← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

فمشَوا إليه وقالوا: أيها الإنسان، إنَّا قاتَلْنا معك ظنًّا أنَّك على رأينا، ولم نبحث معك، فأخْبِرْنا عن رأيك في عثمان. فنظر، فإذا حولَه من أصحابه قليل، فقال لهم: موعدُكم العشيَّة لأُخبركم من ذلك بما تريدون. فانصرفوا، فأمر أصحابَه بلبس السلاح، وأن يأتوه العشيَّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، فرأوا أصحابه حوله سِماطَيْن (١)، وعليهم السلاح، وجماعة من عنده وأشراف أصحابه قيام على رأسه بالأعمدة، فلما رأَوْا ذلك قال نافع بن الأزرق لأصحابه: خشيَ واللهِ غائلتكم، وقد أزمعَ على خلافكم فاستعدَّ لكم. فدنا منه نافع وقال له: يا ابنَ الزبير، اتَّقِ ربَّك، وأبغضِ الجائر (٢) المستأثر الذي أوَّل مَنْ سنَّ الضلالة، وأحْدَثَ الأحداث، وخالفَ حكم الكتاب، وإن خالفتَ فأنتَ من الذين استمتعوا بِخَلَاقهم. ثم قال: قُم يا عبيدة بن هلال، فَصِفْ لهذا الإنسان أمرَنا الذي نحن عليه، وندعو إليه الناس. وكان عبيدة من الفصحاء. فتقدَّم فخطبَ خطبةً بليغة، ذكرَ فيها سيرةَ رسول الله ﷺ والخليفتين بعدَه، ثم قال: فقام عثمان فحمى الأحماء، وآثر الأقرباء، واستعمل الفتيان، وآوى طريد رسول الله ﷺ ، وأحرقَ الكتاب، وخالف السنن، وفعل ما فعل، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين، أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، لا يخافون في الله لَوْمَةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابنِ عفَّان وأوليائه بُرَآء، فما تقول أنتَ يا ابنَ الزُّبير؟ فحمد اللهَ ابنُ الزبير، وصلَّى على رسوله ﷺ ، ثم قال: قد علمتُ ما وصفتَ به رسولَ الله ﷺ والخليفتين بعدَه، فلقد وُفِّقتَ وأصبتَ. وأمَّا ابنُ عفَّان، فإني لا أعلمُ أحدًا من خلق الله أعلمَ بمكانه وأمرِه منِّي، فإني كنتُ معه حين نَقَمُوا عليه واستَعْتَبُوه، وقد أجابَ عن جميع ما نَقَمُوا به، فما سمعوه منه، وقتلوه، وإنَّني وليُّ مَنْ والاه، وعدوُّ مَنْ عاداه.

стр. 3747

فقالت الخوارج: فبرئ اللهُ منك يا عدوَّ الله. قال: وبرئَ اللهُ منكم يا أعداء الله. ثم تفرَّقوا في البلاد، فبعضُهم تولّى البصرة، وبعضُهم اليمامة، وبعضهم هَجَر، وكانوا زيادةً على عَشَرة آلاف، ورؤساؤهم نافع بنُ الأزرق الحنظليّ، وعبدُ الله بن صفَّار السَّعْديّ من بني صَرِيم بن مُقاعس، وعبدُ الله بن إباض، وحنظلة بن بَيْهس، وأبو طالوت من بني زِمَّان (١)، وغيرهم، ثم خرجوا بعد ذلك على الأمراء. وسنذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وفيها هدم ابنُ الزُّبير الكعبة وبناها: لمّا ارتحل الحُصين بن نُمير عن مكة لخمس ليالٍ خلون من شهر ربيع الأوَّل، سنة أربع وستين أمرَ عبدُ الله بنُ الزبير بتلك الأخصاص (٢) التي حول الكعبة فهُدمت، فبَدَتِ الكعبةُ، وكَنسَ المسجدَ، وأزال ما فيه من الحجارة والدِّماء. وقد وهت الكعبة من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، فإذا الرُّكن قد اسودَّ واحترق من النار التي كانت حول الكعبة. فشاورَ ابنُ الزبير الناس في هدمها وإعادة البناء، فأشار عليه جابرُ بن عبد الله وعُبيد بن عُمير وغيرُهما بذلك، وأبي عليه عبد الله بنُ عباس وقال: أخشى أن يأتي بعدك من يهدمُها، فلا تزال تُهدمُ حتى يتهاونَ الناسُ بحرمتها، إنه قد فَرَقَ (٣) لي فيها رأيٌ، أرى أن تُصلحَ ما وَهَى منها، وتدعَ بيتًا أسلمَ الناسُ عليه، وأحجارًا بُعث رسولُ الله ﷺ عليها. فقال ابنُ الزُّبير: لو أنَّ أحدَكم احترقَ بيتُه، ما رضيَ حتى يجدِّدَه، فكيف ببيت ربكم؟! إني مستخيرٌ ربي ثلاثًا، ثم عازمٌ على أمر.

стр. 3748

فما مضت الثلاث حتى اجتمع رأيُه على نقضها، فتحاماه الناس خوفًا أن ينزلَ عليهم من السماء أمر. ثم صَعِدَه رجلٌ، فألقى منه (١) حجرًا، فلما رأى الناس أنه لم يصبه [شيء] تتابعوا على نقضه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. ثم حفر الأساس، فوجدوا أصلًا بالحِجْر مشبَّكًا كأصابع (٢) اليدين، فدعا عبد الله بن الزبير خمسين رجلًا من قريش وأشْهَدَهم على ذلك، وجعل الحَجَر في تابوت في سَرَقَةٍ (٣) من حرير، ثم بني البيت، وأدخل الحِجْرَ فيه، وجعلَ للكعبة بابين موضوعين بالأرض، بابٌ يُدخل منه، وبابٌ يُخرج منه بإزائه (٤)، وقال: إن عائشةَ حدَّثَتْني أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "إنْ أرادَ قومُك أن يَبْنُوا البيتَ على ما كان عليه على عهد إبراهيم فليفعلوا" (٥). قال: فأرَتْني عائشةُ الذي أراها رسولُ الله ﷺ ، فكان عندي مذروعًا حتى وليتُ هذا الأمر، فلم أعْدُ به ما قال رسول الله ﷺ . فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب حتى بلغ موضع الركن الأسود؛ فوضعه بيده، وشدَّه بفضَّة؛ لأنه كان قد انصدع، ثم ردَّ الكعبة على بنائها، فجعلها سبعة وعشرين ذراعًا، ولطَّخَ جُدُرَها بالمسك، وسَتَرَها بالديباج. ثم اعتمر من خيمة حمامة (٦)، وهي عند مساجد عائشة رضوان الله عليها، ثم طاف بالبيت وصلَّى وسعى. ولمَّا ألحقها بالأرض جعل أعمدةً، فستر عليها ستورًا حتى ارتفع البناء (٧).

стр. 3749

قال يزيد بن رُومان: شهدتُ [ابنَ] الزُّبير حين هَدَمَ البيت وبناه، وأدخلَ فيه من الحِجْر، وقد رأيتُ أساسَ إبراهيم حجارة كأسنمة البُخْت. قال جرير بن حازم: فقلتُ ليزيد بن رُومان: أين موضعُه؟ قال: أُرِيكَهُ الآن. فدخلتُ معه الحِجْر، فأشارَ إلى مكان، وقال: ها هنا. فَحَزَرْتُ من الحِجْرِ ستَّةَ أذرع، أو نحوها (١). وقال عبد الله بن الزُّبير ﵄: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنَّ الناسَ حديثُ عهدٍ بكفر، وليس عندي من النفقة ما أتقوَّى به علي بنيانه؛ لكنتُ أُدْخِلُ فيه من الحِجْرِ خمسة أذرع". وذكر الحديث. ثم قال ابن الزبير: فأنا اليوم أجدُ ما أُنفق، ولستُ أخاف الناس. فزاد فيه خمسةَ أذرع من الحِجْر، حتى إذا بدا الأساس (٢) نظر الناسُ إليه، فبنى البناء. وكان طولُ الكعبة ثمانيةَ عشرَ ذراعًا (٣). فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذْرُع، وجعل له بابين. فلمَّا قُتل ابنُ الزُّبير كتبَ الحجَّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، وأن ابنَ الزُّبير قد وضع البناءَ على أساسٍ نظر إليه العُدُول من أهل مكة، فكتب إليه عبدُ الملك: لسنا من تلطيخ ابنِ الزُّبير في شيء، أمَّا ما زاد في طوله، فأقرَّه، وأمَّا ما زاد من الحِجْر، فرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحَه. فنقضه الحجَّاج، وأعاده إلى بنائه. [و] بينا عبدُ الملك يطوفُ بالبيت إذ قال: قاتلَ اللهُ ابنَ الزُّبير حيث يكذبُ على أمِّ المؤمنين حيث يقول: سمعتُها تقول كذا وكذا. فقال له الحارث بنُ عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: لا تَقُلْ هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعتُها تُحدِّثُ هذا. فقال عبد الملك: لو كنتُ سمعتُه قبلَ أن أهدمه لتركتُه على ما بنى [ابنُ] الزبير (٤).

стр. 3750

ولما أراد ابنُ الزبير هَدمَ الكعبة وبناءها أرسل إلى اليمن أربعة آلاف بعير تحملُ الوَرْس ليجعله مَدَرَها، فقيل له: إن الوَرس يَرفَتُّ. فقَسمه في عجائز قريش، وبناها بالقَصَّة، [وكان في المسجد جراثيم، فقالا: أيُّها الناس، أبْطَحُوا به (١). ومعنى يَرْفَتُّ، أي: يتفَتَّت، والقَصَّة معناها الجَصّ. والجراثيم: تراب وطين يعلو على وجه الأرض. وابْطَحُوا، أي: سَوُّوا. وأراد ابن الزبير تعديل المسجد (٢). وقال الجوهري: الوَرْسُ نَبْتٌ أصفر يكون باليمن، تتَّخذُ منه الغُمْرَةُ للوجه، ووَرَّسْتُ الثوبَ توريسًا: صبغتُه بالوَرس] (٣). وحجَّ بالناس عبد الله بنُ الزبير ﵄، وكان على المدينة عُبيدة بن الزّبير، وعلى الكوفة عبدُ الله بنُ يزيد الخَطميّ. وكان شُريح القاضي على الكوفة، فامتنع في هذه السنة من القضاء وقال: لا أقضي في أيام الفتنة. فوليَ قضاءها سعدُ (٤) بنُ نِمران. وكان على ولاية البصرة عُمر بن عُبيد الله بن معمر التَّيميّ. قالوا: وفي هذه السنة وقع الطاعون الجارف بالبصرة، مات في اليوم الأول سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني تسعون ألفًا (٥)، وفي اليوم الثالث ثلاثة وتسعون ألفًا (٦)، وفي اليوم الرابع جميعُ الناس إلا القليل، وكانوا يَسُدُّون باب الدار على أهلها. وماتت أمُّ الأمير عُمر بن عُبيد الله بن معمر، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أعلاجًا، فحملوها إلى قبرها. فيقال: إنهم ماتوا عند قبرها (٧).

стр. 3751

وقيل: إن الطاعون الجارف كان في أيام عبد الملك بن مروان. وكان على قضاء البصرة هشام بن هُبيرة، وعلى خُراسان عبد الله بنُ خازم أميرًا، والكل من قِبَل ابن الزُّبير. وفيها توفي جابرُ بن سَمُرة ابن جُنادة السُّوائي (١)، وجدُّه جُنادة صحبَ رسول الله ﷺ (٢)، وروى عنه أيضًا، وكذا جابر، وكنيةُ جابر أبو عبد الله. وقيل: أبو خالد. أسند جابر الحديث عن رسول الله ﷺ . ربيعة بن عَمرو ابن الغاز الجُرَشي له صحبة، وكان قاضي معاوية على الأرباع، وكان يقصُّ على الناس، وكان فقيهًا. وقُتل مع الضحَّاك بن قيس في مَرْج راهط (٣). زِمْل بن عَمرو ابن العِتْر بن خَشَاف العُذْري (٤)، من الطبقة الرابعة من الصحابة.

стр. 3752

وفد على رسول الله ﷺ ، وكتب له كتابًا، وعقدَ له لواءً، أو، شهد [به] صفِّين مع معاوية، وشهد المَرْج (١) مع مروان، وقتل في ذلك اليوم. وكان [مع] مروان بالجابية، وهو أحد شهود التحكيم من جانب معاوية، وأقطعه دارًا بباب توما. ولما قدم زِمْل على رسول الله ﷺ أنشده: إليك رسولَ الله أعملتُ نَصَّها … أكلِّفُها حَزْنًا وقَوْزًا من الرَّملِ (٢) لأنصرَ خيرَ الناسِ نصرًا مؤزَّرًا … وأعقدَ حبلًا من حبالك في حَبْلي وأشهد أنَّ الله لا شيءَ غيرُه … أدينُ بها ما أَثقلت قدمي (٣) نعلي الضحَّاك بن قيس ابن خالد الأكبر بن وَهْب بن ثعلبة بن وائلة بن عَمرو بن شيبان بن مُحارب بن فِهْر، أبو أُنَيس، من الطبقة الخامسة، ممن مات رسول الله ﷺ [وهم أحداث الأسنان] (٤) وسمع منه وصحبَه شيئًا يسيرًا. وكان فقيهًا، وقُبض رسول الله ﷺ وهو غلام لم يبلغ (٥). وليَ الضحاك الكوفة لمعاوية لسنة أربع وخمسين، وعُزل عنها لسنة سبع وخمسين (٦).

стр. 3753

ثم ضمَّه معاويةُ إلى الشام، فكان معه حتى مات معاوية ويزيد (١) ووثب مروان على الشام. شهد صفِّينَ مع معاوية، وكان على أهل دمشق وهم في القلب، وكانت له دار بدمشق في حجر الذهب ممَّا يلي حائط المدينة مشرفة على بردى. [وخرج إلى المَرْج فقُتل، والله أعلم] (٢). وأسند الحديثَ عن رسول الله ﷺ ؛ قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا عفان بن مُسلم، حدثنا حمَّاد بنُ سَلَمة، حدثنا عليُّ بن زيد، عن الحسن قال: لمَّا مات يزيد بن معاوية كتب الضحَّاك بن قيس إلى قَيس بن الهيثم: سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم (٣)، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ بَدَنُه، يُصبحُ الرجلُ فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، يبيعُ أقوامٌ دينَهم وخَلاقَهم بِعَرَضٍ من الدنيا قليل" (٤). وإنَّ يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخوانُنا وأشقَّاؤُنا، فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا (٥). وروى عن الضحَّاك جماعة من الصحابة، منهم معاوية، وكان معاوية أكبر منه، فقال: حدَّثني الضحاك -والضحاك جالس عند المنبر- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال على الناس والٍ من قريش" (٦). وروى عن الضحَّاك جماعةٌ من التابعين، منهم: أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وتميم بن طَرَفة، والشَّعبي، وميمون بن مِهْران، وسِمَاك بن حَرْب، وعبد الملك بن عُمير، وغيرهم. فوَلَدَ الضحَّاك عَمْرًا، وأمُّه من بني عوف بن حرب. ومحمدًا وعبدَ الرحمن؛ أمُّهما ماويَّة بنت يزيد بن جَبَلة، كَلْبِيَّة. وحبيبًا، وأمُّه أمُّ عبد الله بنتُ عروة.

стр. 3754

وأختُ الضحَّاك فاطمةُ بنتُ قيس روت حديث الجسَّاسة (١)، وزَوَّجَها رسولُ الله ﷺ أسامَةَ بنَ زيد، وحديثُها في الصحيح، وكانت من المهاجرات الأول ذات عقل وجمال، وكانت أكبرَ من الضحاك بعشر سنين. روى عنها أبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن، والشعبيُّ، والنَّخَعيُّ (٢)، وغيرُهم (٣). عثمان بن عَنْبَسة بن أبي سفيان أُمُّه زينب بنت الزُّبير بن العوَّام، وأُمُّها أمُّ كلثوم بنتُ عقبة بن أبي مُعَيْط. وهو الذي تَمَّمَ صلاة الوليد بنِ عُتْبة على معاوية بن يزيد (٤). وقالت له بنو أمية عند موت معاوية بن يزيد: هلُمَّ إلينا نُبايعْك بالخلافة. قال: على أن لا أُحاربَ أحدًا. قالوا: لا. قال: فأنا ذاهب إلى خالي عبد الله بنِ الزبير. فقال له مروان: هذه ساعةُ أعمام لا ساعةُ أخوال. ثم خرج إلى مكة إلى خاله ابنِ الزبير، فجفاه لأجل بني أمية. وأقام أيامًا، فمرض وتوفي بمكة، فحملَه ابنُه إلى الطائف، فدفنَه عند قبر أبيه عَنْبَسة بن أبي سفيان (٥). وكان عثمان أقام عند خاله عبد الله بن الزُّبير إلى يوم المَرْج، فخرج إلى قتال مروان، وحمل على ألف دابة، فلما قُتل الضحاك انهزم عثمان إلى خاله ابن الزبير، فأرسل إليه يقول: إن بأصحابي حاجة، فبعث إليه بمئة مُدِّ برّ، ومئة مُدِّ شعير. فأرسل إليه عثمان يقول: أحملُ على ألف دابَّة في قتال قومي، وتبعثُ لي بهذا؟! واللهِ لا كلَّمتُك أبدًا. وقال: بأيِّ بلاءٍ أو بأيَّةِ نعمةٍ … تبعتُ بني العوَّام دون بني حربِ أأختارُ (٦) أذْوادًا كرامًا صحائحًا … بعارية الأصلاب مُجْدِبةٍ (٧) جَرْبِ

стр. 3755

واستحيى عثمان من الرجوع إلى بني أمية، فأقام بمكة، فلما احتضر قال لابنه عبد الله: يا بُنيّ، الحَقْ بقومك، فإن أباك لم يغتبط بفراقهم. وأوصى إلى خالد بن يزيد بن معاوية وهو بالشام. ولما مات عثمان خرج ولده عبد الله إلى الشام، فأدخله خالد على عبد الملك، فلمَّا رآه قال: لا رحم الله أباك، ولا جَبَر يُتْمك، واللهِ لا أدع لك بيضاءَ ولا صفراء ولا خضراء إلا قبضتُها. فجمع الغلامُ رداءه، ثم رمى به في وجه عبد الملك [ثم قال: اقبض هذا أولًا. وخرج حاسرًا، فقال عبد الملك] لابنه الوليد: يا وليد، رَجَلٌ واللهِ، فاجعله في صحابتك (١). مسلم بن عقبة ابن رياح المُرِّي، أبو عُقْبَة، أدركَ رسولَ الله ﷺ ، ولم يره. وذكره ابن سُمَيْع في الطبقة الثانية من التابعين. ولما فعل بأهل المدينة ما فعل قال الناس: مُسْرِف بن عُقبة؛ لإسرافه وفتكه. وشهد مع معاوية صفِّين، ومات بالمُشَلَّل لسبع ليال بقين من المحرَّم سنة أربع وستين، وكان قد أصابه الفالج. ولما نَبَشَتْهُ أمُّ ولد يزيد بن عبد الله وجدت معه في القبر ثعبانًا قد التوى على عنقه يَمَصُّ أرْنَبَةَ أنفه، وكان له بضع وتسعون سنة، وكانت به النَّوْطَة، وهي ورمٌ يكون في نحو البعير وأرفاغِه (٢). وأوصى لبني مُرَّة بزَرَّاعته (٣) التي بحوران صدقة، وما أغلقت عليه أمُّ ولده بابَبها فهو لها (٤). المِسْوَرُ بن مَخْرَمَة ابن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة، أبو عبد الرحمن، من الطبقة الخامسة من أهل مكة، ممَّن قُبض رسولُ الله ﷺ وهم حُدثاء الأسنان (٥).

стр. 3756

وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وحُفظ عنه أحاديث (١). وأمُّه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن لأبيه وأمِّه. قدم مصر سنة سبع وعشرين لغزو المغرب (١)، وكانت الخوارج تعظِّمه لدينه، وينتحلُون رأيه، وقد برَّأه الله منهم (٢). [وقال البلاذري: لمَّا عاد المِسْور من عند يزيد بن معاوية سئل عنه، فقال: يشرب الخمر، وينام عن الصلاة. وبلغ يزيد، فكتب إلى عامله: اجْلِدْهُ مئة جلدة. وقد ذكرناه] (٣). [وقال ابن سعد:] (٤) خرج المِسْورُ إلى سوق ذي المجاز، فرأى رجلًا ألثغ يؤمُّ الناس، فأخره، وقدَّم رجلًا آخر، فشكاه الرجل إلى عُمر رضوان الله عليه، فقال له: لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذه أسواقٌ يجتمع إليها ناسٌ كثير، وعاقَتُهم أعراب لم يسمعوا القرآن، والرجلُ ألثغ [-أو أرَتّ-]، فخشيتُ أن يتفرقوا بالقرآن على لسانه، فقدَّمتُ رجلًا عربيًّا فصيحًا. فقال له عمر رضوان الله عليه: جزاك الله خيرًا. [وقال ابن سعد (٥): لمَّا حُوصر عثمان؛ بعثَ بالمسور إلى معاوية يأمره أن يبعثَ إليه بالجيش لينصره. فركب معاوية رواحله من دمشق، وقدم المدينة في ثلاث رواحل ومعه مسلم بن عقبة ومعاوية بن حُديج، فدخل على عثمان نصف الليل، وكان قد قطع إليه البلاد في عشر ليال فقال له عثمان: وأين الجيش؟ فقال: ما جئتُك إلا في ثلاث رواحل (٦)، فقال له عثمان: لا وصل الله رحمك، ولا أعزَّ نصرك، ولا جزاك خيرًا. فواللهِ ما أُقتَلُ إلا فيك، ولا انْتُقِمَ عليَّ إلا من أجلك. فقال له معاوية: لو بعثتُ إليك الجيش، فبلغَهم وصوله، عاجلوك فقتلوك، ولكن اخرج معي إلى الشام على

стр. 3757

النَّجائب، فواللهِ ما هي إلا ثلاث حتى ترى معالم الشام، فإنَّ الشام أكثر الإِسلام (رجالا) وأحسنُهم رأيًا فيك. فقال عثمان: بئسما قلت، وبئسما أشرت به. وقد ذكرنا في السيرة طرفًا منه. قال ابن سعد: ورجع معاوية إلى الشام، ورجع المسور إلى المدينة، وهو ذامّ لمعاوية غير عاذر له. وهذا كان في الحصار الأول. قال ابن سعد: فلما كان في الحصار الثاني بعث عثمان بالمسور أيضًا إلى معاوية، فأغذَّ السير (حتى قدم) على معاوية، فقال: أدرك عثمان. فقال معاوية: إنَّ عثمان أحسنَ فأحسنَ الله إليه، ثم غيَّر فغيّر الله به. ثم قال: يا مسور، تركتُم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته جئتم فقلتُم: اذهبْ فادفعْ عنه الموت! ليس ذلك بيدي. قال: ثم أنزَلَني معه في مَشْرُبَة (١) على رأسه، فما دخل عليَّ أحد حتى قُتل عثمان. قال: ولما أنزلني معاوية في المَشْرُبَة؟ قلتُ: أُريد أن أُخبر أهلَ الشام، فقال لي: لا يا أبا عبد الرحمن. وكانت كنية المسور أبو عبد الرحمن] (٢). [وقال ابن سعد (٣): كان المسور لا يشرب من الماء الذي يوضع في المسجد، ويقول: هو صدقة]. وكان المسور يصوم الدهر (٤). وكان يقول: لقد وارت الأرضُ أقوامًا لو رأوني جالسًا معكم لاستحييتُ منهم (٥). وسمع ابنًا له يحلفُ ويقول: كفرتُ بالله. فضرب بيده في صدره وقال: قل: آمنتُ بالله. ثلاثًا (٦).

стр. 3758

ذكر وفاته: [واختلفوا فيها، فقال قوم:] قتل في المعركة يوم قتل المنذر بن الزبير (١). وقيل: كان قائمًا عند البيت يصلِّي، فجاء حجرُ المنجنيق، فأصاب حائطَ الكعبة، فجاءت منه فلقة، فضربت وجه المسور، فمرضَ أيامًا، ثم ماتَ في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد (٢). وقال الشيخ موفق الدين ﵁ (٣): قدم المسور المدينة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، فسمع من النبي ﷺ ، وحفظ عنه، وكان فقيهًا من أهل الفضل والدين، ولم يزل بالمدينة حتى قُتل عثمان، فانتقل إلى مكة، ولم يزل بها حتى مات معاوية، فكره بيعةَ يزيد، وصار إلى ابن الزُّبير، وقاتل معه، وأبلى بلاءً حسنًا. فبينا هو يصلي يومًا في الحِجْر جاءه حجر المنجنيق، فقتله في مستهلّ ربيع الأول سنة أربع وستين، وصلَّى عليه ابنُ الزُّبَيْر، ودفن بالحَجُون وهو ابن اثنين وستين سنة، وصلَّى عليه ابن الزبير وأهلُ الشام (٤). وأسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، وروى عن أبي بكر، وعُمر، وعثمان، وعلي، وخالِه عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ﵃، وغيرهم. وروى عنه علي بن الحُسين، وعبدُ الله وعروة ابنا الزبير، وعبدُ الله بن أبي مُلَيكة، وابنُه عبد الرحمن بن المسور، وابنتُه أمَّ بكر بنت المسور. ذكر أولاده: كان له من الولد: عبد الرحمن، وآمنة، ورَمْلَة، وأمُّ بكر، وصفيّة (٥)؛ أمُّهم أمَةُ الله بنتُ شرَحْبيل بن حسنة.

стр. 3759

وأبو بكر [بن] عبد الرحمن بن المِسْوَر كان شاعرًا، وهو القائل (١): بينما نحنُ بالبَلاكِثِ فالقا (٢) … عِ سِراعًا والعِيسُ تهوي هُوِيَّا خَطَرَتْ خَطْرَةٌ على القلبِ من ذِكـ … ـراكِ وَهْنًا فما استطعتُ مُضِيَّا قلتُ لبَّيكِ إذ دعاني لكِ الشَّوْ … قُ وللحادِيَينِ (٣) كُرَّا المَطِيَّا وكان للمِسْوَر من الولد [أيضًا] (٤): عبدُ الله، وهشام، ومحمد، والحصين (٥)، وحفصة، أمُّهم بنتُ الزِّبرقان بن بدر، وبُرَيهْة، وأمّها بادية بنت غَيلان الثقفي، وعَمْرو، وحمزة، وجعفر، وعَوْن، لأمَّهات أولاد شتَّى. مصعب بنُ عبد الرحمن بن عوف أبو زُرارة، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وأمّه أمّ حُرَيث (٦) من سَبْي بَهْراء، من قُضاعة. وكان شجاعًا، وكان على شرطة مروان بالمدينة، فأمره أن يهدم دور بني هاشم ومن كان في حيِّزهم (٧)، فقال: أيها الأمير، إنه لا ذنب لهؤلاء، وما أنا بفاعل، فقال مروان: انتفَخَ سَحْرُك (٨)، أَلْقِ سيفَنا.

стр. 3760

فألقاه، ثم خرج إلى عبد الله بن الزبير، فكان معه، وهو الذي قاتل عمرَو بنَ الزُّبَيْر. وخرج مصعبُ والمختار (١) إلى مَسْلَحةٍ للحُصين فحاربوهم، فأصبحوا وقد قَتَلُوا من أهل الشام مئة. وكان يُعرف قتلى مصعب بوَثَباتٍ يثبُهنَّ، فكان بين كل وَثْبة ووَثْبة أحد عشر (٢) ذراعًا، وكان لا يخفى جُرحُ سيفِه. والتقى أهلُ الشام وأصحابُ ابنِ الزبير، فحمل مصعب، فقتل من أهل الشام خمسين رجلًا (٣)، ورجع وقد انحنى سيفُه، فقال: إنَّا لَنُورِدُها بِيضًا ونُصْدِرُها … حُمْرًا وفيها انحناءٌ بعد تقويمِ ذكر وفاته: قُتل مع ابن الزُّبَيْر، وقيل: مات بمكة سنة أربع وستين، وقد رثاه رجل من جُذام فقال: للهِ عَينا مَنْ رأى مثلَ مصعبٍ … أعَفَّ وأقضى بالكتاب وأَفْهَما وقالوا أصابَتْ مصعبًا بعضُ نَبْلِهم … فعز علينا من أُصيب (٤) وعزَّ ما ذكر أولاده: زُرارة، وعبد الرحمن؛ أمُّهما ليلى بنت الأسود بن عوف، ومصعبُ بن مصعب لأمِّ ولد، وكان له بنات (٥). ومن ولد مصعب: أبو مصعب أحمدُ بن أبي بكر (٦) بن الحارث بن زُرارة بن مصعب بن عبد الرحمن، فقيهُ أهلَ المدينة، وهو صاحب مالك بن أنس (٧).

стр. 3761

معاوية بن يزيد بن معاوية مات حتف أنفِه. وقيل: إن بني أمية دَسُّوا إليه سُمًّا، فأكله فمات وقيل: إنَّه فُلِجَ ومات، وكان الضحَّاك يصلِّي بالنّاس. وقيل لمعاوية: ألا تستخلف أخاك خالدًا؟ فقال: لا أتحمَّلُها حيًّا ولا ميتًا. ولما احتُضر اجتمع إليه بنو أمية وقالوا له: اعهد إلى من ترى من أهل بيتك. فقال: والله ما ذُقْتُ حلاوةَ خلافتكم، وفكيف أتقلَّد وِزْرَها؟! وفي رواية: كيف أتعجَّلُ مرارتها وتتعجلُون أنتم حلاوتها؟ اللهم إني بريءٌ منها متخلٍّ عنها، اللهم إنّي لا أجدُ [نفرًا] كأهلِ الشورى فاجعلها إليهم فينصبون من يرون لها أهلًا (١). ثم قال لحسان بن مالك خازن بيت المال: احفظ ما قِبَلك حتى يجتمع الناس على إمام يرضَوْنه (٢). وصلَّى عليه الوليد بن عُتبة، فكبَّرَ تكبيرتين، فطُعن في الثالثة، فوقع ميتًا، فتقدَّم عثمان بن عنبسة، فصلَّى عليه، ودُفن بالباب الصغير عند قبور آبائه، وبكى الناس عليه، وحزنوا لفقده لعفَّته وزَهادته، وكان رَبْعًا نحيفًا تعتريه صُفْرة، ونقش خاتمه: الدنيا غرورة. و [كانت] (٣) مدة ولايته أربعين يومًا، وقيل: ستين. وقيل: عشرين. وقيل: ثلاثة أشهر. وعاش ثلاثًا وعشرين سنة. وقيل: خمس عشرة سنة. وقيل: عشرين سنة. وقيل: ثلاثة عشر. والأول أصحّ (٤).

стр. 3762

وانقضى بموته مُلْك بني حَرْب، وزال الأمر عنهم، ولم يكن لمعاوية عقب، ووليَها مروان وبنوه. المنذر بن الزبير بن العوَّام أبو عثمان، وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁، من الطبقة الثانية (١) من أهل المدينة. وكان شجاعًا سخيًّا، غزا مع يزيد بن معاوية القسطنطينية. وغاضب المنذرُ أخاه عبدَ الله، وخرج إلى معاوية، فأعطاه ألفَ [ألفِ] درهم، وأقطعه موضعَ دارِه بالبصرة (٢)، واحتُضر معاوية في تلك الحال [قبل أن يقبض جائزته، وأوصى معاوية أن يَدخل المنذرُ في قبره] فدخل قبره، فلما قدم يزيد أمضاها له، فقيل ليزيد: [تعطي] هذا المال للمنذر وأنت تتوقَّع خلاف أخيه عبد الله عليك! فقال: أكرهُ أن أردَّ شيئًا فعلَه أبي (٣). وكتب له إلى عُبيد الله بن زياد بإنفاذ قطائعه، وزاده عليها. وخرج من البصرة، فأتى مكة صُبْح ثامنة (٤). فسمع أخوه عبدُ الله صوتَه، فقال: هذا أبو عثمان، جاشَتْه إليكم الحرب. فأقام عند أخيه يقاتل معه حتى قُتل. وخرج المنذر إلى أهل الشام في اليوم الذي قُتل فيه وهو يقول: لم يبقَ إلا حَسَبي وديني … وصارمٌّ (٥) تلتذُّه يميني

стр. 3763

فلما قتل قال عبد الله: قُتل المنذر، وقاتلَ عن حَسَبه ودينه. وقتل وله أربعون سنة. وكان ولدُه محمدُ بنُ المنذر يُعْدَلُ بكثير من أعمامه [أعيان] بني الزبير مروءةً وشجاعةً ولسانًا وجَلَدًا، وكان من فرسان عمه عبد الله. [وقدم على عبد الملك بن مروان بعد مقتل عبد الله بن الزبير] يطلب ماله، وكان قد قُبض [مع ما قُبض من أموال ابنِ الزبير] فكان يحيى بن الحكم (١) عند عبد الملك فقال له يحيى: يا محمَّد، مَنْ صاحبُ يوم كذا وكذا، ويوم كذا وكذا؟ فعددَ وَقَعاتٍ ومحمد يقول: أنا. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، هذا الذي فعل بنا الأفاعيل! فقال محمَّد: رُدُّوا عليَّ سيفي، وخُذُوا أَمانكم، فلا حاجةَ لي به. فقال عبد الملك: لا تفعل. وكان لمحمد ابن يقال له: فُليح بن محمَّد، وكان له قَدْرٌ وفضل (٢). النعمان بن بشير ابن سعد بن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك بن الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، أبو محمَّد (٣)، من الطبقة الخامسة من الخزرج، وممن توفّي رسول الله ﷺ وهم حُدَثاء الأسنان. وأمُّه عَمْرَةُ بنتُ رواحة (٤)، وفيها قال الشاعر: وعَمْرَةُ من سَرَواتِ النِّسا … ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أردانُها (٥)

стр. 3764

وقال عبد الملك بن عمير: إن بشير بنَ سعد أبا النعمان لمَّا ولدَ النعمان؛ جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فحنَّكَه بيده، فقال: يا رسول الله، ادْعُ للهَ أن يُكْثِرَ ماله وولَدَه. فقال له: "أَما تَرضَى أن يعيشَ كما عاش خاله حميدًا، ويموت شهيدًا، ويقتله منافقٌ من أهل الشام" (١)؟. والنعمان أوَّلُ مَن نصرَ عثمانَ رضوان الله عليه، وخرج بقميصه إلى الشام. واستعملَه معاوية على الكوفة، وأمرَه أن يزيدَ في أعطياتهم عَشَرَةَ دنانير، فكان يعطي بعضًا ويمنعُ بعضًا ويقول: أنا قُفْلٌ، ومفتاحُه بالشام. وكان يُكثر تلاوة القرآن على المنبر ويقول: إن فقدتُموني لم تجدوا أحدًا يحدثُكم عن رسول الله ﷺ بعدي. وشَكَوْه إلى معاوية، فكتب إليه: كَمِّلْ لهم أُعطياتِهم. فقال ابنُ همام السَّلُولي: أفاطِمُ قد طال التَّدَلُّلُ والمَطْلُ … أجِدَّكِ (٢) لا صَرْمٌ جَلِيٌّ ولا وَصْلُ زيادتُنا نعمانُ لا تَحْبِسَنَّها … تقِ (٣) اللهَ فينا والكتابَ الذي تتلُو فإنك قد حُمِّلْتَ فينا أمانةً … وقد عجَزَتْ عنها الصلادِمَةُ (٤) البُزْلُ (٥) فلا يكُ بابُ الشَّرِّ تُحسِنُ فَتْحَهُ … [علينا] وبابُ الخيرِ أنتَ له قُفْلُ وقد نِلْتَ سلطانًا عظيمًا فلا يكنْ … لغيركَ جَمَّاتُ النَّدَى ولك البُخْلُ

стр. 3765

وأنتَ امرؤٌ حُلْوُ اللسانِ بليغُهُ … فما بالُهُ عند الزيادةِ لا يَحْلُو وقبلك ما كانَتْ علينا أئمَّةٌ … يَهُمُّهُم تقويمُنا وهُم عَصْل (١) يذْمُّون دُنْيانا وهم يرضعونَها … أفاوِيقَ حتى مالنا منهُمُ سَجْلُ (٢) إذا نطقُوا بالقولِ قالُوا فأحسَنُوا … ولكنَّ حُسْنَ القولِ خالفَهُ الفعلُ (٣) ولما عزلَ معاويةُ النعمانَ عن الكوفة ولَّاه حمصَ، فوفد عليه أعشى هَمْدَان، فقال: ما أقْدَمَك أبا المُصَبِّح؟ قال: لتَصِلَني وتقضي ديني. فقال: والله ما عندنا شيء. ثم صَعِدَ المنبر وقال: يا أهل حمص، أنتُم في الديوان عشرون ألفًا، وهذا ابنُ عمٍّ لكم من أهل القرآن والشرف؛ قدم عليكم يسترفدُكم، فما ترون فيه؟ فقالوا: أيها الأمير، احكم بما تراه. فقال: بل أنتم. فقالوا: قد جعلنا له من كل عطاء رجل منَّا دينارين معجَّلة من بيت المال. فدفعَ له أربعين ألف [دينار] معجَّلة، فقال الأعشى: فلم أرَ للحاجات عند انكماشِها … كنعمانَ نُعمانِ النَّدى ابنِ بشيرِ إذا قال أوْفى بالمقال ولم يكن … كَمُدْلٍ إلى الأقوام حَبلَ غُرورِ (٤) يُعرِّضُ بمروان؛ لأنه قصده، فوعَدَه ومَطَلَهُ، فلمْ يلقَ منه خيرًا. وقال الهيثم: أقام النعمان واليًا على الكوفة سبعة أشهر (٥)، ثم عاد إلى الشام. ذكر مقتله: لما بلغَ النعمانَ وهو بحمص مقتلُ الضَّحَّاك بالمَرْج؛ خرجَ هاربًا ليلًا ومعه امرأتُه نائلة ابنت عُمارة الكلبيَّة وولدُه، وثَقَلُه، فقصدَ زُفَر بن الحارث، فضلَّ عنِ الطريق، وطلبه عَمرو (٦) بن الخلي الكلاعي، -وكان النعمان قد حدَّه في الخمر- فقتلَه وأقبلَ

стр. 3766

برأسه وبنائلة امرأتِه وولدها، فألقى الرأس في حِجْر ابنتِه أمّ أبان، فقالت نائلة: ألقُوه في حِجْري، فأنا أحقُّ به منها. فأُلقي في حِجْرها. وجاءت كلب، فأخذوا نائلةَ وولدَها. وقُتل غيلة ما بين حمص وسَلَميَّة، وقيل: بقرية من قُرى حمص يقال لها: بِيرِين (١). ذكر أولاده فولدَ [النعمانُ]، عبدَ الله، ومحمدًا، وأمةَ الله، وحَبِيبة؛ أمُّهم أمُّ عبدِ الله بنت عمرو بن جَرْوَة (٢)، أنصاريَّة. ويزيدَ، وأبانًا، وأمَّ أبان؛ تزوَّجَها الحجَّاجُ؛ أمُّهم نائلة الكلبيَّة. والوليدَ، ويحيى، وبشيرًا؛ أمُّهم أمُّ ولد. وأمَّ محمد، وهي حُميدة بنتُ ليلى، من كِنْدة؛ تزوَّجَها رَوْح بنُ زِنباع الجُذامي. وعمرةَ؛ تزوَّجها المختار بنُ أبي عُبيد؛ وأمُّها ليلى بنتُ هانئ؛ كندية (٣). أسند النعمان عن النبي ﷺ أحاديث (٤). وأبوه شهدَ العقَبَةَ وبدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها (٥). ومحمد بن النعمان؛ روى عن أبيه، وروى عنه الزُّهري، وسمع منه بدمشق. وكانت له دار بدمشق (٦). وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة (٧)، وذكره ابن سُميع في الرابعة وقال: هو دمشقي ثقة (٨).

стр. 3767

[رَوْح بنُ زِنْباع] وكان رَوْح بنُ زِنْباع (١) بن سلامة الجُذامي رئيسًا في قومه جُذام سيِّدًا، وكنيتُه أبو زُرْعة، وقيل: أبو زِنْباع. وكان ممَّن ثبت مع مروان، ولم يُبايع ابنَ الزُّبير وقال: واللهِ لا نرضى أن ينتقل المُلك من الشام إلى الحجاز (٢). وشدّ من مروان حتى ولي الخلافة. وكان أميرًا على فلسطين، فنُسب إليها، وكان خِصِّيصًا بعبد الملك، لا يقدر أن يصبر عنه (٣). وكان لأبيه زِنْباع صحبة، واختلفوا في رَوْح، فقال مسلم: كان له صحبة ورواية (٤). وكذا قال الشيخ جمال الدين ابن الجوزي ﵀. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس له صحبة. روى [رَوْح بنُ] زِنْباع عن عُبادة بن الصامت، ومعاوية، وكعب الأحبار، وغيرهم. وروى عنه ابنُه رَوْح [بنُ رَوْح] (٥). وقال هشام: جهَّز عبد الملك بن مروان جيشًا إلى ابن الزُّبير، فمروا بانقاع (٦) فيه راهبة، فناداها رَوْح، فأشرفت عليه بوجه كأنه فلقة قمر، فقالت: إلى أين يذهب هذا الجيش؟ فقال رَوْح: إلى ابن الزُّبير. قالت: وما تصنعون به؟ قال: نُقاتله. قالت: على

стр. 3768

أيِّ شيء؟ قال: على الدنيا. فقالت: قبَّح اللهُ هذه الوجوه، واللهِ لو كانت الدنيا كلها لرجلٍ واحد ما كان غنيًّا بها مع الموت. قال المصنف ﵀: لم أقف على تاريخ وفاة رَوْح بن زِنْباع (١). وقد قيل: إنه يُدعى لغير أبيه، وكلُّ من لا يُدعى لأبيه يُقال له: رَوْح، وهي كنية المنبوذين. قال رَوْح: رأيتُ تميمًا الداريّ وهو أمير على بيت القدس وهو ينقِّي شعيرَ فرسِه، فقلت له: أَمَا كان لك مَنْ يكفيك هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ ربطَ فرسًا في سبيل الله، ثم تولَّى حَسَّه، ومسحه بيده، وتنقية شَعيرِه؛ كان له بكلِّ شَعِيرةٍ حسنة، وتُمحى عنه سيئة" (٢). يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان صخر بن حرب، وأمُّه ميسون بنت مالك بن بَحْدَل (٣) بن أُنيف الكلبي. وُلد سنة خمس -أو ستّ- وعشرين بالماطرون (٤)، وقيل: سنة سبعٍ وعشرين في بيت رأس (٥). وهو أوَّلُ من أظهر شرب الخمر، والاستهتار بالغناء والصيد، واتخاذ الغلمان والقِيان والكلاب، وما يضحك منه المترفون، والدُّيوك والمنافرة بينهم، واللعب بالملاهي والقرود.

стр. 3769

وكان له قرد يقال له: أبو قَيس، فكان اليوم الذي يصبح يزيد فيه مخمورًا يشدُّ القرد على فرسه يُسرِجُه بحبال من إبْرَيَسْم، والناس يمشون بين يديه، ومواكب الملك تُقاد بين يديه. وكان ينادم هذا القرد، وكان يسقيه الخمر، ويُلبسه الأقبية الصُّفْر والحُمْر، وقَلانِس الذهب. وكان يُسابق بين الخيل والقردُ عليها، وأركبَ القرد على أتان وحشيَّة، وأرسلَها في الحلبة، فقال يزيد: تَمَسَّكْ أبا قيسٍ إذا ما ركبتَها … فليس عليها إنْ هلكتَ ضمانُ فقد سَبَقَتْ خيلَ الجماعةِ كلَّها … وخيلَ أميرِ المؤمنين أتانُ (١) فسبقت الأتانُ الوحشية [الخيلَ] (٢) كلَّها، وسقطت ميتة، ومات أبو قيس معها، فحزن عليه يزيد، وكفَّنَه ودفَنه، وأمر أهلَ الشام أن يُعزُّوه فيه وقال يزيد في ذلك: لم يبق قرد (٣) كريم ذو محافظة … إلا أتانا يعزِّي في أبي قيسِ شيخ العشيرة أمضاها وأحملها … له المساعي مع القربوس والدِّيسِ يد الجياد على وحشية سبقت … ثم انثنى وعمود الموت في الكيسِ لا يُبعدُ اللهُ قبرًا أنت ساكنُه … فيه الكمال وفيه لحيةُ التَّيسِ وجاء نعي معاوية إلى يزيد وهو بحُوَّارين يتصيَّد، فلم يأتِ منزَلَه حتى أتى قبر القرد فترحَّم عليه. وكان يشربُ الخمر مع القرد، ويحمله ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمُسخ (٤). وكان مُغْرًى بشرب الخمر مكثرًا منه، وهو القائل: أقولُ لصحبٍ جمَّع الكأسُ شملَهمْ … وداعي صبابات الهوى يترنَّمُ

стр. 3770

خُذُوا ما صفا من عيشنا قبلَ فَوْتِهِ … فكلٌّ وإنْ طال المدى يتصرَّمُ ألا إنَّ أَهْنَا العيشِ ما سَمحَتْ به … صروفُ الليالي والحوادثُ نُوَّمُ ولا تتركوا يومَ السرورِ إلى غدٍ … فرُبَّ غدٍ يأتي بما ليس نعلمُ (١) وحكى البلاذُري (٢) أنَّ سبب وفاة يزيد أنه حملَ قِرْدَةً على أتان وهو سكران، ثم ركض خلفها، فسقط يزيد، فاندقَّت عنقه، أو سقط من جوفه شيء فمات. وقال الهيثم: ما همَّ يزيدُ بشيء من القُبح إلا ارتكبه، ولم يحجَّ في خلافته شُغلًا بما كان فيه من اللهو. ولما جهَّز يزيد مسلم بنَ عُقبة لقتال أهل المدينة وابنِ الزبير؛ أعجبه ذلك الجيش، فكتب إلى ابن الزبير: اُدْعُو إلهك في السماء فإنَّني … أَدْعُو إليك رجال عَكَّ وأشْعرِ كيف النجاةُ أبا خُبيبٍ منهمُ … فاحْتَلْ لنفسك قبل مأْتَى العسكرِ (٣) فكتب إليه ابنُ الزبير: أتستهزئُ بإلهي الذي في السماء؟! وأنت يزيد القرود، ويزيد الصيود، ويزيد الخمور، ويزيد الفسوق .. وعدَّد أفعاله. فكتب إليه يزيد وقال: لقد عبتَ ما لا عيبَ فيه على الفتى … من الصيد واللذَّات والأكلِ والشُّربِ ولكنَّما العارُ الشَّنَار الذي به … يُعيّر خلق الله في الشرق والغرب صيانة كف المرء عن بذلِ مالِهِ … عن الطارق الملهوفِ والجارِ ذي الجَنْبِ فسار يزيد إلى نخل (٤) ابن الزبير، ومات يزيد عقب وصول كتابه إلى ابن الزبير ﵁. وكان يزيد قد عزم على الحجّ ويدخل اليمن، فقال رجل من تنوخ:

стр. 3771

يزيدُ صديقُ القردِ مَلَّ جِوارَنا … فحنَّ إلى أرض القرودِ يزيدُ فتبًّا لمن أمسى [علينا] خليفةً … صحابتُه الأدنَوْن منه قرودُ (١) وجلست ميسون يومًا تُرجِّلُ ابنها يزيد وهي يومئذٍ مطلَّقة من معاوية، ومعاويةُ وامرأتُه فاختة في موضع ينظران إليهما ولم يعلما. فلما فرغت من تَرْجِيلِه قبَّلتْ ما بين عينيه. ومضى يزيد، فأتْبَعَتْه فاختةُ بصرَها وقالت: لعن الله سواد ساقَي أمِّك. فقال معاوية: أما والله لقد تفرَّجَ وركاها عن خير ما انفرجَتْ عليه وركاكِ. فقالت فاختة: لا والله، ولكنَّك تحبُّ يزيد وتؤثِرُه. فقال: سوف أُبيِّنُ لك. فدعا عبدَ الله -وهو ولد معاوية من فاختة وكان محمَّقًا، وهو أكبر من يزيد- وقال له: يا بُنيّ، سلني. فقال: تشتري لي كلبًا فارهًا وحمارًا سابقًا. فقال: أنت حمار، وأشتري لك حمارًا! قم واخرج. ثم دعا يزيد وقال: سَلْني فقال: أسألُك الخلافةَ بعدَك، وأرجو أن أموتَ قبلك وتوليني الصائفة، وتأذن لي في الحجّ، وتزيد في عطاء أهل الشام عشرةَ دنانير لكلِّ رجل، وتفرض لأيتام بني جُمح وبني سهم وعديّ. فقال: ما لكَ ولبني عديّ؟ فقال: قد حالفوني. فقبَّلَ معاوية ما بين عينيه، وقال: قد فعلت (٢). وكان يزيد شاعرًا فصيحًا خطيبًا، غزا القسطنطينيّة في حياة أبيه على جيشٍ فيه كثير من الصحابة، وحجَّ بالناس مرارًا، ولكن ابتلاه الله في ولايته بالمفاسد؛ من قتل الحسين ﵇ وأهل بيته، ووقعة الحَرَّة، والتَّتْبِير والقتل، ورميِ البيت الحرام بالمجانيق وتحريقه، ونحو ذلك. ولما توفّي الحسن بن علي رضوان الله عليه قال معاوية لابنه يزيد: اذهب إلى ابن عباس فعَزِّه. وكان ابنُ عبَّاس بالشام، فجاء يزيد، فجلس بين يدي ابن عبَّاس؛ فقال له ابن عباس: ارتفع. فقال: لا، هذا مجلس المعزِّي، لا مجلسُ المُهَنِّي (٣).

стр. 3772

وقيل: خطباء قريش خمسة: معاوية، وابنُه يزيد، وعبدُ الملك بن مروان، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزُّبير. ذكر وفاته: توفي يزيد لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين (١). وقيل: لتسع عشرة ليلة خلت من صفر (٢). والأول أشهر. ومات بدمشق، ودُفن بمقبرة الباب الصغير عند أهله. وقيل: مات بحُوَّارِين؛ قرية من قرى حمص [كان مولعًا بتلك الأماكن قبل ولايته] وهذا أشهر (٣). وقد ذكرَتْه الشعراء في أشعارها فقال ابنُ عرادة يشير إليه: أبني أميَّةَ إنَّ آخرَ ملككِم … جسدٌ بحُوَّارين ثمَّ مقيمُ (٤) وقال آخر: يا أيها القبر بحُوَّارينا … ضَمَمْتَ شرَّ الناسِ أجمعينا (٥) وقيل لعمرو بن عَبْد (٦) الخولاني الذي خَلَفَ على امرأة أبي مسلم (٧): ألا تُصلِّي على يزيد؟ فقال: تصلي عليه ظِباء حُوَّارِين. وقيل: إنه مات بحُوَّارِين، وحُمل على أيدي الرِّجال إلى دمشق، فدفن بالباب الصغير عند أبيه [معاوية] (٨).

стр. 3773

قال المصنف ﵀: والأشهر أنَّ قبره بحُوَّارين، وقد نبشه عبد اللهِ بن علي بن عبد الله بن العباس لما زال مُلك بني أمية من حُوَّارين، فلم يجد فيه إلا خطًّا من رماد (١)، [وسنذكره هناك]. وصلَّى عليه ابنُه معاوية. واختلفوا في سنّه على أقوال، أحدها: أنه مات ابنَ ثمان وثلاثين سنة (٢) والثاني: ابن تسع وثلاثين سنة، والثالث: ابن اثنتين وثلاثين سنة [وقد حكى هذه الأقوال الطبري] (٣). وينبغي أن نرجع في هذا إلى تحقيق مولده (٤). واختلفوا في مدَّة ولايته، فقيل: ثلاث سنين وثمانية أشهر، وقيل: ثلاث سنين وتسعة أشهر. [قلت:] والتاريخ يكشف ذلك، فإنه [لا خلاف أنه] وليَ عند موت أبيه في أول رجب سنة ستين، ومات في ربيع الأول سنة أربع وستين، فقد كملت له ثلاث سنين وثمانية أشهر وأيامًا (٥). [قال ابن الكلبي:] وكانت سني ولايته تُدعى سني الشُّؤم. ذكر أولاده وأزواجه: كان له من الأولاد: معاوية، وخالد، وعبد الله الأكبر، وأبو سفيان؛ أمُّهم فاختة بنت أبي هاشم بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس. فأما معاويةُ فقد ذكرناه، وأما خالد، فنذكُره في سنة تسعين. وكان ليزيد: عبدُ الله الأصغر، وعبدُ الرحمن، وعُتبة، ويزيد، ومحمد، وحرب، والربيع، وعبد الله ويلقب أصغر الأصاغر، وعُمر، وأبو بكر، وعثمان.

стр. 3774

فهؤلاء خمسة عشر ذكرًا. وكان له من البنات: عاتكة، ورَمْلَة، وأمُّ عبد الرحمن، وأم يزيد، وأم محمد، فهؤلاء خمس (١). وذكر له ابنُ عساكر ولدًا آخر؛ قال: واسمُه أميَّة، من أهل عذراء، له ذكر (٢). فنذكر أعيان أولاده، وقد انقرضوا، فلم يبق له عقب: عبد الله الأكبر، وأبو سفيان أشقاء خالد ومعاوية، وأمُّهم فاختة بنت أبي هاشم، وهي التي يقال لها: أمُّ خالد (٣)، وهي التي أشار إليها ابنُ سيرين فقال: أشْوَقُ بيتٍ قالته العرب قول يزيد بن معاوية: إذا سرتُ مِيلًا أو تباعدتُ ساعةً … دَعَتْني دواعي الشوق من أمِّ خالدِ وتزوَّج [يزيد] أمَّ مسكين بنت عُمر (٤) بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، ثم قلاها وطلَّقها، وكان يُبغض عُبيد الله بنَ زياد، فتزوَّجَتْه مغايظةً ليزيد، فقُتل عنها، فتزوَّجت محمد بنَ المنذر بن الزبير، ثم نافَرَتْه وقالت: واللهِ ما تزوَّجْتُك رغبةً فيك، ولكني أردتُ أن أغسلَ سوأةً وقعتُ فيها (٥). وعبد الله الأصغر (٦): يلقَّب بالأُسوار لجودة رميه، وكان فارسًا صاحب خيل، وأمُّه أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر بن كُريز، وفيه يقول عديّ بن الرِّقاع العاملي: علم الناسُ أنَّ خير قريشٍ … حَسَبًا حين يُنسبُ الأُسوارُ بين حَرْب وعامر بن كُرَيزٍ … فأُولاكَ الأكابر الأخيارُ

стр. 3775

وعبدُ الرحمن بن يزيد: أمُّه أمُّ ولد، وكان ناسكًا، ذكره ابن سُميع في الطبقة الثالثة من أهل الشام (١). وروى الحديث عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وروى عنه محمد بن قيس قاضي عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه (٢). وقال أبو زُرعة الدمشقي: خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية، وكانا من صالحي القوم (٣). وكان عبد الرحمن خِلّاً لعبد الملك بن مروان، وهو الذي وعظَ مَسْلَمةَ بن عبد الملك لمَّا لامَه على التَّنَسُّك والانقطاع إلى العبادة، فقال: يا مسلمة، هل أنتَ في الحال التي أنت فيها مستعدٌّ للموت؟ قال: لا. قال: فهل عزمتَ على التحوُّل عنها إلى حالة ترضى بها؟ قال: لا. قال: فهذه حال ما أقام عليها عاقل (٤). وعُمر بن يزيد، أمُّه أمُّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر، مات في حياة أبيه، أصابته صاعقةٌ فأحرقته. وقيل: رعدت السماء فمات، فقال عبد الله بن همَّام: عُمَرَ الخيرِ يا شَبِيهَ أبيهِ … أنتَ لو عشتَ قد خَلَفْتَ يزيدا سُلِّطَ الحَتْفُ في الغمام عليه … فتلقَّى الغمامُ رُوحًا سعيدا أيُّها الراكبانِ من عَبْدِ شمسٍ … أبْلِغا الشامَ أهلَها والجُنُودا أنَّ خير الفتيانِ أصبحَ في لَحْـ … ـــدٍ وأَمْسى بين الكرام فقيدا (٥) وعُتبة بن يزيد الأعور، روى عن عمر بن عبد العزيز ﵁ (٦). وأما بنات يزيد؛ فمنهن عاتكة بنت يزيد [تزوَّجَها عبد الملك بن مروان] فأولدها يزيدَ بنَ عبد الملك، وليَ الخلافة (٧).

стр. 3776

وإليها تُنسبُ أرض عاتكة خارج باب الجابية، وكانت بها قصور عاتكة، وتمتدُّ منها إلى جانب بَرَدَى (١). وكانت عاتكة من أشرف نساء قريش، جليلة نبيلة عاقلة، من الطبقة الثالثة من نساء قريش، دمشقية، [ذكرها أبو زرعة] فيمن حدَّث بالشام من النساء، روى عنها المهاجر الأنصاري (٢). وهي التي بكت لما توجَّه عبد الملك بنُ مروان لقتال مصعب بنِ الزبير و [بكى] معها أترابُها وجواريها، فقال عبد الملك: قاتلَ اللهُ ابنَ أبي جمعة (٣) حيث يقول: إذا ما أراد الغزوَ لم تَثْنِ هَمَّهُ … حَصَانٌ عليها نظم دُرٍّ يَزِينُها نَهَتْهُ فلمَّا لم تَرَ النَّهيَ عاقَهُ … بكَتْ فبكى ممَّا عراها قطينُها قال المصنف ﵀: وقد اتفق لابنتها فاطمة … (٤) وكانت [عاتكةُ] (٥) تضع خمارها بين يدي اثني عشر خليفة، كلُّهم لها مَحْرَم: أبوها يزيد، وجدُّها معاوية، وأخوها معاوية بن يزيد، وزوجها عبدُ الملك، وزوجُ ابنتها عمر

стр. 3777

ابنُ عبد العزيز ﵁ (١)، وابنُها يزيد بنُ عبد الملك، وابنُ ابنِها الوليد بنُ يزيد، وبنو زوجها: الوليدُ، وسليمان، وهشام، وابنا ابن زوجها يزيدُ وإبراهيم المخلوع ابنا الوليد بن عبد الملك. ويقال: إنها عاشت حتى أدركت قتل ابنِ ابنِها الوليد بن يزيد بن عبد الملك (٢). أرسل عبد الملك بنُ مروان إلى عاتكة بنت يزيد زوجته يقول: أشهِدي بمالك لولدِك. فقالت: أرْسِلْ إليَّ شهودًا. فأرسلَ إليها جماعة؛ فيهم رَوْح بن زِنْباع، فقالت: إن أولادي في غنًى عنّي، اِشهدوا على أنني قد جعلتُ مالي وقفًا على آل أبي سفيان، فهم أحوج، لتغيّر حالهم. فخرج رَوْح إلى عبد الملك وهو ممتقع اللون، فقال: أرسلتَني إلى معاوية جالسًا في إيوانه. وأخبره الخبر (٣). ورَمْلَة بنت يزيد؛ تزوَّجها عُتْبة بن عُتْبة بن أبي سفيان، فمات عنها، فخَلَفَ عليها عبَّاد بن زياد، فولدت له، ثم تزوَّج عبَّاد أمَّ عبد الرحمن بنت يزيد بعد رَمْلَة؛ زوَّجه إيَّاها خالد بنُ يزيد، فعيَّره عبدُ الملك بنُ مروان وقال: زوَّجْتَه وقد عرفتَ دعوتَه، فقال له خالد: أما إنه سِلْفُك (٤)، وهو دَعِيِّي، ولو كان دَعِيَّ غيري (٥) لما زوَّجْتُه. وأمُّ يزيد بنت يزيد، تزوَّجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان (٦)، فولدت له دِحْية (٧).

стр. 3778

وأم محمد بنت يزيد [تزوَّجَها عَمرو بن عُتبة بن أبي سفيان، فولَدَتْ له. وأمُّ عثمان بنت يزيد] تزوَّجَها عثمان بنُ أبي سفيان، فولدت له أمَّ الحكم (١). فهولاء بناتُ يزيد لأمَّهات أولاد شتَّى، غير عاتكة، فإنَّ أُمَّها أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر. ومن نساء يزيد أمُّ محمد بنت عبد الله بن جعفر، خطبها يزيد من أبيها عبدِ الله بن جعفر، فزوَّجه إيَّاها، فحُملت إليه من الشام، فخرج يتلقَّاها وقال: جاءت بها دُهْم البغال وشبهُها … مُسَيَّرةً في جوف قَرٍّ مُسَتَّرِ مُقابلةٌ بين النبيِّ محمدٍ … وبين عليٍّ والجواد ابن جعفرِ مُنافِيَّةٌ غَرَّاءُ جادَتْ بِوُدِّها … لعبدٍ مُنافيٍّ أَغَرَّ مشهَّر وبلغ عبدَ الله بن جعفر فقال: ما أراه ينسى نفسه في كلّ حال (٢). وهذه أمّ أبيها بنتُ عبد الله بن جعفر تزوَّجها عبدُ الملك بنُ مروان لما تولَّى الخلافة، فعضَّ يومًا على تفاحة، ورمى بها إليها، فأخذَت السكين وقَوَّرَتْ موضع عضَّته، فقال عبد الملك:، ما هذا؟ قالت: أُمِيطُ عنها الأذى. فطلَّقها عبدُ الملك، فتزوَّجها عليُّ بن عبد الله بن عباس أبو الخلفاء، فولدَت له وماتت عنده (٣). وقيل: إن التي قَوَّرت التفاحة عاتكة بنت يزيد. والأول أصحّ. ذكر رواية يزيد الحديث: قال ابن عساكر: روى يزيد الحديث عن أبيه معاوية، وروى عنه ابنُه خالد بنُ يزيد، وعبد الملك بنُ مروان (٤).

стр. 3779

وقال عبد الله ابنُ الإمام أحمد بن حنبل ﵀: سألتُ أبي فقلتُ: أتروي الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة، أنسيتَ ما فعلَ من قتلِ الحسين بن علي، وهدمِ الكعبة وحرمتها، وإباحتهِ المدينة ثلاثًا، وغير ذلك (١)؟! ذكر طرف من الأشعار المنسوبة إليه: له ديوان مشهور، وقيل: إنَّ معظم الشعر المنسوب إليه منحول (٢)، والله أعلم. فمن شعره قال: ومُدامةٍ صفراءَ في قارورةٍ … زرقاءَ تحملُها يَدٌ بيضاءُ فالخمرُ شمسٌ والحَبَابُ كواكبٌ … والكَفُّ قطبٌ والزُّجاج سماءُ (٣) وله: ومشمولةٍ صاغ المزاجُ لرأسها … سماءَ عقيقٍ رُصِّعَتْ بالكواكبِ بنتْ كعبةَ اللَّذَّاتِ في حَرَم الصّبا … فحجَّ إليها اللَّهوُ من كلِّ جانبِ (٤) وله: وأنا ابنُ زمزمَ والحَطِيم (٥) ومولدي … بطحاءُ مكة والمحلَّةُ يثربُ وإلى أبي سفيانَ يُعْزَى مولدي … فَمَنِ المشاكِلُ لي إذا ما أُنْسَبُ ولوَ أنَّ حيًّا لارتفاع قبيلةٍ … وَلجَ السماءَ ولجتُها لا أُحْجَبُ وأنا المجيرُ على الزمان وصَرْفِهِ … من جاء من حِدْثانِهِ يتعتَّبُ ومنه. أيا سَمُراتٍ بالمُحَصَّبِ من مِنًى … تَعَرَّيتِ من أوراقِكِ الخَضِراتِ

стр. 3780

يُرادُ من الأشجارِ طِيبُ ظلالِها … وما يُجتنَى منها من الثمراتِ إذا لم يكنْ فيكنَّ ظلٌّ ولا جَنًى … فأبعدكنَّ اللهُ من شَجَراتِ (١) ومنه: وقائلةٍ لي حين شَبَّهتُ وجهَهَا … ببدرِ الدُّجَى يومًا وقد ضاقَ منهجي تُشَبِّهُني بالبدر! هذا تناقصٌ … بقدري ولكنْ لستُ أوَّلَ من هُجِي ألم ترَ أنَّ البدرَ عند كمالِهِ … إذا بلغَ التشبيه عادَ كدُمْلُجِي (٢) فلا فخرَ إنْ شبَّهتَ بالبدر مَبْسَمي … وبالسحر أجفاني وبالليل مَدْعَجي (٣) فقلت [لها] لا تنكري ضعفَ خاطري … وكثرةَ إفراطي وعُظْمَ تلجلجي فلم يبق لي عقلٌ من الحبِّ ثابتٌ … أُقايِسُ بين المستوي والمعوَّجِ ومنه: دعُوني أَدَعْها وهي بي مُستهامةٌ … بنفس (٤) حتى تقطِّعَ النفسُ الكبدا فتركي لها ما دام فيَّ بقيَّةٌ … بأحسنَ لي من أنْ أكونَ لها عبدا ولما التقينا للوداع وقلبُهما … وقلبي يَبُثَّانِ الصبابةَ والوَجْدا بكت لؤلؤًا رَطْبًا ففاضت مدامعي … عقيقًا فصار الكلُّ في نحرها (٥) عِقْدا [وقال: اسقني شَرْبَةً تُرَوِّي فؤادي … ثمَّ مِلْ واسْقِ مثلَها ابنَ زيادِ موضع السِّرِّ والأمانةِ (عندي) … وعلى ثَغْرِ مغنمي وجهادي (٦) وقال: تمتَّعْ من الدنيا بساعتك التي … تكونُ بها ما لم تُعِقْك العَوائقُ

стр. 3781

فلا يومُك الماضي عليك بعائدٍ … ولا يومُك الآتي به أنت واثقُ وقال (١): أُلامُ على نَجْدٍ وأبكي صبابةً … رُوَيدَكَ يا دمعي ويا عاذِلي رِفْقا فلي بالحِمى مَنْ لا أُطِيقُ فِراقَهُ … به يَسْعَدُ الواشي ولكنْ به أشقى إذا لم يَدَعْ مني هواه وهجرُه (٢) … سوى رَمَقٍ يا أهل نَجْدٍ فكم أبقى ولولا الهوى ما رقَّ للناس جانبي … ولا رضيَ الواشون منّي بما ألقَى (٣) وقال: يا صَرْخَةَ البَينِ كم فَتَّتِّ من كَبِدٍ … ويا منادي فراقٍ كم تُنادينا ويا غُرابُ بِشَتِّ الشَّمْلِ تُخبِرُنا … فارَقْتَ إلْفَكَ كم بالبَين تَنْعِينا (٤) أقولُ للرَّبْع إذْ طال الوقوفُ به … ما بالُ أطلالِ ليلى لا تُحيِّينا لولا اللَّوَى ما لَوَى قلبي الغرامُ ولا … أضحي فؤادي بوادي الحُزْن محزونا واللهِ ما طلَبَتْ أرواحُنا بَدَلًا … عنكُمْ ولا انصرَفَتْ منّا أمانينا إنَّ الزمانَ الذي قد كان يُضْحِكُنا … أُنْسًا بقربكُمُ قد عاد يُبْكِينا أذَاقَنا فَقْدُ مَنْ كُنَّا نُسَرُّ به … يُميتُنا في الهوى طَوْرًا ويُحْيِينا وقال: ما حرَّم اللهُ شُرْبَ الخمرِ من عَبَثٍ … منه ولكنْ لِسِرٍّ مُودَعٍ فيها لمَّا رأى الناسَ أمْسَوْا مُغْرَمين بها … وكلَّ معنًى حَوَوْهُ من معانيها أوْحَى بتحريمها خَوْفًا عليه بأنْ … يُضْحُوْا لها سُجَّدًا من دونِ باريها] (٥)

стр. 3782

ومنه: أمِنْ شَرْبةٍ من ماء كرمٍ شربتُها … غضبتَ عليَّ؟ الآن طابَ لي السُّكْرُ سأشْربُ فاغضبْ لا رضيتَ، كلاهما … حبيبٌ إلى قلبي عقوقُك والخمرُ (١) ومنه: زائرٌ نَمَّ عليه حُسْنُهُ … كيف يُخفي الليلُ بدرًا طَلَعَا رصدَ الخَلْوةَ حتى أمْكَنَتْ … ورَعَى العاذلَ حتى هَجَعَا كابدَ الأهوال في زَوْرَتِهِ … ثمَّ ما سلَّم حتى ودَّعا (٢) ومنه: قد شربنا المُدامَ من كفِّ ساقٍ … ناعسِ الطَّرْفِ ناعمِ الأطرافِ بين ليلى ذوائبٌ وظلام … وصباحَي سوالفٍ وسُلافِ ومنه: أقولُ لعيني حين جادَتْ بدمعها (٣) … وإنسانُها في لُجَّةِ الدمعِ يغرقُ خُذي بنصيبٍ من محاسن وجهِها … ذَرِي (٤) الدمعَ لليومِ الذي نتفرَّقُ ومنه: مستوقفي بين ذلِّ الصَّدِّ والمللِ … لم يبق لي منكَ إلا لذَّةُ الأملِ لا تَرْحَلَنَّ فما أبْقَيتَ من جَلَدِي … ما أستطيعُ به توديعَ مُرْتَحِلِ ولا من الغَمْضِ ما أقري الخيال به … ولا من الدمع ما أبكي على طَلَلِ (٥) ومنه: لَيلِي ولَيلَى نَفَى نَوْمي اختلافَهما … حتى لقد صيَّراني في الهوى مَثَلا

стр. 3783

يجودُ بالطُّولِ ليلِي كلَّما بخلَتْ … بالطَّول لَيلَى، وإن جادَتْ به بَخِلا (١) ومنه: خُذُوا بدمي ذاتَ الوِشاح فإنَّني … نظرتُ بعيني في أناملها دمي ولا تُخبروني إنْ سمعتُم بموتها … بل خبِّروها إنْ سمعتُمُ بمأتمي وميالةِ الأعطاف مهضومةِ الحَشَا … تبدَّت لنا بين الحَطِيمِ وزمزمِ لها حُكْمُ لقمانٍ وصورةُ يوسفٍ … ونغمةُ داودٍ وعفَّةُ مريمِ ولي حزنُ يعقوبٍ وذلّة يونسٍ (٢) … وآلامُ أيوبٍ ووَحْدةُ آدمِ فلا تحسبوا أني قتيلُ صوارمٍ … ولكن لِحاظٍ قد رمَتْني بأسهمِ ولو لم يمسَّ الأرضَ فاضلُ بُرْدِها … لما كان عندي فُسحةٌ في التيمُّمِ ومنه: متى شافَهَتْ بي (٣) العِيسُ سَلْمَى مُسَلِّمًا … وأنْجَدَ بالسَّارِينَ مَنْ كان مُتْهِما تَقَلْقَلَ قلبي واقْشَعَرَّتْ جوارحي … إذا قيل هذا رَمْلُ يَبْرِينَ والحِمَى كأنَّ حَمامَ الأيكِ بعد فراقِنا … أقامَ لفقداني هنالك مأتما على مُقْلَةٍ تبكي العَقِيقَ بمثلِهِ … وتفضُلُ حزنًا مالكًا ومُتَمِّما سَقَى عَلَمَيهَا مُغْدِقُ الوَبْلِ مُسْبِلٌ … إذا ما بكى في رَبْعِ دارٍ تَبَسَّمَا يَهُلُّ بمنهلِّ العَزَالِ (٤) بطاقةٍ … فيُلبِسُه ثوبًا من الوَشْيِ مُعْلَمَا ومنه: ولمَّا تلاقَينا وجَدْتُ بَنَانَها … مُخَضَّبةً تحكي عُصارةَ عَنْدَمِ فقلتُ خَضَبْتِ الكَفَّ بعدي وهكذا … يكون جزاءُ المستهامِ المُتَيَّمِ فقالت وأذكَتْ في الحَشَا لوعةَ الجَوَى … من النارِ لم تُخمد ولم تتضرَّمِ

стр. 3784

بَكَيتُ دمًا يومَ النَّوى فمسَحْتُهُ … بكفِّيَ فاحْمرَّتْ بنانيَ من دمِ ولو قبلَ مَبْكاها بَكَيتُ صَبَابةً … بسُعْدَى شَفَيتُ النفسَ قبل التندُّمِ ولكنْ بَكَتْ قبلي فَهَيَّجَ لي البُكَا … بُكاها وكان الفَضلُ للمتقدِّمِ ومنه: يا جَوارِ [ي] الحَيِّ عُدْنَنِيَهْ … حَجَبُوا عنِّي مُعَذِّبِيَهْ رَشَأٌ (١) كالبَدْرِ طَلْعَتُهُ … لو سقاني سُمَّ سَاعَتِيَهْ لم أقُلْ إني سَلَوْتُ ولا … إنَّ مَنْ أهْوَاه مِلَّتِيَهْ فهو حَجِّي وهو معتَمَري … وهو فَرْضي وهو سُنَّتِيَهْ وهو قصدي وهو معتمدي … وهو جالينوسُ عِلَّتِيَهْ قَرِّبُوا عُودًا وباطِيَةً (٢) … فبذا أدْرَكْتُ حَاجَتِيَهْ السنة الخامسة والستون فيها خرج سليمان بنُ صُرَد إلى النُّخَيلَة (٣) في مستهلّ ربيع الآخِر للوعد الذي كان قد واعدَ عليه أصحابَه، ويسمَّى جيش التَّوَّابين، فنزل بها، وخرج إليه الناس، فلم يعجبه قلَّتهم، فبعث إلى حكيم بنِ منقذ الكندي (٤) والوليد بنِ غُصين، فقال: اذهبا إلى الكوفة، فناديا: يا لَثارات الحسين، فدخلا إلى الكوفة، وبلغا المسجد الأعظم، وسمع الناس، فخرجوا وقاموا من الفُرُش، منهم عبد الله بن خازم الأزدي؛ كان مع زوجته سهلة بنت سبرة، من الأزد، وكانت من أجمل الناس وأحبِّهم إليه، فلما سمع الصوت قام، فلبس درعه، وحمل سلاحه، وركب فرسه، فقالت له امرأته: أَجُنِنْتَ؟! إلى أين؟ قال: ويحكِ! أما تسمعين داعيَ الله؟! فأنا مُجيبُه، وطالبٌ بدم هذا الرجل،

стр. 3785

أو يقضيَ الله ما أَحبَّ. فقالت: إلى من تدعُ بيتَك وولدَك؟ قال: إلى الله تعالى، ثم قال: اللهم احفظني فيهم. وخرج حتى لحق بهم. وخرج أشراف الكوفة، فأصبحوا في النُّخَيلة، فكانوا ستة عشر ألفًا، وقيل: أربعة آلاف، وكان أسماؤهم في ديوان سليمان ستة عشر ألفًا، فلم يصفَ منهم سوى أربعة آلاف، فقال حُميد بن مسلم لسليمان: إن المختار يُثبِّط الناس عنك. فقال: أما تخافون الله؟! أما تذكرون ما أعطَوْنا من المواثيق والعهود؟! ثم أقام بالنُّخيلة ثلاثًا يبعثُ أصحابَه إلى الكوفة يُذَكِّرُهم اللهَ والعهودَ التي أعطَوْه، فخرج إليه منهم [نحوٌ من ألف] رجل (١)، فقال المسيّب بن نَجَبَة لسليمان: إنه لا ينفعُك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النِّيَّة، فلا تنتظرنَّ أحدًا، واكْمِشْ في أمرك. فقام سليمان متوكِّئًا على قوسه فقال: أيها الناس، مَنْ كان إنما أخرجَتْه إرادةُ وجهِ الله وثوابِ الآخرة، فذلك منَّا ونحن منه، ومن كان إنما يريد الدنيا؛ فواللهِ ما نُريد إلا وجهَ الله تعالى، وما معنا ذهبٌ ولا فضَّة، ولا حريرٌ ولا خَزّ، ولا عَرَضُ الدنيا، وإنما هي سيوفُنا على عواتقنا، ورماحُنا في أكفِّنا، وزادٌ قَدْرَ البُلغة إلى أنْ نُلاقيَ عدوَّنا، فمن لم يكن منَّا فلا يَصْحَبْنَا. فتنادى الناس من كلِّ جانب: لا لِدُنْيا خرجنا، ولا لها طلبنا. فقيل له: أتسير إلى قَتلَةِ الحسين بالشام، وقَتَلَتُهُ عندنا بالكوفة كلهم؟! [منهم] عُمر (٢) بن سعد، ورؤوس الأرباع، وأشراف القبائل؟! وقال له عبد الله بن سعد: أين تذهب وتدع الأوتار وراءنا؟ فقال سليمان: إن ابن زياد هو الذي جهَّز إلى قتاله، وعبّأَ الجيوش، وفعل ما فعل، فإذا فرغنا منه عُدنا إلى أعدائه بالكوفة، ولو قاتلتُم أهلَ مصركم؛ ما عَدِمَ الرجل أن يرى رجلًا قد قتلَ أباه أو
следующие страницы →