← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وسُراقةُ هذا هو الذي أغرى بين الأخطل وجرير حتَّى تهاجيا. وكانت وقعة جَبَّانة السَّبيع يوم الأربعاء لستّ ليال بقين من ذي الحجة سنة ستّ وستين، وانجلت الوقعة عن سبع مئة وثمانين قتيلًا من القبائل (١). وتجرَّدَ المختار لقَتَلَةِ الحسين وقال: إنْ تركتُ منهم أحدًا يمشي على وجه الأرض فأنا الكذَّاب كما سَمَّوْني. اطلُبوا لي قَتَلَةَ الحسين، فإنِّي (٢) لا يطيبُ لي طعامٌ ولا أُسِيغُ (٣) الشَّرابَ حتَّى أُطَهِّرَ الأرضَ منهم، ولا أُبقي في المصر أحدًا. فدُلَّ على جماعة، منهم عبد الله بنُ أسيد بن النَّزَّال الجُهنيّ، ومالك بن نُسير (٤) البَدِّيّ، وحَمَلُ بنُ مالك المحاربيّ، وكانوا بالقادسية، فأُخذوا، فأُدْخِلُوا على المختار، فقال لهم: يَا أعداء الله وأعداءَ كتابه ورسوله وآل بيته، قتلتُم من أُمِرتُم بالصلاة عليه في الصلاة! فقالوا: بُعثنا ونحن كارهون، فامنُنْ علينا. فقال المختار للبَدِّيّ: أنتَ صاحبُ بُرْنُسِهِ؟ فقال عبد الله بن كامل: نعم، هو هو. فقال: اقطعوا يديه ورجليه. ففعلوا، فقال: دعُوه فليضطرب حتَّى يموت. فتُرك، فنزفَ الدمُ حتَّى مات، وقَتَلَ الآخَرَ [ين]، وقتلَ خلقًا كثيرًا ممَّن قاتلَ الحسين وشهدَ قتلَه (٥). وبعثَ أَبا عَمْرَة صاحب حَرَسِه، فأحاطَ بدار خوليّ بن يزيد الأصبحي -وهو الذي حملَ رأس الحسين إلى ابن زياد- فاختبأ في مخرجه، فقال أبو عَمرة لامرأة خولي: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري. وأشارَتْ بيدها إلى المخرج، فدخلوا عليه، وإذا به قد وضع على رأسه قَوْصَرَّة (٦)، فأخرجوه، وأتَوْا به المختار، فقتلَه إلى جانب مَنْ قَتَلَ من أهله، وحرَّقه، وكانت امرأتُه من حضر موت يقال لها: العَيُوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين (٧).

стр. 3852

وقتل المختار عُمر بنَ سعد، وسنذكره في آخر السنة. وبعث المختار عبدَ الله بنَ كامل إلى حكيم بن طُفيل الطَّائيّ السّنْبِسيّ -وكان رمى الحسين بن عليّ بسهم، فكان يفتخر ويقول: رميتُ الحسين بسهم، فتعلَّق بسرباله، وأخذَ سَلَبَ العبَّاس بن عليّ بعد ما قُتل -فأخذه عبد الله بنُ كامل، فاستغاثَ أهلُه بعَدِيّ بنِ حاتم، فقال له ابن كامل: الأمر في هذا إلى المختار. فمضى عديّ إلى المختار، وكان قد شفَّعه في جماعة، فقالت الشيعة لابن كامل: نخاف أنَّ المختار يُشَفِّعُ عديًّا في هذا الخبيث وله من الذنب ما قد علمت، فَدَعْنا نقتُلْه. فقال: افعلوا. فنصبوه غَرَضًا، وقالوا: سلبتَ العبَّاس ثيابَه، واللهِ لَنَسْلُبَنَّكَ ثيابَك وأنت حيّ. فنزعُوها عنه. وقالوا: جعلتَ حُسينًا غَرَضًا لِنَبْلك، وايمُ اللهِ لنفعلنَّ بك كما فعلتَ به. فرَمَوْه رَشْقًا واحدًا حتَّى مات. وكان المختار قد شَّفعَ عَدِيًّا فيه، فلما قتلُوه جرى بين عديٍّ وابنِ كامل كلامٌ (١). وبعث المختار إلى قاتل عليّ بن الحُسين -واسمه مُرَّة بن منقذ العبديّ- فأتاه ابنُ كامل، فأحاطَ بداره، وكان شجاعًا، فخرج إليهم وهو على فرس وبيده رمح، فحملَ عليهم، فطعنَ واحدًا يقال له: عُبيد الله بن نَاجية الشمامي، فصرعه ولم يُضِرْه، وضربه ابنُ كامل بالسيف، فاتَّقاه بيده اليسرى فأسرع فيها [السيف] ثم نجا، ولحق بالبصرة، وشَلَّت يدُه (٢). وبعث المختار عبدَ الله الشاكري إلى قاتل عبد الله بن مسلم بن عَقِيل، واسمُ الرَّجل زيد بن رُقاد، وكان يقول: لقد رميتُ فتًى منهم بسهم، فأثبتُّ كفَّه في جبهته كان يتَّقى بكفِّه النَّبْل، ثم إنني رميتُ الغلام بسهم آخر فقتلتُه، والغلام هو عبدُ الله بنُ مسلم، فلما أحاطوا بداره خرج مُصْلِتًا بسيفه، فقال ابنُ كامل: لا تضربوه بسيف إلَّا بالحجارة. فضربوه حتَّى سقط وبه رمق، فأحرقوه وفيه رُوحٌ بعد. وطلب المختار سنان بن أنس الذي ادَّعى أنَّه قتلَ الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة، فهدم داره (٣).

стр. 3853

وطلب المختار محمَّد بن الأشعث بن قيس، فهرب إلى البصرة (١). واختلفوا في شَبَث بن رِبْعيّ فقال قوم: قتله المختار، وقيل: مات على فراشه. وذكر ابنُ سعد ما يدلُّ عليه، فإنَّه ذكره في الطَّبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة وقال (٢): شَبَث بن رِبْعيّ، ويكنى أَبا عبد القدّوس بن حُصين بن عُثيم بن ربيعة بن زيد التَّمِيمِيّ. وحكى ابن سعد (٣) عن الأَعمش قال: شهدتُ جنازة شَبَث بن رِبْعيّ، فأقاموا العبيد على حِدَةٍ، والجواريَ على حِدَةٍ، والخيل على حِدَة، والنُّوقَ على حدةٍ، والبُخْت على حِدَة. وذكر الأصناف قال: ورأيتُهم ينوحون عليه يلتدمون. ولم يذكر تاريخ وفاته، وذكره فيمن روى عن عثمان، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وطلحة والزُّبير، وأسامة بن زيد، وأبي مسعود الأَنْصَارِيّ، وعَمرو بن العاص، وابنِه عبد الله بن عَمرو، ولم يرو عن عُمر وعليّ وابنِ مسعود شيئًا (٤). وسنذكرُ في آخر السنة أعيان قتلة الحسين، وما يتعلق بذلك. فصل وفي هذه السنة بعثَ عبدُ الملك بنُ مروان جيشًا إلى المدينة لقتال مصعب بن الزُّبير، وبلغ المختارَ، فبعثَ جيشًا لمصعب؛ ظاهرُ الأمر نجدةٌ على عبد الملك، وباطنُ الأمر أنَّه ممكرٌ (٥) بابن الزُّبير. قال هشام عن أبي مِخنف: كان عبد الله بن مطيع لما أُخرج (٦) من الكوفة لم ير القُدوم على ابن الزُّبير مكةَ على ذاك الوجه (٧)، فسار إلى البصرة، وأقام حتَّى قدم عليه

стр. 3854

عمر بن عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام، فأقاما جميعًا بالبصرة، وسبب قدوم عمر بن عبد الرَّحْمَن البصرة؛ أنَّ المختار كتبَ إلى ابن الزُّبير يخادعُه ويقول: قد عرفتَ مناصحتي إياك وجهادي لعدوِّك وما كنتَ أعطيتَني إذا أنا فعلتُ ذلك، فلمَّا وفَيتُ لك لم تَفِ لي بما عاهَدْتَني عليه، وقد رأيتَ منِّي ما رأيتَ، فإنْ تُرِدْ مراجعتي أراجِعْك، وإنْ تُرِدْ مناصحتي أَنْصَحْ لك. والسلام. وإنما قصد المختار أن يستجمعَ له الأمر، وهو لا يُطلع الشِّيعة على ذلك، بل يُظهر أنَّه وزيرُ ابنِ الحنفيَّة. فدعا ابنُ الزُّبير عمر بنَ عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن هشام المخزوميَّ وقال له: اذْهبْ إلى الكوفة، فقد ولَّيتُكَها. قال: فإنَّ المختار بها؟ قال: فإنَّه سامعٌ مطيع. فجهَّزْه بأربعين ألفًا (١)، وعَلِمَ المختار، فبعثَ إليه من الطريق بثمانين ألفًا -وقيل: بسبعين ألفًا (٢) - وقال: اذهبْ حيث شئتَ، ولا تقرب الكوفة، فمضى إلى البصرة. وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك بنَ الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختارُ لابن الزُّبير مُكايدٌ ومخادِع، فكتب إلى ابن الزُّبير: قد بلغني أنَّ عبد الملك [بن مروان] قد جهَّزَ جيشًا إلى وادي القُرى، فإنْ أحببتَ أمْدَدْتُك. فكتب إليه ابنُ الزُّبير: إن كنتَ على طاعتي وتبايع النَّاس لي قِبَلَكَ؛ صدَّقْت مقالتَك، وكفَفْتُ جنودي عن بلادك، وعجِّلْ بتسريح الجيش ليَلْقَوْا مَنْ بوادي القُرى. فدعا المختار شُرَحْبيل بنَ وَرْس الهَمداني، فجهَّزَه في ثلاثة آلاف أكثرُهم من الموالي، وقال له: سِرْ حتَّى تأتيَ المدينةَ، فإذا دخَلْتَها فاكتُبْ إليَّ بذلك حتَّى يأتيَك أمري. وكان في عزمه إذا دخلوا المدينة أنْ يبعثَ عليها (٣) أميرًا من قِبَله، ويأمرَ ابنَ وَرْس أن يمضيَ إلى مكَّة، فيحاصرَ ابنَ الزُّبير.

стр. 3855

وخافَ ابنُ الزُّبير مكيدةَ المختار، فأرسلَ من مكةَ عبَّاسَ بن سهل في ألفين، وقال له: إنْ رأيتَ القوم في طاعتي، وإلا فكايدهم حتَّى تُهلكهم. وسار عباس، فالْتَقَوْا على الرَّقَم (١) وشُرَحْبيل على تعبئة، وعبَّاس على غير تعبئة، فقال له عبَّاس: ألستَ في طاعة ابن الزُّبير؟ فقال له ابنُ وَرْس: بلى. قال: فسِرْ بنا إلى عدوِّنا إلى وادي القُرى. فقال ابن وَرْس: إنما أُمرتُ أن آتيَ المدينةَ، فإذا نزلتُها رأيتُ رأيي، وكتبتُ إلى صاحبي فيرى رأيه. فرَدَّدَ عليه القول وهو لا يرجعُ عن الأوَّل، فعلم خلافه، فسكتَ ولم يُظهر له شيئًا ممَّا في نفسه. ومضى فنزل على الماء، وبعثَ إلى ابن وَرْس بجزائر ودقيق وغنم، وكان ابنُ وَرْس قد جاع هو وأصحابُه، فاشتغلوا بالذبح والطبخ، فركب عبَّاس في أصحابه، وحملَ على القوم، فنادى ابنُ وَرْس أصحابَه: إليَّ يَا شُرَطَةَ الله، فإنَّ المُحِلِّين الملحدين قد فجروا وغَدَروْا (٢). فلم يوافِ إليه من أصحابه سوى مئة رجل، فثبتَ وقاتل حتَّى قُتل في سبعين من أهل الحِفاظ، وانهزم الباقون، ومات بعضُهم بالعطش. وقيل (٣): معظمُهم. وبلغ المختارَ، فكتبَ إلى محمَّد بن الحنفية: أما بعد، فإنِّي كنتُ بعثتُ إليك جندًا ليُذِلُّوا لك الأعداء، ويحوزوا لك البلاد، فسارُوا إليك حتَّى إذا أطلُّوا (٤) على طيبة، لَقِيَهم جندُ الملحد، فخدعوهم وغَرُّوهم، حتَّى إذا اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم؛ وثَبُوا عليهم فقتلوهم، فإنْ رأيتَ أنْ أبعثَ (٥) إلى المدينة جندًا كثيفًا، وتبعثُ إليهم من قِبَلِكَ رُسُلًا ليعلم (٦) أهلُ المدينة أنّي في طاعتك، فافعلْ.

стр. 3856

فكتب إليه ابنُ الحنفية: أما بعد، فإنِّي لو أردتُ القتال لوجدتُ النَّاس سراعًا إليَّ والأعوانَ كثيرًا، ولكنّي قد اعتزلتُ النَّاس، وصبرتُ حتَّى يحكم الله، وهو خير الحاكمين. وقال لرسول المختار إليه -واسمه صالح بن مسعود- قل له: فليتَّقِ الله، وليكفَّ عن الدماء (١)، وعليه بطاعة الله (٢). وفيها حبسَ عبد الله بنُ الزُّبير محمد بن الحنفيَّة ومن كان معه من أهل بيته وسبعةَ عشرَ (٣) رجلًا من أشراف الكوفة. وسببُه ما حكاه هشام بن محمَّد عن أبي مِخْنَف أنَّ ابنَ الزُّبير أرسل إليهم: بايِعُوا. فقالوا: حتَّى يجتمع النَّاس على إمام (٤)، فحبَسَهم، وتوعَّدهم بالقتل والحريق، وضربَ لهم أجلًا لئن لم يبايعوا فيه ليحرقنَّهم، وحبسَهم في زمزم. فأرسلوا إلى المختار، وأخبرُوه بالحال، وقالوا: قد تَواعَدَنا بالقتل والحريق، فلا تخذُلُونا كما خذلتُم الحسين وأهلَ بيته. فلما وصل كتابُه (٥) إلى المختار؛ جمع الشيعة، وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهديِّكم وصريحُ أهل بيت نبيّكم ﷺ ، وقد أصبح محصورًا ينتظرُ القتل والحريق. وقال: لستُ أَبا إسحاق إن لم أنصره نصرًا مؤزَّرًا. ثم سجع فقال: وأُسَرِّبُ إليهم الخيل في إثر الخيل، كالسَّيلِ يتلُوه السَّيل، حتَّى يَحُلَّ بابنِ الكاهليَّة الوَيل. ثم جهَّز إليهم أَبا عبد الله الجَدَليّ، وظَبْيَان بن عثمان (٦) التَّمِيمِيّ، وعُمير بن طارق، وغيرهم، في مئة وخمسين فارسًا أوَّلَا فأوَّل (٧)، ويُسمَّوْن الخشبيَّة؛ لأنهم كانوا يقاتلون بالخشب، فقدموا مكة وهم ينادون: يَا لثَارات الحسين. فأَتَوْا زمزم وقد أعدَّ ابنُ الزُّبير

стр. 3857

الحطب على بابها، وقد بقيَ من الأجل يومان. فكسروا بابَ زمزم، ودخلوا على ابنِ الحنفيَّة، فقالوا: خَلِّ بيننا وبين القوم. فقال: إنِّي لا أستحلُّ القتال في حَرَم الله. وخافَهم ابنُ الزُّبير (١)، وخَرجَ ابنُ الحنفيَّة ومن معه إلى شِعبِ عليّ، وتتابعت جيوش المختار، حتَّى صار محمَّد في أربعة آلاف، وقدموا معهم بمال من عند المختار، فقسمه محمَّد في ذلك الجيش (٢). وقيل: إنَّ ابنَ الزُّبير امتنعَ من إخراجهم حتَّى يُبايعوا، فقال له أبو عبد الله الجَدَليّ: وربِّ الرُّكن والمقام، والحِلِّ والحرام، لتنتهينَّ أو لنُجالِدَنَّك (٣) بأسيافنا جِلادًا يرتابُ منه المبطلون. ثم قالوا لمحمد: خلِّ بيننا وبين المُحِلّ (٤). فنهاهم عن القتال. وقد أخرج البخاريُّ (٥) أنَّ ابنَ الزُّبير لمَّا دعاهم إلى البيعة قال ابنُ عبَّاس: وأين بهذا الأمر عنه؟ وأبوه حواريُّ رسول الله ﷺ . وسنذكرُ الحديث فيما بعده وقال الهيثم: إنَّما حبسَهم في حبس عارم (٦). فصل وفيها جهَّز المختار إبراهيمَ بنَ الأشتر لقتال أهل الشَّام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ستّ وستين، وقيل: سلخ ذي الحجة، وجهَّز معه وجوه أصحابه وفرسانهم وذوي البصائر منهم ممَّن قد شهد الحروب. وخرج المختار يشيِّعُه والكرسيُّ (٧) بين يديه، وكان سادنُه حَوْشَب البُرْسُمي (٨)، والمختار يقول:

стр. 3858

أَمَا وربِّ المُرْسَلاتِ عُرْفا … لَنَقتُلَنَّ بعدُ صفًّا (١) صفَّا وبعدَ أَلْفٍ قاسطين ألفا ثم أوصى ابنَ الأشتر فقال: إذا لقيتَ عدوَّك فَنَاجِزْهم ساعةَ تَلْقاهُم، وإنْ لقيتَهم ليلًا أو نهارًا؛ فناجزهم حتى يحكم الله بينك وبينهم. ثم عاد إلى الكوفة، وباتَ ابنُ الأشتر بحمَّام أعين، ومنه سار في جيشٍ كثيف (٢). حديث الكرسي الذي كان يستنصر به المختار: واختلفوا فيه؛ فقال قوم: إن هذا الكرسيَّ كان لرجل زيَّات من أهل الكوفة، فقال الطُّفيل بن جَعْدة بن هُبيرة: احتجتُ إلى شيء من الورق [لكي أنتفع به] وكان الزيَّات جارًا لي وقد علاه الوسخ عنده، فخطر ببالي لو كان للمختار في هذا شيء. فقلتُ للزيَّات: أرْسِلْ إليَّ بالكرسي. فأرسَلَه (٣) إليّ، فأتيتُ المختار، فقلت له: ها هنا كرسي فيه أثارَةٌ من علم؛ كان يجلسُ عليه جَعْدة بنُ هبيرة (٤). وقال أبو اليقظان: إنَّ الطفيل قال للمختار: إنَّ هذا الكرسيّ كان لأمير المُؤْمنين عليّ. فقال: عليَّ به. فحُمل إليه، فأمر للطُّفيل باثني عشر ألفًا. ثم دخل المختارُ المسجد، وصَعِدَ المنبر واجتمع النَّاس، وقد غشَّى الكرسيَّ بالديباج، فقال: أيُّها النَّاس، إنه لم يكن في الأمم الخالية أمرٌ إلَّا وكان في هذه الأمة مثلُه، وقد كان في بني إسرائيل التابوت، فيه بقيَّةٌ مما ترك آلُ موسى وآلُ هارون، وإنَّ هذا فينا مثلُ التابوت، اكشفوا عنه، [فكشفوا عنه] أثوابَه، وقامت السَّبئيَّة، فرفعوا أيديَهم وكبَّروا ثلاثًا، وقام شَبَث بن رِبعي، فقال: يَا معشر مضر، لا تكفروا بالله العظيم. فضربوه وأخرجوه (٥). وروى هشام عن أبي مِخْنَف أنَّ المختار قال لآل جَعْدة بن هُبيرة بن أبي وَهْب المخزومي -وكانت أمُّ جَعْدة بن (٦) هُبيرة أمَّ هانئ بنت أبي طالب-: ائتوني بكرسيّ

стр. 3859

عليّ بن أبي طالب. فقالوا: لا والله، ما هو عندنا، وما ندري من أين نجيء به (١). فقال: لا بدّ. فجاؤوه بكرسيّ، فقَبِلَه منهم، وغشَّاه بالحرير والدِّيباج. وكان أول من سَدَنَهُ موسى بن أبي موسى الأَشْعريّ، وأمُّه أمُّ كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطَّلب، ثم سَدَنَه بعد ذلك حَوْشَب البُرْسُمي، إلى أن هلك المختار (٢). وبنو جَعْدة أصهارُ عليٍّ ﵇. ثم إن المختار غشَّاه بالحرير والدِّيباج، وحلَّاه بالذَّهب والفضة، وكان المختار إذا قاتل قدَّمه بين يديه، ودعا يستنصر (٣) به، وتؤمِّنُ السَّدَنةُ على دعائه: وكان من دعائه: اللهمَّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفَهاء منَّا، اللهمَّ انْصُرْنا على من ناوأنا (٤). وكان يقدِّمُه [بين يديه مثل تابوت بني إسرائيل، وكان] بين يديه يومَ جبَّانة السَّبِيع، فنُصر على القوم، فافتُتن النَّاسُ به (٥). فصل: وحجَّ بالنَّاس في هذه السَّنَة عبد الله بنُ الزُّبير، وكان على المدينة أخوه مصعب بنُ الزُّبير من قِبَلِ أخيه عبدِ الله، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بنُ هُبيرة، وكان على الكوفة المختار قد غلب عليها، وعلى خُراسان عبد الله بن خازم (٦).

стр. 3860

وعلى الشَّام عبدُ الملك بن مروان وعماله، وعلى مصر عبد العزيز بن مروان، وعلى أرمينية والجزيرة محمَّد بنُ مروان، وعُبيدُ الله بنُ زياد نازلٌ بأرض الموصل. وفيها توفيّ أسماء بنُ حارثة ابن سعيد بن عبد الله بن غياث من بني أفصى، من الطَّبقة الثالثة من المهاجرين (١)، وكنيتُه أبو هند (٢). وكان هو وأخوه هند بن حارثة ملازمَين لخدمة رسول الله ﷺ ، ومن أهل الصُّفَّة؛ لأنَّهما كانا فقيرَين. وقال ابنُ سعد (٣): وذكر بعض أهل العلم أنَّهم كانوا ثمانية إخوة، صحبوا النَّبِيّ ﷺ ، وشهدوا (٤) معه بيعة الرِّضوان، وهم: أسماء، وهند، وخِداش، وذؤيب، وحُمْران، وفَضَالة، وسَلَمة، ومالك، بنو حارثة بن سعيد. واختلفوا في وفاة أسماء بن حارثة، فقال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ستّ وستين وهو ابنُ ثمانين سنة. قال: وسمعتُ أنَّه مات بالبصرة في أيام معاوية وولاية زياد عليها، وله صحبةٌ ورواية (٥). وأخرج له ابنُ سعد حديثًا (٦). قال: ومن ولد أسماء بن حارثة غَيلانُ بن عبد الله بن أسماء بن حارثة، وكان من قُوَّاد أبي جعفر المنصور، وكان له ذكر في دعوة بني العبَّاس (٧).

стр. 3861

وليس في الصَّحَابَة من اسمه أسماء سوى رجلين، أحدهما هذا، والثاني: أسماء بن وثَّاب (١)، له رواية (٢). قال ابنُ سعد: وأمَّا هند أخو أسماء فمات في خلافة معاوية بالمدينة (٣). وفيها تُوفِّي. أسماء بن خارجة ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفَزَاريّ، أحدُ الأجواد، من الطَّبقة الأولى من التابعين، من أهل الكوفة، وكنيتُه أبو حسَّان، وكان قد ساد الناس بمكارم الأخلاق. ذكر طرف من أخباره: حكى أبو القاسم ابن عساكر قال: أتى الأخطل الشَّاعر إلى عبد الملك بن مروان، فسأله في حمالاتٍ تحمَّلها عن قومه، فأبى أن يُعطيَه إيَّاها، وعرض عليه نصفها، فأبى، وقدم العراق، فسألَها بشر بن مروان أخا عبد الملك، فقال له كما قال عبد الملك، فأتى أسماء بنَ خارجة، فسألَه إيَّاها، فتحمَّل عنه الكلّ [بعد أن أكرمه، وأجازه بجوائز سنيَّة] فقال: إذا ما (٤) ماتَ خارجةُ بن حصن … فلا مَطَرَتْ على الأرض السماءُ ولا رجعَ البشيرُ بغُنْم جيشٍ … ولا حَمَلَتْ على الطُّهْر النساءُ فيومٌ منك خيرٌ من رجالٍ … كثيرٍ حولَهم نَعَمٌ وشَاءُ فبورك في بَنِيك وفي بنيهم … وإن كثُروا ونحن لك الفِداءُ

стр. 3862

وبلغَ عبدَ الملك فقال: عرَّضَ بنا الخبيث (١). وقوله: خارجة بن حصن: فإنَّما أراد أسماء بن خارجة بن حصن، فحذفَ المضاف، وأقامَ المضاف إليه مُقامه. قلت: حذفُ الاسم غيرُ مستحسن، ولو قال:، إذا ما مات أسماءُ بنُ حصن، كان أحسن؛ لأنَّ نسبتَه إلى جدِّه أولى من حذف اسمه بمرَّة (٢). واختلفوا في قائل الأبيات، فقيل: إنَّها للقَطامي (٣). وذكر أبو الفرج الأَصْبهانِيّ (٤) أنها لعبد الله بن الزَّبِير -بفتح الزاي- الأسدي. وقال عبد الله بنُ بكر السهمي: لمَّا أراد أسماءُ بن خارجة أن يُهْدِيَ ابنتَه إلى زوجها قال لها: يَا بُنيَّة، كُوني لزوجك أَمَةً يكنْ لكِ عبدًا، ولا تدني منه فَيَمَلَّكِ، ولا تَتَباعَدِي عنه فيَتَغيَّرَ عليكِ، وكُوني له كما قلتُ لأمِّك [حين صحبتُها]: خُذِي العفو مني تستديمي مودَّتي … ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضبُ فإنِّي رأيتُ الحبَّ في الصدر والأَذَى … إذا اجتمعا لم يلبث الحبُّ يذهبُ وقال الرِّياشي: قال أسماء بن خارجة لامرأته: اخْضِبِي لحيتي. فقالت: إلى كم نَرْقَعُ منك ما قد خَلَقَ؟ فقال: عَيَّرتِني خَلَقًا أَبْلَيْتِ (٥) جِدَّتَهُ … وهَلْ رَأَيتِ جديدًا لم يَعُدْ خَلَقَا كما لَبِسْتِ جديدي فالْبَسِي خَلَقي … فلا جديدَ لمن لا (٦) يلبَسُ الخَلَقَا وحكى أبو اليقظان قال: دخلَ أسماءُ بنُ خارجة على عبد الملك بن مروان، فقال له: بِمَ سُدْتَ النَّاس؟ فقال: هو من غيري أحسن. قال: لقد بلغني عنك خصال شريفة،

стр. 3863

فأنا عزمتُ عليك إلَّا ذكرتَ بعضها. فقال: أمَّا إذْ عزمتَ عليَّ؛ فَنَعَمْ. فقال عبد الملك: هذه أوَّلُها. فقال أسماء: ما سألني أحدٌ حاجة إلَّا ورأيتُ الفضلَ له عليَّ، ولا دعوتُ أحدًا إلى طعام إلَّا ورأيتُ له المِنَّةَ عليَّ، ولا جلسَ إليّ رجل إلَّا ورأيتُ له الفضلَ عليَّ، ولا تقدَّمتُ جليسًا بركبةٍ قط، ولا قصدَني قاصدٌ في حاجة إلَّا وبالغتُ في قضائها، ولا شتمتُ أحدًا قطُّ؛ لأنه إنَّما يشتمُني أحدُ رجلين؛ إمَّا كريمٌ فكانت منه هفوة، فأنا أحقُّ بغفرها، وإمَّا لئيم، فأصونُ عرضي عنه، فقال له عبد الملك: حُقَّ لك أن تكون (١) سيِّدًا شريفًا (٢). وقال ابن الكلبي: خرج أسماءُ بن خارجة في أيام الرَّبيع إلى ظاهر الكوفة، فنزل في رياض مُعْشِبَة، وهناك رجلٌ من بني عبس نازلٌ، فلما رأى قِبابَ أسماءَ وأبنيتَه؛ قَوَّضَ أبنيتَه ليرحل، فقال له أسماء: ما شأنُك؟ فقال: لي كلبٌ هو أحبُّ إليَّ من ولدي، وأخاف أنْ يُؤذِيَكُم فيقتلَه بعضُ غلمانكم (٣). فقال له: أقِمْ، وأنا ضامنٌ لكلبك. ثم قال لغلمانه: إذا رأيتُم كلبَهُ قد ولَغ في قدوري وقِصاعي فلا تُهِيجُوه. وأقامَ على ذلك مدَّة، ثم ارتحل أسماء، ونزل الروضةَ رجلٌ من بني أسد، وجاء الكلب على عادته، فضربَه الأسديُّ فقتلَه، فجاء العبسي إلى أسماء، وقال له: أنتَ قتلتَ كلبي. قال: وكيف؟! قال: عوَّدْتَه عادةً ذهب يرومُها من غيرك فقُتل. فأمرَ له بمئة ناقة دِيَة الكلب (٤). وكانت وفاة أسماء في هذه السنة وهو ابنُ ثمانين سنة (٥). أسند عن عليٍّ، وابنِ مسعود، وروى عنه ابنُه مالك بن أسماء، وعليّ بنُ ربيعة الأسدي.

стр. 3864

وفيها هلك شَمِر بن ذي الجَوْشَن الضِّبابي، حيّ (١) من بني كلاب. وذكر ابنُ سعد أباه ذا الجَوْشَن، فقال: اسمه شُرحبيل بن الأعور بن عَمرو بن معاوية، وهو الضِّباب -بكسر الضاد- ابن كلاب بن ربيعة. قال ابن سعد بإسناده عن عيسى بن يونس عن أَبيه، عن جده، عن ذي الجَوْشَن الضِّبابي قال (٢): قدمتُ على رسول الله ﷺ بعد ما فرغ من بدر، فقلتُ: أتيتُك بابن القَرْحاء -يعني فرسه- فخُذْه، وكان يومئذٍ مشركًا، فقال له رسول الله ﷺ : "لا آخذُه، وإنْ شئتَ أنْ أقضيَك (٣) به المختار من دروع بَدْر؛ فعلتُ" (٤). فقلتُ: ما كنتُ لأقضيَك اليوم فرسًا بدرع (٥). قال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: ثم أسلم بعد ذلك. وفي رواية ابن سعد أَيضًا أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال لذي الجَوْشَن: "هل لك أن تكون من (٦) أوائل هذا الأمر؟ ". قال: لا. قال: "فما يمنعُك؟ " قال: رأيتُ قومك قد كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك، فانظرُ، فإنْ ظهرتَ عليهم آمنت بك واتَّبعتُك، وإن ظهروا عليك لم أتَبِعْك. فقال له رسول الله ﷺ : "لعلَّك إنْ بَقِيتَ قريبًا سترى ظهوري عليهم". قال ذو الجَوْشَن: فواللهِ إنِّي لَبِضَرِيَّةٍ (٧)؛ إذا براكب قد أقبل من مكة، قلنا: ما الخبر؟ قال: ظهر مُحَمَّدٌ على أهل مكة.

стр. 3865

قال: وكان ذو الجوشن يتوجَّع على تركه الإسلام حين دعاه رسول الله ﷺ إليه. وهذه رواية ابن سعد. وقال ابن البَرْقي: اسم ذي الجوشن أوس بن الأعور، والضّبابي لقب أحد أبويه (١) اسمه ضَبّ، فنسبوه إليه. وقال أبو إسحاق السَّبِيعي: إنما سُمِّي بذي الجَوْشن لأن صدره كان ناتئًا. وقال ابن سعد عن أبي إسحاق قال (٢): كان شَمِر بن ذي الجوشن لا يكادُ يصلّي معنا، ويجيء بعد الصلاة، فيصلي، ثم يقول: اللهمَّ اغْفر لي فإنِّي كريم لم تلدني اللئام. قال: فقلت له: إنك لسيِّئُ الرأي يومَ تُسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله ﷺ . فقال: دعنا يَا أَبا إسحاق، فلو كنَّا كما تقول أَنْتَ وأصحابُك، لكنَّا شرًّا من الحُمُر السُّقاة (٣). ذكر مقتله: قد ذكرنا أن المختار بعث غلامَه زِرْبيًّا (٤) في طلب شَمِر، وأنَّ شَمِر طعنَه فقتلَه، ومضى حتَّى نزل بساتيدَما (٥). قال أبو مِخْنَف: فنزل إلى جانب قرية يقال لها: الكلتانيَّة (٦) على شاطئ نهر إلى جانبه تلّ، فأرسل إلى تلك القرية، فأخذ منها عِلْجًا، فضربه، ثم قال: النَّجاء بكتابي هذا إلى مصعب بن الزُّبير [بالبصرة، وكتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزُّبير] من شَمِر ابن ذي الجَوْشن. قال: فمضى العِلْجُ حتَّى دخلَ قرية، وفيها أبو عَمْرة، وقد كان المختار بعثه إلى تلك القرية ليكون مَسْلَحَةً له فيها خوفًا من البصرة، فلقيَ ذلك العِلْجُ عِلْجًا، فوقف معه

стр. 3866

يشكو إليه ما لقيَ من شَمِر، ومرَّ رجل من أصحاب أبي عَمْرة، فرأى الكتابَ مع العِلْج، فقرأ عنوانَه، فقال: وأين صاحبُ هذا الكتاب؟ قال: في الكلتانية، وإذا بينهم وبينها ثلاثة فراسخ، فأقبلُوا يسيرون إليه. قال مسلم بن عبد الله الضِّبابي: وكنتُ مع شَمِر في تلك الليلة، فقلت: لو ارتحلتَ بنا من هذا المكان، فإنَّا نتخوَّف. فقال: كلُّ هذا فَرَقًا مَن الكذَّاب! واللهِ لا أَتحوَّلُ منه ثلاثة أيام، ملأَ الله قلوبكم رعبًا. قال: وكان في ذلك المكان دَبَىً كثير، فبينما أنا بين النائم واليقظان؛ إذ سمعتُ وَقْعَ حوافر الخيل، فقلت: هذا صوتُ الدَّبَى، ثم إنني سمعتُه أشدَّ من ذلك، فقمتُ وإذا بهم قد أشرفوا علينا من التلّ وكبَّروا، ثم أحاطوابنا، وخرجنا نشتدّ على أرجلنا، وتركنا خيلَنا. قال: فآتي على شَمِر وإنَّه لمشتمل ببُرْد محقَّق خَلِق، وكان أبرص، وكأني أنظر إلى بياض كَشْحَيهِ من فوق البُرْد، وإنه ليُطاعنُهم بالرُّمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحَه وثيابه. قال: فمضينا وتركناه، فما هو إلا أن مكثتُ ساعة إذ سمعتُ: اللهُ أكبر، قُتل الخبيثَ (١). وقال الهيثم: ولما أحاطوا به قاتل (٢)، فأثخنوه، وذبحوه، وأوطأ أبو عَمْرَةَ الخيل على ظهره وبطنه. وقال أبو اليقظان: خرج عليهم وبيده السيف وهو يقول: أنا قاتل الحسين بن علي، فحمل عليه عبد الرحمن بنُ عبد الله الهَمْداني، فطعنه، فأنفذه، ونزل فذبحه، وبعث برأسه إلى المختار، وألقى جُثَّته فأكلتها الكلاب (٣).

стр. 3867

وفيها توفّي عُمر (١) بنُ سعد بن أبي وقَّاص قد ذكرنا أن عُمر بن سعد لمَّا أقبل على أبيه وهو نازل بالعقيق ورآه من بعيد قال: أعوذ بالله من شرِّ هذا الراكب (٢). وقال الهيثم: كان سعد بنُ أبي وقَّاص جالسًا يومًا، فجاءه غلامٌ له ودمُه يسيلُ على عقبيه، فقال له سعد: مَنْ فعلَ بك هذا؟ فقال: عمر. فقال سعد: اللهمَّ اقْتُلْه، وأَسِلْ دَمَه. وكان سعدٌ مستجابَ الدعوة (٣). ففعل به المختارُ ذلك. ذكر مقتله: حكى أبو مِخْنَف قال: قال المختار يومًا لجلسائه: لأقتلنَّ [غدًا] (٤) رجلًا عظيم القدمين، غائرَ العينين، مشرفَ الحاجبين، يسرُّ مقتلُهُ المؤمنين والملائكة المقرَّبين. قال: وكان الهيثم بن الأسود النَّخَعي عند المختار، فوقع في نفسه أنَّه يريد عُمر بن سعد، فأرسلَ إليه مع ابنه العُرْيان وقال: خُذْ حذرَك، فما يريد غيرَك. فقال: بعد أن أعطاني العهود والمواثيق! وكان المختار أوَّلَ ما ظهر؛ كلَّمه عبدُ الله بنُ جَعْدة بن هُبيرة -وكان عنده كريمًا لقرابته من عليّ ﵇ فقال: أُريد أمانًا لعُمر بن سعد. فكتب إليه أمانًا، مضمونُهُ: هذا أمانٌ لعُمر بن سعد من المختار أنَّه آمنٌ على نفسه ومالِه وأهلِه وولده ما أطاعَ ولزمَ رَحْلَه ومصره ما لم يُحْدِثْ حَدَثًا. وأشهدَ فيه عبدَ الله ابنَ شدَّاد، وعبدَ الله بنَ كامل، وغيرَهما. قالوا: وأراد المختار بقوله: ما لم يُحْدِثْ حَدَثًا أي: يأتي الخلاء. ولما بعث إليه الهيثمُ مع ابنه العُريان؛ خرج ليلًا من رَحْلِه ومنزله إلى حمَّام (٥)، فقال له بعضُ مواليه: ما تُريد؟ فأخبره، فقال: وأيُّ حَدَث أعظمُ ممَّا أتيتَ؟ خرجتَ عن رَحْلك ومنزلك، ارجع إلى رَحْلك. فرجع.

стр. 3868

وأُخبر المختار بانطلاقه، فقال: كلَّا، إنَّ في عنقه سلسلةً تردُّه أن ينطلق (١). وأصبح المختار، فجلس على كرسيِّه، وبعث أبا عَمْرة إلى عُمر وقال: ائتني به، فقد نكث وأرادَ الخروج عليَّ. وفي رواية: فلما أصبح عُمر بعث بابنه حفص بن عمر إلى المختار، فقال له: إن أبي يقول لك: هل أنتَ مقيم على أمَانك؟ فقال: اقعدْ. ثمَّ قال لأبي عَمْرة: اذهب فائتني برأسه. فجاء إليه وقال: أجِبْ الأمير. فقام ليلبس جُبَّتَه، فعثرَ فيها، فضربه أبو عَمْرة بسيفه، فأبانَ رأسَه، وجاء برأسه في طرف قَبائه، فوضعه بين يدي المختار، فقال لابنه حفص: أتعرفُ هذا الرأس؟ قال: نعم، ولا خير في الحياة بعده. أو: لا خير في العيش بعده. فقال له المختار: فإنَّك لا تعيش بعده. فأمر به، فقُتل، ووُضع رأسُه إلى جانب رأس أبيه، وقال المختار: عُمر بحسين، وحفص بعليّ بن الحسين، ولا سَوَاء، واللهِ لو قتلتُ به ثلاثةَ أرباع قريش ما وَفَوْا بأُنْمُلَةٍ من أنامله (٢). وقال أبو مِخْنَف: إنما هيَّج المختار على قتل عُمر بن سعد أنَّ يزيد بن شَراحيل الأنصاريّ ذَكَرَ عند محمَّد بن الحنفيَّة خروجَ المختار وطلبَه بدماء أهل البيت، فقال محمَّد بن الحنفية: يزعم أنَّه لنا شيعةٌ، وقَتَلَةُ الحُسين جلساؤُه على الكراسي يحدِّثُونه ويُحدِّثُهم. فلما رجع يزيد إلى الكوفة قال له المختار: ما قال لك المهديّ؟ فأخبره، فما لبث المختار أن قتلَ عُمر بن سعد وابنَه، وبعث برأسَيهما إلى ابن الحنفيَّة مع مسافر بن سعيد الناعطي، وظَبْيَان بن عُمارة التميمي، وكتب معهما: إلى المهديّ محمَّد بن عليّ من المختار بن أبي عبيد، أمَّا بعد، فإنَّ الله بعثني نقمةً على أعدائكم، فهم بين قتيل وأسير، وطريدٍ وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتليكم، ونصرَ مؤازريكم، وقد قَتَلْنا كلَّ من شَرَكَ في دماء أهل البيت، ومَنْ قَدَرْنا عليه، ولن يُعجزنا مَنْ بقي حتى لا يبقى على أديم الأرض منهم أحد. والسلام (٣).

стр. 3869

ذكر طرف من أخبار عُمر بن سعد: ذكره ابنُ سَعْد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة (١). وأمُّه رَمْلَة بنت أبي الأنياب (٢)، من كِنْدة، وأصله من المدينة، وسكن الكوفة. وحدَّث عن أبيه، وروى عنه ابنُه إبراهيم بن عمر، والزُّهري، وقَتَادة. وكان مع أبيه بدُومة الجندل، وهو الذي حرَّض أباه على حضورها، ثمَّ ندم سعد، فأحرمَ بعُمرةٍ من البيت المقدَّس (٣). وقال ابنُ عساكر: حدَّث الفَلَّاس عن يحيى بن سعيد القطَّان أنَّه روى حديثًا عن عُمر بن سعد، فقام إليه رجل، فقال: أما تخافُ الله؟! أتَرْوي عن قاتل الحسين؟! فبكى يحيى بن سعيد وقال: أخطأتُ، واللهِ لا حَدَّثْتُ عنه أبدًا (٤). قال: وقال ابنُ أبي خيثمة: سألتُ ابنَ معين عن عُمر بن سعد: أثقة هو؟ فقال: كيف يكون مَنْ قتلَ الحسين ثقةً (٥)؟! قال: وقال ابنُ وَهْب:. كان سعدٌ واجدًا على ابنه عُمر، فأتاه أناس يشفعون فيه، فتكلَّموا وبالغوا، وتكلَّم عمر، فكأنَّما لم يتكلَّم معه أحد، فقال سعد: هذا الذي يُبَغِّضُك إليَّ، سمعتُ النبي ﷺ يقول: "يكونُ في آخر الزمان قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تَلحَسُ البقرُ من الأرض بألسنتها" (٦).

стр. 3870

وقال ابنُ عساكر أيضًا (١): روى الحُميدي عن سفيان قال: قال عُمر بن سعد للحسين: إنَّ قومًا من السفهاء يزعمون أني قاتلُك. فقال الحسين: ليسوا بسفهاء، ولكنهم حكماء. ثمَّ قال الحسين: واللهِ إنه ليقرُّ بعيني أنك لا تأكل بُرَّ العراق بعدي إلا قليلًا. قال: وكان عمر بن سعد إذا مرَّ على الناس قالوا: هذا قاتلُ الحسين بن علي ﵁ (٢). فصل يتعلق بعقوبة قاتليه ذكر جدِّي ﵀ في "المنتظم" (٣) عن ابن عباس قال: أوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ أني قتلتُ بيحيى بن زكريا سبعين ألفًا، وإني قاتلٌ بابنِ فاطمة سبعين ألفًا وسبعين ألفًا. وروى ابنُ عساكر في "تاريخه" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "قاتل الحسين في النار". وقال الواقدي: ما بقي أحدٌ ممَّن شهد قتله، أو شارك فيه، إلا عُوقب في الدنيا بالقتل والبلاء، وفي الآخرة بالعذاب. قال: وقال ابن الرمَّاح: كان عندنا بالكوفة شيخ أعمى قد شهدَ قتل الحسين، فسألناه عن سبب ذهاب بصره، فبكى وقال: كنت عاشر عشرة، غير أني لم أضرب بسيف، ولم أرم بسهم، ولم أطعن برمح، فرجعتُ إلى منزلي وعيناي كأنهما كوكبان، فنمتُ تلك الليلة، فأتاني آتٍ في منامي، فقال: أجِبْ رسول الله ﷺ . فقلت: ما لي ولرسول الله ﷺ . فأخذ بتلبابي، ثمَّ جَذَبَني، وانطلق بي إلى مكان، فإذا رسولُ الله ﷺ جالس وعنده جماعة، وهو حاسرٌ عن ذراعيه، وبيده سيفٌ مسلول ونطع، وإذا بأصحابي التسعة مُذَبَّحين بين يديه، فسلَّمتُ عليه، فقال: لا سلَّم الله عليك يا عدوّ الله، انتهكْتَ حُرْمَتي، وشهدتَ قتلَ ولدي وأهلِ بيتي، ولم تَرْعَ حقِّي. فقلت: يا رسول الله، ما رميتُ بسهم، ولا ضربتُ بسيف، ولا طعنتُ برمح. فقال: ولكنَّك كثَّرتَ سوادَ القوم. وإذا بين

стр. 3871

يديه طست فيه دمُ الحسين وهو يغلي، فأقعدني بين يديه وكحلني منه بميل في كلِّ عين، فأصبحتُ أعمى كما تَرَوْن (١). وقال السُّدِّيُّ: نزلتُ بكربلاء ومعي طعام للتجارة، فنزلنا على رجل فتعشَّينا عنده، وتذاكرنا حديث قتل الحسين، وقلنا: ما شَرَكَ أحدٌ في دمه إلا ومات أقبح موتة. فقال الرجل: أنا شَرَكْتُ في دمه، وكنتُ فيمن قتلَه، وما أصابني شيء. قال: ونمنا، فلمَّا كان آخِرُ الليل؛ ارتفع الصُّراخ من جانب الدار، فقلنا: ما الخبر؟ قال: قام الرجل يُصلحُ المصباح، فاحترقت إصبعه، ثمَّ دَبَّ الحريقُ في جسده، فبقي حُمَمَةً. قال السُّدِّيّ: فأنا - واللهِ - رأيتُه كأنَّه فحمة (٢). وقال أبو القاسم السِّمناني: ومن أعجب الأشياء ما نُشاهد في الدنيا أنَّ الحسين ﵇ لم يخلِّف ولدًا سوى عليّ زين العابدين، وهو أبو الأئمة، وقد نَشَرَ اللهُ من ذُرِّيَّته بعدد الرَّمل والحَصَى ساداتٍ وأشراف (٣)، ومات يزيد بن معاوية، وترك نحوًا من عشرين ولدًا، وليس له اليومَ على وجه الأرض نسل، والله أعلم. السنة السابعة والستون فيها قُتل عبيد الله بن زياد، والحُصين بن نُمير السَّكوني الذي رمى الكعبة بالمجانيق وحرَّقها، وأعيانُ الشام (٤)، وسنذكره في آخر السنة. وفيها قُتل المختارُ أيضًا، ومحمد بنُ الأشعث، وعُبيد الله بنُ عليّ بن أبي طالب، وعَمرة بنتُ النعمان بن بشير زوجةُ المختار، وسنذكرهم إن شاء الله تعالى. وفيها عزلَ عبدُ الله بنُ الزُّبير القُباع عن البصرة، وولَّى أخاه مصعبَ بنَ الزُّبير عليها. قال عُمر بنُ شَبَّة: فقَدِمَ المصعبُ من مكَّة إلى البصرة، فأناخ على باب المسجد (٥) وهو متلثّم، ثمَّ دخل، فصعد المنبر، وجاء الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الملقب

стр. 3872

بالقُباع، واجتمع الناس، فَسَفَر عن وجهه، فعرفوه، وجاء الحارث، فجلس على درجة المنبر، فقام مصعب، فحمد الله وأثنى عليه، وقرأ: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ١ - ٦] ولما قرأ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أشار إلى مكة بيده إلى أخيه، ولما قرأ: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ أشار بيده نحو الشام إلى عبد الملك بن مروان. ثمَّ قال: يا أهل البصرة، بلغني أنكم تُلقِّبون أمراءكم، وقد سمَّيتُ نفسي الجزَّار (١). قلت: ومعنى هذا أنهم لقَّبوا الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القُباعَ؛ مَرَّ بسوق البصرة، فرأى مكيالًا، فقال: إنَّ مكيالكم لَقُباع. وقد ذكره الجوهري فقال: والقُباع بضم القاف والتخفيف: مكيال ضخم، وهو لقب الحارث بن عبد الله والي البصرة. وقال الشاعر يخاطب ابنَ الزبير -وقيل: هي لأبي الأسود الدِّيلي-: أميرَ المؤمنين جُزِيتَ خيرًا … أرِحْنا من قُبَاع ابنِ (٢) المغيرَهْ وقال أبو عبيد: القُباع مكيال ضيّق الأعلى، واسعُ الأسفل. وهذا: الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة واسمُ أبي ربيعة عَمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو (٣) بن مخزوم. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة؛ قال (٤): وأمُّه أمُّ ولد. قال: واستعملَه عبدُ الله بنُ الزبير على البصرة، وكان رجلًا سهَّاكًا، فمرَّ بمكيالٍ بالبصرة، فقال: إن هذا لَقُباع صالح، فلقَّبوه القُباع. ومعنى سهَّاكًا أي: فيه خِفَّة، من قولهم: فرس سهَّاك، أي: خفيف الجري.

стр. 3873

قال ابن سعد (١): وكان خطيبًا عفيفًا، وكان فيه سواد؛ لأنَّ أمَّه كانت سوداء حبشية نصرانية، فماتت فشهد القُباع جنازتها وأعيانُ أهل البصرة، فكانوا ناحية، وجاء أهل دينها فوَلُوها، وكانوا على حِدَة (٢). وعزلَه ابنُ الزُّبير عنهم بعد أن أقام واليًا سنةً، واستعمل مكانه المصعب بنَ الزُّبير. وذكر ابنُ سعد له أولادًا، ولم يذكر تاريخ وفاته (٣). وذكره غير ابن سعد، فقال البلاذُري (٤): اسم أمِّ القُباع سيح؛ صادَتْ طيرًا من حمام مكة، فأكلَتْه، وسنذكره في ترجمة ابن الزبير. وقال أبو عبيدة وحكاه ابنُ عساكر: والقُباع [أخو عمر] بن أبي ربيعة الشاعر (٥). ويقال لأبي ربيعة: ذو الرُّمحين، وأمُّ القُباع بنتُ أبرهة من الحبشة، سباها أبوه عبد الله بنُ أبي ربيعة -وكان عاملَ عثمان بن عفَّان على اليمن- وكانت نصرانية، ولم يعلم القُباع بها، فلما توفّيت جاء القُباع، فجلس على باب دارها ومعه أشرافُ أهل البصرة وهم جلوس ينتظرون جنازتها، فخرجت إليه مولاة له فقالت: قد وجدنا على رقبة أمِّك صليبًا حين جرَّدناها للغَسْل. فقام قائمًا وقال: أيها الناس، انصرفوا رحمكم الله، فإنَّ لها أهلَ مِلَّةٍ هم أولى بها منكم. فانصرف الحارث، وعظُم في عيون الناس، وكان في الجمع جماعةٌ من الصحابة، فقال بعضهم: لقد ساد هذا الفتى أهلَ زمانه (٦). وقال خليفة (٧): أقام المصعب بن الزبير بالكوفة نحوًا من سنتين، ثمَّ انحدر إلى البصرة، واستخلفَ القُباع، ثمَّ رجع مصعب إلى الكوفة فقتل بعد ما أقام بها (٨).

стр. 3874

وقال ابنُ عساكر (١): وحكى الحُميدي عن سفيان قال: أول من وضع الدنانير وزن سبعة الحارث. يعني العشرة من الدراهم وزن سبعة دنانير من ذهب. قال: ولما ولَّاه عبد الله بنُ الزُّبير البصرة هدم دار الفرزدق الشاعر مرتين، فقال الفرزدق: أحارثُ داري مرَّتينِ هدمتَها … وكنتَ ابنَ أخْتٍ لا تجار (٢) غوائلُه وأنتَ امْرُؤٌ بطحاءُ مكةَ لم يزل … بها منكمُ معطي الجزيلِ وفاعلُه وقال البلاذُري: مات الحارث بمكَّة. ولم يذكر تاريخ وفاته أيضًا (٣). والحارث هو الذي حدَّث عبدَ الملك بنَ مروان حديث عائشة في هدم البيت وإدخال الحِجْر فيه. وقد ذكرناه. [وروى عن عائشة وأمّ سَلَمة، ولم نقف على تاريخ وفاته]. وروى عنه الزُّهري وغيره (٤). وفيها بعد قتلِ المختار عزلَ ابنُ الزُّبير أخاه مصعبًا عن البصرة، واستعمل عليها ابنَه حمزة بنَ عبد الله. واختلفوا في سبب عزل المصعب، فقال عُمر بن شَبَّة: لمَّا سار المصعب إلى قتال المختار؛ استخلف على البصرة عمر بن عُبيد الله بن معمر (٥)، فلمَّا قَتَلَ المختارَ؛ وفدَ على أخيه عبد الله بن الزُّبير، فحبسه عنده، وولَّى ابنَه حمزة، واعتذرَ إلى مصعب وقال: واللهِ إنِّي لأعلمُ أنَّك أكفى من حمزة، ولكنِّي رأيتُ فيه ما رأى عثمانُ حين عزلَ أبا موسى، وولَّى عبد الله بنَ عامر. وكان حمزة بن عبد الله مُتلَوِّنًا؛ يجود حتى لا يُبقي شيئًا، ويبخل حتى لا يسمح بشيء، فظهَرتْ منه بالبصرة خِفَّةٌ وضعف؛ ركب يومًا إلى فيض البصرة فقال: إنْ رفقوا

стр. 3875

بهذا الغدير كفاهم مدَّة الصيف، ثمَّ ركبَ إليه يومًا فلم يرَ فيه شيئًا، فقال: لقد رأيتُه ذات يوم، فظننتُ أنَّه يكفيهم. وذكروا عنه أشياء، واستخفَّ بالأشراف، وسفك الدم، فكتب الأحنف بنُ قيس إلى عبد الله بن الزبير يخبره ويقول: أَعِدْ إلينا مصعبًا. فعزله. ولما شخص حمزة من البصرة أخذ معه بيوت الأموال، فلم يَدَع فيها شيئًا، ولما قدم الحجاز لم يذهب بالمال إلى أبيه، بل أتى المدينة، فأودَعَه رجالًا، فذهبوا به. وهذه روايات عُمر بن شَبَّة (١). وأمَّا هشام؛ فإنَّه روى عن أبي مِخْنَف أنَّ المصعب بنَ الزُّبير لما قتلَ المختارَ أقام بالكوفة سنةً معزولًا عن البصرة؛ عزلَه عنها أخوه عبدُ الله بابنه حمزة، ثمَّ وفد المصعب على أخيه عبد الله بمكة، فأعاده إلى البصرة. ويقال: إن المصعب لمَّا أعاده أخوه إلى البصرة استخلفَ على الكوفة الحارثَ بنَ عبد الله بن أبي ربيعة (٢). قلت: والمشهورُ أنَّ المصعب بنَ الزُّبير بعد ما قتلَ المختارَ؛ قدمَ على أخيه عبد الله بمكة، واستخلفَ على الكوفة إبراهيم بنَ الأشتر. وكان قد استمال ابنَ الأشتر، وذلك لأنَّ المصعب لما قتلَ المختارَ كتب عبدُ الملك بنُ مروان إلى ابن الأشتر: ادْخُلْ في طاعتي ولك العراق. فقال: ذاك لو لم أقتل ابنَ زياد وأشرافَ أهل الشام. وكتب إليه مصعب: ادْخُلْ في طاعتي ولك الشام. فمال إلى مصعب، وقدم عليه، فأكرمه، ولم يزل معه حتى قُتلا. ولمَّا سارَ المصعب إلى مكة واستخلفَ ابنَ الأشتر على الكوفة، قال له أخوه عبد الله بن الزبير: من استخلفتَ على الكوفة؟ فقال: ابنَ الأشتر. فقال له عبد الله: عمدتَ إلى راية خَفَضَها الله، فرفعتَها، فقال مصعب: إبراهيم سيِّدُ (٣) مَنْ خلفي، إن

стр. 3876

رضيَ؛ رَضُوا، وإن سَخِط؛ سَخِطُوا. فكشفَ ابن الزُّبير إزارَه، وإذا على كتفه ضَرْبةٌ قد أجافَتْه، وقال: أتراني أُحِبُّ ابنَ الأشتر بعدما ضربَني أبوه يومَ الجمل هذه [الضَّرْبة]؟ فقال له المصعب: فما ذنبُه (١)؟ وقال الهيثم (٢): وفد مصعب على أخيه عبد الله ثلاث مرات من العراق إلى مكة: الأُولى: لمَّا قتلَ المختارَ، والثانية: بمال البصرة، والثالثة: لمَّا بلغَه أنَّ عبد الملك بن مروان يريد أن يقصد العراق؛ قدم عليه يستشيره فيما يفعل، ولم يُقم عنده إلا ليلةً واحدة. ثمَّ ركب رواحلَه وعاد إلى البصرة، وكان معه في المرَّة الأولى إبراهيم بن الأشتر. فصل وحجَّ بالناس عبدُ الله بنُ الزبير، وكان العامل على الكوفة مصعب بن الزُّبير، وفي البصرة خلاف قد ذكرناه. وكان على قضاء الكوفة عبدُ الله بنُ عُتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبَيرة (٣)، وعلى خُراسان عبدُ الله بنُ خازم السلمي، وعلى الشام ومصر عبد الملك بن مروان. فصل وفيها قتل الحُصين بنُ نُمير السَّكوني الحمصي. وذكره ابنُ عبد البَرّ (٤)، فقال: مرَّت السَّكُون من كِنْدة مع الحُصين بن نُمير ومعاوية بن حُديج على عمر بن الخطّاب ﵁ مرارًا، وعُمر يُعرِضُ عنهم، فقيل في ذلك، فقال: ما مرَّ بي قومٌ من العرب أكرهَ إليَّ منهم. فعجب الناسُ من رأي عمر فيهم، وإذا هم رؤوس الفتنة. أمَّا معاوية بن حُديج فقتل محمَّد بنَ أبي بكر

стр. 3877

الصديق ﵁، وأمَّا الحُصَين بن نُمير فكان ممَّن أعانَ على عثمان بن عفَّان وغزاه وحصره في داره حتى قُتل، وشهد صفّين مع معاوية، وكان رأسًا في الفتنة، وولَّاه يزيد بن معاوية قتال ابنِ الزبير لمَّا مات مسرف (١) بن عقبة، فضرب الكعبة بالمجانيق، فستروها بالخشب، فأحرق الخشب. وأشير به الحجَّاج (٢) في ذلك لمَّا حاصر ابن الزبير. وذكره ابنُ عساكر فقال: كنيتُه أبو عبد الرحمن، وكان في جيشِ ابن زياد، وفعل بالتوَّابين ما فعل، وقَتَل من قَتَل منهم. وكان مع ابن زياد لما لقيَ إبراهيمَ بنَ الأشتر، فقُتل، وبعث إبراهيمُ برأسه ورأسِ ابنِ زياد إلى المختار مع رؤوس جماعة من الأعيان، فبعث بها المختار إلى ابن الزبير. وكان الحُصين قد نصبَ على ابن الزبير القَذَّافات، فقال: انْصِبُوا رأسَ كلِّ رجل عند قَذَّافَتِهِ التي كان يرمي بها. ففعلوا، وأحرقَ ابنُ الأشتر جُثَّة الحُصين بن نُمير [مع جُثَّة عُبيد الله بن زياد. وحكى هشام عن أبي مِخْنَف قال: حمل شريك بن جرير التغلبيّ على الحُصين بن نُمير] وهو يحسبُه ابنَ زياد، فاعتنقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، ونادى التغلبيّ: اقتلُوني وابنَ الزانية. فقُتل الحُصين بنُ نُمير (٣). وفيها توفّي عُبيد الله بنُ عليّ بنِ أبي طالب ﵇ - وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. قال ابنُ سعد (٤): وأمُّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك التميمي.

стр. 3878

وذكر ابنُ سعد قصته فقال: قدم على المختار الكوفةَ من الحجاز، فسألَه أنْ يُعطيَه شيئًا، فقال: أقَدِمْتَ بكتاب من عند المهديّ؟ قال: لا. فحبَسه أيامًا، ثمَّ خلَّى عنه وقال: اخْرُجْ عنَّا. فسار إلى البصرة. وقال الزُّبير بن بكَّار (١): قدم على المختار الكوفة، فقال له المختار: إنَّ صاحب أمرِنا هذا لا يَحِيكُ (٢) فيه السِّلاحُ، فإنْ كنتَ ذلك بايعناك. فخرج هاربًا إلى البصرة. رجع الحديث إلى ابن سعد قال: فخرج هاربًا إلى مصعب بن الزبير، فنزل بالبصرة على خاله نُعيم بن مسعود التميمي، وأعطاه مصعب مئة ألف درهم. ثمَّ سارَ مصعب بن الزبير من البصرة إلى الكوفة لقتال المختار، واستخلفَ على البصرة عمرَ بنَ عُبيد الله بن معمر، فلما سار مصعب تخلَّف عنده عُبيدُ الله (٣) بنُ علي عند أخواله، وسارَ خالُه نعيم بن مسعود مع المصعب إلى العراق. فجاءت بنو سعد بن زيد مناة إلى عُبيد الله وقالوا: نحن أَخْوالُك أيضًا، ولنا فيك نصيب، فتحوَّل إلينا لنكرمَك، فحوَّلوه إليهم، وأنزلوه بينهم، وبايعوه بالخلافة، فقال: يا قوم، لا تعجلوا، لا تفعلوا، وهو كارهٌ. وبلغ المصعبَ، فكتبَ إلى ابنِ معمر خليفتِهِ على البصرة يُعَجِّزُهُ ويقول: كيف غفلتَ عن عُبيد الله وعمَّا أخذوا له من البيعة؟! ثمَّ دعا مصعبٌ خاله نُعيمَ بنَ مسعود فقال له: قد كنتُ لك محبًّا (٤) ومكرمًا، فما حملك على أن تدع ابنَ أختك بالبصوة يؤلِّب الناس ويخدعُهم؟! فحلفَ له بالله إنَّه ما علمَ بشيء من ذلك. فصدَّقه مصعب. فقال له نُعيم: أنا أكفيك أمره، وأقدم به عليك.

стр. 3879

وسار نُعيم حتى أتى البصرة، فلام بني سعد، وقال: ما أردتُم إلا هلاك تميم كلها، فادْفَعُوا إليَّ ابنَ أختي. فتلاوموا ساعة، ثمَّ دفعوه إليه، فخرج فقدم به على مصعب، فقال له: يا ابنَ أخي، ما حملَك على ما صنعتَ؟ فحلف له عُبيد الله إنه ما أراد ذلك، ولا علم به حتى فعلوه، ولقد كان كارهًا له، فصدَّقه مصعب. وأمر مصعب صاحب مقدّمته عبَّادًا الحَبَطيّ أن يسير إلى جمع المختار [فسار معه عُبيد الله بنُ علي، فنزلوا المذار، ونزل جيش المختار] (١) بإزائهم، فقُتل أصحابُ المختار في تلك الليلة (٢)، فلم يُفلتْ منهم إلا الشَّريد (٣)، [وقتل عُبيد الله بن علي بن أبي طالب في تلك الليلة]. وهذا قولُ ابن سعد (٤). وقال الهيثم: قتلَه المختار وهو لا يعرفه في المعركة، فمرَّ به المهلَّبُ بنُ أبي صُفْرة، فرآه مقتولًا، فاسترجع، وجاء إلى مصعب فأخبره، فقال: إنَّا لله، [قاتلَ اللهُ] مَنْ قَتَلَه. فقال: [ومن هو؟ قال:] مَنْ زَعَم أنَّه شيعةٌ له. يعني المختار (٥). فصل: وفيها قُتل عُبيد الله بنُ زياد قد ذكرنا مسير إبراهيم بن الأشتر إلى لقائه، فذكر هشام عن أبي مِخْنَف عن أشياخه قالوا: سار ابنُ الأشتر مُجِدًّا يريد ابنَ زياد قبل أن يدخلَ أرض العراق، فالتقيا على النهر الذي يقال له: الخازِر، عند قرية يقال لها: بازيتا (٦)؛ بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، وجعل ابنُ الأشتر على مقدمته الطُّفيلَ بنَ لَقِيط النَّخَعيّ، وكان شجاعًا، وسار على تعبئة، وضمَّ رجاله إليه، ونزلَ على القرية المسمَّاة.

стр. 3880

وجاء ابنُ زياد، فنزل قريبًا منهم على جانب الخازِر، وكان عُمير بن الحُباب السُّلَمي في عسكر ابن زياد، فأرسلَ إلى ابن الأشتر أن الْقَنِي إذا شئت (١). وكانت قيس كلّها بالجزيرة، وهم مخالفون لمروان وآل مروان لما جرى عليهم يوم المَرْج. وكان عُمير في قيس على ميسرة ابنِ زياد، فالتقيا ليلًا، فبايعه عُمير، ووعدَه أن ينهزمَ بالناس، فقال له ابنُ الأشتر: ما رأيك أُخندِقُ علينا ونتلوَّم (٢) يومين أو ثلاثة؟ (٣) قال عُمير: اللهَ اللهَ أن تفعل، نَاجِزْهم، ومتى طاولتَهم جاءتهم الأمداد، فاستظهروا، ووَهَنْتَ. فقال: الآن علمتُ أنك لي ناصح، وكذا أوصاني صاحبي. فقال: صدق (٤)، فلا تَعْدُوَنَّ رأيَه، فإنَّه قد ضَرَّسَتْه الحروب (٥)، وهو شيخُها. فقال: نعم. وبات ابنُ الأشتر يُعَبِّئُ أصحابَه، فجعلَ في الميمنة سفيان بن يزيد الأزدي، وعلى ميسرته عليَّ بن مالك الجُشَمي، وعلى الخيل أخاه عبد الرحمن بنَ الأشتر (٦)، وعلى الرَّجَّالة الطُّفيل بنُ لَقِيط، وكانت رايتُه مع مالك بن مُزاحم. فلما طلع الفجر صلَّى بهم إبراهيم الفجر بغَلَس (٧)، ثمَّ سارَ رُويدًا إلى تلٍّ هناك يُشرف على القوم، فنزلَ إبراهيم يمشي، ونظر، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فأرسلَ عبدَ الله بنَ زهير السَّلُولي يكشفُ أخبارهم، فلقيَه رجلٌ منهم، فناداه: يا شيعة أبي تراب، يا شيعة المختار الكذَّاب، ويحكم! إلامَ تدعون؟ فقال له عبد الله: يا ثارات الحسين، ادفعوا إلينا ابنَ زياد الفاسق الدَّعيّ ابن مَرْجانة لنقتلَه ببعض موالينا، فإنَّه قتلَ ابنَ رسولِ الله ﷺ . وجرى بينهما كلام، منه أنَّ عبد الله قال للشاميّ: إذا دفعتُم إلينا ابنَ زياد جعلنا بيننا وبينكم كتابَ الله حَكَمًا. فقال له الشاميّ: قد جَرَّبناكم مرةً في مثل هذا فغدرتُم -يعني

стр. 3881

نوبة الحَكَمْين- فإنَّا جعلناهما بيننا وبينكم، فلم ترضَوْا بحكمهما. فقال له عبد الله: إنهما خالفا واتَّبعا أهواءهما، ولو اجتمعا على رجل واحد تبعنا حكمهما ورضينا به، وإنما اختلفا وتفرَّقا عن غير شيء. ومضى الشاميُّ إلى عسكره، وعاد عبدُ الله، فأخبر ابنَ الأشتر، فجاء، فوقف على الرايات، وقال: يا أنصار الدين، وشيعةَ الحقّ، وشُرطة الله، هذا ابنُ مَرْجانة قاتلُ الحسين بن عليّ ابنِ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ، حال بينَه وبين بناته ونسائه وبين ماء الفرات أن يشربوا منه، فواللهِ ما عمل فرعونُ ببني إسرائيل ما فعلَ ابنُ مَرْجانةَ بأهلِ رسول الله ﷺ ، وقد (١) جاء الله به إليكم، وأرجو من الله أن يكون سفكُ دمه على أيديكم. وجعل يسير بين الصفوف ويحرِّضُهم. وزحف القوم، وجعل ابنُ زياد على ميمنته الحُصين بن نُمير السَّكوني، وعلى ميسرته عُمير بن الحُباب السُّلَمي، وعلى الخيل شُرَحْبيل بن ذي الكَلاع (٢)، وكان ابنُ زياد في ثمانين ألفًا وقيل: في ثلاثين ألفًا، وابنُ الأشتر في تسعة آلاف أو عشرة آلاف. والتقَوْا، فحملَ الحُصين بن نُمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة ابن الأشتر وعليها عليُّ بنُ مالك الجُشَمي، فثبتَ، فقُتل عليٌّ، وقُتل رجالٌ من أهل بيته وأهل الحِفاظ، وانهزمت الميسرةُ، فصاح بهم عبد الله بنُ ورقاء السَّلُوليّ وقد أخذَ رايةَ عليّ الجُشَمي: إلى أين يا شُرطة الله (٣)، هذا أميرُكم يقاتلُ. فأَقْبَلُوا إلى [ابن الأشتر، وإذا به كاشفٌ عن رأسه ينادي: إليَّ إليَّ، فأنا] (٤) ابنُ الأشتر. فثابُوا إليه، فقال لصاحب الميمنة: احْمِلْ على الميسرة. وهو يظنُّ أنَّ عُمير بنَ الحُباب ينهزم، فما انهزم، وثبتَ، وقاتلَ قتالًا شديدًا، فقال ابنُ الأشتر: غَدَرَ وربِّ الكعبة. فما بقي إلا أن يقصدَ هذا السَّواد الأعظم (٥). فقصدوه بالسيوف والعَمَد، وابنُ

стр. 3882

الأشتر ينادي: يا شرطةَ الله، هؤلاء قَتَلَةُ أولادِ رسولِ الله ﷺ ، إليَّ إليَّ. وهم يحملون ويقولون: لبيك لبَّيك، وحملُوا على أهل الشام، فأزالوهم عن مواقعهم. وأنزلَ الله نصرَه على ابنِ الأشتر، فانهزم أهلُ الشام، وملكوا أكتافهم، وقُتل ابنُ زياد، وابنُ نُمير، وشُرحبيل بن ذي الكَلاع، وادَّعى قَتْلَه ثلاثة: سفيان بن يزيد بن المغفَّل الأزدي، وورقاء بنُ عازب الأسدي، وعبد الله (١) بن زهير السُّلمي. وقُتل أعيانُ أهل الشام، وانهزم عُمير بنُ الحُباب، وبعث إلى ابنِ الأشتر يقول: أجيئك؟ قال: لا، حتى تسكنَ فورة شُرطة الله، فإني أخافُ أن يقتلوك. وكان من غرق في الخازِر من أهل الشام أكثرَ ممَّن قُتل وأُسر (٢). واختلفوا في قاتل ابنِ زياد على أقوال: أحدُها: أنَّ إبراهيم بنَ الأشتر قتلَه؛ فحكى هشام عن أبي مِخْنَف قال: قال إبراهيم بنُ الأشتر: قتلتُ رجلًا وجدتُ منه رائحة المسك، شرَّقَتْ يداه، وغرَّبَتْ رِجْلاه تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازِر، فالتمسوه، فإذا هو عُبيد الله بنُ زياد قتيلًا؛ ضربَه إبراهيم، فقدَّه نصفين. والثاني: شريك بن جرير (٣) التغلبيّ؛ قال الطبريّ: حدَّثني عبد الله بن أحمد بإسناده عن الحسن بن كثير قال: كان شريك بن جرير (٤) التغلبي مع عليّ ﵇ في حروبه، فأصيبت إحدى عينيه معه يوم صفِّين، فلما قُتل علي لحقَ ببيت المقدس، فأقام به، فلما قُتل الحُسين قال: أُعاهد الله تعالى لئن خرج طالبٌ (٥) يطلب دم الحسين لأقتُلَنَّ ابنَ الزانية، أو لأموتنَّ دونَه.

стр. 3883

فلما خرج المختار يطلبُ بدم الحسين جاءه، فلما خرجَ ابنُ الأشتر إلى ابن زياد؛ وجَّهه معه، فجعله ابنُ الأشتر على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إني عاهدتُ اللهَ تعالى على كذا وكذا. فبايعه منهم ثلاث مئة على الموت، فلمَّا التَقَوْا حملَ على الكتائب، وثارَ العَجاج، فلما [انفرج الفريقان و] انفرجت عن الناس إذا به وبابن زياد قتيلان، ليس معهما (١) أحد. والثالث: رجل من بكر بن وائل؛ ذكره المدائني قال: لما أُتيَ برأس الحسين إلى بين يدي ابنِ زياد؛ كان رجلٌ من بني بكر بن وائل حاضرًا عنده، فقال في نفسه: للهِ عليَّ إنْ أصَبتُ عشرةً من المسلمين خرجوا عليك يا ابن زياد لأخرجنَّ معهم. فلما قام المختار للطلب بدم الحسين، وسار ابنُ الأشتر إلى ابن زياد؛ خرج هذا الرجل راكبًا على فرس وبيده رمح وهو يقول: وكلُّ عيشٍ قد أراه (٢) فاسدا … غيرَ مُقامِ الرُّمحِ في ظلِّ الفَرَسْ (٣) وكان ابنُ زياد قد عبَّأَ الخيل كراديس كراديس (٤)، فحمل الرجلُ حتى خرق الصفوف إلى ابن زياد، وناداه: يا ابن زياد (٥)، يا ملعون، يا خليفة الملعون. ثمَّ اطَّعَنا (٦)، فإذا هما قتيلان. وأصاب ابنُ الأشتر من عسكر أهل الشام من الغنائم ما لم يصبه سواه [لأنه رجع كاسبًا غانمًا]. ذكر طرف من أخبار ابن زياد: قال علماء السير: كان جبَّارًا دعيًّا، فاسقًا متهتّكًا، لا يُبالي بما فعل.

стр. 3884

قال ابنُ عساكر: وكان يُكنى أبا حفص، وكان يواجهُ أصحاب رسول الله ﷺ بالعظائم؛ قال لعائذ بن عَمرو، إنما أنت من نُخالة (١) أصحاب محمَّد ﷺ (٢). وقال لزيد بن أرقم: أنت شيخ قد خرفت (٣). قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" (٤) وغيرُه طرفًا من هذا، فقال: حدَّثنا يزيد بن هارون بإسناده عن الحسن قال: دخل عائذ بن عمرو على عُبيد الله بن زياد، فقال له: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "شَرُّ الرِّعاءِ الحُطَمة" فإيَّاك أن تكونَ منهم. فقال: اجلس، فإنَّما أنتَ من (٥) نُخالة (٦) أصحاب محمَّد ﷺ . فقال: وهل كانت فيهم نُخَالة؟! إنما النُّخَالةُ بعدهم. أخرجه مسلم بمعناه (٧). وروى ابنُ عساكر عن الحسن قال (٨): قدم علينا ابنُ زياد أميرًا على البصرة؛ أمَّره معاوية؛ غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بنُ المُغفَّل المزني صاحب رسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن مُغَفّل من السبعة (٩) الذين بعثهم عمر ﵁ إلى أهل البصرة يفقّهونهم. فدخلَ على عُبيد الله بن زياد ذات يوم، فقال له: يا ابنَ زياد، انْتَهِ عمَّا أراك تصنع، فإنَّ شرّ الرِّعاءِ الحُطَمة. فقال له ابنُ زياد: ما أنتَ وذاك؟

стр. 3885

إنما أنت من حُثالة أصحاب محمَّد ﷺ (١). فقال: أوَ كانَ فيهم حُثالة؟! لا أمَّ لك، بل كانوا أهل بيوتات وشرف، أشهدُ لقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من والٍ بات ليلةً غاشًّا لرعيَّته إلا حرَّم اللهُ عليه الجنَّة". قال: ومرض عبد الله بن مُغَفَّل، فأتاه ابنُ زياد عائدًا، فقال له: اعهد إلينا شيئًا نفعلْ فيه الذي تحبُّ. قال: أفاعلٌ أنتَ ذلك؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أسألُك أن لا تُصلِّيَ عليَّ، ولا تَقُمْ على قبري، وأن تُخَلِّيَ بيني وبين أصحابي يتولَّوْنَ أمري. وقد ذكرناه. فما شيَّعه ولا صلَّى عليه. وقال ابنُ عساكر أيضًا: وُلد ابنُ زياد سنة تسع وثلاثين، وكان لمَّا قُتل الحسين ابنَ ثمان وعشرين سنة (٢)، فقد كان يوم قُتل ابنَ ثلاث وثلاثين. قال: وقال البخاريّ: وأمُّه مَرْجانة (٣)، سبيَّةٌ من أهل أصبهان. قال": وهو أوَّلُ من ضربَ الدراهم الزُّيُوف، وجهرَ بالمعوِّذَتَين (٤). وقال المدائني: كان ابنُ زياد يقول حبَّذا الإمارة؛ لولا قعقعةُ لجام البريد والتشزُّن (٥) للخطب (٦). قال: وقام رجل ضرير في جامع البصرة فقال: تصدَّقوا على من لا قائد له فيُؤَدِّيه (٧)، ولا بصرَ له فيهديه. فأشار الحسنُ إلى دار ابنِ زياد وقال: ما كان له قائدٌ يقودُه إلى خير، ولا بصر فيبصر به ما ينفعه فيؤدّيه (٨).

стр. 3886

وقال الترمذي بإسناده عن عُمارة بن عمير قال: لما جيء برأس ابنِ زياد إلى الكوفة مع جملة الرؤوس؛ أُلقِيَتْ بالكُناسة، فكانت حيَّةٌ تجيءُ كلَّ يوم، فتدخلُ في فيه، وتخرج من مَنْخِرَيه. فعلت ذلك ثلاثة أيام. فكانت إذا أقبلت؛ قال الناس: جاءَتْ جاءَتْ (١). قال هشام: فأقامت الرؤوس أيامًا بالكوفة، ثمَّ بعثَ بها المختار إلى مكة إلى محمَّد بن الحنفية، وقيل: إلى عبد الله بن الزبير، فنصبها بمكة. وأحرق ابنُ الأشتر جثَّة ابن زياد وجثث الباقين (٢). وقال هشام: لما قُتل ابنُ زياد كانت معه امرأتُه هند بنت أسماء بن خارجة الفَزَاري، وكانت لا تُفارقُه، فلبسَتْ قَباءً وعمامةً ومِنْطَقَةً (٣)، وحَمَلَتِ السلاح، وركبتْ فرسَ ابنِ زياد الذي يقال له: الكامل، وسارَتْ وحدَها من الزَّاب حتى دخلت الكوفة في يوم وليلة (٤). وقال المدائني: قال إبراهيم النَّخَعي: ما رأينا رجلًا شرًّا من ابن زياد (٥). وقال الشعبي: كان أكولًا؛ أكلَ في يومٍ خمس مرات، وأكلَ عشر بطَّات، وجَدْيًا وزِنْبيلًا من عنب، وأكلَ آخرَ النهار شيئًا آخر (٦). ولهذا قال له عبد الله بن المغفَّل: "شرُّ الرِّعاء الحُطَمَة". وقال هشام: حلفَ ابنُ زياد ليقتلنَّ المختار، وليضعنَّ رِجْلَه على رأسه. وبلغَ المختارَ، فقال: كذاب، أنا واللهِ أقتلُه، وأضعُ قدمي على رأسه. فكان كما قال (٧).

стр. 3887

وذكر القاضي التَّنوخي أنَّ ابنَ زياد لما قتل الحسين وعاد إلى البصرة بني داره بالبيضاء (١)، وصوَّر على بابها رؤوسًا مقطّعة، مثل رأس الحسين وأصحابه، وصوَّرَ في دهليزها صورة أسد وكبش وكلب، وكتبَ على كل واحد شيئًا، فكتبَ على الأسد: أسد كافح، وعلى الكبش: [كبش] ناطح، وعلى الكلب: [كلب] نابح. فَمَرَّ بالباب أعرابيٌّ، فقال: أما إنَّ صاحبَها لا يسكنُها إلا ليلة لا تتمّ. وبلغَ ابنَ زياد، فضربَه وحبَسه، فما أمسى المساء حتى قدم رسولُ ابنِ الزُّبير، فأخذَ له البيعةَ، وهرب ابنُ زياد من ليلته إلى الأزد، فأجاروه، ثمَّ أخرجوه إلى الشام، وكسرَ الأعرابيّ باب الحبس وخرج، ولم يعد ابنُ زياد بعدها إلى البصرة، وقُتل. وقال الهيثم: وكان مقتلُ ابن زياد في المحرَّم، وعلم المختار بالوقعة، فخرج من الكوفة، فنزل المدائن، وكان يقول: أبشِروا بالفتح، فإنَّه يأتيكم في هذين اليومين. وجاءت البشائر، وبعث إبراهيمُ إلى المختار بالرؤوس، ومضى هو إلى الموصل، وملك الجزيرة، وبعثَ أخاه عبدَ الرحمن على نَصِيبين وما والاها (٢). وفيها توُفِّي عُمر بن عليّ بن أبي طالب ﵇ - وأمُّه الصَّهْباء بنت عبَّاد (٣). وقيل: هي أمُّ حبيب بنت ربيعة من تغلب بن وائل، سباها خالد بنُ الوليد من عين التمر، وقيل: في أيَّام الرِّدَّة. وعُمر من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. وهو عُمر الأكبر، وأختُه رُقَيَّة بنتُ علي لأبيه وأمّه. قال ابنُ سعد: وكان عليٌّ قد سمَّاه باسم عمر بن الخطّاب، وسمَّى ابنًا له بعثمان.

стр. 3888

وذكر محمَّد بن سلام (١) أنَّ عُمر لما وليَ الخلافة وُلد عُمر بنُ عليّ، فقال عُمر لعليّ: هَبْهُ لي. فقال: هُو لك. فقال: قد نَحَلْتُه اسمي وغلامي مورِّقًا. وقال مصعب بن عبد الله (٢): وُلد عُمر ورُقَيَّة في بطنٍ واحد توأمين، وكان عُمر آخِرَ ولدِ عليّ. واختلفوا في وفاته، فقال خليفة: مات عُمر سنة سبع وستين (٣). وقال مصعب بن عبد الله (٤): عاش طويلًا، وقدم مع أبان بن عثمان بن عفان على الوليد بن عبد الملك يسألُه أنْ يولِّيَه صدقاتِ أبيه، وكان يليها يومئذ [ابنُ أخيه] الحسنُ بنُ الحسن، فعرضَ عليه الوليد الصِّلة وقضاءَ الدَّين، فقال: لا حاجةَ لي في صلتك، وإنَّما قدمتُ عليك بسبب الصدقة، وأنا أولى بها من غيري. فقال الوليد لأَبَان: أخْبِرْهُ أنَّني لا أُدخِلُ على أولاد فاطمةَ أحدًا من غيرهم، فإنها بنتُ رسول الله ﷺ . فانصرف عُمر غضبانًا، ولم يقبل صِلَتَه. وهذا يدلُّ على أنَّه عاشَ بعد الثمانين، فإنْ صحَّت رواية خليفة فقد كانت وفادتُه على عبد الملك بن مروان. روى عُمر الحديثَ عن أبيه عليّ، وروى عنه ابنُه محمَّد بن عمر. وكان محمَّد من العلماء؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة؛ قال (٥): وأمُّه أسماء بنت عَقِيل بن أبي طالب. قال: فولدَ محمَّد بنُ عُمر: عُمرَ، وعُبيدَ الله؛ وأمُّهما خديجة (٦) بنت عليّ بن حُسين ابن عليّ بن أبي طالب.

стр. 3889

وجعفرَ بنَ محمَّد، وأمُّه أمُّ هاشم بنت جعفر بن جعدة بن هُبيرة المخزومي. وكلُّهم رَوَى الحديثَ، ولهم عَقِبٌ بيَنْبُع. وفيها توفِّيت عَمْرَة بنتُ النُّعمان ابن بشير الأنصاري امرأة المختار بن أبي عُبيد. حكى هشام بن محمَّد عن أبي مِخْنَف قال (١): لمَّا قُتلَ المختار؛ أحضر مصعبُ بنُ الزُّبير امرأتي المختار: عَمْرة بنتَ النعمان بن بشير، وأمَّ ثابت بنت سَمُرة بن جندب، وقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أمُّ ثابت: أقول ما تقولون فيه. فأرسلها. وأمَّا عَمْرَة فقالت: رحم الله أبا إسحاق، لقد كان عبدًا صالحًا، فسجنها، وكتب إلى أخيه ابن الزُّبير يقول: إنَّها تزعُم أنَّه نبيّ. فكتبَ إليه: اقتُلْها. فأخرجها ليلًا بين الحيرةِ والكوفة، فقتلَها. فقَبَّحَ الناسُ على مصعب وأخيه عبدِ الله قَتْلَ امرأة. وقال عُمر بن أبي ربيعة القُرشي: إنَّ من أعجبِ العجائبِ عندي … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ قُتِلَتْ هكذا على غير جُرْمٍ … إنَّ للهِ دَرَّها مِنْ قتيلِ كُتِبَ القَتْلُ والقتالُ علينا … وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيولِ وقال الجوهري: العُطْبُول من النساء: الحسناء التامَّة. وأنشد: [إنَّ من أعجبِ العجائبِ عندي] … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ (٢) وقال أبو حسان الزِّيادي: إنَّ مصعبًا قتلَ عمرةَ بغير أمرِ أخيه عبدِ الله، فلمَّا علمَ كتبَ إليه يلومُه ويُعَنِّفُه (٣). وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري:

стр. 3890

أتى راكبٌ بالأمرِ ذي النبأ العَجَبْ … بقتلِ ابنةِ النُّعمانِ ذي الدِّينِ والحَسَبْ بقتلِ فتاةٍ ذاتِ دَلٍّ سَتِيرةٍ … مهذَّبةِ الأخلاقِ والخِيمِ والنَّسَبْ (١) أتاني بأنَّ الملحدينَ توافَقُوا … على قَتْلِها لا جُنِّبُوا القتلَ والسَّلَبْ ولا هنأَتْ آلَ الزُّبيرِ معيشةٌ … وذاقُوا لباسَ الذُّلِّ والخوفِ والحَرَبْ كأنَّهمُ إذْ أبرزُوها وقُطِّعَتْ … بأسيافهم فازوا بمملكة العَرَبْ من أبيات (٢). انتهت ترجمتها، والله أعلم. وفيها توفي محمد بن الأشعث ابن قيس الكنديّ، وكنيتُه أبو القاسم. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة (٣). وقال (٤): فولد الأشعث محمدًا، وإسحاق، وإسماعيل، وحبابة (٥) وقُريبة (٦)، وأمُّهم أمُّ فَرْوة بنتُ أبي قُحافة أختُ أبي بكر الصِّدِّيق. وقد ذكرنا الأشعث بنَ قيس ورِدَّتَه عن الإِسلام، وعَوْدَه إليه، وتزويجَه بأمِّ فَرْوة. وقال يحيى بنُ معين: أربعة اسْمُهُم محمَّد، وكُنيتُهم أبو القاسم: هذا، وابنُ الحنفيَّة، ومحمد بنُ طلحة، ومحمد بن حاطب (٧). وقال هُشيم (٨): كان محمَّد بن الأشعث يدخلُ على عائشة، فتكنِّيه بأبي القاسم.
следующие страницы →