← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

[وكذا حكى عنه ابن عساكر (١). وقال:] وكانت معه راية أَبيه يوم اليرموك، وكان الأمير يوم قيساريَّة (٢). وقال له أبوه: يا بنيّ، ما الشَّرَف؟ قال: كفُّ الأذى، وبَذْلُ النَّدى. قال: فما المروءة؟ قال: عِرْفان الحقّ، وتعاهدُ الصنيعة. قال: فما المجد؟ قال: احتمالُ المغارم، واقتناء المكارم (٣). [قال: وقال عبد الله: إذا لم تبكُوا فتَباكَوْا. وذكره الموفَّق في "الأنساب" (٤) فقال: كان عبد الله حافظًا فاضلًا عالمًا، قرأ الكتب، ووُلد لعمرو وعَمرٌو ابنُ اثنتي عشرة سنة]. وقال أبو هريرة: ما كان أحدٌ أحفظَ لحديث رسول الله ﷺ منّي إلَّا عبدَ الله بنَ عَمرو، فإنَّه كان يكتُبُ، وأنا لا أكتب، استأذنَ رسولَ الله ﷺ في الكتابة، فأذِنَ له، فقال: يَا رسول الله أكتبُ كلَّ ما أسمعُ منك في الرضا والغضب؟ قال: "نعم، فإنِّي لا أقول إلَّا حقًّا" (٥). ذكر وفاته: واختلفوا فيها؛ ذكر ابن سعد عن الواقديّ أنَّه قال (٦): توفِّي عبد الله بن عَمرو بالشَّام سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال جدِّي ﵀ في "الصفوة": وقد زعم قومٌ أنَّه مات بمكة، ويقال: بالطائف، ويقال: بمصر. هذا صورة ما ذكره جدّي في "الصفوة" (٧).

стр. 3817

وقيل: [توفي] سنة ثلاث وستين ليالي الحرَّة (١). وقيل: سنة تسع وستين (٢)، وقيل: سنة ثمان وستين (٣). قال ابنُ الكلبيّ (٤): كان عبد الله بن عمرو معتزلًا مع أَبيه لأمر عثمان، فلما خرج أبوه إلى معاوية خرج معه، فشهد صفِّين، ثم ندم بعد ذلك، وقال: ما لي ولِصفِّين! ما لي ولقتال المسلمين! ثم خرج مع أَبيه إلى مصر، فلما حضرت عَمرًا الوفاةُ استخلفه على مصر، فأقرَّه معاوية سنةً، ثم عزلَه، وكان يحجُّ ويعتمرُ ويأتي الشَّام، ثم رجع إلى مصر (٥)، وكان قد ابتنى بها دارًا، فلم يزل لها حتَّى مات في سنة سبع وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان، فدفن في داره. وقيل: مات فدفن بمكان يقال له: السَّبْع بفلسطين (٦). وهو الذي نزله الخليل ﵇ [وقد ذكرناه في سيرة الخليل. وقال الهيثم: مات بمكة، وقال أبو اليقظان: بالطائف] (٧). وقيل: مات بقرية من قرى عسقلان يقال لها: أولاس (٨) [بينها وبين عسقلان فرسخان، وأهل مصر يقولون: مات بمصر، ودفن عند قبر أَبيه عمرو، بداره الصغيرة بدار الإمارة. والله أعلم] (٩).

стр. 3818

وقيل: بقرية غيلان من بيت جبرين (١). [تفسير قوله: لا أنحاشُ لها. معناه: لا أكتَرِثُ لها، ولا ألتفت إليها. والكَنَّةُ: امرأة الولد. قال: والخَتَن: كلُّ مَنْ كان من قِبَل المرأة، مثل الأب والأخ، وهم الأَخْتانُ. قال: هكذا عند العرب. وأما عند العامة، فخَتَنُ الرَّجل زوجُ ابنته. قال: وأمَّا الأصهار؛ فأهل بيت المرأة. عن الخليل، (قال:) ومن العرب من يجعلُ الصِّهْرَ من الأَحْماء (والأَخْتان جميعًا). وأمَّا الأحماء؛ فَحَماةُ المرأة أمُّ زَوْجِها، لا لغةَ فيه (غير هذه)] (٢). ذكر أولاده: كان له من الولد محمَّد، أمّه بنتُ مَحْمِيَةَ بنِ جَزْء الزُّبيدي -وقيل: عمرة بنت عُبيد الله بن العبَّاس (٣) - ومحمَّد هو أبو شُعيب، وهشام، وهاشم، وعمران، وأمّ إياس، وأمّ عبد الله، وأم سعيد، أمّهم أمُّ هاشم، كِنديَّة (٤). أسند عبد الله بنُ عمرو الحديث عن رسول الله ﷺ ، روى سبع مئة حديث، وقيل: روى من المتون سوى الطرق نيِّفًا وخمس مئة (٥).

стр. 3819

وروى عن كبار الصَّحَابَة كأبي بكر، وعُمر، وعبدِ الرَّحْمَن بنِ عوف، ومعاذِ بن جبل، وأبي الدَّرداء، وأبيه عَمرو، وغيرهم ﵃. وروى عنه ابنُ المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وابن أبي مُليكة، وأبو سلمة بن عبد الرَّحْمَن، وأخوه حُميد بن عبد الرَّحْمَن، وعطاء بن يسار، في خلق كثير من أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وأهل الشَّام، وكان من المكثرين (١). [ومن مسانيده في القُسطنطينية؛ قال (أَحْمد): حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق بإسناده إلى أبي قَبِيل قال: كنتُ عند عبد الله بن عَمرو بن العاص، فسئل: أيُّ المدينتين تُفتحُ أوَّلًا؛ القسطنطينية، أو رُوميَّة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ وقد سُئل عن ذلك فقال: "مدينة هرقل". يعني القُسطنطينية. ومن مسانيده في الكاسيات وأسنمة البُخْت، قال أَحْمد بإسناده إلى عيسى بن هلال الصَّدَفي؛ قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمرو يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون نساءٌ في أمتي يركَبْنَ على السُّرُوج كأشباه الرِّجال، كاسياتٍ عاريات، على رؤوسهنَ كأسْنمةِ البُخْتِ العِجاف، مائلاتٍ مُميلات، فالعنُوهنَ، فإنَّهن ملعونات". ومن مسانيده في المرضى؛ قال أَحْمد بإسناده عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحدٌ من النَّاس يُصابُ ببلاءٍ في جسده إلَّا أمرَ اللهُ الملائكةَ الذين يحفظونه، فقال: اكتُبوا لعبدي في كلّ يوم وليلة ما كان يعملُ من خير ما دام في وَثاقي". ومن مسانيده في خراب الكعبة؛ قال أَحْمد بإسناده عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقَتَين من الحبشة، ويَسْلُبُها حُلِيَّها، ولكأني أنظرُ إليه أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضربُ عليها بمِسْحَاتِهِ ومِعْوَلِه". الفَدَع: زيغٌ بين القَدَم وعَظْم السَّاق. وأيضًا:

стр. 3820

عبد الله بن عَمرو بن قيس أبو أُبَيّ الأَنْصَارِيّ، له صحبة ورواية. قلت: وأخرج له أَحْمد في "المسند" حديثين؛ قال أحمد بإسناده عن أبي أُبَيّ (١) ابنِ امرأةِ عُبادة بنِ الصامت، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "سيكون أمراء لتشغلنَّهم أشياءُ، يؤخّرون الصلاة عن وقتها، فصلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم تطوّعًا". انتهى حديثه] (٢). عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (٣) ابن عتبة، ويعرف بابن جَحْدَم، الفِهْري، أمير مصر لما حصرها مروان [بن الحَكَم] (٤)، وكان أبوه عبد الرَّحْمَن على مصر من قِبَل ابنِ الزُّبير (٥)، فأقام عليها تسعة أشهر، فقيل: قتله مروان بمصر، وقيل: عاش إلى بعد زمن عمر بن عبد العزيز ﵁، ووليَ دمشقَ (٦) ليزيد بن عبد الملك. قال هشام بنُ عمار: أجدبت دمشق، فخرج بالنَّاس يستسقي، فصعد المنبر دون المجلس وقال: اللهمَّ إنَّا لم نكن بأجمعنا نجيء إلى غيرك (٧)، وقد جئناك لأمر لا ينقصك شيئًا، وهو بنا أرفق (٨)، فاسْقِنا. قال: فسُقُوا من وقتهم.

стр. 3821

مالك بن هُبيرة ابن خالد بن مسلم السَّكوني (١). [قال ابن عبد البَرّ: كنيتُه] أبو سعيد. وقيل: أبو سليمان. له حديث واحد [في الصفّ على الجنازة]؛ قال الإِمام أَحْمد بنُ حنبل ﵁: حَدَّثَنَا يزيد بنُ هارون، حَدَّثَنَا حماد بنُ زيد، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد (٢) بن عبد الله اليَزَني، عن مالك بن هُبيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن يموت، فيصلِّي عليه أُمَّةٌ من المسلمين يبلغوا (٣) أن يكونوا ثلاث صفوف (٤)؛ إلَّا غُفر له". قال: وكان مالك بن هُبيرة يتحرَّى إذا قلَّ أهل الجِنازة أن يجعلهم ثلاث صفوف. [وفي رواية: "ما صلَّى على ميّت ثلاث صفوف؛ إلَّا وجبت له الجنة". وليس في الصَّحَابَة مَن اسمُه مالك بن هُبيرة سواه] (٥). قال ابن عساكر (٦): كانت دار مالك بالباب الشرقيّ بدمشق، ولما قَتَلَ معاويةُ حُجْرَ بنَ عديّ الكندي وأصحابَه كان بدمشق، وولَّاه معاويةُ الصائفة وحمص. وحضر مع مروان الجابية لما بُويع، وشهد معه وقعة المَرْج، وكان على الرَّجَّالة. وسكن حمص، ولم يُعْقِب، وكان معاوية يثني عليه ويقول: ما أصبح عندي من العرب أوثقَ في نفسي نصحًا للمسلمين مثل مالك [بن هُبيرة]. وكانت وفاته ببيت رأس (٧).

стр. 3822

مروان بن الحَكَم ابن [أبي] العاص بن أمية بن عَبْد شمس، أبو عبد الملك، من الطَّبقة الأولى من التابعين، من أهل المدينة (١). أدرك رسولَ الله ﷺ ، ولم يحفظ عنه شيئًا، وقُبض رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثمانِ سنين. [قال هشام:] ومولدُه بالأبواء سنة اثنتين من الهجرة، وأمُّه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أميَّة بن مُحَرِّثْ من بني كنانة، كنيتها أمُّ عثمان. وأمُّها الصَّعبة بنتُ أبي طلحة بن مُحَمَّد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار [بن قصي]. قال الواقدي: وتُلقَّبُ بالزرقاء، وكانوا يُعَيَّرون بها. قال ابن الكلبي: وكان لها راية في الجاهلية تُعرف بها. وقال البَلاذُري: الزَّرقاء أمُّ جدَّة مروان، لأن أمَّه آمنة بنت صفية، وصفية تلقَّب بالصعبة بنت أبي طلحة العَبْدري، وأمُّ مارية بنت موهوب و [مارية] هي الزرقاء (٢) [وكان موهوب -ويقال: - قَينًا بمكة]. وقيل: اسم الزَّرقاء أرنب بنت موهب (٣). ذكر صفته: [قال الواقدي:] كان مروان طُوالًا دقيقًا، يلقب بخيط باطل، وهو الذي يُرى في الشمس من لُعابها (٤).

стр. 3823

وفيه يقول أخوه عبد الرَّحْمَن بن الحكم: لعمري وما أدري وإني لسائلٌ … حَلِيلةَ مضروبِ القَفَا كيف يصنعُ لَحَى اللهُ قومًا أمَّرُوا خَيطَ باطلٍ … على الناسِ يُعطي من يشاء ويمنعُ (١) [وكان قد ضُرب مروانُ على قَفَاه يوم الدَّار، فكان يلقَّب بمضروب القَفَا. وقد ذكرناه هناك. ذكر طرف من أخباره وسيرته: رُوي أنَّه قُبض رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثمان سنين؛ قال:] (٢) ولم يزل مروان مع أَبيه الحكم حتَّى مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، فضمَّه عثمان رضوان الله عليه إليه، وجعله كاتبه، وأعطاه أموالًا عظيمة، وكان يتأوَّل في ذلك صلة الرَّحم، فنقم النَّاسُ على عثمان رضوان الله عليه بسبب تقريبه إليه، فكان يرتكب أمورًا لا يعلم بها عثمان رضوان الله عليه، ويرون أن كثيرًا ممَّا نسب إلى عثمان رضوان الله عليه لم يأمر به، وإنما هو عن رأي مروان. وكان النَّاس قد شَنَفُوا لعثمان ﵁ (٣) لما كان يصنع مروان، وكان عثمان رضوان الله عليه رجلًا حَيِيًّا كريمًا، فكان يصدِّقُ مروان في بعض ذلك، ويردُّ عليه بعضًا. فلما حُصر [عثمان] قاتل مروانُ دونَه أشدَّ القتال. [قال ابن سَعْد أَيضًا (٤): وأرادت عائشةُ الحجَّ وعثمانُ محصور، فأتاها مروان، وزيد بنُ ثابت، وعبد الرَّحْمَن بن عتَّاب بن أسيد بن أبي العيص، فقالوا: يَا أُمَّ المُؤْمنين، لو أقمتِ، فإنَّ أمير المُؤْمنين محصور، ومقامُكِ ممَّا يدفع الله به عنه. فلم تُجبهم وقالمت: قد أحضرتُ رواحلي. فقام مروان وهو يقول: حرَّقَ قيسٌ عليَّ البلاد … حتَّى إذا استعَرَتْ أجذما

стр. 3824

فقالت عائشة: أيُّها المُتَمثِّلُ عليَّ بالأشعار، وَدِدْتُ -واللهِ- أنَّك وصاحبَك هذا الذي يعنيك أمرُه؛ في رِجْل كلِّ واحد منكما رَحًى، وأنتُما في البحر. ثم خرجَتْ إلى الحجّ. وقد ذكرناه. وقال البلاذُري (١): ولّاه معاويةُ البحرين، ثم ولَّاه المدينة مرَّتين، وكان يولّيه مرة، وسعيد بن العاص مرَّة. وقد تقدَّم هذا. وقال المدائنيّ:] (٢) وكان مروان من أقرأ النَّاس للقرآن، وكان يقول: ما أتيتُ بفاحشة قطّ. وقيل لأبي البليغ: كيف رأيت مروان عند طلب الحاجة إليه؟ فقال: رأيتُ رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجتَه إلى قضاء الحاجة أشدَّ من حاجة صاحبها (٣). وتنازعَ مروان وعَمرو بنُ العاص في شيء، فقال له عمرو يَا ابن الزرقاء. فقال مروان: إنْ كانت زرقاء، فقد أنجبَتْ وأدَّت الشَّبَه إذْ لم تؤدِّه النابغة (٤). [وقال ابن سعد (٥): ولَّى معاولةُ مروان المدينة لما وليَ الأمر سنة اثنتين وأربعين، ثم عزله وولَّى سعيد بن العاص، ثم عزل سعيدًا وأعاد مروان، ثم عزله وأعاد سعيدًا، ثم عزله وولَّى مروان (٦)، ثم عزله وولَّى سعيدًا. ثم ولَّى الوليدَ بنَ عتبة بن أبي سفيان، فلم يزل على المدينة حتَّى مات معاوية، ومروان يومئذ معزول عن المدينة، ثم ولّى يزيدُ بنُ معاوية المدينة بعد الوليد بنِ عتبة عثمانَ بنَ محمَّد بن أبي سفيان، فأخرجه أهل المدينة وبني أمية، وأجْلَوْهم إلى الشَّام، وفيهم مروان، والتقاهم مُسْرف بن عقبة، فرجعوا معه إلى المدينة، وكانت نَوْبَةُ الحَرَّة، وجعل مروان يُؤَلِّبُ مسرف على أهل المدينة، ويدلُّه على عوراتهم بعد ما أخذوا عليه العهود والمواثيق.

стр. 3825

وكتب مسرف إلى يزيد يشكرُ مروان، فلما قدم على يزيد أكرمه ووصله. وأقام مروان بالشَّام حتَّى مات يزيد بن معاوية، ووليَ ابنُه معاويةُ بن يزيد، ومات، ووقع الاختلاف إلى أن وَليَ مروان الخلافة. وقال الهيثم بنُ عديّ:] (١) ودخل مروان ضيعة له بالغوطة أقطعه إيَّاها معاوية، فقال لوكيله: إنِّي لأظنُّك قد خُنتني. فقال: لا تظنَّ، ولكن تيقَّن، واللهِ إنِّي لأخونُك، وإنك لتخونُ معاوية، وإنَّ معاوية، ليخونُ ربه، فأبعدَ الله شرَّ الثلاثة (٢). [قال ابن عساكر:] وكان يهوديّ اسمُه يوسف قد أسلم وقرأ الكتب، وكان إذا مرَّ بدار مروان يقول: ويلٌ لأمَّةِ محمَّد ﷺ من أهل هذه الدار حتَّى تجيء راياتٌ سودٌ من قِبَل خُراسان. وكان صديقًا لمروان، فكان يقول له: يَا مروان (٣)، اتَّقِ اللهَ في أمَّة محمدٍ ﷺ إذا وَليَتهُمْ. [وقد ذكرنا اليهودي لما جهَّز يزيد بن معاوية الجيش إلى ابن الزُّبير، واستعظم الأمر عبدُ الملك بن مروان. وقال المدائنيّ: قال رسول الله ﷺ للحكم: "كأني ببنيك يصعدون على منبري وينزلون". وقال ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: رأى رسول الله ﷺ بني أمية يَنْزُون على منابره نَزْو القردة. فساءه ذلك] (٤).

стр. 3826

وقال عَمرو بن مُرَّة الجهني: استأذنَ الحَكَم على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ائذنوا له، لعنه الله، ولعنَ مَنْ يخرجُ (١) من صُلْبِه" (٢). [فإن قيل: فقد قالت عائشة لمروان: أشهدُ أن رسول الله لعنَ أَبَاك وأنتَ في صُلْبِه. ومروان وُلد بعد الهجرة. قلنا: إنما لعن الحكم لما كان في مكة قبل الهجرة، فإنَّه كان يُبالغ في أذى رسول الله. وقد ذكرناه] (٣). ذكر وفاته: واختلفوا فيها على قولين: أحدهما: أنَّه طُعن، فمات فجأة. والثاني: أن أمَّ خالد بن يزيد قتَلَتْه. وقد اختلفت الرواية فيه، فقال ابنُ سعد بإسناده عن أبي الحُويرث قال: لما بايع أهل الشَّام مروان قيل له: تزوَّج أمّ خالد حتَّى تصغّر شأن ابنها، فلا يُطلب للخلافة. فتزوَّجَها. فدخل خالد يومًا على مروان وعنده جماعة كثيرة وهو يمشي بين الصفَّين، فقال مروان: والله إنه ما علمتُ لأحمق. ثم قال: تعال يَا ابن الرَّطبة. يُقصِّر به ليسقطه في عين أهل الشَّام. فرجع إلى أمه، فأخبرها، فقالت له: لا يُعرف ذلك فيك واسكت، فأنا أكفيكه. ثم دخل عليها مروان، فقال: هل قال لكِ خالد شيئًا؟ قالت: أَنْتَ عند خالد أشدُّ إعظامًا من أن يقول فيك شيئًا. ثم مكثت أيامًا، فنام مروان عندها، فغطَّتْه بالوسادة حتَّى قتلته. هذا صورة ما حكى ابنُ سعد عن الواقديّ، وقد أشار إليه الطبري (٤).

стр. 3827

وقال المدائنيّ: إنما تزوَّج مروان أمَّ خالد بعد عوده من مصر (١)؛ قال: لمَّا رَجَعَ مروان من مصر نزل الأردنّ، فخطب أمَّ خالد بن يزيد، وهي أمُّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة (٢)، فأخبرَتْ ابنَها خالدًا، فقال: واللهِ ما يريد إلا أن يُسقط منزلتي وحُرمتي ويفضحني بين النَّاس. فأَبَتْ إلَّا أن تتزوَّجه، فلما دخلَ بها ليلة البناء؛ قعدت معه على فراشه، فأقبل ينظر إلى السقف ويحدِّثُ نفسه، ولم يكلّمها حتَّى أصبح، وخرجَ إلى الصلاة، فأرسلت إلى صاحب شرطته وقالت: أما ترى ما صنع بي صاحبُك من الاستخفاف؟! وقد عصيتُ ولدي والناسَ فيه. فأخبر مروان بما قالت، فقال: إنّي كنتُ شابًّا وأنا مقبلٌ على أمر آخرتي لا أؤثر عليها شيئًا، فلما كَبِر سنِّي واقترب أجلي آثرت دنياي على آخرتي، فأُتيتُ بها وأنا مفكِّر في ذلك، فشُغلت عنها (٣). [وقال الهيثم: ما زال مستخفًّا بها وبابنها منذ دخل بها ليفضحَها ويفضحَ ابنَها حتَّى قَتَلَتْه] (٤). ودخل خالد يومًا على مروان وعنده جماعة كثيرة وهو يمشي بين الصفَّين، فقال مروان: والله إنه ما علمتُ لأحمق. ثم قال: تعال يَا ابن الرطبة. فقال له خالد: يَا مروان، واللهِ ما أحسنتَ العِشْرة، ولا أدَّيتَ الأمانة، واللهِ لقد نَهَينَاها عنك فأبت، فأبعدَ اللهُ ساعتك. ثم نهض، فدخل على أمّه باكيًا، فأخبرَها، فقالت: اكُتمْ هذا، فوالله لا سمعتَ بعدها منه ما تكره. ودخل مروان عليها فقال لها: ما الذي قال لك خالد؟ قالت: وما عساه أن يقول، وأنت عنده بمنزلة الوالد. وجاء وقت القائلة، فنام عندها فاتفقت مع جواريها على خنقه، فأخذَتْ وسادةً، فجعلتها على وجهه، فخنقته، ثم رفعت الوسادة وقامت، فشقت جيبها، وفعل جواريها كذلك، ثم صِحْنَ ووَلْوَلْنَ.

стр. 3828

ويقال: كان في آخر رمق، واعتُقل لسانُه (١)، ودخل أولادُه وأمُّ خالد عند رأسه فجعلَ يُشير إليها بيده، أي: هي التي قتلتني. فلم يفهموا، وجعلت تقول: إنه لم يشتغل عني بما هو فيه، ألا ترون كيف يُوصيكم بي؟ وعلم النَّاسُ بعد ذلك، فكان عبد الملك [بن مروان] يقول: واللهِ إنِّي لأعرفُ ثأري في هذا الدار. يعني دار أمِّ خالد. [قال الهيثم:] فمروان يعدّ من قتلة النساء. وكانت وفاتُه بدمشق غرَّة شهر رمضان [أو لهلال شهر رمضان] هذه السنة. وصلَّى عليه عبد الملك. وقيل: عبد الرَّحْمَن بن أمِّ الحكم؛ [كان خليفتَه على دمشق] (٢). ودُفن بين باب الجابية والباب الصغير. [وهذا قول عامة العلماء أنَّه مات بدمشق مستهلّ رمضان، وقد نصَّ عليه الطبري]. وقيل: مات بِلُدّ. وقيل: بالصِّنَّبْرة [عند انصرافه من مصر] (٣). وكانت ولايتُه على الشَّام ومصر والجزيرة ثمانية أشهر، وقيل: تسعة أشهر وأيامًا، وقيل: عشرة أشهر إلَّا ثلاثة أيام (٤). وقد قال له أمير المُؤْمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: يَا مروان، لتحملنَّ راية ضلالة بعد ما يشيب صِدْغاك، وإن لك إمرةً كَلَحْسَةِ الكلب أنفَهُ (٥) [وقد ذكرناه يوم الجمل]. وعاش ثلاثًا وستين سنة، وكان نقش خاتمه: آمنتُ بالله مخلصًا (٦).

стр. 3829

وحجَّ بالنَّاس ستَّ حِجَج (١) في أيام معاوية: سنة ثلاث وأربعين، وسبع وأربعين، [وثمان وأربعين] وأربع وخمسين [وست وخمسين]. وكان كاتبه عبيدُ بنُ أوس (٢)، وحاجبُه المنهال مولاه (٣)، وقاضيه أبو إدريس الخَوْلانِيّ، وصاحب شرطته يحيى بن قيس الغسَّاني (٤). وكان مروان شاعرًا، وذكر أبو العلاء [المعرّي] في خطبة "لزوم ما لا يلزم (٥) ": وهَلْ نحنُ إلَّا مثلُ مَنْ كان قَبْلَنا … نموتُ كما ماتُوا ونحيا كما حَيُوا وينقُص منا كلَّ يوم وليليةٍ … ولا بد أن نلقى من الدهر ما لَقُوا نُؤمِّلُ أنْ نبقى وكيف بقاؤنا … فهلَّا الأُلى كانوا مضَوْا قبلَنا بقُوا فَنُوا وهُمُ يرجُون مثلَ رجائِنا … ونحن فنَفْنَى مرةً مثلَ ما فَنُوا لنا ولهم يومَ القيامة موعدٌ … ونُدعى له يومَ الحساب إذا دُعوا ويُحبس منَّا من مضى لاجتماعنا … بموطنِ حقٍّ ثم نُجزَى كما جُزُوا فمنهم سعيدٌ سَعْدَةً ليس بعدَها … شقاءٌ ومنهم بالذي قدَّمُوا شَقُوا (٦) ذكر أولاده: كان له من الولد عبدُ الملك [وبه كان يُكنى] ومعاوية، وأمّ عَمْرو (٧)؛ أمُّهم عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية-[ومعاوية أبو عائشة هو الذي جَدَع أنف

стр. 3830

حمزة بن عبد المطّلب يومَ أُحد، وقد ذكرناه، وذكرنا أنَّه قُتل على أُحد بعد انصراف قريش بثلاثة أيام؛ قتله عليٌّ بأمر رسول الله ﷺ ] (١) -. وأم عائشة فاطمةُ بنتُ عامر بن جُذيم من بني جُمح، وأمُّها سُكينة بنتُ أبي مُعَيط (٢). وعبدُ العزيز، وأمُّ عثمان؛ أمُّهما (٣) ليلى بنت زبَّان بن الأصبغ، كلبيَّة. وبشر، وعبد الرَّحْمَن؛ درج؛ أمُّهما قُطَيَّة بنت بشر بن عامر، كلبيَّة أَيضًا. وأبان، وعبدُ الله، وعُبيدُ الله، وأيوبُ، وعثمان، وداود، ورَمْلَة، وأمّهم أمّ أَبان بنت عثمان بن عفَّان رضوان الله عليه، وأُمّ أُمّ أَبان رَمْلَةُ بنتُ شَيبة بن ربيعة بن عبد شمس. وعَمْرو، وأمُّ عَمرو (٤)؛ وأمُّهما زبنبُ بنتُ عمرو بن أمّ سلمة (٥) زوج النَّبِيّ ﷺ . ومحمدُ، وعُمرُ، كل واحد منهما لأمِّ ولد (٦). وأمَّا عبد الملك؛ فنذكره. وأما معاوية بنُ مروان [فقال البلاذُري:] كان أحمق، ويُكنى أَبا المغيرة، طارَ له بازي، فأمرَ بغلق أبواب دمشق لئلا يخرج البازي من الباب. [قال:] وسمع قائلًا يقول: لا أفلحَ حقلٌ لا يَرَى است صاحبِه، فنزل إلى بستان [له] وأحدثَ فيه. [قال: ومرَّ يومًا بديراني يقرأ الإنجيل ويقول: حَرْ، فقال له: يَا ديراني، ما تقرأ؟ قال: الإنجيل. قال: ففي الإنجيل حر؟ قال: لا، ولكن لي أسفل العِلّيّه حمارٌ يطحن،

стр. 3831

وفي رقبته جلجل، وربَّما غفل، فأقول: حر، فيدور. فقال: وما يُدريك لعلَّه يقفُ ويحرِّكُ رأسَه، فتظنُّ أنَّه يمشي؟ فقال الديراني: من لي بحمار يكون عقلُه مثل عقل الأمير! وقد ذكرنا أنَّه كان لمعاوية بن أبي سفيان ولد اسمه عبد الله، وكان أحمق، وجرى له مثل هذا. قال البلاذُري:] (١) وقال يومًا لأخيه عبد الملك: متى يكون يوم الأضحى من شهر رمضان؟ فقال عبد الملك لأبي الزُّعَيزِعَة: أقِمْه. فأقامه (٢). [وقال البلاذري أَيضًا:] وتزوَّج امرأة، فلما أصبح قال لأبيها: لقد نكحتُ ابنتَك البارحةَ بقضيب ما رأَتْ مثلَه قطّ. فقال [له] أبوها: لو كنتَ خصِيًّا ما زوَّجناك. [قال:] وتزوَّج بكرًا، فلما أصبح قال لأمِّها: ملأَتْنِي ابنتُكِ البارحةَ دمًا. فقالت: إنَّها من نسوة يختبئن ذلك الدم لأزواجهن. فقال: لو نهيتموهنّ عن هذا لكان أحسن. فقالت: لو كنتَ خَصِيًّا لاسترحتَ من هذا، وعلى مَنْ زوَّجك لعنةُ الله (٣). وقال له خالد بنُ يزيد: ما لي أرى أخاك عبدَ الملك لا يُوَلِّيك ولاية؟ فقال: لو أردتُ لولَّاني. فقال: سَلْهُ أنْ يُوليَك بيت لِهْيَا (٤). فغدا على عبد الملك فقال: ألستُ أخاك وشقيقَك؟ قال: بلى. قال: فولّني ولاية. قال: ما تريد؟ قال: بيتَ لِهْيَا. قال: متى لقيتَ خالدَ بنَ يزيد؟ قال: عشيَّةَ أمس. قال: لا تكلِّمه. ودخل خالد عليه فقال: كيف أصبحتَ يَا أَبا المغيرة؟ قال: قد نهاني هذا عن كلامك. وأشار إلى عبد الملك (٥).

стр. 3832

[قال]: وقال له خالد يومًا: أتحبُّ أن تكونَ أميرَ المؤمنين؟ قال: نعم. قال: إذا خرج عبد الملك يوم الجمعة للصلاة والخطبة، فاسْبِقْه واصعد المنبر، وقد صرتَ أمير المُؤْمنين. قال: فسبقه إلى المنبر وصعد، فالتفت عبدُ الملك إلى خالد وقال: هذا عملُك؟ قال: نعم (١). [قال: ومات له جار، فجاء أهلُه يطلبون له منه كفنًا، فقال: ما عندي شيء. ولكن اصبروا يومين ثلاثة. وقال البلاذري:] وُلد لمعاوية هذا: الوليد، وعبد الملك، وبشر، والمغيرة، فأما الوليد فقتله عبد الله بن عليّ لما فتح دمشق [وهدمَ سورَها] وهدمَ داره (٢). وأما عبد الله (٣) بن مروان؛ فكان أحمق أَيضًا، أهدى إلى الوليد بن عتبة قَطِيفةً حمراءَ، وكتبَ إليه: قد بعثتُ إليك قَطِيفةً حمراءَ حمراءَ. فكتبَ إليه: وصلَتْ، وأنت واللهِ يَا ابن العمّ أحمق أحمق (٤). وأمَّا عبدُ العزيز؛ فكنيتُه أبو الأصبغ، ولّاه أبوه العهدَ بعدَ عبد الملك؛ وأعطاه مصر، وسنذكره. وأما بشر بن مروان؛ فولّاه أخوه الكوفةَ والبصرةَ، وكنيتُه أبو مروان، مات بالبصرة، وسنذكره. وأمَّا أَبان بن مروان؛ فولَّاه عبدُ الملك فلسطين، وكان الحَجَّاج بنُ يوسف على شرطته.

стр. 3833

وأما داود بن مروان؛ فولدَ سليمانَ وكان أعورَ، وتزوَّج (١) فاطمة بنت عبد الملك (٢) بعد وفاة عمر بن عبد العزيز ﵁. وأما محمَّد بن مروان؛ فكان أشجعَ بني مروان، وأحسنَهم خَلْقًا وخُلُقًا، وكنيتُه أبو عبد الرَّحْمَن، وكان عبد الملك يحسدُه على شجاعته، ويحبُّ أن يضع منه، وهو الذي قتل مصعبَ بن الزُّبير وإبراهيم بن الأشتر، فازداد عبد الملك له حسدًا، وفيه يقول الشَّاعر: جمعَ ابنُ مروانَ الأغرُّ محمَّدٌ … ما بين أشْتَرِهِمْ وبين المصعبِ ولما تبيَّن لمحمد حَسَدُ عبد الملك له، عزمَ على قصد أرمينية، وكان واليًا عليها (٣)، فدخل على أخيه عبد الملك مودّعًا له وهو يقول: فإنَّك لن تَرَى طَرْدًا لِحُرٍّ … كإلصاقٍ به طَرَفَ الهوانِ ولو كنَّا بمنزلةٍ جميعًا … جريتَ وأنت مضطربُ العِنانِ فرقَّ له عبدُ الملك وقال: أقسمتُ عليك بالله يَا أخي إلَّا أقمتَ، فواللهِ لا رأيتَ منِّي مكروهًا بعدَها. وولَّاه الجزيرة والموصل مضافًا إلى أرمينية (٤). فولد محمَّد بنُ مروان يزيدَ بنَ محمَّد، وأمُّه أمُّ يزيد بنتُ عبد الله (٥) بن شيبة بن ربيعة، وعبدَ الرَّحْمَن، وأمّه أمُّ جميل من ولد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ومروانَ، وأمُّه كرديَّة؛ أخذها [أبوه] محمَّد من عسكر ابن الأشتر، فيُقال: إنه لمَّا أخذها كانت حاملًا بمروان، فوُلد على فراش محمَّد، ومروان هذا هو الجعدي آخرُ خلفاء بني أمية.

стр. 3834

وأمُّ عَمرو بنتُ مروان تزوَّجها الوليد بن عثمان بن عفَّان (١). وعمرو بن مروان نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. أسند مروان الحديث عن عُمر، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت ﵃ (٢). وروى حديث مسّ الذَّكَر عن بُسْرة بنت صفوان؛ قال الإِمام أَحْمد بن حنبل ﵀ (٣): حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة، حدَّثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: سمعتُ عروة بن الزُّبير يحدِّث أبي (٤) قال: ذاكرتُ مروانَ بنَ الحَكَم مَسَّ الذَّكَر وقلت: ليس فيه وضوء. قال: فإنَّ بُسْرَةَ بنت صفوان تحدِّثُ فيه للوضوء (٥). فأرسل إليها رسولًا، فذكر الرسولُ أنَّها تحدِّثُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مَسَّ ذَكَرَهُ فليَتَوَضَّأ". وهذه بُسْرة بنتُ صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ، وأمُّها سالمة بنت أمية، وأخوها لأمِّها عُقْبة بن أبي مُعَيط، وكانت بُسْرة عند المغيرة بن أبي العاص، فولَدَتْ له معاوية بن المغيرة، وهو جدُّ عبد الملك بن مروان لأمّه، وأمُّ عبد الملك عائشةُ بنتُ معاوية بن المغيرة (٦). [الكلام على الحديث. اختلف الفقهاء في مَسّ الذَّكَر؛ هل ينقض الوضوء أم لا؟ قال أبو حنيفة وأصحابُه: لا ينقض، وهو قولُ عُمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحُصين، وأبي الدَّرداء، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقّاص، وعمار بن ياسر، وفقهاء الصَّحَابَة من التابعين ومن بعدهم: الحسن، وابن المسيِّب،

стр. 3835

وابن جُبير، والنَّخَعي، وربيعة، والثوري، والشعبي، ومالك في رواية عنه وعن أَحْمد، وفي الرواية الأخرى عن مالك وأَحمد أنَّه ينقض، وهو قول عائشة، وابن عمر، وأبان بن عثمان، وعطاء، وأبي العالية، وعروة بن الزُّبير، والزُّهري، والشافعي. وعلى هذا الخلاف في مسّ الدّبُر، واحتجوا بحديث بُسرة بنت صفوان. وفي رواية: "وأيّما امرأة مَسَّتْ فرجَها فلتتوضأ". والله أعلم] (١). السنة السادسة والستون فيها أُطلق المختار من السجن، وثار لطلب الثأر من قتلة الحسين ﵇. وقد ذكرنا (٢) أنَّ التَّوَّابين لما قدموا من عين وَرْدَة ونزلوا الكوفة؛ كتبَ إليهم المختار من السجن يُعزِّيهم في سليمان بن صُرَد ويقول: أنا صاحبُ الطلب بثأر أهل البيت. وكان عبد الله بن خَطْمي وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة قد حبساه، وكان يكاتبُ الشيعة من الحبس ويكاتبونه، ومالوا إليه بعد سليمان بن صُرد، وبعثوا إليه، ورأسُهم (٣) رِفاعة بن شدَّاد أحد الأمراء الذين تقدَّم ذكرهم. ورِفاعة هو الذي قدم بمن بقيَ من جيش التَّوَّابين، وكان معه رؤوس الشيعة، فأرسلوا إلى المختار: إنْ شئتَ سِرْنا إليك فأخرجناك من السجن؛ فعلنا. فأرسلَ إليهم مع رسولهم عبد الله بن كامل: ما أُريد هذا، وأنا خارجٌ في هذه الأيام. قال هشام في روايته عن أبي مِخْنَف قال: وكان المختار قد بعث غلامًا إلى مكة إلى ابن عُمر -واسم الغلام زِرْبِيّ (٤) - وكتب معه كتابًا يقول: إنِّي حُبستُ ظلمًا. وسأله أن يكتبَ إلى عبد الله بن يزيد الخَطْمي وإلى إبراهيم يشفع إليهما في إطلاقه.

стр. 3836

فكتب عبد الله بنُ عمر إليهما: قد علمتما ما بيني وبينكما من الوُدّ، وما بيني وبين المختار من الصِّهْر، وأنا أُقسمُ عليكما بحقّ ما بيني وبينكما لما خلَّيتُما سبيلَه حين تَنظران (١) في كتابي هذا. والسلام. فلما وقفا على الكتاب طلبا من يكفل المختار بنفسه، فكفله جماعةٌ من الأشراف، ثم دعا به عبد الله وإبراهيم، فأحلفاه أنَّه لا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإنْ هو فعل؛ فعليه ألفُ بَدَنة ينحرُها عند الكعبة، ومماليكُه وجواريه أحرار. وخرجَ إلى داره، فكان يقول بعد ذلك: قاتلهما الله، أتراهما يريان أنِّي أفي لهما؟! أمَّا اليمين بالله فمن حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها. الحديث (٢). وأمَّا ألفُ بَدَنة؛ فهو أهونُ عليَّ من بَصْقة. وأمَّا عتقُ عبيدي؛ فوددتُ أنّي استتبَّ أمري، ثم لم أملك مملوكًا أبدًا. واختلفت إليه الشيعة، ورضُوا به، ولم يزل أمرُه يشتدّ ويقوى حتَّى عزلَ ابنُ الزُّبير عبدَ الله بنَ يزيد وإبراهيم بن محمَّد، وولَّى على الكوفة عبدَ الله بنَ مطيع، وعلى البصرة الحارث بنَ عبد الله بن أبي ربيعة، فسار إليهما فلقيَهما بَحِير بن رشحان الحِمْيَريّ، فقال لهما (٣): إنَّ القمر الليلة بالنَّاطح (٤)، فلا تسيرا. فأما الحارث فأطاعه، وأقامَ يسيرًا ثم شخصَ إلى البصرة، وأمَّا ابنُ مُطيع؛ فقال: وهل نطلب إلَّا النَّطْح. قال: فلقيَ -واللهِ- نَطْحًا وبَطْحًا، والبلاءُ موكَّلٌ بالمنطق (٥).

стр. 3837

وفرَّق ابنُ الزُّبير عمَّاله في البلاد، وبلغَ عبدَ الملك بنَ مروان فقال: مَن استعملَ على الكوفة؟ قيل: عبد الله بنُ مطيع. فقال: حازم وكثيرًا ما يسقط، وشجاعٌ وما يكرهُ أن يَفِرّ. قال: ومَنْ بعثَ إلى البصرة؟ قالوا: الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال: لا حُرَّ بوادي عوف (١). قال: ومَنْ بعث على المدينة؟ قالوا: [بعثَ] أخاه مصعبًا. فقال: ذاك الليث النهْد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام بروايته عن أبي مِخْنَف قال: قدم عبد الله بنُ مطيع الكوفة لخمس بقين من رمضان، فقال لعبد الله بن يزيد الخَطْمي: إنْ أحَبَبْتَ أن تُقيمَ معي أكرمتُ مثواك، وإنْ لحقتَ بابن الزُّبير أكرَمَك. وقال لإبراهيم بن محمَّد: الْحَقْ بابن الزُّبير. فلحق بالمدينة، وكسر الخَرَاج، فلم يُؤاخذه ابنُ الزُّبير (٢). وأما ابنُ مطيع فولَّى شرطتَه إياس بن مُضارب العجلي. وصعد ابنُ مطيع المنبر، فخطب وقال: إن أمير المُؤْمنين عبدَ الله بنَ الزُّبير بعثني على مِصْركم، وأمرني بجباية فيئكم، وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلَّا بِرِضًا منكم، وأن أسير فيكم بسيرة عمر بن الخطاب، وأعملَ بوصيَّته فيكم، وبسيرة عثمان، فاتقوا الله، ولا تختلفُوا، وخُذُوا على أيدي سفهائكم، وإلا تفعلوا فلُومُوا أنفسكم ولا تلومُوني. وذكر كلامًا فيه تهديدٌ ووعيد. فقام إليه السائب بن مالك الأَشْعريّ فقال: أمَّا أمرُ ابنِ الزُّبير إيَّاك ألا تحمل فضل فيئنا عنّا إلَّا بِرِضًا منَّا، فنحن لا نرضى أن تُخرج فضلةً عنَّا، وأن لا تَقسم فيئنا [إلَّا فينا، وأن لا يُسَار فينا] إلَّا بسيرة أمير المُؤْمنين علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا حتَّى مضى لسبيله ﵀، ولا حاجةَ لنا في سيرة عثمان في فيئنا وفي أنفسنا، فإنَّها إنما كانت أثرةً [و] هوًى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، فقد كان لا يألُو النَّاس خيرًا. فقال يزيد بن أنس: صدقَ السائب، كلُّنا على مثلِ رأيه. فقال ابنُ مطيع: نسيرُ فيكم بكلّ سيرة أحْبَبْتُموها. ثم نزل (٣).

стр. 3838

وحكى أبو مِخْنَف عن عامر الشعبي قال. كنتُ أنا وأبي أوَّلَ مَنْ أجابَ المختار. قال: فلما تهيَّأ خروجُه قال له أحمر بن شُميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شدَّاد: إنَّ أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإنْ وافَقَنَا إبراهيمُ بنُ الأشْتَر رَجَوْنا النصر عليهم، فإنَّه فتًى رئيس (١)، وابنُ رجل شريف، وله عشيرة. قال: فالْقَوْه فأخْبِروه ما نحنُ عليه. قال الشعبي: فخرجوا إليه وأنا وأبي معهم فقالوا له: قد أتيناك في أمرٍ، فإنْ قبلتَه كان خيرًا لك، وإن تركتَه فقد أدَّينا إليك النصيحة، ونحبّ أن يكون عندك مستورًا. وكان المخاطب له يزيد بن أنس. فقال إبراهيم: مثلي لا تُخاف غائلتُه ولا سِعايتُه، ولا التقرُّب إلى سلطانه (٢). قالوا: إنَّا ندعوك إلى أمرٍ إن أجَبْتَنا [إليه] عادت لك منزلةُ أبيك. ودعَوْه إلى أمرِهم وما هم عليه، وقالوا: تُحيي من أبيك أمرًا قد مات. فقال لهم إبراهيم: فإنِّي أجيبُكم (٣) إلى ما دعيتموني (٤) إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تُولُّوني الأمر. فقالوا له: أنتَ أهل لذلك، ولكن لا سبيل إلى ذلك، هذا المختار قد جاءنا من قِبَل المهديّ، وهو المأمور بالقتال، وقد أُمِرْنا بطاعته. فسكت إبراهيم. وعادوا فأخبروا المختار. قال الشعبي: فأقام المختارُ ثلاثًا، ثم دعا بضعةَ عشرَ رجلًا من وجوه أصحابه وأنا وأبي فيهم، ثم خرج يمشي أمامَنا ليلًا، ولا ندري أين يذهب بنا، حتَّى أتى بابَ إبراهيم بن الأشتر، فاستأذنَ، فأذنَ له، فدخلْنا، فأجلسه معه على فراشه، ووُضعت لنا الوسائد، فأخرج له المختار كتابًا وقال: هذا كتابُ المهديّ محمَّد بن أمير المُؤْمنين، وهو يسألُك أن تنصرَنا وتُؤازرَنا، فإنْ فعلتَ اغتبطتَ، وإنْ لم تفعل فهذا الكتاب حجَّةٌ عليك.

стр. 3839

قال الشعبي: وكان المختار قد دفع إليَّ الكتاب، فقال لي: ادْفَعْه إليه. فدفعتُه إليه، فدعا بالمصباح، وفضَّ ختمه، ثم قرأه. وفيه: من محمَّد المهديّ إلى إبراهيم الأشتر، أمَّا بعد، فقد بعثتُ إليك بوزيري، وأميني، وأمَرتُه بقتال عدوِّي والطلبِ بثأر (١) أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وأهلك وعشيرتك، فإنْ ساعدتَ وزيري ونهضت معه؛ كانَتْ لك عندي بذلك الفضيلة، ولك أعنَّةُ الخيل وكلُّ مصر ظهرتَ عليه، وكلُّ ثَغْر فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشَّام، وإنْ أبيتَ هلكتَ هلاكًا لا تستقيِلُه أبدًا. والسلام. فقال إبراهيم: قد كتبَ إليَّ محمَّد وقد كتبتُ إليه قبل اليوم، فما كان يكتبُ إليَّ إلَّا باسمه واسم أَبيه! فقال المختار: ذاك زمان وهذا زمان. قال: فمَنْ يعلمُ أنَّ هذا كتابُ ابنِ الحنفية إليّ؟ قال المختار: يزيد بن أنس، وأحمر بن شُميط، وعبد الله بنُ كامل، وجماعة. قال الشعبي: فشهدُوا إلَّا أنا وأبي، فتأخَّر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش، وأجلسَ عليه المختار، ثم بايعَه على النُّصرة، وقام المختار وأصحابُه فخرجوا، وخرج إبراهيم مع المختار حتَّى دخل داره ورجع. قال الشعبيّ: فأخذ إبراهيمُ بيدي وقال: انصرفْ بنا يَا شعبيّ. فانصرفتُ معه، فلما دخل رَحْلَه قال: لِمَ لَمْ تشهَدْ أَنْتَ ولا أبوك؟ أترى هؤلاء شهدوا على حقّ؟ قال: فقلتُ: قد شهدوا على ما رأيتَ، وهم سادة القرَّاء ومشيخةُ العصر وفرسانُ العرب، ولا أرى مثلَ هؤلاء يقولون إلَّا حقًّا. قال الشعبي: فقلت هذه المقالةَ وأنا -واللهِ- مُتَّهِمٌ لهم في شهادتهم، غيرَ أنِّي على رأي القوم، وأحبُّ تمام الأمر، فلم أُطلِعْه على ما في نفسي من ذلك. فقال ابنُ الأشتر: اكتبْ لي أسماءهم، فلستُ أعرفُ كلَّهم. قال: فكتبتُ له: هذا ما شهد به السائب بن مالك الأَشْعريّ، ويزيد بن أنس الأسديّ، وأحمر بن شُميط الأحمسي، ومالك بن عَمرو (٢) النَّهدي. حتَّى أتيتُ على أسمائهم، وقال: اكتُب صورةَ الكتاب، فكتبتُه.

стр. 3840

فكان إبراهيمُ يأتي كلَّ ليلة إلى المختار إلى أن يَبْهَارَّ الليل (١)؛ يدبَرُون أمرَهم، واتفقوا على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة خلت من ربيع الأول سنة ستّ وستين. وأُخبِرَ إياسُ بنُ مضارب صاحبُ شرطةِ عبدِ الله بن مطيع بأنَّهم على الخروج في إحدى الليلتين، فأَخبرَ ابنَ مطيع بأنهم على الخروج (٢)، فاستعدَّ، وفرَّق القبائل، فبعثَ عبد الرَّحْمَن بنَ سعيد بن قيس إلى جَبَّانةِ السَّبِيع، وبعثَ كعبَ بنَ أبي كعب الخثعمي إلى جَبَّانَةِ بشر، وبعثَ زَحْر بنَ قيس إلى جَبَّانة كِنْدَة، وبعث شَمِر بن ذي الجَوْشَن إلى جَبَّانةِ سالم، وبعثَ شَبَثَ بنَ رِبْعيّ إلى السَّبَخَة، وفرَّق القبائل. وكان خروجُ هؤلاء يومَ الاثنين، فنزلوا هذه الجَبَابِين، وأحاطت الشُّرَط بقصر الإمارة وفيه ابنُ مُطيع. فحكى أبو مِخْنَف عن حُميد بنِ مسلم قال: خرجتُ مع إبراهيم بن الأشتر من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء في كتيبة نحو المئة، وعلينا الدُّرُوع قد كَفَرْنَاهَا بالأقبية (٣) ونحن متقلِّدُون السيوف، ليس معنا سلاح إلَّا السيوف، وكان إبراهيم فتًى حَدَثًا شجاعًا، فقال: واللهِ لأَمُرَّنَّ على جانب القصر، ولأُرْعِبَنَّ عدوَّنا، ولأُرِيَنَّهم هوانَهم علينا. قال: وسِرْنا، فلما جاوَزْنا دار عَمْرِو بن حُريث لقينا إياس بن مضارب (٤) في الشُّرَط، فقال: مَنْ أنتم؟ فقال: أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال له إياس: ما هذا الجمع معك، وقد بلغني أنك تمرّ كلَّ عشيَّة ها هنا؟ وما أنا بمفارقك حتَّى آتيَ بك الأمير. فقال له إبراهيم: خَلّ سبيلَنا. فقال: لا والله. وكان مع إياس رجل يقال له: أبو قَطَن، وبيده رمح، فدنا منه إبراهيم، وأخَذَ الرُّمح، وطعنَ إياسَ بنَ مُضارب في نحوه، فصَرَعَه، وقال لرجل من أصحابه: انزِلْ فاحتزَّ رأسَه. فنزل فاحتزَّ رأسه، وتفرَّق عنه أصحابُه.

стр. 3841

وأخبروا ابنَ مطيع، فبعثَ ابنَه راشد بنَ إياس مكان أَبيه على الشُرطة. وأقبل ابنُ الأشتر إلى المختار ليلةَ الأربعاء وقال: إنَا كنَّا قد أبعدنا الخروج من القابلة ليلة الخميس، وقد حدثَ أمر لا بدَّ من الخروج الليلة. وأخبره الخبر وقال: هذا رأسُ إياس بن مضارب، فقال له: بشَرك الله بخير. هذا أوَّلُ الفتح. ثم أمر المختار سعيد بنَ منقذ، فأوقدَ هَرَادي (١) النيران وقال لعبد الله بن شدَّاد: قُم فنادِ: يَا منصور أَمِتْ. وقال لسفيان بن ليل (٢) ولقدامة بن مالك: نادِيا: يَا ثارات (٣) الحسين. ولبس سلاحه وخرج، وتقدَّمه ابنُ الأشتر إلى القبائل الذين كانوا في الجَبَابِين، فَدار عليهم، فهزمهم. وركب ابنُ مطيع والقبائل، وقامت الحرب على ساق، ونزل المختار في أصحابه بدير هند. ونادى أبو عثمان (٤): ألا إنَّ أمين آل محمَّد قد نزل بدير هند، فاخْرجُوا إليه رحمكم الله. قال: فخرجوا من الدُّور يتداعَوْن: يَا لَثارات الحسين، وكان قد بايعه منهم اثنا عشر ألفًا، فلحق بهم منهم ثلاثة آلاف وخمس مئة (٥)، فاجتمعوا قبل انفجار الصبح، فأصبح المختار على تعبئة. قال أبو مِخْنَف: فحُدِّثتُ عن الوالبي (٦) قال: خرجتُ أنا وحُميد بن مسلم والنعمان بن أبي الجعد إلى المختار في تلك الليلة، فصلى الفجر بغَلَس؛ قرأ فيها بالنازعات، وعبس وتولى، فواللهِ ما سمعْنا إمامًا أَمَّ قومًا أَفْصَحَ لهجةً منه.

стр. 3842

قال: ونادى ابنُ مطيع في النَّاس أن يجتمعوا إلى المسجد، فاجتمعوا، فجهَّز شَبَث ابنَ رِبْعيّ في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث معه راشدَ بنَ إياس في أربعة آلاف من الشُّرَط. وأقبل شَبَثُ بن رِبْعيّ في آخر الليل نحو المختار، فسمعَ المختارُ ضجَّة عظيمة، فقال: ما هذا؟ قالوا: شَبَثَ بن رِبْعيّ قد أقبلَ إليك ومعه راشد بن إياس. فقال المختارُ لابنِ الأشتر: عليك براشْد، وأنا لِشَبَث، فالتقى ابنُ الأشتر لراشد، وأحاط شَبَثُ بنُ رِبعيّ بالمختار وإبراهيم في تسع مئة، وراشدٌ في أربعة آلاف، فحمل نصر ابن خزيمة (١) العبسيّ على راشد، فطعنه فقتله، ثم نادى: قتلتُ راشدًا. ونزلَ فاحتز رأسه، وحمله على رمح، فانهزم أصحابُه. وجاء ابنُ الأشتر وأصحابُه إلى المختار وقد أحاطَ به شَبَثُ بنُ رِبْعيّ، فاقتتلوا وابنُ مطيع قائمٌ بالكُناسَة يجهَزُ الجموش وقد دخل أصحابَ ابنِ مطيع الخوفُ والفشلُ. وحمل المختار في الرَّجَّالة وقد ترجَّل، وكذا ابنُ الأشتر، فانهزم شَبَث بنُ رِبْعيّ ومن معه حتَّى توارَوْا ببيوت الكوفة. واستفحل أمرُ المختار، وجاءَتْه الشيعة من كل مكان، فقال: اطلُبوا القصر. فطلبوه والقتالُ يعمل وابنُ مطيع قائمٌ على الكُناسة، فصاح ابنُ الأشتر: شُدُّوا عليهم، فشدُّوا عليهم، فانهزموا ودخل ابنُ مطيع إلى القصر ومعه وجوهُ أهل الكوفة، فحصروه في القصر ثلاثًا. فقال أصحابُه: ما ترى؟ فالقومُ في إقبال، ونحنُ في إدبار. وقال شَبَث بنُ رِبْعيّ: أيُّها الأمير، الرأيُ أن تأخذَ لنفسك ولمن معك أمانًا. فقال: أكرهُ ذلك والبلادُ كلّها والبصرةُ والعراقُ لابنِ الزُّبير. فقال: أخرج بحيث لا يشعروا بك، واذهب حيث شئتَ. فقال: حتَّى أنظرَ. فلما جاء الليل، حمدَ اللهَ ابنُ مطيع وقال: قد علمتُ أنَّما فعلَ هذا سفهاؤكم وأراذلُكم. أما أولو الفضل منكم فسامعون مطيعون، وأنا مبلّغ ذلك صاحبي ومُعْلِمُه

стр. 3843

طاعتكم وجهادكم عدوَّه، حتَّى كان اللهُ الغالبَ على أمره، وقد أشرتُم عليَّ بالخروج، وقد رأيتُ أنْ أخرجَ في هذه الساعة. فقال له شَبَث بنُ رِبْعيّ: جزاك الله من أمير خيرًا، فقد -واللهِ- عففتَ عن أموالِنا، وأكرمتَ أشرافَنا، ونصحتَ لصاحبك، وقضيتَ الذي عليك، وما كنَّا لنفارقَك إلَّا ونحن منك في إذن. ثم خرج، وخلَّى القصر وما فيه، وقال أصحابه لابن الأشتر: نحن آمِنُون؟ قال: نعم. فخرجوا، فبايعوا المختار (١). وجاء المختار، فدخل القصر، وثابَ إليه النَّاس، فصعد المنبر وقال: الحمد لله الذي وعدَ وليَّه النصر، وعدوَّه الحصر (٢) وعدًا مفعولًا، وقضاءً مقضيًّا، وقد خابَ من افترى، أيُّها النَّاس، إنَّه قد رُفعَتْ لنا راية، ومُدَّتْ لنا غاية، فقيل لنا في الراية أنِ ارْفَعُوها ولا تضعوها، وفي الغاية أنِ اجْرُوا إليها ولا تَعْدُوها. فسمعنا دعوةَ الدَّاعي، ومقالةَ الواعي. وذكر كلامًا [طويلًا] في هذا المعنى وقال: والذي جعل السماء سقفًا مكفوفًا (٣)، والأرضَ فِجاجًا سُبُلًا، ما بايعتُم بيعة بعد بيعةِ عليِّ بن أبي طالب ﵁ وآلِه أهدى من هذه. وبايعه النَّاس على كتاب الله وسنة رسوله، والطلبِ بدماء أهلِ البيت، وجهادِ المُحِلِّين، والدَّفعِ عن الضعفاء والمظلومين. وكان ابن مطيع قد نزل دار أبي موسى، وجاء عبد الله بنُ كامل إلى المختار فقال: أعلمتَ أنَّ ابنَ مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشيء، وكان ابنُ مطيع صديقًا للمختار، فلما جاء المساء بعثَ المختار إلى ابنِ مطيع بمئة أَلْف درهم، وقال له: تجهَّزْ بهذه واذهب، فإنِّي قد علمتُ بمكانك، وأنه ما منعك من الخروج إلَّا ضِيقةُ ذاتِ يدك، فاخْرجْ.

стр. 3844

وأصاب المختار في بيت المال تسعة آلاف أَلْف [درهم] ففرَّقها في أصحابه على أقدارهم، وهم ثلاثةُ آلاف وثمان مئة رجل، فأعطى كلَّ واحد منهم خمس مئة درهم، وقرَّب الأشراف، وأحسنَ إلى النَّاس، فمالوا إليه. واستعملَ على شرطته عبدَ الله بنَ كامل اليشكري (١)، وعلى حرسه كيسان أَبا عَمْرَة. قال أبو مِخْنَف: وأوَّلُ رايةٍ عَقَدَها المختار رايةٌ لعبدِ الله بنِ الحارث أخي إبراهيمَ بنِ الأشتر على أرمينية، وبعثَ محمدَ بنَ عُمير بن عُطارد على أذَرْبيجان، وعبدَ الرَّحْمَن بن سعيد على الموصل، وإسحاقَ بنَ مسعود على المدائن، وسَعْدَ بنَ حذيفة على حُلْوان، وفرَّق عمَّاله في البلاد. وكان عبد الله بنُ الزُّبير قد ولَّى محمَّد بنَ الأشعث بن قيس على الموصل، فلما وصل إليها عبد الرَّحْمَن بن سعيد خرج عنها محمَّد، فنزل تكريت، فأقام بها لينظر ما يؤول إليه [أمرُ] النَّاس، ثم جاء إلى الكوفة، فبايعَ المختار. وكان المختار يجلس فيقضي بين النَّاس، ثم أمر شُرَيحًا، فكان يقضي بين النَّاس، فقال النَّاس: أليس قد عزل عليُّ بنُ أبي طالب شُرَيحًا عن القضاء، وشهد شُرَيح على حُجْر [بن عديّ] وأصحابِه، وكان شُرَيح عثمانيًّا؟ وبلغه قولُ النَّاس، فخاف، فتمارضَ، فجعل المختارُ موضعَه عبدَ الله بنَ عتبة بن مسعود، ثم إن عبد الله مرض، فجعلَ المختارُ مكانَه عبدَ الله بنَ مالك قاضيًا (٢). ذكر مسير جيش المختار إلى ابن زياد، وقيام أهل الكوفة على المختار: روى هشام بنُ محمَّد عن عَوَانة بن الحَكَم الكلبي قال: كان مروان بن الحَكَم قد جعلَ لعبيد الله بنِ زياد لمَّا بَعثه إلى العراق ما غَلَبَ عليه، وأمره بنهب الكوفة ويبيحها ثلاثًا، فمَرَّ بالجزيرة، وبها قيس عَيْلَان (٣) على طاعة ابن الزُّبير، وكان مروان قد أصاب

стр. 3845

قيسًا يوم مَرْج راهط، فأقام ابنُ زياد مشتغلًا بقيس نحوًا من سنة، ثم أقبل إلى الموصل، فانحاز عبدُ الرَّحْمَن بنُ سعيد إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعرِّفُه، فدعا المختارُ يزيد بن أنس وقال له: أَنْتَ صاحبُ الخيل التي تُوردُها منابتَ الزيتون، فاخرجْ (١)، فإنِّي مُمِدُّك بالرِّجال والأموال. فاختارَ من وجوه الفرسان ثلاثة آلاف، وخرج معه المختار يشيِّعُه وقال له: إذا لقيتَ عدوَّك فلا تُناظره، وإذا أمكنَتْك الفرصة فلا تُؤخِّرْها، وليكن خبرُك كلَّ يوم عندي. وسار يزيد بالجيش، فبات بسُورَا (٢)، ثم غدا بهم، فبات بالمدائن، ثم اعترض بهم أرض جُوخَى، وخرجَ بهم على الراذان (٣)، وقطعَ أرضَ الموصل، ونزل ببويلي (٤). وبلغَ ابنَ زياد، فبعثَ إليهم ربيعةَ بنَ المخارق في ثلاثة آلاف، وأردفَه عبدَ الله بنَ حملة الخثعميّ في ثلاثة آلاف. ومرض يزيد بن أنس، فركب على حمار، وجعل يقف على الأرباع يوصيهم ويقول: يَا شرطةَ الله، اصبروا تُؤْجَرُوا، وقاتِلُوا عدوَّكم تظفروا، وإن هلكتُ فأميرُكم ورقاء بنُ عتَّاب (٥) الأسديّ، فإن هلك فأميرُكم عبد الله بنُ ضمرة العُذْري، فإن هلك فأميرُكم سِعْر بن أبي سِعْر الحنفي. وهؤلاء كلُّهم كانوا رؤوس الأرباع. ثم جعل يزيدُ بنُ أنس عبدَ الله بنَ ضمرة العُذْري على ميمنته، وسِعْر بن أبي سعر على ميسرته، وورقة (٦) بن عتَّاب -أو ابن عازب- الأسدي على الخيل، ونزلَ هو فوُضعَ بين الرجال على سرير، ثم قال: قاتِلُوا عن أميركم إن شئتُم، أو فِرُّوا عنه.

стр. 3846

وكان ذلك في يوم عَرَفَة في ذي الحجة سنة ستٍّ وستين، واقتتلوا قبل طلوع الشمس، فلم يرتفع الضحى حتَّى هزموا (١) أهلَ الشام، وحمل ورقاء وعبدُ الله بنُ ضَمْرة على ابن المُخارق، فقتلاه، وحَوَوْا عسكرهم وما فيه، وفرُّوا. وكان ابنُ المخارق قد تقدَّم عبدَ الله بنَ حملة، فالتقى أهلَ الشَّام (٢) عبد الله بنُ حملة، فردَّهم، وأقبلوا معه، فبات مقابلًا لعسكر يزيد بن أنس، ثم أصبحوا على القتال، وذلك في يوم الأضحى، فهزمهم عسكرُ المختار أقبحَ من هزيمة أمسِ، وقتلوهم قتلًا ذريعًا، وانهزمَ ابنُ حملة حتَّى انتهى إلى ابن زياد فأخبره بما لَقُوا (٣). وفي رواية أن عسكر المختار لما هَزَمُوا أهل الشام ترجَّل عبد الله بنُ حملة ونادى: يَا أهل السمع والطاعة الكرَّةَ الكَرَّةَ (٤). فحمل عليه عبد الله بنُ قُراد الخثعمي، فقتلَه، وحَوَى ما في عسكره، وأُتيَ يزيدُ بنُ أنس بثلاث مئة أسير، فضرب أعناقهم. ومات يزيدُ بنُ أنس في آخر النهار، فصلَّى عليه ورقاء بن عازب الأسدي، ودفنَه، فلما رأى أصحابُه ذلك سُقط في أيديهم، وكسرَ موتُه قلوبَهم، فتسلَّلُوا، فقال لهم ورقاء: ماذا ترون؟ هذا عُبيد الله بنُ زياد في ثمانين ألفًا من أهل الشام، فأشيرُوا عليَّ، فإنَّما أنا واحدٌ منكم، فقالوا: قد هلك أميرُنا، وتفرَّقت عنا طائفة تسلَّلُوا من بيننا، فلو انصرفنا من قِبَلِ أنفسِنا من قَبْل لقاء عدوّنا، فيعلمون أنَما (٥) رَدَّنا عنهم هلاكُ صاحبنا، وقد قَتَلْنا منهم أميرين، فلا يزالون لنا هائبين، ولو لقيناهم لكنَّا مخاطرين. فقال: هذا هو الرأي. فرجعوا على حامية لم يفقدوا غير يزيد بن أنس (٦). وبلغ أهلَ الكوفة رجوعُهم، ولم يعلموا السبب، وأُرْجِفَ أهلُ الكوفة بأنه قد هُزموا، فدعا المختارُ إبراهيمَ بنَ الأشتر، فعقدَ له على سبعة آلاف رجل، وقال له: سِرْ

стр. 3847

حتَّى تلقى جيش ابنِ أنس، فارْدُدْهم معك، وسِرْ حتَّى تلقى عدوَّك، فتُناجزَهم. فخرج ابنُ الأشتر، فعسكر بحمَّام أعْيَن. وهذه رواية هشام (١). وقال أبو مِخْنَف (٢): لما مات يزيدُ بنُ أنس اجتمع أشرافُ أهلِ الكوفة وقالوا: قُتل ابنُ أنس، وتأمَّر هذا الرَّجل علينا بغير رضًا منَّا. يعنون المختار. ولقد أدنى عبيدَنا، فأطمعهم فينا. واتَّعدوا منزل شَبَث بن رِبْعيّ، وقالوا: نجتمع في بيت شيخنا وكبيرنا. وكان شَبَث جاهليًّا إسلاميًّا. وتحدَّثوا وقالوا: لم يكن شيء أشدَّ علينا ولا أعظم من جَعْلِ المختار للموالي والعبيد من الفَيء نصيبًا (٣)، فقال لهم شَبَث بنُ رِبْعيّ: دعُوني ألقى المختار. فلقيَه في منزله، فذكر خصالًا نقموها على المختار، فقال: أنا أُرضيهم بكلِّ ما أحبُّوا. قال شَبَث: فتردُّ عبيدَهم إليهم، ولا تجعلُ لهم نصيبًا في الفيء. فقال: أنا أفعل ذلك؛ على أن تُقاتلوا معي بني أمية وابنَ الزُّبير. فقال شبث: ما أدري حتَّى أخرج (٤) إلى أصحابي، وأُفاوضَهم في ذلك. وخرج فلم يعد إليه. واتفقوا على قتال المختار، وهم: شَبَث بن رِبْعيّ، وشَمِر بن ذي الجَوْشَن، ومحمَّد بن الأشعث، وعبد الرَّحْمَن بن سعيد بن قيس، وكعب بن أبي كعب الخثعمي، وأشراف أهل الكوفة، وقالوا: زَعَمَ أن محمَّد بن الحنفية ولَّاه، ولم يكن كذلك. قال: وأشار عليهم عبد الرَّحْمَن بنُ مِخْنَف أن لا تفعلوا، وقال: أخافُ أن تتفارقوا وتتخاذلوا وتختلفوا (٥)، ومع المختار فرسانُكم وشُجعانكم، منهم فلان وفلان، ثم معه مواليكم وعبيدُكم، وكلمتُهم واحدة، وعبيدكم (٦) أشدُّ حنقًا عليكم من عدوّكم، فهو مُقاتِلُكُم بشجاعة العرب، وعدواة العجم، وإن انتظرتموهم قليلًا كُفيتُموهم بقدوم أهل

стр. 3848

الشَّام وعساكر [أهل] البصرة، وتكونوا قد كُفيتُم بغيركم، ولا تجعلوا بأسَكُم بينكم. فقالوا: ننشدك اللهَ أن تُخالفَنا، وتُفسد علينا رأينا. قال: فاصبروا حتَّى يذهب عنه ابنُ الأشتر، ويصلَ ساباط (١). فلما سار ابنُ الأشتر إلى ساباط؛ ثارُوا بالمختار -وتسمى هذه الوقعة وقعة جبَّانة السَّبِيع- فخرج عبد الرَّحْمَن بنُ سعيد بن قيس الهَمْدانيّ في هَمْدان، فنزل جَبَّانَةَ السَّبِيع، وخرج زَحْر بنُ قيس الجُعفي وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث إلى جَبَّانة كِنْدة (٢)، وخرج كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جَبَّانة [بِشْر] وسارَ بِشْر (٣) بن جرير في بَجِيلَة، وخرج شَمِر بن ذي الجَوْشَن في قيس، فنزل جبَّانةَ بني سَلُول، وخرج شَبَث بن رِبْعيّ، ومحمَّد بن الأشعث، وحجَّار بن أبجر، وعَمرو بن الحجَّاج الزَّبيديّ، وقتلةُ الحسين، فنزلوا جَبَّانةَ السَّبِيع، واجتمعوا في مكان واحد، فسُرَّ المختار باجتماعهم في مكان واحد. وبعثَ المختار إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بساباط مع عَمرو بن بُويه (٤) يقول أَلَّا تضعَ كتابي من يدك حتَّى تُقبل بجميع من معك. فركضَ عَمرو بكتابه. وأمر المختارُ أصحابَه بالكفّ عن القتال، فأرسل إليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: زعمتَ أنَّ ابنَ الحنفية أرسلك، ولم يُرسلك. قال: فابعثوا إليه وفدًا يسألونه، وأرادَ مطاولتَهم حتَّى يصلَ ابنُ الأشتر. ووصلَ رسولُ المختار إلى ابن الأشتر عشيَّةَ ذلك [اليوم] فسارَ ليلًا بمن معه، فقدمَ الكوفة في اليوم الثالث من خروجهم على المختار، فسار ابنُ الأشتر على الكُناسة، وسار المختار إلى جَبَّانةِ السَّبِيع، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فظهر عليهم المختار وابنُ الأشتر، وأخذوا منهم خمس مئة أسير، فكان يسألُ عن الرَّجل: هل شهدَ قتلَ

стр. 3849

الحسين؟ فإن قيل: نعم، ضرب عنقه، فقتل عامَّتَهم، ونادَى مُنادِي المختار: مَنْ أغلقَ بابَه فهو آمن، إلَّا رجلًا (١) شَرَكَ في دم آل محمَّد ﷺ . ذكر من قَتَلَ المختارُ من قتلَةِ الحسين ومن هربَ منهم: قال علماء السِّير: ولمَّا سمع النَّاس منادي المختار؛ خرج عَمرو بنُ الحجَّاج الزّبيدي -وكان ممَّن شهد قتل الحسين- فركبَ راحلتَه، وأخذ طريق واقصة، فلم يُر (٢) حتَّى الساعة (٣). وقُتل فرات بن زَحْر بن قيس، وزَحْر هو الذي بعثَه ابنُ زياد برأس الحسين إلى يزيد. وبعث المختارُ غلامًا له يقال له: زِرْبِيّ (٤) في طلب شَمِر بن ذي الجَوْشن، فلحقه ببعض الطريق ومعه جماعة، فقَتَلَ شَمِرٌ زِرْبيًّا ونجا، وكان شَمِر قد نزل ساتِيدَما (٥)، فقُتل هناك، وسنذكره في آخر السنة. وقال أبو مِخْنَف: ولما عاد [المختار] إلى القصر من جبَّانةِ السَّبِيع؛ ناداه سُراقة بنُ مرداس البارقي -وقد أسروه- بأعلى صوته، وكان ممَّن خرج عليه: اسْتُرْ (٦) عليَّ اليومَ يا خَيْرَ مَعَدّ … وخيرَ مَنْ حَنَى (٧) ولبَّى وسَجَدْ

стр. 3850

فأمرَ به المختارُ إلى السجن، ثم أحضره بعد ذلك، فأنشدَه: أَلا أَبْلغْ أَبا إسحاقَ أنَّا … نَزَوْنا نَزْوةً كانَتْ عَلَينا خَرَجْنَا لا نَرى الضُّعفاء شيئًا … وكان خُروجُنا بَطَرًا وحَينَا نَراهُم في مصافِهمُ قليلًا … وهم مِثْلُ الدَّبَى (١) حين التَقَينا ومنها: نُصِرْتَ على عدوِّك كلَّ يومٍ … بكلِّ كتيبةٍ تَنْعَى حُسَينا كنصر محمدٍ في يوم بدرٍ … ويومَ الشِّعْبِ إذْ لاقَى حُنَينَا فأَسْجِحْ إذْ ملكتَ فلو مَلَكْنَا … لَجُرْنا في الحكومة واعتَدَينا تَقَبَّلْ توبةً مني فإنّي … سأشكرُ إنْ جعلتَ النَّقْدَ دَينَا فأراد قتله، فقيل: إنه يحلفُ بالله لقد رأى الملائكة تقاتل على الخيول البُلْقِ بين السماء والأرض، فقال له المختار: فاصعد المنبر فأَعْلمِ المسلمين ذلك. فصعد، فأخبرهم ثم نزل، فخلا به المختار وقال: قد علمتُ أنك لم تَرَ الملائكة، وإنما أردتَ أن لا أقتلَكَ، فاذْهَبْ حيث شئتَ، لا تُفسد عَلَيَّ أصحابي (٢). وخرج أشرافُ الكوفة إلى البصرة وفيهم سُراقةُ بن مِرْداس وهو يقول: ألا أبْلِغْ أَبا إسحاق أنّي … رأيتُ البُلْقَ دُهْمًا مُصْمِتاتِ كفرتُ بوَحْيكُم وجعلتُ نَذْرًا … عليَّ قتالكم حتَّى المماتِ أُرِي عينيَّ ما لم ترأياه … كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ إذا قالوا أقولُ لهم كَذَبْتُم … وإنْ خرجوا لبستُ لهم لذاتي (٣) وفي رواية: أنَّه لما أُسر قال: ما أنتم أسرتُموني، ما أسَرَني إلَّا قومٌ على دوابَّ بُلْق، عليهم ثيابٌ بيض. فقال المختار: أولئك الملائكة. فأطلقَه (٤).

стр. 3851

وسُراقةُ هذا هو الذي أغرى بين الأخطل وجرير حتَّى تهاجيا. وكانت وقعة جَبَّانة السَّبيع يوم الأربعاء لستّ ليال بقين من ذي الحجة سنة ستّ وستين، وانجلت الوقعة عن سبع مئة وثمانين قتيلًا من القبائل (١). وتجرَّدَ المختار لقَتَلَةِ الحسين وقال: إنْ تركتُ منهم أحدًا يمشي على وجه الأرض فأنا الكذَّاب كما سَمَّوْني. اطلُبوا لي قَتَلَةَ الحسين، فإنِّي (٢) لا يطيبُ لي طعامٌ ولا أُسِيغُ (٣) الشَّرابَ حتَّى أُطَهِّرَ الأرضَ منهم، ولا أُبقي في المصر أحدًا. فدُلَّ على جماعة، منهم عبد الله بنُ أسيد بن النَّزَّال الجُهنيّ، ومالك بن نُسير (٤) البَدِّيّ، وحَمَلُ بنُ مالك المحاربيّ، وكانوا بالقادسية، فأُخذوا، فأُدْخِلُوا على المختار، فقال لهم: يَا أعداء الله وأعداءَ كتابه ورسوله وآل بيته، قتلتُم من أُمِرتُم بالصلاة عليه في الصلاة! فقالوا: بُعثنا ونحن كارهون، فامنُنْ علينا. فقال المختار للبَدِّيّ: أنتَ صاحبُ بُرْنُسِهِ؟ فقال عبد الله بن كامل: نعم، هو هو. فقال: اقطعوا يديه ورجليه. ففعلوا، فقال: دعُوه فليضطرب حتَّى يموت. فتُرك، فنزفَ الدمُ حتَّى مات، وقَتَلَ الآخَرَ [ين]، وقتلَ خلقًا كثيرًا ممَّن قاتلَ الحسين وشهدَ قتلَه (٥). وبعثَ أَبا عَمْرَة صاحب حَرَسِه، فأحاطَ بدار خوليّ بن يزيد الأصبحي -وهو الذي حملَ رأس الحسين إلى ابن زياد- فاختبأ في مخرجه، فقال أبو عَمرة لامرأة خولي: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري. وأشارَتْ بيدها إلى المخرج، فدخلوا عليه، وإذا به قد وضع على رأسه قَوْصَرَّة (٦)، فأخرجوه، وأتَوْا به المختار، فقتلَه إلى جانب مَنْ قَتَلَ من أهله، وحرَّقه، وكانت امرأتُه من حضر موت يقال لها: العَيُوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين (٧).

стр. 3852

وقتل المختار عُمر بنَ سعد، وسنذكره في آخر السنة. وبعث المختار عبدَ الله بنَ كامل إلى حكيم بن طُفيل الطَّائيّ السّنْبِسيّ -وكان رمى الحسين بن عليّ بسهم، فكان يفتخر ويقول: رميتُ الحسين بسهم، فتعلَّق بسرباله، وأخذَ سَلَبَ العبَّاس بن عليّ بعد ما قُتل -فأخذه عبد الله بنُ كامل، فاستغاثَ أهلُه بعَدِيّ بنِ حاتم، فقال له ابن كامل: الأمر في هذا إلى المختار. فمضى عديّ إلى المختار، وكان قد شفَّعه في جماعة، فقالت الشيعة لابن كامل: نخاف أنَّ المختار يُشَفِّعُ عديًّا في هذا الخبيث وله من الذنب ما قد علمت، فَدَعْنا نقتُلْه. فقال: افعلوا. فنصبوه غَرَضًا، وقالوا: سلبتَ العبَّاس ثيابَه، واللهِ لَنَسْلُبَنَّكَ ثيابَك وأنت حيّ. فنزعُوها عنه. وقالوا: جعلتَ حُسينًا غَرَضًا لِنَبْلك، وايمُ اللهِ لنفعلنَّ بك كما فعلتَ به. فرَمَوْه رَشْقًا واحدًا حتَّى مات. وكان المختار قد شَّفعَ عَدِيًّا فيه، فلما قتلُوه جرى بين عديٍّ وابنِ كامل كلامٌ (١). وبعث المختار إلى قاتل عليّ بن الحُسين -واسمه مُرَّة بن منقذ العبديّ- فأتاه ابنُ كامل، فأحاطَ بداره، وكان شجاعًا، فخرج إليهم وهو على فرس وبيده رمح، فحملَ عليهم، فطعنَ واحدًا يقال له: عُبيد الله بن نَاجية الشمامي، فصرعه ولم يُضِرْه، وضربه ابنُ كامل بالسيف، فاتَّقاه بيده اليسرى فأسرع فيها [السيف] ثم نجا، ولحق بالبصرة، وشَلَّت يدُه (٢). وبعث المختار عبدَ الله الشاكري إلى قاتل عبد الله بن مسلم بن عَقِيل، واسمُ الرَّجل زيد بن رُقاد، وكان يقول: لقد رميتُ فتًى منهم بسهم، فأثبتُّ كفَّه في جبهته كان يتَّقى بكفِّه النَّبْل، ثم إنني رميتُ الغلام بسهم آخر فقتلتُه، والغلام هو عبدُ الله بنُ مسلم، فلما أحاطوا بداره خرج مُصْلِتًا بسيفه، فقال ابنُ كامل: لا تضربوه بسيف إلَّا بالحجارة. فضربوه حتَّى سقط وبه رمق، فأحرقوه وفيه رُوحٌ بعد. وطلب المختار سنان بن أنس الذي ادَّعى أنَّه قتلَ الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة، فهدم داره (٣).

стр. 3853

وطلب المختار محمَّد بن الأشعث بن قيس، فهرب إلى البصرة (١). واختلفوا في شَبَث بن رِبْعيّ فقال قوم: قتله المختار، وقيل: مات على فراشه. وذكر ابنُ سعد ما يدلُّ عليه، فإنَّه ذكره في الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة وقال (٢): شَبَث بن رِبْعيّ، ويكنى أَبا عبد القدّوس بن حُصين بن عُثيم بن ربيعة بن زيد التَّمِيمِيّ. وحكى ابن سعد (٣) عن الأَعمش قال: شهدتُ جنازة شَبَث بن رِبْعيّ، فأقاموا العبيد على حِدَةٍ، والجواريَ على حِدَةٍ، والخيل على حِدَة، والنُّوقَ على حدةٍ، والبُخْت على حِدَة. وذكر الأصناف قال: ورأيتُهم ينوحون عليه يلتدمون. ولم يذكر تاريخ وفاته، وذكره فيمن روى عن عثمان، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وطلحة والزُّبير، وأسامة بن زيد، وأبي مسعود الأَنْصَارِيّ، وعَمرو بن العاص، وابنِه عبد الله بن عَمرو، ولم يرو عن عُمر وعليّ وابنِ مسعود شيئًا (٤). وسنذكرُ في آخر السنة أعيان قتلة الحسين، وما يتعلق بذلك. فصل وفي هذه السنة بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان جيشًا إلى المدينة لقتال مصعب بن الزُّبير، وبلغ المختارَ، فبعثَ جيشًا لمصعب؛ ظاهرُ الأمر نجدةٌ على عبد الملك، وباطنُ الأمر أنَّه ممكرٌ (٥) بابن الزُّبير. قال هشام عن أبي مِخنف: كان عبد الله بن مطيع لما أُخرج (٦) من الكوفة لم ير القُدوم على ابن الزُّبير مكةَ على ذاك الوجه (٧)، فسار إلى البصرة، وأقام حتَّى قدم عليه

стр. 3854

عمر بن عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام، فأقاما جميعًا بالبصرة، وسبب قدوم عمر بن عبد الرَّحْمَن البصرة؛ أنَّ المختار كتبَ إلى ابن الزُّبير يخادعُه ويقول: قد عرفتَ مناصحتي إياك وجهادي لعدوِّك وما كنتَ أعطيتَني إذا أنا فعلتُ ذلك، فلمَّا وفَيتُ لك لم تَفِ لي بما عاهَدْتَني عليه، وقد رأيتَ منِّي ما رأيتَ، فإنْ تُرِدْ مراجعتي أراجِعْك، وإنْ تُرِدْ مناصحتي أَنْصَحْ لك. والسلام. وإنما قصد المختار أن يستجمعَ له الأمر، وهو لا يُطلع الشِّيعة على ذلك، بل يُظهر أنَّه وزيرُ ابنِ الحنفيَّة. فدعا ابنُ الزُّبير عمر بنَ عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام المخزوميَّ وقال له: اذْهبْ إلى الكوفة، فقد ولَّيتُكَها. قال: فإنَّ المختار بها؟ قال: فإنَّه سامعٌ مطيع. فجهَّزْه بأربعين ألفًا (١)، وعَلِمَ المختار، فبعثَ إليه من الطريق بثمانين ألفًا -وقيل: بسبعين ألفًا (٢) - وقال: اذهبْ حيث شئتَ، ولا تقرب الكوفة، فمضى إلى البصرة. وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بنَ الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختارُ لابن الزُّبير مُكايدٌ ومخادِع، فكتب إلى ابن الزُّبير: قد بلغني أنَّ عبد الملك [بن مروان] قد جهَّزَ جيشًا إلى وادي القُرى، فإنْ أحببتَ أمْدَدْتُك. فكتب إليه ابنُ الزُّبير: إن كنتَ على طاعتي وتبايع النَّاس لي قِبَلَكَ؛ صدَّقْت مقالتَك، وكفَفْتُ جنودي عن بلادك، وعجِّلْ بتسريح الجيش ليَلْقَوْا مَنْ بوادي القُرى. فدعا المختار شُرَحْبيل بنَ وَرْس الهَمداني، فجهَّزَه في ثلاثة آلاف أكثرُهم من الموالي، وقال له: سِرْ حتَّى تأتيَ المدينةَ، فإذا دخَلْتَها فاكتُبْ إليَّ بذلك حتَّى يأتيَك أمري. وكان في عزمه إذا دخلوا المدينة أنْ يبعثَ عليها (٣) أميرًا من قِبَله، ويأمرَ ابنَ وَرْس أن يمضيَ إلى مكَّة، فيحاصرَ ابنَ الزُّبير.

стр. 3855

وخافَ ابنُ الزُّبير مكيدةَ المختار، فأرسلَ من مكةَ عبَّاسَ بن سهل في ألفين، وقال له: إنْ رأيتَ القوم في طاعتي، وإلا فكايدهم حتَّى تُهلكهم. وسار عباس، فالْتَقَوْا على الرَّقَم (١) وشُرَحْبيل على تعبئة، وعبَّاس على غير تعبئة، فقال له عبَّاس: ألستَ في طاعة ابن الزُّبير؟ فقال له ابنُ وَرْس: بلى. قال: فسِرْ بنا إلى عدوِّنا إلى وادي القُرى. فقال ابن وَرْس: إنما أُمرتُ أن آتيَ المدينةَ، فإذا نزلتُها رأيتُ رأيي، وكتبتُ إلى صاحبي فيرى رأيه. فرَدَّدَ عليه القول وهو لا يرجعُ عن الأوَّل، فعلم خلافه، فسكتَ ولم يُظهر له شيئًا ممَّا في نفسه. ومضى فنزل على الماء، وبعثَ إلى ابن وَرْس بجزائر ودقيق وغنم، وكان ابنُ وَرْس قد جاع هو وأصحابُه، فاشتغلوا بالذبح والطبخ، فركب عبَّاس في أصحابه، وحملَ على القوم، فنادى ابنُ وَرْس أصحابَه: إليَّ يَا شُرَطَةَ الله، فإنَّ المُحِلِّين الملحدين قد فجروا وغَدَروْا (٢). فلم يوافِ إليه من أصحابه سوى مئة رجل، فثبتَ وقاتل حتَّى قُتل في سبعين من أهل الحِفاظ، وانهزم الباقون، ومات بعضُهم بالعطش. وقيل (٣): معظمُهم. وبلغ المختارَ، فكتبَ إلى محمَّد بن الحنفية: أما بعد، فإنِّي كنتُ بعثتُ إليك جندًا ليُذِلُّوا لك الأعداء، ويحوزوا لك البلاد، فسارُوا إليك حتَّى إذا أطلُّوا (٤) على طيبة، لَقِيَهم جندُ الملحد، فخدعوهم وغَرُّوهم، حتَّى إذا اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم؛ وثَبُوا عليهم فقتلوهم، فإنْ رأيتَ أنْ أبعثَ (٥) إلى المدينة جندًا كثيفًا، وتبعثُ إليهم من قِبَلِكَ رُسُلًا ليعلم (٦) أهلُ المدينة أنّي في طاعتك، فافعلْ.
следующие страницы →