← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

يومَ القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إن اللهَ قاتلُك وصاحِبَك بعد سماعة. فقال له: يا ملعون، بالموت تُخوِّفُني؟! فواللهِ لَلْمَوتُ أحبُّ إليَّ من الخُلْد معكم. ثم رفع صوته ونادى: عبادَ الله، لا يَغُرَّنَّكم في دينكم هذا الجِلْفُ الجافي وأشباهُه، فواللهِ لا تَنالُ شفاعةُ محمدٍ ﷺ قومًا هوقوا دماء ذرِّيَّته وأهلِ بيته. وأرسل إليه الحسين ﵁: ارجعْ، فقد نصحتَهم كما نصحَ مؤمنُ آلِ فرعون قومَه، ولكن لا يفقهون (١). وأولُ من زحف عليهم عُمر بن سعد؛ رَمَى بسهم وقال للناس: اشهدوا [أني أولُ من رمى] ثم (٢) قال لمولاه وبيده الراية: يا دريد تَقَدَّم (٣). وبعثَ خمس مئة من الرُّماة، فأقبلوا إلى الحسين ﵁، فرشقوهم بالنَّبْل، فعقروا خيولهم، فصاروا كلُّهم رجَّالة (٤). وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشدَّ قتالٍ خلقه الله، ولا يقدرون على إتيانهم إلا من وجهٍ واحد لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض (٥). فلما رأى ذلك عُمر بن سعد أرسل رجالًا وقال: قَوِّضُوا الأبنية. فلم يقدروا من النَّبْل، فقال: حرِّقُوها. فجاؤوا بالنار، فقال الحسين ﵁: دعوهم يحوقونها، فإن حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها ومن النار. وحمل شَمِر حتى طعن فسطاط الحسين ﵁ برمحه وقال: عليَّ بالنار حتى أُحرق هذا البيت على أهله. قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، وصاح به الحسين ﵁: يا ابنَ ذي الجَوْشَن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! حرقك الله بالنار.

стр. 3607

وجاءه شَبَث بن رِبْعيّ فقال له: ما شهدتُ موقفًا أقبح من موقفك! أَمِطْ عن النساء. فاستحى منه، وانحرف عنهنَّ (١). وقُتل من أصحاب الحسين ﵁ غلبتهم (٢). وجاء وقت الصلاة، فقال الحسين ﵁: سلُوهم أن يكفُّوا عنَّا حتى نُصلي. فقال الحُصين بن تميم: إنَّها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظهر -وكان من أكابر أصحاب الحسين ﵁: يا حمار، أتُقبلُ منك الصلاة، ولا تقبل من ابنِ رسول الله ﷺ ؟! فحمل عليه الحُصين بنُ تميم، فضرب حبيبٌ وجهَ فرسِه بالسيف، فشَبَّ به فرسُه، فسقط، واحتمله أصحابُه، فقال حبيب: أُقسمُ لو كنَّا لكم أعدادا … أو شطركم ولَّيتُمُ أكتادا (٣) يا شرَّ قومٍ حَسَبًا وآدَا ثم حمل عليهم وقاتلهم قتالًا شديدًا، وحملَ عليه رجل من تميم، فطعنه، وحمل عليه الحصين بنُ تميم، فضربه بالسيف على رأسه، فوقع، ونزل إليه التميمي، فاحتزَّ رأسه، فقال له الحصين: أنا شريكُك في قتله. فقال التميمي: لا والله ما قتله غيري. فقال الحصين: أعطني إياه أعلّقه في عنق فرسي حتى يعلم الناس أني شريكك في قتله، فدفعه إليه، وعلّقه في فرسه [فجال به في العسكر] ثم دفعه إليه، فدخل التميمي الكوفة ورأس حبيب بن مظهر في عنق فرسه يريد ابنَ زياد، فرآه القاسم بنُ حبيب، وهو يومئذٍ قد راهقَ الحلم، فخرج مع الفارس، لا يفارقُه كلما دخلَ القصر وخرج، فارتاب منه الفارس، فقال: ما لك يا بنيّ؟! قال: لا شيء. قال: بلى، فاخبِرْني. فقال: إنَّ هذا رأسُ أبي، فلو أعطيتنيه حتى أدفنه. فقال: إنما قصدي أن يثيبني الأميرُ عليه. فقال له الغلام: لكن الله يُثيبك عليه أسوأ الثواب.

стр. 3608

ثم لم يكن لذلك الغلام همٌّ إلا اتّباع آثار التميمي ليقتلَه بأبيه، فلمَّا كان زمنُ مصعب؛ دخل الغلام عسكر مصعب (١)، فرأى التميميَّ قائلًا نصف النهار في فسطاطه، فدخل عليه فقتله (٢). ولما قُتل حبيب بن مظهر، هدَّ ذلك الحسينَ ﵁ وقال عندها: للهِ أحتسبُ نفسي (٣). وصلَّى بهم صلاة الخوف في وقت الظهر، واشتدَّ القتال بعد الظهر، وتقدَّم زهير بنُ القَين، فقاتل قتالًا شديدًا وهو يقول: أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القَينِ … أَذُودُهم بالسيفِ عن حُسينِ ثم أخذَ يضرب على منكب الحسين ويقول: أَقْدِمْ هُديتَ هاديًا مَهْدِيَّا … فاليومَ تَلْقَى جدَّك النَّبِيَّا وحسنًا والمرتضى عليَّا … وذا الجناحين الفتى الكَمِيَّا وأسدَ اللهِ الشهيدَ الحيَّا فشدَّ عليه كثير بنُ عبد الله الشعبيّ، ومهاجر بن أوس، فقتلاه. وحمل عليهم نافع بن هلال الجَمَلي، فقتلَ اثني عشر من أصحاب ابنِ سعد، ثم تكاثروا عليه، فأخذه شَمِر أسيرًا، وجاؤوا به إلى عمر بن سعد، فقال: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعتَ بنفسك؟! ثم ضربه شَمِر بالسيف، فقتله (٤). وجاء أصحابُ الحسين ﵁، فوقفوا بين يديه، قالوا: ما بقيَ إلا أن نفديَك بأرواحنا. وقاتلوا دونه واحدًا بعد واحد، حتى قُتلوا عن آخِرهم، فلم يبقَ منهم إلا اليسير. وكان أوَّلَ قتيل من آل أبي طالب عليٌّ الأكبر بن الحسين بن علي ﵃، وأمُّه ليلى بنت أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود الثقفي؛ لما رأى أصحابَ الحسين ﵁ قد قُتلوا وهم حوله كربيض الغنم؛ حملَ وهو يقول:

стр. 3609

أنا عليُّ بنُ حسينِ بنِ علي … نحنُ وربِّ البيت أولى بالنبي من شَمِرٍ وعُمرٍ وابنِ الدَّعي (١) فقال مُرَّةُ بن منقذ العبدي: لَأثْكِلَنَّه أباه. فطعنه فوقع، فقطَّعوه بأسيافهم. وحملوه إلى الحسين ﵁، فقال: قتلوك يا بنيّ، ما أجرأهم على الله! على الدنيا بعدك العَفَاء. وخرجت زينب بنت فاطمة ﵉، فأكَبَّتْ عليه، فأخذ الحسين ﵁ بيدها، فولَّى بها إلى الفسطاط. ثم إن عَمرو بن صبيح المرِّيَّ (٢) رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فخَيَّطَ يدَه مع جبهته (٣)، ثم رماه بسهم آخر، ففلق قلبَه. وأحاطَ بهم الناس من كل جانب، فحمل عبدُ الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر، فقتلَه، وحمل عامرُ بن نَهْشَل التَّيمي (٤) على محمد بن عبد الله بن جعفر، فقتله. وشدَّ عثمان بن خالد الجُهني على عبد الرحمن بن عقيل، ومع عثمان بشر بن سوط الهَمْداني، فقتلاه، وحمل عَمرو بنُ سعد بن نُفيل الأسدي على القاسم بن الحسن بن علي، وكان مثل القمر، فقتله. وبقي الحسين ﵁ قائمًا وحده، فكلما انتهى إليه رجل من الناس كره أن يتولَّى قتلَه، فانصرف عنه، حتى جاءه مالك بن الكندي، فضربه بالسيف على رأسه وعليه بُرْنُس، فجرحه، وامتلأ البرنُس دمًا، فدعا عليه الحسين ﵁ وقال له: لا أكلتَ بها ولا شربتَ.

стр. 3610

وأخذ الكنديُّ البُرنُس وكان من خزّ، وقَعد الحسين ﵁ وأُتِيَ بصبيٍّ له صغير، فأجلسه في حِجره -وقيل: هو عبد الله بن الحسين ﵁[فرماه رجل من بني أسد بسهم، فذبحه، فتلقَّى الحسين ﵁] (١) دمَه، فملأ كفَّه، فجعل يبكي ويقول: اللهم إنك تعلم ما يصنع هؤلاء القومُ بإخوتي وولدي. فنودي من الهواء: دَعْه، فإنَّ له مرضعًا في الجنة. ورمى عبدُ الله بنُ عقبة الغَنَويُّ أبا بكر بن الحُسين (٢) بسهم، فقتلَه، وفيه يقول ابنُ قَتَّة: وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهمُ يومًا بها حيثُ حَلَّتِ (٣) وزعموا أن العبَّاس قال لإخوته من أمِّه؛ عبد الله، وجعفر، وعثمان: يا بني أمّي، تقدَّمُوا فقاتِلُوا حتى أرثكم، فإنه لا ولدَ لكم. فتقدَّموا، فقُتلوا (٤)، قَتَلَ هانئُ بنُ ثُبَيت الحضرميُّ عبدَ الله، وقَتَلَ جعفرًا أيضًا، وقَتَلَ عثمانَ رجلٌ من بني أصبح (٥)، وقتل محمدًا رجلٌ من دارم. وعطش الحسين ﵁، فدنا ليشربَ من الماء، فرماه حُصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقَّى الدمَ من فيه، ويُومئ به إلى السماء، وقال: اللهم أَقِلَّهم عددًا، واقتُلْهم بَدَدًا، ولا تُبقِ منهم على الأرض أحدًا، واجعلهم طرائق قِدَدا، ولا تُرضي عنهم الوُلاةَ أبدًا (٦).

стр. 3611

وقال هشام: إن الحسين ﵁ حين غُلب على عسكره ركبَ المُسَنَّاة (١) يريد الفرات، فقال رجل من بني دارم: ويلكم، حُولُوا بينه وبين الماء. ورماه بسهم، فوقع في حنك الحسين ﵁، فجعل يتلقَّى الدم ويبكي. فمات ذلك الرجلُ عَطَشًا، فكان يُبَرَّدُ له الماء، ولا يَرْوَى. وأقبلَ شَمِر بن ذي الجَوْشَن في عَشَرة من أهل الكوفة نحو فسطاط الحسين ﵁ الذي فيه أهله وعياله، فجاء الحسين ﵁، فحالوا بينه وبين عياله، فقال الحسين ﵁: ويلكم! إنْ لم يكنْ لكم دينٌ، وكنتُم لا تخافون يومَ المَعاد؛ فكُونُوا في أمر دنياكم أحرارًا ذوي أحساب، امنعُوا رَحْلي وأهلي من طَغَامِكم (٢) وجُهَّالكم. فقال شَمِر: ذلك لك يا ابنَ فاطمة. وأقْدَمَ عليه شَمِر بالرَّجَّالة، والحسينُ ﵁ يَشُدُّ عليهم، فينكشفون عنه، ثم أحاطوا به (٣). وأقبل عُمر بن سعد، فقالت له زينب: يا عُمر، أيُقتل الحسين وأنت تنظر إليه؟! فسالت دموعُه على خدَّيه، وصرف وجهه عنها (٤). ونادى شمر في الناس: ويحكم، ما تنتظرون بالرجل؟! اقتلوه. فحملوا عليه من كل جانب، فضربه زُرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، ثم على عاتقه (٥)، فجعل يكبُو وهو يقاتل، وطعنَه سِنان بن أنس بن عمرو النَّخَعي بالرمح، فوقع. ثم قال لخَوْلي بن يزيد: احتزَّ رأسه. فأراد أن يفعل، فأُرْعِد وضعُف، فقال له سنان: فَتَّ اللهُ عضدك، وأبان يدك. فنزل إليه وذبحه.

стр. 3612

ولما وقع الحسين ﵁ جعل لا يدنو أحد منه إلا شدَّ عليه سِنانُ بن أنس مخافةَ أن يُغلب على رأسه، حتى أخذ رأسَ الحسين ﵁، فدفعه إلى خَوْلي (١). واختلفوا في قاتل الحسين ﵁، فالمشهور ما ذكرنا، وقيل: الحصين بن تميم. وقيل: مهاجر بن أوس التميمي. وقيل: كثير بن عبد الله الشعبي. وقيل: شَمِر بن ذي الجوشن. والأول أصح. قال الشعبي: دخل سنان بن أنس على الحجَّاج، فقال له: أنتَ قاتلُ الحسين؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت به؟ قال: دعمتُه بالرمح دعمًا، وهبرتُه بالسيف هَبْرًا، وذبحتُه ذبحًا. فقال له الحجَّاج: أبْشِرْ، فإنكما لا تجتمعان في دار واحدة أبدًا. فما سُمع من الحجَّاج كلمة خير منها (٢). وروى ابن سعد قال (٣): قال الحجَّاج: من كان له عندنا بلاء فليقم. فقام قوم، فذكروا بلاءهم، وقام سنان بن أنس النخعي، فقال: أنا قاتل الحسين. فقال: بلاء حسن. ورجع إلى منزله، فاعتُقل لسانُه، وذهب عقلُه، فكان يأكل ويُحْدِثُ في مكانه. وسُلب الحسين ﵁ ما كان عليه، فأخذ سراويله بحرُ بن كعب التميمي، وأخذ قيس بن الأشعث قَطِيفَتَه، وأخذ نعليه الأسود من بني أَوْد، وأخذ سيفَه القُلانس من بني نهشل بن دارم، وأخذ عِمامتَه جابرُ بن يزيد (٤). وانتهب أهل الكوفة متاعَه، ومالوا على نسائه وبناته، فإن كانت المرأة لَتُنازَعُ ثوبَها عن ظهرها حتى تُغْلَبَ عليه، فيذهب منها (٥). وانتهى شَمِر بن ذي الجوشن إلى عليِّ بن الحسين ﵄ الأصغر وهو مريض على فراش، فقال: ما لهذا ما قُتل؟ قال حميد بن مسلم: فقلت له: يا سبحان الله! ما ذنبُ هذا الصبيّ؟! فما زلتُ أدافع عنه حتى جاء عُمر بن سعد، فقال: لا يدخلنَّ على هؤلاء

стр. 3613

النسوة أحد، ولا يعترض لهذا الغلام أحد، ومَنْ أخذَ شيئًا من متاعهم فليردَّه. فواللهِ ما ردَّ أحدٌ شيئًا (١). وقالت فاطمة بنتُ الحسين: نازعني رجل حِلْيَتي فقلت: لا تفعل. فقال: يأخذُه غيري (٢). وعروا نساءه وبناته ثيابهنّ (٣). وقال الناس لسنان بن أنس (٤): قتلتَ أشرفَ العرب خطرًا؛ الحسين بنَ علي وابنَ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ؛ جاء ليُزيل مُلك بني أمية، فاطلبْ ثوابَك منهم، فلو أعطَوْك ما في بيوت أموالهم لكان قليلًا. فأقبلَ على فرسه، وكان شجاعًا فاتكًا شاعرًا، وكانت به لُوثَة (٥)، فأقبلَ حتى وقفَ على باب فسطاط عُمر بن سعد، ثم نادى بأعلى صوته وقال: أوْقِرْ رِكابي فضةً وذَهَبا … إني قتلتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا قتلتُ خيرَ الناسِ أمًّا وأبا … وخيرَهم إذْ يُنْسَبُونَ نَسَبا فقال عُمر بن سعد: أَدْخِلُوه عليَّ. فلما أُدخل حَذَفَه بالقضيب، وقال: إنك لمجنون، أتتكلَّم بهذا الكلام! واللهِ لو سمعك ابنُ زياد لضربَ عنقَك (٦). ونادى ابنُ سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين، فيوطئه فرسَه؟ فانتدب له عَشَرة، منهم إسحاق بن حَيوَة الحضرميّ -وهو الذي سلبَ قميصَ الحسين ﵁، فبَرِصَ (٧) بعد ذلك- فداسُوا الحسين ﵁ بخيولهم حتى رضُّوا صدرَه وظهرَه. ووجَدُوا في ظهره خطوطًا سودًا، فسألوا عنها، فقالوا: كان ينقل الطعام على ظهره في الليل إلى الأرامل والمساكين.

стр. 3614

وكان في الذين انتدبوا لذلك أحبش بن مرثد (١) الحضرمي، فبينا هو واقف بعد ذلك في قتال إذْ جاءه سهمٌ غَرْبٌ (٢)، ففلقَ قلبَه (٣). ذكر من قُتل من الفريقين: قُتل من أصحاب الحسين ﵁ اثنان وسبعون (٤) رجلًا، وقتل من أصحاب عُمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا سوى الجرحى، فصلَّى عليهم عُمر بن سعد، ودفنَهم. واختلفوا في عدد أصحاب الحسين ﵁ على أقوال: أحدها: اثنان وثلاثون فارسًا، وأربعون راجلًا. والثاني: خمسون راجلًا، وأتاهم من أهل الكوفة عشرون، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلًا. فهؤلاء تسعة وثمانون رجلَّا. والثالث: كانوا خمسة وأربعين فارسًا ومئة راجل. وقال المسعودي: كانوا ألفًا (٥). ذكر من استشهد من آل أبي طالب: وهم عشرون: لعليٍّ رضوان الله عليه سبعة، وللحسن ﵁ عنه اثنان (٦)، وللحسين ثلاثة، ولعبد الله بن جعفر اثنان، ولعَقِيل ستة غير مسلم بن عَقِيل. فأما أولاد عليٍّ رضوان الله عليه: فالحسين ﵇؛ قتلَه سِنان بن أنس، واحتزَّ رأسه خَوْلي بن يزيد، والعباسُ بن عليّ؛ قتلَه زيد بن رقاد الجَنَبي (٧)، وحكيم السِّنْبِسيّ من طيِّئ. والمشهور حرملة بن الكاهن. وقال الشعبي: وهو أول قتيل بعد الحسين ﵁؛ خرج وهو يقول: يا ابن أمير المؤمنين.

стр. 3615

وقال القاسم بن أصبغ المجاشعي: لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة رأيتُ فارسًا من أحسن الناس، وقد علَّق في لَبانِ فرسه (١) رأسَ غلام أمرد، كأنه القمرُ ليلةَ البدر، والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحقَ بالأرض، فحزن الناس عليه، فسألتُ عن الرجل، فقيل: هذا حرملة بن الكاهن الأسدي، وهذا رأس العبَّاس بن علي بن أبي طالب، فأقمتُ أيامًا، ثم لَقِيتُ حرملة هاذا وجهُه أسودُ من القار، فقلت له: رأيتُك اليوم وما في العرب أقبحَ ولا أسودَ وجهًا منك! فبكى وقال: منذ حملتُ الرأس يأتيني كلَّ ليلة اثنان، فيأخذان بضَبْعيَّ (٢)، ثم ينتهيان بي إلى نار تأجَّج، فيدفعاني فيها وأنا أنكص عنها وهي تسفعني (٣)، فقد صار وجهي كما ترى. وقد كان العبَّاس قال لإخوته من أبيه وأمِّه: تقدَّموا، فإن قُتلتُم ورثتكم، وإن قُتلتُ بعدَكم ورثني ولدي، وإن قُتلت قبلكم ورثكم محمد بن الحنفية، لأنهم لم يكن لهم ولد (٤). قال المصنف ﵀: والعجبُ من العبَّاس إن ثبتَ ذلك عنه! أما كان له شُغل بما هم فيه من تلك الأحوال عن النظر في الميراث وغيره؟! وقتلَ جعفرَ الأكبر بنَ علي بن أبي طالب هانئُ بنُ ثُبَيت (٥) الحضرمي، وقتل عثمانَ بنَ علي خَوْليُّ بنُ يزيد؛ رماه بسهم فقتله، وقتلَ عبدَ الله بنَ عليٌ رجل من بني دارم (٦)، وقُتِلَ العبَّاس بعدَهم، فهؤلاء الأربعة من أمّ البنين الكِلابية (٧). وأما أبو بكر بن علي؛ فيقال: إنه قُتل في ساقيه. وأمُّه ليلى بنت مسعود (٨)، ومحمد بن علي الأصغر (٩)، قتله رجل من بني دارم.

стр. 3616

وأمَّا أولاد الحسن بن علي ﵄ فعبد الله؛ لأمّ ولد، قتله حرملة الكاهلي من بني أسد، وقيل: حرملة بن الكاهن، والقاسم بن الحسن؛ قتله سعيد بن عمرو الأزدي (١). وأمَّا أولاد الحسين ﵃؛ فعليّ الأكبر قتله مُزَة بن منقذ العبديّ، وأمُّه ليلى (٢) بنت أبي مُرَّة، ثقفية، ناداه رجل من أهل الشام: يا علي، إنَّ لك بأمير المؤمنين قرابةً، فإن شئت أمَنَّاك. فقال: قرابة برسول الله ﷺ أولى أن تُرعى من قرابة أبي سفيان. ومعنى هذا أنَّ أمَّ ليلى بنتُ أبي سفيان بن حرب. وعبد الله بن الحسين؛ أمّه الرَّباب بنت امرئ القيس، كلبيَّة، قتله هانئ بن ثُبيت الحضرمي، والطفل الذي ذكرنا أنه كان في حجر الحسين ﵁، فجاءه سهم، فذبحه (٣). وأما أولاد عبد الله بن جعفر؛ فاثنان: عون، وأُمُّه جُمانة بنت المسيّب بن نجبة الفزاري؛ قتله عبد الله بن قُطبة الطائي، ومحمد بن عبد الله، وأمُّه الخوصاء (٤) بنت خصفة؛ تيمية؛ قتله عامر بن نهشل التميمي. وذكر ابن سعد (٥) أن ابني عبد الله بن جعفر لجأا إلى امرأة عبد الله بن قُطبة الطائي، وكانا غلامين لم يبلغا الحلم، وكان منادي عمر بن سعد قد نادى: من جاء برأس فله ألف درهم. فجاء ابنُ قُطبة إلى منزله، فقالت امرأته: إن غلامين قد لجأا إلينا، فهل لك في شرفِ الدنيا والأخرى أن تبعث [بهما] إلى أهلهما بالمدينة؟! فقال: أريني إياهما، فأرته إياهما، فذبَحهما، وجاء برأسيهما إلى ابن زياد، فلم يعطه شيئًا. وقال: وددتُ أن جاء بهما حَيَّينِ، فكنتُ أمنُّ بهما على عبد الله بن جعفر.

стр. 3617

وبلغ ابنَ جعفر، فقال: لو جاءني بهما أعطيته ألفي ألف. وأما أولاد عقيل؛ فقد ذكونا قتل مسلم بن عقيل بالكوفة. وجعفرُ بن عقيل أمُّه أمُّ البنين بنت الشقر (١)؛ قتله بشر بن حَوْط الهمداني. وعبد الله بنُ عقيل؛ أمُّه أمُّ ولد؛ قتله عَمرو بنُ صُبيح الصدائي. وعبدُ الرحمن بن عقيل؛ أمُّه أمُّ ولد؛ قتله عَمرو أيضًا (٢). وعبدُ الله (٣) بن مسلم بن عَقِيل؛ أمُّه رقيَّة بنت عليّ بن أبي طالب، قتله أسيد بن مالك الحضرمي (٤). ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل؛ قتله لقيط الجُهني. قال المدائني: وعون بن عقيل قُتل مع الحسين، فصاروا ثمانية غير مسلم (٥). قال سراقة البارقي: عينُ اِبْكِي بعَبْرةٍ وعَويلِ … واندُبي إنْ نَدَبْتِ آلَ الرسولِ سبعةٌ منهمُ لصُلْبِ عليٍّ … قد أُبِيدُوا وستةٌ لعقيلِ لعنَ اللهُ حيث حلَّ زيادًا … وابنَه والعجوزَ ذات البعولِ (٦) ولم يُفلت من أهل بيت الحسين ﵁ إلا خمسةُ نَفَر: علي بن الحسين ﵄ كان مريضًا مع النساء، وحسن بن حسن بن علي، وأمُّه خولة بنت منظور فزارية، وله بقية، وعَمرو بن حسن بن عليّ؛ كان صغيرًا أمُّه أمُّ ولد، والقاسم بنُ عبد الله بن جعفر، ومحمد بنُ عقيل الأصغر، لأنهم استضعفوهم (٧).

стр. 3618

وقال المسعودي: قتلوا من أصحاب الحسين ﵁ أحدًا ومئتين نفسًا (١). ولم يحضر أحد من أهل الشام قتاله إلا كلُّهم من أهل الكوفة فيمن كاتبه (٢)، وكانوا ستة آلاف مقاتل. ذكر سنّ الحسين ﵇: قال سفيان بن عيينة: قال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃: قُتل الحُسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفّي علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي أبي محمدٌ وهو ابنُ ثمان وخمسين سنة. قال: وأنا في هذه السنة ابنُ ثمان وخمسين (٣). فمات فيها. وقيل: عاش الحسين خمسًا وخمسين سنة. وقيل: ستًّا وستين [سنة] (٤) وأشهرًا. قال المصنف ﵀: والتاريخ يُوضح مقدار عمره على الحقيقة من غير خلاف. وقد اتفقوا على أنه ولد في شعبان لليالٍ خلونَ منه في سنة أربع من الهجرة، وقُتل يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين، فيكون عمره على التحقيق ستًّا وخمسين سنة وخمسة أشهر (٥). وقُتل [يوم عاشوراء] يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، وقيل: يوم الاثنين، وقيل: يوم الأحد. [وقيل:] وكان قتلُه بين الظهر والعصر.

стр. 3619

[وقال أبو اليقظان: كان ذلك يوم الاثنين. وقال الموفَّق ﵀: يوم الأحد. وقول ابن سعد: إنه الجمعة والسبت، أشهر] (١). ووجدوا فيما أقبل من جسده ثلاثًا وثلاثين طعنة برمح، وأربعًا وثلاثين ضربة بالسيف، ومئة وعشرين رمية بسهم في جسده وثيابه (٢)، وليس (٣) في ظهره منها شيء. ذكر إنفاذ رأس الحسين ﵁ إلى ابن زياد: وما هو إلا أن قُتل الحسين ﵁، فبعث عُمر بن سعد رأسَه من يومه ذلك إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي. فأقبلَ خَوْلي يريد القصر، فوجده مغلقًا، فأتى منزله، فوضعه تحت إجَّانة (٤). وله امرأتان، إحداهما من بني أسد، والأخرى من الحضرميين يقال لها: النوَّار بنت [مالك بن] عقرب، وكانت ليلةَ الحضرمية. قال محمد بن السائب الكلبي: فحدثتني النوَّار قالت: أقبل خَولي برأس الحسين، فوضَعه تحت إجَّانةٍ في الدار، ثم دخل البيت، فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر؟ قال: جئتُكِ بِغِنَى الأبد، هذا رأسُ الحسينُ بن علي في الدار معك. قالت: فقلت: ويلك! جاء الناس بالذهب والفضة، وجئتَ برأس ابنِ بنت رسولِ الله ﷺ لا واللهِ لا يجمع رأسي ورأسك بيتٌ أبدًا. قالت: وقمتُ من فراشي، فدخلتُ الدار. ودعا الأسديةَ، فأدخلها عليه، وجلستُ أنظر، فواللهِ مازلتُ أنظرُ إلى نورٍ يسطعُ مثلَ العمود من السماء إلى الإجَّانة. ورأيتُ طيورًا بيضًا تُرفرفُ حولَه، فلما أصبح غدا بالرأس إلى ابن زياد (٥).

стр. 3620

ذكر دفن أجسادهم: ودفن أهل الغاضريَّة من بني أسد أجسادهم بعدما قتلوا بيوم (١). وكان زهير بن القَيْن قد قُتل مع الحسين ﵁، فقالت امرأته لغلامه شجرة: اذهب فكفّن مولاك. وأعطَتْه كفنًا. فذهب ليكفنَه، فرأىَ الحسين ﵁ مجرَّدًا، فقال: أُكفِّنُ مولاي، وأَدَعُ الحسين! ﵁ لا والله. فكفَّنه، وعاد فأخذ كفنًا آخر، فكفَّن مولاه فيه (٢). ودُفن الحسين ﵀ في موضعه، وحُفر للباقين حفيرة كبيرة تحت قدميه، وألقَوْا أهله فيها إلا العبَّاس بن علي؛ فإنه بعيد عنهم على طريق الغاضريّة؛ دفن في المكان الذي قُتل فيه. ذكر حمل الرؤوس والسبايا إلى ابن زياد بالكوفة: وأقام عُمر بن سعد يومه ذلك والغد. ثم أمرَ حميد بن بُكير الأحمري (٣)، فسار إلى الكوفة بالسبايا وبنات الحسين ﷺ [وعلي بن الحسين] (٤) وهو مريض. قال هشام: ورأس الحسين ورؤوس أصحابه. [قال أبو مِخْنَف:] ولما مَرَزن النسوة (٥) على الحسين ﵁ وأهله وأولاده ورأينهم على تلك الحال؛ صِحْنَ ولطمنَ وجوههن. وقالت زينب لما رأت أخاها الحسين ﵁ صريعًا: يا محمَّداه (٦)! صلى عليك أهل السماء، هذا حسينٌ مَرَمَّلٌ بالدماء (٧)، مقطَّعُ

стр. 3621

الأعضاء. يا محمَّداه! بناتُك سَبايا، وذُرِّيّتك قتلى، تَسْفِي عليهم الصَّبا. [قال:] فأبكت [واللهِ] كلّ عدوّ وصديق. وكانت الرؤوس اثنين وسبعين رأسًا؛ حمل خَوْلي بن يزيد الأصبحي رأس الحسين ﵁، وحملت كندة ثلاثة عَشَرَ رأسًا، وهوازنُ عشرين، وبنو تميم عشرين، وبنو أسد سبعة، ومذحج أحد عشر، وقيل: تسعة (١). وقيل: كانت الرؤوس ستة وستين. وكان مع الرؤوس والسبايا شَمِر بن ذي الجَوْشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجَّاج، وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على عُبيد الله بن زياد (٢)، فجلس لهم، وأذِنَ للناس، فدخلوا ورأسُ الحسين ﵁ موضوعٌ بين يديه (٣). وذكر البخاري في أفراده عن ابن سيرين قال: لما وُضع رأسُ الحسين بين يدي ابن زياد في طَسْت جعل يقرعُ بالقضيب في ثناياه وقال في حسنه شيئًا، وكان عنده أنس بن مالك، فقال: كان أشبَههُم برسول الله ﷺ . وكان مخضوبًا بالوَسْمَة [هذا سورة ما ذكر البخاري] (٤). قال المصنف ﵀: أما كان لرسول الله ﷺ على أنس من الحقوق أنْ يُنكر على ابنِ زياد فِعلَه، ويقبِّحَ له ما فعل من قَرع ثنايا الحسين بالقضيب، لكنَّ الفحل زيدُ بنُ أرقم، فإنه أنكرَ عليه (٥).

стр. 3622

فروى الطبريّ عن أبي مِخْنَف، عن سديوإن بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: شهدتُ ابنَ زياد وهو ينكتُ بقضيب بين ثَنِيَّتَيهِ ساعةً، فلما رآه زيد بنُ أرقم لا يُنْجِمُ (١) عن نَكْتِه بالقضيب قال له: اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثَنِيَّتَين، فوالذي لا إله إلا هو، لقد رأيتُ شَفَتَي رسولِ الله ﷺ على هاتين الشَّفَتَين يُقَبِّلُهما. تم انْفَضَخَ (٢) الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينَك، فواللهِ لولا أنَّك شيخ قد خَرِفْتَ وذهبَ عقلك لضربتُ عنقك، فقام وخرج، فسمعت الناس يقولون: واللهِ لقد قال زيد بن أرقم قولًا لو سمعَه ابن زياد لقتلَه. فقلتُ: ما قال: قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: أنتم يا معاشر العرب العبيدُ بعد اليوم، قتلتُم ابن فاطمة، وأمّرتُم ابنَ مَرجانة (٣)، فهو يقتُلُ خِياركم، ويستعبد شِراركم، فبعدًا لمن رضيَ بالذّلّ والعار (٤). وقال الواقدي: لما قال ابن زياد لزيد بن أوقم ما قال، قال له زيد: واللهِ لأحدِّثنَّك حديثًا هو أغلظُ من هذا، رأيتُ رسول الله ﷺ أقعدَ حسنًا على فخذه اليمنى، وحسينًا على فخذه اليسرى، ثم وضع يده على نافوخهما وقال: "اللهمَّ إني أستودعُك إيَّاهما وصالحَ المؤمنين". فكيف كانت وديعتُك رسولَ الله ﷺ يا ابنَ زياد؟! ثم قام فخرج، ولم يعد إليه بعد هذا. ولما فرغ ابنُ زياد من قرع الرأس بالقضيب كان له كاهن، فقال له: قم فضع قدمك على رأس عدوِّك. ففعل (٥). ولما حضر الرأس بين يدي ابن زياد، أمر بتقويره، فلم يتجاسر أحدٌ أن يُقدم عليه، فقام طارق بن المبارك الكوفي -وكان حجَّامًا [وهو] (٦) جدّ أبي يعلى كاتبِ عُبيد الله

стр. 3623

ابن خاقان وزير المتوكّل -فقوَّره، فقال له ابن زياد: أَخْرِجْ لَغَادِيدَه (١) - وهي اللحم الذي بين الحنك وصفحة العنق (٢) - ففعل، فقام إليه عَمرو بن حريث المخزومي فقال: قد بلغتَ حاجتك من هذا الرأس، فهبْ في ما ألقيت [منه] قال: وما تصنع به؟ قال: أُواربه. قال: خذه. فاخذَه في طرف ردائه، كان من خَزٍّ أَدْكَنَ، وحمله إلى دار، فغسله، وطيَّبه، ولفَّه في خرقة خَزّ، ودفنَه في داره، وتُعرف اليوم بدار عَمرو بن حُريث بالكوفة. فكان ممن حضر ذلك المجلس رجلٌ من بكر بن وائل يقال له: جابر [أو جبير]، فلما رأى ما صنع ابن زياد قال في نفسه: [للهِ] عليَّ أنْ لا أُصيبَ عشَرَة من المسلمين خرجوا عليك إلا خرجتُ معهم. فيقال: إنه هو الذي باشرَ قتل ابن زياد، [وسنذكره هناك]. [قال أبو مِخْنَف:] (٣) ولما دخلوا برأس الحسين ﵁ وصبيانه وأخواته على ابن زياد؛ تنكَّرت زينبُ بنتُ عليّ، ولبسَتْ أرذل ثيابها، وحفَّت بها إماؤها، فلما دخلت جلسَتْ، فقال ابن زياد: مَنْ هذه الجالسة؟ فلم تكلِّمه. قال ذلك ثلاثًا وهي ساكتة. فقال بعض إمائها: هذه ابنةُ فاطمة بنت رسول الله ﷺ . فقال ابنُ زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلَكَم، وأكذبَ أُحدوثتكم. فقالت زينب: الحمدُ لله الذي أكرمَنا بمحمد ﵁، وطهَّرَنا تطهيرًا، لا كما تقول أنت، وإنَّما يَفْتَضحُ الفاسق، ويُكذَّبُ الفاجر. قال: فكيف رأيتِ صُنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كُتب عليهم القتلُ، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللهُ بينك وبينهم فتتخاصمون عنده. قال: فاستشاطَ ابنُ زياد غضبًا. فقال له عمرو بن حُريث: إنما هي امرأة، والنساءُ لا يؤاخَذْنَ بمنطقهنّ. فبكت زينب وقالت: قتلتَ كهلي، وأَثرتَ (٤) أهلي، وقطعتَ

стр. 3624

فرعي، واجتنَيتَ (١) أصلي. فقال لها ابنُ زياد: هذه شجاعة، ولقد كان أبوك شاعرًا شجاعًا. فقالت: ما لي وللشجاعة، إنَّ لي عنها لشُغْلًا. [قال:] ونظر ابنُ زياد إلى عليِّ بن الحسين، فقال لشرطي: انظر، هل بلغ هذا مبلغ الرجال؟ فكشف (٢) إزاره عنه، وقال: نعم. قال: انطلقوا به فاضربوا عنقه، فصاحت زينب بنتُ علي: يا ابنَ زياد، حسبُك من دمائنا، إن كنتَ قاتلَه فاقتُلْني معه. فقال علي: إنْ كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابْعَثْ معهنَّ رجلًا يحافظ عليهنّ. فقال له ابن زياد: تعال، أنت ذاك. فبعثه معهنّ (٣). وحكى ابنُ سعد (٤) أنَّ رجلًا من أهل الكوفة أخذَ عليًّا، فخبأه في داره، وأكرمه. قال: وكان كما دخل وخرج يبكي. قال: فأقول: إن كان عند أحد من أهل الكوفة خمر، فعند هذا. فبينا أنا عنده ذات يوم؛ إذ نادى منادي ابن زياد: من كان عنده عليّ بن الحسين؛ فليأتِ به، وله ثلاث مئة درهم. قال: فدخل عليَّ وهو يبكي، فجعلَ في عنقي حبلًا، وربط يديَّ إلى الحبل، وسلَّمني إليهم، وأخذَ الدراهم وأنا انظر إليها. فأُدخلت على ابن زياد، فقال: ما اسمُك؟ قلت: عليُّ بن الحسين. فقال: ألم يقتل الله عليًّا؟! قلت: كان في أخ أكبر مني اسمه عليّ، قتله الناس. قال: بل الله قتلَه. قلت: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ﴾ (٥) ﴿وَمَا كانَ لِنَفسٍ أَن تَمُوتَ إِلا بِاذنِ اللهِ﴾ (٦). فأمر بقتلي، فصاحت زبنب بنتُ عليّ: يا ابنَ زياد، حسبُك من دمائنا. وذكر بمعناه. ولمَّا دخل عُبيد الله القصر ودخل الناس؛ نوديَ: الصلاةُ جامعة. واجتمع الناسُ في المسجد الأعظم، فصعد ابنُ زياد المنبر، وقال: الحمد لله الذي أظهر الحقَّ [وأهلَه]، ونصرَ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبَه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي

стр. 3625

وشيعته. فقام إليه عبد الله بنُ عفيف الأزدي الغامديّ -وكان من شيعةِ أمير المؤمنين عليّ رضوان الله عليه، وذهبت عينُه اليسرى يومَ الجمل، وضُرب يومَ صفِّين على رأسه، فذهبت عينُه الأخرى، وكان لا يفارق المسجد، يصلي فيه إلى الليل، ثم يمضي إلى بيته- فصاح: يا ابن زياد، يا ابن مرجانة، إنَّ الكذاب ابنَ الكذاب أنت وأبوك، والذي ولَّاك وأبوه، يا ابن مَرجانة، أتقتلون أولاد النبيين، وتتكلَّمون بكلام الصدِّيقين؟! فقال ابن زياد: عليَّ به. فوثبَتْ عليه الجلاوزة، فأخذوه، فنادى بشعار الأزد: يا مبرور. فثارت الأزد، فاستنقذوه، وأتَوْا به أهلَه. فأرسل إليه من أتاه به، فقتله، وصلَبَه في المسجد (١). ثم إنَّ عُبيد الله نصبَ رأس الحسين ﵁ ورؤوسَ أصحابه بالكوفة (٢). وقالت مَرجانة لابنها عُبيد الله: يا خبيث، قتلتَ ابنَ رسولِ الله ﷺ والله لا رأيتَ الجنةَ (٣) أبدًا. وأقبل عُمر بن سعد، فدخل الكوفةَ وهو يقول: ما رجعَ أحدٌ بمثلِ ما رجَعتُ إلى أهلي، أطعمتُ الفاسق الفاجر الدعيّ، وعصيتُ الحاكم العَدْل، وقطعتُ القرابةَ القريبة الشريفة (٤). وهجره الناس، وكان كلَّما مرَّ على ملأ من الناس، لعنوه في وجهه، وإذا دخل المسجد؛ خرج الناسُ منه (٥). وقال سليمان بن مسلم: أوَّلُ مَنْ طَعَنَ سُرادقَ الحسين ﵁ عُمر بن سعد، فلقد رأيتُه هو وابنيه ضُربت أعناقُهم، ثم عُلِّقوا ضلى الخشب، وأُلهبت فيهم النيران (٦). وقال عُبيد الله بنُ زياد لعمر بن سعد بعد قتل الحسين ﵁: أين الكتاب الذي كتبتُ إليك في قتل الحسين؟ قال: أمضيت أمرك فيه، وضاع الكتاب. فقال ابن زياد: واللهِ

стр. 3626

لتجيئني به. قال: تركتُه يُقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارًا إليهنَّ، واللهِ لقد نصحتُك في حسين نصيحة لو نصحتُها لأبي سعد بن أبي وقَّاص لكنتُ قد أدَّيتُ حقَّه. فقال عثمان بن زياد أخو عُبيد الله: صدق واللهِ، لوَدِدنا أنه ليس رجل من بني زياد إلا وفي أنفه خِزامة (١) إلى يوم القيامة وأنَّ حُسينًا لم يُقتل. فواللهِ ما أنكر ذلك عُبيد الله بن زياد (٢). وكان في السَّبايا الرَّباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين ﵁، فكانت تبكي وتقول: وحسينًا (٣) فلا نسيتُ حسينًا … قصدته (٤) أَسنَّةُ الأعداءِ غادروه بِكربَلاءَ صريعًا … لا سقى الله جانبي كربَلاءِ (٥) وقال عبد الملك بن عمير (٦): رأيت في هذا القصر عجبًا -يعني قصر الكوفة- رأيتُ رأس الحسين بين يدي ابنِ زياد، ورأيتُ رأسَ ابنِ زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ورأيتُ رأسَ المختار بن أبي عُبيد بين يدي مصعب بن الزبير، ورأيتُ رأسَ مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان (٧). ذكره إنفاذ ابن زياد رأس الحسين ﵁ والسبايا إلى يزيد بن معاوية بدمشق: لما قُتل الحسين ﵁ قدم رسولٌ من يزيد إلى ابن زياد يأمره بِثَقَلِ (٨) الحسين أن يُحمل إليه، ومن بقيَ من أهله.

стр. 3627

ولم يبق لهم ما يتجهَّزون به، فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف، فتجهَّزوا بها (١). قال عليُّ بن الحسين ﵁: لما أُخرجنا من الكوفة لنُحمل إلى يزيد غَصَّت طريقُ الكوفة بالناس يبكون، فذهب عامَّةُ الليل وما يقدرون أن يجوزوا بنا لكثرة الناس، فقلت: هؤلاء قتلونا ويبكون علينا (٢)! وقال أبو مِخْنَف: نصبَ ابن زياد رأسَ الحسين ﵁ بالكوفة، ثم داروا به. ثم دعا زَخر بنَ قيس الجعفي، فسرَّح معه رأسَ الحسين ﵁ ورؤوسَ أصحابه، وضمَّ إلى زَحْر أبا بُرْدة بن عوف الأزدي، وطارق بنَ أبي ظَبْيان (٣). قال الغاز بن ربيعة الجَرَشي الحِميري: بينا أنا عند يزيد بن معاوية بدمشق؛ إذ قيل له: زَحْر بن قيس على الباب. فاستوى جالسًا مذعورًا وكان في بَهْوٍ له، وأذن له، فدخل في الحال، فقال له: ويلك! ما وراءك؟ فقال: أبْشِر بالفتح والنصر؛ وردَ علينا الحسين في ثمانية عشرَ من أهل بيته وستين من شيعته، فسِرنا إليهم، فسألناهم النزول على حكم الأمير عُبيد الله بن زياد، أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدَونا عليهم مع شروق الشمس، فأحَطْنا بهم من كلّ ناحية، حتى إذا أخذت السيوفُ مأخَذَها من هام القوم؛ جعلوا يهربون إلى غير وَزَر (٤)، ويلوذُون منَّا بالآكام والحُفَر لِواذًا، كما لاذَ الحمائم من صقر. فواللهِ ما كان إلا جَزْرَ جَزُور، أو نَوْمة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادُهم مجرَّدة، وثيابُهم مُرمَّلة، وخدودُهم مُعَفَّرة، تصهرُهم الشمس، وتسفي عليهم الرياح، وزُوَّارهم (٥) العِقْبان والرَّخَم، وهم صَرعَى بالفلاة.

стр. 3628

فدمعَتْ عين يزيد (١) وقال: لقد كنتُ أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعنَ اللهُ ابنَ سُميَّة، أما واللهِ لو أني صاحبُه لعفوتُ عنه، ورحم الله أبا عبد الله -يعني الحسين (٢) - ولكن عاقبةُ البغي والعقوق. ثم تمثَّل: مَنْ يَذُقِ الحَربَ يَجِدْ طَعمَها … مُرًا وتتركْه (٣) بجَعجَاعِ (٤) ولم يصل زَحْرًا بشيء. ورُويَ عن أبي مِخْنَف أن عُبيد الله بن زباد بعث بنساء الحسين ﵁ وصبيانه مع مُحَفِّز بن ثعلبة العامريّ؛ من عائدة قريش، ومع شَمِر بن أبي الجَوْشن، وغلَّ يدي عليّ بن الحسين ﵄ إلى عنقه، فلمَّا بلغوا إلى باب يزيد؛ رفع مُحَفِّز صوتَه وقال: هذا محفّز بنُ ثعلبة، أتى أميرَ المؤمنين باللِّئام الفجرة. فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أمُّ محفِّز أفجرُ وأَلْأَمُ (٥). [وذكر عبد الملك بن هشام في كتاب "سيرة النبي ﷺ " (٦) -وقد ذكرناه بإسنادنا إليه في صدر الكتاب- قال: لما بعث ابنُ زياد برأس الحسين إلى يزيد بن معاوية مع الأسارى مُوثَقين بالحبال، منهم نساء وصبيان وصبيات من بنات رسول الله ﷺ على أقتاب الجِمال، مكشفات الوجوه والرؤوس، فكانوا كلَّما نزلوا منزلًا أخرجوا الرأس من صندوقه، ووضعوه على رأس رُمْح، وحرسه الحرس طُول الليل إلى وقت الرحيل، ثم يُعيدُونه إلى الصندوق ويرتحلون.

стр. 3629

فنزلوا بعض المنازل على عادتهم، ووضعوه على رأس الرُّمح، وحرَسَه الحرس، والرُّمْحُ مسنَد إلى حائطِ دَيْر، فلما كان نصف الليل؛ رأى الراهب نورًا ساطعًا من مكان الرأس إلى عَنان السماء، فأشرف على القوم، وقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: أصحابُ ابنِ زياد. قال: وهذا رأسُ مَنْ؟ قالوا: رأسُ الحسين بن علي بن فاطمة. قال: ومَنْ فاطمة؟ قالوا: بنتُ رسول الله. قال: نبيكم؟! قالوا: نعم. قال: بئس القومُ أنتم! لو كان للمسيح ولدٌ لأسكنَّاه أَحداقَنا. ثم قال: هل لكم في شيء؟ قالوا: وما هو؟ قال: عندي عَشَرة آلاف دينار، خُذوها، وأعطُوني الرأس يكون عندي تمام هذه الليلة، فإذا رحلتُم خذوه. فقال بعضهم لبعض: وماذا يضرُّنا؟ فأخذوا الدنانير، وأعطَوه الرأس. فأخذه الراهب، فغسَّله وطيَّبه، وتركه على فخذه، وجعل يبكي الليلة كلَّها حتى طلع الفجر، فقال: يا رأس، لا أملك إلا نفسي، وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا رسول الله، وإنني مولاك وعبدُك. ثم خرج عن الدَّير وما فيه، وصار خادمًا. وأخذوا الرأس وساروا، فلما قربوا من دمشق؛ قال بعضهم لبعض: تعالوْا حتى نقتسم الدنانير لئلا يأخذها منّا يزيد. فأخرجوا الأكياس وفتحوها، فإذا الدنانيرُ قد تحوَّلَتْ خَزفًا، وعلى أحد جانبي كل دينار مكتوب: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾. وعلى الجانب الآخر: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. فألْقَوْها في بردى] (١). ذكر قدوم السَّبايا والرأس دمشق: قال القاسم بن عديّ: قيل ليزيد بن معاوية: إنَّ القوم قد أتَوْا. فصعد إلى منظرة له لينظر إليهم، فلما أقبلوا أنشد بيتين له:

стр. 3630

لما بدَتْ تلك الحمولُ وأشرفَتْ … تلك الشموسُ (١) على رُبَى جَيرونِ (٢) نعقَ الغرابُ فقلتُ صِحْ أَوْ لا تَصح … فلقد قضيتُ من الغريم ديوني (٣) وقال الغاز بن ربيعة: جمع يؤيد أهل الشام، ووضع الرأس في طَسْت، وجعل ينكت عليه بالخيزرانة ويُنشد لابن الزِّبَعْرَى من أبيات: ليت أشياخي ببدر شهدوا … وقعة (٤) الخزرج من وَقْعِ الأَسَلْ (٥) قد قَتَلْنا القِرنَ (٦) من ساداتهم … وعَدَلْنا مَيلَ بدرٍ فاعتَدَلْ ومنها -وقد قيل: إن يزيد زاد فيها- هذه الأبيات: لاستهلُّوا ثمَّ طارُوا فرَحًا … ثمَّ قالوا يا يزيدُ لا تُسَلْ (٧) لعنت (٨) هاشمُ بالملك فلا … خبرٌ جاء ولا وحيٌ نَزَل (٩) لَستُ من خِنْدِفَ (١٠) إنْ لم أنتقم … من بني هاشم ما كان فَعَلْ

стр. 3631

وقال ابن أبي الدنيا: ضرب يزيد ثنايا الحسين ﵁ بالقضيب، وأنشد للحُصين بن الحُمام المرِّي: صبرنا وكان الصبرُ منَّا سَجِيَّةً … بأسيافنا يفرين (١) هامًا ومعصَما نُفَلِّقُ هامًا من رؤوس أَعِزَّةٍ … علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما (٢) فلم يبق أحدٌ إلا عابه وتركه. وكان عنده أبو بَززة الأسلميُّ، فقال له: ارفع قضيبَك، فطالما رأيتُ رسول الله ﷺ يقبِّلُ ثناياه، أما إنك ستجيءُ يوم القيامة وشفيعُك ابنُ زياد، ويجيئُ الحسين وشفيعُه محمد ﷺ (٣). وكان عنده عبد الرحمن بنُ الحكم، وكان شاعرًا فصيحًا فأنشده: لَهامٌ بجَنْبِ الطَّفِّ أدْنَى قَرابةً … من ابنِ زيادِ العبدِ ذي النَّسَب الوَغْلِ سُمَيَّةُ أضحى نَسْلُها عددَ الحصى … وبنتُ رسول الله أَمسَتْ بلا نَسْلِ (٤) وصاحَ وبكَى، فضربَ يزيدُ صدرَه، وقال له: يا ابنَ الحمقاء، ما لك ولهذا؟! ثم أُتِيَ (٥) بِثَقَل الحسين ﵁ ومن بقي من أهله، فأُدخِلوا عليه وقد قُرنوا بالحبال، فوقفوا بين يديه، فقال له علي بن الحسين ﵁: أنشدك الله يا يزيد، ما ظنُّك برسول الله ﷺ لو رآنا مقرَّنين بالحبال، أما كان يَرِقُّ لنا؟! فأمر يزيد بالحبال فقطِّعت، وعُرف الانكسار فيه (٦). وقالت سُكينة بنتُ الحسين: يا يزيدُ، أبناتُ رسولِ الله ﷺ سَبايا؟! فقال لها: يا بنتَ أخي: هو واللهِ أشدُّ عليَّ منه عليكِ، واللهِ لو كان بين ابنِ زياد بن سميَّة وبين

стр. 3632

الحسين قَرابةٌ ما فعلَ به وبكم ما فعلَ، ولا أقدمَ على ما أقدمَ عليه، ولكن فرَّقَتْ بينهما سُمَيَّة. فرحم الله أبا عبد الله، واللهِ لو كنتُ صاحبَه ثم لم أقْدِر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عُمري لدفعتُه عنه، ولوَدِدتُ أنَّني أُتيتُ به سِلْمًا. ثم قال لعليِّ بن الحسين ﵄: أبوك قطعني رحمي، ونازعَني سلطاني، فجزاه الله جزاء القطيعة والإثم. فقال رجل من أهل الشام: سِباءُهُم لنا حلال. فقال له عليّ: كذبتَ (١). وأمر يزيد نساء آل أبي سفيان أن يُقمنَ المآتم على الحسين ﵁ ثلاثًا. قالت سُكينة: فما تَلَقَّتْنا منهن امرأةٌ إلَّا وهي تبكي وتنتحب. وكان عند يزيد أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر بن كُريز، فبكت وناحَتْ، فقال يزيد: يحقّ لها أن تُعولَ (٢) على كبير قريش وسيِّدِها. وقالت فاطمة بنتُ الحسين (٣) ﵁ لأمِّ كلثوم: ما تركوا لنا شيئًا. فأبلغت يزيد، فقال: ما أُتيَ إليهم أعظمُ. ثم ما ادَّعَوْا شيئًا ذهب لهم إلا وأضْعَفَه يزيدُ لهم. وقال أبو مِخْنَف: لمَّا جلس يزيد دعا أشرافَ الشام فأجلَسهم حولَه، ودعا بعليِّ بن الحسين، وصبيان الحسين، وبناتِه ونسائه، فأُدخلوا عليه والناس ينظرون إليهم، فقال يزيد لعلي: أبوك قطع رَحِمي، وجهلَ حقِّي، ونازعَني سلطاني، فصنعَ اللهُ به ما رأيتَ. فقال له علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]. فقال يزيد لخالد ابنه: اردد عليه. فما دَرَى خالد ما يقول، فقال له يزيد: قل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] ثم سكت عنه (٤).

стр. 3633

ثم دعا بالنساء والصبيان، فأجلسَهم بين يديه، فرأى هيئةً (١) قبيحة، فقال: قبَّح اللهُ ابنَ مرجانة، لو كان بينكم وبينه رَحِم؛ لما فعلَ بكم هذا. قالت فاطمة (٢): لما أجلسنا بين يديه رَقَّ لنا أوَّل شيء (٣)، ولاطفَنا، فقام إليه رجل من أهل الشام فقال: هبْ في هذه -يعنيني- وكنتُ جارية وضيئة، فأُرعِدتُ وفَرِقْتُ، وظننتُ أنَّ ذلك جائزٌ لهم، وأخذتُ بثياب عمتي زينب، وكانت أكبرَ مني وأعقلَ، فقالت للرجل: كذبتَ وأثِمتَ، ماذاك لك ولا له. يعني يزيد. قالت: فغضبَ يزيد وقال: كذبتِ، إنَّ ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعلَه لفعلتُ. فقالت: كلَّا واللهِ ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرجَ من ملَّتنا وتدينَ بغير ديننا. قالت: فازدادَ غضبًا وقال: أتستقبليني بهذا؟ إنَّما خرج من الدِّين أبوكِ وجدُّكِ (٤) وأخوك. فقالت زينب: بدين جدِّي وأخي وأبي اهتديتَ أنتَ وجدُّك وأبوك، فقال: كذبتِ يا عدوَّةَ الله. فقالت: أنت أميرٌ تشتمُ ظالمًا، وتقهرُ بسلطانك. قالت: فكأنَّه استحيا، فسكت. فأعاد عليه الشاميُّ القول وقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذه الجارية. فقال: اُغْرُبْ، وهبَ الله لك حَتْفًا قاضيًا. قالت: ثم قال يزيد: يا نعمان بن بشير: جَهِّزْهم بما يُصلحُهم، وابعثْ معهم رجلًا من أهل الشام أمينًا صالحًا، وخيلًا وأعوانًا. ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دارٍ على حِدَة؛ معهنَّ أخوهنَّ علي بن الحسين ﵁. [قال:] فخرجن حتى دخلن دار يزيد، فلم تبق امرأةٌ من آل معاوية (٥) إلا استقبلتهنَّ تبكي وتنوح على الحسين ﵁. فأقاموا النياحة عليه ثلاثًا.

стр. 3634

وكان يزيد لا يتغدَّى ولا يتعشَّى إلا مع عليِّ بن الحسين، فدعاه يومًا، ودعا معه عَمرو (١) بن الحسن بن عليّ -وكان غلامًا صغيرًا- وخالدُ بنُ يزيد حاضر، فقال يزيد لعمرو: أتقاتلُ هذا؟ قال: لا، ولكن أعطني سكّينًا، وأعطِه سكّينًا، ثم أُقاتلُه. فضمَّه يزيد إلى صدره وقال: شنْشِنَةٌ أعرفُها من أَخْزَمِ، وهل تلدُ الحيَّةُ إلا حُوَيَّة (٢)؟ ثم جهَّزَهم إلى المدينة، وبعثَ معهم رجلًا من أهل الشام، فكان يرفُق ويلطف، وينزلُ بهم حيث شاؤوا، وينزلُ عنهم ناحية، فقالت فاطمة لزينب: هذا الشاميُّ قد أحسن إلينا، وما مَعنا غير حُلِيِّنا نبعثُ به إليهء فبعثتُ إليه بِدُملُجي (٣) وسِواري، وقلنا: لو أعطيناك الدنيا ما كافيناك، وما معَنا غير هذا. فقال الشاميّ: لو كان الذي فعلتُه معكم للدنيا؛ لكان في حُلِيِّكم ما يرضيني، ولكن واللهِ ما فعلتُه إلا لأجل رسولِ الله ﷺ (٤). ولما فعل يزيد برأس الحسين ﵁ ما فعل، تغيَّرت وجوه أهل الشام، وأنكروا عليه ما فعل، فقال: أتدرون من أين دُهي (٥) أبو عبد الله؟ قالوا: لا. قال: من الفقه والتأويل، كأني به قد قال: أبي خيرٌ من أبيه، وأمِّي خيرٌ من أمِّه، وجدِّي خيرٌ من جدِّه، فأنا أحقُّ بهذا الأمر منه، ولم يلحظ قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فسُرِّيَ عن وجوه أهل الشام (٦). وكانت سُكينة بنت الحسين ﵁ تقول: ما رأيتُ كافرًا بالله خيرًا من يزيد بن معاوية (٧). [وحكى الطبري أيضًا عن هشام، عن أبي مِخْنَف، عن أشياخه قالوا: لما جيء برأس الحسين، دخلوا مسجد دمشق ومروان بن الحكم جالس فيه، فقال: كيف

стр. 3635

صنعتم؟ قالوا: وردُوا علينا، فأتَيْنا على آخرهم. فقام مروان فخرج، وأتاهم يحيى بن الحكم أخو مروان، فقال: ما صنعتُم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حُجبتُم عن محمد يوم القيامة. ثم قام فانصرف. وأُدخلت الرأس على يزيد، فجعل ينكُت بالقضيب في ثغره] (١). [وقال هشام:] ولما أُتيَ بالرأس إلى يزيد؛ كان عنده رسول ملك الروم، فقال: رأسُ مَنْ هذا؟ قالوا: رأسُ الحسين. قال: ومَن الحُسين؟ قالوا: ابنُ فاطمة. قال: ومَنْ فاطمة؟ قالوا: بنتُ محمد. قال: نبيُكم؟! قالوا: نعم. قال: تبًّا لكم ولدينكم! وحقّ المسيح إنكم على باطل، إنَّ عندنا في بعض الجزائر ديرًا فيه حافر حمار ركبه المسيح، فنحن نَحجُّ إليه في كل عام مسيرة شهور وسنين، ونحمل إليه النذور والأموال، ونعظمه أكثر مما تعظمون كعبتكم، أفّ لكم. ثم خرج ولم يعد إلى يزيد. ولما (٢) وُضع الرأسُ بين يدي يزيد كان بالخضراء (٣)، فقهقه حتى سمعه من كان بالمسجد، ولما سمع صوت النوائح عليه أنشد: يا صيحةً تُحمد من صوائحِ … ما أهونَ الموتَ على النوائح (٤) ويقال: إنَّه كبَّر تكبيرةً عظيمة. وكان بدمشق خالد بن غفران (٥) من أفاضل التابعين، ولما أُتِيَ بالرأس اختفى عن أصحابه (٦) أيامًا، ثم ظهر، فسألوه عن سبب اختفائه، فبكى، ثم قال: جاؤوا برأسك يا ابنَ بنتِ محمدٍ … مُتزمِّلًا بدمائه تَزْميلا

стр. 3636

وكأنَّما بك يا ابنَ بنتِ محمدٍ … قتلُوا جِهارًا عامدينَ رسولا قَتلُوك عَطْشَانًا ولم يتَرَقَّبُوا … في قتلك التنزيلَ والتأويلا ويكُبِّرُون بأنْ قُتلتَ وإنَّما … قتلوا بك التَّكبيرَ والتَّهْلِيلا (١) ذكر رجوع السَّبَايا إلى المدينة: قال يزيد لعليِّ بن الحسين: إنْ أحببتَ الإقامةَ عندنا؛ وصَلْنا رَحِمَك، وعَرَفْنا حقَّك، وإنْ أَحْبَبْتَ؛ رَدَدْناك إلى بلدك. فقال. بل تردُّني إلى بلدي. فردَّهم ووصلَهم، وبعث معهم مُحْرز (٢) بن حُريث الكلبي. وخطب يزيد الرَّبابَ بنتَ امرئ القيس زوجةَ الحسين ﵁، فقالت: تقتُلُ زوجي وتنكحني! واللهِ لا كان لي حموًا آخر بعد رسول الله ﷺ (٣). وبعث ابنُ زياد عبدَ الملك بن أبي الحارث السلمي إلى المدينة يبشِّرُ بقتل الحسين ﵁، فلمَّا قدمَ على عَمرو بن سعيد وأخبره؛ قال: نادِ بقتله. فنادى، فلم تُسمع واعيةٌ (٤) قطّ مثل واعية بني هاشم في دورهم. فأنشد عمرو بن سعيد: عَجَّتْ نساءُ بني تميمٍ (٥) عجَّةً … كعجيجِ نسوتنا غَداةَ الأرنبِ واعيةٌ بواعية عثمان. ثم صعد المنبر، فأخبر بقتله.

стр. 3637

وقال ابن سعد (١): بعث يزيد بالسبايا والرأس إلى عمرو بن سعيد، فقام خطيبًا فذكر للناس أمر الحسين ﵁، وقال (٢): واللهِ لوددتُ أنَّ رأسَه على جسده، وروحه في بدنه، يَسُبُّنا ونمدحُه، ويقطعُنا ونَصِلُه، كعادتنا معه وعادته معنا. فقام إليه ابنُ أبي حُبيش أحدُ بني أسد بن عبد العُزَّى، فقال: أما واللهِ لو كانت فاطمةُ حيةً لأحْزَنَها ما ترى. فقال له عَمرو: اسكُتْ لا سكتَّ، واللهِ إنه لَابْنُنا، وأنَّ أمَّهَ لَابنتُنا، واللهِ لقد أحزَنَنا قتلُه، ثم لم نلم من قتله (٣) يدفع عن نفسه، وقد نهيناه فما انتهى (٤). وقال عمرو لما بعث يزيد بالرأس إليه (٥): وددتُ واللهِ أنه لم يبعثْ به إليّ. فقال [له] مروان: اسْكُتْ. ثم تناول مروان الرأس، ووضعَه بين يديه، وأخذ بأرنبة أنفه وقال: يا حبّذا بَردك في اليدينِ … ولونُك الأحمرُ في العينيِنِ واللهِ لكأنّي أنظر إلى أيام عثمان (٦). ثم أمر عَمرو بالرأس فكُفِّن، ثم دُفن بالبقيع. وكان يوم وصول الرأس والسبايا إلى المدينة مثل اليوم الذي مات رسول الله ﷺ . [قال هشام:] وخرجت زينب بنت عقيل [بنت أبي طالب] كاشفةً رأسَها، ناشرةً شعرَها، تصيح: وامحمَّداه، واحُسيناه، واإخوتاه، واأُهيلاه، وتقول: ماذا تقولون إنْ قال النبيُّ لكم: … ماذا فعلتُم وأنتم آخرُ الأممِ بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي … منهم أُسارى وقتلى ضُرِّجُوا بدمِ فلم يبق أحدٌ إلا وبكى (٧).

стр. 3638

[قال أبو اليقظان:] ولما سمع مروان صوت نساء بني هاشم أنشد: ضرب الدَّوْسَرُ فيهم ضربةً … أثبتَت أوتادَ مُلكٍ فاستقرّ (١) ذكر ما ورد في الرأس الشريف: اختلفوا في مكان دفنه على أحوال: أحدُها: بالبقيع، وقيل: عند أمَه فاطمة ﵉ (٢). والثاني: أنَّه ردَّ إلى كَربَلاء، فدُفن مع جسده (٣). والثالث: أنه بدمشق (٤). واختلفت الروايات في أيّ مكان هو: فقيل: وُجد في خزانة يزيد بدمشق، فكفَّنُوه، ودفنوه في باب الفراديس (٥). وقيل: هو بدار الإمارة (٦). وذكر ابنُ عساكر عن رَيَّا حاضنةِ يزيد بن معاوية -وكان بنو أمية يعظِّمونها، وأدركَتْ أوَّلَ خلافة بني العباس- قالت: رأيتُ رأس الحسين مكثَ مدَّةً في خزائن السلاح بدمشق إلى أيام سليمان بن عبد الملك، فأمرَ به فأُخرج، فإذا هو عظم أبيض، فطيّبَه، وجعله في سَفَط، وجعلَ عليه ثوبًا، ودفنَه في مقابر المسلمين. فلما دخلت المُسَوِّدة (٧) دمشق؛ سألوا عن موضعه، فدُلُّوا إليه، فنبشوه وأخذوه، والله أعلم ما صنعوا به (٨).

стр. 3639

[قال ابن عساكر:] (١) عاشت رَيَّا هذه مئة سنة في عزّ بني أميَّة، وكانت من أعقل النساء وأجملهنَّ، وكانت إذا دخلت على هشام بن عبد الملك تجيءُ راكبة، فكلُّ مَنْ رآها من بني أمية قام إجلالًا لها. وأمُّها أدركت النبيَّ ﷺ ، وسمعت من عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. وقال حمزة بن يزيد الحضرمي: لقد شاهدتُها في عزّها كذلك، ثم رأيتُها بعد ذلك مقتولة على درج جَيْرون مكشوفة العورة، وفي فرجها قصبة مغروزة، ويقولون: هذه حاضنة يزيد، قتلَها المسوِّدة لما هجموا دمشق. قال (٢): وبلغَتْ من العمر مئة سنة، وحسنُها وجمالُها باقٍ على نضارته؛ قالت: لما جيء برأس الحسين ﵇؛ وُضع في طَسْت وعليه ثوب، فأحضر بين يدي يزيد بن معاوية، فأمر برفع الثوب عنه، فحين رآه خمَّر وجهَه بكمّه، كأنَّه شمَّ منه رائحة، وقال: الحمد لله الذي كفانا المُؤْنة بغير مُؤْنة ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قالت ريّا: فدنوت منه؛ وإذا رَدْعٌ من حِنَّاء (٣). قال حمزة: فقلت لها: أَقَرَعَ ثناياه بالقضيب؟ قالت: إي [والذي لا إله إلا هو -وفي رواية:] والذي ذهب بنفسه- وأنشدَ أبيات ابنِ الزِّبَعْرى (٤). ولقد جاء رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال ليزيد: قد أمكنك الله من عدوّك وابنِ عدوّ أبيك، فاقتل هذا الغلام ينقطع النسل [-يعني عليَّ بنَ الحسين- فقد رأيتَ ما لقيَ أبوك من أبيه،، فهُم قوم أصحاب مكر، وأهلُ العراق مائلون إليهم، يقولون: ابنُ رسول الله ﷺ ، [ابنُ عليّ]، ابنُ فاطمة. اقتُلْه، فليس هو بأكرمَ من صاحب هذا

стр. 3640

الرأس. فقال له يزيد: لا قمتَ ولا قعدتَ، فإنك ضعيف مهين، بل أَدَعُهم، كلَّما طلع طالع أخدتْه سيوفُ آلِ أبي سفيان. قال: سَمَّت الرجل (١)، ولكن لا أُسمِّيه أبدًا (٢). [وذكَرَتْ حديثَ الرأس، وأنه كان في خزائن السلاح حتى وليَ سليمان بن عبد الملك، فبعث، فجاء به وقد قَحَلَ (٣)، وقد بقي عظم أبيض. وذكرت القصة كما ذكرناها] (٤). وقال أبو كريب (٥): كنتُ في القوم الذين دخلوا يريدون قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكنتُ فيمن نهب الخزائن، فوجدتُ سَفَطًا، فقلت: في هذا غناي. فأخذتُه وخرجتُ من باب توما، وعدلتُ عن الطريق وفتحته، فإذا حريرةٌ عليها مكتوب: هذا رأس الحسين بن علي. فحفرتُ له بسيفي بباب قوما، وواريتُه. وقال أبو حاتم ابنُ حِبَّان (٦): قد اختلف علينا في موضع رأس الحسين ﵁: فمنهم من زعم أنه على رأس عمود بجامع دمشق، عن يمين القبلة. [قال: وقد رأيت ذلك العمود]. ومنهم من زعم أنه في البرج الثالث من السور، على باب الفراديس. ومنهم من زعم أن يزيد دفنه في قبر أبيه معاوية (٧). ومن الناس من قال: إنه نُقل من باب الفراديس في أيام المصريين إلى عسقلان، فأقام في المشهد مدة، فلما خيف على عسقلان من الفرنج، نقلوه إلى القاهرة، وبنَوْا عليه مشهدًا، وهو اليوم يُزار.

стр. 3641

والرابع: أنه بالرَّقَّة في ناحية من المسجد الجامع؛ قال عبد الله بن عمرو الوراق [في كتاب "المقتل"]: لما حضر الرأس بين يدي يزيد قال: لأبعثنَّه إلى آل أبي معيط عوضًا عن رأس عثمان، وكانوا بالرّقَة. فبعث به إليهم، فدفنوه في بعض دورهم، ثم أُدخلت تلك الدار في الجامع. [قال:] فهو إلى جانب سِدرةٍ هناك عليه قنديل، فلا يذهب شتاءً ولا صيفًا. والخامس: أنه بخراسان بمرو. [وهذا قول غريب، ذكره الحافظ السمعاني في "أماليه" وقال: رأس الحسين نُقل من دمشق إلى مَرْو، ودُفن بدار الإمارة، وهو قصر أبي مسلم. قال: و] ذكر المُعافَى أنَّ أبا مسلم لمَّا استولى على الشام حوَّلَه من خزانة الرؤوس إلى مَرْو، وحشاه بالمسك، وكفَّنَه، وصلَّى عليه مرةً بعد مرَّة. وقال كعب البرمكي: قال لي منصور بن طلحة بن طاهر بن الحسين في سنة ستٍّ وخمسين ومئتين ونحن بدار الإمارة بمَرْو: تريد أن أُرِيَك رأس الحسين؟ قلت: نعم. فأمر الغلمان، فحفروا مكانًا حتى بلغوا إلى وَهْدة، فنحَّى الغلمان وأخذ الآَلة بيده، وحفر حتى أفضى إلى طاق، وفيه سَفَط، ففتَحه، فإذا فيه رأسٌ محشوّ بالمسك؛ مكتوب على رقعة ملصقة فيه: هذا رأسُ الحسين بن عليّ بن أبي طالب [قال:] فغلبنا البكاء، وصلَّينا عليه، ثم ردَّه إلى مكانه. قال المصنف ﵀: أنشدني زين الدين (١) النحوي المصري -ويُعرف بابن قطنة- بمصر في سنة أربعين وستِّ مئة: لا تطلبوا المولى الحسين … بأرض شرقٍ أو بغربِ ودعُوا الجميع وعرِّجُوا … نحوي فمشهدُه بقلبي

стр. 3642

حكى مروان بن الوضين (١) قال: نُحرت الإبل التي حُمل عليها رأس الحسين ﵁ والسبايا، فلم يستطع أحد أن يدنوَ منها من نتنها، وصار لحمها أمرَّ من الصَّبِر (٢). [ذكر الحُمرة التي في السماء:] وقال ابن سيرين: لم نر هذه الحُمرة [التي] في السماء قبل أن يُقتل الحسين ﵁ عند طلوع الشمس وغروبها (٣). [ورُوي عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: لم تتراء هذه الحُمرة في السماء حتى قُتل الحسين ﵇] (٤). قال الشيخ أبو الفرج [ابن] الجوزي ﵀ (٥): لمَّا كان الغضبان يحمرُّ وجهه، فيتبيّن بالحُمرة تأثيرُ غضبه، والحقّ سبحانه ليس بجسم، أظهر تأثير غضبه بحمرة الأفق حين قُتل الحسينُ ﵇. وقال هلال بن ذكوان: لما قُتل الحسين ﵁: مُطرنا مطرًا بقي أثرُه في ثيابنا مثل الدم (٦).

стр. 3643

وقال (١): لما قُتل الحسين ﵁: مكثنا شهرين أو ثلاثة كأنما لطّخت الحيطان بالدم. وقال الشعبي: لما قُتل الحسين اسودَّت الدنيا ثلاثة أيام، ورمت السماء رملًا أحمر (٢). وقالت نَضْرة الأزدية: لمَّا قُتل الحسين ﵁ مطرف السماء دمًا، فأصبحت خيامُنا وكلُّ شيء منّا مملوءًا دمًا (٣) [فلعنةُ الله على قاتله وقاتلِ أبيه] (٤). ذكر نَوْح الجنِّ عليه: قال علي بنُ أخي شعيب بن حرب (٥): [ناحت الجن عليه، يعني على الحسين] قالت جنية: جئن نساءُ الجنّ يبكين شجيّات، ويلطمنَ خدودًا كالدنانير نقيّات، ويلبسنَ ثياب الصوف (٦) بعد القصبيات. و [قال جدّي: وروينا في حديث أنه] حُفظ من قول الجنّ: مسحَ النبيُّ جبينَهُ … فله بريقٌ في الخدود أبواه من عَلْيا قريش … جدُّه خيرُ الجدودْ (٧) خرجوا به (٨) وفدًا إليه … فهم له (٩) شرُّ الوفود قتلوا ابنَ بنتِ نبيِّهم … سكنوا به نارَ الخلودْ

стр. 3644

وقالت أمّ سلمة ﵄: سمعتُ نَوْح الجنّ على الحسين ﵇ (١). وقال [هشام، عن] عمرو بن عكرمة: أصبحنا صبيحة قتلِ الحسين ﵁ بالمدينة، فإذا مولاة لنا تُحدِّثنا، فقالت: سمعتُ البارحة مناديًا ينادي من السماء: أيها القاتلون جهلًا حُسينًا … أبشِرُوا بالعذابِ والتنكيلِ كلُّ أهلِ السماء يدعو عليكم … من نبي وملأكٍ وقبيلِ ولُعنتُم على لسان ابنِ داود … وموسى وصاحبِ الإنجيل (٢) فكانوا يُرون أن بعضَ الملائكة قال ذلك. وقالت أمُّ سلمة ﵄: ما سمعتُ نَوْح الجنّ منذ قُبض رسولُ الله ﷺ إلا ليلةَ قُتل الحسين؛ سمعت جنِّيَّة تقول: ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدٍ … ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي على رَهْطٍ تقودُهم المنايا … إلى متجبّر في زيِّ عبدِ (٣) وروي عن محمد المصقلي قال: لمَّا قُتل الحسين ﵁ سمع الناسُ مناديًا ينادي ليلًا، يُسمع صوته ولا يُرى شخصُه يقول: عقَرتْ ثمودٌ ناقةً فاستُؤْصِلُوا … وجرَتْ سوانحُهم بغير الأسعدِ فبَنُو رسولِ الله أعظمُ حُرمَةً … وأجلُّ من أمّ الفَصِيل المُقصَدِ عجبًا لهم ولمَا (٤) جَنَوْا لم يُمسَخُوا … واللهُ يُملِي للطُّغاةِ الجُحَّدِ ذكر منام ابن عباس: قال ابن عبَّاس (٥): رأيتُ رسول الله ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار أشعثَ أغبرَ، بيده قارورة فيها دمٌ يلتقطُه، فقلتُ: يا رسول الله، ما هذه القارورة؟ قال: "دمُ الحسين وأصحابِه، ما زلتُ ألتقطُه".

стр. 3645

قال عمَّار بن أبي عمَّار (١): فنظرنا فإذا قد قُتل الحسين في ذلك اليوم. ذكر أقوال العلماء لمَّا بلغَهم قتلُه: قال عبد الرحمن بن أبي أنعُم: كنتُ شاهدًا عبدَ الله بنَ عُمر وسأله رجل عن دم البعوض [فقال: ممَّن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: هاه! انظروا إلى هذا يسألُني عن دم البعوض] وقد قتلُوا ابنَ رسول الله ﷺ ، وسمعتُه يقول: "هما ريحانَتِي (٢) ". انفرد بإخراجه البخاري. وقالت أمُّ سَلَمة ﵄ (٣): لعن اللهُ أهلَ العراق، قتلُوه؛ قتلَهم الله، أذلُّوه؛ أذلَّهم الله، أو قد فعلُوها؟! ملأَ اللهُ بيوتَهم وقبورَهم نارًا. ثم بكت حتى غُشيَ عليها (٤)، وماتت بعده في هذه السنة (٥). وقال محمد بن عبد الرحمن (٦): لقيني رأس الجالوت، فقال: إن بيني وبين داود سبعين أبًا، وإنَّ اليهود لَتُعَظِّمُني، وأنتم قتلتُم ابنَ نبيكم، وبينكم وبينه أبٌ واحد! وقال رأس الجالوت: كنَّا نسمعُ أنَّه يُقتل بكربلاء ابنُ نبيّ، فكنتُ إذا دخلتُها ركضتُ فرسي حتى أجوزَها، فلما قُتل الحسين جعلتُ أجوزُها على هِينَتي (٧). وقال الزُّهري (٨): لما بلغ الحسنَ البصريَّ وابنَ سِيرين وعلماء البصرة قتلُ الحسين، اجتمعوا وبكَوْا عليه أيامًا.
следующие страницы →