← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

والرابع: أنه بالرَّقَّة في ناحية من المسجد الجامع؛ قال عبد الله بن عمرو الوراق [في كتاب "المقتل"]: لما حضر الرأس بين يدي يزيد قال: لأبعثنَّه إلى آل أبي معيط عوضًا عن رأس عثمان، وكانوا بالرّقَة. فبعث به إليهم، فدفنوه في بعض دورهم، ثم أُدخلت تلك الدار في الجامع. [قال:] فهو إلى جانب سِدرةٍ هناك عليه قنديل، فلا يذهب شتاءً ولا صيفًا. والخامس: أنه بخراسان بمرو. [وهذا قول غريب، ذكره الحافظ السمعاني في "أماليه" وقال: رأس الحسين نُقل من دمشق إلى مَرْو، ودُفن بدار الإمارة، وهو قصر أبي مسلم. قال: و] ذكر المُعافَى أنَّ أبا مسلم لمَّا استولى على الشام حوَّلَه من خزانة الرؤوس إلى مَرْو، وحشاه بالمسك، وكفَّنَه، وصلَّى عليه مرةً بعد مرَّة. وقال كعب البرمكي: قال لي منصور بن طلحة بن طاهر بن الحسين في سنة ستٍّ وخمسين ومئتين ونحن بدار الإمارة بمَرْو: تريد أن أُرِيَك رأس الحسين؟ قلت: نعم. فأمر الغلمان، فحفروا مكانًا حتى بلغوا إلى وَهْدة، فنحَّى الغلمان وأخذ الآَلة بيده، وحفر حتى أفضى إلى طاق، وفيه سَفَط، ففتَحه، فإذا فيه رأسٌ محشوّ بالمسك؛ مكتوب على رقعة ملصقة فيه: هذا رأسُ الحسين بن عليّ بن أبي طالب [قال:] فغلبنا البكاء، وصلَّينا عليه، ثم ردَّه إلى مكانه. قال المصنف ﵀: أنشدني زين الدين (١) النحوي المصري -ويُعرف بابن قطنة- بمصر في سنة أربعين وستِّ مئة: لا تطلبوا المولى الحسين … بأرض شرقٍ أو بغربِ ودعُوا الجميع وعرِّجُوا … نحوي فمشهدُه بقلبي

стр. 3642

حكى مروان بن الوضين (١) قال: نُحرت الإبل التي حُمل عليها رأس الحسين ﵁ والسبايا، فلم يستطع أحد أن يدنوَ منها من نتنها، وصار لحمها أمرَّ من الصَّبِر (٢). [ذكر الحُمرة التي في السماء:] وقال ابن سيرين: لم نر هذه الحُمرة [التي] في السماء قبل أن يُقتل الحسين ﵁ عند طلوع الشمس وغروبها (٣). [ورُوي عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: لم تتراء هذه الحُمرة في السماء حتى قُتل الحسين ﵇] (٤). قال الشيخ أبو الفرج [ابن] الجوزي ﵀ (٥): لمَّا كان الغضبان يحمرُّ وجهه، فيتبيّن بالحُمرة تأثيرُ غضبه، والحقّ سبحانه ليس بجسم، أظهر تأثير غضبه بحمرة الأفق حين قُتل الحسينُ ﵇. وقال هلال بن ذكوان: لما قُتل الحسين ﵁: مُطرنا مطرًا بقي أثرُه في ثيابنا مثل الدم (٦).

стр. 3643

وقال (١): لما قُتل الحسين ﵁: مكثنا شهرين أو ثلاثة كأنما لطّخت الحيطان بالدم. وقال الشعبي: لما قُتل الحسين اسودَّت الدنيا ثلاثة أيام، ورمت السماء رملًا أحمر (٢). وقالت نَضْرة الأزدية: لمَّا قُتل الحسين ﵁ مطرف السماء دمًا، فأصبحت خيامُنا وكلُّ شيء منّا مملوءًا دمًا (٣) [فلعنةُ الله على قاتله وقاتلِ أبيه] (٤). ذكر نَوْح الجنِّ عليه: قال علي بنُ أخي شعيب بن حرب (٥): [ناحت الجن عليه، يعني على الحسين] قالت جنية: جئن نساءُ الجنّ يبكين شجيّات، ويلطمنَ خدودًا كالدنانير نقيّات، ويلبسنَ ثياب الصوف (٦) بعد القصبيات. و [قال جدّي: وروينا في حديث أنه] حُفظ من قول الجنّ: مسحَ النبيُّ جبينَهُ … فله بريقٌ في الخدود أبواه من عَلْيا قريش … جدُّه خيرُ الجدودْ (٧) خرجوا به (٨) وفدًا إليه … فهم له (٩) شرُّ الوفود قتلوا ابنَ بنتِ نبيِّهم … سكنوا به نارَ الخلودْ

стр. 3644

وقالت أمّ سلمة ﵄: سمعتُ نَوْح الجنّ على الحسين ﵇ (١). وقال [هشام، عن] عمرو بن عكرمة: أصبحنا صبيحة قتلِ الحسين ﵁ بالمدينة، فإذا مولاة لنا تُحدِّثنا، فقالت: سمعتُ البارحة مناديًا ينادي من السماء: أيها القاتلون جهلًا حُسينًا … أبشِرُوا بالعذابِ والتنكيلِ كلُّ أهلِ السماء يدعو عليكم … من نبي وملأكٍ وقبيلِ ولُعنتُم على لسان ابنِ داود … وموسى وصاحبِ الإنجيل (٢) فكانوا يُرون أن بعضَ الملائكة قال ذلك. وقالت أمُّ سلمة ﵄: ما سمعتُ نَوْح الجنّ منذ قُبض رسولُ الله ﷺ إلا ليلةَ قُتل الحسين؛ سمعت جنِّيَّة تقول: ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدٍ … ومَنْ يبكي على الشهداء بعدي على رَهْطٍ تقودُهم المنايا … إلى متجبّر في زيِّ عبدِ (٣) وروي عن محمد المصقلي قال: لمَّا قُتل الحسين ﵁ سمع الناسُ مناديًا ينادي ليلًا، يُسمع صوته ولا يُرى شخصُه يقول: عقَرتْ ثمودٌ ناقةً فاستُؤْصِلُوا … وجرَتْ سوانحُهم بغير الأسعدِ فبَنُو رسولِ الله أعظمُ حُرمَةً … وأجلُّ من أمّ الفَصِيل المُقصَدِ عجبًا لهم ولمَا (٤) جَنَوْا لم يُمسَخُوا … واللهُ يُملِي للطُّغاةِ الجُحَّدِ ذكر منام ابن عباس: قال ابن عبَّاس (٥): رأيتُ رسول الله ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار أشعثَ أغبرَ، بيده قارورة فيها دمٌ يلتقطُه، فقلتُ: يا رسول الله، ما هذه القارورة؟ قال: "دمُ الحسين وأصحابِه، ما زلتُ ألتقطُه".

стр. 3645

قال عمَّار بن أبي عمَّار (١): فنظرنا فإذا قد قُتل الحسين في ذلك اليوم. ذكر أقوال العلماء لمَّا بلغَهم قتلُه: قال عبد الرحمن بن أبي أنعُم: كنتُ شاهدًا عبدَ الله بنَ عُمر وسأله رجل عن دم البعوض [فقال: ممَّن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: هاه! انظروا إلى هذا يسألُني عن دم البعوض] وقد قتلُوا ابنَ رسول الله ﷺ ، وسمعتُه يقول: "هما ريحانَتِي (٢) ". انفرد بإخراجه البخاري. وقالت أمُّ سَلَمة ﵄ (٣): لعن اللهُ أهلَ العراق، قتلُوه؛ قتلَهم الله، أذلُّوه؛ أذلَّهم الله، أو قد فعلُوها؟! ملأَ اللهُ بيوتَهم وقبورَهم نارًا. ثم بكت حتى غُشيَ عليها (٤)، وماتت بعده في هذه السنة (٥). وقال محمد بن عبد الرحمن (٦): لقيني رأس الجالوت، فقال: إن بيني وبين داود سبعين أبًا، وإنَّ اليهود لَتُعَظِّمُني، وأنتم قتلتُم ابنَ نبيكم، وبينكم وبينه أبٌ واحد! وقال رأس الجالوت: كنَّا نسمعُ أنَّه يُقتل بكربلاء ابنُ نبيّ، فكنتُ إذا دخلتُها ركضتُ فرسي حتى أجوزَها، فلما قُتل الحسين جعلتُ أجوزُها على هِينَتي (٧). وقال الزُّهري (٨): لما بلغ الحسنَ البصريَّ وابنَ سِيرين وعلماء البصرة قتلُ الحسين، اجتمعوا وبكَوْا عليه أيامًا.

стр. 3646

وقال الحسن: واذلَّ أمةٍ قتل ابنُ دَعِيِّها ابنَ نبيِّها (١)، واللهِ لَيُردّنَّ رأسُ الحسين إلى جسده، ثم لينتقمنَّ له جدُّه وأبوه يومَ القيامة من ابنِ مرجانة. وقال عمر بنُ عبد العزيز ﵁: لو كنتُ في قتلة الحسين ودُعيتُ إلى دخول الجنة؛ لما دخلتُ حياءً من رسول الله ﷺ أن تقعَ عيني في عينه (٢). ولما بلغ قتلُ الحسين ﵁ الربيعَ بنَ خُثيم بكى (٣) وقال: لقد قتلوا صِبْيَةً لو رآهم رسول الله ﷺ لأحبَّهم ولأطعمهم بيده، وأجلسهم على فخذه، ووضع فمه على أفمامهم. [وفي رواية (٤): قال:] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] الآية. قال أبو العلاء المعري: أرى الأيامَ تفعلُ كلَّ نكرٍ … فما أنا في العجائبِ مستزيدُ أليس قُريشُكم قتلت حُسينًا … وكان على خلافتكم يزيدُ! ذكر مراثيه: تفقَّد عُبيد الله بنُ زياد بعد قتل الحسين ﵁ أشراف (٥) أهل الكوفة، فلم ير عُبيد الله بن الحرّ، ثم جاءه بعد أيَّام فقال: أين كنت؟ فقال: كنت مريضًا. قال: مريض القلب، أو الجسد؟ فقال: أمَّا قلبي فلم يمرض، وأمَّا بدني فقد مَنَّ اللهُ عليه بالعافية. فقال: كذبت، ولكنك كنتَ مع عدوِّنا. فقال: لو كنتُ مع عدوّك لرُئيَ مكاني، لأنَّ مثل مكاني لا يخفى.

стр. 3647

وغفل عنه ابنُ زياد، فخرج وقعد على فرسه (١) فقال: أين ابنُ الحرّ؟ قالوا: خرج فقال: عليَّ به. فخرج الشُّرَطُ إليه وقالوا: أجب الأمير. فدفع فرسه وقال: قولوا له: واللهِ لا آتيه طائعًا أبدًا (٢). وسار في أصحابه، فأتى كربلاء، فوقف على مصارع القوم، واستغفر لهم، ثم سار إلى المدائن فنزلها؛ قال: يقول أميرٌ غادرٌ أيُّ غادرٍ (٣) … ألا كنتَ قاتلتَ الحسين بنَ فاطِمَهْ ونفسي على خِذْلانِهِ واعتزالِهِ … وبيعةِ هذا الناكثِ العهدِ لائمَهْ فيا ندمي ألا أكون نصرتُهُ … ألا كلُّ نفسٍ لا تُسَدِّدُ نادِمَه وإني على أن لا أكن من حُماتِهِ … لذو حسرةٍ ما إن تفارقُ لازمَهْ سقى الله أرواح الذين تأزَّرُوا … على نصرهِ سُقيا من الغيثِ دائمَهْ وقفتُ على أجداثهم ومجالهم … وكاد الحشا ينقضُّ (٤) والعينُ ساجِمَهْ لعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوَغَى … سِراعًا إلى الهيجا حُماةً ضَراغِمَهْ تآسَوْا على نصرِ ابنِ بنتِ نبيِّهم … بأسيافهم آسادَ غِيلٍ خضارمَهْ (٥) فإنْ يُقتلوا فكلُّ نفسٍ تقيَّةٍ … على الأرض قد أضْحَتْ لذلك واجمَهْ وما إنْ رأى الراؤون أفضلَ منهمُ … لدى الموتِ ساداتٍ وزُهْرًا قماقِمَهْ أتقتلُهم ظلمًا وترجو ودادَنًا … فدَع خِطَّةً ليست لنا بملائمِهْ لعمري لقد راغمتُمونا بقتلهم … فكم ناقمٍ منَّا عليكم وناقِمَهْ أهُمُّ مرارًا أنْ أسيرَ بجحفلٍ … إلى فئة زاغت عن الحقِّ ظالِمَهْ فكُفُّوا وإلَّا زُرْتُكُم في كتائبٍ … أشدَّ عليكم من زحُوفِ الدَّيالِمَهْ

стр. 3648

وكان الحسين ﵁ قد لقي عُبيد الله بن الحرّ الجُعفيَّ هذا، فدعاه إلى القتال معهم، فامتنع خوفًا من ابن زياد، وكان ابنُ زياد قد جهَّزه لقتال الحسين ﵁، فلم يشهد ذلك، فلما قُتل الحسين ﵁؛ ندم حيث لم ينصره (١)، فقال الأبيات، وقال أيضًا: فيا لكِ حسرةً ما دمتُ حيًّا … تردَّد بين حلقي والتَّراقي حسينًا حين يطلبُ بذلَ نصري … على أهل العداوة والشِّقاقِ ولو أنّي أُواسيه بنفسي … لنلتُ كرامةً يوم التَّلاقِ مع ابنِ المصطفى نفسي فِداهُ … فولَّى ثم ودَّعَ للفراقِ غداةَ يقول لي بالبر قولًا … أتتركُنا وتُزمِعُ بانطلاقِ فلو فلقَ التَّلهُفُ قلبَ حيٍّ … لهَم اليوم قلبي بانفلاقِ فقد فاز الأُلى نصروا حسينًا … وخابَ الآخرون أولو النفاقِ (٢) شهد عُبيد الله بنُ الحُرّ صفِّين مع معاوية، وكان شجاعًا فاتكًا عثمانيًّا، وكان قد تزوَّج امرأةً من أهل الكوفة يقال لها: الدرداء، وغاب عنها مدَّة بالشام، فزوّجها أخوها من رجل، وبلغ عُبيدَ الله، فقدم على عليّ ﵇، فقال له: أنت المُظاهر علينا عدوَّنا؟! قال: أَمَنَعَني ذلك عدلَك؟! ما كفرتُ بالله. فقال له: صدقتَ. وأخبره خبر المرأة، فدعا بها عليّ رضوان الله عليه، فإذا هي حامل من الزوج الثاني، فوضعَها على يَدَي عدل، وقضى بها لعُبيد الله. فلما ولدت دفع الولد إلى الزوج الثاني، وكان يقال له: عكرمة بن خميص (٣)، ووهبت المرأةُ صَدَاقها من الزوج الثاني، وأخذها عُبيد الله، وخرج إلى الشام، ثم عاد (٤). ومن شعر عُبيد الله: تبيت النَّشَاوَى (٥) من أميَّة نُوَّمًا … وبالطَّفِّ قتلى ما ينامُ حميمُها

стр. 3649

وما ضيَّع الإسلامَ إلا قبيلُها … تأمَّرَ نَوْكاها (١) ودامَ نعيمُها وأضحَتْ قناةُ الملك في كفّ ظالمٍ … إذا اعوجَّ منها جانبٌ لا يُقيمُها فأقسمتُ لا تنفكُّ نفسي حزينةً … وعينيَ تبكي لا يجفُّ سُجُومُها (٢) وقال [المدائني عن] رجل من أهل المدينة: خرجتُ أريدُ اللَّحاق بالحسين ﵁ لما توجَّه إلى العراق، فلما بلغت (٣) [الرَّبَذة] إذا برجل جالس [هناك] فقال لي: يا عبد الله، لعلك [تريدُ] أن تُمِدَّ الحسين؟ قلت: نعم. قال: وأنا كذلك، ولكن اقعد، فقد بعثتُ صاحبًا في (٤)، والساعةَ يقدُم بالخبر. [قال:] فلم تمض ساعة؛ وإذا بصاحبه قد أقبل وهو يبكي، فقال له: ما الخبر؟ فقال: واللهِ ما جئتُكم حتى بَصُرتُ به … في الأرض مُنْعَفِرَ الخدَّينِ منحورا وحولَه فتيةٌ تَدمَى نحورُهُمُ … مثل المصابيح يغشَوْن الدُّجَى نُورا وقد حَثَثْتُ قَلُوصي كي أُصادفَهم … من قبل ما ينكحون الخُرَّدَ الحُورَا يا لَهْفَ نفسيَ لَوْ أنِّي لحقتُهمُ … إذًا لَحُلِّيتُ إذْ حُلُّوا أساويرا فقال الرجل المجالس: اذْهبْ فلا زال قبر أنت ساكنُهُ … إلى القيامةِ يُسْقَى الغيثَ ممطورا في فتيةٍ بذلُوا للهِ أنفسَهم … قد فارقوا المال والأهلينَ والدُّورا وقال عقبة بن عمرو (٥) العبسي [ويقال: إنه أول من رثاه، فقال هذه الأبيات]: إذا العينُ قرَّت في الحياة وأنتمُ … تخافون في الدنيا فأظلمَ نورُها مررتُ على قبر الحسين بكَربَلا … ففاضَ عليه من دموعي غزيرُها وما زلت أبكيه وأرثي لشجوهِ … وتسعد عيني دمعُها وزفيرُها

стр. 3650

وناديتُ من حول الحسين عصائبًا … أطافَتْ به من جانبيه قبورُها سلامٌ على أهل القبور بكَرْبَلا … وقلَّ لها منِّي سلامٌ يزورُها سلامٌ بآصال العشياتِ والضُّحى … تُؤدِّيه نَكْبَاءُ الرِّياح ومُورُها ولا برح الزُّوَارُ زوَّارُ قبرِهِ … يفوحُ عليهم مسكُها وعَبِيرُها وقال سليمان (١) يرثيه: مررتُ على ألياتِ آلِ محمدٍ … فلم أَرَها كعهدِها يومَ حَلَّتِ فلا يُبعدُ اللهُ الدِّيارَ وأهلَها … وإنْ أصبحتْ عنهم برغمي تخلَّتِ ألا إنَّ قتلى الطَّفِّ من آلِ هاشمٍ … أذلَّتْ رقابَ المسلمين فذلَّتِ وكانوا غياثًا ثمَّ أضْحَوْا رَزِيَّةً … لقد عَظُمَتْ تلك الرَّزايا وجلَّتِ إذا افْتَقَرَتْ قيسٌ جَبَرْنا فقيرَها … وتقتلُنا قيسٌ إذا النَّعلُ زَلَّتِ وعند غنيٍّ قَطْرةٌ من دمائنا … سنجزيهمُ يومًا بها حيثُ حَلَّتِ ألم تر أنَّ الأرضَ أضْحَتْ مريضةً … لفقد حسينٍ والبلادُ اقْشَعَرَّتِ فإنْ تُتبعوه عائذَ البيت تُصبحوا … كعادٍ تَعَمَّتْ عن هُداها فضلَّتِ وقد أعولَتْ تبكي السماءُ (٢) لفقدهِ … وأنجمُهما ناحت عليه وصلَّتِ (٣) وقال أبو الأسود الدِّيلي. أقولُ وذاك من جَزَعٍ ووَجْد … أزال اللهُ ملك بني زيادَ وأبعدَهم كما غَدَرُوا وخانُوا … كما بَعِدَتْ ثمودُ وقومُ عادِ هُمُ خَشَمُوا الأنوف وهنَّ شُمٌّ … بقتلِ ابنِ القِعاسِ أخي مراد (٤) قتيلِ السُّوق يا لك من قتيلٍ … به نَضْحٌ مِنَ احمرَ كالجِساد وأهلُ نبيِّنا من قبلُ كانوا … ذوي كرمٍ دعائمَ للبلادِ

стр. 3651

حسينٌ ذو الجدود وذو المعالي … يزين الحاضرين وكلَّ نادِ أصابَ العزَّ مهلكُه فأضحى … عميدًا بعد مصرعه فؤادي (١) وقال الشيخ أبو الفرج ابنُ الجوزيّ في "التبصرة" (٢) كلمات فيها: إنما رحلَ الحسينُ ﵁ إلى القوم لأنه رأى الشريعةَ قد دَثَرَتْ ورُفضت، فجدَّ في رفعِ قواعدِ أصلِها الجدّ، فلما حضروه حصروه، فقال: دعُوني أرجع. فقالوا: لا، ألا انْزِلْ (٣) على حكم ابنِ زياد. فاختارَ القتل على الذُّلّ، وهكذا النفوسُ الأبيَّة. وأنشد: ولما رأى بعضَ الحياة مَذَلَّةً … عليهم وعِزَّ الموتِ غيرَ مجرَّمِ أَبَوْا أن يذوقوا العيشَ والذمُّ واقعٌ … عليه وماتوا مِيتةً لم تُذَمَّمِ ولا عجبٌ للأسْدِ إنْ ظفرتْ بها … كلابُ الأعادي من فصيحٍ وأعجمِ فحَرْبَةُ وَخشِيٍّ سَقَتْ حمزةَ الرَّدَى … وحَتْفُ عليٍّ في حُسام ابنِ مُلْجَمِ قال (٤): وقد روينا أنَّ صخرة وُجدت قبل مبعثِ النبي ﷺ بثلاث مئة سنة، عليها مكتوب باليونانية أو العبرانية: أيرجو معشرٌ قتلُوا حسينًا … شفاعةَ جدِّه يومَ الحساب (٥)؟! [وأنشد جدِّي في "التبصرة" (٦):] لا بدَّ أنْ تردَ القيامة فاطمٌ … وقميصُها بدمِ الحسين ملطَّخُ ويلٌ لمن شفعاؤه خصماؤهُ … والصُّورُ في يوم القيامة يُنفخُ ونقلتُ من على ظهر مجلّد الخالِدِيَّين (٧) في هذا المعنى:

стр. 3652

إذا تفكَّرُ في مصابهمُ … أتعبَ زندَ الهمومِ قادحُهُ بعضُهمُ قُرِّبتْ مصارعُهُ … وبعضُم بَعُدَتْ مطارحُهُ أظلم في كربلاء يومُهمُ … ثم تجلّى وهم ذبائحُه لا بَرِحَ الغيثُ كلَّ ناحيةٍ … تهمي عواديه أو روائحُه على ثرًى حَلَّهُ ابنُ بنتِ رسو … لِ الله مجروحةٌ جوارحهُ ذَلَّ حُماهُ وقلَّ ناصرهُ … ونال أقصى مُناهُ كاشحُهُ عفَّرتمُ بالثرى جبين فتًى … جبريلُ بعد النبيِّ ماسحُهُ يظلّ ما بينكم دمُ ابن رسو … ل الله وابنُ السفَّاح سافحُهُ سِيَّانِ عند الأنام كلِّهمُ … خاذلُه منكمُ وناصحُهُ (١) وقال (٢): لقد جمعوا في ظلم الحسين ما لم يجمعه أحد، ومنعوه أن يرد الماء فيمن ورد، وأن يرحل عنهم إلى بلد، وسَبَوْا أهله وقتلوا الولد، وما هذا حدَّ دفعِ عن الولاية، هذا سوء معتقَد. نبع الماء من بين أصابع جدِّه، فما سقَوْه منه قطوة، وكم لاح لهم نور هداية، فما ولَّوا وجوههم شطرَه. [وقال: كان الرسول ﷺ من محبَّته للحسين يُقَبِّلُ شفتيه، ويحملُه كثيرًا على كتفيه، ولمَّا مشى طفلًا بين يدي المنبر نزل إليه، فلو رآه ملقًى على أحد جانبيه؛ شديد العطش والماءُ حاضر لديه، وأطفاله يضجُّون بالبكاء حواليه، والسيوف تأخذه والأعداء تميل عليه، والخيلُ قد وطئت صدره ومشت على يديه، ودموعه تجري على خدّيه؛ إذًا لصاح الرسول وعزَّ عليه]. وكان الحسين ﵇ شاعرًا مُفلِقًا، فمن شعره: كلَّما زِيدَ صاحبُ المال مالًا … زِيدَ في همِّه وفي الاشتغالِ قد عرفناكِ يا منغِّصةَ العَيـ … ـشِ ويا دارَ كلِّ فانٍ وبالِ ليس يصفو لزاهدٍ طلبُ الزُّهْـ … ـد إذا كان مثقلًا بالعيالِ (٣)

стр. 3653

ودفع إلى سائل عشرة آلاف درهم، فقالت له فضَّة جاريتُه: أسرفتَ! فقال: إذا جمعَتْ مالًا يداي ولم أنَلْ … فلا انبسطَتْ كفِّي ولا نَهضَتْ رِجْلي أريني بخيلًا نال خُلْدًا بِبُخْلِهِ … وهاتي أَرِيني باذلًا ماتَ من بَذْلِ على الله إخْلَافُ الذي أَتْلَفَتْ يدي … فلا مُهْلِكي بَذْلي ولا مُخْلدي بُخْلي (١) ذكر أولاد الحسين ﵁: [قال علماء السِّيَر:] كان له خمس ذكور وابنتان: علي الأكبر؛ قُتل مع أبيه بكربلاء، ولا عقب له، وأمُّه آمنة بنت أبي مرَّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأمُّها بنتُ أبي سفيان بن حرب، وفيها يقول حسان بن ثابت: طافَتْ بنا شمسُ النهارِ، ومَنْ رأَى … من الناس شمسًا بالعشاء تطوفُ؟ بنو أمِّها أوْفَى قريشٍ بذمَّةٍ … وأعمامُها إمَّا سأَلْتَ ثقيفُ (٢) وأما عليُّ الأصغر بنُ الحسين ﵁، فهو زين العابدين، والنسلُ له، وأمُّه أمُّ ولد، يقال لها: السُّلافة. وقيل: غزالة، سنديَّة. وأما جعفر بن الحسين؛ فمات صغيرًا، ولا بقيَّة له، وأمُّه السلافة؛ امرأة من قُضاعة. وأما عبد الله؛ فقُتل يوم الطَّفِّ مع أبيه، وأمُّه الرَّباب بنتُ امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُليم، وهي أمُّ سُكَينة بنتِ الحسين، وفيهما يقول الحسين ﵁: لعمركَ إنني لَأُحِبُّ دارًا … تَحُلُّ بها سُكينةُ والرَّبابُ أُحبِّهمُ وأبذُل فوق جهدي … وليس لعاتبٍ عندي عتابُ ولستُ لهم وإنْ عَتِبُوا مطيعًا … حياتي أو يغيِّبني الترابُ (٣)

стр. 3654

وأما فاطمة بنتُ الحسين؛ فأمُّها أم إسحاق بنتُ طلحة بن عُبيد الله التيّمي، من العشرة (١). وكان الحَسَنُ بن الحَسَن قد خطب إلى عمِّه الحُسين ﵁ إحدى ابنتيه، فأخرجَ لي فاطمةَ وسُكينةَ، وخيَّره، فاختار فاطمةَ، فزوَّجه إيَّاها، فولدت له عبدَ الله، وإبراهيمَ، وحَسَنًا، وزينب؛ بني الحَسَن بن الحَسَن، ثم ماتَ الحَسَن بن الحَسَن، فتزوَّجها عبدُ الله بنُ عَمرو بن عثمان؛ زوَّجها منه ولدُها عبدُ الله بنُ حَسَن بنِ حَسَن، فولدَتْ له محمدًا الدِّيباج [سُمّي بذلك] لحسنه (٢). وكان عبدُ الله بن حسن يقول: لقد زوَّجتُها من عبد الله بن عَمرو، وما أحدٌ أبغضَ إليَّ منه، وما أحدٌ أحبَّ إليَّ اليوا منه ومن ولده محمدٍ الدِّيباج (٣). وقال [أبو] القاسم (٤): لمَّا احتُضر حَسَنُ بن حَسَن؛ قال لفاطمة بنتِ الحسين: إنكِ امرأةٌ مرغوب فيكِ، وكأنّي بعبد الله بن عَمرو بن عثمان إذا خرجَتْ جِنازتي قد جاء على فرس مُرجَّلًا لابسًا حُلَّةً (٥)، يتعرَّضُ لك، وإنِّي لا أدعُ شيئًا من الدنيا همًّا غيرَكِ، ولا تنكحيه. فحلفَتْ له بالأيمان المغلَّظة من العِتاق والصَّدَقة، بعتق عبيدها وإمائها وصدقة مالِها أنَّها لا تتزوَّجُه. فلما خرجت الجِنازة جاء عبد الله بن عَمرو على الصِّفَة التي ذكرها الحَسَن وهي حاسرة تضربُ وجْهها، وأرسل إليها: غطِّ وجهك، فلنا فيه رأي.

стр. 3655

فاسترخت يداها، وعُرف ذلك فيها، وغطَّت وجهها، فلما حلَّت للأزواج؛ أرسلَ إليها فخطَبها، فقالت له: قد حلفتُ الأَيمانَ التي قد علمتَ. فقال: أنا أُخْلِفُ لك عن كلِّ شيء شيئين. فتزوَّجَها، فولدَتْ له محمدًا الدِّيباج؛ قتله المنصور (١). وقال الزُّبير بن بكَّار: ضربت عليه (٢) فسطاطًا، وأقامَتْ سنةً، فلما مضتْ السنة، انصرفت، فسمعوا قائلًا يقول: هل وجدوا ما طلبوا؟ فأجابه آخر وقال: بل يئسوا وانقلبوا (٣). وأراد (٤) عمر بنُ عبد العزيز ﵁ أن يتزوَّجها، وكتب إلى الوليد يستأذنه (٥)، فجاء الجواب وقد تزوَّجت عبدَ الله بنَ عمرو بن عثمان. وقال الزبير أيضًا: خطبها جماعة، فقالت: على ابن عمِّي دَين، فمن قضاه تزوَّجْتُه. فقال لها عبد الله بن عَمرو بن عثمان: كم دينُه؟ قالت: ألف ألف درهم. فاستكثرها. فقال له عُمر بن عبد العزيز: ويحك! فاطمة بنتُ الحسين بنِ فاطمة؛ انتهِزْها. فأرسل إليها بالمال، فقضت دينَ ابنِ عمِّها، وتزوَّجَها. ثمّ خلف عليها بعده ابنُ أبي عتيق البكري، فولدَتْ له آمنة (٦). أسند الحديث ﵇ عن رسول الله ﷺ ، فأخرج له أحمدُ بنُ حنبل ﵀ سبعةَ أحاديث: فمنها عن ربيعة بن شيبان قال: قلت للحسين بن عليّ: ما تعقلُ من رسول الله ﷺ ؟ قال: صَعِدتُ غُرفَةً، وأخذتُ تمرةً من تمر الصدقة، فلُكتُها في فيَّ، فقال النبيُّ ﷺ : "ألْقِها، فإنَّا لا تحلُّ لنا الصدقة".

стр. 3656

ومنها: قال حسين بنُ علي: قال رسول الله ﷺ : "للسائل حقّ ولو جاء على فرس". ومنها: عن علي بن الحسين، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "البخيلُ مَنْ ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ" (١). وقال ابنُ عساكر (٢): حدَّثَ الحسين بنُ عليّ عن رسول الله ﷺ ، وعن أبيه. وروى عنه ابنُه عليُّ بن الحسين، وابنتُه فاطمة، وابنُ أخيه زيد بن الحسن، وسعيد بنُ خالد، وطلحة بن عُبيد الله العُقيلي، وهمام بن غالب الفرزدق، وغيرُهم. وفد الحسين ﵁ على معاوية، وتوجّه غازيًا إلى القسطنطينيّة في الجيش الذي كان أميرُه يزيد بن معاوية (٣). وممَّن اسمُه الحسين بنُ علي جماعة كثيرة، منهم: الحسين بن عليّ بن محمد بن أبي المضاء، أبو علي البعلبكّي (٤)، من بعلبكّ. كان فاضلًا عالمًا، مات في سنة سبع وأربعين وأربع مئة. الحسين بن علي بن كوجك، ويعوف بالكوجكي. حدَّث بطرابلس سنة تسع [وخمسين] وثلاث مئة (٥) عن أبيه، وعن أبي بكر الصنوبري الشاعر، وغيره. وكان فصيحًا، ومن شعره: وما ذاتُ بعلٍ مات عنها فُجاءةً … وقد وجدَتْ حَمْلًا دُوَيْن الترائبِ بأرضٍ نأَتْ عن والدَيها كلاهما (٦) … تعاورها الورَّاثُ من كلِّ جانبِ فلمَّا استبانَ الحملُ منها تنهنهوا … قليلًا وقد دبُّوا دبيب العقاربِ فجاءتْ بمولودٍ غلامٍ فأحرزَتْ … تراث أبيه الميتِ دون الأقاربِ

стр. 3657

فلما غدا للمال ربًّا ونافست … لإعجابها فيه عيون الكواعبِ (١) وأصبح مأمولًا يُخاف ويُرتَجَى … جميلَ المُحيَّا ذا عِذارٍ وشاربِ أُتيح له عَبْل الذراعين فخْدِرٌ (٢) … جريءٌ على أقرانه غير هائبِ فلم يبقَ منه غير عظم مجزَّرٍ … وجُمجمةٍ ليست بنات ذوائبِ بأوجعَ منِّي يومَ ولَّتُ حُدوجُهم (٣) … يؤمُّ بها الحادون وادي غباغبِ ذكر استدعاء يزيد بن معاوية عُبيد الله بن زياد: بعد قتل الحسين ﵁ كتب يزيد بنُ معاوية إلى ابن زياد: أمَّا بعد، فإنك قد ارتفعت إلى غايةٍ أنتَ فيها كما قال الأول: رُفعتَ فجاوزتَ السحابَ وفوقَهُ … فما لكَ إلا مرقب الشمس مقعدُ فإذا وقفتَ على كتابي هذا، فاقْدَمْ عليَّ لأُجازيَك على ما فعلت. فقدم عليه ابن زياد في أرباب دولته وجميع بني أمية … (٤) فخرجوا إليه، ولما دخلوا على يزيد؛ قام له واعتنَقَه، وقبَّل ما بين عينيه، وقبَّل ابنُ زياد يدَه، وأجلَسه معه على سريره وقرَّبه، وأدناه، وأجلسه معه على سريره في الخضراء، وكان منادمَه (٥). وقال يزيد ليلة للمغنِّي: غنِّ. وقال للساقي: اسقني. ثم قال: اسقني شربة تُروِّي فؤادي … ثم عُدْ واسْقِ مثلَها ابنَ زيادِ موضع السرِّ والأمانةِ منّي … وعلى ثغر مغنمي وجهادي وأقام عنده شهرًا (٦)، فوصله بألف ألف درهم، ومثلها عروضًا وجواهر ودوابًّا (٧) وعبيدًا، وأطلق له خَراج العراق سنة، وعاد إلى العراق.

стр. 3658

ذكر تعزية عبد الله بنِ الزُّبير لعبد الله بن عباس ﵃: قال ابن أبي مُلَيكة: بينا عبد الله بنُ عبَّاس في المسجد الحرام يتوقَّع خبر الحسين ﵁؛ أتاه آت فسرَّه بشيءٍ، فاسترجع، فقلنا: ما حدث يا أبا العباس؟ قال: مصيبةٌ عظيمة عند الله نحتسبُها، أخبرني هذا أنه سمع عبد الله بن الزُّبير يقول: قُتل الحسين بنُ عليّ. فلم يبرح مكانَه حتى جاء عبد الله بنُ الزُّبير، فعزَّاه، ثم انصرف، فقام ابنُ عباس، فدخل منزلَه، ودخلَ عليه الناس يُعزُّونه. ولقي المسورُ بنُ مَخْرَمة ابنَ الزُّبير، فقال له: قد جاء ما تحبُّ. فقال ابنُ الزبير: إليَّ تقولُ هذا! فواللهِ لوَدِدتُ أن يبقى الحسين ما بقيَ بالحِمَى (١) حجر، واللهِ ما تمنَّيتُ ذلك. قال: فأنتَ أشرتَ عليه بالخروج إلى العراق. قال: نعم، ولكن ما علمتُ أنه يُقتل، ولم يكن بيدي أجلُه، ولقد جئتُ ابنَ عبَّاس فعزَّيتُه، فعرفت أنَّ ذلك يثقُل عليه مني، ولو تركتُ تعزيته [قال:] مثلي يُترك تعزيتُه بحسين؟! فما أصنعُ بهم يا أبا عبد الرحمن وهم أخوالي (٢) وأسرتي، وصدورُهم وغِرَةٌ على وما أدري على أيِّ شيء. فقال له المسور (٣): الأمور تمضي، وبرَّ أَخوالك (٤)، فأبوك قد كان أحمدَ لهم منك. انتهت ترجمة الحسين ﵇. حمزة بن عَمرو بن عُويمر الأسلميّ من الطبقة الثالثة من المهاجرين. قال حمزة: لما كنَّا في تبوك ونفَّر المنافقون بناقة رسول الله ﷺ في العقبة حتى سقطَ بعضُ متاعِه؛ قال حمزة: فنُوِّرَ لي في أصابعي الخمس، فأضاءت حتى جعلتُ ألقُطُ ما شذَّ من المتاع: السَّوط، والحَبْل، وأشباه ذلك.

стр. 3659

وحمزة هو الذي بشَّر كعب بنَ مالك بالتوبة، ونزع [كعب] ثوبيه، فكساه إيَّاهما (١). وقدم حمزة الشام غازيًا، وهو كان البشير إلى أبي بكر الصديق ﵁ بوقعة أجنادين (٢). وقيل غيره. وقدم حمزة مصر لغزو إفريقية سنة سبع وعشرين (٣). وقال: كنتُ مع رسول الله ﷺ في سفر، فكان يعتقبني على راحلته، وسمَّاني مُتعبًا، فكان يقول: "تعال يا مُتعب فاركب". فكان أحبَّ أسمائي إليَّ (٤). ومات سنة إحدى وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة. وقيل: ابن ثمانين سنة (٥). أسند الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ وروى عن أبي بكر، وعُمر ﵄. و [روى عنه] ابنُه محمد بنُ حمزة، وسليمان بنُ يسار، وعروة بنُ الزبير، وأبو سلمة بنُ عبد الرحمن (٦). الشَّريد بن سُوَيْد الثَّقفيّ كنيتُه أبو عَمرو، وهو الذي أردفَه رسولُ الله ﷺ خلفَه، وأنشدَه من شعر أميَّة بن [أبي] الصَّلْت. أسند الحديث عن رسول الله ﷺ (٧). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي قال: سمعتُ عَمرو بنَ الشريد يذكر عن أبيه قال: استنشدني رسولُ الله ﷺ من شعر أميَّة، فأنشدتُه، فكلَّما أنشدتُه بيتًا قال: "هيه". حتى أنشدتُه مئة قافية، فقال: "إنْ كادَ لَيُسْلِمُ". انفرد بإخراجه مسلم (٨).

стр. 3660

وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا هُشَيم (١)، عن يعلى بن عطاء، عن عَمرو بن الشريد، عن أبيه قال: كان في وفد ثَقِيف رجلٌ مجذوم، فأرسلَ إليه رسول الله ﷺ : "ارجِع، فقد بايعناك". انفرد بإخراجه مسلم (٢). المنذر بن الجارود العبدي من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة. وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وكنيته أبو الأشعث، وقيل غير ذلك. كان المنذر جوادًا سيّدًا، ولَّاه عليٌّ ﵇ إصطخر، فلم يأته أحد إلا وصله، ثم ولاه عُبيد الله بنُ زياد ثغر الهند، فتوفيَ هناك في سنة إحدى وستين -أو [أول] اثنتين وستين- وهو ابنُ ستين سنة. وكان من أمراء عليّ رضوان الله علمِه يومَ الجمل على عبد القيس، ووفدَ على معاوية. ولما ولاه عُبيد الله بنُ زياد ثغرَ الهند خرج معه يُشيِّعُه، فتعلَّق لواؤه بشيء، فاندقَّ، فاسترجع عُبيد الله وقال: لا يرجع إليكم المنذرُ أبدًا. فما رجع (٣). نوفل بن معاوية ابن عمرو بن صخر بن يَعْمَر بن نُفاثة بن عدي بن الدِّيل. كان أبوه معاوية علي بني الدِّيل في يوم الفِجار، له يقول تأبط شرًّا: فلا وأبيها ما نزلنا بعامرٍ … ولا عامرٍ ولا النُّفْاثيّ (٤) نَوْفلِ

стр. 3661

ونوفل من الطبقة الثالثة من المهاجرين، شهد فتحَ مكةَ وحنينًا والطائف مع رسول الله ﷺ ، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق مع المشركين. وكان له ذِكْر ومكانة، ثم أسلم وحسُن إسلامُه، وحجَّ مع أبي بكر ﵁ سنة تسع، ومع رسول الله ﷺ سنة عشر، وعاش مئة وعشرين، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام. وتوفي في هذه السنة (١). أسند نوفل عن رسول الله ﷺ أحاديث. وابنُه سَلْمَى بن نوفل؛ كان من أجواد العرب، وفيه يقول الشاعر: تُسَوَّدُ أقوامٌ وليسوا بسادةٍ … بلِ السَّيِّدُ المحمودُ سَلْمَى بنُ نَوْفَلِ (٢) السنة الثانية والستون فيها سارَ عَمرو بنُ سعيد بن العاص إلى الشام لمَّا ولَّى يزيدُ بنُ معاوية الوليدَ بن عتبة بن أبي سفيان الحجاز. [و] لمَّا قدم الوليد بنُ عُتبة المدينةَ أخذَ غلمانًا لعمرو بن سَعِيد، فحبَسَهم، وحبسَ مواليَه، فأرسلَ إليه عَمرو: أَطْلِقْ مواليَّ وغلماني، فامتنع، وقال: لا بأس عليك، فلا تجزع، فقال أخوه أبانُ بنُ سعيد: أخي عَمرو يجزع! واللهِ لو قبضتُم على الجمر، وقبضَ عليه؛ ما تركَه حتى تتركوه. فخرج عمرو من المدينة نحو الشام، فنزل على ليلتين من المدينة، وكتب إلى غلمانه ومواليه، وكانوا نحوًا من ثلاث مئة رجل: قد بعثتُ إليكم ثلاث مئة جمل، فإذا أناخت بالمدينة، فاكسِرُوا باب الحبس واخرجوا، وليركب كل واحد جملًا، والحقُوني.

стр. 3662

ولما وصلت الجمال؛ كسروا باب الحبس وركبوها، وخرجوا يطلبونه، فوجدوه قد تقدَّمهم، فساروا خلفَه. وقدم على يزيدَ بن معاوية، فرحَّب به وأكرمه وأدنى مجلسه، وعاتبه على تقصيره في أشياء كان يأمرُه بها في ابن الزبير، فلا يُنفذ منها إلا ما أراد، فقال له: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإنَّ جُلَّ أهل الحجاز قد مالوا إليه وبايعوه سرًّا وعلانية، وأعطَوْه الرِّضى، ولم يكن معي من الجند ما أتقوَّى بهم عليه لو ناهصتُه، وقد كان يحذر مني، وكنت أُدارِيه وألطف به لأتمكَّن منه، أو تلوح لي فرصة فأثبَ عليه، وقد بعثتَ الوليد، وسترى من خبره ما تعرفُ به مبالغتي [في أمرك] ومناصحتي لك. فشكره يزيد وقال: أنت أصدقُ ممَّن رمى إليَّ عنك (١) هذه الأشياء، وحملني بها عليك، وأنت ممَّن أثقُ به وأرجو معونته، وأدَّخرُه لرأب الصَّدْع وكفاية الهمّ، وكشف النوازل العظام. فقال له عَمرو: ما أرى أحدًا أولى بالقيام في (٢) مديد سلطانك وتوهين كيد عدوِّك مني. وأقام عمرٌو عنده. وأما الوليد بن عتبة فوام أمرَ ابنِ الزبير؛ فلم يقدر لاحترازه وشدَّة امتناعه (٣). وفيها خرج نَجْدةُ بنُ عامر الحنفي الحروريُّ باليمامة لمَا قُتل الحسين ﵁، وكان على رأي الخوارج، وقام معه أهلُ اليمامة، وثار ابنُ الزبير بمكَّة. وافترقَ الناس ثلاث فِرَق في الموقف، فكان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يُفيض من المُعَرَّف (٤) ويفيض معه عامة الناس، وابنُ الزبير واقف في أصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابة، ثم يفيض ابن الزبير بعد الوليد ويفيض نجدة بعد ابن الزبير.

стр. 3663

وكان نَجْدَةُ يلقَى ابنَ الزُّبير كثيرًا يتحدَّثان، حتى ظنَّ أكثرُ الناس أنه سيُبايعُه (١). وفيها عزل يزيد الوليدَ بنَ عتبة عن الحجاز، وسببُه أنَّ ابن الزُّبير افتعل كتابًا على لسان أهل الحجاز إلى يزيد بن معاوية: أمَّا بعد، فإنَّك بعثتَ إلينا رجلًا أخرقَ، لا يتِّجه لأمر رَشَد، ولا يرعوي لِعظةِ الحليم، فلو بعثتَ إلينا رجلًا سهلَ الأخلاق، ليِّنَ الكَنَف؛ رَجَوْنا أنْ يتسهَّل من الأمور ما توعَّر منها، وأن يجمع ما تفرَّق، فانظر في ذلك، فإنَّ فيه صلاحَ خواصِّنا وعوامِّنا إن شاء الله تعالى. فعزل الوليدَ، وولَّى عثمانَ بنَ محمد بن أبي سفيان، فقدم الحجاز حَدَثًا غِرًّا، لم يُحنّكه السّنّ، ولم تهذِّبه (٢) التجارب، ولم تضرِّسه (٣) الأمور، فكان لا يكاد ينظر في شيء من أمر السلطان، ولا من أمرِ العمل. فأرسل عثمانُ جماعةً من أهل المدينة وافدين على يزيد، منهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبدُ الله بنُ أبي عَمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ، والمنذر بن الزبير بن العوَّام، والمِسْوَر بنُ مَخْرمة، ورجالًا من أهل الشَّرَف، فلما دخلوا على يزيد أكرمهم، وأحسنَ إليهم، وأعظمَ جوائزَهم، فا نصرفوا من عنده، وقدموا كلُّهم المدينة إلا المنذرَ بنَ الزُّبير، فإنه قدم البصرة على عُبيد الله بن زياد، وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف درهم. فلمَّا قدم أولئك النفر المدينة؛ أظهروا شتمَ يزيد وعيبه، وقالوا: إنّا (٤) قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشربُ الخمر، ويعزف بالطنابير، وتعزف عنده القِيان، وإنَّا نشهدكم (٥) أننا قد خلعناه. فبايعهم (٦) الناس.

стр. 3664

وكان يزيد قد أجازَ عبد الله بنَ حنظلة بمئة ألف درهم، وكان معه ثمانية، فأجاز كلَّ واحد منهم بعَشَرَة آلاف درهم سوى الكسوة. فلما قدم المدينة سأل الناسُ عنه، فقال: واللهِ لقد أتيتُكم من عند رجل لو لم أجدْ غيرَ بنيَّ هؤلاء لجاهدتُه بهم. فقالوا: قد أعطاك ووصلك! فقال: واللهِ ما قبلتُ ذلك منه إلا لأتقوَّى به عليه (١). ثم أظهر الباقون شتمه وعيبه، وقالوا: قدمنا من عند فاسق يشربُ الخمر، ويلعب بالطنابير والكلاب والقرود، وقد خلعناه كما خلعنا نِعالنا. فامتلأ المسجد بالنِّعال. قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة المخزومي: لما وثبَ أهل المدينة ليالي الحرَّة، فأخرجوا بني أمية عن المدينة وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة، وأسندوا أمرهم إليه، فبايعهم على الموت وقال: يا قوم اتقوا الله، فواللهِ ما خرَجْنا على يزيد حتى خِفْنا أن نُرْمَى بالحجارة من السماء، إنَّ رجلًا ينكح الأمهات والبنات والأَخَوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، لحقيقٌ بالقتال والقتل. واللهِ لو لم يكن أحدٌ من الناس لأبليتُ للهِ فيه بلاءً حسنًا. فتواثب الناسُ يومئذٍ يُبايعون من كل النواحي. وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلا في المسجد، وما كان يزيدُ على شَرْبةٍ من سَوِيق (٢)، يُفطر عليها إلى مثلها من الغد يؤتى بها في المسجد، وكان يصومُ الدهر، وما رُئيَ رافعًا رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى وإخْباتًا (٣). وأما المنذر بن الزُّبير؛ فإنه أقام عند عُبيد الله بن زياد بالبصرة يُكرمه ويُحسن إليه، وكان صديقًا له. فبينا هو عنده إذ جاء كتابُ يزيد بن معاوية -حين بلغه ما فعل ابنُ حنظلة والجماعة الذين كانوا معه- إلى ابن زياد يأمره أن يُوثِق المنذر بنَ الزبير وبحبسَه عنده حتى يأمرَ فيه بما يراه، فكره ابنُ زياد ذلك وكونه ضيفه، فأقرأَه كتابَ يزيد، وأخبرَه أنه كارهٌ لذلك، وقال له: قد أصبحتَ لي ضيفًا، وكنتَ وادًّا لأبي، [و] قد أسديتُ إليك

стр. 3665

معروفًا، وأُحبُّ أنْ اتبعه بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فسَلْني أن تلحقَ ببلادك، فإذا قلتُ: أقم عندنا فلك الكرامة، فقل: لي ضَيعة وشُغْل، ولابدَّ من انصرافي. فلما اجتمع الناس قام فقال له ذلك، وقال له ابن زياد: أقم عندنا فلك الكرامة والمواساة، فقال: لا بدَّ لي من الانصراف. فأذِنَ له. فقدم المدينة، فكان ممَّن يحرِّضُ الناسَ على يزيد ويقول: واللهِ لقد أجازني بمئة ألف درهم، وما يمنعني ما صنع أن أُخبركم بحاله، واللهِ إنه ليشربُ الخمر، ويسكر، ويدع الصلاة. وبلغ يزيدَ، فقال: اللهمَّ إني أكرمتُه وآثرتُه، ففعل وقال ما قد علمتَ، اللهمَّ فجازه على الكذب والقطيعة (١). ذكر قدوم النعمان بن بشير المدينة: ولما فعل أهل المدينة ما فعلوا قال يزيد للنعمان: ائتِ عِدادَ الناس ثم قومَك (٢)، فائتهم فافْثَأْهُم (٣) عمَّا هم فيه وما يريدون، فإنَّ قومك إنْ لم ينهضُوا في هذا الأمر لم يتجاسر أحد على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أوثر أن ينهض في هذه الفتنة فيهلك. فادْعُهم إلى الطاعة وخوِّفهم الفتنة والفرقة وسفك الدماء. فقدم النعمان المدينة، فدعا قومه، وخوّفهم الفتتة وقال: لا طاقة لنا بأهل الشام، وإنما أنا رجلٌ منكم. فقال له عبد الله بنُ مطيع العدويُّ: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وإفسادِ ما أصلحَ اللهُ من أمرنا؟! فقال له النعمان: أما واللهِ لكأني بك إذا أقبلت الرجال تضربُ مفارق القوم وجباههم بالسيوف، وقد دارَتْ رحى المنون بين الفريقين؛ قد هربتَ على بغلتك تضرب جنبيها إلى مكة، وخلَّفْتَ هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سككها وعلى أبواب دورهم وفي مساجدهم. فكان كما قال. وانصرف النعمان إلى يزيد فأخبره الخبر (٤).

стр. 3666

ثم إنّ أهل المدينة اجتمعوا عند المنبر وخلعوا يزيد مرة ثانية، وكان يزيد لما شهد عليه الجماعة بشرب الخمر وفيهم المِسْور بن مخرمة؛ كتب إلى عامله عثمان بن محمد أن حُدَّ المِسْورَ حدَّ شاربِ الخمر. فجلده ثمانين، فقال ابن أبي عزَّة (١): أيشربُها صفراءَ كالمِسْكِ ريحُها … أبو خالد ويُضربُ الحدَّ مسورُ (٢)؟! ولم يوافقهم عبد الله بنُ عمر ﵄، فقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جُويرية، عن نافع قال: لمَّا خلعَ الناسُ يزيد بنَ معاوية؛ جمعَ عبد الله بنُ عمر بنيه وأهلَه، ثم تشهَّد وقال: أمَّا بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بَيع الله ورسوله، وإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الغادرَ يُنصبُ له لواءٌ يومَ القيامة يقال: هذه غَدْرَةُ فلان". وإنَّ من أعظم الغدر أن يُبايع رجلٌ رجلًا على بَيع الله ورسوله، ثم ينكث بَيعَتَه. فلا يخلعن أحدٌ منكم يزيدَ، ولا يُشرفنَّ أحدٌ منكم في هذا الأمر، فيكون صَيْلَمٌ (٣) بيني وبينه. أخرجاه في الصحيحين (٤). وفيها ولد محمد بن عبد الله بن عباس (٥) والد الخلفاء من بني العباس. وفيها وُلد عمر بنُ عبد العزيز ﵁، وقيل في السنة الماضية. وفيها كتب يزيد إلى عُبيد الله بن زياد أن يغزوَ عبد الله بنَ الزبير بمكة بجند العراق، فقال ابن زياد: لا والله، لا أجمعُهما للفاسق؛ قَتْلَ ابنِ رسولِ الله ﷺ وقتل ابن حواريِّه، وغزوَ بيتِ الله. وكانت أمّه مَرْجانة امرأةَ صِدْقٍ، فشاورَها، فقالت: ما كفاك ما فعلتَ بابن رسول الله ﷺ حتى تفعل ذلك (٦)؟!

стр. 3667

وحجَّ بالناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ولم يمكِّنه ابن الزبير من دخول مكة، فوقف ناحية. وكان عمال هذه السنة عمال السنة الماضية. وفيها توفي بُرَيدَة بنُ الحُصَيْب من الطبقة الثانية من المهاجرين. قدم المدينة بعد بدر وأُحُد، وأقامَ عند رسول الله ﷺ ، فغزا معه مغازيَه كلَّها بعد بدر وأُحُد. واستعمله رسولُ الله ﷺ على أسارى المُرَيسِيع، وكان معه يومَ الفتح لواءُ أسلم، ولم يزل مقيمًا معه بالمدينة حتى مات رسول الله ﷺ ، ومُصِّرت البصرة، فنزلَها، واختطَّ بها، ثم خرج إلى خراسان، وعبر النهر غازيًا، ومات بمَرْو (١)، ودُفن في مقبرة جِصِّين (٢). وأسند عن رسول الله ﷺ مئة وستةً وستين حديثًا (٣)، منها حديث التُّرك. قال الإمام أحمد ﵀ (٤): حدثنا أبو نُعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "يسوقُ أمتي قومٌ عِراضُ الوجوه، صِغارُ الأعين، كأنَّ وجوهَهم الحَجَف، ثلاث مرات، حتى يلحقوا بهم بجزيرة العرب. أما السائقة الأولى؛ فينجو من هرب منهم، وأما الثانية؛ فيهلك بعض وينجو بعض. وأما الثالثة؛ فيُصطَلَمُون (٥) كلُّهم من بقي منهم".

стр. 3668

قالوا: يا نبيَّ الله، من هم؟ قال: "هم التُّرك. أَمَا والذي نفسي بيدء ليَربِطُنَّ خيولَهم إلى سواريَ مساجد المسلمين". قال: وكان بُريدةُ لا يفارقه بعيران وثلاثة (١)، ومتاع السفر، والأسقية، يُعدُّ ذلك لهربٍ (٢)، مما سمع من النبيِّ ﷺ من البلاء من الترك. ومن مسانيده: قال: قال رسول الله ﷺ : "النفقةُ في الحجِّ كالنفقة في سبيل الله بسبع مئة ضعف" (٣). الرَّبيع بن خُثَيم الكوفي الثوري، من الطبقة الأولى من التابعين، كنيتُه أبو يزيد، وكان عالمًا فاضلًا، زاهدًا عابدًا، ورعًا خاشعًا. وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول للربيع: يا أبا يزيد، لو أنَّ رسول الله ﷺ رآك لأحبَّك، وما رأيتُك إلا وذكرتُ المُخْبِتين. وكان إذا رآه قرأ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] (٤). وكان إذا جاء إلى باب ابن مسعود يقول عبد الله للجارية: مَنْ بالباب؟ فتقول: ذاك الشيخ الأعمى. من خشوعه (٥). وقال أبو حيَّان التيمي [عن أبيه قال:] ما سمعتُ الربيعَ يذكر شيئًا من الدنيا قطّ، إلا أنه قال يومًا: كم للتَّيْم مسجد (٦)؟ وكان يقول: اتقوا السرائر اللاتي يَخفَين من الناس، وهنَّ للهِ بوادي. قيل له: وما دواؤهنَّ؟ قال: أن تتوبَ ثم لا تعود (٧).

стр. 3669

وقال إبراهيم التَّيمي: أخبرَني من صحبَ الرَّبيع عشرين عامًا، فما سمعَ منه كلمة تُعاب. وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحنا مذنبين، نأكلُ أرزاقَنا وننتظر آجالنا. وكان الربيع يتهجد في الليل، فمرت به هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، فلم يزل يُردِّدُها حتى أصبح. وكان يُعجبه السُّكّر يأكلُه، فإذا جاءه السائلُ يناولُه منه، فقيل له: ما يصنعُ بالسكر؟ فيقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]. وكان يبكي حتى يبلَّ لحيته بالدموع ويقول: أدركنا قومًا نحن في جانبهم لصوص (١). وقال له عَزْرة (٢): أوص لي بمصحفك. فنظر إلى ابنه وقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وأصابه الفالج، فقيل له: لو تداويتَ. فقال: قد مضت عادٌ وثمودُ وأصحابُ الرَّسّ وقرونٌ بين ذلك كثيرًا، كانت فيهم الأوجاع، وكان فيهم الواصف والموصوف له، فما بقي أحدٌ منهم (٣). وقالت سُرِّيَّةُ الربيع: كان عملُه كلُّه سرًّا، إنْ كان الرجل لَيَجيءُ وقد نشر المصحف، فيغطِّيه بثوبه (٤). وما رُئي متطوّعًا في مسجد قومه إلا مرَّة واحدة (٥). وكان يقول: التمسوا الذنوب بالتوبة على أن لا تعودوا إلى مثلها. وكانت العصافير إذا سجد جاءت فوقعت على ظهره (٦).

стр. 3670

وقالت له أمُّه: يا بنيّ، ألا تنام الليل؟! فقال: يا أمَّاه، مَنْ جَنَّ عليه الليل وهو يخاف البيات حُقَّ له أن لا ينام، فلما رأَتْ ما به من القلق والسَّهَر قالت: يا بنيّ، لعلك قتلتَ قتيلًا؟! فأقول: نعم. فتقول: من هو حتى يتحمَّل أهلُك عنك دِيَتَه؟ فيقول: هي نفسي (١). إن جهنم لا تدعني أنام (٢). وقال أبو عبد الله السُّلَمي: ضرب الربيعَ الفالجُ، فطال وجعُه، فاشْتَهى دجاجةً، فشَوَوْها له، فلما وضعوها بين يديه جاء سائل فقال: تصدَّقوا عليَّ. فقال: ادفعوها إليه. فقالت سُرِّيَّتُه: أنا أُعطيه ثمنها وكُلْ أنتَ شهوتَك. فقال: هات الثمن. فأحضرته، فقال: ادْفعي الجميع إلى السائل (٣). وكان قميصُه يساوي ثلاثة دراهم. وقال له أصحابه: لو جالستنا؟ فقال: لو فارق قلبي ذكر الموت ساعة لفسد. وكان يقول: أنا بعصافير المسجد آنسُ بهم من أهلي. وقال أبو وائل: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع، فمررنا بالحدادين، فوقف الربيع ينظر إلى الحديد كيف يخرج من الكير، فمال الربيع حتى كاد يسقط. ومررنا على أتُون تلتهب نارًا، فقرأ ابن مسعود: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، فصَعِقَ الربيع من الظهر إلى المغرب (٤). وتوفي الربيع بالكوفة في هذه السنة، ورَوَى عن ابن مسعود وغيره، وكان مشغولًا بالعبادة عن الرواية (٥).

стр. 3671

عبد الله بن سَخْبَرَة الأزدي الكوفي أبو مَعْمَر، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. كان ورعًا فاضلًا، وكان إذا حدَّث بالحديث وفيه لَحْن؛ حدَّث اقتداءً بما سمع (١). روى عن علي، وعُمر، وابنِ مسعود، وخبَّاب، وأبي مسعود، وعلقمة ﵃. وقد روي أنه سمع أبا بكر الصديق ﵁ يقول: كفرٌ بالله ادِّعاءُ نسبٍ لا يُعرف. قال ابن سعد (٢): وليس ذلك عندي يثبت. يعني سماع ابن سَخْبَرَة من أبي بكر رضوان الله عليه. عقبة بن نافع بن عبد قيس الفِهْريُّ أسلم يوم الفتح، وهو من الطبقة الرابعة من الصحابة (٣). وأمُّه من لَخْم، وكان أبوه نافع مع هبَّار بن الأسود لمَّا نَخَسَ بعيرَ زينب ﵍ بنتِ رسول الله ﷺ لمَّا خرجت من مكَّة مهاجرة، وكان نافع أخا العاص بن وائل السَّهْمي لأمّه. وشهد عقبة فتح مصر، وبعثه عَمرو بنُ العاص إلى أرض النُّوبة، فبلغ ما بين بَرْقة وزَويلة (٤). ولما وليَ معاويةُ بعث عقبةَ إلى إفريقية، ففتحَها واختطَّ القيروان، وبنى بها المساكن. ثم عزلَه معاوية، وولَّى مَسْلَمةَ بنَ مُخَلَّد مصرَ وإفريقية. وكان لمسلمة مولى يقال له: دينار، ويكنى أبا المهاجر، فأساء عزلَ عقبة (٥).

стр. 3672

فرجع عقبة إلى معاوية، فقال له: إني فتحتُ البلاد وبنيتُ المساجد وفعلتُ وفعلتُ، فأساء عزلي، فاستحيى معاويةُ منه وقال: ارجع إلى عملك. فرجع. وقيل: أنه أقام حتى مات معاوية، وولَّاه يزيد إفريقية سنة اثنتين وستين، ومضى إليها، وقيَّد أبا المهاجر وأوثقَه، ثم خرج عن إفريقية، فعرض له كُسَيلَة الأودي (١) في جمع من البربر، والتقَوْا، فقُتل عقبة، وقتل أبوالمهاجر في قيوده. وقال الواقدي: كان عمر ﵁ قد منع الناسَ غزوَ إفريقية شفقةً عليهم، فلما مات غزاها عثمان بعبد الله بن سعد. فلما قدم معاوية ولَّى عقبةَ بنَ نافع إفريقية، فخرج إليها في عشرة آلاف من المسلمين، فافتتحها واختطَّها، وبنى مكان قيروانها، وكان موضعُه غَيضَة عظيمة لا تُرام من السِّباع والحيَّات والحشرات، فدعا عقبةُ اللهَ تعالى، فخرج ما كان فيها بإذن الله تعالى حتى إنْ كانت السِّباع لتحمل أولادَها. وكان عقبة قد وقف على الغَيضَة وقال: مَنْ وجدناه ها هنا، من الجنّ قتلناه، فارتَحِلُوا. وكان عقبة مجاب الدعوة (٢). وقال خليفة: لما قيَّد [أبا] المهاجر وكبَّلَه؛ غزا السُّوس الأدنى وهو معه مُوثَق بالحديد، وكان حَنِقًا عليه -والسُّوس خلف طَنْجة- فلم يعرض له أحد، فانصرف راجعًا إلى إفريقية، فلما انتهى إلى تَهُوذة -وهي على ثمانية أيام من إفريقية- أمر أصحابَه فتفرَّقوا عنه، ولم يبقَ معه إلا نفرٌ يسير، فبلغ كُسَيلَةَ، وكان نصرانيًّا، فعرض له في جمع من الروم والبربر، فاقتتلوا، وقُتل عقبة، وأبوالمهاجر في قيوده. ثم سار كُسَيلةُ إلى القيروان، فلقيَه زُهير بن قيس على بريد من القيروان، فقتلَ زهيرٌ كُسَيلةَ وأصحابَه قتلًا ذريعًا (٣).

стр. 3673

وفتح عقبةُ غالبَ بلاد البربر، والقيروان اليوم هي التي اختطَّها عقبة بنُ نافع. علقمة بن قيس ابن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان النَّخَعي، أبو شِبْل، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. قال ابنُ سعد: كان عبد الله بنُ مسعود يُشْبِهُ رسولَ الله ﷺ (١) في هَدْيه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان علقمة يُشَبَّهُ بعبد الله. يقال: إنه وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو عمُّ عبد الرحمن والأسود ابنَي يزيد (٢) بن قيس، وخالُ إبراهيم النَّخَعي. وكان علقمة والأسود يسافران مع ابن مسعود، وحجَّا مع أبي بكر وعمر ﵄ (٣). وحجَّ علقمة مع عمر ﵁ ثلاث حجج، وصلى خلفه سنين، وكان من أكابر أصحاب ابن مسعود. وكان إذا قرأ عليه يقول: رتِّلْ، فداؤك أبي وأمي، فإنك زين القرَّاء (٤). وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألون علقمة يستفتونه، وكان من الرَّبَّانيِّين (٥). وقال منصور: قلتُ لإبراهيم: شهدَ علقمةُ صفِّين؟ قال: نعم، وقاتلَ حتى خَضَبَ سيفَه دمًا، وقُتلَ (٦) فيها أخوه [أُبيُّ] بنُ قيس. وقيل لعلقمة: لو دخلتَ على الأمير فأمرته بخير، فقال: لن أُصيبَ من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من ديني أفضل منه (٧).

стр. 3674

وأقام علقمة بمرو سنتين يصلي ركعتين، وقيل: بخوارزم (١). وكان يختم القرآن في كل ستّ -أو سبع أو خمس- ليال (٢). وكان في بيته يعلفُ لغنمه، ويفتُّ لهنَّ (٣). وكان بعين واحدة، ومات بالكوفة سنة اثنتين وستين. وقيل: ما بين الستين إلى السبعين (٤). أسند علقمة الحديث عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وحُذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وخبَّاب، وسلمان الفارسيّ، وأبي مسعود، وعائشة ﵁، فِي آخرين. وروى عنه علماء الكوفة، والنَّخَعي، والشعبي، وغيرهما (٥). عَمرو بن حزم ابن زيد الأنصاري، من الطبقة الثالثة من الأنصار، وكنيتُه أبو الضحَّاك، وأمُّه خالدة بنت أبي أنس، من بني ساعدة. استعملَه رسول الله ﷺ على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة (٦)، وكتب له كتابًا مشهورًا عند أهل العلم في الصدقات والدِّيَات. وكان يُعلِّم أهلَ نجران السنن، ويأخذُ منهم الصدقات، وتوفّي رسولُ الله ﷺ وهو عاملُه على نجران (٧).

стр. 3675

ومات عمرو بالمدينة في هذه السنة (١). وكان له من الولد محمد، وقُتل يوم الحَرَّة، وخالد، وعبد الله، ومعاوية، وسلمان (٢)، ومَعْمَر، وعامر، وحضرمي، وأمّ كلثوم، وعمارة، وخالدة، وحارثة، وحبيبة، وحفصة، ونائلة، وجميلة. أسند عمرو الحديث عن رسول الله ﷺ . مَسْلَمة بن مُخَلَّد [ابن] الصامت الأنصاري، أبو معمر، ذكره ابنُ سعد فيمن نزل من الصحابة بمصر (٣)، وحكى عنه أنه قال: أسلمتُ وأنا ابنُ أربع سنين، وماتَ رسولُ الله ﷺ وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ سنة. وقد روى مَسْلَمةُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وتحوَّل إلى مصر، فنزلَها، وكان من أهل خربتا، ثم صار إلى المدينة، فمات بها (٤). وشهد صفّين مع معاوية أميرًا على أهل فلسطين، وكان في الميسرة (٥). وقد قيل: إنه لم يشهدها.

стр. 3676

وأقام واليًا على مصر خمس عشرة سنة، واختطَّ بها، وتوفي بها وهو أميرٌ عليها. وقيل: مات بالإسكندرية سنة اثنين وستين في ذي القَعْدة. وقال مجاهد: صليتُ خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة في الصلاة، فما ترك منها واوًا ولا ألفًا (١). أسند مسلمةُ الحديث عن رسول الله ﷺ ، فأخرج له الإمام أحمد ﵀ حديثًا واحدًا؛ قال (٢): حدثني محمد بنُ بكر، أخبرنا [ابن] جُريج، عن المنكدر، عن أبي أيوب الأنصاريّ، عن مسلمة بن مخلد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من سترَ مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومَنْ نجَّى مكروبًا فكَّ الله عنه كُرْبَةً من كُرَب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". أمُّ سَلَمة رضوان الله عليها زوج النبي ﷺ ، واسمُها هند بنت أبي أمية. [قال ابن سعد (٣): واسم أبي أمية] سهيل (٤) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر (٥) بن مخزوم. وكان يقال لأبيها: زاد الراكب؛ لأنَّ رفيقه لا يحتاج معه في السفر إلى زاد. وأزواد الراكب من قريش ثلاثة: هذا، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأبو أمية أشهرهم بذلك. وقيل: اسمه حذيفة. [وذكرنا تزويج رسول الله ﷺ بها في سنة أربع من الهجرة]. وكانت أمُّ سلمة ﵂ من أفاضل أزواج رسول الله ﷺ ، وأمُّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني كنانة [وقد ذكرنا طرفًا من أخبارها، وأنها أنكرت على عائشة خروجها إلى البصرة نوبة الجمل.

стр. 3677

واختلفوا في وفاتها فقال الواقدي:] توفيت في سنة اثنتين وستين في شوال، وصلَّى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكانت أوصت أن لا يصليَ عليها، فما التفت، [وصلَّى بالناس العصر، ثم صلى عليها، وفي الناس ابنُ عمر، وأبو سعيد الخُدري. وروى ابن سعد عن الواقدي أنها توفيت في سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة (١). والأول أصح، لأنها كانت باقية لما قُتل الحسين، وقد ذكرنا هذا. وقال الموفق ﵀ (٢): ماتت في سنة ستين.] وكان لها يوم ماتت أربعٌ وثمانون سنة. وهي آخرُ أزواجِ رسولِ الله ﷺ موتًا. ذكر أولادها: وكلُّهم من أبي سلمة ﵁، وهم [سلمة، و] عُمر، وزينب، ودُرَّة، وأمُّ كلثوم (٣). فأما عمر؛ فكنيتُه أبو حفص؛ توفّي رسول الله ﷺ وله تسع سنين، وشهد الجمل مع عليّ ﵇، بعث برايته إليه، وولَّاه عليّ رضوان الله عليه البحرين، ثم عزله، وولَّاه فارس، وقيل: حلوان، وقيل: ما سبذان. وتوفي في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة. وروى عن رسول الله ﷺ الحديث (٤). وأما زينب؛ فلم يولد بالحبشة سواها، وتزوَّجَها عبد الله بن زَمْعة بن الأسود، فولدت له عبدَ الرحمن، ويزيد، ووَهْبًا، وأبا سلمة، وكبيرًا، وأبا عبيدة، وقريبة، وأمَّ كلثوم، وأمَّ سلمة. وقد كانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ أرضعت زينب بلِبان ابنها عروة بن الزبير.

стр. 3678

وكان اسمُها بَرَّة، فسمَّاها رسولُ الله ﷺ زينب، وقال: "لا تُزَكُّوا أنفسكم، والله أعلم بأهل البِرّ منكم". روت زينب عن أمِّها، وروى عنها عروة، وهو أخوها من الرِّضاع، وتوفّيت في أيام طارق بالمدينة (١). أسندت أمُّ سلمة الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ قال ابن البرقي: أسندَتْ ثلاث مئة وثمانية وسبعين حديثًا (٢). السنة الثالثة والستون فيها أخرجَ أهلُ المدينة عثمان بنَ محمد بن أبي سفيان عاملَ يزيد من المدينة ومن كان بها من بني أمية. قال أبو مِخْنَف: لما بايع أهلُ المدينة عبدَ الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد؛ وثبوا على عامله، وعلي بني أمية ومواليهم، ومن يرى رأيهم من قريش، وكانوا نحوًا من ألف رجل، فأخرجوهم فنزلوا دار مروان بن الحكم، وحاصروهم فيها حصارًا ضعيفًا. وكان مروان يدبّر أمرهم (٣)، وكان عثمان بن محمد غلامًا حَدَثًا ليس له رأي، وكان عمرو بن عثمان متفقًا مع مروان على تدبير الأمور، فكتبوا إلى يزيد بن معاوية مع حبيب بن كُرَّة يخبرونه بأنَّهم قد حُصروا، وكان عبد الملك معهم، فشرطوا على حبيب أن يسير في اثنتي عشرة ليلة، ويعود في مثلها. قال حبيب: وخرج معي عبد الملك بن مروان، فقال: بعد أربع وعشرين ليلةً تجدني في هذا المكان جالسًا أنتظرُك في مثل هذا الوقت. وكان في الكتاب:

стр. 3679

أما بعد، فإنَّا محصورون في الدار، فيا غوثاه. ثلاثًا. قال حبيب: فقدمتُ دمشق، فدخلتُ على يزيد بن معاوية وهو جالس على كرسيّ واضع قدميه في طَسْت فيه ماء، وكان به وجع النّقْرِس، فقرأ الكتاب، وتمثَّل: لقد بدَّلُوا الحِلْمَ الذي من سَجِيَّتي … فبدَّلتُ قومي غِلظةً بلَيانِ ثم قال: أما يكون بنو أمية ألف رجل مع مواليهم؟ قلتُ: بلى وأكثر. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟! قلتُ: اجتمع الناسُ كلُّهم عليهم، فلم يكن لهم بهم طاقة. فبعث إلى عَمرو بن سعيد، فأقرأه الكتاب، وأمرَه أن يسير [إليهم] في الناس، فقال له: قد كنتُ ضبطتُ (١) لك البلاد، وأحكمتُ الأمور، فأمَّا الآن؛ فحيثُ صارت دماء قريش تُهراق بالصعيد، فلا أحبُّ أن أتولَّى (٢) ذلك، يتولَّاه من هو أبعدُ مني منهم. فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المُرِّي -وهو شيخ كبير ضعيف مريض- فدخلتُ عليه بالكتاب، فقرأه وقال مثل ما قال يزيد، ثم قام معي فدخل على يزيد، فقال له: لا تمنعنَّ هؤلاء فإنهم أذلَّة، ما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار، أو يومًا واحدًا؟! فقال له يزيد: لا خير في العيش بعدهم. اخْرُجْ فاندُب الناس، وفرّق فيهم أعطيتهم. فقال حبيب: فأقبلتُ فأجدُ عبد الملك بن مروان جالسًا في ذلك المكان بعينه في الساعة التي عيَّنَها، فأخبرتُه الخبر فسُرَّ، ودخل على مروان وبني أمية فأخبرهم. وسار مسلم بن عقبة بذلك الجيش، وكان معاوية قد قال ليزيد: إنَّ لك من أهل المدينة يومًا عظيمًا، فارْمِهم بمسلم بن عقبة، وأوصاه بذلك (٣). فقال له: إنْ حدثَ بك (٤) حادث فاستخلفْ على الجيش حُصين بن نُمير السكوني، وقال له: ادْعُ القومَ

стр. 3680

ثلاثًا، فإن أجابوك، فَسِرْ إلى ابن الزُّبير، وإلَّا فقاتِلْهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأَبِحْها ثلاثًا بما فيها من مال وسلاح وطعام للجند، فإذا مضت الثلاث؛ فاكفف عن الناس، وانظر عليَّ بنَ الحسين فاستَوْصِ به، وقرِّبْ مجلسه، فإنه لم يدخل فيما دخل فيه القوم، وقد جاءني كتابُه. وعليٌّ لم يعلم بوصية يزيد لمسلم، وقد كان عليُّ بن الحسين ﵄ خرج بنو أمية أوى إليه مروان وامرأتُه عائشة بنت عثمان بن عفان. قال الواقدي: لما أخرجَ أهلُ المدينة عثمان بنَ محمد كلَّم مروان عبدَ الله بنَ عمر أن يُغيِّب أهلَه عنده، فأبى ابنُ عمر أن يفعلَ ذلك، وكلَّم مروانُ عليَّ بن الحسين، فقال: يا أبا الحسن، إنَّ لي رَحِمًا، فأريدُ أن يكون حُرَمِي مع حُرَمك. فقال: ابعث بهنَّ. فبعث بحُرَمِه إلى عليّ، فخرج بحُرَمِه وحُرَمِ مروان، فأنزلَهم بينبُع، فكان مروان يرى لعليّ ذلك. ولمَّا قرُب الجيش من المدينة وثبَ أهلُها علي بني أمية، فأخرجوهم بعد أن أخذوا العهودَ عليهم والمواثيق أنهم لا يبغونهم غائلة، ولا يدلُّوا عدوَّهم على عورة [و] (١) كانوا عزموا على قتلهم لولا الأَيمان. ولما خرجوا؛ خرجت عائشة بنت عثمان بن عفان ﵂ إلى الطائف، فمرَّت بعليّ بن الحسين ﵁ وهو بمالٍ له ظاهر المدينة قد اعتزلَها كراهيةَ أن يشهد شيئًا من أمرهم، فقال لها: خذي ابني عبد الله معك، فحمَلَتْه إلى الطائف (٢). وسار بنو أمية، فلقُوا مسلم بنَ عقبة بوادي القُرى، وتوجَّه مسلم إلى المدينة في اثني عشر ألفًا، وقيل: في سبعة وعشرين ألف فارس، وخمسة عشر ألف راجل. وبلغ يزيد أنَّ ابن الزبير خطب وقال: أيها الناس، إني قد خلعتُ يزيدَ الخمور، ويزيد الطنبور، ويزيد الفجور، ويزيد القرود والصيود، ويزيد السلوات والفَلَوات، والأمَّهات والأخوات والبنات. ثم حثَّ على جهاده، ودعا إلى نفسه، وكتب إلى
следующие страницы →