاج

стр. 417

في قول السُّدي، وادَّعى الربوبيَّة، وعمل بأحكام النجوم وكان أجبرَ النماردة. قال السُّدي: وهو أحد الأربعة الذين ملكوا الدنيا في قوله ﵇: "ملك الدنيا مؤمنان وكافران" وقد ذكرنا الحديث (١)، وهو أحد الكافرين. وقال هارون بن المأمون: كان نمرود هذا غلامًا للضحَّاك بن الأهبوب، وهذا هو صاحب النسور. والثاني: نمرود بن كوش بن حام جدّ هذا، قاله مقاتل. والثالث: نمرود بن شاش بن كنعان بن حام بن نوح. والرابع: نمرود بن سنحاريب بن كوش بن كنعان. والخامس: نمرود بن ساروغ بن أرغو بن فالغ من ولد سام بن نوح. والسادس: نمرود بن كنعان بن المضّاض بن يقطن، أو يقطان، من ولد سام بن نوح. قال مقاتل: فأربعة منهم من ولد حام بن نوح، واثنان من ولد سام بن نوح. فصل فيما جرى للخليل ﵇ في السَّرَب ورؤيته الكواكب قال السُّدي فيما رواه عن أشياخه: كان إبراهيم يشبّ في كل يوم مثل ما يشب غيره في شهر، وفي شهر مثل غيره في سنة، وفي سنة مثل غيره في سنتين. وقال مقاتل: لما أتى عليه سنة تكلَّم، وهو أول كلامه، فقال. يا أمَّاه من ربي؟ قالت: أنا، قال: ومن ربّك؟ قالت: أبوك، قال: ومن ربُّ أبي؟ قالت: نمرود، قال: ومن ربُّ نمرود؟ فلطمته وقالت: اسكت. ثم رجعت إلى أبيه وقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نتحدث أنه يغير دينَ أهل الأرض؟ قال: لا، قالت: إنه ابنك. ثم أخبرته بما قال، فجاء إليه أبوه فقال له مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] الآية. قال مجاهد: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ الضمير يعود على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ

стр. 418

مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] وهو قوله لأمه: من ربُّكِ، فإنَّ الله ألهمه التوحيد والإيمان. وكذا أريناه ملكوت السَّماوات والأرض. و"الملكوت": الملك زيدت فيه الواو والتاء كما زيدت في الجبروت. وقال مقاتل: والمراد بملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم والأفلاك والأملاك ونحوها، وبملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار والأنهار والمعادن والحيوانات والنبات. قال مجاهد: وهذا كله رآه في النهار عيانًا، كشف عن السَّماوات فرأى العرش، وعن الأرض فرأى الأرض السابعة. وقال مقاتل: إنما رأى ملكوت السماء في الليل، وملكوت الأرض في النهار. وقال ابن عباس: أري خلق السَّماوات والأرض. وقال سعيد بن جبير: آيات السماوات والأرض، أقيم على صخرة وكشف له عن ذلك حتى نظر إلى مكانه في الجنَّة. وحكى الثّعلبي عن قتادة قال: إنَّ إبراهيم ﵇ حدَّث نفسه أنّه أرحم الخلق، فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض، ورأى أعمالهم، فلمّا رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهمَّ دمّر عليهم، والعنهم، فقال له ربّه: أنا أرحمُ بعبادي منك، اهبط، لعلَّهم يتوبون. وقال الثعلبي بإسناده عن قيس بن أبي حازم، عن عليّ كرّم الله وجهه، عن النبي ﷺ قال: "لمّا أرى الله إبراهيم ملكوت السّماوات والأرض أشرف على رجل يَعْصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فدعا عليه فهلك، وعلى آخر، فلمّا أراد أن يدعو عليه أوحى الله إليه أن يا إبراهيم، إنَّك رجلٌ مُجابُ الدَّعوة فلا تدعونَّ على عبادي، فإني منهم على ثلاث خصال: إما أن يتوبوا فأتوبَ عليهم، وإما أن أُخْرِجَ منهم نسمةً تسبّح، وإمّا أن يبعثوا إليّ فإن شئتُ عفوتُ عنهم وإن شئتُ عاقبتهم" (١). قلت: وينبغي أن تكون هذه الآية مؤخّرة في التلاوة لأنه إنما أري ملكوت

стр. 419

السماوات والأرض -على قولهم- وهو في السّرب، ابن سنة أو سنتين أو ثلاث، فكيف يقال له: أنت رجل مجاب الدّعوة؟! قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخر القصَّة. قال علماء السِّير: لما قال لأبويه: مَن ربي؟ وأنكرا عليه قال: أخرجوني من السَّرَب، فأخرجاه. و"جنَّ الليل": أظلم وغطى كل شيء، ومنه سمِّيت الجنُّ لاجتنانها فلا ترى. وقال أبو عبيدة: جنون الليل سواده (١). واختلفوا في الكوكب الذي رآه: فقال مجاهد: المشتري. وقال مقاتل: الزهرة. وقال ابن عباس: رأى أنورَهما وأشرَقهما، أو أنورَها وأشرَقها، وإنما رأى الكوكب قبل القمر؛ لأنها كانت آخر ليلة في الشهر والقمر لا يطلع فيها في أوَّل الليل (٢). ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب قَال ﴿قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] قال الرَّبيع: معناه لا أحب ربًّا لا يدوم ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَال هَذَا رَبِّي﴾ قال ابن عباس: عَبَد الكوكب حتى غاب، ثم عبَدَ القمر حتَّى غاب. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] أي: عن الهدى ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَال هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: ٧٨] فعبَدَها حتى غابت؛ وقد نصَّ ابن عباس على هذا. فإن قيل: فلمَ لَمْ يقل في الشمس: هذه ربي، وقال: هذا ربي؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه رأى ضوء الشمس وهو الشعاع، ولم ير عين الشمس فردَّ النظر إلى الشعاع، ذكره محمَّد بن مقاتل الرَّازي. والثاني: أنه أراد الطالع، أي: هذا الطَّالع ربي، فإنه أضوأ وأعظم، حكاه الأخفش. والثالث: أنَّ على رأي المنجمين أنَّ الشمس ذكر والقمر أنثى (٣)، وهذا جواب لم أُسبق إليه.

стр. 420

فصل في الكلام على الآية واختلفت العلماء في هذا فأجراه بعضهم على ظاهره وقالوا: إنما كان إبراهيم مسترشدًا طالبًا للتوحيد حتى وفَّقه الله تعالى وآتاه رشده. ومثله قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] ومعناه: فلمّا آتاك علمت. قالوا: وهذا كان في زمان الطفولة، فإنه كان ابن سنة أو ثلاث، والدليل عليه قول ابن عباس: فلمَّا رأى الكوكب عبده، فلما رأى القمر عبدَهُ. وأنكر الآخرون هذا -وهؤلاء القائلون بتنزيه الأنبياء ﵈ وقالوا: هذا التأويل غير مستقيم وإن الأنبياء منزَّهون عن هذا، وغير جائز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلَّا وهو لله مُوحِّد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء، وخصوصًا الخليل، فإنّ الله آتاه رشده من قبل، وقال: ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] فكيف يُتوهم هذا على من عصمه الله وطهَّره وجعله أصل الأنبياء، وقال في حقِّه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥] أفتراه أراه الملكوت ليوقن، فلمّا أيقن كان ثمرة إيقانه أنّه لمّا رأى الكوكب قال: هذا ربي؟! هذا غير جائز. قالوا: وفيه أربعة أوجه من التأويل: أحدها: أن إبراهيم أراد أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرّفهم خطأهم وجهلهم، ويقيم الحجة عليهم، فأراهم تعظيم ما عظَّموا وملتمس الهدى من حيث ما التمسوا، فلمّا أفل أراهم النَّقص الداخل على النجوم، ليتيقَّنوا خطأ ما كانوا يدَّعون من تعظيم النجوم وعبادتها. قالوا: ونظير هذا الحواري الذي ورد على قوم يعبدون صنمًا لهم، فأظهر تعظيمه وأراهم الاجتهاد في دينهم فأكرموه وعظَّموه، وصدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدوّ لهم خافه الملك على مملكته، فشاوروا الحواريَّ في أمره فقال: الرَّأي أن ندعو إلهنا -يعني الصنم- حتى يكشف ما بنا فإنَّا لمثل هذا اليوم كنا نرجوه. فاجتمعوا حوله يجأرون ويتضرَّعون، وأمرُ عدوّهم يستفحل. فلمّا تبيَّن لهم أن صنمهم لا ينفع ولا يدفع ولا يسمع قال الحواريّ: ها هنا إله تدعونه فيسمع ويجيب وينفع، فهلمّوا ندعوه، فدعوا الله تعالى وتضرَّعوا إليه، فصرف عنهم ما كانوا

стр. 421

يخافون من عدوّهم، فأسلموا. والوجه الثاني: أنَّ إبراهيم رآهم يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فقال لهم -على سبيل الاستفهام والتوبيخ، مُنكِرًا لفعلهم-: هذا ربي؟! أي أهذا ربي أم لا؟. والثالث: أنَّ معناه: ليس هذا ربّا لي، ومثله قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. والرّابع: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا وإضمارًا، وتقديره: ويقولون هذا ربي، حكاية عنهم (١). قلت: وقد بسط أبو إسحاق الثعلبي الكلام في هذا الوجه وبالغ، والعجب منه -وقد اتفق العلماء- أنه إنما قال ذلك عند خروجه من السَّرَب، وهو ابن ثلاث سنين، فيا ليت شعري: أين كان قومه في ذلك الوقت؟ وهل كانت أمه وأبوه يخبران بحاله مخافة عليه؟ فقوله في الوجه الأول إنه أراد أن يستدرجهم باطل، وأما عن الوجه الثاني وما بعده فإنَّ حروف الاستفهام لا تضمر إذا كان الاستفهام فارقًا بين الإخبار والاستخبار، فلا يقال هذا زيد في الإخبار، ومعناه: أهذا زيد، وكذا قولهم معناه: هذا ربًّا لي، لا يجوز أن يحمل الاستفهام على ليس ولا الإخبار، وكذا قولهم إنه حكاية عنهم؛ لأنه يكون حينئذ عدولًا عن الحقيقة إلى المجاز، وأنه قلب الموضوع. والصَّواب: حمل الكلام على ظاهره، وأن ذلك وقع من الخليل وهو في زمان الطفولية، والأنبياء غير معصومين في تلك الحالة، فَحَمْلُ الكلامِ على ظاهره مع إقامة عذر الخليل أولى من حَمله على هذه التأويلات الضعيفة. والدَّليل على صحَّة هذا قوله عقيب ذلك: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الآية. فصل في كسره الأصنام قال وهب بن منبه: يقال: إنَّه أقام في السَّرَب ثلاث سنين، وقيل: سبع سنين. فلمَّا

стр. 422

أظهر آزر أنه ابنه وأنه كان غائبًا عنه رقَّ عليه أبوه، وكان أبوه يعمل الأصنام فيعطيه الصنم ليبيعه، فيخرج به إلى السوق فيقول: من يشتري مني ما لا ينفعه ويضرُّه، كذا روى وهب (١). وذكر جدي في "التبصرة": أنه كان يقول: من يشتري من يضره ولا ينفعه (٢). ثم يأتي بها إلى النهر فيضرب رؤوسها ويقول: اشربي، استهزاء بها وبقومه، لما هم عليه من الضَّلال، حتى فشا عيبه إيَّاها في أهل البلد، وجعل يقول لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مقيمون على عبادتها، ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] فنحن نقتدي بهم ونقلِّدهم. قال ابن عباس: وكان لهم يوم عيد يجتمعون فيه، فخرج معهم ثم ألقى نفسه في الطريق، وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. فإن قيل: فكيف نظر نظرة في النجوم؟ قلنا: إنما قصد موافقتهم؛ لأنهم كانوا ينظرون في النجوم، ليتمكن من كسر الأصنام، فلا ينكرون عليه. ومعنى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: سأسقم؛ لأن الإنسان لا يخلو من السقم. وقيل معناه: إني سقيم عن عبادتها، فكان من المعاريض. فلمَّا مضوا وتركوه قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] والكيد احتيال الكائد في ضرِّ المكيد. وكان لهم اثنان وسبعون صنمًا من ذهب وفضة وغير ذلك من الرَّصاص والصُّفر والنُّحاس والخشب وغيرها، وكان كبيرهم من ذهب، وعيناه ياقوتتان. وكانوا في ذلك العيد يذبحون الذبائح ويقربون القرابين، ويضعون الطعام بين يدي الأصنام قبل خروجهم إلى عيدهم، يزعمون للتبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم دخلوا عليها فأكلوه. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ [الصافات: ٩٠] أي: إلى عيدهم. فدخل إبراهيم دار الأصنام، فكسر الجميع، وعلَّق الفأس في رأس الصنم الكبير، فلمَّا فرغوا من عيدهم دخلوا عليها فرأوها على تلك الحال.

стр. 423

قال مقاتل: فذلك قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ [الصافات: ٩١] يعني من الطعام الذي بين أيديهم، يستهزئ بهم. ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٢، ٩٣] لأنها أقوى عملًا من اليسار (١). وكان قد أقسم بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ففعل ما حلف عليه. واليمين: القوَّة. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ [الصافات: ٩٤] وهو حال بين الإسراع والرويد، ومنه زفيف النعام بين المشي والطيران ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] يا إبراهيم، فنمَّ عليه رجل كان قد سمعه يقول: والله لأكسرنَّها، فقال ذلك النمَّام: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: يعيبهم ويسبهم ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١] ومعنى: أعين الناس أي: بمرأىً منهم وفي ﴿يَشْهَدُونَ﴾ قولان، أحدهما: عذابه. والثاني: يشهدون عليه أنه فعل ذلك. قال ابن عباس: كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة. فلما حضر ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] غضب أن يعبد معه الضعفاء فكسرها. وكان الكسائي يقف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣، ٦٤] (٢) حيث عبدتم من لا يتكلم. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: أدركتهم حيرة وقالوا: قد ظلمناه وما نرى الأمر إلا كما قال ولكن أرادوا أن ينصروا آلهتهم. قال مقاتل لما جادلوه قال لهم: قَال ﴿قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] أي: وعملكم. قلت: وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى حيث قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ وعلى أنها مكتسبة للعباد حيث أثبتت لهم عملًا، فأبطل مذهب القدريَّة والجبريَّة.

стр. 424

فصل في مناظرته لنمرود قال علماء السير: لما ألزمهم إبراهيم الحجَّة حملوه إلى نمرود، وقالوا: هذا فعل بآلهتنا، وقال لنا كذا وكذا. وأصل حاجَّ من الحجة، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهل كانت هذه المناظرة بعد أن ألقي في النار أم عقيب كسر الأصنام؟ فيه قولان. وقال مقاتل: لما كسر الأصنام حبسه نمرود سبع سنين ثم أخرجه فناظره، فقال: من ربك؟ وقال أحمد بإسناده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان الناس يخرجون فيمتارون الطعام من نمرود، وكان كلُّ من مرَّ بنمرود يقول له: من ربك؛ فإن قال: أنتَ مَارَهُ، وإن لم يعترف لم يعطه شيئًا، فمر به إبراهيم فقال: من ربُّك؟ فقال: ﴿الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فردَّه، فرجع وأجماله فارغة، فمرَّ على كثيب رمل أعفر فقال: آخذ منه لئلا أرجع إلى أهلي بغير شيء، فأخذ منه، فلمَّا دخل البيت نام، وكان ليلًا، فقامت امرأته إلى جوالق ففتحته فإذا دقيق حُوَّارى، فخبزت منه، فلمَّا استيقظ رأى الطعام، فحمد الله وفطن، ثم ناظر نمرود بعد ذلك (١). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] هذا جواب نمرود لما قال له: مَن ربُّك؛ فكان جواب سؤال سابق غير مذكور، فقال نمرود: ﴿قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال ابن عباس: دعا برجلين قد استوجبا القتل، فقتل أحدهما واستبقى الآخر، فسمَّى تركَ القتل إحياءً، وهذا من جهله لأنَّ ترك القتل لا يسمّى إحياءً، بل الإحياء يكون بعد الموت. قال إبراهيم: ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: دهش وتحيَّر وانقطعت حجَّته ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] بترك الحجَّة.

стр. 425

فإن قيل: فانتقال الخليل من حجّة إلى أخرى مؤذن بالعجز، فالجواب: إنه ما انتقل عجزًا، وقد كان له أن يقول لنمرود: فأحيي من أَمتَّ إن كنت صادقًا، وهذا له نظير في العالم، أمَّا إتيان الشمس من المغرب فليس له نظير في العالم؛ لأنه لا يقدر عليه إلَّا الله تعالى، حتى لو قال نمرود: أنا أفعل ذلك لم يلتفت إليه، لعدم النظير، فأفحمه وبهته وقطعه وحيَّره، فعدل حينئذ نمرود إلى إحراقه بالنار. فإن قيل: فقد قال مقاتل: لو قال نمرود: فأنا آتي بها من المشرق فقل لإلهك يأتي بها من المغرب، لكان متوجِّهًا في عناده، قلنا: لم يكن متوجهًا لما ذكرنا من عدم النظير، ولو توجّه فقد نطقت الأخبار بأن الله تعالى يأتي بها في آخر الزمان من المغرب فيكون ردًّا على نمرود. فصل في إلقائه في النار قال أرباب السِّير: لما أُفحم نمرود استشار أصحابه فيه، فكل واحد أشار بشيء، فقال رجل منهم: حرّقه بالنار، فهو أشد لعذابه. قال ابن عباس: فخسف بذلك الرجل فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. فبنى له نمرود بنيانًا إلى سفح جبل طول جداره ستون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، ونادى مناديه: أيّها الناس احطبوا لنار إبراهيم الذي كسر أصنامكم وعابها، فلم يتخلَّف صغير ولا كبير، فأقاموا أربعين يومًا يحتطبون، حتّى إن المرأة كانت تقول: إن ظفرت بكذا وكذا لأحتطبنَّ لنار إبراهيم. وحكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أنه قال: كانت البغال تتناسل وكانت أسرعَ الدوابّ في نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها فقطع الله نسلها وأعقم أرحامها. قال: وكانت الضفادع تسكن النّار، فقال: فجعلت تطفئ النار عنه، فدعا لها فأنزلها الله الماء، وكانت الأوزاغ تنفخ على النار وهو فيها، وكانت أحسنَ الدوابّ، فلعنها وأمر بقتلها (١). وأسند أبو القاسم حديثًا عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لمّا ألقي إبراهيم في النّار جعلت الدواب كلّها تطفئ النار عنه إلَّا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه" قال: وكان عند
следующие страницы →