← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

فلا يومُك الماضي عليك بعائدٍ … ولا يومُك الآتي به أنت واثقُ وقال (١): أُلامُ على نَجْدٍ وأبكي صبابةً … رُوَيدَكَ يا دمعي ويا عاذِلي رِفْقا فلي بالحِمى مَنْ لا أُطِيقُ فِراقَهُ … به يَسْعَدُ الواشي ولكنْ به أشقى إذا لم يَدَعْ مني هواه وهجرُه (٢) … سوى رَمَقٍ يا أهل نَجْدٍ فكم أبقى ولولا الهوى ما رقَّ للناس جانبي … ولا رضيَ الواشون منّي بما ألقَى (٣) وقال: يا صَرْخَةَ البَينِ كم فَتَّتِّ من كَبِدٍ … ويا منادي فراقٍ كم تُنادينا ويا غُرابُ بِشَتِّ الشَّمْلِ تُخبِرُنا … فارَقْتَ إلْفَكَ كم بالبَين تَنْعِينا (٤) أقولُ للرَّبْع إذْ طال الوقوفُ به … ما بالُ أطلالِ ليلى لا تُحيِّينا لولا اللَّوَى ما لَوَى قلبي الغرامُ ولا … أضحي فؤادي بوادي الحُزْن محزونا واللهِ ما طلَبَتْ أرواحُنا بَدَلًا … عنكُمْ ولا انصرَفَتْ منّا أمانينا إنَّ الزمانَ الذي قد كان يُضْحِكُنا … أُنْسًا بقربكُمُ قد عاد يُبْكِينا أذَاقَنا فَقْدُ مَنْ كُنَّا نُسَرُّ به … يُميتُنا في الهوى طَوْرًا ويُحْيِينا وقال: ما حرَّم اللهُ شُرْبَ الخمرِ من عَبَثٍ … منه ولكنْ لِسِرٍّ مُودَعٍ فيها لمَّا رأى الناسَ أمْسَوْا مُغْرَمين بها … وكلَّ معنًى حَوَوْهُ من معانيها أوْحَى بتحريمها خَوْفًا عليه بأنْ … يُضْحُوْا لها سُجَّدًا من دونِ باريها] (٥)

стр. 3782

ومنه: أمِنْ شَرْبةٍ من ماء كرمٍ شربتُها … غضبتَ عليَّ؟ الآن طابَ لي السُّكْرُ سأشْربُ فاغضبْ لا رضيتَ، كلاهما … حبيبٌ إلى قلبي عقوقُك والخمرُ (١) ومنه: زائرٌ نَمَّ عليه حُسْنُهُ … كيف يُخفي الليلُ بدرًا طَلَعَا رصدَ الخَلْوةَ حتى أمْكَنَتْ … ورَعَى العاذلَ حتى هَجَعَا كابدَ الأهوال في زَوْرَتِهِ … ثمَّ ما سلَّم حتى ودَّعا (٢) ومنه: قد شربنا المُدامَ من كفِّ ساقٍ … ناعسِ الطَّرْفِ ناعمِ الأطرافِ بين ليلى ذوائبٌ وظلام … وصباحَي سوالفٍ وسُلافِ ومنه: أقولُ لعيني حين جادَتْ بدمعها (٣) … وإنسانُها في لُجَّةِ الدمعِ يغرقُ خُذي بنصيبٍ من محاسن وجهِها … ذَرِي (٤) الدمعَ لليومِ الذي نتفرَّقُ ومنه: مستوقفي بين ذلِّ الصَّدِّ والمللِ … لم يبق لي منكَ إلا لذَّةُ الأملِ لا تَرْحَلَنَّ فما أبْقَيتَ من جَلَدِي … ما أستطيعُ به توديعَ مُرْتَحِلِ ولا من الغَمْضِ ما أقري الخيال به … ولا من الدمع ما أبكي على طَلَلِ (٥) ومنه: لَيلِي ولَيلَى نَفَى نَوْمي اختلافَهما … حتى لقد صيَّراني في الهوى مَثَلا

стр. 3783

يجودُ بالطُّولِ ليلِي كلَّما بخلَتْ … بالطَّول لَيلَى، وإن جادَتْ به بَخِلا (١) ومنه: خُذُوا بدمي ذاتَ الوِشاح فإنَّني … نظرتُ بعيني في أناملها دمي ولا تُخبروني إنْ سمعتُم بموتها … بل خبِّروها إنْ سمعتُمُ بمأتمي وميالةِ الأعطاف مهضومةِ الحَشَا … تبدَّت لنا بين الحَطِيمِ وزمزمِ لها حُكْمُ لقمانٍ وصورةُ يوسفٍ … ونغمةُ داودٍ وعفَّةُ مريمِ ولي حزنُ يعقوبٍ وذلّة يونسٍ (٢) … وآلامُ أيوبٍ ووَحْدةُ آدمِ فلا تحسبوا أني قتيلُ صوارمٍ … ولكن لِحاظٍ قد رمَتْني بأسهمِ ولو لم يمسَّ الأرضَ فاضلُ بُرْدِها … لما كان عندي فُسحةٌ في التيمُّمِ ومنه: متى شافَهَتْ بي (٣) العِيسُ سَلْمَى مُسَلِّمًا … وأنْجَدَ بالسَّارِينَ مَنْ كان مُتْهِما تَقَلْقَلَ قلبي واقْشَعَرَّتْ جوارحي … إذا قيل هذا رَمْلُ يَبْرِينَ والحِمَى كأنَّ حَمامَ الأيكِ بعد فراقِنا … أقامَ لفقداني هنالك مأتما على مُقْلَةٍ تبكي العَقِيقَ بمثلِهِ … وتفضُلُ حزنًا مالكًا ومُتَمِّما سَقَى عَلَمَيهَا مُغْدِقُ الوَبْلِ مُسْبِلٌ … إذا ما بكى في رَبْعِ دارٍ تَبَسَّمَا يَهُلُّ بمنهلِّ العَزَالِ (٤) بطاقةٍ … فيُلبِسُه ثوبًا من الوَشْيِ مُعْلَمَا ومنه: ولمَّا تلاقَينا وجَدْتُ بَنَانَها … مُخَضَّبةً تحكي عُصارةَ عَنْدَمِ فقلتُ خَضَبْتِ الكَفَّ بعدي وهكذا … يكون جزاءُ المستهامِ المُتَيَّمِ فقالت وأذكَتْ في الحَشَا لوعةَ الجَوَى … من النارِ لم تُخمد ولم تتضرَّمِ

стр. 3784

بَكَيتُ دمًا يومَ النَّوى فمسَحْتُهُ … بكفِّيَ فاحْمرَّتْ بنانيَ من دمِ ولو قبلَ مَبْكاها بَكَيتُ صَبَابةً … بسُعْدَى شَفَيتُ النفسَ قبل التندُّمِ ولكنْ بَكَتْ قبلي فَهَيَّجَ لي البُكَا … بُكاها وكان الفَضلُ للمتقدِّمِ ومنه: يا جَوارِ [ي] الحَيِّ عُدْنَنِيَهْ … حَجَبُوا عنِّي مُعَذِّبِيَهْ رَشَأٌ (١) كالبَدْرِ طَلْعَتُهُ … لو سقاني سُمَّ سَاعَتِيَهْ لم أقُلْ إني سَلَوْتُ ولا … إنَّ مَنْ أهْوَاه مِلَّتِيَهْ فهو حَجِّي وهو معتَمَري … وهو فَرْضي وهو سُنَّتِيَهْ وهو قصدي وهو معتمدي … وهو جالينوسُ عِلَّتِيَهْ قَرِّبُوا عُودًا وباطِيَةً (٢) … فبذا أدْرَكْتُ حَاجَتِيَهْ السنة الخامسة والستون فيها خرج سليمان بنُ صُرَد إلى النُّخَيلَة (٣) في مستهلّ ربيع الآخِر للوعد الذي كان قد واعدَ عليه أصحابَه، ويسمَّى جيش التَّوَّابين، فنزل بها، وخرج إليه الناس، فلم يعجبه قلَّتهم، فبعث إلى حكيم بنِ منقذ الكندي (٤) والوليد بنِ غُصين، فقال: اذهبا إلى الكوفة، فناديا: يا لَثارات الحسين، فدخلا إلى الكوفة، وبلغا المسجد الأعظم، وسمع الناس، فخرجوا وقاموا من الفُرُش، منهم عبد الله بن خازم الأزدي؛ كان مع زوجته سهلة بنت سبرة، من الأزد، وكانت من أجمل الناس وأحبِّهم إليه، فلما سمع الصوت قام، فلبس درعه، وحمل سلاحه، وركب فرسه، فقالت له امرأته: أَجُنِنْتَ؟! إلى أين؟ قال: ويحكِ! أما تسمعين داعيَ الله؟! فأنا مُجيبُه، وطالبٌ بدم هذا الرجل،

стр. 3785

أو يقضيَ الله ما أَحبَّ. فقالت: إلى من تدعُ بيتَك وولدَك؟ قال: إلى الله تعالى، ثم قال: اللهم احفظني فيهم. وخرج حتى لحق بهم. وخرج أشراف الكوفة، فأصبحوا في النُّخَيلة، فكانوا ستة عشر ألفًا، وقيل: أربعة آلاف، وكان أسماؤهم في ديوان سليمان ستة عشر ألفًا، فلم يصفَ منهم سوى أربعة آلاف، فقال حُميد بن مسلم لسليمان: إن المختار يُثبِّط الناس عنك. فقال: أما تخافون الله؟! أما تذكرون ما أعطَوْنا من المواثيق والعهود؟! ثم أقام بالنُّخيلة ثلاثًا يبعثُ أصحابَه إلى الكوفة يُذَكِّرُهم اللهَ والعهودَ التي أعطَوْه، فخرج إليه منهم [نحوٌ من ألف] رجل (١)، فقال المسيّب بن نَجَبَة لسليمان: إنه لا ينفعُك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النِّيَّة، فلا تنتظرنَّ أحدًا، واكْمِشْ في أمرك. فقام سليمان متوكِّئًا على قوسه فقال: أيها الناس، مَنْ كان إنما أخرجَتْه إرادةُ وجهِ الله وثوابِ الآخرة، فذلك منَّا ونحن منه، ومن كان إنما يريد الدنيا؛ فواللهِ ما نُريد إلا وجهَ الله تعالى، وما معنا ذهبٌ ولا فضَّة، ولا حريرٌ ولا خَزّ، ولا عَرَضُ الدنيا، وإنما هي سيوفُنا على عواتقنا، ورماحُنا في أكفِّنا، وزادٌ قَدْرَ البُلغة إلى أنْ نُلاقيَ عدوَّنا، فمن لم يكن منَّا فلا يَصْحَبْنَا. فتنادى الناس من كلِّ جانب: لا لِدُنْيا خرجنا، ولا لها طلبنا. فقيل له: أتسير إلى قَتلَةِ الحسين بالشام، وقَتَلَتُهُ عندنا بالكوفة كلهم؟! [منهم] عُمر (٢) بن سعد، ورؤوس الأرباع، وأشراف القبائل؟! وقال له عبد الله بن سعد: أين تذهب وتدع الأوتار وراءنا؟ فقال سليمان: إن ابن زياد هو الذي جهَّز إلى قتاله، وعبّأَ الجيوش، وفعل ما فعل، فإذا فرغنا منه عُدنا إلى أعدائه بالكوفة، ولو قاتلتُم أهلَ مصركم؛ ما عَدِمَ الرجل أن يرى رجلًا قد قتلَ أباه أو

стр. 3786

أخاه أو حميمه، فيقع التخاذل، فإذا فرغتُم من الفاسق ابنِ الفاسق ابنِ مَرْجَانة؛ حصل لكم المراد. فقالوا: صدقت. وبلغ عبد الله بنَ يزيد الخَطْمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة ذلك، فخرجا إليهم في أشراف أهل الكوفة بعد أن طلبا الإذن في خروجهما إليهم، فأذنَ سليمان وأصحابُه، فقال عبدُ الله بنُ يزيد لكلِّ من هو معروف بقتل الحسين ﵁: لا تصحبونا إلى القوم، إنا نخافُ عليكم منهم. فتأخَّروا عنه. وكان عُمر بن سعد تلك الأيام التي عسكر فيها [سليمان] بالنُّخَيلَة لا يبيتُ في داره، بل في قصر الإمارة مع الخَطْمِيّ خوفًا لا يُبَيِّتُوه في داره. ولما دخل الخَطْميُّ وإبراهيم بنُ محمد بن طلحة على سليمان؛ حمدَ اللهَ الخطميُّ وأثنى عليه (١) وعلى رسوله وقال: أما بعد، فإنَّ المسلم أخو المسلم لا يخونُه ولا يغشُّه، وأنتم إخوانُنا وأهلُ بلدنا وأحبّ خلق الله إلينا، فلا تَفْجَعونا بأنفسكم، ولا تشذُّوا (٢) علينا برأيكم، ولا تنقصوا عَدَدَنَا بخُرجوكم من جماعتنا، أقيموا معنا، فإذا تيقَّنَّا أنَّ عدوَّنا قد شارف بلادنا؛ خرجنا بجماعتنا فقاتلناه. وتكلَّم إبراهيم بمثل ذلك. فقال لهما سليمان: إني قد علمتُ أنكما قد مَحَضْتُما النصيحةَ، واجتهدتُما في المشورة، ونحن إنما خرجنا للهِ تعالى، ولا نُرانا إلا شاخصين. فقال الخَطْمي: فأقيموا حتى نجهِّز معكم جيشًا كثيفًا تلقَون عدوَّكم به، فتكونوا به ظاهرين عليه، فقال سليمان: انصرفا الآن حتى نرى رأينا. فقال لهم الخَطْمي وابنُ طلحة: أقيموا ونحن نخصُّك وأصحابَك بخراج جُوخَى دون الناس. فقال سليمان: ما خرجنا للدنيا، بل لبذل نفوسِنا لله تعالى. وإنما فعل الخَطْمي وابنُ طلحة ذلك خوفًا من ابن زياد أن يفجأهم.

стр. 3787

ثم أجمع القوم على المسير إلى قتال ابنِ زياد، وكانوا قد انتظروا إخوانهم من أهل البصرة والمدائن، وأبطؤوا عليهم، فقال سليمان: لعلَّ عوَّقهم قلةُ نفقة، أو أمر آخر، فسيروا، فهم يلحقون بنا. فساروا عشيَّة الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخِر سنة خمس وستين، فنزل سليمان دار الأعور (١)، وتخلَّف عنه ناسٌ كثير، ثم سار، فنزل أقساس (٢) -بلد على شاطئ الفرات- لعرض الناس، فسقط منهم نحوٌ من ألف رجل، فقال سليمان: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا﴾ لأنَّ الله كره انبعاثهم فثبَّطهم. ثم أدلجوا، فَصَبَّحُوا قبرَ الحسين ﵇، فلما رأَوْه صاحُوا صيحة عظيمة واحدة، وبكَوْا، فما رُئي باكيًا أكثر من ذلك اليوم (٣). وقالوا: يا ربَّنا، إنَّا خذلنا ابنَ بنتِ نبيِّنا ﷺ ، فاغفر لنا ذنوبنا، وتُبْ علينا. وتضرَّعوا وبكَوْا. ثم ساروا [و] على الناس أربعة (٤): سُليمان بن صُرَد، وهو أمير القوم، والمسيَّب بن نَجَبَة الفَزَاري، وعبد الله بنُ سعد الأَزْدي، وعبد الله بن وال التَّيمي، ورِفاعة بن شدَّاد البَجَلي، والأمورُ راجعةٌ إلى ابنِ صُرَد، فأخذُوا على طريق [الحَصَّاصة، ثم على] الأنبار، ثم على صَنْدُودَاء (٥)، ثم على القَيَّارة، وجعل سليمانُ على مقدمته كُريب بن يزيد (٦) الحميري. وتَقَدَّمهم عبد الله بنُ عوف الأحمري (٧) يرتجز، فقال وهو على فرس كُمَيت (٨):

стр. 3788

خَرَجْنَ يلمعْنَ بنا أرسالا … عَوابسًا يَحْمِلْننا أبطالا نريدُ أن نَلْقَى بها الأقتالا (١) … القاسطين الغُدُر الضُلَّالا وقد رَفَضْنا الأهل والأموالا … والخَفِراتِ البِيضَ والحِجَالا (٢) نُرْضِي به ذا (٣) النِّعم المِفْضالا وكان عبد الله الخَطْمي قد كتبَ إلى سليمان والتوابين كتابًا، فلَحِقَهم بالقَيَّارة (٤)، فقرأه سليمان عليهم، وإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بنِ صُرَد ومن معه من المسلمين، سلامٌ عليك، أما بعد، فإنَّ كتابي إليكم كتابُ ناصحٍ شفيق، وكم من ناصحٍ مُستغشّ، وكم من غاشٍّ ناصح، بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكبير، وإنَّ من أراد أن ينقلَ الجبال عن أماكنها تَكِلُّ مَعاولُه، ويفرَغُ وهو مذمومُ الفعل والعقل، يا قومنا لا تُطمِعُوا عدوَّكم في أهل بلادكم، فإنكم أخيارٌ كلُّكم، وأعلامُ أهل مصركم، ومتى ما يُصيبُكم عدوُّكم أطمعه ذلك فيمن وراءَكم، يا قومنا "إنَّهم إن يَظْهَرُوا عليكم يرجُموكم أو يُعيدوكم في ملتهم ولن تُفلحوا إذًا أبدًا" وإنَّ أيديَنا وأيديَكم واحدة، وعدوَّنا وعدوَّكم واحد، ومتى تجتمعْ كلمتُنا نظهرْ على عدوِّنا، ومتى تختلفْ تَهُنْ شوكتُنا على [مَنْ] خالفَنا، يا قومنا لا تستغشُّوا نُصحي، ولا تُخالفوا أمري، وأقْبِلُوا حين يُقرأ عليكم كتابي، أقبلَ الله بكم إلى طاعته، وأدْبَرَ بكم عن معصيته، والسلام. وقال سليمان لأصحابه: ماذا تَرَوْن؟ قالو!: قد أبَينا هذا عليهم ونحن في مصرنا بين أهلنا، فالآن حين خرجنا ووطَّنَّا أنفُسنا على الجهاد، ودنَونا من أرض عدوّنا! ما هذا برأي، فما تقول أنت؟ فقال سليمان: إنكم لم تكونوا أقربَ من إحدى الحُسْنيَينِ منكم من يومكم هذا للشهادة أو الفتح، ولا أرى أن تنصرفوا عمَّا جعلكم (٥) الله عليه من

стр. 3789

الحق، ونحن وهؤلاء مختلفون، لأنهم يدعُوننا إلى الجهاد مع ابن الزبير لو ظهروا، ونحن لا نرى ذلك إلا ضلالًا، وإن نحن ظهرنا رَدَدْنا هذا الأمر إلى أهله، فإن أُصِبْنا فعلى نيَّاتنا، تائبين من ذنوبنا، إنَّ لنا شكلًا ولابن الزبير شكلًا، ونحن وإياه كما قال القائل: أرى لكِ شَكْلًا غيرَ شكلي فأقْصِرِي … عن اللَّوم إذْ بُدِّلْتِ واختلفَ الشَّكْلُ ثم كتبوا جواب الخَطْمي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صُرَد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد أتانا كتابُك، وعلمنا ما ذكرتَ، فنِعْمَ -واللهِ- الوالي، ونِعْمَ الأميرُ، ونِعْمَ أخو العشيرة، أنتَ -واللهِ- مَنْ نأمنُه بالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونشكره على كلّ حال، وقد سمعنا الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ١١١ - ١١٢﴾، إنَّ القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوه، وتابوا من عظيم ذنبهم، وتوجَّهوا إلى الله، وتوكلوا عليه، ورضُوا بما قضى الله لهم ﴿رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ والسلام عليك. ولما قرأ الكتاب قال: استمات القوم، واللهِ ليُقتَلُنَّ كرامًا مسلمين، ولا يُقتلون حتى يكثر القتل بينهم (١). وساروا، فنزلوا هِيت، ثم ساروا فنزلوا قريبًا من قَرْقِيسيا، وبها زُفَرْ بن الحارث الكلابي قد تحصَّنَ بها، ولم يخرج إليهم، فبعثَ سليمان بن صُرَد المسيِّبَ بنَ نَجَبَة وقال له: ائتِ ابنَ عمِّك هذا، فقل له فليُخْرجْ لنا سُوقًا، فإنَّا لسنا إيَّاه نريد، وإنَّما قصدنا هؤلاء المُحِلِّين. فجاء المسيِّب إلى باب الحصن، فقال: افتحوا، ممَّن تتحصَّنُون؟ فقال له هُذَيل بنُ زُفَر: مَنْ أنت؟ فقال: أنا المسيِّب بن نَجَبَة. فمضَى الهُذَيل إلى أبيه، فقال له: قد جاء إلى الباب المسيِّب، فقال زُفَر: هذا فارس مُضَر الحمراء كلِّها، وهو رجل ناسك له دين. [ائذنْ له].

стр. 3790

فأذن له، فدخل، فأجلسه زُفر إلى جانبه، وساءَلَه، فألطفَ له في المسألة، فقال له: ما إياك نُريد، وإنَّما نريد هؤلاء المُحِلِّين، فأَخْرِجْ لنا سُوقًا، فما، نُقيم بساحتك إلا يومًا. فأمر زُفر ابنَه الهُذيل أن يُخرج لهم سوقًا، وأمر للمسيِّب بألف درهم وفرس، فقبلَ الفرسَ، وردَّ الدراهم، وقال: ماخرجنا لهذا، وهذا الفرس أتَقَوَّى به على جهاد الظالمين المُحِلِّين. وبعث لسليمان والمقدَّمين جوائز وطعامًا وعَلَفًا، وشعيرًا كثيرًا، ودقيقًا، فحملوا منه ما أطاقوا. ثم أصبحوا من الغد، فارتحلوا على تعبئة، وخرج زُفَر فشيَّعهم وقال لسليمان بن صُرَد: إنَّ ابن زياد قد بعث إليكم خمسة أمراء قد فَصَلُوا عن الرقَّة، منهم الحُصين بنُ نُمير السَّكوني، وشُرَحْبيل بن ذي الكَلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن مخارق الغَنَوي، وحملة (١) بن عبد الله الخثعمي، وقد أَتَوكم [في] مثل الشجر والشَّوْك، واللهِ لقلَّما رأيتُ (٢) رجالًا أحسنَ هيئة وعُدَّة منهم، وإنِّي أعرضُ عليكم رأيًا لعل اللهَ أن يجعلَ لنا ولكم فيه خيرًا: إنْ شئتُم فتحنا لكم الباب (٣)، فدخلتُموها، فكان أمرُنا واحدًا، ويدُنا واحدة، وإنْ شئتُم نزلتُم إلى جانب قرقيسيا، وخرجنا فخيَّمْنا إلى جانب خيمكم، فإذا جاءنا العدوّ قاتلناه جميعًا. فقال ابنُ صُرَد: قد أرادَنا أهلُ مِصْرنا على مثل هذا، فأبينا، ولسنا بفاعلين. فقال زفر: فاقْبَلُوا ما أُشيرُ به عليكم، فإني واللهِ للقومِ عدوّ، وأنا لكم محبٌّ، إنَّ الْقومَ لمَّا أقبلوا من الشام نزلُوا الرَّقَّة، وقد رحلوا عنها طالبين عين وَرْدَة (٤)، فبادِرُوهم إلى عين الوردة، واجعلوا المدينةَ وراء ظهوركم والرُّسْداق والماء والمادة بين أيديكم، وأمَّا من ناحيتي فأنتم آمنون، والله ما رأيتُ جيشًا. أحسنَ منكم، فبادِرُوا واسبِقوهم، وإذا التقيتُم فلا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم، فإنهم أكثرُ منكم، فإن استُهدفتُم لهم لم يلبثوا أن يصرعوكم، وليس معكم رجَّالة، ومعهم الرجَّالة والفُرسان، والرجَّالةُ تحمي

стр. 3791

فرسانَها، وأنتُم ليس معكم رجَّالة يحمونكم، فإذا التقيتُم فبُثُّوا المَقَانِبَ (١) والكَتائبَ فيما بين ميمنتهم وميسرتهم، فإنْ حمَلَتْ كتيبةٌ ترجَّلَت الكتيبةُ التي إلى جانبها وحَمَتْها، ومتى شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى شاءت شغلت (٢)، ولا تكونوا صفًّا واحدًا، فإنَّ الرجال إذا حملوا على الصفّ انتقض، ولْتُرْدِفِ الكتائب بعضُها بعضًا. ثم وقف زُفر، فدعا لهم، وسأل اللهَ النُّصرة والمعونة، فدعا له الناس. وقال له ابن صُرَد: نِعْمَ المنزولُ به أنت، أكرمتَ النُّزُل، وأحسنتَ الضيافة، ونصحتَ في المشورة. ثم إنَّ القوم جَدُّوا في المسير، ورتّب ابنُ صُرَد الكتائب كما أمره زُفَر، وساروا على الشَّمْسانيَّة، ثم على السُّكَير (٣)، حتى أتَوْا عين وَرْدَة، فنزلوها في غربها، وسبقوا القومَ إليها، فعسكروا، وأقاموا خمسًا، وأراحوا خيلهم واستراحوا إلى أن جاء القوم، فكانت الوقعة على عين وَرْدَة. حديث الوقعة وأقام ابنُ صُرَد لمَّا نزل على عين وردة خمسًا، وأقبلت عساكر الشام مع ابن زياد، فأقام ابنُ زياد بالرَّقَّة، وجهَّزَ إليهم الجيوش، فقصدوهم حتى بقي أهل الشام من عين وَرْدَة على يوم وليلة، وكان عُبيد الله بنُ زياد في ثلاثين ألفًا، والتوَّابون في أربعة آلاف (٤). وعلم سليمان بنُ صُرد، فقام فخطب، وقال في خطبته: أما بعد، فإنَّ الله قد أتاكم بعدوِّكم الذي دأبتُم في السير إليه آناء الليل وأطراف النهار، فإذا لقيتُموهم فاصدُقوهم اللقاء، واصبروا، فإنَّ الله مع الصابرين، وإنكم قد أتيتُموهم في عُقر دارهم، [وما غُزِيَ قومٌ في عُقر دارهم] (٥) إلا ذَلُّوا، لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزُوا على جريح، ولا تُوَلُّوهم الأدبار. هذه سيرةُ أمير المؤمنين علي ﵇.

стр. 3792

ثم قال: فإنْ أنا قُتلتُ، فأميرُ الناس المسيِّب بن نَجَبَة، فإنْ أُصيب المسيِّب، فعبدُ الله بنُ سعد بنِ نُفيل، فإنْ أُصيب؛ فعبدُ الله بن وال، فإن أصيب، فرِفاعة بن شدَّاد. ثم بعث المسيّبَ بنَ نجَبة في خمس مئة (١) فارس، وقال: سِرْ حتى تلقى أوائلَ عسكرهم، فشُنَّ عليهم الغارة، فإنْ رأيتَ ما تُحبُّ؛ وإلَّا فعُدْ إلينا. فسار نحو القوم، فلقُوا راعيًا من الأعراب يطرُدُ أحمرةً ويقول: يا مالِ لا تَعْجَلْ إلى صحبي … واسْرَحْ فإنك آمنُ السِّرْبِ فاستبشرَ بقوله، وساروا، فوقعوا على عسكر ذي كَلاع وهم غارُّون (٢)، فحملوا عليهم، فانهزموا، وتركوا عسكرَهم وما فيه، فحازه المسيّب وقال: الرَّجْعة، فإنكم قد غنمتُم وسلمتُم. فعادوا إلى أصحابهم، وبلغ عُبيدَ الله بنَ زياد، فسرَّح إليهم الحُصينَ بنَ نُمير السَّكوني في اثنَيْ عشرَ ألفًا، فجاء إلى عين وَرْدَة يوم الأربعاء لثمان ليال بقين من جمادى الأولى، وجعل ابنُ صُرَد على ميمنته عبدَ الله بنَ سعد بنِ نُفيل، وعلى ميسرته المسيّب بن نَجَبَة، ووقفَ سليمان في القلب، وجعلَ الحُصين على ميمنته حملة (٣) بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغَنَويَّ، فنادَوْا: ادْخُلوا في طاعة أمير المؤمنين، وقال التَّوابون: ادفعوا إلينا عُبيدَ الله بنَ زياد لنقتلَه ببعض قَتَلَةِ الحسين (٤)، ثم نردَّ هذا الأمر في بيت نبيِّنا ﷺ . فأبَوْا عليهم، والتقَوْا واقتتلُوا، وكان الظَّفَرُ للتوَّابين. فلما كان من الغد قدم عليهم من ذي الكَلاع ثمانيةُ الاف؛ أمدَّهم به ابنُ زياد، فاقتتلُوا اليوم الثاني إلى الليل، وكثُرت الجِراح في الفريقين.

стр. 3793

فلما كان اليوم الثالث -وهو يوم الجمعة- اقتتلوا قتالًا عظيمًا، وأحاط بهم أهلُ الشام من كلِّ جانب فترجَّل سليمانُ، وكسَرَ جَفْن سيفِه ونادى: يا عبادَ الله، من أراد الرَّوَاح إلى ربِّه والتوبةَ من ذنبه والوفاءَ بعهده؛ فليأْتِ إليّ. فترجَّل معه ناس، وكسروا جُفُون سيوفهم، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم، وقتلُوا من أهل الشام مقتلَةً عظيمة، ورأى الحُصين سليمان فعرفَه، فرماه بسهم، فوقع في نحره (١)، فقال: فُزْتُ وربِّ الكعبة. وأخذ الرايةَ المسيّبُ بنُ نَجَبَة، وحملَ فأبلى بلاءً حسنًا، فقُتل، فأخذها عبد الله بنُ سعد وقال: رحم الله أخويَّ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣] ثم قُتل، فأخذَها عبدُ الله بنُ وال، فقُتل وهو يقول. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] (٢). وجاء الليل، ولم يبق من الأمراء إلا رِفاعة بن شدَّاد البَجَلي، فسار بمن بقي من الناس في الليل، فقطع الخابور، ومرُّوا قريبًا من قرقيسيا، فبعث إليهم زُفَر الطعامَ والعلفَ والأطبَّاء، وقال: أقيموا عندنا ما أحببتُم، فلكم الكرامة والمواساة، فأقاموا ثلاثًا، ثم تزوَّدوا وساروا، وكان أهل البصرة وأهل المدائن قد ساروا خلفهم، فلما انتهوا إلى هِيت؛ بلغهم خبرُ الوقعة، فعادُوا. ولما وصل القوم إلى الكوفة؛ وجدوا المختار محبوسًا (٣). وبعث ابنُ زياد برأس ابن صُرَد وابن نَجَبَة إلى مروان، فصمعد المنبر وقال: قد أهلك الله رؤوس الضلالة سليمان وأصحابه. وعدَّهم (٤). ولما قدم التوَّابون الكوفة كتب إليهم المختار من الحبس: مرحبًا بالعَصَب الذين أعظم الله لهم الأجر، ورضيَ عنهم، أما وربِّ البَنِيَّةِ التي بنى ما خطا أحدٌ منكم

стр. 3794

خُطوة، ولا رتا رَتْوةً (١) إلا كان ثواب الله له أعظمَ من الدنيا وما فيها، إنَّ سليمان بن صُرَد قضى ما عليه، وتوفَّاه الله، فجعل رُوحه مع أرواح النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تُنصرون، وإنما أنا الأميرُ المأمون، قاتلُ الجبَّارين المُحِلِّين، والمُقِيدُ من الأوتار، فأَعِدُّوا واستعدُّوا، وأبشروا واستبشروا، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنةِ رسولِه، والطلبِ بدماء أهل البيت، والدفعِ عن المساكين، ورَدْعِ الظالمين (٢). وفيها عقدَ مروان البيعة لابنيه عبدِ الملك وعبدِ العزيز، وكان مروان حين بُويع بالخلافة عهد إلى خالد بن يزيد بعده، ثم إلى عمرو بن سعيد بن العاص، فلما فتح مصر عهد إلى ابنه عبد العزيز، فعزَّ ذلك علي بني أمية وآل حرب وقالوا: غَدَرَ وكذَب. وعزموا على خلعه، فعهد إلى عبد الملك وولَّاه فلسطين، وعهد بعهده إلى عبد العزيز، وولَّاه مصر. وفيها سار مروان إلى مصر، فافتتحَها، وكان على مصر عبد الرحمن بن عُتبة بن أبي إياس بن جَحْدم، فخرج مروان من دمشق، واستخلف عليها ولدَه عبد الملك. ولما مرَّ مروان بفلسطين -وقيل: بِرَفَح- كان بها أهلُ السائب بن هشام العامري (٣)، وكان السائب مقيمًا بمصر عند [ابن] جَحْدم، [وعند] وصول مروان إلى الساحل (٤) جهَّز إليه السائبَ في ثلاثة آلاف فارس، وكان مروان لما مرَّ بأهل السائب قال له رَوْح بن زِنْباع: خذ ابنَي السائب معك رهينة. فأخذَهما، وسارَ مروان إلى مصر، فالتقَوْا دون الفسطاط، فأخرج مروان ابنَي السائب بين الصفَّين، ونادى منادي مروان: إنْ لم يرجع السائب عن قتالنا وإلا قتلناهما. فرجع السائب إلى الفسطاط، فبعث إليه ابنُ جَحْدم جيوشًا ومروان يهزمُها، فصالحه ابنُ جَحْدم على أن يخرج إلى مكة بماله وأهله، فأجابه مروان، وخرج إلى ابنِ الزبير إلى مكة (٥).

стр. 3795

وقيل: إن مروان قتلَ ابنَ جحدم في هذه السنة، واستخلفَ عبدَ العزيز على مصر (١). وعاد مروان إلى الشام، وقال لعبد العزيز: يا بُنيّ، أَرْسِلْ حكيمًا ولا تُوصِهِ، وإن كان عليك حقٌّ غُدوةً فلا تؤخِّرْه إلى عشيَّة، وعلى العكس، وإيَّاك أن يظهر منك كذبٌ لرعيَّتك، فإنه إن ظهر لهم منك ذلك في الباطل لم يصدِّقُوك في الحقّ، واستشر جلساءك [وأهل العلم، وقرِّب أهل الحَسَب والدين والمروءة، وليكونوا جلساءك]، ثم اعرف لهم منازلهم، وإن غضبتَ على أحد من رعيَّتك، فلا تُعاقبه حتى يسكنَ غضبُك، ولا تؤاخذه عند سَوْرَة الغضب. أقول قولي هذا وأستخلفُ اللهَ عليك (٢). ذكر يوم الرَّبَذَة: [قال علماء السِّيَر:] ولما عاد مروان من مصر جهَّزَ جيشًا إلى ابن الزُّبير مع حُبَيش بن دُلَجَة في ستَة آلاف وأربعِ مئة؛ فيهم يوسف بن الحَكَم الثقفي، ومعه ابنُه الحجَّاج [بن يوسف]، وكان جابر بن الأسود بن عوف عامل ابن الزبير على المدينة، فهرب إلى مكة. وجهَّز إليهم عبد الله بن الزُّبير جيشًا من الحجاز، وكتب إلى البصرة يطلب الجيوش، وكان على البصرة الحارث بن [عبد الله بن أبي ربيعة، ويقال له: القُباع، وكان ابن الزبير قد ولّى] (٣) عبدَ الله بنَ مطيع الكوفة. فجهَّزَ الحارثُ الحَنْتَفَ (٤) بنَ سِجْف التميميّ على جيش البصرة، واجتمعوا بجيش الكوفة، وساروا في خمسة آلاف. وكان حُبَيش بن دُلَجَة لما أتى المدينة؛ نزل عسكرُه بالجُرْف، ودخل هو المدينة، فنزل بدار مروان، وهي دار الإمارة، واستعمل على سوق المدينة رجلًا من مزينة يُدعى مالكًا.

стр. 3796

وأخاف حُبيشٌ أهلَ المدينة، وآذاهم وقال لهم: يا أهل النِّفاق والشِّقاق. [وقال أبو اليقظان:] وصعد منبرَ رسولِ الله ﷺ ، فجعلَ يأكل التمر على المنبر، ويرميهم بالنَّوَى ويقول: إن هذا ليس بموضع الأكل، ولكني أردتُ أن أعرِّفكم هوانَكم عليَّ. ألستُم خذلتُم أمير المؤمنين [عثمان] وفعلتُم وفعلتُم؟ وإنَّ لكم يومًا كيوم الحَرَّة (١). وأساء السيرة، وأفسد أصحابُه فيها، وأخرجوا الناس من منازلهم. [قال ابن سعد: ووصل الحَنْتَفُ في ذلك الحال ومعه جيوش العراق كما ذكرنا] (٢). [وقال هشام:] ولما وصل حُبيش إلى المدينة التقاه جيشُ ابنِ الزُّبير، فاقتتلوا، فكانت في أوَّل النهار على أهل الشام، ثم صارت في آخره على أهل الحجاز، فانهزموا، ودخل حُبيش المدينة، وفعل ما فعل، فبينا هو كذلك إذ أقبل الحَنْتَفُ في جيوش أهل العراق، وانضاف إليه مَنْ هربَ من جيش الحجاز، فخرج إليهم حُبَيش، وخلَّف بالمدينة بعضَ أصحابه خوفًا من مَدَد ابنِ الزبير أن يصل إليها، وكمن له الحَنْتَفُ بالرَّبَذَة. ولما وصلَ إليها لم يشعر إلا بالكمين من كل ناحية، فأخذتهم الرِّماح والسيوف، وقتلوا أهلَ الشام قتلًا ذريعًا، وقُتل حُبَيش بنُ دُلَجَة، وأُسِرَ من أهل الشام خمسُ مئة (٣). وهرب يوسف ومعه ابنه الحجَّاج؛ أردفَه خلفَه، فكان الحجَّاج يقول: ما أقبحَ الهزيمة! لقد لقينا يوم الرَّبَذَة ما لا يُوصف. [قلت:] وكان الحجَّاج يُعيَّر بذلك اليوم؛ ولَّى الحجاجُ خالدَ بنَ عتَّابِ بنِ ورقاء التميميّ -وكنيتُه أبو سليمان- الرَّيّ، وكانت أمُّه أمَّ ولد، وكان خالد قد حلف لا يسبُّ أمَّه أحدٌ إلا سبَّ أباه (٤) كائنًا من كان، فكتب إليه الحجَّاجُ يَلْخَنُ أمَّه (٥) ويقول له: أنتَ

стр. 3797

هربتَ عن أبيك حتى قُتل [فكتب إليه خالد: كتبتَ تَلْخَنُني، وتزعم أنني فررتُ عن أبي حتى قُتل] (١)، ولَعَمْرِي إنني ما ذهلتُ عنه إلا بعد ما قُتل، ولم أجد لي مساعدًا، وأمَّا أنتَ يا ابنَ اللَّخناء المستفرمة بعَجَم الزَّبِيب؛ أخبِرْني عنك حين مررتَ أنتَ وأبوك يومَ الرَّبَذَة على جمل ثَفَال (٢)؛ أيُّكما كان أمام صاحِبه؟! فقرأ الحجاج كتابه وقال: صدق: أنا الذي فَرَرْتُ يومَ الحَرَّهْ … [ثم ثَبَتُّ كَرَّةً بِفَرَّهْ] والشيخُ لا يفرُّ إلا مَرَّهْ ثم طلبه، فهربَ إلى الشام، ولم يأخذ من بيت المال درهمًا. وكتب الحجَّاج إلى عبد الملك [بما كان منه. وقدم خالد الشام، فسأل عن وزير عبد الملك]، فقيل: رَوْحُ بن زِنْباع. فأتاه حين طلعت الشمس، فقال: إني أتيتُك مستجيرًا. قال: قد أجرتُك، إلا أن تكون خالدًا. قال: فأنا خالد. فتغيَّر وجهُ رَوْح وقال: أَنْشُدك الله إلا خرجتَ عنّي، فإنّي أخافُ عبدَ الملك. فقال: أَنْظِرني حتى تغرب الشمس. فجعل رَوْح يُراعيها حتى خرج خالد، فأتى زُفَر بنَ الحارث، فاستجارَ به، فأجارَه، ودخل على عبد الملك بعد ما أَسَنَّ زُفَر، فقال: قد أجرتُ خالدًا فقال: لا ولا كرامة. فقال: يا عبد الملك لو كنتَ تعلمُ أنَّ يدي تُطيق حَمْلَ القناة، وأن تُمسك عِنانَ الجَواد؛ لأَجَرْتَ من أجرتُ. فضحك عبدُ الملك وقال: قد أجرناه. وأُتيَ عَتَّاب بن ورقاء بامرأةٍ من الخوارج، فقال لها: يا عدوَّة الله، ما الذي حَمَلَكِ على الخروج علينا؟ أما سمعتِ قول الله تعالى: كُتبَ القتلُ والقتالُ علينا … وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيُولِ فقالت: يا عدوَّ الله، جهلُكَ بكتاب الله هو الذي أخرجني عليك (٣).

стр. 3798

ثم قدم الحَنْتَف المدينة، وتلقَّاه أهلُها، وفرحوا به [وقالوا: ما أنت إلا الحتف، لا الحَنْتَف] (١). وبعث ابنُ الزبير أخاه مصعبًا، فضرب رقابَ الأُسارى في مصارع شهداء الحَرَّة، فيُقال: أصحاب حُبَيش زادوا على قتلى الحَرَّة. وجعل الحنتفُ يضربُ أعناقهم ويقول: يا لَثَارات أهل الحَرَّة. وقال الحَنْتَف: مَنْ أتاني بيوسف الثقفيّ وابنهِ الحجَّاج، فله ما أراد. فسارت الخيلُ في آثارهما، فلم تدركهما. ودعا أهلُ المدينة؛ الرجالُ والنساءُ والصبيان للحَنْتَف وقالوا: شفيتَ الصدور. وسار الحَنْتَف إلى مكة (٢). وقيل: إن الذي قتل حُبَيش بن دُلَجَة يزيدُ بن سِيَاه [الأسواري؛ رماه بنُشَّابة فقتله، فلما دخلوا المدينة؛ وقف يزيد بن سِياه] على بِرْذَوْن أشهب، وعليه ثياب بياض، فاسودَّ البِرْذَوْن والثياب ممَّا طرح عليه الناس من الطِّيب، ومسحُوا بأيديهم (٣). وفيها قُتل نافع بنُ الأزرق الخارجيّ، وكانت شوكةُ الخوارج قد اشتدَّت (٤) لأنه كان قد وقع الخلاف بين الأزد وتميم والقبائل بسبب قتل مسعود بن عمرو، فقصد نافع البصرة، فلم يظفر منها بشيء، فسار إلى الأهواز، فأرسل إليه أهل البصرة مسلمَ بنَ عبيس، فالتقوا بمكان يقال له: دَوْلَاب (٥)، فاقتتلوا قتالًا لم يُرَ مثلُه، فقُتلَ مسلمُ بنُ عبيس [و] نافعُ بنُ الأزرق، فأمَّرت الخوارجُ عليهم عبد الله بنَ الماحوز، وأمَّر أهلُ البصرة عليهم الحجَّاج بن باب الحميري، فأقاموا أيامًا يقتتلون، وجاءت الخوارجَ نجدةٌ، فانهزمَ أهلُ البصرة بعد قتالٍ شديد، وجاء الفَلُّ (٦) إلى البصرة، فخاف أهلُها.

стр. 3799

ثم قصدت الخوارجُ البصرة، فبينما هم كذلك؛ إذ قدم المهلَّب بنُ أبي صُفْرة من عند عبد الله بنِ الزُّبير بعهده على خُراسان، فقال الأحنفُ بنُ قيس للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: واللهِ ما لهم غيرُ المهلَّب. فكلَّموه في ذلك، فقال: هذا عهدُ ابنِ الزُّبير معي على خُراسان، ولم أكن لأَدعَ أمرَه. فاتَّفق الأحنفُ والحارثُ والأشرافُ على أن يفتعلوا كتابًا على لسانِ ابنِ الزُّبير يأمرُه فيه بقتال الخوارج. فكتبوه، وفيه: أمَّا بعد، فإن الحارثَ بن عبد الله كتب إليَّ يُخبرُني أنَّ الأزارقة أصابُوا جندًا من المسلمين، وأنهم قد أقبلوا نحو البصرة، وكنتُ قد وجَّهْتك إلى خُراسان وكتبتُ عهدك، وقد رأيتُ أن تتولَّى قتال الخوارج، فإنَّ الأجر فيه أعظمُ من مسيرك إلى خراسان. فلما قرأ المهلَّب الكتاب قال: واللهِ لا أسيرُ إليهم حتى تجعلُوا لي ما غلبتُ عليه، وتُقوُّوني من بيت المال، وأنتخبُ من فرسانكم ووجوهِكم مَنْ شئتُ. فأجابُوه إلا طائفة من بكر بن وائل ومالك بن مسمع، فحقَدَها عليهم المهلَّب. وسار إلى الخوارج، فخندَقَ عليه واحترزَ، فلم يظفروا منه بشيء، فكانَ أشدَّ عليهم من جميع مَنْ قاتلَهم، ولم يزل يقاتلُهم ويظهرُ عليهم حتى انهزموا مقتولين مسلوبين إلى أرض كَرْمان، ونواحي أصبهان (١). وأقام المهلَّب بالأهواز حتى عُزل الحارثُ بنُ عبد الله -المعروف بالقُبَاع- عن البصرة، وجاء مصعبُ بنُ الزبير عاملًا عليها، وبلغَ ابنَ الزُّبير أنَّ أهل البصرة افتعلوا ذلك الكتاب، فلم يقل شيئًا، وسُرَّ بقتل الخوارج وهزيمتهم إلى كَرْمان، وكتبَ إلى المهلَّب فشكره. ولما هزم المهلَّبُ الأزارقة كتب إلى الحارث كتابًا يخبره فيه بما جرى، وبدأ باسم الحارث، فقال: للأمير الحارث من المهلَّب.

стр. 3800

فكتب إليه القُباع: أمَّا بعد، فقد وصلَني كتابُك يا أخا الأزد تذكرُ فيه نصر الله إيَّاك وظَفَرك بالقوم، فهنيئًا لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزِّها وثواب الآخرة، والسلام عليك. فلما قرأ المهلَّب كتابَه ضحك ثم قال: أتُراه ما يعرفني إلا بأخي الأزد؟ ما أهل مكة إلا أعراب (١)! وكان الوقعة بينهم بمكان يقال له: سِلَّى وسِلِّبْرَى (٢) في ثلاثين ألفًا، والخوارج في اثني عشر ألفًا، فقتل من الخوارج تسعة آلاف (٣)، وانهزم الباقون. وفيها ولَّى مروان ابنَه محمدًا الجزيرة (٤). وفيها عزل عبد الله بنُ الزبير عبدَ الله بن يزيد الخَطْميّ عن الكوفة، وولَّاها أخاه مصعبًا. وكان سببُ عزله أنَّه خطبَ الناس، فقال: قد رأيتُم ما صنع اللهُ بقوم ثمود في ناقة (٥) قيمتُها خمس مئة درهم. فسمِّي مقوِّمَ الناقة. وبلغ ابنَ الزبير، فقال: إنَّ هذا لهو التكلُّف. وفيها خالفَ مَنْ كان بخُراسان من بني تميم عبدَ الله بنَ خازم. وسببُه أن بني تميم أعانوه على من كان بها من ربيعة حتى صفت له خُراسان، فجفاهم بعد ذلك، فحاربوه، وجرت بينهم حروبٌ كثيرة (٦). وفيها مات مروان بن الحكم، وولِيَ ابنُه عبدُ الملك (٧).

стр. 3801

الباب الخامس في ولايةِ عبد الملك وكنيتُه أبو الوليد، وأبو مروان (١)، وكان يُلَقَّبُ بِرَشْحِ الحَجَر؛ لبُخله (٢)، وأبا الذِّبَّان؛ لِبَخَرِه (٣)، فإنه لم يكن أحد يستطيع أن يدنوَ منه حتى يجعلَ على فيه منديلًا. [وحكى ابنُ عساكر عن مصعب الزُّهري قال: سمَّى مروانُ ابنَه عبدَ الملك القاسمَ، وكان يُكنى به، فلما بلغه النهي؛ حوَّل اسمه، فسمَّاه عبدَ الملك، وكنَّاه أبا الوليد. قال: هو أوَّلُ من سَمَّى في الإسلام عبدَ الملك] (٤). وأمُّه عائشة بنت معاوية بن المغيرة (٥) بن أبي العاص بن أمية [بن عبد شمس]. ومعاوية هذا هو الذي جَدعَ أنفَ حمزة ﵁[يومَ أُحُد وهو قتيل] (٦). وُلد عبد الملك سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة ستّ وعشرين، ووُلدَ لستة أشهر، وقيل: لسبعة، وقيل: لأربعة. ولما وَليَ الخلافة دخل عليه عُبيد الله بن ظَبْيان، فقال له عبد الملك (٧): ما هذا الذي يقول الناس فيك؟ قال: وما يقولون؟ [قال: يقولون:] إنك لا تشبه أباك. فقال عُبيد الله: [واللهِ لَأَنا أشبهُ به من الماء بالماء، والغراب بالغراب، ولكنْ أَدُلُّك على مَنْ لم يُشبه أباه. قال: مَنْ هو؟ قال:] مَنْ لم تُنْضِجْه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه

стр. 3802

الأخوال والأعمام. وعنى به عبدَ الملك. فقال عبد الملك: ومَنْ ذاك؟ قال عُبيد الله: ابنُ عمّي سُويد بن منجوف. فسكتَ عبدُ الملك (١). [ذكر بيعته وما يتعلق بها قال علماء السِّير:] وبويع أول يوم من رمضان عند وفاة أبيه بعهدٍ منه (٢). [وقال ابن عائشة:] ولم يكن بالمدينة شابٌّ أورعَ منه، ولا أنسك ولا أفقه ولا أكثر صلاةً وعبادة، وكان يسمَّى حمامةَ المسجد (٣). وجاءَتْه الخلافةُ والمصحفُ في حِجْره، فأطبقه وقال: هذا فراقُ بيني وبينِك، هذا آخِرُ العهد بك (٤). [وقال عمر بن شبَّة:] جهَّز يزيد بن معاوية جيشًا لقتال ابن الزُّبير إلى مكة، فنفضَ عبدُ الملك ثوبَه واستعاذ بالله ثلاثًا، وقال: أتبعثُ جيشًا إلى حرم الله يُقاتلُ ابن حواريّ رسول الله ﷺ ؟! فضرب يوسف اليهوديُّ صدرَه وقال: لِمَ نَفَضْتَ ثوبَك؟! الجيشُ الذي تُسيِّرُهُ أنتَ أعظم (٥)! ووقع من عبد الملك فَلْس في بئر الحُشّ (٦) قبل أن يليَ الخلافة، فاكترى مَنْ أخرجه بثلاثة عشر دينارًا، فقيل له في ذلك، فقال: كان عليه اسم الله تعالى. وقد كان أسرع إليه الشيب، فقيل له في ذلك، فقال: وكيف لا يُسرع [إليَّ] الشيبُ وأنا أعرضُ عقلي على الناس في كل جمعة. يعني الخطبة (٧).

стр. 3803

وكان معاوية جعله على ديوان المدينة مكان زيد بنَ ثابت وهو ابن ستَّ عشرةَ سنة (١). وكان له يوم حُصر عثمان ﵁ ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر سنين. [وقال أبو اليقظان:] وكان عبد الملك حازمًا فهمًا فطنًا ممارسًا للأمور، لا يكل أمره إلى غيره (٢). قال مالك بن عُمارة بن عقيل: كنت أجالس عبدَ الملك بن مروان بفِناء الكعبة وهو صبيّ، فقال لي يومًا: يا مالك، إنْ عشت، فسترى الأعناقَ إليَّ مائلةً، والآمال نحوي سامية، فإذا كان ذلك، فما عليك أن تجعلني لرجائك بابًا، ولأمَلِك سببًا؟ فوالله لأملأنَّ يديك مني عطيَّة، ولأكسونَّك مني نعمة. ومضى على هذا دهر، فلمَّا أفضت الخلافةُ إليه؛ رجعت من مكة إلى دمشق، فأقمتُ ببابه أسبوعًا لم أصل إليه، فلما كان يومُ جمعة؛ خرج إلى المسجد، فخطبَ، فأقبلتُ عليه بوجهي، فأعرض عنّي، أفعلُ ذلك مرارًا، فعزَّ عليَّ، فلما انصرفَ من صلاته إذا برجل قد دخلَ المسجد فقال: أين مالك بنُ عُمارة؟ قلت: ها أنا ذا. فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنين. فدخلتُ وسلَّمتُ عليه، فردَّ، وأدناني حتى أجلسني معه على سريره، ثم سألني عن أهل مكة، وعن أهلي، ثم قال: لعلك ساءك ما رأيتَ منّي؟ قلت: نعم. قال: لا يَسُوءُك، فإنَّ ذلك مقامٌ لا يُسمع فيه إلا ما رأيتَ، وههنا قضاء حقِّك. ثم أمر، فأُخْلِيَ لي منزلٌ إلى جانب قصره، وأُقيم لي فيه جميعُ ما أَحتاجُ إليه، وكنتُ أحضرُ عنده غداءه وعشاءه، فمللتُ من المقام، وتبيَّن فيَّ ذلك، فقال: لعلك اشتَقْتَ إلى أهلك؟ قلت: نعم، فقد وغرتُ (٣) عليهم الأوبة. فقال: يا غلام، عليَّ بعشر بِدَر،

стр. 3804

وعشرة أسفاط من دقّ مصر (١)، وعشرة غلمان، وعشر جَوارٍ، وعشرة أفراس، وعشرة أبغل، وعشر نُوق. فأُحْضرَ الجميع، فقال: يا مالك، أتَراني وفَّيتُ لك؟ فقال: وإنك ذاكرٌ ذلك؟! فقال: وما خيرٌ فيمن لا يذكرُ ما وعدَه، وينسى (٢) ما أوعدَ به، واللهِ لم يكن ذلك لشيءٍ رويناه، ولا خَبَرٍ سمعناه (٣)، ولكنّي تخلَّقتُ به في الصِّبا، فكنتُ لا أُسَاري ولا أُماري، ولا هتكتُ سترًا حظره الله عليّ، وكنتُ أعرِفُ للأديب حقَّه، وأُكرمُ العالِم لعلمه، فرفع اللهُ درجتي، وأرجو أن يُلحقَني بالصالحين، فإنْ أقمتَ عندنا؛ فبالرُّحْب والسَّعَة، وإنْ رحلتَ؛ ففي الحفظ والدَّعَة. [وذكره المسعودي (٤) وقال:] جاءه في ليلة واحدة مقتلُ عُبيد الله بن زياد ومن كان معه، ومقتلُ حُبَيش بن دُلَجة، وكان على جيش المدينة، ودخولُ ناتل بن قيس الجُذامي فلسطين من قبل ابن الزبير، وخبرُ ملك الروم لاوى أنه نزل المِصِّيصة يريد الشام، ونزول [مصعب] بن الزُّبير (٥) فلسطين، وأن عَبِيد دمشقَ وأوباشَها نزلوا على أهلها وفتحوا السجون، وأخرجوا من كان بها، وأن العربَ أغارت على حمص وبعلبكّ والبقاع، وغير ذلك ممَّا نُمِيَ إليه من مفظّعات الأمور، فلم يُرَ عبد الملك في ليلة قبلها أشدَّ ضحكًا، ولا أحسنَ وجهًا، ولا أبسطَ لسانًا، ولا أثبت جَنانًا منه في تلك الليلة تجلُّدًا وسياسة للملك (٦)، وتركًا لإظهار الفشل. [وسنذكر سيرته مفرّقة في الكتاب] ذكر صفته: كان أبيض أشهل، وقيل: أسمر، وكان مفتوح الفم، مُشَبَّك الأسنان بالذهب، لم يغيِّر شيبه، وقيل: إنه خضب، ثم ترك (٧).

стр. 3805

وحجَّ في هذه السنة بالناس ابنُ الزبير، وكان على المدينة مصعبُ بنُ الزُّبير، وعلى الكوفة عبدُ الله بنُ مُطيع، وكان على البصرة القُبَاع (١)، وعلى قضائها هشام بنُ هُبيرة، وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم (٢). وفيها توفي جميل بن عبد الله بن معمر (٣) العُذْريّ، أبو عبد الله [صاحب بُثَينَة] (٤). وبُثَينة بنتُ حُيَيّ (٥) بن ثعلبة العُذْري، لأبيها صحبة، وكنيتُها أمّ عبد الملك، وقيل غير ذلك. وكان جميل قد هَويَها من الصغر، فلما بلغَ خَطَبها إلى أهلها، فلم يزوِّجوه، فهام بها، وقال فيها الأشعار، [وشبَّب بها. ذكر طرف من أخبارها: ذكرها ابن الكلبي وغيره وقالوا:] كانت بُثينة تسكن بوادي القُرى، وكان جميل يزورها، ونَذِرَ به (٦) أهلُها، وأرادوا قتله، فهَجَاهم، فاسْتَعْدَوْا عليه مروان [بن الحكم] وهو والي المدينة [لمعاوية بن أبي سفيان] فقال: واللهِ لأقطعنَّ لسانَه، فقال جميل [لما بلغه الخبر]:

стр. 3806

أتانيَ عن مروانَ بالغيب أنه … مُقِيدٌ دمي أو قاطعٌ من لِسانِيا ففي العِيس مَنْجاةٌ وفي الأرض مهربٌ … إذا نحن رفَّعْنا لهنَّ المثانيا (١) ولحقَ بجُذام، فأقام عندهم حتى عُزل مروان. ووفدَ على عبد الملك بن مروان، وكان من فحول الشعراء، وهو معدودٌ في طبقاتهم. [وله مع سكينة بنت الحسين ﵇ واقعة، وكان يَقْدَمُ عليها، ويَقْرِضُ شِعره مع جملة الشعراء، وكانت تُفضّله عليهم. وسنذكره في ترجمتهما] (٢). ولم يزل هائمًا ببُثينة إلى أن مات في هذه السنة من حبِّها. وقيل: تأخَّرت وفاتُه عن ذلك. ولم يمدح قطّ أحدًا (٣)؛ خرج مع الوليد بن عبد الملك في سفر، فقال له [الوليد]: انزل فارْجُزْ. ظنًّا منه أنّه يمدحُه، فنزل وقال: أنا جميلٌ في السَّنام من مَعَدّ … في الذّروة العَلياء والرُّكنِ الأَشَدّ فقال له الوليد: اركَبْ لا ركبتَ (٤). [قالوا: وهذا كان في حجّ الوليد بعد الثمانين، فإن صحَّت هذه الرواية، فقد عاش إلى أيام الوليد. وذكر الخرائطي في "اعتلال القلوب" (٥) -وقد تقدم إسنادُنا إليه- قال: حدثنا الحسن بن علي،] قال المُثَنَّى بنُ سعيد الجُعْفي: إنّ كُثيِّر عَزَّة لقيَ جميلًا، فقال: متى

стр. 3807

عهدُك ببُثَينَة؟ قال: منذ عام أوّل؛ لقيتُها بوادي الدَّوْم تغسل ثوبًا. فقال له كُثَيِّر: أتحبُّ أنْ تلقَاها الليلة؟ قال: نعم. وقد كان كُثيِّر عند أهلها، فرجع إليهم، فقال له أبوها: ما ردَّك؟ قال: بيتان قُلتهما في عَزَّة (١). [قال: وما هي؟ فقال كُثيِّر يشير إلى بُثَينَة؟]: فقلت لها يا عَزَّ أُرسِلُ صاحبي … إلى باب داري والرسولُ مُوَكَّلُ أَمَا تذكرينَ العهدَ يومَ لَقِيتُكمْ … بأسفل وادي الدَّوْمِ والثوبُ يُغسَلُ وسمعَتْه بُثَينَة، فقالت: اخْسَ اخْسَ. فقال أبوها: ما هاجكِ يا بُثَينَة؟ فقالت: كلبٌ لا يزالُ يأتينا من وراء هذا الجَبَل بالليل وأنصاف النهار [فرجع إليه كُثَيِّر وقال: قد وعَدَتْك يا ذا من وراء هذا الجبل في الليل وأنصاف النهار] فالْقَها إذا شئت (٢). ومات بالشام، وقيل: بمصر؛ قال عبَّاس (٣) بن سهل الساعديّ: بينا أنا بالشام إذْ لَقِيَني رجلٌ، فقال: هل لك في جميل بن معمر؟ فإنه ثقيل، لنعوده. قلت: نعم. فدخلنا عليه وهو يجودُ بنفسه، فنظر إلى عبَّاس وقال: يا ابنَ سهل، ما تقول في رجل لم يشربِ الخمر قطّ، ولم يَزْنِ، ولم يقتُل نفسًا، وهو يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله؟ فقال: أظنُّ أنه نجا، وأرجو له الجنة [-أو: وأدخله الله الجنة-] (٤) مَنْ هذا الرجل؟ فقال جميل: أنا. فقال: والله ما أظنُّك سلمتَ وأنتَ منذ عشرين سنةً تُشَبِّبُ ببُثَينَة. فقال والموتُ يَكْرُبُه: لا نالتْنِي شفاعةُ محمد ﷺ يومَ القيامة إن كنتُ وضعتُ يدي عليها لريبة قطّ، [وأنا في أول يوم من أيام الآخرة. ومات. وقد ذكرها المدائني عن ابن سهل بن سعد الساعدي، وزاد في آخرها:] وإنَّ أكثر ما نلتُ منها أني كنتُ آخذُ يدَها، فأضعُها على قلبي فأستريح. فهذا آخرُ وقتٍ من أوقات الدنيا، وأوَّلُ وقت من أوقات الآخرة.

стр. 3808

[وفي رواية المدائني أيضًا ما يدلُّ على أنه مات بمصر؛ لأنه زاد في الحكاية]. قال المدائني: ثم أُغمي عليه وأفاق فقال: بَكَرَ النَّعِيُّ وماكَنَى بجميلِ … وثَوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفُولِ قُومي بُثينةُ فاندُبي بعويلِ … وابكي خليلَكِ قبل كلِّ خليلِ وأشار جدِّي في "المنتظم" إلى أنه مات بمصر، فقال: لما احتُضر جميل بمصر قال: من يُعلم بُثينة؟ فقال رجل: أنا. فلما مات؛ خرج الرجلُ بعد موت جميل، فسافر حتى قدمَ حيَّ بني عُذْرَة، وأتى ذلك الرجلُ إلى حيِّ بُثَينَة، فأنشد البيتين: بَكَرَ النعيّ … فلما فرغ منها (١)؛ خرجت بُثينة مكشوفة الرأس تقول: وإنَّ سُلُوِّي (٢) عن جميلٍ لَسَاعةٌ … من الدهر ما حانَتْ ولا حانَ حينُها سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ … إذا مِتَّ بَأْساءُ الحياةِ ولِينُها (٣) [وقال ابنُ قُتيبة: سافر إلى مصر، فمات بها. واختلفوا في أيّ سنة مات على قولين: أحدُهما: في سنة خمس وستين. والثاني: أنه عاش إلى سنة اثنتين وثمانين]. وقال العسكريّ: [من] الشعراء ثلاثة يُدعون جميلًا؛ أحدهم هذا، والثاني: جميل بن المعلَّى بن فَزارة، وهو القائل: وأُعرِضُ عن مَطاعِمَ قد أراها … فأتركُها وفي قلبي انطواءُ فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ … ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ والثالث: جميل بن سِيدَان الأسدي، وهو القائل: أَيَا جُمْلُ هَلْ دَينٌ مُؤدًّى لِحينِهِ … فقد حَلَّ ذاك الدَّينُ واحْتَاجَ طالِبُهْ

стр. 3809

وطالتْ به أحلامُه إنْ قَضَيتِهِ … وظَلَّ بما مَنَّيتِ يلمعُ حاجِبُهْ أَجِدِّي وصالًا أو أَبِينِي صَرِيمةً … فأكرمُ أن لا يَكْذِبَ المرءَ صاحِبُهْ (١) وقال جميل بن معمر في "الحماسة" (٢): فليتَ رجالًا فيكِ قد نَذَرُوا دمي … وهَمُّوا بقَتْلِي يا بُثَينُ لَقُوني إذا ما رأَوْني طالعًا من ثَنِيَّةٍ … يقولون مَنْ هذا وقد عرفوني يقولون لي أهلًا وسهلًا ومَرْحبًا … ولو ظفروا بي ساعةً قتلوني فكيف ولا توفي دماؤهمُ دمي … ولا مالُهم ذو كَثْرةٍ فيَدُوني (٣) معناه: ليس في دمائهم كلِّها وفاء بدمي؛ لأني خطير (٤) شريف، وكان دية الشريف في الجاهلية ألفًا من الإبل؛ إلى أنْ نحرَ عبدُ المطَّلب المئة من الإبل عن ولده [عبد الله] فتقرَّر الأمر على ذلك. وفيها يقول: لَحَى اللهُ مَنْ لا ينفعُ الوُدُّ عندَه … ومَنْ حَبْلُهُ إنْ مُدَّ غيرُ مَتِينِ ومَنْ هو إنْ تُحْدِثْ له العينُ نظرةً … يُقَضِّبْ لها أسبابَ كلِّ قَرِينِ ومَنْ هو ذُو لونينِ ليس بدائمٍ … على خُلُقٍ خَوَّانُ كلِّ أمينِ (٥) [والأبيات في ديوان جميل، وديوانُه مشهور، ومن شعره:] حَلَّتْ بُثَينَةُ من قلبي بمنزلةٍ … بينَ الجوانحِ لم يَحْلِلْ بها أحدُ وعاذلين لَحَوْني في محبَّتِها … يا ليتَهم وجدُوا مثلَ الذي أجدُ لما أطالوا عتابي فيكِ قلتُ لهمْ … لا تُفْرِطُوا. بعضَ هذا اللوم، واقْتَصِدُوا قد مات قبلي أخو هند وصاحبُهُ … مُرَقِّشٌ واشْتَفَى من عُرْوَةَ الكَمَدُ وكلُّهُمْ كان في عِشْقٍ مَنِيَّتُهُ … وقد وَجَدْتُ بها فوق الذي وَجَدُوا

стр. 3810

إنِّي لَأَحْسِبُني أو كِدْتُ أعلمُهُ … أنْ سوف تُوردُني الحوضَ الذي وردوا (١) وقال أيضًا: فيا وَيحَ نفسي حَسْبُ نفسي الذي بها … ويا وَيحَ أهلي ما أُصِيبُ به أهلي ولو تركتْ عقلي معي ما طَلَبْتُها … ولكنْ طِلَابِيها لِمَا فاتَ من عقلي خليليَّ فيما عِشتُما هَلْ رَأَيتُما … قتيلًا بكى من حُبِّ قاتلِهِ مثلي (٢) [وقال ابن عساكر: روى جميل الحديث عن رسول الله ﷺ ، وإسنادُه عن أنس بن مالك. فقال محمد بن راشد: قلتُ لجميل: لو قرأتَ القرآن لكان أعْوَدَ عليك من الشعر. فقال: حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من الشِّعر لحكمة" أو: لحكمًا] (٣). حُبَيْش بن دُلَجَة القَيْني كان من وجوه أهل الشام، من أهل الأردنّ، شهد صِفِّين مع معاوية، وكان على قُضاعة (٤) الأردنّ يومئذ، وولَّاه يزيد بن معاوية على أهل الأردنّ لمَّا وجَّههم إلى أهل الحَرَّة من زِيزا (٥). وهو أوَّلُ أمير أكلَ على منبر رسول الله ﷺ ، وقتلَه حَنْتَف بن السِّجف بن سَعْد (٦) بن عوف التميمي. وقيل: رماه يزيد بن سِياه الأسواري بِنُشَّابَة فقتله (٧)، وذلك غرَّة رمضان سنة خمس وستين، وقُتل معه عبد الله بنُ مروان، وعُبيد الله بنُ الحَكَم، وهرب الباقون (٨).

стр. 3811

وكان حُبيش بن دُلَجَة جليلًا، وكان له قدم صدق عند مروان، وكان يُجلسه معه على سريره، فدخل يومًا، فرأى رَوْحَ بنَ زِنْباع موضعَه جالسًا على السرير -وكان محمولًا لِنَقْرِسٍ كان به، ورَوْح كذلك- فأمر حُبَيش حَمَلَتَهُ أن لا يضعوه، وقال: إنْ رَدَدْتُم علينا موضعنا؛ وإلا انصرفنا عنكم. فقال مروان: مهلًا فإنَّ لأبي زُرْعة -يعني رَوْحًا- مثلَ سِنِّك، وبه مثلُ علَّتك. يعني النَّقْرِس. فقال حُبَيش: أَوَلَهُ مثل يدي عندك؟ قال: وله مثلُ يدِك عندي؛ إلا أنَّ يده غير مكدَّرة بمَنّ. فقال حُبيش: إنّي لأظنُّك يا مروان أحمق. فقال: أظنًّا أيُّها الشيخ ظنَنْتَه، أم يقينًا تَيقَّنْتَه؟ فقال: بل ظنًّا ظننتُه. قال مروان: فإنَّ أحمقَ ما يكون الشيخُ إذا أُعجِبَ بظنِّه (١). سليمان بن صُرَد ابن الجَوْن بن أبي الجَوْن عبدِ العُزَّى بن منقذ الخُزاعي، أبو المطرِّف، من الطبقة الثالثة (٢) من المهاجرين. أسلم، وصحبَ رسولَ الله ﷺ ، وكان اسمُه يسار، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ سليمان. وكانت له سنٌّ عالية وشَرَف في قومه، فلما قُبض رسولُ الله ﷺ نزلَ الكوفة لمَّا نزلها المسلمون. وشهد مع عليّ ﵇ الجمل وصِفّين. وكان فيمن كتبَ إلى الحسين ﵁ يستقدمُه إلى العراق، فلما قدمَها لم يقاتل معه خوفًا من ابن زياد، وكان كثير التَّنَسُّك (٣) والتوقُّف، ثم ندم بعد ذلك هو والمسيِّب بن نَجَبَة بعد قتل الحسين ﵁. فكاتبَ أهلَ الأمصار ليقوموا معه للطلب بدم الحسين ﵁[على ما ذكرنا]، فقُتل بعين وَرْدَة، وحُمل رأسُه ورأسُ المسيّب إلى مروان [بن الحكم]، فعلّقهما بدمشق.

стр. 3812

وكان له يوم قُتل ثلاث وتسعون سنة. والذي حملَ رأسَه ورأسَ المسيّب رجل يقال له: أدهم بن مُحْرِز الباهلي (١). وأدهم بن مُحْرز الباهلي أحد أمراء الجيش الذين وُجِّهُوا (٢) مع ابن زياد لقتال التَّوابين بعين وَرْدَة، وهو أوَّلُ مولود وُلد بحمص، وفُرض له بها، وشهد صفِّين مع معاوية، وكنيتُه أبو مالك. ولمَّا قدم على عبد الملك ببِشارة الفتح بقتل سليمان بن صُرد، والمسيِّب بن نَجَبَة؛ صعد عبدُ الملك المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنَّ الله قد أهلكَ من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة، ورأس ضلالة سليمان بن صُرَد، والمسيِّب بن نَجَبَة. ألا وإن الله قتلَ من رؤوسهم رأسين عظيمين ظالمين [عبد الله بن سعد، وعبد الله بن وال] فلم يبقَ أحدٌ منهم بعدها عنده دفاع ولا امتناع (٣): وقال الخطيب (٤): دخل أدهم على عبد الملك ورأسُه ولحيتُه كالثَّغام (٥)، فقال له عبد الملك: لو غيَّرتَ هذا الشيب. فخرج من عنده، فاختضب بسواد، ثم دخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قلتُ بيتًا، ولا أقولُ بعدَه شيئًا. قال: هات. فقال: ولمَّا رأيتُ الشيبَ شَيْنًا لأهله … تفتَّيتُ (٦) وابْتَعْتُ الشبابَ بدرهمِ فضحك عبد الملك. أسند سليمان [بن صُرَد] الحديث عن رسول الله ﷺ .

стр. 3813

فمنه: [قال أحمد (١)، عن يونس، بإسناده إلى أبي عُكاشة (٢) الهمداني قال:] قال رِفاعة البَجَلي (٣): دخلتُ على المختار بن أبي عُبيد قصرَه، فسمعتُه يقول: قام الآن من عندي جبريل. [قال:] فهممتُ أنْ أضربَ عنقَه، فذكرتُ حديثًا حدَّثنَاه سُليمان بن صُرد عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا ائْتَمَنَكَ رجلٌ على دمه، فلا تقتله". قال: و [كان] قد ائتمنني على دمه، فكرهتُ دمَه (٤). عبد الله بنُ عَمرو بن العاص ابن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سهم السهمي. [وكنيتُه] أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصَير (٥). كان فاضلًا عالمًا حافظًا مجتهدًا في العبادة، من الطبقة الثالثة (٦) من المهاجرين. وكان من علماء الصحابة وعُبَّادِهم [وكان اسمُه العاص، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الله (٧). قال ابن سعد:] وأمُّه رَيطة بنت منبّه بن الحجَّاج [بن عامر]، أسلمت يومَ الفتح، وأتَتْ رسولَ الله ﷺ ، فبايَعَتْه (٨). أسلم عبدُ الله قبل أبيه، وكان بينه وبين أبيه في السنّ اثنتا عشرة سنة، وقيل: أكثر، وقيل: سنّ البلوغ (٩).

стр. 3814

[وفي "المسند" عن عبد الله بن عمرو قال: كنتُ أكتُبُ كلَّ شيء أسمعُه من رسول الله ﷺ أُريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: إن رسول الله ﷺ بَشَرٌ يتكلَّمُ في الغضب (والرِّضا) فأمسكتُ عن الكتابة، وذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اكتُبْ، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حقّ] (١). وكان عَبدُ الله يقول: حفظتُ عن رسول الله ﷺ ألفَ مَثَل (٢). [وقال ابن إسحاق:] وكان عنده صحيفة يسمِّيها الصادقة، فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ ، وكان يقول: ليس بيني وبين رسول الله ﷺ فيها أحد. [وقال الواقدي: كان عبد الله أحمرَ طُوالًا، عظيم البطن، لا يُغيِّر شَيبَه، وذهب بصرُه في آخر عُمره. وقال أبو الزاهرية: كان رسول الله ﷺ يفضّلُ عبد الله بن عَمرو على أبيه. وقال أحمد: حدثنا هُشيم، عن حُصين بن (عبد الرحمن و) (٣) المُغيرة الضَّبِّيّ، عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمرو قال: زوَّجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلَتْ عليَّ؛ جعلتُ لا أَنْحاشُ لها، ممَّا بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة. فجاء أبي عمرٌو إلى كَنَّتِه، فسألها: كيف وجَدْتِ بَعْلكِ؟ فقالت: خير البُعولة، إلا أنه لم يُفَتِّش لنا كَنَفًا، ولم يقرب لنا فراشًا. قال: فعَضَّني (٤) بلسانه وقال: أَنْكَحْتُك امرأةً من قريش ذاتَ حَسَب (٥) وجمال، فعَضَلْتَها؟! وشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أتصومُ النهار؟ " قلتُ: نعم. قال: "وتقومُ الليل؟ ". قلت: نعم. قال: "لكنِّي أَصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصلِّي وأنام، وأَمَسُّ النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي، فليس منّي".

стр. 3815

وقال: "اقْرأ القرآن في كلِّ شهر". فقال: أجدني أقوى من ذلك. قال: "فاقْرَأْه في كلِّ ثلاث، ثم (قال): "صُمْ في كلِّ شهر ثلاثة أيام". قال: إنّي أقْوَى من ذلك. قال: "صُمْ يومًا وأَفْطِرْ يومًا، فإنه أفضلُ الصيام، وهو صيامُ أخي داود". قال مجاهد: فكان عبدُ الله حين ضَعُفَ وكَبِرَ يقول: يا ليتني قبلتُ رُخْصةَ رسولِ ﷺ (١). وروى عبد الله بنُ أحمد بإسناده عن عبد الله بن عمرو] (٢) قال: لأَنْ أدمَع دَمْعَةً من خشية الله أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّقَ بألف دينار (٣). وروى عبد الله بن أحمد بإسناده عن عبد الله بن عمرو أنه دخل على رسول الله ﷺ البيتَ فقال له: "هل تعلمُ مَنْ معنا". قال: لا. قال: "هو جبريل". قال: فقلتُ: السلام عليك يا جبريل. فقال رسول الله ﷺ : "قد ردَّ عليك". فذهب بصرُه في آخر عمره. [وقال ابنُ قُتيبة: شهد عبد الله بن عمرو مع أبيه صفّين، وكان يضرب بسيفين (٤). قلت: وهذا من أوهام ابن قُتيبة، فإن عبد الله لم يُقاتل في صِفّين. وقد روينا أنه لما قُتل عمار قال عبد الله لأبيه: قتلتم عمارًا! وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له: "تقتلك الفئة الباغية". فقال له معاوية: فما لك معنا؟! فقال: إن رسول الله قال لي: "أطع أباك". فأنا معكم، ولستُ أقاتل]. وحضر صِفّين مع أبيه وقال: يا ليتني مِتُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة [-أو بعشر سنين-] وواللهِ ما رميتُ فيها بسهم، ولا طعنتُ فيها برمح، ولا ضربتُ فيها بسيف، ولوددت أنّي لم أحضُرْها، وأنا أستغفرُ الله من ذلك وأتوب إليه (٥).

стр. 3816

[وكذا حكى عنه ابن عساكر (١). وقال:] وكانت معه راية أَبيه يوم اليرموك، وكان الأمير يوم قيساريَّة (٢). وقال له أبوه: يا بنيّ، ما الشَّرَف؟ قال: كفُّ الأذى، وبَذْلُ النَّدى. قال: فما المروءة؟ قال: عِرْفان الحقّ، وتعاهدُ الصنيعة. قال: فما المجد؟ قال: احتمالُ المغارم، واقتناء المكارم (٣). [قال: وقال عبد الله: إذا لم تبكُوا فتَباكَوْا. وذكره الموفَّق في "الأنساب" (٤) فقال: كان عبد الله حافظًا فاضلًا عالمًا، قرأ الكتب، ووُلد لعمرو وعَمرٌو ابنُ اثنتي عشرة سنة]. وقال أبو هريرة: ما كان أحدٌ أحفظَ لحديث رسول الله ﷺ منّي إلَّا عبدَ الله بنَ عَمرو، فإنَّه كان يكتُبُ، وأنا لا أكتب، استأذنَ رسولَ الله ﷺ في الكتابة، فأذِنَ له، فقال: يَا رسول الله أكتبُ كلَّ ما أسمعُ منك في الرضا والغضب؟ قال: "نعم، فإنِّي لا أقول إلَّا حقًّا" (٥). ذكر وفاته: واختلفوا فيها؛ ذكر ابن سعد عن الواقديّ أنَّه قال (٦): توفِّي عبد الله بن عَمرو بالشَّام سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال جدِّي ﵀ في "الصفوة": وقد زعم قومٌ أنَّه مات بمكة، ويقال: بالطائف، ويقال: بمصر. هذا صورة ما ذكره جدّي في "الصفوة" (٧).

стр. 3817

وقيل: [توفي] سنة ثلاث وستين ليالي الحرَّة (١). وقيل: سنة تسع وستين (٢)، وقيل: سنة ثمان وستين (٣). قال ابنُ الكلبيّ (٤): كان عبد الله بن عمرو معتزلًا مع أَبيه لأمر عثمان، فلما خرج أبوه إلى معاوية خرج معه، فشهد صفِّين، ثم ندم بعد ذلك، وقال: ما لي ولِصفِّين! ما لي ولقتال المسلمين! ثم خرج مع أَبيه إلى مصر، فلما حضرت عَمرًا الوفاةُ استخلفه على مصر، فأقرَّه معاوية سنةً، ثم عزلَه، وكان يحجُّ ويعتمرُ ويأتي الشَّام، ثم رجع إلى مصر (٥)، وكان قد ابتنى بها دارًا، فلم يزل لها حتَّى مات في سنة سبع وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان، فدفن في داره. وقيل: مات فدفن بمكان يقال له: السَّبْع بفلسطين (٦). وهو الذي نزله الخليل ﵇ [وقد ذكرناه في سيرة الخليل. وقال الهيثم: مات بمكة، وقال أبو اليقظان: بالطائف] (٧). وقيل: مات بقرية من قرى عسقلان يقال لها: أولاس (٨) [بينها وبين عسقلان فرسخان، وأهل مصر يقولون: مات بمصر، ودفن عند قبر أَبيه عمرو، بداره الصغيرة بدار الإمارة. والله أعلم] (٩).

стр. 3818

وقيل: بقرية غيلان من بيت جبرين (١). [تفسير قوله: لا أنحاشُ لها. معناه: لا أكتَرِثُ لها، ولا ألتفت إليها. والكَنَّةُ: امرأة الولد. قال: والخَتَن: كلُّ مَنْ كان من قِبَل المرأة، مثل الأب والأخ، وهم الأَخْتانُ. قال: هكذا عند العرب. وأما عند العامة، فخَتَنُ الرَّجل زوجُ ابنته. قال: وأمَّا الأصهار؛ فأهل بيت المرأة. عن الخليل، (قال:) ومن العرب من يجعلُ الصِّهْرَ من الأَحْماء (والأَخْتان جميعًا). وأمَّا الأحماء؛ فَحَماةُ المرأة أمُّ زَوْجِها، لا لغةَ فيه (غير هذه)] (٢). ذكر أولاده: كان له من الولد محمَّد، أمّه بنتُ مَحْمِيَةَ بنِ جَزْء الزُّبيدي -وقيل: عمرة بنت عُبيد الله بن العبَّاس (٣) - ومحمَّد هو أبو شُعيب، وهشام، وهاشم، وعمران، وأمّ إياس، وأمّ عبد الله، وأم سعيد، أمّهم أمُّ هاشم، كِنديَّة (٤). أسند عبد الله بنُ عمرو الحديث عن رسول الله ﷺ ، روى سبع مئة حديث، وقيل: روى من المتون سوى الطرق نيِّفًا وخمس مئة (٥).

стр. 3819

وروى عن كبار الصَّحَابَة كأبي بكر، وعُمر، وعبدِ الرَّحْمَن بنِ عوف، ومعاذِ بن جبل، وأبي الدَّرداء، وأبيه عَمرو، وغيرهم ﵃. وروى عنه ابنُ المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وابن أبي مُليكة، وأبو سلمة بن عبد الرَّحْمَن، وأخوه حُميد بن عبد الرَّحْمَن، وعطاء بن يسار، في خلق كثير من أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وأهل الشَّام، وكان من المكثرين (١). [ومن مسانيده في القُسطنطينية؛ قال (أَحْمد): حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق بإسناده إلى أبي قَبِيل قال: كنتُ عند عبد الله بن عَمرو بن العاص، فسئل: أيُّ المدينتين تُفتحُ أوَّلًا؛ القسطنطينية، أو رُوميَّة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ وقد سُئل عن ذلك فقال: "مدينة هرقل". يعني القُسطنطينية. ومن مسانيده في الكاسيات وأسنمة البُخْت، قال أَحْمد بإسناده إلى عيسى بن هلال الصَّدَفي؛ قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمرو يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون نساءٌ في أمتي يركَبْنَ على السُّرُوج كأشباه الرِّجال، كاسياتٍ عاريات، على رؤوسهنَ كأسْنمةِ البُخْتِ العِجاف، مائلاتٍ مُميلات، فالعنُوهنَ، فإنَّهن ملعونات". ومن مسانيده في المرضى؛ قال أَحْمد بإسناده عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحدٌ من النَّاس يُصابُ ببلاءٍ في جسده إلَّا أمرَ اللهُ الملائكةَ الذين يحفظونه، فقال: اكتُبوا لعبدي في كلّ يوم وليلة ما كان يعملُ من خير ما دام في وَثاقي". ومن مسانيده في خراب الكعبة؛ قال أَحْمد بإسناده عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقَتَين من الحبشة، ويَسْلُبُها حُلِيَّها، ولكأني أنظرُ إليه أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضربُ عليها بمِسْحَاتِهِ ومِعْوَلِه". الفَدَع: زيغٌ بين القَدَم وعَظْم السَّاق. وأيضًا:

стр. 3820

عبد الله بن عَمرو بن قيس أبو أُبَيّ الأَنْصَارِيّ، له صحبة ورواية. قلت: وأخرج له أَحْمد في "المسند" حديثين؛ قال أحمد بإسناده عن أبي أُبَيّ (١) ابنِ امرأةِ عُبادة بنِ الصامت، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "سيكون أمراء لتشغلنَّهم أشياءُ، يؤخّرون الصلاة عن وقتها، فصلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم تطوّعًا". انتهى حديثه] (٢). عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (٣) ابن عتبة، ويعرف بابن جَحْدَم، الفِهْري، أمير مصر لما حصرها مروان [بن الحَكَم] (٤)، وكان أبوه عبد الرَّحْمَن على مصر من قِبَل ابنِ الزُّبير (٥)، فأقام عليها تسعة أشهر، فقيل: قتله مروان بمصر، وقيل: عاش إلى بعد زمن عمر بن عبد العزيز ﵁، ووليَ دمشقَ (٦) ليزيد بن عبد الملك. قال هشام بنُ عمار: أجدبت دمشق، فخرج بالنَّاس يستسقي، فصعد المنبر دون المجلس وقال: اللهمَّ إنَّا لم نكن بأجمعنا نجيء إلى غيرك (٧)، وقد جئناك لأمر لا ينقصك شيئًا، وهو بنا أرفق (٨)، فاسْقِنا. قال: فسُقُوا من وقتهم.
следующие страницы →