← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وأقام واليًا على مصر خمس عشرة سنة، واختطَّ بها، وتوفي بها وهو أميرٌ عليها. وقيل: مات بالإسكندرية سنة اثنين وستين في ذي القَعْدة. وقال مجاهد: صليتُ خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة في الصلاة، فما ترك منها واوًا ولا ألفًا (١). أسند مسلمةُ الحديث عن رسول الله ﷺ ، فأخرج له الإمام أحمد ﵀ حديثًا واحدًا؛ قال (٢): حدثني محمد بنُ بكر، أخبرنا [ابن] جُريج، عن المنكدر، عن أبي أيوب الأنصاريّ، عن مسلمة بن مخلد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من سترَ مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومَنْ نجَّى مكروبًا فكَّ الله عنه كُرْبَةً من كُرَب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". أمُّ سَلَمة رضوان الله عليها زوج النبي ﷺ ، واسمُها هند بنت أبي أمية. [قال ابن سعد (٣): واسم أبي أمية] سهيل (٤) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر (٥) بن مخزوم. وكان يقال لأبيها: زاد الراكب؛ لأنَّ رفيقه لا يحتاج معه في السفر إلى زاد. وأزواد الراكب من قريش ثلاثة: هذا، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأبو أمية أشهرهم بذلك. وقيل: اسمه حذيفة. [وذكرنا تزويج رسول الله ﷺ بها في سنة أربع من الهجرة]. وكانت أمُّ سلمة ﵂ من أفاضل أزواج رسول الله ﷺ ، وأمُّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني كنانة [وقد ذكرنا طرفًا من أخبارها، وأنها أنكرت على عائشة خروجها إلى البصرة نوبة الجمل.

стр. 3677

واختلفوا في وفاتها فقال الواقدي:] توفيت في سنة اثنتين وستين في شوال، وصلَّى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكانت أوصت أن لا يصليَ عليها، فما التفت، [وصلَّى بالناس العصر، ثم صلى عليها، وفي الناس ابنُ عمر، وأبو سعيد الخُدري. وروى ابن سعد عن الواقدي أنها توفيت في سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة (١). والأول أصح، لأنها كانت باقية لما قُتل الحسين، وقد ذكرنا هذا. وقال الموفق ﵀ (٢): ماتت في سنة ستين.] وكان لها يوم ماتت أربعٌ وثمانون سنة. وهي آخرُ أزواجِ رسولِ الله ﷺ موتًا. ذكر أولادها: وكلُّهم من أبي سلمة ﵁، وهم [سلمة، و] عُمر، وزينب، ودُرَّة، وأمُّ كلثوم (٣). فأما عمر؛ فكنيتُه أبو حفص؛ توفّي رسول الله ﷺ وله تسع سنين، وشهد الجمل مع عليّ ﵇، بعث برايته إليه، وولَّاه عليّ رضوان الله عليه البحرين، ثم عزله، وولَّاه فارس، وقيل: حلوان، وقيل: ما سبذان. وتوفي في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة. وروى عن رسول الله ﷺ الحديث (٤). وأما زينب؛ فلم يولد بالحبشة سواها، وتزوَّجَها عبد الله بن زَمْعة بن الأسود، فولدت له عبدَ الرحمن، ويزيد، ووَهْبًا، وأبا سلمة، وكبيرًا، وأبا عبيدة، وقريبة، وأمَّ كلثوم، وأمَّ سلمة. وقد كانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ أرضعت زينب بلِبان ابنها عروة بن الزبير.

стр. 3678

وكان اسمُها بَرَّة، فسمَّاها رسولُ الله ﷺ زينب، وقال: "لا تُزَكُّوا أنفسكم، والله أعلم بأهل البِرّ منكم". روت زينب عن أمِّها، وروى عنها عروة، وهو أخوها من الرِّضاع، وتوفّيت في أيام طارق بالمدينة (١). أسندت أمُّ سلمة الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ قال ابن البرقي: أسندَتْ ثلاث مئة وثمانية وسبعين حديثًا (٢). السنة الثالثة والستون فيها أخرجَ أهلُ المدينة عثمان بنَ محمد بن أبي سفيان عاملَ يزيد من المدينة ومن كان بها من بني أمية. قال أبو مِخْنَف: لما بايع أهلُ المدينة عبدَ الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد؛ وثبوا على عامله، وعلي بني أمية ومواليهم، ومن يرى رأيهم من قريش، وكانوا نحوًا من ألف رجل، فأخرجوهم فنزلوا دار مروان بن الحكم، وحاصروهم فيها حصارًا ضعيفًا. وكان مروان يدبّر أمرهم (٣)، وكان عثمان بن محمد غلامًا حَدَثًا ليس له رأي، وكان عمرو بن عثمان متفقًا مع مروان على تدبير الأمور، فكتبوا إلى يزيد بن معاوية مع حبيب بن كُرَّة يخبرونه بأنَّهم قد حُصروا، وكان عبد الملك معهم، فشرطوا على حبيب أن يسير في اثنتي عشرة ليلة، ويعود في مثلها. قال حبيب: وخرج معي عبد الملك بن مروان، فقال: بعد أربع وعشرين ليلةً تجدني في هذا المكان جالسًا أنتظرُك في مثل هذا الوقت. وكان في الكتاب:

стр. 3679

أما بعد، فإنَّا محصورون في الدار، فيا غوثاه. ثلاثًا. قال حبيب: فقدمتُ دمشق، فدخلتُ على يزيد بن معاوية وهو جالس على كرسيّ واضع قدميه في طَسْت فيه ماء، وكان به وجع النّقْرِس، فقرأ الكتاب، وتمثَّل: لقد بدَّلُوا الحِلْمَ الذي من سَجِيَّتي … فبدَّلتُ قومي غِلظةً بلَيانِ ثم قال: أما يكون بنو أمية ألف رجل مع مواليهم؟ قلتُ: بلى وأكثر. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟! قلتُ: اجتمع الناسُ كلُّهم عليهم، فلم يكن لهم بهم طاقة. فبعث إلى عَمرو بن سعيد، فأقرأه الكتاب، وأمرَه أن يسير [إليهم] في الناس، فقال له: قد كنتُ ضبطتُ (١) لك البلاد، وأحكمتُ الأمور، فأمَّا الآن؛ فحيثُ صارت دماء قريش تُهراق بالصعيد، فلا أحبُّ أن أتولَّى (٢) ذلك، يتولَّاه من هو أبعدُ مني منهم. فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المُرِّي -وهو شيخ كبير ضعيف مريض- فدخلتُ عليه بالكتاب، فقرأه وقال مثل ما قال يزيد، ثم قام معي فدخل على يزيد، فقال له: لا تمنعنَّ هؤلاء فإنهم أذلَّة، ما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار، أو يومًا واحدًا؟! فقال له يزيد: لا خير في العيش بعدهم. اخْرُجْ فاندُب الناس، وفرّق فيهم أعطيتهم. فقال حبيب: فأقبلتُ فأجدُ عبد الملك بن مروان جالسًا في ذلك المكان بعينه في الساعة التي عيَّنَها، فأخبرتُه الخبر فسُرَّ، ودخل على مروان وبني أمية فأخبرهم. وسار مسلم بن عقبة بذلك الجيش، وكان معاوية قد قال ليزيد: إنَّ لك من أهل المدينة يومًا عظيمًا، فارْمِهم بمسلم بن عقبة، وأوصاه بذلك (٣). فقال له: إنْ حدثَ بك (٤) حادث فاستخلفْ على الجيش حُصين بن نُمير السكوني، وقال له: ادْعُ القومَ

стр. 3680

ثلاثًا، فإن أجابوك، فَسِرْ إلى ابن الزُّبير، وإلَّا فقاتِلْهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأَبِحْها ثلاثًا بما فيها من مال وسلاح وطعام للجند، فإذا مضت الثلاث؛ فاكفف عن الناس، وانظر عليَّ بنَ الحسين فاستَوْصِ به، وقرِّبْ مجلسه، فإنه لم يدخل فيما دخل فيه القوم، وقد جاءني كتابُه. وعليٌّ لم يعلم بوصية يزيد لمسلم، وقد كان عليُّ بن الحسين ﵄ خرج بنو أمية أوى إليه مروان وامرأتُه عائشة بنت عثمان بن عفان. قال الواقدي: لما أخرجَ أهلُ المدينة عثمان بنَ محمد كلَّم مروان عبدَ الله بنَ عمر أن يُغيِّب أهلَه عنده، فأبى ابنُ عمر أن يفعلَ ذلك، وكلَّم مروانُ عليَّ بن الحسين، فقال: يا أبا الحسن، إنَّ لي رَحِمًا، فأريدُ أن يكون حُرَمِي مع حُرَمك. فقال: ابعث بهنَّ. فبعث بحُرَمِه إلى عليّ، فخرج بحُرَمِه وحُرَمِ مروان، فأنزلَهم بينبُع، فكان مروان يرى لعليّ ذلك. ولمَّا قرُب الجيش من المدينة وثبَ أهلُها علي بني أمية، فأخرجوهم بعد أن أخذوا العهودَ عليهم والمواثيق أنهم لا يبغونهم غائلة، ولا يدلُّوا عدوَّهم على عورة [و] (١) كانوا عزموا على قتلهم لولا الأَيمان. ولما خرجوا؛ خرجت عائشة بنت عثمان بن عفان ﵂ إلى الطائف، فمرَّت بعليّ بن الحسين ﵁ وهو بمالٍ له ظاهر المدينة قد اعتزلَها كراهيةَ أن يشهد شيئًا من أمرهم، فقال لها: خذي ابني عبد الله معك، فحمَلَتْه إلى الطائف (٢). وسار بنو أمية، فلقُوا مسلم بنَ عقبة بوادي القُرى، وتوجَّه مسلم إلى المدينة في اثني عشر ألفًا، وقيل: في سبعة وعشرين ألف فارس، وخمسة عشر ألف راجل. وبلغ يزيد أنَّ ابن الزبير خطب وقال: أيها الناس، إني قد خلعتُ يزيدَ الخمور، ويزيد الطنبور، ويزيد الفجور، ويزيد القرود والصيود، ويزيد السلوات والفَلَوات، والأمَّهات والأخوات والبنات. ثم حثَّ على جهاده، ودعا إلى نفسه، وكتب إلى

стр. 3681

المدينة بإخراج عامل يزيد (١). ولما بلغ يزيد ذلك لبس ثيابًا معصفرة، وجلس في بيته وقال: أبْلِغْ أبا بكر إذا الليلُ سَرَى … وهبطَ القومُ على وادي القُرَى أجَمْعَ سَكْرانَ من القوم ترى … يا عجبًا من مُلحدٍ قد افترى فلما قدمت بنو أمية على مسلم بوادي القُرى، قال لهم: أشِيرُوا عليَّ. فسكتوا، فقال لعمرو بن عثمان: أشِرْ عليَّ فقال: لا أستطيع أن أخبرك شيئًا؛ أخذَ القومُ علينا العهود والمواثيق أن لا ندل على عورة، ولا نُظاهر عدوًّا. فانتهرَه وقال: لولا أنك ابنُ عثمان لقتلتك. فقال لعبد الملك: ماذا ترى؟ فقال له: انزل شرقيَّ المدينة، تأكل ثمارَها، وإذا قاتلوك تكون وجوهُهم في الشمس، وأنت في الظل، ثم قاتلهم، واستَعِنْ بالله عليهم، فإن الله ناصرُك عليهم؛ إذْ خلعوا طاعة الإمام، وفارقوا الجماعة. فقال له مسلم: للهِ دَرُّك (٢). فقيل لعبد الملك: نقضتَ العهد. فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ﴾. ونزل شرقيَّ المدينة، وفعل ما قال عبد الملك، وركب مسلم فرسه، وجاء إلى المدينة، فوقف قريبًا منها، ونادى: يا أهل المدينة، إنَّ أمير المؤمنين يزيدَ يزعُم أنكم الأصل، وإنه يكره هراقة دمائكم، وإني قد أجَّلْتُكم ثلاثًا، فمن رجع إلى الحق قبلناه منه، وانصرفنا عنكم إلى هذا الملحد الذي في الحرم بمكة، وإنْ أبيتُم كنَّا قد أعذرنا إليكم. وأقام ثلاثًا، فلمَّا مضت الثلاث قال: يا أهل المدينة، ماذا تصنعون؟ أتُسالمون، أم تحاربون؟ قالوا: نُحارب. قال: لا تفعلوا، ادخلوا في الطاعة، ونجعلُ حدَّنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي في الحرم الذي قد جمعَ أكثر المرَّاق والفسَّاق من كل أوب. فقالوا: يا عدوَّ الله، واللهِ لو أردتُم أن تجوزوا إليهم لما تركناكم ندعكم أن تأتوا بيتَ الله فتُخيفوا أهلَه، وتستحلُّوا حُرْمَتَه، لا واللهِ لا نفعل.

стр. 3682

وكانوا قد خَنْدَقُوا عليهم، وانقسموا أربعةَ أرباع: عبد الله بنُ مطيع على رُبْع، ومعقل بنُ سنان الأشجعي على رُبْع، وعبد الرحمن بن أزهر (١) بن عبد عوف ابنُ عمّ عبد الرحمن الزُّهري على رُبْع، وكان عبد الله بن حنظلة أميرًا على الكلّ، وهو أكثرُهم عددًا (٢)، وأشدُّهم نكاية، وأحنقُهم على يزيد. وأصبح مسلم بقرب من المدينة، والتَقَوا، فاقتتلوا، وضرب مسلمٌ فُسطاطه من ناحية المشرق، وبعث إليهم الخيل، فحمل ابنُ الغسيل في الرجال الذين معه، فكشفَ الخيل حتى وصلوا إلى مسلم بن عقبة، فنهض في وجوههم بالرجال، وصاح عليهم، واشتدَّ القتال، فقال الفضل بنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب لعبد الله بن حنظلة: مُرْ مَنْ كان معك من الفرسان فليأتني حتى أبلغ مسلمًا، فإمَّا أن أقتله، أو أُقتل. فقال عبد الله بنُ حنظلة لعبد الله بن الضحاك من الأنصار: نادِ في الخيل فلتقف مع الفضل بن عبَّاس. فنادى فيهم، فاجتمعوا إلى الفضل، فقال لهم: احملوا. فحملوا على أهل الشام، فانكشفوا، وقصد الفضلُ رايةَ مسلم، فضرب حاملَها على رأسه وعليه المِغْفَر، فقطَعه، وفلقَ هامتَه، فقتله وهو يظنُّ أنه مسلم بنُ عقبة، فقال: خُذْها وأنا الفضل بن العبَّاس (٣). ثم قال: قتلتُ طاغيتَهم وربِّ الكعبة. وكان مسلم ناحيةً عن الرَّاية في خمس مئة راجلٍ جُثاةً على الرّكَب، مُشْرِعي الأَسِنَّة، فناداه مسلم: أخطأَتْ اسْتُك الحُفَيرة. وإنّما كان حاملُ الراية بعض غلمانه يقال له: روميّ، وكان شجاعًا. ثم أخذ مسلم الراية، ونادى: يا أهل الشام، ما هذا القتال؟ قوم يريدون أن يدفعوا عن دينهم وينصروا إمامهم، قبَّحه الله من قتال. واللهِ ما تستحقون العطاء، شُدُّوا مع هذه الراية. ثم حمل والتقاه الفضلُ بنُ العباس وأصحابُه وقصده، وصار أهل الشام كلُّهم مع الراية، فقاتل الفضلُ حتى سقط، وما بينه وبين أطناب فسطاط مسلم إلا نحو من عشرة

стр. 3683

أذرع، وقُتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن نُعيم العدويّ، ورجال من أهل المدينة [كثير] (١). وقال هشام: كان مسلم بن عقبة مريضًا يوم القتال، فأمرَ بسريره، فوُضع بين الصَّفَّين، واستلقى عليه وقال: يا أهل الشام، قاتِلُوا عن أميركم، أو دَعُوا. فحملوا على أرباع أهل المدينة، فهزموهم وعبد الله بن حنظلة واقف، فاجتمع إليه من انهزم من تلك الأرباع، وحمل الفضل بن العباس حتى وصل إلى سرير مسلم، وكان حسنَ اللون أحمر أزهر، فلما رفعَ السيف ليضرب به رأسَ مسلم؛ صاح مسلم بأصحابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يا بني الحرائر! اشتجِروه بالرماح. فطعنوه حتى صُرع (٢). ثم إن خيل مسلم ورجالَه حملوا على عبد الله بن حنظلة، واستَدْعَى مسلم بفرسه، فركبه، وجعل يحرِّضُ أهلَ الشام، ويذكِّرُهم الأحساب والأنساب، ثم عاد إلى مكانه الذي كان فيه (٣). ونادى ابنُ الغسيل: يا أهل دار الهجرة، ما أظنُّ أنَّ الله رَضِيَ عن أهل بلد من بلدان الإسلام بأرضى منه عنكم، ولا هو على بلد أسخطَ منه على هؤلاء، الشهادةَ، ثم الشهادة. ثم زحفَ برايته غير بعيد، ووقف، وأمر مسلم بنُ عقبة عبد الله بنَ عِضاه الأشعريّ، فزحفَ إلى ابنِ الغسيل في خمس مئة، فدنَوْا منهم، وترامَوْا بالنَّبْل، فصاح ابنُ الغَسِيل: مَنْ ارادَ أن يتعجَّل إلى الجنة فليلزمْ هذه الرَّاية. وقاتل قتالًا شديدًا لم يُرَ مثلُه، ثم جعل يُقدِّمُ بنيه بين يديه واحدًا بعد واحد، حتى قُتلوا بين يديه، فقُتل، وقُتل معه أخوه لأمه محمد بنُ ثابت بن قيس بن شمَّاس، وقتل معه محمد بنُ عمرو بن حَزْم الأنصاريّ. ومرَّ عليه مروان فقال: يرحمُك الله، فرُبَّ ساريةٍ قد رأيتُك تُطيل القيام إلى جنبها (٤).

стр. 3684

وقال الهيثم: حمل عبدُ ألله بنُ حنظلة على أهل الشام حتى خرقَ الصفوف وهو في أوائل الخيل ومعه بنوه، فغشيَه النُّعاس، فمال إلى بعض بنيه، ثم انتبه، وإذا قد أنهزم أصحابُه والتكبيرُ في المدينة، فكسرَ جَفْن سيفِه، وقاتل حتى قُتل هو وأولادُه (١). وقيل: إنه نزلَ يصلِّي الظهر، فقتلُوه في الصلاة. وقاتل محمد بن سعد بن أبي وقاص قتالًا شديدًا، فلما انهزمَ الناس انهزم. وقُتل أعيانُ الأنصار، وهرب عبدُ الله بنُ مطيع على بغلته إلى مكة، وأباح مسلم المدينةَ ثلاثًا يقتلُون أهلَها، وينتهبون المال، ويقع أهل الشام على النساء، فأفزع ذلد من فيها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري، فدخل كهفًا في الجبل، فرآه رجل من أهل الشام، فدخك خلفَه، قال أبو سعيد: فانتضيتُ سيفي لأُرعبه لعلَّه ينصرف وهو يُقدم عليَّ، فشِمْتُ سيفي (٢)، ثم قلت له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] قال: مَنْ أنتَ؟ قلت: أبو سعيد الخُدري. قال: صاحبُ رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم. فانصرفَ عني (٣). وحكى المدائني عن رجل من قريش قال. كنتُ أنزل بذي الحُليفة، فخرجتُ يومًا إلى المسجد، وإذا برجلٍ مريض، فقلت: مَنْ أنت؟ فقال: من خَثْعم، أقبلتُ من نجران إلى ها هنا، فمرضتُ، فانصرفَ أصحابي وتركوني. قال: فحوَّلتُه إلى منزلي، وخدمتُه، وأحسنتُ إليه، وقمتُ عليه أَحسن القيام، فصحَّ وأقامَ عندنا مدَّةً كواحدٍ منَّا. وصُغْتُ لزوجتي حُلِيًّا من مئة دينار، وهو يراه. وخرج الرجلُ إلى الشام، وتحوَّلنا إلى المدينة، فلما كان يومُ الحرَّة، خرجتُ من داري، فلمَّا انهزمَ الناس، عُدتُ إليها، وإذا بالرجل وأصحابِه ينهبون مالي، فقال: ما جئتُ إلا لأحقنَ دماءكم، أما الأموال فقد أباحها لي الأمير، وأنا أحقُّ مَنْ أخذَ مالك. فقلتُ له: اصرفْ أصحابَك وخُذه وحدَك. فصرفَهم، ثم قال: وأين الحُلِيّ؟ قلت: على

стр. 3685

حاله. قال: فهاتِه. قلتُ: لما خرجنا من ذي الحليفة دفنتُه عند البئر التي تعرف في الدار، فإذا جاء المساء خرجنا إليها، فدفعتُه إليك. فقال: نعم. فلما أمسينا جاء، فخرجتُ ومعي اثنان من غلماني، فانتهينا إلى البئر، وطولُها ثلاثون ذراعًا، فقلتُ له: احفر ها هنا عند رأس البئر. فأخذَ يحفر، فدفعناه، فوقع فيها، فاختنق، فلما أصبحنا جاء رجل ممَّن كان معه بالأمس، فقال: أين أبو المحرّش؟ قلنا: مضى من تحت الليل. فقال: خدَعَنا وأخذ المتاع. قلنا: ما أخذَ شيئًا، والمتاعُ عندنا، فادخلْ فخُذْهُ. فدخلَ، فأغلقنا الباب وقتلناه (١). قال هشام: وجيء بجماعة من أعيان أهل المدينة إلى مسلم وهو نازل بقُباء، فأُتِيَ برجلين من قريش بعد الوقعة بيوم، وهما يزيد بن عبد الله بن زَمْعة (٢)، ومحمد بن أبي جَهْم بن حُذيفة العدويّ، فقال: بايعا (٣). فقال القرشيَّان: نُبايع على كتاب الله وسنَةِ رسوله. فقدَّمَهما، فضربَ أعناقَهما. فقال له مروان: سبحان الله يا مسلم! أتقتُل رجلين من قريش يبايعان على كتاب الله وسنَة رسوله؟! فقال: لو قلتَ مثلَ قولِهما ما رأيتَ السماء إلا بَرْقَة. وجيء بمعقل بن سِنان، فقال له: مرحبًا بأبي محمد، وكان صديقًا له قبل ذلك، وكان قد عطش، فسقاه ماءً بثلج (٤)، وقال: والله لا شربتَ بعده ماءً أبدًا إلا في نار جهنَّم. فقال: أنشدك اللهَ والرَّحِم. فقال مسلم: ألستَ ليلة خرجتَ من عند أمير المؤمنين يزيد وقد أتيتَه ببيعة أهلِ المدينة، فقلتَ لي: سِرْنا شهرًا، ورجعنا من عند يزيد صِفْرًا، وأتينا ببيعة هذا الفاسق ابن الفاسق؟! إني آليتُ لا أقدرُ عليك في حرب أو غيرها إلا ضربتُ عنقَك. ثم قتله (٥).

стр. 3686

ثم أُتيَ بيزيد (١) بن وَهْب بن زَمْعَة (٢)، فقال له: بايع. فقال: على سنَّة عُمر. فقال: اقتُلُوه. قال: أنا أبايع. قال: لا واللهِ لا أُقيلُك عثرتك. فقال له مروان: إنّه صهري. فأمر بمروان فوُجئت عنقُه، ثم أمر به فقُتل (٣). وقال لأهل المدينة: بايِعُوا على أنكم خَوَلٌ ليزيد بن معاوية. فبايَعوه. ثم أُتي بعليّ بن الحسين ﵄، فأقبل يمشي بين مروان وعبد الملك لليد التي كانت له عند مروان، وإنما أراد عليٌّ ﵁ أن يلتمس عنده الأمان، فجاء فجلس بينهما، فدعا مروان بشراب، وإنما أراد أنْ يتحرَّم بذلك من مسلم لعليّ، فشربَ منه مروان، ثم ناولَه عليًّا، فلما وضع (٤) في يده؛ قال له: مسلم: لا تشربْ من شرابنا. فأُرْعِدَ كفُّه ولم يأمنه على نفسه، وبقي القَدَح في يده لا يشربه ولا يضعُه. ثم قال له مسلم: إنما جئتَ تمشي بينهما لتأمنَ عندي، واللهِ لو كان هذا الأمرُ إليهما لقتلتُك، ولكنَّ أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبرني أنك كاتبتَه، فذاك هو الذي نفعَك عندي. ثم قال: إلى ها هنا. فأجلسه معه (٥). وقال عَوَانة بن الحَكَم: أُتيَ بعليّ بن الحسين إلى مسلم؛ قال: مَنْ هذا؟ قالوا: عليّ. قال: مرحبًا وأهلًا. ثم أجلسه معه على السرير والطِّنْفِسة، وقال: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وهؤلاء الخُبثاء شغلوني عنك وعن صِلتك. ثم قال لعلي: لعلَّ أهلَك فزعوا؟ قال: إي والله. فأمر بدابَّته أنْ يُحمل عليها إلى أهله (٦).

стр. 3687

وجئ بسعيد (١) بن المسيِّب فقال له: بايع. فقال: على كتاب الله تعالى، وسنّة رسولِه، وسنة أبي بكر وعمر. فقال: اقتلوه. فشهدوا أنّه مجنون، فأطلقه. قال هشام: وجيء بعَمرِو بنِ عثمان بن عفَّان، وكان ممَّن لم يخرج من المدينة مع من خرج من بني أمية، فزجَره وقال: يا أهل الشام، أتعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا الخبيث ابنُ الطيّب، هذا عَمرو بن عثمان، إذا ظهر أهلُ المدينة؛ قال: أنا رجل منكم، وإذا ظهر أهل الشام قال: أنا ابنُ أمير المؤمنين. وأمر فنُتفتْ لحيتُه، ثم قال: يا أهل الشام، إن أمَّ هذا كانت تُدخل الجُعَل في فيها، ثم تقول لأمير المؤمنين: حاجَيتُك (٢)، [ما] في فمي؟ وفي فمها ما ساءَها وباءَها. ثم خلَّى سبيله. وكان مروان ممَّن يحرِّضُ مسلم بن عقبة على أهل المدينة، فلما قدم على يزيد أكرمه ووصله. واختلفوا في وقعة الحرَّة، والأصحّ أنها كانت يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنه ثلاث وستين (٣). وقال الزُّهري: كان القتلى يوم الحرَّة من أهل المدينة سبع مئة من وجوه قريش وأعيان المهاجرين والأنصار والموالي، وأما من لا يُعرف من عبد وحرّ وامرأة؛ فعشرة آلاف (٤). وقال الحسن البصري: قتلوا ابنَيْ زينب بنت أمِّ سلمة ربيبة رسول الله ﷺ (٥). وافتضّ أهل الشام ألف عذراء (٦)، وقال مالك بن أنس: قُتل من وجوه القرَّاء سبع مئة.

стр. 3688

وقالت أمُّ الهيثم بنت يزيد: رأيتُ امرأة من قريش تطوف بالبيت، فعرضَ لها أسود (١)، فعانقته وقبَّلته، فقلت لها: يا أمة الله، أتفعلين هذا بهذا الأسود؟ فقالت: هو ابني وقع عليَّ أبوه يوم الحرَّة. وقال هشام بن حسان: ولدَتْ ألفُ امرأة بعد الحَرَّة من غير زوج (٢). وبعث مسلم بن عقبة إلى يزيد برأس عبد الله بن حنظلة، فكتب إليه يزيد: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. ولما قُتل أهل الحَرَّة، سمعَ الناسُ هاتفًا يهتفُ على أبي قُبيس بمكة وابنُ الزبير جالس عند البيت يسمع: قُتِلَ الخِيارُ بنُو الخيارِ … ذَوُو المهابةِ والسماحْ الصائمون القائمون … القانتون أولو الصلاحْ المهتدون المتقون … السابقون إلى الفلاحْ ماذا بِواقِمَ (٣) والبقيعِ … من الجَحاجِحةِ الصِّباحْ (٤) وأكثرُ شعرِ الأنصار في يوم الحَرَّة، فقال محمد بن أسلم: فإن تقتلُونا يومَ حرَّةِ واقمٍ … فنحن على الإسلام أوَّلُ مَنْ قَتَلْ ونحن تركناكم (٥) ببدرٍ أذلَّةً … وأُبْنا بأسيافٍ لنا فيكمُ عَمَلْ (٦) وأقام مسلم بنُ عقبة بالمدينة أيامًا، واستخلف عليها لما توجّه إلى مكة رَوْحَ بن زِنباع الجُذامي (٧).

стр. 3689

وفيها ولَّى يزيد بنُ معاوية الحارثَ بنَ خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي مكَّةَ، فقدمَها، فمنعه ابنُ الزبير من الصلاة لمَّا خلع أهلُ المدينة يزيدَ، وكان يزيد قد ولَّى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب مكَّة، فلم يعرض لابن (١) الزُّبير، فعزلَه وولَّى الحارث (٢). ذكر أخبار الحارث: وسبب ولاية يزيد إيّاه أنَّ يزيد كان ولَّى مكةَ والمدينةَ عثمانَ بنَ أبي سفيان (٣)، فلم يستقم له حال، فولَّى يحيى بن الحكم بن صفوان، فاقامَ أيامًا لم يعرض لابن (٤) الزبير، وكان الحارث مقيمًا بمكّة، فكتب إلى يزيد يخبره بمداهنة يحيى ابنَ الزبير، فعزل يحيى، وولَّى الحارث، فمنعه ابنُ الزبير من الصلاة بالناس، فكان يصلي في داره بخدمه ومواليه وأهله. والعاص بن هشام -جدُّ الحارث- قتله عليٌّ ﵇ يومَ بدرٍ كافرًا، وكان أبو لهب قد قَمَرَ العاص (٥) (٦) واسترقَّه، وجعلَه قَينًا (٧)، فأخرجه مكانَه يوم بدر، فقُتل (٨). وقال البلاذري وابن عبد البَرّ: كان العاص خال عمرَ بن الخطاب ﵁، فقتله عمر ﵁ يومَ بدر (٩).

стр. 3690

وكنيةُ الحارث هذا أبو وابصة، وكان شاعرًا، وهو القائل: مَنْ كان يسألُ عنَا أينَ منزلُنا … فالأُقحوانةُ منَّا منزلٌ قَمَنُ (١) إذْ نلبس العيشَ صَفْوًا ما يُكَدِّرهُ … طَعْنُ الوُشاةِ ولا ينبو به (٢) الزمنُ وساير الحارث بن خالد عليَّ بنَ عبد الله بن عباس، فأصاب رِكابُ عليّ ساقَ الحارث، فأوجعَه، فقال الحارث: سبحان الله! ما رأيتُ أحدًا يُسايرُ الناس مثل هذا الرِّكاب. فقال عليّ: إنه عملُ قَين كان له بمكة. يُعرِّضُ بالعاص جد الحارث؛ لما أسلَمه أبو لهب قينًا بمكّة (٣). وكان الحارث أشعرَ أهلِ زمانه من قريش يحذُو حَذْوَ عمرَ بن أبي ربيعة لا يتجاوز الغزل إلى مدحٍ ولا هجاء، وهو القائل: إنِّي وما نَحَرُوا غَداةَ مِنى … عند الجِمار تؤودُها العُقْلُ (٤) لو بُدِّلَتْ أعلى مساكنِها … سُفْلًا وأصبح سُفْلُها يعلُو (٥) فيظلُّ (٦) يعرفُها الخبيرُ بها … فيردُّه الإقْواءُ والمَحْلُ (٧) وقال الهيثم: أقام الحارثُ في بيته معتزلًا للناس مدة أيام ابن الزبير، فلما وليَ عبد الملك ولَّاه إيَّاها (٨) بعد قتل ابن الزبير، فلما كان في سنة خمس وسبعين (٩) حجَّتْ عائشةُ بنتُ طلحة بن عبيد الله، فخرجت يومًا إلى الطواف وقد أذَّنَ المؤذِّن وكان الحارثُ يصلِّي بالناس، فأرسلت إليه: قد بقي من طوافي شيء يسير لم أُتمَّه، فاصبر

стр. 3691

عليَّ قليلًا. فأمرَ المؤذِّنين فكفَّوا عن الإقامة حتى فرغت من طوافها، وجعل الناس يصيحون: الصلاة، الصلاة. وبلغ عبدَ الملك، فكتب إليه: ويحك! أتركتَ الصلاةَ لأجل بنتِ طلحة؟! فقال: واللهِ لو لم تقضِ طوافَها إلى طلوع الشمس لَمَا كبَّرتُ. فعزله عبدُ الملك، فقال: ما أهونَ غضبَه عليَّ وعَزْلَه إذا رضيَتْ بنتُ طلحة. فقدم على عبد الملك، فأقام ببابه شهرًا لم يصل إليه، وجفاه عبد الملك، فانصرف وقال: عطفتُ عليك النفسَ حتى كأنَّما … بكفَّيكَ بؤْسي أو لديكَ نَعِيمُها فما بي وإن أقْصَيتَني من ضَراعةٍ … ولا افْتَقَرَتْ نفسي إلى مَنْ يَسُومُها (١) ولما ماتَ عمر بن عُبيد الله (٢) التَّيمي عن عائشة قيل للحارث: ما يمنعُك الآن من تزويجها؟ فقال: كلا، لا يتحدَّت رجالات قريش أنَّ نَسِيبي بها (٣) كان لشيءٍ من الباطل. وكان الحارث قد خطبَها قبل أن تتزوَّج بمصعب بن الزُّبير، فامتنعت منه، وكانت تحبُّه، فقيل لها: أتُحبِّينَه وتمتنعينَ منه؟! فقالت: فيَّ عيبٌ ما أُحبّ أن يَطَّلعَ عليه ولي الدنيا (٤) وما فيها. قيل: وما هو؟ قالت: سوء خُلُق. وقيل: إنما وَرَّتْ بسوء الخلق، وإنَّما كان عيبُها كِبَر أُذنَيْها وقدميها. وكان الحارث يُشَبِّبُ بليلى بنت أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود الثقفيّ، وأمُّها ميمونة بنتُ أبي سفيان بن حرب. ومن شعر الحارث في ليلى: لقد أرسَلَتْ في السِّرِّ ليلى تلُومُني … وتَزْعُمُني ذا مَلَّةٍ طَرِفًا (٥) جَلْدا

стр. 3692

وقد أخْلفَتْنا كلَّ ما وعدَتْ بهِ … وواللهِ ما أخلفتُها عامدًا وَعْدا فقلتُ مجيبًا للرسول الذي أتى … تُراه -لكَ الويلاتُ- مِنْ قولِها جِدَّا إذا جئتَها فاقْرَ السلامَ وقُلْ لها … دَعِي الجَوْرَ ليلى واسْلُكي مَنْهجًا قصْدا أفي مُكْثِنا عنكم ليالٍ مَرِضْتُها … تَزِيدِينَني ليلى على مرضي جُهْدا تَعُدِّينَ ذنبًا واحدًا ما جنَيتُهُ … عليَّ وما أُحصي ذنوبَكُمُ عَدَّا فإن شئْتِ حرَّمتُ النِّساء سواكُمُ … وإنْ شْئْتِ لم أطعم نُقاخًا (١) ولا بَرْدا (٢) وخطب الحارثُ في مَقدَمِهِ دمشق عَمْرةَ بنت النعمان بن بشير الأنصاري، فقالت: كُهولُ دمشقَ وشُبَّانها … أحبُّ إليَّ من الجالِيَهْ (٣) لهم ذَفَرٌ كصُنانِ التُّيُو … سِ أَعْيَا على المِسْكِ والغَاليَهْ وبلغ الحارث فقال: ساكناتُ العقيقِ أشهى إلى النَّفـ … ـسِ من الساكناتِ دورَ دمشقِ يتضوَّعْنَ إنْ تطيَّبْنَ بِالمِسْـ … ـكِ صُنانًا كأنّه ويحُ مَرْقِ (٤) وتزوَّج الحارثُ أمَّ عبد الملك بنتَ عبد الله بن خالد بن أَسِيد -وهي أمُّ عمران ومحمد ابنَي عبد الله بن مطيع- وقال فيها: يا أمَّ عمران ما زالت وما بَرحَتْ … بنا الصَبابةُ حتى مسَّنا الشَّفَقُ القلبُ تاقَ إليكم كي يُلاقِيكُم … كما يتُوقُ إلى مَنْجاتِهِ الغَرِقُ تُؤتيك شيئًا قليلًا وهي خائفةٌ … كما يمسُّ الحيَّةِ الفَرِقُ وأنشد رجلٌ هذه الأبيات وعمران [بن عبد الله] بن مطيع جالس، فذكر مجلس عمران، فاستحيا، فقطع البيت الآخِر، فقال له عمران: لا بأس عليك، فإنها كانت زوجتَه (٥).

стр. 3693

فصل في شهداء الحَرَّة وغيرهم: إبراهيم بن نُعيم النَّحَّام ابن عبد الله بن أَسِيد العدويّ، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. كان أحدَ الرؤوس يوم الحرَّة، فقُتل يومئذ، فمرَّ عليه مروان ومسرف (١) ويدُه على فرجه، فقال مروان: واللهِ لئن حفظتَه في الممات لطالما حفظتَه في الحياة. فقال مسرف: والله ما أرى هؤلاء إلا أهل الجنّة، لا يسمعُ [هذا] منك أهل الشام، فيُكركرَهُم عن الطاعة. فقال مروان: إنهم بدَّلُوا وغيَّروا. وكان لإبراهيم من الولد: محمد، وزيد، وعبدُ الله، وأبو بكر، وابنةٌ وأمُّها رُقَيَّة بنتُ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وأمُّها أمُّ كلثوم بنت عليّ ﵇ (٢). أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري من الطبقة الأولى من التابعين، من أهل المدينة. كنيتُه أبو كثير، وقيل: أبو عبد الرحمن، وهو من سَبْي عين التمر الذي سَبَى خالدٌ في خلافة أبي بكر رضوان الله عليه، وبعثَ بهم إلى المدينة. قال ابنُ سِيرين: كاتب أبو أيوب الأنصاري أفلح على أربعين ألفًا، فجعل الناس يهنِّئونه ويقولون: ليَهْنِكَ العتقُ أبا كثير. فلما رجع أبو أيوب إلى أهله؛ ندم على مكاتبته، فأرسل إليه: اردُدْ إليَّ الكتابة، وارجع كما كنتَ رقيقًا. فقال له ولده وأهله: أترجعُ رقيقًا وقد أعتقك الله؟! فقال أفلح: واللهِ لا يسألُني شيئًا إلا أعطيتُه إياه. فجاء بمكاتبته إلى أبي أيوب، فكسرها، فمكث ما شاء الله، ثم أرسل إليه أبو أيوب فقال: أنتَ حرٌّ لوجه الله، وما كان لك من مال فهو لك. ولم يأخذ منه شيئًا. قُتل أفلح يومَ الحرَّة، وسمع عمر بن الخطاب ﵁، وكان له دارٌ بالمدينة، وكان ثقة قليلَ الحديث (٣).

стр. 3694

ذكوان مولى عائشة رضوان الله عليها وكنيتُه أبو عَمرو، وكان يؤمُّ قريشًا، وصلى خلفه عبد الرحمن بنُ أبي بكر. وكانت عائشة ﵂ تصلِّي خلفَه في بيتها في رمضان ويقرأُ من المصحف (١). وهو من الطبقة الأولى من التابعين من موالي أهل المدينة، وله أحاديثُ قليلة. مات ليالي الحرَّة، وقيل: قُتل يومَ الحرَّة (٢). ربيعة بن كعب الأسلميّ وكنيتُه أبو فراس، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين من أهل الصُّفَة. كان يخدم رسول الله ﷺ . قال أبو عمران الجَوْني: أقطع رسولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ وربيعةَ أرضًا فيها نخلة مائلة، أصلُها في أرض ربيعة، وفرعُها فِي أرض أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، فتنازعا، فقال أبو بكر رضوان الله عليه: هي لي، وقال ربيعة: هي لي. فأسرع إليه أبو بكر رضوان الله عليه، وكفَّ عنه ربيعة. فأراد قوم ربيعة أن يُسرعوا إلى أبي بكر، فمنعهم ربيعة وقال: أخافُ أن يغضبَ، فيغضبَ له رسول الله ﷺ ، فيغضبَ اللهُ لغضب رسوله. ثم انطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرَه ربيعة، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تردَّ عليه". فحوَّل أبو بكر وجهَه إلى الحائط يبكي. قال ربيعة: فقضى رسول الله ﷺ بالفَرْع لمن له الأصل (٣). زيد بن محمد بن مَسْلَمة من الطبقة الثانية من التابعين، قُتل يوم الحَرَّة.

стр. 3695

قال الحُصين بن عبد الرحمن بن عَمرو بن سعد بن معاذ: أوَّلُ دُورٍ نُهبت يوم الحَرَّة -[والحربُ] لم تنقطع بعدُ- من دور المدينة دارُ بني عبد الأشهل، فما تركوا في المنازل من حُلِيّ على امرأة، ولا أثاث ولا ثياب (١)، ولا فراش إلا نقضُوا صوفَه، ولا دجاجةٍ إلا ذُبحت، ولا حمام إلا ذبح، ثم يُسَمِّطون الدجاجَ والحمامَ خلفَهم (٢)، ثم يخرجون من هذا البيت، فيدخلون هذا البيت. فلقد مكثنا على ذلك ثلاثًا، ومسلمُ بنُ عقبة نازلٌ بالعقيق والناسُ في هذا الأمر حتى رأينا هلال المحرَّم. ولقد دُخل دارُ محمد بنِ مَسْلَمة، فتصايحَ النساء، فأقبل زيد بنُ محمد ومعه نفرٌ قِبَلَ الصوت، فوجدوا عشرة (٣) ينتهبون، فقتلوا الشاميين، وخلَّصوا ما أخذوا منهم، وأقبلَ نفر آخر من الشاميين، فاقتتلوا على الباب وفي الدار، فقُتل زيدُ بنُ محمد على بابه، وقُتل معه سَلَمة بن عبَّاد بن وَقْش، وجعفر بن يزيد بن سِلْكان، فوُجدوا صَرْعى، وفي زيد بنِ محمد أربعٌ وعشرون ضربة (٤)، منها أربع في وجهه. سائب خاثر (٥) المُغَنّي أبو جعفر المدني، وكان منادم يزيد، ومعاويةُ يسمع غناءه فلا ينكر عليه. ولما نزل أهلُ الشام المدينةَ وفعلوا ما فعلوا؛ جعل السائب يقول: أنا مُغَنّ، وقد خدمتُ أميرَ المؤمنين يزيد. فقال له واحد من أهل الشام: غنّ لنا. فغنَّى، فقام إليه واحد، فقتله. فلما عُرضَتْ أسامي القتلى على يزيد وبلغ اسمَه قال: إنَّا لله، وبلغ القتل إلى سائب خاثر وطبقته! ما أظنُّ بقي في المدينة أحدٌ. ثم قال: قبَّح الله أهلَ الشام، لعلَّهم صادفوه في طريق أو في حائط مستترًا، فقتلوه.

стр. 3696

وقيل: إنه خرج يقاتل فقيل له: ارجع، فما أنتَ من أهل القتال. فقال: واللهِ لا أرجعُ بعد شيء سمعتُه ورأيتُه من يزيد بن معاوية (١). سَعْد (٢) بن زيد ابن ثابت الأنصاري، وأمُّه أمّ سَعْد بنت [سعد بن] الربيع، من الخزرج، قُتل يوم الحَرَّة، وقُتل معه سبعة من إخوته، وهم: سعيد، وسليمان أخوه لأبيه وأمِّه، ويحيى (٣)، وسَلِيط، وزيد بن زيد، وعبد الله، وعبد الرحمن، بنو زيد بن ثابت لأمَّهات أولاد شتَّى. وكلُّ بني زيد بن ثابت من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة (٤). طارق بن شهاب البجلي الكوفي أبو عبد الله، رأى رسولَ الله ﷺ ، وروى عنه جماعة. قال طارق: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ وقد وضع رِجْلَه في الغرز: أيُّ الجهاد أفضل؟ فقال: "كلمة حقّ عند سلطان جائر" (٥). توفي طارق سنة ثلاث وستين، وقيل غير ذلك. عبَّاد بن أبي نائلة سِلكان بن سلامة بن وَقْش، من الطبقة الأولى من التابعين (٦) من أهل المدينة. قُتل عبَّاد وابنُه سَلَمة بن عبَّاد يومَ الحَرَّة، وله عقب.

стр. 3697

عبد الله بن أحمد (١) بن حفص ابن المغيرة المخزومي، لأبيه صحبة. وعبد الله من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة. وهو أوَّلُ من خلعَ يزيد؛ قدم عليه مع أهل المدينة قال: يا أهل الكوفة، واللهِ لقد وصلني يزيد وأعطاني، ولكنه سكرانًا يدع الصلاة (٢). عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الراهب، أدرك رسول الله ﷺ ، وله رؤية ورواية. وأمُّه جميلة بنتُ عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول، دخل بها أبوه حنظلة في الليلة التي صبيحتُها يوم أُحُد، وعَلِقَتْ به تلك الليلة، وولدَتْه بعد أُحد بتسعة أشهر. وقُبض رسولُ الله ﷺ وله سبع سنين. وروى عن أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما. وفرض له عمر ألفي درهم، فأتاه طلحة التيمي ﵁ بابن أخٍ له، ففوض له دون ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، فَضَّلتَ هذا الأنصاريَّ على ابن أخي. قال: نعم؛ لأني رأيتُ أباه يستنُّ بسيفه (٣) يومَ أُحُد كما يستنُّ الجمل. وكان عبد الله يتوضَّأُ لكلِّ صلاة (٤)، وكان صالحًا فاضلًا مقدَّمًا في الأنصار. وقال مولًى له: لم يكن لمولاي فراش ينام عليه، وإنَّما كان إذا أَعْيا من الصلاة؛ ألقى نفسَه وتوسَّد ذراعيه شيئًا يسيرًا (٥).

стр. 3698

وقال صفوان بن سليمان: لقيَ الشيطانُ ابن حنظلة، فقال له: احفظ عنّي شيئًا أعلِّمُك إيَّاه، فقال: لا حاجة لي فيه. قال: فاسْمَعْ، فإن كان خيرًا قبلتَ، وإن كان شرًّا رددت. يا ابنَ حنظلة، لا تسألنَّ أحدًا غير الله، وانظر كيف تكونُ عند الغضب (١). وقال إبراهيم بن عبد الرحمن (٢) بن عبد الله بن أبي ربيعة: لما نزلَ مسلم بنُ عقبة وادي القرى خطب عبد الله بنُ حنظلة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس، إنَّما خرجتُم غضبًا لله ولدينكم، فأَبْلُوا لله بلاءً حسنًا ليوجبَ لكم به المغفرة، ويُحِلَّكمُ به رضوانه. فقد نزل القوم وادي القرى ومعهم مروان بنُ الحكم، واللهُ -إنْ شاء- مُحِينُهُ (٣) بنقضِه العهدَ والميثاقَ عند منبرِ رسول الله ﷺ . فتصايحَ الناس، وجعلوا ينالون من مروان ويقولون: الوَزَغُ ابنُ الوَزَغ (٤). وعبدُ الله يُهدِّئهم ويقول: إن الشَّتْم ليس بشيء، ولكن اصدُقُوهم اللقاء، واللهِ ما صدقَ قومٌ إلا نُصروا. ثم دعا ونزل. وصبَّح القومُ المدينةَ، وقاتلوها أيامًا، ودُخلت من نواحيها، فلبس عبدُ الله درعين، وقاتل قتالًا شديدًا. وحانت صلاة الظهر فقال لغلامه: احْمِ ظهري حتى أُصلِّي. فلمَّا فرغَ من صلاته قال له غلامه: انهزمَ الناس، وقد بقيَ معنا خمسة أنفس، فقال: ويحك، إنَّما خرجْنا لنموت. فنزعَ الدِّرع، وتقلَّدَ السيف، وصاح في الناس، وأهلُ المدينة كالنَّعام الجافل، وأهلُ الشام يقتلُونهم في كل وجه. فحمل عبدُ الله عليهم وقاتل، فضربَه رجلٌ من أهل الشام بالسيف، فقطعَ منكبه ووقع ميتًا.

стр. 3699

وجاء رجلان برأسه إلى مُسرف، كلُّ واحد يزعُم أنه قتلَه؛ أحدهما يقال له: مالك الفَزاري، والآخر: سعد بن الجَوْن الكوفي الحمصي، فقال لهما مُسْرف: أميرُ المؤمنين يحكمُ بينكما، وبعث معهما بالرأس، فقدما على يزيد، فأجازهما بجوائز عظيمة، ثم ردَّهما إلى الحُصين بن نُمير، فقُتلا معه في حصارهم ابنَ الزبير. ومرَّ مروان على عبد الله وهو مقتول ومعه مسرف (١) وقد أشار عبدُ الله إلى السماء بيده فقال مروان: لئن أشرتَ بها إلى السماء ميتًا؛ فطالما دعوتَ اللهَ بها حيًّا. وقال عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه قال: رأيتُ عبد الله بن حنظلة في النوم بعد مقتله في أحسن صورة ومعه لواؤه، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، أما قُتلتَ؟! قال: بلى، ولقيتُ ربي فأدخلَني الجنة، فأنا أسرحُ فيها، وآكلُ من ثمارها. فقلت: فما صُنعَ بأصحابك؟ فقال: هم حولي، وهذا لوائي لم يُحَلَّ عَقْدُه حتى الساعة (٢). ومعظم أولاده قُتلوا معه؛ قال الواقدي: أصيب معه سبعةُ بنين، منهم عبد الرحمن، والحكم، والحارث، وعاصم (٣). وأخرج الإمام أحمد ﵁ لعبد الله حديثين (٤). وروى عن أبي بكر وعمر ﵄، وروى عنه من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة. عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قُتل يوم الحرَّة (٥). وأبوه عبدُ الرحمن شهدَ أُحُدًا والخندقَ وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو المنهوش في حُريرات الأفاعي، فأمرَ رسول الله ﷺ عُمارة بنَ حزم، فرقاه، فشفيَ، وهي رُقْيَةُ آلِ حزم إلى اليوم.

стр. 3700

وحُرَيْرات الأفاعي (١) بين الأبواء ومكة على ثمانية أميال من مكة، كانت منزلًا للناس، فأجْلَتْهم منه الحيَّات. قال ابن عساكر (٢): جاءت جدَّتان إلى أبي بكر ﵁، فأعطى السُّدُس أمَّ الأمّ، دون أمّ الأب، فقال له عبد الرحمن -أبو صاحب هذه الترجمة-: يا خليفة رسول الله ﷺ : أعطيتَها التي لو ماتت لم يرثها، وتركتَ التي لو ماتت ورثَها. قال: فجعله أبو بكر ﵁ بينهما. عبد الله بن أبي نملة من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، قُتل يومَ الحرَّة هو وأخوه محمد، وهما لأمّ ولد. وأبو نَمْلة شهد مع رسول الله ﷺ أحدًا والخندق وما بعدها، وعاشَ إلى أيام خلافة عبد الملك بن مروان. وقد روى عنه الزُّهريّ. وإنما ولداه قُتلا يومَ الحَرَّة (٣). عَمْرو بن ثابت بن قيس بن الخَطِيم الأنصاري (٤) [محمد بن أُبيّ بن كعب ابن قيس] من الطبقة الأولى (٥) من أهل المدينة، أبو معاذ.

стр. 3701

وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وروى عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وروى عنه بُسْرُ بن سعيد، وكان ثقةً قليل الحديث، قُتل يوم الحَرَّة، رحمة الله عليه (١). محمد بن ثابت بن قيس ابن شمَّاس الأنصاري، من الطبقة الأولى (٢) من أهل المدينة. وأمُّه جميلة بنتُ عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول، وهو أخو عبد الله بنِ حَنْظَلة لأنه (٣). وُلد محمد على عهد رسول الله ﷺ ، وحنَّكه بريقه، وروى عن رسول الله ﷺ حديثًا (٤). وأمُّه جميلة هي التي اختلعت من ثابت بن قيس؛ ولدَتْه بعد فراقها إيَّاه، وحلقت أن لا تَلْبُنَه من لبنها، فجاء به [ثابت] في خِرْقة إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره الخبر (٥)، فتَفَلَ في فيه، وسمَّاه محمدًا، وحنَّكه بتمرةِ عجوة، وقال: "اذهَبْ، فإنَّ الله رازقُه". وإذا بامرأة تسألُ عن ثابت بن قيس وتقول: إني رأيتُ كأنِّي أُرضِعُ ابنًا له يقال له: محمد، وإذا بِدِرْعِها ينعصِرُ من لبنها. فأخذَتْه فأرضعَتْه (٦). قُتل محمد يوم الحَرَّة وأخواه عبد الله ويحيى بنو ثابت (٧).

стр. 3702

محمد بن أبي الجَهْم ابن حُذيفة العدويّ، من الطبقة الأولى (١) من أهل المدينة، وكان أحدَ رؤوس، أهل الحَرَّة. قُتل محمدٌ يومَ الحَرَّة صبرًا، أُخذ أسيرًا، فأمَّنَه مسرف، فلمَّا رآه قال: بايعْ أمير المؤمنين على أنَّك عبدٌ له قِنٌّ، إن شاء أعتقكَ، وإن شاء استرقَّك. فقال: أيجوزُ استرقاقُ الحرّ؟! فقال: أنت الوافدُ على أميو المؤمنين، فوصلَك وأحسن جائزتك، ثم عُدتَ إلى المدينة، فشهدتَ عليه بشرب الخمر، واللهِ لا تركتُك تشهدُ بعدها أبدًا بشهادة. ثم ضرب عنقه، وبعث برأسه إلى أبيه وقال: أتعرفُ هذا؟ قال: نعم، هذا رأسُ سَيِّدِ فتيان قُريش (٢). محمد بن عمرو بن حزم ابن مالك بن النجَّار الأنصاريّ، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. وُلد قبل وفاة رسول الله ﷺ بنجران سنة عشرٍ من الهجرة، وكان يوم الحَرَّة تحت راية الخزرج، فأبلى بلاءً حسنًا، وأبلى في أهل الشام، فانتظموه بالرِّماح، فوقع صريعًا، وانهزم الناس. وقال ابن عساكر: إن الذين تسوَّروا على عثمان ﵁ الدار إنَّما تسوَّروا من دار آل حزم، فأرسل إليهم عثمان: إنَّما نُرْمَى من قِبَلكم. فقال محمد. هذا ما نحن نرميه، ولكنَّ الله يرميه. فأُخبر عثمان رضوان الله عليه بقوله، فقال: كذبَ، لو رماني الله ما أخطأني. أسند محمد بن عمرو عن عمر بن الخطاب ﵁، وأبيه عَمرو بن حزم، وعمرو بن العاص (٣). وروى عنه ابنُه أبو بكر الفقيه. وكان قليل الحديث ثقة، وله عقبٌ بالمدينة وبغداد (٤).

стр. 3703

مَعْقِلُ بنُ سِنان الأشجعيّ أبو محمد، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، شهد فتح مكة مع النبيِّ ﷺ ، وكانت معه راية أشجع يوم حنين، وبعثه رسول الله ﷺ يستنفر له الأعراب لغزو مكة. ولما جيء به أسيرًا يوم الحَرَّة إلى مسلم -وكان بينه وبين مسلم رَحِمٌ وصداقة- فقال له معقل: نشدتُك اللهَ والرَّحِمَ وصحبةَ رسول الله ﷺ . فقال: وما عُذري عند أمير المؤمنين إن قتلتُ بني عمِّه، وتركتُ ابنَ عمِّي؟ فضربَ عنقه. وكان مَعْقِل فاضلًا تقيًّا، وكان قد سكنَ الكوفة، ثم تحوَّل إلى المدينة (١). وهو الذي رُويَ عنه حديث بَرْوَع بنت واشِق: قال الإمام أحمد ﵀ (٢): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: أُتِيَ ابنُ مسعود في امرأة تزوَّجها رجل، ثم مات عنها ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يكن دخلَ بها. فاختلفوا إليه، فقال: أَرَى لها مثلَ صَداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدَّة. فشهدَ معقل بنُ سِنان الأشجعيُّ أنَّ رسول الله ﷺ قضى في بَرْوَع بنت واشق بمثل ما قضى. وقال الشاعر يرثي مَعْقل بنَ سنان: ألا تلكُمُ الأنصارُ تبكي سَرَاتَها … وأشجعُ تبكي مَعْقِلَ بنَ سِنانِ وروى عن معقل مسروقٌ، وعبدُ الله بنُ عتبة بن مسعود، وعلقمة بن قيس، ونافع بن جبير بن مُطعِم في آخرين. يعقوب بن طلحة بن عُبيد الله التَّيمي من الطبقة الأولى (٣) من أهل المدينة. وأمُّه أمُّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان سخيًّا جوادًا، قُتل يومَ الحَرَّة، وفيه يقول عبد الله بن الزَّبِير الأسدي وقد قدمَ الكَرَوَّسُ بنُ زيد (٤) بمصاب أهلِ الحَرَّة إلى الكوفة:

стр. 3704

لعمري لقد جاء الكَرَوَّسُ كاظمًا … على خبرٍ للمسلمين وجيعِ حديثٌ أتاني عن لؤيّ بنِ غالبٍ … فما رقأَتْ ليلَ التمامِ دموعي يُخبِّر أنْ لم يبقَ إلا أراملٌ … وإلا دمٌ قد سال كلَّ مَرِيعِ قُرُومٌ تلاقَتْ من قُريش فأنهلَتْ … بأصهبَ من ماء السماء نقيعِ وكم حولَ سَلْعٍ (١) من عجوزٍ مصابةٍ … وأبيضَ فيَّاضِ اليدينِ صريعِ طَلوعِ ثنايا المجدِ سامٍ بطَرْفِهِ … قُبيل تلاقيهم أشمَّ منيعِ شبابٌ كيعقوبَ بنِ طلحةً أَقْفَرتْ … منازلُه من رُومة (٢) فبقيعِ فواللهِ ما هذا بعيشٍ فيُشْتَهى … هنيءٍ ولا موتٍ يُريحُ سريعِ وَهْب بن عبد الله بن زَمْعة (٣) ابن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى، وأمُّه زينب بنتُ أبي سَلَمة بن عبد الأسد المخزومي، وأمُّ زينب أمُّ سَلَمة زوج النبي ﷺ . ووَهْب من الطبقة الثالثة (٤) من أهل المدينة، قُتل يومَ الحَرَّة. وأبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعَة (٥). كان له أولاد، منهم هند تزوَّجها عبدُ الله بنُ حسن بنِ حسن بنِ عليّ، فأولدَها محمدًا، وإبراهيم، وموسى بنَ عبد الله بن حسن. ويزيد بن عبد الله بن زَمْعَة لأمّ ولد (٦)، قُتل يوم الحَرَّة. ولما دخل مسرف المدينة جمع الناس وقال لهم: بايعُوا على أنَّكم خَوَلٌ ليزيد، وأنَّكم عَبيدُ العَصَا. فقال له يزيد بنُ عبد الله بنِ زَمْعَة: أيُّها الأمير، إنما

стр. 3705

نُبايع على ما يبايع عليه المسلمون. فقال مسرف: الحمد لله الذي سقاني من دمك. وكان حَنِقًا عليه؛ لأنَّ بني أسد بن عبد العُزَّى بايعوا ابنَ الزُّبير، فقدَّم يزيد، فضرب عنقه. ولما خرج مسلم يريدُ مكَّة؛ تبعته أمُّ ولد يزيد بن عبد الله (١) ثلاثةَ أيام حتى مات مسرف، فانتهت إلى قبره، فنَبشَتْه وصلَبَتْه (٢). أبو سعيد (٣) بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، قُتل يوم الحَرَّة، ومعه ابنُه محمد، وأمُّ محمد ميمونةُ بنت عُبيد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب. فهؤلاء أعيان من قُتل يومَ الحَرَّة. وقال الواقدي: قُتل يوم الحَرَّة من أبناء المهاجرين والأنصار ثلاث مئة وأكثر. وقيل: ألف. وكان في جملة من قُتل الفَضل بن العبَّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب، وأبو بكر بن عبد الله (٤) بن جعفر بن أبي طالب، وأبو بكر بن عبد الله (٥) بن عمر بن الخطاب، وابنا زينب بنت أبي سلمة (٦) ربيبةِ رسول الله ﷺ . ضرب مسلم أعناقهم. ولم ينج من الصحابة إلا أبو سعيد الخُدري، وجابرُ بن عبد الله، وسهل بن سعد. مسروق بن الأجدع ابن مالك بن أمية الهمداني الكوفي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، كنيتُه أبو عائشة.

стр. 3706

وشهد القادسية هو وثلاثة إخوة له: عبدُ الله وأبو بكر والمنتشر بنو الأجدع، فقُتلوا، وجُرح مسروق فشَلَّت يدُه، وأصابَتْه في رأسه آمَّة (١)، وكان يقول: ما يسرُّني أنها ليست بي. وسمِّي مسروقًا لأنه سُرق وهو صغير. وكان إذا دخل على عائشة ﵂ تقول: خُوضُوا لابني عَسَلًا (٢). وشفع مسروق لرجل في شفاعة، فأهدى له جارية، فغضب وقال: لو علمتُ أنَّ هذا في نفسك ما تكلَّمتُ ولا أتكلَّمُ في حاجتك أبدًا، سمعتُ عبد الله بنَ مسعود يقول: مَنْ شفع شفاعةً ليردَّ بها حقًّا، أو يدفعَ بها ظلمًا، فأُهديَ له هديةٌ، فقبلَها، فذلك سُحْتٌ، فقيل له: ما كنَّا نرى السحت إلا أخذ الرِّشْوة على الحكم. فقال: أخْذُ الرِّشْوة على الحكم كفر (٣). وكان مسروق فاضلًا، ولا يأخذ على القضاء رزقًا، ولما وليَ القضاء قيل له: ما حملكَ على هذا؟ قال: ثلاث شياطين (٤): إبليس وزياد وشُريح، لم يَدَعُوني حتى (٥) أوقعوني فيه. وقال الشعبي: كان مسروق أعلمَ من شُريح بالفتوى، وكان شُريح أعلمَ منه بالقضاء، وكان شُريح يستشير مسروقًا (٦). وكان يصلي حتى تتورَّم قدماه، فكانت امرأتُه تجلسُ خلفَه، فتبكي رحمةً له ممَّا يصنع بنفسه (٧). وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله تعالى (٨).

стр. 3707

وقال: بحسب المرء من الجهل أن يُعجب بعمله، وبحسب المرء من العلم أن يخشى الله (١). وحجَّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه حتى رجع (٢). وكان يُرْخي السِّتر بينه وبين أهله، ثم يُقبل على صلاته ويخلِّيهم ودنياهم (٣). وغُشيَ على مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنتُه: ارْفُقْ بنفسك. فقال: الرفقَ أطلبُ في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ ممَّا تَعُدُّون (٤). وقال سالم بن أبي الجَعْد (٥): الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين: عامر بن عبد القيس، وهَرِم بن حيَّان، والحسن البصريّ، وأبو مسلم الخَوْلاني، وأُويس القَرْني، والرَّبيع بن خُثَيم، والأسود بن يزيد، ومسروق. وقال ابن عساكر: حضر مسروق صِفِّين مع عليّ بن أبي طالب ﵇ ولم يقاتل، وشهد معه الحَكَمين والنَّهروان. وكان أبوه أفرس فارس في اليمن، وخالُ مسروق عَمْرُو بنُ معدي كرب (٦). ذكر وفاته: لما احتُضر مسروق قال: أما إني لا أدعُ صفراءَ ولا بيضاء إلا ما في سيفي هذا، فبِيعوه وكفِّنوني به. وقال أبو سعيد (٧): لم يكن له كفن، فقال: استَقْرِضُوا ثمن كفني، ولا تستقرضوه من زرَّاع، ولكن من صاحب ماشية.

стр. 3708

وقال المدائني: قال مسروق: لا تكفِّنوني من مال مُضارِب، ولا من مال يتيم، وادفنوني في النواويس. قالوا: مع الكفار! قال: نعم، يُبعثون يَدْعُون أصنامَهم، وأنا أُبعث وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله (١). مات سنة ثلاث وستين (٢)، وهو ابن تسعين سنة (٣)، ودُفن بالكوفة، وقيل: سنة اثنتين وستين وله ثلاث وستون سنة (٤). وقيل: مات بعد السبعين (٥)، ودفن بواسط في محلَّة يقال لها: السلسلة (٦). وأسند عن الخلفاء الأربعة ﵃، وكان أخصَّ أصحاب ابن مسعود وأعلمَهم. وروى عن ابنِ مسعود، وأُبيِّ بن كعب، وخبَّاب بن الأرتّ، ومعاذ، وابنِ عُمر، وابنِ عَمرو، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، وعائشة ﵃ في آخرين. وكانت عائشة رضوان الله عليها تحبُّه وتقول: إنك من ولدي ومن أحبِّهم إليَّ (٧). وكان يُنكر عليها يومَ الجمل. وروى عنه الشعبي، وأبو الضُّحى -واسمُه مسلم بن صُبَيحِ، وسعيد بنُ جبير، وأبو وائل-وهو أكبرُ منه- والنَّخَعي، وابنُ سِيرين (٨)، وخلقٌ كثير. واتفقوا على صدقه وزهده وورعِه وعلمه وعبادته، وأنه كان أقومَ بالفتوى من جميع أصحاب ابن مسعود ﵁.

стр. 3709

السنة الرابعة والستُّون فيها توجَّه مُسرفُ بن عُقبة من المدينة إلى مكة لقتال ابنِ الزبير، ولمَّا سار عن المدينة خلَّف عليها رَوْحَ بنَ زِنْباع، وقيل: عَمرو بن مُحرز الأشجعي. فلما وصل إلى قفا المشلَّل (١) نزل به الموت، فدعا الحُصين بنَ نُمير السَّكوني وقال له: يا بَرْذَعة الحمار، أما واللهِ لو كان لي من الأمر شيءٌ ما ولَّيتُك من أمر هذا الجيش شيئًا، ولكنَّ أمير المؤمنين أمرني بذلك، فاحفظ عنّي أربعًا: أسرع السَّير، وعجِّل الوقاع، وعَمِّ الأخبار، ولا تُمكِّن قريشًا (٢) من أذنك، ولا تردَّنَّ أهلَ الشام عن عدوِّهم، ولا تُقيمنَّ إلا ثلاثًا، وناجزِ ابنَ الزبير. ثم كان آخر كلامه أن قال: اللَّهمَّ إنِّي لم أعمل عملًا قطُّ بعد الإيمان (٣) أحبَّ إليَّ في الدنيا والأخرى من قتال أهل المدينة. ومات، فدُفن بقفا المُشَلَّل. وقيل: بقُديد. وسار الحصين (٤) بنُ نُمير إلى مكة، فقدمَها لأربع ليال بقين من المحرَّم، وقد اجتمع إلى ابن الزُّبير خلقٌ عظيم، وجاءه فَلُّ (٥) المدينة. وجاء نجدةُ الحروريّ ومعه أهلُ اليمامة يحمون الكعبة. فلما نزلَ الحُصين بظاهر مكة قال عبد الله بن الزبير لأخيه المنذر بن الزبير: يا أخي، ما لهؤلاء إلا أنا وأنت. وكان المنذرُ ممَّن شهدَ الحرَّة، ولحق بأخيه، فقال المنذر: أنا. فخرج إليهم في جيش ومعه المِسْور بنُ مَخْرَمَة، ومصعبُ بنُ عبد الرحمن بن عوف. فدعا رجلٌ من أهل الشام إلى المبارزة، فخرج إليه المنذرُ على بغلة له،

стр. 3710

والشاميُّ على بغلة، فاختلفا ضربتين، قَتَلَ كلُّ واحد منهما صاحبَه، وعلمَ ابنُ الزُّبير، فركب بغلةً وخرج إليهم، وصاح بالمسور وفرسانه، وقاتلوا قتالًا شديدًا إلى الليل (١). وكان المختار بن أبي عُبيد يومئذ في مكة عند ابن الزُّبير، فقاتل قتالًا شديدًا، ولما قُتل المنذرُ والمِسْوَر بنُ مخرمة ومصعبُ بنُ عبد الرحمن بن عوف نادى المختار (٢): يا أهل الإسلام، إليَّ إليَّ، أنا المختار بنُ أبي عُبيد، صاحبُ الجسر، أنا ابنُ الكرَّار، لا ابنُ الفرَّار، أنا ابنُ المُقْدِمِين غيرِ المُحْجِمين، إليَّ يا أهلَ الحِفاظ وحُماةَ الأَدْبار. وردُّوا أهل الشام على أعقابهم. ثم إنَّهم (٣) تحاجزوا. وهذا أوَّلُ يوم ناجزوه ونازلوه، ثم أقاموا يُقاتلونه بقيَّة المحرّم وصفَر كلَّه وثلاثةَ أيام من ربيع الأول، آخرها يوم السبت. فلما كان يوم السبت (٤) رابع ربيع الأول، قذفوا البيت بالمناجيق (٥)، وفيها قُدور النِّفْط والنار. وارتجز أهل الشام: خطَّارةٌ مثل الفَنِيقِ المُزْبِدِ (٦) … نرمي بها أعوادَ هذا (٧) المسجد وجعلَ عَمرو بنُ حَوْط السَّدوسي يقول: كيف تَرَى صنيعَ أمِّ فَرْوَه … تأخذُهُم بين الصَّفا والمَرْوَه وأمُّ فَرْوةَ والخطَّارة هي المنجنيق. واحترقت الكعبة، [واختلفوا في سبب حريقها على أقوال، ذكرها الواقدي قال: احترقت الكعبة] يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتيَ نَعْيُ يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يومًا، وجاء نعيُه لهلال ربيع الآخِر ليلةَ الثلاثاء.

стр. 3711

[قال:] رماها رجلٌ من أهل الشام بقبس من نار في رأس رمح، فطارت منه شرارة فعلقت بأستار الكعبة، فأحرقها، وتهدَّم بناؤها (١). وقيل: إن أصحابَ ابنِ الزبير كانوا يُوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارةٌ هبَّتْ بها الرِّيح، فأحرقت باب (٢) الكعبة، ثم احترق الكلّ. وقيل: قام رجل من أصحاب ابن الزبير. يُجمِّرُ الكعبة، ويدور حولها، فلعبت النار في أستارها، فاحترقت. وقال الواقدي: إنَّ أصحاب يزيد رموها (٣) بمنجنيق فيه نار فأحرقوها. [قال الواقدي: فحدَّثني عبد الله بن زيد قال: حدثني عروة بن أُذينة قال: قدمَتْ بي أمي مكة يوم احترقت الكعبة، فرأيتُها مجرَّدة من الحرير، ورأيت الركن قد انصدع فيه ثلاثة أمكنة، واسودّ. فقلتُ: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبير، فقالوا: أخذ هذا قَبسًا في رأس رمح، فهبَّت به النار، فاحترقت أستارُها، ودخل النار فأحرق الخشب (٤) والسقوف، فذلك الذي أحوجَ ابن الزبير إلى بنائها]. فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعي يزيد بن معاوية [لهلال ربيع الآخِر]، فكان مدة حصارهم لمكة سبعة وتسعين يومًا (٥). [وقيل: قاتلوها ستين يومًا. وقيل: وكان بين موت يزيد ووقعة الحَرَّة ثلاثة أشهر. وظهر مصداق قوله ﷺ : "مَنْ أرادَ أهلَ مدينتي بسوء أذابه الله كما يذوبُ المِلحُ في الماء". [أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وذكر أحاديث في هذا المعنى] (٦).

стр. 3712

ولما بلغ ابنَ الزبير هلاكُ يزيد -وأهلُ الشام لا يعلمون وقد حصروه حصارًا شديدًا وضيَّقوا عليه- نادى: يا أهل الشام، علام تقاتلونا وقد هلك طاغيتكم؟ فلم يصدِّقوه حتى قدم ثابت بن قيس بن المقفع (١) النَّخَعي الكوفي، فمرَّ بالحُصين، وكان بينهما صداقة وصهر، فأخبره. ولما تيقَّن الحُصين ذلك بعث لابن الزبير يقول: موعدُنا بيننا وبينك الليلة الأبطح. فالتقيا، فقال له الحُصين: إنْ يكُ هذا الرجل قد هلك؛ فأنت أحقُّ الناس بهذا الأمر من بين سائر الناس، فهلمَّ أبايعْك، واخْرُجْ معي إلى الشام، فإن هذا الجيش الذي معي هم وجوه أهل الشام وفرسانُهم، فواللهِ لا يختلفُ عليك اثنان، وتُؤمِّنُ الناسَ، وتُهدِرُ هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي بيننا وبين أهل الحرَّة. قال: أنا أُهدِرُ تلك الدماء! أما والله لا أفعلُ حتى أقتلَ بكل رجل منهم عشرة. فأخذ الحُصين يكلِّمه سرًّا وابن الزُّبير يجهر جهرًا. فقال له الحُصين: قبَّح الله من يعدُّك بعدها داهية أو أريبًا، أنا أكلِّمُك سرًّا وأنت تكلِّمُني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتهدِّدُني بالقتل (٢)! ولما التقيا بالأبطح راثت فرسُ أحدِهما، فجاء حمام الحرم يلتقطُ من رَوْث الفرس، فكفَّ الحُصين فرسَه لئلا يطأ الحمام، فقال له ابن الزبير: أتتحرَّج من قتل الحمام، وتقتلُ المسلمين في الحرم، وتنتهكُ حرمةَ الكعبة؟! ولما لم يتفقا على أمر؛ قال له الحُصين: ائذن لي ولأصحابي أن نطوف بالبيت وننصرف. فأذنَ لهم (٣). وقال ابن سعد (٤): قال ابن الزبير: قد مات يزيد، وأنا أحق بهذا الأمر، لأن عثمان عهدَ إليّ في ذلك عهدًا صلَّى به خلفي طلحةُ والزُّبير، وعرفَتْه أمُّ المؤمنين عائشة،

стр. 3713

فبايعْني وادْخُلْ فيما دخلَ فيه المسلمون. فقال له الحُصين: يا أبا بكر، إني واللهِ لا أتقرَّب إليكم بغير ما في نفسي، أقْدَمُ الشام، فإنْ رأيتُهم مجتمعين عليك أطعتك وقاتلتُ من عصاك، وإنْ وجدتُهم مجتمعين على غيرك أطعتُه وقاتلتُك. ولكن سِرْ معي إلى الشام أُمَلّكْكَ رقابَ العرب. فقال ابن الزبير: أَوَ أبعثُ رسولًا؟ فقال له الحُصين: تَبًّا لك سائر اليوم، إنَّ رسولك لا يكونُ مثلَك. وافترقا. ثم صاح الحُصين في الناس، وسار نحو المدينة، وندم ابن الزُّبير على ما صنع، فبعث إلى الحُصين: أمَّا سَيري إلى الشام؛ فلستُ فاعلًا ذلك، أكرهُ أنْ أخرج من مكة، ولكنْ بايِعُوا لي بالشام، فإنّي مؤمِّنُك وعاذل عليك (١). فقال الحُصين: إن لم تخرج بنفسك، وإلا فهناك أناسٌ من هذا البيت كثير يطلبونها (٢). وأمِنَ الناسُ، ووضعت الحرب أوزارَها، ودَعَا ابنُ الزُّبير من يومه ذلك إلى نفسه، وسُمِّي أميرَ المؤمنين، وتركَ الشِّعار الذي كان يُدعى به عائذَ البيت، ولا حُكم إلالله، وفارقَتْه الخوارج وتركوه (٣). ولما قارب الحُصين المدينة التقاه عليُّ بنُ الحسين بن عليّ ﵇ ومعه قَتٌّ وشعير، وهو على راحلة، [فسلّم على الحُصين] فلم يلتفت إليه الحُصين، ومع الحُصين فرسٌ أنثى عتيق، وقد فَنِيَ قَتُّه وشعيرُه، فجعل الحُصين يَسُبُّ غلامَه ويقول: من أين نجد ها هنا لدوابِّنا علفًا؟! فقال له عليُّ بن الحسين ﵄: معنا قَتٌّ وشعير لدابَّتك. فأقبل حينئذ على عليٍّ ﵁، فبعث إليه بما كان معه من قَتٍّ وشعير. وطمع أهل الحجاز والمدينة في أهل الشام؛ بحيث إنه ما كان ينفرد أحدهم إلا وأُخِذَ بلجام فرسه ونُكِسَ عنها، فنزل أهل الشام فكانوا لا يفترقون. وقالت لهم بنو أمية: خُذُونا معكم. فخرجوا معهم. ولما قدموا دمشق وجدوا معاوية بن يزيد قد بُويع من أبيه (٤).

стр. 3714

الباب الثالث في بيعة معاوية بن يزيد وكنيتُه أبو يزيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، فلما وليَ الخلافة كُنّيَ أبا ليلى، على كنية المستضعفين من العرب، وفيه يقول الشاعر: إنّي أرى فتنةً تغلي مَرَاجلُها … والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غَلَبا (١) ولم يكن في بني أمية من يعادلُه في نُسُكه وعبادته، ووُلد بأذرعات سنة إحدى وأربعين (٢). واختلفوا في أمِّه، فقيل: هي أمُّ هانئ بنت أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة، وقيل: أمّ هاشم، وقيل: فاختة، وقيل: أمُّ حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة. والمشهور أنَّ اسمها فاختة، وكنيتها أم هاشم. ذكر بيعته: بُويع يوم الخميس منتصف ربيع الأول -وقيل: يوم الاثنين- عند وفاة أبيه سنة أربع وستين بعهد من أبيه يزيد، ورضًى من بني أمية من غير خلاف. وفي ولايته يقول عبد الله بن همَّام السَّلُولي: تلقَّاها يزيدٌ عن أبيه … فدونَكَها معاويُ عن يؤيدا أَدِيرُوها بني حربٍ عليكمْ … ولا تَرْمُوا بها الغَرَض البعيدا فإنْ دنياكُمُ بكُمُ اطْمأنَّتْ … فأَوْلُوا أهلَها خَلَفًا جديدا (٣) وكان معاوية كارهًا للأمر، غير مريد له، وكان مشغولًا بالعبادة. ولما بُويع خطبَ فقال: أيُّها الناس، إنَّا بُلينا بكم، وبُليتُم بنا، وما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا،

стр. 3715

ألا وإنَّ جدِّي معاويةَ نازعَ هذا الأمر من كان أولَى منه، فمضى لسبيله، وأقام جدِّي بعده على ما قد علمتُم، فركبَ منكم ما تعلمون، وركبتُم منه ما لا تنكرون، ثم أتَتْه منيِّتُه، فصار مرتهنًا بعمله، ثم قَلَّدَ أبي هذا الأمر، فركبه هواه، فأخلفه الأمل، وقصَّر عنه الأجل، فانقطعت مدَّتُه، وصار أسيرَ جُرْمِه، رهين (١) ذنبه. ثم بكى وقال: لستُ بالمختار لتقلُّد أموركم، ولا بالمتحمّل لتبعاتكم، فشأنُكم أمركم، فواللهِ لئن كانت الدنيا مغنمًا فلقد نلنا منها حظًّا، وإنْ تكن شرًّا؛ فحسبُ آل أبي سفيان ما أصابوا منه. وكان مروان حاضرًا، فقال: سنَّها واللهِ عُمَريَّة. وسمعه معاوية فقال: يا مروان، ومتى صار معاوية بنُ يزيد مثل عمر بن الخطاب؟! ومن أين لي برجال مثل رجال عمر؟! ثم نزل (٢). وقال الهيثم: خطب وقال: أيُّها الناس، إني ضعيف، فاختارُوا لأنفسكم من ترضَوْنه. ثم نزل، فدخل داره، فقالت له أمُّه: يا ليتني كنت نَسْيًا منسيًّا ولم تضعف هذا الضعف. فقال: أنا -واللهِ- وَدِدْتُ أني كنتُ كذلك ولم أُعرِّض نفسي لجهنَّم (٣). وقال أبو عَوانة: إن معاوية بنَ يزيد خطب وقال: أمَّا بعد، فإني نظرتُ في أمري وأمرِكم، فضعفتُ عنه، فابْتَغَيْتُ (٤) لكم رجلًا مثل عمرَ بنِ الخطاب حين فزعَ إليه أبو بكر، فلم أجده، فابْتَغَيتُ لكم سِتَّةً في الشورى مثل سِتَّة عمر، فلم أجِدْهم، فأنتُم أولى بأمركم، فاختارُوا له من أحببتُم. ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات. فقال بعض الناس: دُسَّ إليه من سقاه سُمًّا، وقال بعضهم: طُعن (٥). وقرَّر عمال أبيه، ولم يولِّ أحدًا، ولم يعزل أحدًا، بل أقام مريضًا إلى أن مات، ﵀.
следующие страницы →