[قال:] رماها رجلٌ من أهل الشام بقبس من نار في رأس رمح، فطارت منه شرارة فعلقت بأستار الكعبة، فأحرقها، وتهدَّم بناؤها (١).
وقيل: إن أصحابَ ابنِ الزبير كانوا يُوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارةٌ هبَّتْ بها الرِّيح، فأحرقت باب (٢) الكعبة، ثم احترق الكلّ.
وقيل: قام رجل من أصحاب ابن الزبير. يُجمِّرُ الكعبة، ويدور حولها، فلعبت النار في أستارها، فاحترقت.
وقال الواقدي: إنَّ أصحاب يزيد رموها (٣) بمنجنيق فيه نار فأحرقوها.
[قال الواقدي: فحدَّثني عبد الله بن زيد قال: حدثني عروة بن أُذينة قال: قدمَتْ بي أمي مكة يوم احترقت الكعبة، فرأيتُها مجرَّدة من الحرير، ورأيت الركن قد انصدع فيه ثلاثة أمكنة، واسودّ. فقلتُ: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبير، فقالوا: أخذ هذا قَبسًا في رأس رمح، فهبَّت به النار، فاحترقت أستارُها، ودخل النار فأحرق الخشب (٤) والسقوف، فذلك الذي أحوجَ ابن الزبير إلى بنائها].
فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعي يزيد بن معاوية [لهلال ربيع الآخِر]، فكان مدة حصارهم لمكة سبعة وتسعين يومًا (٥).
[وقيل: قاتلوها ستين يومًا.
وقيل: وكان بين موت يزيد ووقعة الحَرَّة ثلاثة أشهر.
وظهر مصداق قوله ﷺ : "مَنْ أرادَ أهلَ مدينتي بسوء أذابه الله كما يذوبُ المِلحُ في الماء". [أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وذكر أحاديث في هذا المعنى] (٦).
стр. 3712
ولما بلغ ابنَ الزبير هلاكُ يزيد -وأهلُ الشام لا يعلمون وقد حصروه حصارًا شديدًا وضيَّقوا عليه- نادى: يا أهل الشام، علام تقاتلونا وقد هلك طاغيتكم؟ فلم يصدِّقوه حتى قدم ثابت بن قيس بن المقفع (١) النَّخَعي الكوفي، فمرَّ بالحُصين، وكان بينهما صداقة وصهر، فأخبره.
ولما تيقَّن الحُصين ذلك بعث لابن الزبير يقول: موعدُنا بيننا وبينك الليلة الأبطح. فالتقيا، فقال له الحُصين: إنْ يكُ هذا الرجل قد هلك؛ فأنت أحقُّ الناس بهذا الأمر من بين سائر الناس، فهلمَّ أبايعْك، واخْرُجْ معي إلى الشام، فإن هذا الجيش الذي معي هم وجوه أهل الشام وفرسانُهم، فواللهِ لا يختلفُ عليك اثنان، وتُؤمِّنُ الناسَ، وتُهدِرُ هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي بيننا وبين أهل الحرَّة. قال: أنا أُهدِرُ تلك الدماء! أما والله لا أفعلُ حتى أقتلَ بكل رجل منهم عشرة.
فأخذ الحُصين يكلِّمه سرًّا وابن الزُّبير يجهر جهرًا. فقال له الحُصين: قبَّح الله من يعدُّك بعدها داهية أو أريبًا، أنا أكلِّمُك سرًّا وأنت تكلِّمُني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتهدِّدُني بالقتل (٢)!
ولما التقيا بالأبطح راثت فرسُ أحدِهما، فجاء حمام الحرم يلتقطُ من رَوْث الفرس، فكفَّ الحُصين فرسَه لئلا يطأ الحمام، فقال له ابن الزبير: أتتحرَّج من قتل الحمام، وتقتلُ المسلمين في الحرم، وتنتهكُ حرمةَ الكعبة؟!
ولما لم يتفقا على أمر؛ قال له الحُصين: ائذن لي ولأصحابي أن نطوف بالبيت وننصرف. فأذنَ لهم (٣).
وقال ابن سعد (٤): قال ابن الزبير: قد مات يزيد، وأنا أحق بهذا الأمر، لأن عثمان عهدَ إليّ في ذلك عهدًا صلَّى به خلفي طلحةُ والزُّبير، وعرفَتْه أمُّ المؤمنين عائشة،
стр. 3713
فبايعْني وادْخُلْ فيما دخلَ فيه المسلمون. فقال له الحُصين: يا أبا بكر، إني واللهِ لا أتقرَّب إليكم بغير ما في نفسي، أقْدَمُ الشام، فإنْ رأيتُهم مجتمعين عليك أطعتك وقاتلتُ من عصاك، وإنْ وجدتُهم مجتمعين على غيرك أطعتُه وقاتلتُك. ولكن سِرْ معي إلى الشام أُمَلّكْكَ رقابَ العرب. فقال ابن الزبير: أَوَ أبعثُ رسولًا؟ فقال له الحُصين: تَبًّا لك سائر اليوم، إنَّ رسولك لا يكونُ مثلَك. وافترقا.
ثم صاح الحُصين في الناس، وسار نحو المدينة، وندم ابن الزُّبير على ما صنع، فبعث إلى الحُصين: أمَّا سَيري إلى الشام؛ فلستُ فاعلًا ذلك، أكرهُ أنْ أخرج من مكة، ولكنْ بايِعُوا لي بالشام، فإنّي مؤمِّنُك وعاذل عليك (١). فقال الحُصين: إن لم تخرج بنفسك، وإلا فهناك أناسٌ من هذا البيت كثير يطلبونها (٢).
وأمِنَ الناسُ، ووضعت الحرب أوزارَها، ودَعَا ابنُ الزُّبير من يومه ذلك إلى نفسه، وسُمِّي أميرَ المؤمنين، وتركَ الشِّعار الذي كان يُدعى به عائذَ البيت، ولا حُكم إلالله، وفارقَتْه الخوارج وتركوه (٣).
ولما قارب الحُصين المدينة التقاه عليُّ بنُ الحسين بن عليّ ﵇ ومعه قَتٌّ وشعير، وهو على راحلة، [فسلّم على الحُصين] فلم يلتفت إليه الحُصين، ومع الحُصين فرسٌ أنثى عتيق، وقد فَنِيَ قَتُّه وشعيرُه، فجعل الحُصين يَسُبُّ غلامَه ويقول: من أين نجد ها هنا لدوابِّنا علفًا؟! فقال له عليُّ بن الحسين ﵄: معنا قَتٌّ وشعير لدابَّتك. فأقبل حينئذ على عليٍّ ﵁، فبعث إليه بما كان معه من قَتٍّ وشعير.
وطمع أهل الحجاز والمدينة في أهل الشام؛ بحيث إنه ما كان ينفرد أحدهم إلا وأُخِذَ بلجام فرسه ونُكِسَ عنها، فنزل أهل الشام فكانوا لا يفترقون. وقالت لهم بنو أمية: خُذُونا معكم. فخرجوا معهم.
ولما قدموا دمشق وجدوا معاوية بن يزيد قد بُويع من أبيه (٤).
стр. 3714
الباب الثالث في بيعة معاوية بن يزيد
وكنيتُه أبو يزيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، فلما وليَ الخلافة كُنّيَ أبا ليلى، على كنية المستضعفين من العرب، وفيه يقول الشاعر:
إنّي أرى فتنةً تغلي مَرَاجلُها … والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غَلَبا (١)
ولم يكن في بني أمية من يعادلُه في نُسُكه وعبادته، ووُلد بأذرعات سنة إحدى وأربعين (٢).
واختلفوا في أمِّه، فقيل: هي أمُّ هانئ بنت أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة، وقيل: أمّ هاشم، وقيل: فاختة، وقيل: أمُّ حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة. والمشهور أنَّ اسمها فاختة، وكنيتها أم هاشم.
ذكر بيعته:
بُويع يوم الخميس منتصف ربيع الأول -وقيل: يوم الاثنين- عند وفاة أبيه سنة أربع وستين بعهد من أبيه يزيد، ورضًى من بني أمية من غير خلاف.
وفي ولايته يقول عبد الله بن همَّام السَّلُولي:
تلقَّاها يزيدٌ عن أبيه … فدونَكَها معاويُ عن يؤيدا
أَدِيرُوها بني حربٍ عليكمْ … ولا تَرْمُوا بها الغَرَض البعيدا
فإنْ دنياكُمُ بكُمُ اطْمأنَّتْ … فأَوْلُوا أهلَها خَلَفًا جديدا (٣)
وكان معاوية كارهًا للأمر، غير مريد له، وكان مشغولًا بالعبادة. ولما بُويع خطبَ فقال: أيُّها الناس، إنَّا بُلينا بكم، وبُليتُم بنا، وما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا،
стр. 3715
ألا وإنَّ جدِّي معاويةَ نازعَ هذا الأمر من كان أولَى منه، فمضى لسبيله، وأقام جدِّي بعده على ما قد علمتُم، فركبَ منكم ما تعلمون، وركبتُم منه ما لا تنكرون، ثم أتَتْه منيِّتُه، فصار مرتهنًا بعمله، ثم قَلَّدَ أبي هذا الأمر، فركبه هواه، فأخلفه الأمل، وقصَّر عنه الأجل، فانقطعت مدَّتُه، وصار أسيرَ جُرْمِه، رهين (١) ذنبه. ثم بكى وقال: لستُ بالمختار لتقلُّد أموركم، ولا بالمتحمّل لتبعاتكم، فشأنُكم أمركم، فواللهِ لئن كانت الدنيا مغنمًا فلقد نلنا منها حظًّا، وإنْ تكن شرًّا؛ فحسبُ آل أبي سفيان ما أصابوا منه.
وكان مروان حاضرًا، فقال: سنَّها واللهِ عُمَريَّة. وسمعه معاوية فقال: يا مروان، ومتى صار معاوية بنُ يزيد مثل عمر بن الخطاب؟! ومن أين لي برجال مثل رجال عمر؟! ثم نزل (٢).
وقال الهيثم: خطب وقال: أيُّها الناس، إني ضعيف، فاختارُوا لأنفسكم من ترضَوْنه. ثم نزل، فدخل داره، فقالت له أمُّه: يا ليتني كنت نَسْيًا منسيًّا ولم تضعف هذا الضعف. فقال: أنا -واللهِ- وَدِدْتُ أني كنتُ كذلك ولم أُعرِّض نفسي لجهنَّم (٣).
وقال أبو عَوانة: إن معاوية بنَ يزيد خطب وقال: أمَّا بعد، فإني نظرتُ في أمري وأمرِكم، فضعفتُ عنه، فابْتَغَيْتُ (٤) لكم رجلًا مثل عمرَ بنِ الخطاب حين فزعَ إليه أبو بكر، فلم أجده، فابْتَغَيتُ لكم سِتَّةً في الشورى مثل سِتَّة عمر، فلم أجِدْهم، فأنتُم أولى بأمركم، فاختارُوا له من أحببتُم.
ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات. فقال بعض الناس: دُسَّ إليه من سقاه سُمًّا، وقال بعضهم: طُعن (٥).
وقرَّر عمال أبيه، ولم يولِّ أحدًا، ولم يعزل أحدًا، بل أقام مريضًا إلى أن مات، ﵀.
стр. 3716
وفيها اتَّفق أهلُ البصرة على عُبيد الله بن زياد على أن يقوم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرضَوْنه لأنفسهم، وأرسل رسولًا إلى الكوفة يدعوهم إلى مثل ذلك، فحصبوا رسولَه، ثم نفاه أهلُ البصرة بعد ذلك (١).
كان عُبيد الله بن زياد بالبصرة، وخليفتُه بالكوفة عَمرو بن حُريث المخزومي، فجاء نعي يزيد إلى البصرة، فقام ابنُ زياد خطيبًا فقال في خطبته: يا أهل البصرة، قد وَلِيتُكُم وفي ديوان مقاتلتكم سبعون ألفًا، وهم اليوم ثمانون ألفًا، وكان في ديوان عيالكم سبعون ألفًا، وهم اليوم مئة وعشرون ألفًا، وما تركتُ لكم ذا ظِنَّة تخافون منه إلا وهو في حبسي، وإنَّ يزيد بن معاوية قد مات، واختلفَ أهل الشام، وأنتم اليوم أكثرُ الناس عددًا وأغناهم، فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترضَوْنه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راضٍ به وتابعٌ له. فقالوا: ما نعلمُ أحدًا أقوى عليها منك، فهلمَّ فلنبايعك. فقال: لا حاجةَ لي فيها، فاختاروا لأنفسكم رجلًا، فإن اجتمعَ أهلُ الشام على رجل ترضَوْنَه دخلتُم فيما دخل فيه الناس، وإلا أنتم على حالكم. فقالوا: ما نرى لها سواك. فبايَعوه وانصرفوا ويقولون: أيظنُّ ابنُ مَرْجانة أنْ نستقادَ له في الجماعة. كذبَ عدوُّ الله (٢).
وبعث ابنُ زياد إلى خليفته على الكوفة عَمرو بنِ حُريث مع عامر بن مسمع القيسي وسعد بن القرحاء ليُخبروا أهلَ الكوفة بما فعل أهلُ البصرة، فجمع عَمرو بنُ حُريث الناس، وأخبرَهم باتفاق أهل البصرة على إمرة عُبيد الله عليهم حتى يتفق الناس على إمام. وقال ابن حريث: إنما البصرة والكوفة شيءٌ واحد. ثم قام الرسولان وقالا: ليكن أمرُنا وأمرُكم جميعًا. فقام يزيد (٣) بن الحارث بن رُويم الشيباني فقال: أنحن نُبايع ابنَ مَرْجانةَ الفاسقَ ابنَ الفاسق الدعيّ! لا والله، ولا كرامة. ثم حَصَبَ الرسولين (٤) وعَمرَو بنَ حُرَيث، وحصبَهم الناس، فأخرجوهم من الكوفة، فقدموا البصرة، وأخبرُوا ابنَ زياد بما لَقُوا.
стр. 3717
وبلغَ أهلَ البصرة وقالوا: نخلعُ الفاسقَ كما خلعه أهلُ الكوفة. فوثبوا عليه (١).
وقال يونس بن حبيب الجَرْمي: كان يزيد بنُ معاوية قد تغيَّر على ابنِ زياد، وسببُه أنَّ ابنَ زياد لما قتلَ الحسينَ وبني أبيه، وبعثَ برؤوسهم والسبايا إلى يزيد، سُرَّ بقتلهم أولًا، وحسُنتْ حالةُ ابنِ زياد عنده. ثم لم يلبث إلا يسيرًا، فندم على قتل الحسين ﵁، وكان يقول: وماذا عليَّ لو احتملتُ الأذى، وأنزلتُه معي في داري حفظًا لرسول الله ﷺ ، ورعاية لحقِّه وقرابته، وحكَّمْتُه فيما يريد. وكان يُكثر من ذلك ويقول: لعنَ الله ابنَ مَرْجانة، فإنه اضطره إلى أن قُتل، وقد كان سألَه أن يُخلّيَ سبيلَه؛ فإمَّا أن يرجع من حيث جاء، أو يأتيَني فيضعَ يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفَّاه الله تعالى، فأبى ذلك وقتلَه، فبغَّضني إلى المسلمين، وزرعَ لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البَرُّ والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حُسينًا، ماي ولابنِ مَرْجانة، لعنه الله وغضب عليه.
وبلغ ابنَ زياد، فأرسل مولًى له يقال له: أيوب بن حُمْران إلى الشام ليأتيه بالخبر، فعاد إليه بموت يزيد، فأمر عُبيد الله مناديًا، فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمعَ الناس، فخطبَ، ونَعَى يزيد، وعرَّض بثَلْبه لِما بلغَه عنه. فقال له الأحنفُ بنُ قيس: إنه قد كان ليزيد في أعناقنا بيعة. فأعرضَ عنه.
ثم قال عُبيد الله: إن أهل الشام قد اختلفوا .. وذكر بمعنى ما تقدَّم. فبايعوه عن رضًى منهم، فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفَّهم بباب الدار والحيطان ويقولون: أيظنُّ ابنُ مَرْجانة أنَّا نُولِّيه أمرَنا؟!
وجعل سلطانُ ابن زياد يضعُف وأمرُه لا يُمتثل، ويأمر بحبسِ شخص فيُحالُ بين أعوانه وبينَه.
ودعا سلَمةُ بنُ ذُؤيب بن عبد الله اليربوعي إلى عبد الله بنِ الزُّبير، فاجتمع إليه ناس، وبايعوه لعبد الله ابن الزبير، فجمع ابنُ زياد القبائل وقال: هذا سلَمة بن ذُؤيب يدعوكم إلى الفُرقة ليضربَ بعضَكم ببعض، وأنا فقد ضعُف سلطاني، وما بايعتموني
стр. 3718
على هذا. فقال الأحنف وأشراف الكوفة: نحن نجيئك بِسَلَمة. ومضوْا إليه، فلم يقدِروا عليه، فلم يعودوا إلى ابنِ زياد.
وكان في بيت المال ثمانية آلاف ألف درهم، وقيلَ: تسعة عشر ألف ألف، فجمعَ الأشراف والعظماء وقال: هذا بيتُ مالكم وفيئكم، فخُذوا أُعطِياتِكم وأرزاقَ ذراريكم منه. وأمر الكَتَبة باستخراج أساميهم، واستعجل في ذلك؛ حتى كان الكتَّاب يكتبون أسامي الناس في الليل على الشمع. فلما (١) صنعوا به ما صنعوا وقعدوا عنه، ولم يحضر إليه سَلَمة بنُ ذؤيب؛ منعهم المال، وأخذَه معه لمَّا هرب، وفرَّقه في آل زياد، فذلك المال في آل زياد إلى اليوم.
ثم دعا عُبيد الله البخاريَّة الذين قدم بهم معه من بُخارا وقال لهم: تُقاتلون معي. فقالوا. إنْ أمَرَنا قُوَّادنا قاتلنا. فقال له إخوتُه: عمَّن تقاتل؟ ما ثَمَّ خليفةٌ فتقاتلَ عنه، وإن هُزمتَ أمدَّك، والحربُ دُوَل، فلا ندري ما يكون، وعندنا أموال، فإن ظهروا علينا أخذُوها فهلكنا. وقال له أخوه عَبْدُ الله بنُ زياد لأبيه وأمّه: واللهِ لئن قاتلتَ القوم لأعتمدنَّ على ظُبَةِ سيفي حتى يخرج من صُلبي.
فلما رأى عُبيد الله ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صُهْبان فقال له: يا حارث، إن نفسي تأبى غيرَكم، وقد احتجتُ إلى الهَرب والجِوار، وقد اخترتكم (٢). فقال له: إنْ أخرجتُك نهارًا خفتُ أن لا أصل بك إلى قومي حتى أُقتل أو تُقتل، ولكن أُقيم معك إلى الليل، وأُردِفُك خلفي لئلا تُعرف. قال: نعم.
وخرج به وبإخوته وأهله ومعهم الأموال، فجعل عُبيد الله يسألُه عن قبيلة قبيلة، فقال له: أين نحن؟ فقال: في بني سلمة (٣). فقال: سلمنا. ثم أتى علي بني ناجية،
стр. 3719
فقال: أين نحن؟ فقال: في بني ناجية. فقال: نَجَوْنا إن شاء الله تعالى. وعرفه رجلٌ منهم فرماه بسهم، فوقع في عمامةِ ابنِ زياد. ومضى به الحارث حتى أنزله دار نفسه في الجهاضم.
ثم مضى الحارث إلى مسعود (١) بن عَمرِو بن عديّ، فلما رآه مسعود قال: يا حارِ، قد كنَّا نتعوَّذُ من شرِّ طوارق الليل (٢)، فنعوذُ بالله من شرِّ ما أتيتَنا به. فقال الحارث: ما طَرَقْتُك إلا بخير، وقد علمتَ أنَّ قومَك أَنْجَوْا زيادًا فوَفَوْا له (٣)، فصارت مَكْرُمةً لهم في العرب يفتخرون بها، وقد بايعتُم عُبيدَ الله على الرّضَى، وله قبلَ هذه بيعةٌ في أعناقكم. فقال مسعود: يا حارِ، أتَرَى لنا أنْ نُعادِيَ أهل مِصرِنا في عُبيد الله، وقد أَبْلَينا في أبيه ما أبلينا، ثم لم يُكافئنا، ولم يشكرنا. فقال له الحارث: إنَّه لا يُعاديك أحدٌ على الوفاء بالبيعة حتى تُبلغَه مأمنَه (٤).
وقيل: إنَّ عُبيد الله قال له في الطريق: يا حارث، إنك قد أحسنتَ وأجملت، فهل أنت صانعٌ ما أُشيرُ به عليك؟ قال: نعم. قال: قد عرفتَ منزلةَ مسعود بنِ عَمرو في قومه، وشرفَه وسنَّه وطاعةَ قومه له، فهل لك أن تذهب بي إلى داره، فأكونَ في وسط الأَزْد؟ فإنك إنْ لم تفعل صدعَ عليك أمرُ قومك. قال الحارث: قلتُ: نعم. فانطلقتُ به، فما شعرَ مسعود حتى دخلنا عليه وهو جالس وبين يديه نار تُوقد، فلما نظر في وجوهنا عرَفَنا، فقال: إنه قد كان يتعوَّذ من طوارق السوء، وإنكما من طوارق السوء. قال: فقلتُ له: أفتُخرجُه بعد ما دخل عليك؟! قال: فأمره، فدخل بيتَ عبد الغافر بن مسعود، ثم ركب مسعود من ليلته ومعه جماعة (٥) من قومه، فطافوا في الأزد فقالوا:
стр. 3720
إنّ ابن زياد قد فُقد، ولا نأمنُ أن تَلَطَّخُوا به، فأصْبِحُو! في السلاح. وأصبحَ الناس فقالوا: ما ابنُ زياد إلا في الأَزْد (١).
فأرسل شقيق بن ثور إلى مسعود بن عَمرو يقول: احذر الفتنة، وأخْرِجْ ابنَ زياد.
وكان ابن زياد وأخوه عَبْدُ الله عند مسعود، وبلغَهما، فقال عبد الله: واللهِ لا نخرجُ عنكم، فقد أجرتُمونا وعقدتُم لنا عقد الذّمَّة، فلا نخرج حتى نُقتل بينكم، فيكونَ عارًا عليكم إلى يوم القيامة.
وقيل: إن الحارث لم يكلِّم ابنَ عَمرو في ابنِ زياد، ولكنّه أمرَ عُبيد الله، فحملَ معه مئة ألف درهم، فأتى بها أمَّ بِسْطام امرأةَ مسعود -وهي بنت عمِّه- ومعه عُبيد الله وعَبد الله ابنا زياد، فاستأذنَ عليها، فأذنَتْ، فقال لها الحارث: قد أتيتُكِ بأمر تَسُودين به نساءك، وتبنين (٢) به شرف قومك، وتتعجَّلين عينًا هي لك خاصة، هذه مئةُ ألف درهم، خُذِيها فهي لك، وضُمّي إليكِ عَبدَ الله وعُبيد الله. فقالت: أخافُ أن لا يقبله مسعود، فقال: اجعلي عليهما ثوبا، وأدخليهما في الفراش بينكِ وبين مسعود ففعلت (٣).
فلما رأى مسعود ابن زياد قال له: قد أجارتني بنتُ عمِّك، وهذا ثوبُك عليّ وطعامُك في بطني. فسكتَ، وأخذَت المال. فلم يزل في دار مسعود حتى قُتل مسعود (٤).
وكان مسعود جميلًا يسمى القمر لجماله، وأقام ابنُ زياد في داره أربعين يومًا، فلما قُتل مسعود هرب ابن زُياد إلى الشام. ويقال: إنَّ ابن زياد استخلفَه على البصرة لما هرب.
стр. 3721
واختلفوا في قتل مسعود؛ قال مَعْمر: قتلَه بنو تميم في حرب وقعت بينهم في هذه الأيام سببها لطمةٌ لطمها رجلٌ من الأزد رجلًا من بني تميم، فقُتل من الفريقين ألوفٌ من القبائل، وخرج ابنُ زياد هاربًا إلى الشام، وطلبه أهل البصرة، ففاتَهم، فقدم الشام ولم يُبرموا أمرًا، فأشار على مروان بأنْ يدعوَ إلى نفسه، وأنْ يطلبَ الخلافة، فقبل من رأيه.
وأمَّا أهلُ البصرة؛ فاختاروا عبدَ الله بنَ الحارث بن عبد المطلب، وأمُّه هند بنتُ أبي سفيان، ويلقَّب بَبَّهْ. ومال قومٌ إلى عبد الله بن الأسود الزُّهريّ، وكان أهلُ البصرة قد فوَّضوا أمرَهم في الاختيار إلى قيس بن الهيثم السُّلَميّ، ونُعمانَ بنِ صُهْبان الراسبيّ. فاختارَ النعمانُ بَبَّهْ، وقال: إن هذا من بني عمّ رسول الله ﷺ ، وأمه بنتُ أبي سفيان، فإنْ كان المُلك فيهم (١)، فهو ابنُ أُختهم (٢). فرضوا به (٣).
وأمَّا أهلُ الكوفة؛ فطردوا عمرَو بنَ حُرَيث، وأجمعوا على عامر بن مسعود، وكانوا قد اتفقوا على عُمر (٤) بنِ سعد بن أبي وقَّاص، فجاءت نساءُ هَمْدان ورجالُهم يبكون حسينًا ﵁ قد تقلَّدُوا سيوفَهم وقالوا: لا واللهِ ولا كرامة. فطردوا ابن سعد ووَلَّوْا عامرَ بنَ مسعود، وكتبوا إلى ابن الزبير، فأقرَّه، وأقرَّ بَبَّهْ (٥).
وخطب عامر بن مسعود يومًا فقال: إن لكل قوم أشربةً ولذاتٍ، فاطلبوها في مظانِّها واكسروها بالماء، وتوارَوْا (٦) عني بهذه الجدران، وإني قد تزوَّجتُ، فأعينوني بأعطياتكم شهرًا. فأخذ من الناس أرزاق شهر، فقال عبد الله بن همَّام السَّلُولي:
стр. 3722
اشرَبْ شرابَك وانْعَمْ غيرَ محمودِ (١) … واكسره بالماء لا تعص ابنَ مسعودِ
إن الأمير له في الخمر مأربةٌ … فاشرَبْ هنيئًا مريئًا غير تصريدِ (٢)
وبلغ ابنَ الزبير، فعزلَه بابن مُطيع.
وفيها بويعَ ابنُ الزُّبير بالخلافة بمكَّة، فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله والخلفاءِ بعدَه، وأوَّلُ من بايعَه مصعبُ بنُ عبد الرحمن بن عوف. فقال الناس: هذا أمرٌ فيه صعوبة. وبايعَه عبيدُ الله بنُ علي بن أبي طالب، وعبدُ الله بنُ جعفر. وأراد ابنَ عُمر ومحمد بنَ الحنفية وابنَ عبَّاس على البيعة، فأبَوْا (٣).
وولَّى ابنُ الزبير أخاه مصعب بنَ الزبير على المدينة، فبايعوه، وبعث الحارث بن عبد الله بن ربيعة إلى البصرة فبايعوه، وبعث ابن مطيع إلى الكوفة فبايعوه، وبعث عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم إلى مصر، فبايعوه، وبعث إلى اليمن بَحِير بن رَيسَان، وكان عليها واليًا ليزيد، فجاءته بيعتُه، وبعث إلى خُراسان، فبايعوه (٤)، وإلى الضحَّاك بن قيس الفهري، فأخذ له البيعة على أهل الشام، واستَوْسَقَت له البلاد كلُّها ما خلا طائفةً من أهل الشام كان فيها مروان وأهل بيته، وأهل الأردن وفلسطين.
وبُويع لسبع ليال بقين من رجب سنة أربع وستين بعد أن أقام الناس جمادى الأول والآخِر وأيامًا من رجب بغير إمام.
وكان ناتل بن قيس الجُذامي عند عبد الله بن الزُّبير، فكتب له عهده على الأردنّ وفلسطين، فخرج إليها، وكان على الأردن حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي؛ ولَّاه إيَّاها معاوية بن أبي سفيان، ثم أقرَّه عليها يزيد، فأرسل إليه ناتل الجُذامي: إما أن تخرجَ من بلاد قومي -يعني جُذامًا- وإلا قاتلتك (٥).
стр. 3723
ولم يكن لحسان به طاقة، فنزلَ حسان طبريَّة، وأظهرَ الدعاء لخالد بن يزيد بن معاوية.
ثم سار حسان فنزل الجابية، وانضافَ إليه الحُصين بن نُمير السَّكوني، ومالك بن هُبيرة، ورَوْح بن زِنْباع الجُذامي، وزِمْل بن عَمرو العدويّ، وعبد الله بن مَسْعَدة الفَزَاريّ، وعبد الله بن عِضاه الأشعريّ، ومروانُ بن الحكم، ومعه ابنُه عبد الملك، وهو يومئذ ابن ثمانٍ وعشرين سنة، ومروان لا تمرُّ بباله الخلافة ولا يفكّر فيها، وكان معهم خالدُ بن يزيد [بن معاوية] وعَمْرو بن سعيد الأشدق. وأجابهم قوم من البلقاء وأذرعات (١).
وكان الضحاك بن قيس بدمشق، والنعمان بن بشير بحمص، وزُفر بن الحارث بقِنّسرين قد ضبطوا الشام لابن الزبير، وذلك بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يبق بالشام من عَصِيَ على ابنِ الزبير إلا حسانُ بن مالك بن بَحْدَل، ومن سمينا معه، وأخذ ناتلُ الجُذامي البيعةَ لابن الزبير على أهل فلسطين.
стр. 3724
الباب الرابع في ولاية مروان بن الحاكم
ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية اختلف الناس بالشام، فكان أوَّلَ من خالف من أمراء الأجناد النعمانُ بنُ بشير بحمص، دعا إلى ابن الزبير، ثم الضحَّاك بن قيس الفِهْري؛ دعا بدمشق سرًّا لابنِ الزبير، ولم يظهر ذلك لمكان بني أمية وكلب.
وبلغ حسانَ بنَ مالك بن بَحْدَل الكلبيّ وهو بفلسطين، وكان هواه في خالد بن يزيد؛ لأن يزيد كان ابنَ أخته ميسون، فأمسك، وكتب إلى الضحَّاك بن قيس كتابًا يعظم فيه بني أمية ويذكر بلاءهم عنده، ويذمّ ابنَ الزبير، ويذكر خلافَه ومفارقتَه الجماعة، ويدعوه إلى أن يُبايع لرجلٍ (١) من بني حرب، وبعث بالكتاب مع ناعصة (٢) بن كريب الطابخي، وأعطاه نسخة الكتاب، وقال له: إن قرأ الضحَّاك الكتاب على الناس؛ وإلَّا؛ فاقرأ أنت نسختَه عليهم. وكتب إلى بني أمية يُعلمهم ما كتب به إلى الضحَّاك، وما أمرَ به ناعصة، وأمرَهم أن يحضروا ذلك.
فقرأ الضحَّاك كتاب حسان ولم يقرأه على الناس، فكان في ذلك اختلاف وكلام، فَسَكَّنهم خالد بن يزيد (٣).
стр. 3725
فقام ناعصة، فقرأ نسخة الكتاب على الناس بمشهد من بني أمية، فقام الوليد بنُ عتبة بن أبي سفيان، وسفيان بن الأبرد، ويزيد بن أبي النّمس، وغيرهم، فكذَّبوا ابنَ الزُّبير ونالوا منه، وقالوا: خلع خليفتين. وأثْنَوْا على حسان.
وقام عمرو (١) بن زيد الحكمي، فشتم حسانًا، وأثنى على ابنِ الزبير، وأمرَ الضحَّاك بالوليد بن عُتبة ومن شتمَ ابنَ الزُّبير، فحُبسوا.
وثار جماعة إلى عمرو بن زيد الحكمي، فضربوه، فقام خالد بن يزيد، فصعد مِرْقاتَين من المنبر والضحَّاك في أعلاه، فتكلم خالد بكلام وجيز سكَّن الناس (٢).
ونزل الضحاك، فصلَّى بالناس الجمعة، وجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الأبرد، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبي النمس فقال الوليد بن عتبة: لو كنتُ من كلب أو غسان لأُخرجت. فجاء خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فأخرجوه (٣) من السجن، وكان معهما أخوالهما من كلب. فكان أهل الشام يسمُّون ذلك اليوم يوم جَيرُون الأول (٤).
ودخل الضحَّاك دارَه، ومكثوا أيامًا (٥)، فخرج الضحَّاك يومًا، فصلى بالناس صلاة الصبح، وذكر يزيد بن معاوية فسبَّه، فقام إليه رجل من كلب، فضربه بِعَصًا، واقتتلَ الناس بالسيوف، ودخل الضحاك دار الإمارة.
وافترق الناس ثلاث فِرَق؛ فرقة زُبيريَّة، وفِرْقة بَحْدَلية؛ هوا هم مع بني حرب، وفرقة لا يُبالون لمن كان الأمر؛ لبني أمية أو لغيرهم، وأرادوا الوليد بنَ عتبة بن أبي سفيان على البيعة، فأبى، وهلك في تلك الليالي.
стр. 3726
وأرسل الضحاك بن قيس إلى بني أمية، فأتاه مروان وعمرو بن سعيد، وخالد وعبس الله ابنا يزيد بن معاوية، فاعتذرَ إليهم، وذكرَ حُسن بلائهم عنده، وأنه لم يُرد شيئًا يكرهونه، وقال: اكتبوا إلى حسان بن مالك بن بَحْدَل حتى ينزل الجابية، ثم نسير إليه، فنستخلف رجلًا منكم.
فكتبوا إلى حسان، فأقبل حتى نزل الجابية، فلما استقلَّت (١) الرايات متوجّهة قال معن بن ثور (٢) السُّلمي ومن معه من قيس للضحاك: دَعَوْتَنا إلى بيعة رجل من أحزم الناس رأيًا، وأفضلهم دينًا، فلما أجبناك خرجتَ بنا إلى هذا الأعرابيّ من كلب لتُبايع ابنَ أخته. قال: فتقولون ماذا؟ قالوا: تنصرفُ، وتُظهر البيعة لابن الزبير. ففعل الضحاك، وبايعه الناس لابن الزبير.
وبلغ ابنَ الزبير، فكتب للضحاك بعهده على الشام، وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير فأتوه.
فلما رأى ذلك مروان خرج من الشام يريد ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه أمانًا لبني أمية، وخرج معه عَمرو بن سعيد بن العاص، فلما كانوا بأذرعات لقيهم عُبيد الله بنُ زياد من العراق، فسألهم عن حالهم، فأخبروه، فقال لمروان: سبحان الله! أرضيتَ لنفسك [بهذا] وأنت شيخ قريش وسيد بني عبد مناف أن تُبايع لأبي خبيب؟! واللهِ لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: ما الرأي؟ قال: أن ترجعَ وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشًا. وقال عمرو بن سعيد: وأنا أكفيك بني أمية.
فرجع مروان وعَمرو بنُ سعيد إلى الشام، فنزلا تدمر، ودخل عُبيد الله بن زياد دمشق، فنزل بباب الفراديس، وكان يتردَّد إلى الضحاك كلَّ يوم يسلِّم عليه، فقال له يومًا: يا أبا أُنيس، العجب منك وأنت شيخُ قريش، تدعو لابن الزبير، وتدعُ، وأنت أرضى عند
стр. 3727
الناس منه! فدعا إلى نفسه، ورجع عن ابن الزبير ثلاثة أيام، فقال الناس: دَعَوْتَنا إلى بيعة رجل، وأخذتَ عهودنا، ثم دعوتَ إلى خلعه من غير حَدَث! وامتنعوا عليه (١).
فلما رأى ذلك عاد إلى ابن الزبير، فأفسده ذلك عند الناس وغيَّرهم عليه، ثم قال له ابنُ زياد: يا أبا أُنيس، مَنْ أرادَ ما أردتَ ما ينزل المدائن والحصون، ابْرُزْ عن دمشق، واجمع الناس، وتصفَّح الخيل. وكان ذلك خديعةً من ابن زياد.
فخرج الضحاك، فنزل المَرْج، وبقي عُبيد الله بدمشق، ومروان وبنو أمية بتدمر، [وخالد] وعَبدُ الله ابنا يزيد بالجابية مع حسان [بن مالك بن بَحْدَل]، فكتب عُبيد الله إلى مروان: ادْعُ إلى نفسك، ثم سِرْ إلى الضحاك فقد أَصْحَرْتُهُ لك (٢).
فدعا مروان بني أمية، فبايعوه (٣)، وتزوج أمَّ خالد بن يزيد. [وخرج عُبيد الله] (٤) فنزل المرج، وكتب إلى مروان أن أَقْبِل.
وقيل: كان الناس بالجابية أهواؤهم مختلفة، فكان مالك بن هُبيرة السَّكوني يهوَى هوى أولاد يزيد، والحُصين بن نُمير يهوى أن تكون الخلافة لمروان. فقال [مالك] للحصين (٥): هلمَّ فلنبايعْ هذا الغلام -يعني خالد بن يزيد- فنحن ولَدْنا أباه، وهو ابنُ أُختِنا، وقد عرفتَ أن أباه حملنا على رقاب العرب (٦): فقال حُصين: لا لعَمرو الله، لا تأتينا العرب بشيخ، ونأتيها بصبيّ. فقال مالك: هذا ولمَّا تَرِد تِهامة (٧)، ولا بلغَ الحِزام الطُّبْيَيْنِ (٨)، واللهِ لئن استخلفتَ مروان وآل مروان لَيَحْسُدُنَّك على سَوْطك
стр. 3728
وشِراك نعلك وظلِّ شجرة تستظل بها. إنَّ مروان أبو عشرة وأخو عشرة وعمُّ عشرة (١)، فإن بايعتُموه صرتُم عبيدًا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد (٢).
وقال أهل الأردنّ وغيرهم: يا مروان، أنت شيخ كبير، وابنُ يزيد غلام، وابنُ الزّبير كهل، والحديدُ إنما يقرع بعضُه بعضًا (٣). وقال الحُصين: إنّي رأيتُ في المنام قنديلًا معلَّقًا من السماء، وأنَّ مَنْ يمدُّ عنقه إلى الخلاقة تناوله. فلم ينله أحد، ومدَّ يده مروان فناله.
واجتمع رأيُهم على مروان، فقام رَوْحُ بن زِنْباع خطيبًا، فقال: أيّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بنَ عمر للخلافة، وإنَّه لا تنكر صحبتُه لرسول الله ﷺ وقَدَمُه في الإِسلام، ولكنَّه رجل ضعيف، ولا يصلح لأمر أمَّة محمَّد ﷺ الضعيفُ.
وإنكم تذكرون ابنَ الزُّبير وابنَ حواريّ رسول الله ﷺ وابن أسماء بنتِ أبي بكر الصدِّيق ذاتِ النطاقين، وإنه كما تذكرون في قدمه وفضله وعبادته، ولكنه ألحدَ في الحرم، وسفكَ الدماء، وخلع خليفتين؛ يزيد و [ابنَه] معاوية، وشقَّ عصا المسلمين، وليس يصلح لأمرِ أمَّةِ محمَّد ﷺ مَنْ يكون كذا.
وأمَّا مروان بنُ الحَكَم فواللهِ ما كان في الإِسلام صَدْع قطّ إلا كان مروان ممَّن يَشْعَبُ ذلك الصَّدْع (٤)، وهو الذي قاتلَ عن أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان يومَ الدَّار (٥).
وكان هَوَى حسان بن مالك بن بَحْدَل مع ابن أخته خالد بن يزيد [فقال له ابن عِضاه الأشعريّ: أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد، وهو حَدَث السّنّ. فقال له حسان: إنَّه واللهِ لمعدن المُلك والرِّياسة. فقال ابن عضاه لأصحابه: قُوموا بنا إلى خالد. فجاؤوا،
стр. 3729
فرأَوْه نائمًا متصبِّحًا، فقال ابنُ عِضاه: يا قوم، أتجعلون نحورَنا للأسنَّة والسهام لهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة؟!
ثم أتى مروانَ، فألفاه يقرأ القرآن والمصحف بين يديه، وفرسه مربوط إلى جانب فسطاطه، ورُمْحُه مركوز على الفسطاط، ودِرعُه وسلاحُه إلى جانبه، فقال ابن عضاه: هذا واللهِ المُجِدُّ المُشَمِّر الحازم الذي يصلحُ لهذا الأمر، وهو شيخ قريش وابنُ عمّ الخليفة المظلوم.
وجاء إلى حسان، فأخبره الخبر، فقال: أنا منعتكم (١)؟ وإنما كرهتُ أن يخرج هذا الأمر عن بني أمية إلى ابن الزبير (٢).
وأجمعَ رأيُ القوم على بيعة مروان، وبعده لخالد، [ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أنَّ إمرة دمشق لعمرو بن سعيد، وإمرة حمص لخالد بن يزيد.
فدعا حسانُ خالدَ بنَ يزيد وقال له: يا ابن أخت، إن القوم قد أَبَوْك لحداثة سنِّك، وإني واللهِ لا أُريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أُبايع مروان إلا نظرًا لكم. فقال خالد بن يزيد: عَجَزْتَ عنا. فقال: لا والله، ما عجزتُ عنك، ولكن الرأيَ لك ما رأيتُ. ثم دعا مروان وقال له: يا مروان، واللهِ ما كلُّ الناس يرضى بك. فقال مروان: إنْ يُردِ [الله] أنْ يُعطِيَنيها فلا مانع له، وإن منعها عني لم يقدر أحدٌ أن يُعطيَنيها. فقال حسان: صدقتَ (٣).
واختلفوا في بيعته على أقوال: أحدُها: في المحرم سنة خمس وستين، والثالث: يوم الخميس في رجب سنة أربع وستين (٤).
وسار مروان إلى دمشق لقتال الضحَّاك، وسار حسان إلى الأردنّ.
стр. 3730
حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي
هو أخو ميسون أمِّ (١) يزيد بن معاوية، وكنيتُه أبو سليمان، وكان زعيم بني كلب.
شهد مع معاوية صفِّين، وكان يومئذٍ على كلب، وكان له قَدْرٌ وجاه عند بني أمية.
وقال البلاذُري (٢): سُلِّم عليه بالخلافة أربعين ليلة، ثم سلَّمها إلى مروان.
وكانت داره بدمشق المعروف بقصر [ابن] أبي الحديد، ويقال له: قصر البحادلة، أقطعه إيَّاه معاوية بن أبي سفيان (٣).
وإليه يُنسب دير [ابن] بَحْدَل من إقليم بيت لِهْيا (٤) من غوطة دمشق، أقطعه إياه يزيد بن معاوية، وولاه يزيد قِنّسرين والجزيرة (٥).
وهو القائل في الخلافة:
فإن لم يكن منا الخليفةُ نفسه … فما نالها إلا ونحن شهودُ
ولم يذكر تاريخ وفاته.
وقعة مَرْج راهط (٦)
وراهط اسم رجل كان ينزلُه في الجاهلية.
стр. 3731
وسار مروان ومعه خمسة آلاف، وجاءته السكاسك وكلب والموالي وغسان، فصار في أحد عشر ألفًا، وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عُبيد الله بن زياد.
وجاء أمراء الأجناد إلى الضحَّاك، فصار في ثلاثين ألفًا (١)، وجعل على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، وعلى ميسرته زُفر بن الحارث.
وكان يزيد بن أبي النّمس الغساني مختبئًا بدمشق، فلما وصل مروان إلى المرج ثار بها، وثار معه عَبيدُ أهل دمشق، وأخرج (٢) عاملَ الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان، وأمدَّه بالمال والرِّجال والسلاح، فكان ذلك أوَّلَ فَتْحٍ فُتح لبني أمية. فأقاموا يقتتلون عشرين يومًا (٣).
وقيل: أقبلَ مروان من تدمر في خمسة آلاف، وأقبل عباد بن زياد من حُوَّارِين في ألفين من مواليه وغيرهم، وأمدَّ النعمانُ بنُ بشير الضَّخَاك من حمص بشُرحبيل بن ذي الكَلاع، وأقبل زُفر بن الحارث بعسكر قِنّسرين لنُصرة الضحَّاك [فكان الضحَّاك في ثلاثين ألفًا] وصار مروان في ثلاثة عشر ألفًا؛ أكثرهم رجَّالة، ولم يكن في عسكر مروان سوى ثمانين عتيقًا (٤)؛ منها أربعون لعبَّاد بن زياد، وأربعون لسائر الناس، فأقاموا بالمرج عشرين يومًا يقتتلون، فقال ابن زياد لمروان: الحرب خُدْعة، وقد علمت شجاعةَ قيس، وإنك لا تنالُ منهم شيئًا إلا بمكيدة، فكِدْهُم. قال: وكيف أصنع؟ قال: ادعُهم إلى الموادعة، فإذا كفُّوا عن القتال فكُرَّ عليهم وهم غارُّون (٥).
فبعث إلى الضحاك فأمسك عن القتال، والقيسيةُ تطمع أن يبايع الضحاك لمروان.
وأعدَّ مروان أصحابه، فلم يشعر الضحاك وأصحابُه إلا بالخيل قد شدَّتْ عليهم، ففزع الناس إلى راياتهم وقد غَشَوْهم على غير عِدَة (٦).
стр. 3732
فاقتتلوا، وترجَّل مروان ومن معه، وصاح الضحَّاك: اغد (١) يا ابن الزرقاء. قال مروان: نعم. وكان قد تفرَّق عن الضحاك أصحابُه، فترجل أيضًا، وترجَّلت القيسيَّة معه، وقاتلت قتالًا لم يُعهد مثله، وقُتل من القيسيَّة مقتلةٌ لم يُقتل مثلُها في موطن قط، وقُتل مع الضحَّاك يومئذٍ ثمانون رجلًا من أشراف قيس ممَّن كان يأخذ في العطاء ألفين، وقُتل من أصحاب مروان خلقٌ عظيم لم يُقتل مثلُهم من القبائل (٢).
وجُرح الضحاك، فسقط إلى الأرض، ولم تعلم به القيسيَّة، ومرَّ به رجل من كلب، فحزَّ رأسَه، واسم الرجل زُحْمَة (٣) بن عبد الله، والذي قتله مالك بن يزيد (٤) الكلبي من بني عُليم.
وجاء زُحْمة برأسه إلى مروان، فقال له: أنتَ قتلته؟ قال: لا. فأعجبَه صدقُه، وأحسنَ إليه (٥).
ولما حضر بين يدي مروان رأسُ الضحاك أُسقِطَ في يده، وقال: الآن حين كبِرَتْ سنِّي، ورقَّ عظمي، وصِرتُ في مثل ظِمْءِ الحمار (٦)؛ أقبلتُ بالكتائب أضربُ بعضَها ببعض (٧)!.
ولم يضحك رجالٌ من قيس بعد يوم المَرْج حتى ماتوا، ولم يحضرها عبد الملك بن مروان تورُّعًا.
وكانت الوَقْعة في ذي الحجة سنة أربع وستين في منتصفه. وقيل: في تمامه.
стр. 3733
وكان بشر بن مروان يرتجز وبيده الراية ويقول:
إنَّ على الرئيس حقًّا حقَّا … أن يخضب الصَّعْدَةَ أو تندقَّا (١)
واختلفوا هل شهد الوقعة زُفر بن الحارث الكلابي أم لا؟ ولحق زُفر بقرقيسيا [فلما انتهى إليها وعليها عِياض بن أسلم الجُرَشيّ -وكان يزيد بن معاوية ولّاه قرقيسيا- فحال عياض بين زُفر وبين دخول قرقيسيا] فقال زُفر: أحلفُ لك بالطلاق والعِتاق إذا دخلتُ حمَّامها خرجتُ منها. فأذنَ له في دخولها، فدخلَها ولم يدخل حمَّامها، وأخرجَ عِياضًا منها، وتحصَّن زُفر بها، وثابَتْ إليه قيس.
وخرج ناتل الجُذامي من فلسطين هاربًا إلى ابن الزبير بمكة، وأجمع الناس على مروان، واستوسق له الشام، فولَّى عليه عمَّاله (٢).
وقال أبو مِخْنَف: شهد زُفر بن الحارث يومَ المرج، فلما انهزم الناس؛ انهزم معه شابَّان من بني سُليم، وجاءت خيلُ مروان في طلبهم، فقالا له: انجُ بنفسك، فنحن مقتولان، فهرب زُفر وتركهما، حتى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إليه قيس فرأسوه عليهم، فقال:
أريني سلاحي لا أبا لك إنني … أرى الحربَ لا تزدادُ إلا تماديا
أتانيَ عن مروان بالغيب أنه … مُقِيدٌ دمي أو قاطعٌ من لسانيا
ففي العِيس مَنْجَاةٌ وفي الأرض مَهْرَبٌ … إذا نحن رفَعنا لهنَّ المثانيا
فلا تحسبوا أني (٣) تَغَيَّبْتُ غافلا … ولا تفرحوا إنْ جئتُكم بلقائيا
فقد يَنبُتُ المَرعَى على دِمَن الثرى … وتبقى حزازاتُ النُّفوسِ كما هيا
أتَذْهَبُ كلبٌ لم تَنَلْها رماحُنا … وتُتْرك قتلى راهطٍ هي ما هيا
لعمري لقد أبْقَتْ وقيعة راهطٍ … لحسان (٤) صَدْعًا بَيِّنًا متنائيا
أَبَعْدَ ابنِ عمرٍو وابنِ مَعْنٍ تتابَعا (٥) … ومَقْتَلِ همَّامٍ أُمَنَّى الأمانيا
стр. 3734
فلم تُرَ منِّى نَبْوَةٌ قبلَ هذه … فِراري وتَركي صاحبيَّ ورائيا
أَيَذْهبُ يومٌ واحدٌ إن أسأتُه … بصالح أيامي وحُسْنِ بلائيا
فلا صُلْحَ حتى تَنحِطَ الخيلُ بالقَنا (١) … وتثأرَ من نسوان كلبٍ نسائيا
فأحابه جوَّاس (٢) [بن قعطل] فقال:
لعمري لقد أبقَت وقيعةُ راهطٍ … على زُفَرٍ داءً من الداء باقيا
مقيمًا ثَوَى بين الضلوع محلُّهُ … وبين الحَشَا أعيا الطبيبَ المداويا
تُبَكِّي على قتلى سُليمٍ وعامرٍ … وذُبيان معذورًا وتُبكِي البواكيا
دعا بسلاحٍ ثم أحجمَ إذْ رَأَى … سيوفَ جنابٍ والطِّوال المَذَاكيا
عليها كأُسدِ الغابِ فتيانُ نَجْدَةٍ … إذا أشرعوا نحو الطِّعان العواليا (٣)
وقال البلاذُري: لما استوسقت لابن الزبير البلاد (٤) غير طبريَّة والأردن، قال عَمرو بنُ سعيد لمروان: ما يمنعُك من طلب الخلافة وأنت شيخُ قريش وكبيرُها وأَحق بها من غيرك؟ فقال: ليس لي بالضحَّاك طاقة. قال: فانكح أمَّ خالد بن يزيد، فيصير موالي معاوية وأتباعه معك. قال: فدونك وإياها. فأتاها عَمرو، فما زال يخدعُها حتى أجابت، فنكحَها مروان، وقويَ أمرُه.
وبعث إليه الضحَّاك، فقال: بايع ابنَ الزبير. فقال: اخرج إلى المَرْج حتى أشترط عليك شروطا على رؤوس الملأ، ثم أبايعك (٥).
وكان في نفس مروان أن يُبايع لابن الزبير، وخرجوا إلى المَرْج، فقال مروان لعمرو بن سعيد: إذا سايرتُ الضحَّاك فاركب الفرس الفلاني -وكان سيِّئ الخُلُق؛ يَكْدُمُ مَنْ يقربُ مثله، ويمشي معترضًا- ثم تتبيَّن (٦) بيني وبين الضحاك، فإني سآمرك أن ترجع
стр. 3735
وتركب غيره، فإذا رجعتَ فسِرْ إلى دمشق، وأغلق أبوابها، وخلِّ بيني وبين العبد -يعني الضحَّاك- حتى يحكم الله بيننا.
ففعل عَمرو ما أمره مروان، ودخلَ دمشق، وبلغ الضحاك، فركب في القيسيَّة، وقصد قتل مروان، والتقَوْا، فقُتل الضحَّاك.
وفيها بايع أهلُ خُراسان سَلْمَ بنَ زياد بن أبيه بعد موت يزيد وابنه معاوية حتى يجتمع الناس على إمام.
ولم يجتمع أهلُ خُراسان على أمير كاجتماعهم على سَلْم، ومن محبَّتهم له أنهم سَمَّوْا أولادَهم باسمه، فما وُلد منهم مولود إلا وسمَّوْه سَلْما، فأُحصيَ ذلك، فبلغَ عشرين ألف مولود مدَّةَ ولايته عليهم.
وكان جاء نعي يزيد وابنه معاوية، وجاءه مقتل يزيد بن زياد من سجستان، وأَسْرُ أبي عُبيدة بن زياد، فازداد حزنًا. وكان قد بعث بالهدايا والتّحف إلى يزيد بن معاوية مع عبد الله بن خازم.
ولما كتم ما بلغَه من ذلك، وعلم ابنُ عَرَادةَ الشاعرُ قال:
يا أيُّها الملكُ المغلِّقُ بابَهُ … حَدَثَتْ أمورٌ شأنُهنَّ عظيمُ
قَتْلَى بجَنْزَةَ (١) والذين بكابُلٍ … ويزيدُ أُعْلِنَ شأنُهُ المكتومُ
أَبني أُمَيَّةَ إن آخرَ مُلْكِكُمْ … جسدٌ بحُوَّارين ثَم مُقِيمُ
طرقَتْ منيَّتُه وعند وسادِهِ … كوبٌ وزِقٌّ راعفٌ مَرْثُومُ (٢)
ومُرِنَّةٌ تبكي على نَشْوانِهِ … بالصَّنْج تقعدُ تارةً وتقومُ
فلمَّا ظهر هذا الشعر أظهر سَلْم موتَ يزيد وموتَ معاوية ابنهِ، وبايعه الناس على الرِّضى حتى يستقيم الناس على خليفة، وأقاموا شهرين ثم نكثوا.
ولما نكثوا خرج سَلْم عن خُراسان، واستخلف عليها المهلَّب بنَ أبي صُفْرة، فلما كان بِسَرَخْس؛ لقيَه سليمان بن مَرْثَد أحدُ بني قيس بن ثعلبة، فقال له: من استخلَقتَ على خراسان؟ قال: المُهَلَّب. قال: ضاقَتْ عليك نزار حتى ولَّيتَ رجلًا من اليمن!
стр. 3736
فلما صار بنَيسابور؛ لقيَه عبدُ الله بن حْازم، فسألَه أن يُولِّيَه خُراسان، فقال: عليها المهلَّب. فقال: لا بدَّ. فولَّاه إيَّاها، وخرج المُهَلَّب من مَرْو لما علم به (١).
وجرت بين ابن خازم وبكر بن وائل حروبٌ عظيمة قُتل من بكر بن وائل فيها ثمانيةُ آلاف.
وقال له هلال الضَّبِّي: يا ابن خازم، اتَّقِ الله، فإنَّما تقاتل إخوتَك وبني أبيك، وقد أفنيتَهم، فلو أعطيتَهم شيئًا يرضَوْن به، وأصلحتَ هذا الأمر. فقال: واللهِ لو أعطيتُهم خُراسان ما رضُوا، وأنتَ رسولي (٢) إليهم.
فخرج الرجل حتى لقيَ منهم جماعة فقالوا: لولا أنك رسول لقتلناك. قال: فما يُرضيكم؟ قالوا: إمَّا أن تخرجوا من خراسان، فلا يبقى بها من مُضَر أحد، وإمَّا أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل ذهبٍ وفضة وسلاح.
فرجع إلى ابن خازم فأخبره. فقال: إنَّ ربيعة لم تزل ساخطةً على ربِّها منذ بعث الله رسولَه من مُضَر (٣).
ثم رجع ابنُ خازم إلى مرو.
وفيها تحركت الشيعة بالكوفة، وتعاهدوا على الطلب بدم الحسين ﵇ (٤).
لما قتل الحسين ﵁، ورجع ابنُ زياد من معسكره بالنُّخَيلة إلى الكوفة؛ ندمت الشيعة على ما فعلوا، وعزموا على الطلب بثأر الحسين ﵁، وقالوا: كاتبناه وأقدمناه لننصره فخذلناه. ورأوا أنه لا يغسلُ عنهم الإثم والعار إلا أن يقتُلوا قَتَلَتَهُ، أو يُقتلوا فيه.
فاتفقوا على أن يردُّوا أمرَهم إلى خمسة نفر -وكانوا رؤوس الشيعة- وهم: سليمان بن صُرَد الخُزاعي، وكانت له صُحبة مع رسول الله ﷺ ، والمسيَّب بن نَجَبَة، وعبد الله بن سَعْد (٥) بن نُفيل الأزدي، وعبد الله بن والي التيمي، ورِفاعة بن شدَّاد البَجَليّ.
стр. 3737
واجتمعوا في منزل سُليمان، وكانوا من خيار أصحاب عليّ ﵇، فبدأ المسيَّب بن نَجَبَة بالكلام، فحمد اللهَ وأثْنَى عليه، وكان من جملة كلامه أن قال:
أمَّا بعد، فإنَّا قد ابتُلينا بطُول العُمر والفتن، فنرغب إلى الله تعالى أن لا يجعلنا ممَّن يقول له غدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] فإن أمير المؤمنين قال: العُمر الذي أعذرَ اللهُ فيه إلى ابن آدم ستون سنة. وليس فينا رجل إلا وقد بلغَها، وقد ابتلانا اللهُ، فَوجَدَنَا كاذِبِين في نُصرة ابنِ بنتِ رسول الله ﷺ ، فقد راسلناه وكاتبناه، ووعدناه نصرنا، ثم تخلَّينا عنه حتى قُتل إلى جانبنا، فلا نحن نصرناه بأيدينا، ولا خَذَّلْنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصر من عشائرنا، فما عُذْرُنا عند ربِّنا وعند لقاء نبيِّنا ﷺ وقد قُتل بينَنا ولدُه وحبيبُه وذُرِّيتُه؟ لا والله، دون أن نَقتُل قاتليه والمؤلِّبين عليه، أو نُقتَل في طلب ذلك، عسى ربُّنا أن يرضى عنا، فولُّوا عليكم أيها القوم رجلًا منكم، فلا بدَّ من أميرٍ ترجعون إليه، ورايةٍ تحفُّون بها.
فقال له رِفاعة بن شدَّاد: إن الله قد هداك لأَصْوبِ القول، ودعوتَ إلى أرشد الأمور، وهو جهادُ الفاسقين، والتوبةُ من الذنب العظيم. وقلتَ: وَلُّوا أمركم رجلًا تفزعون إليه، فإنْ يكن أنتَ ذاك؛ تكن عندنا مَرْضيًّا، وإنْ رأيتَ ورأى أصحابُنا ولينا هذا الشيخَ أمرَ الشيعة، فإنه صاحبُ رسول الله ﷺ ، وله السابقةُ والقِدَم -وأشار إلى سليمان بنِ صُرَد- فإنَّه المحمودُ في بأسِه ودِينه، الموثوقُ بحَزْمه.
وقال عبد الله بن والي وعبدُ الله بنُ سعد بنحو ما قال رِفاعة، فقال المسيَّب بن نَجَبَة: أصبتُم ووُفِّقتُم، وأنا أرى مثلَ ما رأيتُم، فولُّوا أمرَكم سليمانَ بنَ صُرَد.
فتكلَّم سليمان، وكان من جمل كلامه:
إنَّا كنَّا نمدُّ أعناقَنا إلى قدوم آلِ نبيِّنا ﷺ ، ونُمنِّيهم النصر، فلما قدموا؛ وَنَيْنا عنهم، وتَرَبَّصنا عليهم، حتى قتل فينا وَلَدُ نبيِّنا ﷺ وسلالتُه وبَضعَة من لحمه ودمه، وجعل
стр. 3738
يستصرخ فلا يُصْرَخ، ويستغيثُ فلا يُغاث، ويسأل النِّصْفَ (١) فلا يُعْطَى. واتخذه الفاسقون غَرَضًا للنَّبْل ودَوْم الرماح (٢) حتى أقصدوه، وعَدَوْا عليه فسلبوه. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
وذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى، ثم قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣).
ثم كاتبوا إخوانَهم: سعد بنَ حذيفة بن اليمان، وكان بالمدائن، وإلى المثنى بن مُخَرِّبة العَبْدي، وإلى جميع الأمصار، وأن يكون اجتماعهم بالنُّخيلة غُرَّةَ ربيع الآخِر سنة خمس وستين (٤).
فقال أبو مِخْنَف: كان بداية أمرهم في سنة إحدى وستين بعد مقتل الحسين ﵇، وكانوا يستعدون للحرب، ويجمعون الأموال والسلاح حتى هلك يزيد بنُ معاوية يوم الخميس لأربع عشرة مضت من ربيع الأول سنة أربع وستين، فكان بين مقتل الحسين ﵁ وهلاك يزيد ثلاث سنين وشهران وأربعةُ أيام. وكان عُبيد الله بن زياد بالبصرة، وعمرو بن حُريث خليفتُه بالكوفة، فاجتمعت الشيعة إلى سليمان بنِ صُرد وقالوا: قد مات هذا الطاغية والأمر الآن إلى ضعف، فإنْ شئتَ وثبنا على عمرو بنِ حُريث، فأخرجناه من القصر، وأظهرنا الطلب بدم الحسين، وقتلنا قَتَلَتَهُ. فقال سليمان: رويدًا لا تعجلوا، فإنَّ قتلةَ الحسين هم أشرافُ أهل الكوفة وفرسانُ العرب، وهم المُطالبون بدمه، ومتى علموا بما تريدون كانوا أشدَّ عليكم، فاثبتُوا حتى ننظر في هذا الأمر، ونبثَّ الدعاة، وتكثر الشيعة (٥).
وفيها ولَّى عبدُ الله بنُ الزُّبير عبد الله بنَ يزيد الخَطْمي الأنصاري الكوفة على حربها، وولَّى إبراهيم بن محمَّد بن طلحة بن عُبيد الله الأعرج على خَرَاجها، فقدماها
стр. 3739
لثمان بقين من رمضان، وقدم المختار بن أبي عبيد قبلهما بثمانية أيام، وكان قدوم الجميع من مكة (١).
ذكر قدوم المختار الكوفة:
كانت الشيعة تشتمُ المختار وتلعنُه وتُبغضه لِما كان منه في أمر الحَسَنُ بن عليّ ﵇ وقوله لعمِّه: سَلِّم الحَسَنُ إلى معاوية (٢).
فلما قدم مسلم بنُ عقيل الكوفة أنزله المختار في داره وبايَعَه، ولما خرجَ قاتلَ معه، فلما غلب مال المختار (٣) …
وأخذه ابنُ زياد، فحبسه، وكانت صفيَّةُ أختُ المختار تحت عبد الله بنِ عُمر ﵄، فدخلت عليه وبكت، وقالت: لا أرضى إلا بخلاص أخي، فإني أخافُ عليه من ابن مَرْجانة لا يقتلُه (٤).
فكتبَ ابنُ عمر ﵄ إلى يزيد بن معاوية بسببه، فكتب يزيدُ إلى ابن زياد أن أطلقْ المختارَ حين تنظُر في كتابي هذا، والسلام.
فلما وقف ابنُ زياد على الكتاب؛ أحضرَ المختار وقال له: قد أجَّلْتُك ثلاثًا، فإن وجدتُك بعدَها؛ فأنتَ أخبر.
وكان ابنُ زياد لما جيءَ به إليه ليلةَ خرجَ مسلم بنُ عَقيل؛ شَتَمَه وضربَه بقضيب فشَتَرَ عينَه (٥).
стр. 3740
فلما انقضت الثلاث خرج المختار من الكوفة يريد مكة، فلقيَه ابن الغرق (١) -مولى لثقيف- من وراء واقصة، فلما رأى شَتَرَ عينِه استرجع وتوجَّع، وقال له: ما بال عينك؟! فقال: خبطني ابنُ الزانية بالقضيب، قتلني اللهُ إن لم أُقطِّعه إرْبًا إربًا، فاحفَظْ عنّي ما أقول حتى تَرَى مصداقَه، إن الفتنة قد أَرْعَدَتْ وأبرقَتْ، وكانت (٢) قد أينعت، فوطئت في خِطامها، فإذا رأيتَ ذلك وسمعتَ بمكان قد ظهرتُ به، فوالله لآخُذنَّ بدم المظلوم الشهيد بالطُّفوف، واللهِ لأقتلنَّ بقتله عِدَّة القتلى التي قُتلت على دم يحيى بن زكريا. قال ابنُ الغرق: فقلت: هذه أعجوبة أعجبُ من الأولى. فقال: هو ما أقول لك، فاحفظه عني حتى تَرَى مصداقه. ثم ساق راحلته ومضى. فقلت في نفسي: هذا الأمرُ [الذي] يذكر أنه كائن؛ شيءٌ يحدِّثُ به نفسَه، وليس كلُّ ما يتمنَّاه الإنسان يكون. قال: فواللهِ ما مِتُّ حتى رأيتُ كلَّ ما قال قد كان.
قال ابن الغرق: فحدَّثتُ بذلك الحجَّاجَ بنَ يوسف، فضحك، ثم قال: فقد كان يقول أيضًا: ورافعةٍ ذَيلَها، وداعيةٍ ويلَها، بدجلةَ أو حولَها.
قال: فقلتُ له: أترى هذا شيئًا يخترعُه، أو تخريصًا يخترصُه، أو هو من علم أوتيَه؟ فقال: والله ما أدري ما هذا الذي تسألُ عنه، ولكن للهِ درُّه! أيُّ رجلٍ ومِسْعَرِ حرب ومُقارعِ أعداءٍ كان (٣)!
وقال عبَّاسُ بنُ سهل بنِ سعد: قدم المختار مكة، فأتى عبدَ الله بنَ الزبير وأنا عنده، فسلَّم عليه، فرحَّب به وقال له: يا أبا إسحاق، كيف تركتَ الناسَ بالكوفة؟ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السِّرِّ أعداء. فقال ابن الزُّبير: هذه صفةُ عبيد السوء، إذا رأَوْا أربابهم أطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شتموهم.
ثم قال المختار لابن الزبير: ما تنتظرُ؟ مُدَّ يدك لنبايعَك، وأعطِنا ما يُرضينا، وثِب على الحجاز، فإنهم كلَّهم معك.
стр. 3741
ثم قام من عنده، فغاب عنه سنة، فسألني عنه فقال: هل عندك من المختار خبر؟ فقلتُ له: ما لي به عهد من يوم كان عندك، وقد قدم قوم من الطائف معتمرين، فسألتُهم عنه فقالوا: قدم علينا الطائف وهو يزعم أنه سيِّد (١) الجبَّارين. قال: قاتلَه الله، لقد انبعث كذَّابًا متكهنًا، إن يُهلكِ اللهُ الجبَّارين فهو أحدُهم.
قال عباس: فواللهِ ما فرغنا من منطقنا حتى عَنَّ لنا المختارُ في طرف المسجد، فقال ابن الزبير: اذكُر غائبًا تره. فأتى الكعبة، فطاف بالبيت، ثم صلَّى ركعتين عند الحِجْر، وجلس، فأطافَ به رجالٌ من معارفه من أهل الطائف، واستبطأ ابنُ الزبير قيامَه [إليه]، فقال لي: ما شأنُه، أترى ما يأتينا؟ فقلت: أنا أعلمُ لك علمه. فقمتُ إليه، فسلَّمتُ عليه، وجلستُ وقلت له: أين كنتَ؟ قال: بالطائف. فقلت: مثلك [يغيبُ] عن مثل ما اجتمعَ عليه أهلُ الشَّرف من قريش والأنصار وثَقِيف وغيرهم من القبائل على بيعة هذا الرجل! فهلَّا أتيتَه فبايعتَه، وأخذتَ بحظِّك من هذا الأمر؟ فقال: أما رأيتَني أتيتُه عامَ أوَّل، فأشرتُ عليه بالرأي، فطوى أمرَه عنّي؟ فأردتُ أن أُرِيَهُ أنِّي مستغنٍ عنه، واللهِ لهو أحوجُ إليَّ منِّي إليه.
قال: فأخبرتُ ابنَ الزبير، فقال: قُلْ له: ميعادُك الليلةَ عند الحِجْر. فاجتمعا، فسلَّم عليه ورحَّب به، وسكتا طويلًا، ثم قال له المختار، لا خير في الدنيا وفي الإكثار من المنطق، ولا في التقصير عن الحاجة، إني جئتُك لأبايعَك على أن لا تقضيَ الأمورَ دوني، وعلى أن أكونَ أوَّلَ من تأذن له، وإذا ظهرتَ استعنتَ [بي] على أفضلِ عملِك. فقال له ابن الزُّبير: أُبايعُك على كتاب الله وسنَّةِ نبيّه ﷺ . فقال: ما لي في هذا من الحظّ إلا لمن هو أبعدُ الناس عنك (٢). واللهِ لا أُبايعك على هذا أبدًا.
قال عبَّاس: فالتقمتُ أُذن ابنِ الزُّبير وقلت له: اشتر منه دينَه حتى ترى رأيَك. فقال له ابن الزُّبير: فإنَّ لك ما سألتَ. فبايعَه، وأقامَ معه حتى شهدَ الحصار الأول حين قدم الحُصين بن نُمير السَّكوني، وقاتلَ فأبلَى بلاءً حسنًا، وكان في عصابة في نحو ثلاث مئة، وجعل ينادي: أنا المختار. فما كان يتوجَّه إلى طائفة من أهل الشام إلا كشَفَهم.
стр. 3742
وقاتل يوم تحريق الكعبة قتالًا عظيمًا، وأقام عند ابنِ الزُّبير حتى هلك يزيد، وأقام خمسة أشهر بعد هلاك يزيد، فلما رآه لا يستعملُه، عزم على قصد الكوفة.
فقدم مكةَ هانئُ بنُ أبي حيَّة الوادعي يريد العُمرة (١)، فلقيَه المختار، فسألَه عن الناس بالكوفة، فقال: قد اتَّسقوا على ابنِ الزبير إلا طائفةً من أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعُهم على رأيه أكل بهم الأرض. فقال المختار: أنا أبو إسحاق، أنا واللهِ أجمعُهم على رأي الحقّ، وألقى بهم (٢) ركبان الباطل، وأقتلُ بهم كلَّ جبَّار عنيد. فقال هانئ: ويحك يا ابنَ أبي عُبيد! لا تُوضِع في الضلال، وليكن صاحبُهم غيرك، فإنَّ صاحبَ الفتنة أقربُ شيء أجلًا، وأسوأُ الناس عملًا. فقال المختار: ما أدعو إلى الفتنة، وإنما أدعو إلى الهدى والجماعة.
ثم ركب المختار رواحلَه، وسار إلى الكوفة، فلقيَه سَلَمَةُ بن مَرْثَد الهَمْداني بالقَرْعَاء (٣) -وكان ناسكًا شجاعًا- فسأله المختار عن الناس، فقال: هم كغنم ضلَّ راعيها. فقال المختار: وأنا أُحْسِنُ رِعايتَها، وأَبلغُ نهايتَها. فوعظَه سَلَمة وقال له: اتَّق الله، فإنَّك ميت ومبعوثٌ ومُحاسَب.
فسار المختار حتى قدم الكوفةَ في شهر رمضان سنة أربع وستين، فلما قدم المختار وجدَ وُجوه الشيعة وأشرافَهم قد اجتمعوا على سليمان بن صُرد، فحسده وقال لهم: إني جئتكم من عند المهدي محمَّد بن الحنفيَّة وليّ الأمر، وأنا وزيرُه، وإن سليمان بن صُرَد لا خبرة له بالحروب، وليس بذي تجربة، وإنما يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلُكم (٤).
وما زال حتى مالت إليه طائفة منهم، وأما رؤساؤهم فمع سليمان بن صُرد، لا يعدلون به أحدًا.
стр. 3743
قال: فخرجَ سليمان نحو الجزيرة، فقال عُمر بن سعد بن أبي وقاص وشَبَث بن رِبْعيّ ويزيد بن الحارث بن رُويم لعبد الله بن يزيد الخَطْمي وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة (١): إنَّ المختار أشد عليكم من سليمان بن صُرد؛ لأن سليمان إنما خرج ليقاتل عدوَّكم، والمختار يريدُ أن يثبَ عليكم في مصركم، فاسجُنوه ليستقيم لكم الأمر.
فسار إليه عبد الله بنُ يزيد الخَطْمي وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة، فأحاطوا به وأخرجوه من داره، فقال إبراهيم لعبد الله: شُدَّه كِتافًا، ومَشه حافيًا. فقال له عبد الله: هذا رجل ما ظهر لنا منه عداوةٌ ولا حرب، وإنما أخذناه على الظّن، فلا أشدُّه كِتافًا ولا أُمشِّيه حافيًا. فقال إبراهيم للمختار: يا ابنَ أبي عُبيد، ما هذا الذي يبلغُنا عنك؟ فقال المختار: أمَّا ما بلغك عني فباطل، وأعوذ بالله من غِشٍّ كغِشِّ أبيك وجدِّك.
فأركبوا المختار على بغلةٍ له دهماء، فقال إبراهيم لعبد الله: ألا تقيدُه؟ فقال: كفى بالسجن قيدًا. فقال: أَمَا [ورَبِّ البحار، و] النخيل والأشجار، والمَهَامِهِ والقِفار، والملائكة الأبرار، والمصطَفَيْنَ الأخيار، لأقتلنَّ كل جبار بكلِّ لَدْنٍ خَطَّار، ومهنَّدٍ بتَّار، في جموعٍ من الأنصار، ليسوا بأغمار ولا أشرار (٢)، حتى إذا أقمتُ عمود الدين، وشَفَيْتُ غليل صدور المسلمين والمؤمنين، وأدركتُ بثأر النبيِّين؛ لم يكبُر عليَّ زوالُ الدنيا، ولم أَحْفَل بالموت إذا أتى.
فكان يَسْجَعُ لأصحابه من هذا السَّجْع وأمثالِه (٣).
وأتى يزيد بن الحارث بن رُوَيْم الشَّيباني إلى عبد الله بن يزيد الخَطْمي فقال له: إنَّ الناس يتحدَّثون أن الشيعة خارجةٌ عليك مع سليمان بن صُرد، ومنهم طائفة قليلة مع المختار، والمختار يتربَّص بخروجه ما يؤول إليه أمرُ ابنِ صُرَد، فإن رأيتَ أن تجمعَ الشُّرَط والمقاتلة، ثم تنهضَ إليهم فتقاتلَهم. فقال عبد الله: إن قاتلونا قاتلناهم، وإن
стр. 3744
تركونا لم نطلبهم. وقال: ما الذي يريدون؟ قال: يذكرون أنهم يطلبون بدم الحسين. فقال: فأنا قتلتُ الحسين؟! لعنَ الله قاتلَ الحسين.
وكان سليمان بن صُرَد وأصحابُه يريدون [أن] يثبوا بالكوفة، فصَعِدَ عبدُ الله المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، فقد بلَغَني أن طائفةً من أهل العصر يُريدون الخروج علينا، فسألتُ عن السبب، فذُكر لي أنهم يطلبون بدم الحسين بنِ عليّ، فرحم الله هؤلاء القوم، فقد دُلِلْتُ على أماكانهم، وقيل لي: ابدأ بهم قبل أن يبدؤوا بك. فأبيتُ ذلك وقلتُ: إنْ قاتلوني قاتلتُهم، وإن تركوني لم أطلبهم، وعلامَ يُقاتلونني؟! فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا! فلعنَ اللهُ قاتلَه، وهؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ظاهرين، ثم ليسيروا إلى قَتَلَةِ الحسين ﵀، وأنا لهم على قاتله ظهير ومعين. وهذا ابنُ زياد قاتلُ الحسين وقاتلُ أماثلكم وخِياركم قد توجَّه إليكم، فاسْتَعِدُّوا له (١)، فهو أولى من أن يقتل بعضُكم بعضًا ويسفك بعضكم دمَ بعض، فيلقاكم وقد رَقَقْتُم (٢)، وتلك أمنيَّةُ عدوِّكم.
فقام إبراهيم بنُ محمَّد بن طلحة، فقال: أيها الناس، لا يغرَّنَّكم كلامُ هذا المداهن الموادع، واللهِ لئن خرجَ علينا خارج لَنقتلنَّه (٣)، ولئن تيقَّنَّا أنَّ أحدًا خارج علينا لنأخذنَّ الوالد بولده، والمولودَ بوالده، والحميم بحميمه، حتى تدينوا للحق وتَذَلَّلُوا للطاعة.
فقام المسيَّب بنُ نَجَبة، فقطع عليه كلامَه وقال: يا ابن الناكثين، أنت تهدِّدُنا بسيفك وغَشْمك (٤). واللهِ [إني لأرجو ألا يخرجك الله من] بين ظهراني هذا العصر حتى يُثلِّثُوا بك أباك وجدَّك. وأمَّا أنت أيُّها الأمير؛ فقد قلتَ قولًا رشيدًا، والله إني أظنُّ من (٥) يريدُ هذا الأمر مستنصحًا لك، وقابلًا قولَك.
стр. 3745
فقال إبراهيم: إي واللهِ ليُقتلَنَّ، وقد داهن (١) ثم أعلن.
فقام عبد الله بن والي التَّيمي فقال: يا أخا بني تيم (٢) بنِ مُرَّة، ما اعتراضك بينَنا وبين أميرنا، إنَّما أنت أميرُ جِزْيَةٍ وخَراج، ولست بأميرنا ولا سلطانَ لك علينا، فأَقْبِلْ على جِزْيتك وخَراجك، فواللهِ ما أفسدَ أمر هذه الأمةِ إلا والداك (٣) الناكثان، فعاد عليهما شؤم ذلك، وكانت عليهما وعلى الناكثين دائرة السُّوء.
فغضب جماعةٌ من أصحاب إبراهيم بن محمَّد، وغضبت الشيعة، فتخاصموا، ونزل عبدُ الله من المنبر، فقال إبراهيم: داهن الخَطْميُّ أهلَ الكوفة، واللهِ لأكتبنَّ بذلك إلى ابن الزبير.
وبلغ الخَطْميَّ، فدخل عليه وقال: واللهِ ما أردتُ بما قلتُ إلا العافيةَ، وإصلاحَ ذات البَيْن، وإطفاءَ النائرة. فقبل إبراهيمُ ذلك منه.
وأقبلت الشيعةُ يتجهَّزون ويشترون السلاح ظاهرين لا يخافون.
وفيها فارقت الخوارجُ عبد الله بنَ الزبير، وكانوا قد اجتمعوا عنده يحمون الكعبة، ويقاتلون أهلَ الشام، وكان عُبيد الله بن زياد لما قَتلَ الخوارجَ تفرقوا في البلاد، واجتمعوا إلى نافع بن الأزرق، وقالوا له: قد هلك الطاغية يزيد، وأقام ابنُ الزُّبير عائذًا بالبيت، فماذا ترى؟ قال: سيروا بنا إليه، فإن كان على رأينا جاهدنا معه عدوَّه، وإن لم يكن على رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمرنا.
فقوموا على ابن الزبير فسُرَّ بهم، وسألوه، فقال: أنا على مثل رأيكم. وأعطاهم الرِّضى من غير توقيف. فقاتلوا معه حتى مات يزيد بنُ معاوية ورجع أهل الشام عن مكة، فقال بعضهم لبعض: قد زعم أنه على رأيكم، وإنما كان أمسِ يُقاتلكم هو وأبوه وينادون: يا لثارات عثمان. فاسألوه عن عثمان، فإن برئَ منه؛ فهو منكم، وإن أبي؛ فهو عدوُّكم.
стр. 3746
فمشَوا إليه وقالوا: أيها الإنسان، إنَّا قاتَلْنا معك ظنًّا أنَّك على رأينا، ولم نبحث معك، فأخْبِرْنا عن رأيك في عثمان. فنظر، فإذا حولَه من أصحابه قليل، فقال لهم: موعدُكم العشيَّة لأُخبركم من ذلك بما تريدون.
فانصرفوا، فأمر أصحابَه بلبس السلاح، وأن يأتوه العشيَّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، فرأوا أصحابه حوله سِماطَيْن (١)، وعليهم السلاح، وجماعة من عنده وأشراف أصحابه قيام على رأسه بالأعمدة، فلما رأَوْا ذلك قال نافع بن الأزرق لأصحابه: خشيَ واللهِ غائلتكم، وقد أزمعَ على خلافكم فاستعدَّ لكم.
فدنا منه نافع وقال له: يا ابنَ الزبير، اتَّقِ ربَّك، وأبغضِ الجائر (٢) المستأثر الذي أوَّل مَنْ سنَّ الضلالة، وأحْدَثَ الأحداث، وخالفَ حكم الكتاب، وإن خالفتَ فأنتَ من الذين استمتعوا بِخَلَاقهم.
ثم قال: قُم يا عبيدة بن هلال، فَصِفْ لهذا الإنسان أمرَنا الذي نحن عليه، وندعو إليه الناس. وكان عبيدة من الفصحاء.
فتقدَّم فخطبَ خطبةً بليغة، ذكرَ فيها سيرةَ رسول الله ﷺ والخليفتين بعدَه، ثم قال:
فقام عثمان فحمى الأحماء، وآثر الأقرباء، واستعمل الفتيان، وآوى طريد رسول الله ﷺ ، وأحرقَ الكتاب، وخالف السنن، وفعل ما فعل، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين، أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، لا يخافون في الله لَوْمَةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابنِ عفَّان وأوليائه بُرَآء، فما تقول أنتَ يا ابنَ الزُّبير؟
فحمد اللهَ ابنُ الزبير، وصلَّى على رسوله ﷺ ، ثم قال: قد علمتُ ما وصفتَ به رسولَ الله ﷺ والخليفتين بعدَه، فلقد وُفِّقتَ وأصبتَ. وأمَّا ابنُ عفَّان، فإني لا أعلمُ أحدًا من خلق الله أعلمَ بمكانه وأمرِه منِّي، فإني كنتُ معه حين نَقَمُوا عليه واستَعْتَبُوه، وقد أجابَ عن جميع ما نَقَمُوا به، فما سمعوه منه، وقتلوه، وإنَّني وليُّ مَنْ والاه، وعدوُّ مَنْ عاداه.
стр. 3747
فقالت الخوارج: فبرئ اللهُ منك يا عدوَّ الله. قال: وبرئَ اللهُ منكم يا أعداء الله.
ثم تفرَّقوا في البلاد، فبعضُهم تولّى البصرة، وبعضُهم اليمامة، وبعضهم هَجَر، وكانوا زيادةً على عَشَرة آلاف، ورؤساؤهم نافع بنُ الأزرق الحنظليّ، وعبدُ الله بن صفَّار السَّعْديّ من بني صَرِيم بن مُقاعس، وعبدُ الله بن إباض، وحنظلة بن بَيْهس، وأبو طالوت من بني زِمَّان (١)، وغيرهم، ثم خرجوا بعد ذلك على الأمراء.
وسنذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وفيها هدم ابنُ الزُّبير الكعبة وبناها:
لمّا ارتحل الحُصين بن نُمير عن مكة لخمس ليالٍ خلون من شهر ربيع الأوَّل، سنة أربع وستين أمرَ عبدُ الله بنُ الزبير بتلك الأخصاص (٢) التي حول الكعبة فهُدمت، فبَدَتِ الكعبةُ، وكَنسَ المسجدَ، وأزال ما فيه من الحجارة والدِّماء.
وقد وهت الكعبة من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، فإذا الرُّكن قد اسودَّ واحترق من النار التي كانت حول الكعبة.
فشاورَ ابنُ الزبير الناس في هدمها وإعادة البناء، فأشار عليه جابرُ بن عبد الله وعُبيد بن عُمير وغيرُهما بذلك، وأبي عليه عبد الله بنُ عباس وقال: أخشى أن يأتي بعدك من يهدمُها، فلا تزال تُهدمُ حتى يتهاونَ الناسُ بحرمتها، إنه قد فَرَقَ (٣) لي فيها رأيٌ، أرى أن تُصلحَ ما وَهَى منها، وتدعَ بيتًا أسلمَ الناسُ عليه، وأحجارًا بُعث رسولُ الله ﷺ عليها. فقال ابنُ الزُّبير: لو أنَّ أحدَكم احترقَ بيتُه، ما رضيَ حتى يجدِّدَه، فكيف ببيت ربكم؟! إني مستخيرٌ ربي ثلاثًا، ثم عازمٌ على أمر.
стр. 3748
فما مضت الثلاث حتى اجتمع رأيُه على نقضها، فتحاماه الناس خوفًا أن ينزلَ عليهم من السماء أمر.
ثم صَعِدَه رجلٌ، فألقى منه (١) حجرًا، فلما رأى الناس أنه لم يصبه [شيء] تتابعوا على نقضه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض.
ثم حفر الأساس، فوجدوا أصلًا بالحِجْر مشبَّكًا كأصابع (٢) اليدين، فدعا عبد الله بن الزبير خمسين رجلًا من قريش وأشْهَدَهم على ذلك، وجعل الحَجَر في تابوت في سَرَقَةٍ (٣) من حرير، ثم بني البيت، وأدخل الحِجْرَ فيه، وجعلَ للكعبة بابين موضوعين بالأرض، بابٌ يُدخل منه، وبابٌ يُخرج منه بإزائه (٤)، وقال: إن عائشةَ حدَّثَتْني أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "إنْ أرادَ قومُك أن يَبْنُوا البيتَ على ما كان عليه على عهد إبراهيم فليفعلوا" (٥).
قال: فأرَتْني عائشةُ الذي أراها رسولُ الله ﷺ ، فكان عندي مذروعًا حتى وليتُ هذا الأمر، فلم أعْدُ به ما قال رسول الله ﷺ . فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب حتى بلغ موضع الركن الأسود؛ فوضعه بيده، وشدَّه بفضَّة؛ لأنه كان قد انصدع، ثم ردَّ الكعبة على بنائها، فجعلها سبعة وعشرين ذراعًا، ولطَّخَ جُدُرَها بالمسك، وسَتَرَها بالديباج.
ثم اعتمر من خيمة حمامة (٦)، وهي عند مساجد عائشة رضوان الله عليها، ثم طاف بالبيت وصلَّى وسعى.
ولمَّا ألحقها بالأرض جعل أعمدةً، فستر عليها ستورًا حتى ارتفع البناء (٧).
стр. 3749
قال يزيد بن رُومان: شهدتُ [ابنَ] الزُّبير حين هَدَمَ البيت وبناه، وأدخلَ فيه من الحِجْر، وقد رأيتُ أساسَ إبراهيم حجارة كأسنمة البُخْت. قال جرير بن حازم: فقلتُ ليزيد بن رُومان: أين موضعُه؟ قال: أُرِيكَهُ الآن. فدخلتُ معه الحِجْر، فأشارَ إلى مكان، وقال: ها هنا. فَحَزَرْتُ من الحِجْرِ ستَّةَ أذرع، أو نحوها (١).
وقال عبد الله بن الزُّبير ﵄: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنَّ الناسَ حديثُ عهدٍ بكفر، وليس عندي من النفقة ما أتقوَّى به علي بنيانه؛ لكنتُ أُدْخِلُ فيه من الحِجْرِ خمسة أذرع". وذكر الحديث.
ثم قال ابن الزبير: فأنا اليوم أجدُ ما أُنفق، ولستُ أخاف الناس. فزاد فيه خمسةَ أذرع من الحِجْر، حتى إذا بدا الأساس (٢) نظر الناسُ إليه، فبنى البناء. وكان طولُ الكعبة ثمانيةَ عشرَ ذراعًا (٣). فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذْرُع، وجعل له بابين.
فلمَّا قُتل ابنُ الزُّبير كتبَ الحجَّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، وأن ابنَ الزُّبير قد وضع البناءَ على أساسٍ نظر إليه العُدُول من أهل مكة، فكتب إليه عبدُ الملك: لسنا من تلطيخ ابنِ الزُّبير في شيء، أمَّا ما زاد في طوله، فأقرَّه، وأمَّا ما زاد من الحِجْر، فرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحَه. فنقضه الحجَّاج، وأعاده إلى بنائه.
[و] بينا عبدُ الملك يطوفُ بالبيت إذ قال: قاتلَ اللهُ ابنَ الزُّبير حيث يكذبُ على أمِّ المؤمنين حيث يقول: سمعتُها تقول كذا وكذا. فقال له الحارث بنُ عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: لا تَقُلْ هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعتُها تُحدِّثُ هذا. فقال عبد الملك: لو كنتُ سمعتُه قبلَ أن أهدمه لتركتُه على ما بنى [ابنُ] الزبير (٤).
стр. 3750
ولما أراد ابنُ الزبير هَدمَ الكعبة وبناءها أرسل إلى اليمن أربعة آلاف بعير تحملُ الوَرْس ليجعله مَدَرَها، فقيل له: إن الوَرس يَرفَتُّ. فقَسمه في عجائز قريش، وبناها بالقَصَّة، [وكان في المسجد جراثيم، فقالا: أيُّها الناس، أبْطَحُوا به (١).
ومعنى يَرْفَتُّ، أي: يتفَتَّت، والقَصَّة معناها الجَصّ. والجراثيم: تراب وطين يعلو على وجه الأرض. وابْطَحُوا، أي: سَوُّوا. وأراد ابن الزبير تعديل المسجد (٢).
وقال الجوهري: الوَرْسُ نَبْتٌ أصفر يكون باليمن، تتَّخذُ منه الغُمْرَةُ للوجه، ووَرَّسْتُ الثوبَ توريسًا: صبغتُه بالوَرس] (٣).
وحجَّ بالناس عبد الله بنُ الزبير ﵄، وكان على المدينة عُبيدة بن الزّبير، وعلى الكوفة عبدُ الله بنُ يزيد الخَطميّ.
وكان شُريح القاضي على الكوفة، فامتنع في هذه السنة من القضاء وقال: لا أقضي في أيام الفتنة. فوليَ قضاءها سعدُ (٤) بنُ نِمران.
وكان على ولاية البصرة عُمر بن عُبيد الله بن معمر التَّيميّ.
قالوا: وفي هذه السنة وقع الطاعون الجارف بالبصرة، مات في اليوم الأول سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني تسعون ألفًا (٥)، وفي اليوم الثالث ثلاثة وتسعون ألفًا (٦)، وفي اليوم الرابع جميعُ الناس إلا القليل، وكانوا يَسُدُّون باب الدار على أهلها.
وماتت أمُّ الأمير عُمر بن عُبيد الله بن معمر، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أعلاجًا، فحملوها إلى قبرها. فيقال: إنهم ماتوا عند قبرها (٧).