← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وقال الترمذي بإسناده عن عُمارة بن عمير قال: لما جيء برأس ابنِ زياد إلى الكوفة مع جملة الرؤوس؛ أُلقِيَتْ بالكُناسة، فكانت حيَّةٌ تجيءُ كلَّ يوم، فتدخلُ في فيه، وتخرج من مَنْخِرَيه. فعلت ذلك ثلاثة أيام. فكانت إذا أقبلت؛ قال الناس: جاءَتْ جاءَتْ (١). قال هشام: فأقامت الرؤوس أيامًا بالكوفة، ثمَّ بعثَ بها المختار إلى مكة إلى محمَّد بن الحنفية، وقيل: إلى عبد الله بن الزبير، فنصبها بمكة. وأحرق ابنُ الأشتر جثَّة ابن زياد وجثث الباقين (٢). وقال هشام: لما قُتل ابنُ زياد كانت معه امرأتُه هند بنت أسماء بن خارجة الفَزَاري، وكانت لا تُفارقُه، فلبسَتْ قَباءً وعمامةً ومِنْطَقَةً (٣)، وحَمَلَتِ السلاح، وركبتْ فرسَ ابنِ زياد الذي يقال له: الكامل، وسارَتْ وحدَها من الزَّاب حتى دخلت الكوفة في يوم وليلة (٤). وقال المدائني: قال إبراهيم النَّخَعي: ما رأينا رجلًا شرًّا من ابن زياد (٥). وقال الشعبي: كان أكولًا؛ أكلَ في يومٍ خمس مرات، وأكلَ عشر بطَّات، وجَدْيًا وزِنْبيلًا من عنب، وأكلَ آخرَ النهار شيئًا آخر (٦). ولهذا قال له عبد الله بن المغفَّل: "شرُّ الرِّعاء الحُطَمَة". وقال هشام: حلفَ ابنُ زياد ليقتلنَّ المختار، وليضعنَّ رِجْلَه على رأسه. وبلغَ المختارَ، فقال: كذاب، أنا واللهِ أقتلُه، وأضعُ قدمي على رأسه. فكان كما قال (٧).

стр. 3887

وذكر القاضي التَّنوخي أنَّ ابنَ زياد لما قتل الحسين وعاد إلى البصرة بني داره بالبيضاء (١)، وصوَّر على بابها رؤوسًا مقطّعة، مثل رأس الحسين وأصحابه، وصوَّرَ في دهليزها صورة أسد وكبش وكلب، وكتبَ على كل واحد شيئًا، فكتبَ على الأسد: أسد كافح، وعلى الكبش: [كبش] ناطح، وعلى الكلب: [كلب] نابح. فَمَرَّ بالباب أعرابيٌّ، فقال: أما إنَّ صاحبَها لا يسكنُها إلا ليلة لا تتمّ. وبلغَ ابنَ زياد، فضربَه وحبَسه، فما أمسى المساء حتى قدم رسولُ ابنِ الزُّبير، فأخذَ له البيعةَ، وهرب ابنُ زياد من ليلته إلى الأزد، فأجاروه، ثمَّ أخرجوه إلى الشام، وكسرَ الأعرابيّ باب الحبس وخرج، ولم يعد ابنُ زياد بعدها إلى البصرة، وقُتل. وقال الهيثم: وكان مقتلُ ابن زياد في المحرَّم، وعلم المختار بالوقعة، فخرج من الكوفة، فنزل المدائن، وكان يقول: أبشِروا بالفتح، فإنَّه يأتيكم في هذين اليومين. وجاءت البشائر، وبعث إبراهيمُ إلى المختار بالرؤوس، ومضى هو إلى الموصل، وملك الجزيرة، وبعثَ أخاه عبدَ الرحمن على نَصِيبين وما والاها (٢). وفيها توُفِّي عُمر بن عليّ بن أبي طالب ﵇ - وأمُّه الصَّهْباء بنت عبَّاد (٣). وقيل: هي أمُّ حبيب بنت ربيعة من تغلب بن وائل، سباها خالد بنُ الوليد من عين التمر، وقيل: في أيَّام الرِّدَّة. وعُمر من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة. وهو عُمر الأكبر، وأختُه رُقَيَّة بنتُ علي لأبيه وأمّه. قال ابنُ سعد: وكان عليٌّ قد سمَّاه باسم عمر بن الخطّاب، وسمَّى ابنًا له بعثمان.

стр. 3888

وذكر محمَّد بن سلام (١) أنَّ عُمر لما وليَ الخلافة وُلد عُمر بنُ عليّ، فقال عُمر لعليّ: هَبْهُ لي. فقال: هُو لك. فقال: قد نَحَلْتُه اسمي وغلامي مورِّقًا. وقال مصعب بن عبد الله (٢): وُلد عُمر ورُقَيَّة في بطنٍ واحد توأمين، وكان عُمر آخِرَ ولدِ عليّ. واختلفوا في وفاته، فقال خليفة: مات عُمر سنة سبع وستين (٣). وقال مصعب بن عبد الله (٤): عاش طويلًا، وقدم مع أبان بن عثمان بن عفان على الوليد بن عبد الملك يسألُه أنْ يولِّيَه صدقاتِ أبيه، وكان يليها يومئذ [ابنُ أخيه] الحسنُ بنُ الحسن، فعرضَ عليه الوليد الصِّلة وقضاءَ الدَّين، فقال: لا حاجةَ لي في صلتك، وإنَّما قدمتُ عليك بسبب الصدقة، وأنا أولى بها من غيري. فقال الوليد لأَبَان: أخْبِرْهُ أنَّني لا أُدخِلُ على أولاد فاطمةَ أحدًا من غيرهم، فإنها بنتُ رسول الله ﷺ . فانصرف عُمر غضبانًا، ولم يقبل صِلَتَه. وهذا يدلُّ على أنَّه عاشَ بعد الثمانين، فإنْ صحَّت رواية خليفة فقد كانت وفادتُه على عبد الملك بن مروان. روى عُمر الحديثَ عن أبيه عليّ، وروى عنه ابنُه محمَّد بن عمر. وكان محمَّد من العلماء؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة؛ قال (٥): وأمُّه أسماء بنت عَقِيل بن أبي طالب. قال: فولدَ محمَّد بنُ عُمر: عُمرَ، وعُبيدَ الله؛ وأمُّهما خديجة (٦) بنت عليّ بن حُسين ابن عليّ بن أبي طالب.

стр. 3889

وجعفرَ بنَ محمَّد، وأمُّه أمُّ هاشم بنت جعفر بن جعدة بن هُبيرة المخزومي. وكلُّهم رَوَى الحديثَ، ولهم عَقِبٌ بيَنْبُع. وفيها توفِّيت عَمْرَة بنتُ النُّعمان ابن بشير الأنصاري امرأة المختار بن أبي عُبيد. حكى هشام بن محمَّد عن أبي مِخْنَف قال (١): لمَّا قُتلَ المختار؛ أحضر مصعبُ بنُ الزُّبير امرأتي المختار: عَمْرة بنتَ النعمان بن بشير، وأمَّ ثابت بنت سَمُرة بن جندب، وقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أمُّ ثابت: أقول ما تقولون فيه. فأرسلها. وأمَّا عَمْرَة فقالت: رحم الله أبا إسحاق، لقد كان عبدًا صالحًا، فسجنها، وكتب إلى أخيه ابن الزُّبير يقول: إنَّها تزعُم أنَّه نبيّ. فكتبَ إليه: اقتُلْها. فأخرجها ليلًا بين الحيرةِ والكوفة، فقتلَها. فقَبَّحَ الناسُ على مصعب وأخيه عبدِ الله قَتْلَ امرأة. وقال عُمر بن أبي ربيعة القُرشي: إنَّ من أعجبِ العجائبِ عندي … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ قُتِلَتْ هكذا على غير جُرْمٍ … إنَّ للهِ دَرَّها مِنْ قتيلِ كُتِبَ القَتْلُ والقتالُ علينا … وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيولِ وقال الجوهري: العُطْبُول من النساء: الحسناء التامَّة. وأنشد: [إنَّ من أعجبِ العجائبِ عندي] … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ (٢) وقال أبو حسان الزِّيادي: إنَّ مصعبًا قتلَ عمرةَ بغير أمرِ أخيه عبدِ الله، فلمَّا علمَ كتبَ إليه يلومُه ويُعَنِّفُه (٣). وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري:

стр. 3890

أتى راكبٌ بالأمرِ ذي النبأ العَجَبْ … بقتلِ ابنةِ النُّعمانِ ذي الدِّينِ والحَسَبْ بقتلِ فتاةٍ ذاتِ دَلٍّ سَتِيرةٍ … مهذَّبةِ الأخلاقِ والخِيمِ والنَّسَبْ (١) أتاني بأنَّ الملحدينَ توافَقُوا … على قَتْلِها لا جُنِّبُوا القتلَ والسَّلَبْ ولا هنأَتْ آلَ الزُّبيرِ معيشةٌ … وذاقُوا لباسَ الذُّلِّ والخوفِ والحَرَبْ كأنَّهمُ إذْ أبرزُوها وقُطِّعَتْ … بأسيافهم فازوا بمملكة العَرَبْ من أبيات (٢). انتهت ترجمتها، والله أعلم. وفيها توفي محمد بن الأشعث ابن قيس الكنديّ، وكنيتُه أبو القاسم. وذكره ابنُ سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة (٣). وقال (٤): فولد الأشعث محمدًا، وإسحاق، وإسماعيل، وحبابة (٥) وقُريبة (٦)، وأمُّهم أمُّ فَرْوة بنتُ أبي قُحافة أختُ أبي بكر الصِّدِّيق. وقد ذكرنا الأشعث بنَ قيس ورِدَّتَه عن الإِسلام، وعَوْدَه إليه، وتزويجَه بأمِّ فَرْوة. وقال يحيى بنُ معين: أربعة اسْمُهُم محمَّد، وكُنيتُهم أبو القاسم: هذا، وابنُ الحنفيَّة، ومحمد بنُ طلحة، ومحمد بن حاطب (٧). وقال هُشيم (٨): كان محمَّد بن الأشعث يدخلُ على عائشة، فتكنِّيه بأبي القاسم.

стр. 3891

وقال أبو نُعيم الحافظ (١): ذُكر لنا أنَّ محمدًا وُلد على عهد رسول الله ﷺ . وليس بصحيح؛ لأنَّ أبا بكر إنَّما زوَّجَه بأخته بعد الرِّدَّة، وقد ذكرناه. وقال الزُّبير بن بكَّار: هرب محمَّد بن الأشعث من المختار إلى البصرة، فهدم المختار داره بالكوفة، وبنى بلَبِنِها وآلتها دارَ حُجْرِ بنِ عديّ، وكان زيادٌ قد هَدَمَها (٢). وأقام محمدٌ بالبصرة، وكان المختارُ حَنِقًا عليه؛ لأنه ممَّن شهد قتلَ الحُسين، ويقال: إنه أخذ قَطِيفة الحسين. وهو الذي خدع مسلم بن عقيل، وغَدرَ بِه، وسلَّمه إلى ابن زياد حتى قتله. فلما قصد مصعبٌ المختار؛ قَدَّمَ في مقدِّمته ابنَ الأشعث وعُبيد الله بنَ عليّ [بن أبي طالب] فقُتلا تحت الليل، ولم يُعرفا، وبلغ مصعبًا، فبكى وقال (٣): لقد تنغَّصَ عليَّ هذا الفتح حيثُ لم يشهده عُبيد الله ومحمد (٤). وقال ابنُ سعد (٥): وَلَدَ محمدُ بنُ الأشعث أكثرَ من ثلاثين ولدًا ذكورًا. ومن أولاده عبد الرحمن بن محمَّد الخارج على الحجَّاج [وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى]. وفيها قتل المختار بن أبي عبيد الثقفيّ قد ذكرنا أنَّ أباه أبا عُبيد بن مسعود، قُتل يومَ الجسر، وجدُّه مسعود عظيمُ القريتين (٦).

стр. 3892

ولد المختار عام الهجرة، وذكره البلاذُريّ فقال (١): تزوَّج أبوه دَوْمة بنت عَمرو بن وَهْب بن معتِّب، وكان قبل تزوُّجه بها يختارُ أن يتزوَّج في نساء قومه، فرأى في منامه قائلًا يقول له: تزوَّجْ دَوْمة، فإنها عظيمة الحَوْمَة (٢)، لا تسمعُ من لائمٍ فيها لَوْمة. فتزوَّجَها، فلمَّا اشتملت على المختار؛ رأت في منامها قائلًا يقول: أبشري بولدٍ، أسدٍ من الأُسْد، إذ الرجال في كَبَد، يتغالبون على بلد وأيِّ بلد. فلما هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة ولدَتْه قيل لها (٣): إنَّ ابنكِ قبل أن يتسعسع، وبعد أن يترعرع، كثيرُ التَّبَع، قليل الهَلَع، خَنْشَلِيل (٤) ورع (٥)، يُدان (٦) بما صنع. دَوْمة: بفتح الدال، وحَوْمةُ القتال: معظمُه، والكَبَد: الشِّدَّة، وتسعسعَ: كَبِرَ وهَرِم. والخَنْشَلِيل: الماضي (٧). والهَلَع: الخوف. ذكر طرف من أخباره: قال قوم: كان يلقَّب بكَيْسان، وإليه تنسب الكَيسانيَّة (٨). وقال صاحب "المِلَل والنِّحَل" (٩): كَيسان مَوْلَى عليّ ﵇، وقيل: تلميذ محمَّد بن الحنفيَّة. قال: وأمَّا المختار؛ فأصحابُه يقال لهم: المُختاريَّة.

стр. 3893

قال: وكان خارجيًّا، ثمَّ صار زُبيريًّا (١)، ثمَّ صار شيعيًّا وكَيسانِيًّا (٢). وكان يدعو إلى محمَّد بن الحنفيَّة ويزعم أنَّه من أصحابه، ولمَّا علم محمَّد بذلك تبرَّأَ منه، وقال: إنَّما يموّه بنا على الناس ليتمَّ أمرُه. قال: ومن مذهب المختار أنَّه يُجوِّز البَدَاءَ على الله تعالى، وهو أنْ يأمرَ بشيء، ثمَّ يأمرَ بعده بخلافه، وإنما ذهبَ إلى هذا لأنَّه كان يدَّعي علم ما يظهر من الأحوال؛ إمَّا بِوَحْيٍ يُوحَى إليه، أو برسالةٍ من الإمام، فكان إذا وعدَ أصحابه بشيء؛ فإنْ وافق كونُه [قولَه] اعتقدوا صحة ما قال، وإن لم يوافق؛ قال: بدا لربِّكم (٣). وكان لا يُفرِّقُ بين النَّسخ والبَدَاء، وذلك لأنَّ النسخ عبارةٌ عن الرفع أصلًا، والبَدَاء عبارةٌ عن امتداد الحكم إلى وقت معيّن، ثمَّ يرتفع. قلت: وما ذهب إليه المختار مذهبُ اليهود، فإنَّهم لا يُفرِّقون بين النسخ والبَدَاء، وقد استوفينا الكلام فيه في التفسير (٤). قال (٥): وكان المختار مُمَخْرِقًا؛ ابتدعَ أشياء، منها الكرسيّ، وأنَّه من ذخائر أمير المؤمنين، وجعلَه مثل التابوت لبني إسرائيل. وكان يزعُم أنَّ جبريل يأتيه بالوحي. وذكر أشياء. وقال هشام: كان مع أبيه يوم الجسر، وكان له يومئذٍ ثلاثَ عشرة سنة، وكان صاحبَ همَّة؛ كان يقول في صغره: واللهِ لأعلُوَنَّ منبرًا بعد منبر، ولأهزمنَّ عسكرًا بعد عسكر، ولأُخِيفَنَّ أهلَ الحرمين، ولأدعونَّ (٦) أهل المشرقين والمغربين، ولأجهِّزنَّ من الجيوش مئين، وإن خبري لفي زُبُر الأوَّلِين.

стр. 3894

وقال الهيثم: لما قدم على ابن الزبير وقاتل معه ووعده أن يولِّيه الولايات؛ لم يف له بما وعد، فاجتمع بابن الحنفيَّة وقال: أنا أطلب ثأركُم وأقتلُ من قتلكم. فلم يُجبه محمد إلى شيء، فقال: سكوته إذنٌ. وقال محمَّد: كفى بالله ناصرًا. فقدَّم الكوفة، وادَّعى ما ادَّعى (١). وقال الهيثم: وله أسجاع معروفة، منها ما قد ذكرناه. وقال ابن عساكر عن أبي مِخْنَف - واسمُه لوط بن يحيى العامري - قال: قيل لابن الزبير: إنَّ المختار يزعم أنَّه يُوحى إليه! فقال: صدق. ثمَّ قرأ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]. قال: وكان ابنُ عبَّاس إذا أثنى على المختار؛ يقول له محمَّد بنُ الحنفيَّة: لا تقل فيه خيرًا، نحن أعلم به (٣). وقال أبو اليقظان: لما جيء برأس المختار إلى ابن الزبير؛ توجَّع ابنُ عباس وقال: قتلَ قَتَلَتَنا، وطلبَ بدمائنا، وشَفَى صدورَنا. فقال عروة بن الزبير: قُتل الكذَّاب وهذا رأسُه. فقال له ابنُ عباس قد بقيَتْ لكم عَقَبةٌ كبيرة، إنْ صعدتُموها، وإلا فأنتم والمختار سواء. يعني عبد الملك بن مروان (٤). ذكر مقتل المختار: حكى الطبريّ (٥) عن هشام، عن أبي مِخْنَف، عن حبيب بن بديل (٦) قال. قدم شَبَث بن رِبْعيّ على مصعب بن الزُّبير البصرة وتحتَه بغلة قد قطعَ ذنَبَها، وطرفَ أذنِها، وقد شقَّ قَباءَه وهو ينادي: واغَوْثاه. ودخل على مصعب ومعه وجوهُ أهل الكوفة؛ محمَّد بن

стр. 3895

الأشعث وغيره، فشَكَوْا إليه ما لَقُوا من المختار، وسألوه المسير إليه معهم إلى الكوفة يستنصرون به. وكان المختار قد هدم دار ابنِ الأشعث. قلت: وقولُ الطبريّ: إن شَبَث بن رِبْعيّ ومحمد بن الأشعث قدما على مصعب البصرة: وهمٌ (١)، فإنَّ مصعبًا إنما وليَ البصرة في هذه السنة. ولما قدموا البصرة عامَ أوَّل كان عليها القُباع (٢)، وعزلَه ابنُ الزبير وولَّى أخاه مصعبًا، وذلك بعد قتلِ مَنْ قتلَ المختارُ مِنْ قَتَلَةِ الحسين. قال أبو مِخْنَف: ولما كثَّر أهلُ الكوفة على المصعب وحرَّضوه على قصد المختار، قال: لا أَسِيرُ إليه حتى يَقْدَمَ المهلَّبُ بنُ أبي صُفْرة. وكتب إلى المهلَّب، فأبطأ عليه، وكان المهلَّب يكره قتال المختار، فقال مصعب لابن الأشعث: سِرْ إلى المهلَّب فاسْتَحِثَّه. فسار ابنُ الأشعث بكتاب مصعب إلى المهلَّب، فقال له المهلَّب: أما وجدَ مصعبٌ بريدًا غيرك -أو مثلك- يا محمَّد تأتي بريدًا؟ " فقال محمَّد: ما أنا ببريد، غير أنَّ نساءنا وأبناءنا قد غَلَبَنا عليهم عبيدُنا وموالينا. فسار المهلَّب بجيوش عظيمة، وخرجَ مصعب من البصرة، وقدَّمَ (٣) بين يديه عبَّاد بن الحُصين الحَبَطيّ التميمي، وبعثَ عمرَ بنَ عُبيد الله بن معمر على ميمنته، والمهلَّب على ميسرته، ورتَّب القبائل؛ في كل قبيلة أعيانهم؛ كمالك بن مِسْمَع في بكر بن وائل، والأحنف بن قيس علي بني تميم، وزياد بن عَمرو الأزدي في الأزد، وقيس بن الهيثم على أهل العالية. وبلغ المختارَ، فقام خطيبًا وقال: يا أهل الحقّ وأنصار الله، إنَّ فُرَّارَكم الذين بَغَوْا عليكم قد أَتَوْكم بأشباههم من الفاسقين، فعليكم بالصبر والثبات. وذكر كلامًا في هذا المعنى.

стр. 3896

ثمَّ ندب المختارُ أحمرَ بنَ شُميط، فخرج فعسكرَ بحمَّام أعين في جيش كثيف، وبعث على مقدِّمته أبا كامل (١) الشاكري، وسار حتى نزل المذار (٢)، وجاء المصعب، فعسكر قريبًا منه، وجاء أحمر فنزل في عسكره، وجعل في ميمنته عبد الله بنَ كامل، وعلى ميسرته عبدَ الله بنَ وَهْب الجُشَمي، وعلى الخيل وزير بن عَبْد (٣) السَّلُولي، وعلى الرَّجَّالة بشر (٤) بن إسماعيل الكندي، وجعك أبا عمرة على الموالي. وتزاحفا، فقال عبَّاد بنُ الحُصين -وكان على مقدِّمة مصعب- وقد دنا من أحمر بن شُميط وأصحابه: يا قوم، إنَّا ندعوكم إلى [كتاب الله، وسنَّةِ رسولِه، وبيعةِ أمير المؤمنين عبد الله بنِ الزُّبير. وقال أحمر: ونحن ندعوكم إلى] (٥) كتاب الله، وسنَّةِ رسوله، وبيعةِ المختار، وأن يكون هذا الأمرُ شورى في آل الرسول، فإن خالفَنَا أحدٌ جاهَدْناه. فأخبر عبَّادٌ المصعبَ، فقال: القتال. فالتقَوْا فاقتتلوا، وصبرَ أهلُ الكوفة، وقُتل ابن شُميط والأعيان، وعاد باقي الجيش إلى الكوفة مفلولين. وجاء مصعب، فقطع دجلة من تلقاء واسط القصب -ولم تك واسط هذه بُنيت بعد- ثمَّ حملَ الأثقال (٦) والضعفاء في نهر يقال له: نهر خُرْشاذ، ثمَّ خرجوا منه إلى نهر قُوسان، ثمَّ خرجوا منه إلى الفرات. وجاء الخبر إلى المختار وعنده عبد الرحمن بن أبي عُمير الثقفي فقال له (٧): قُتلت واللهِ العبيدُ قِتْلةً ما سُمع بمثلها قطّ، وقُتل ابنُ شميط وابنُ كامل وفلان وفلان.

стр. 3897

ثمَّ قال: ما من الموت بُدٌّ، وما من موتة أموتُها أحبَّ إليَّ من موتة ابن شميط، حبذا مَصارعُ الكرام! قال: فعلمتُ أنَّه إن لم يُصب حاجتَه مقتول. [ولما بلغ المختار أنهم قد أقبلوا في السفن] (١) والظَّهر؛ خرج، فسار إلى مجتمع الأنهار -نهر السَّيلَحين، ونهر الحِيرَة، ونهر القادسية- فسَكَرَ الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماءُ الفرات كلُّه في هذه الأنهار، وبقيت سفن القوم في الطين، فخرجوا منها يمشون، وجاء المختار فحال بينهم وبين الكوفة، وقد كان حَصَّنَ القصر. ونزل المختار بحَرُورَاء، واستعمل على الكوفة عبدَ الله بنَ شدَّاد، وجعلَ المختارُ على ميمنته سُليم بن زيد (٢) الكندي، وعلى ميسرته سعد (٣) بن منقذ الهَمْداني، وبعث على الخيل عُمر بن عبد الله (٤) النَّهدي، وعلى الرَّجَّالة مالك بن عَمرو النَّهدي. وجعل مصعب على ميمنته المهلَّب، وعلى الميسرة عُمر بنَ عُبيد الله بن معمر التَّيميّ، وعلى الخيل عبَّاد بن الحُصين، وعلى الرَّجَّالة مقاتل بن مِسْمَع البكريّ، ونزل مصعب يمشي متنكِّبًا قوسًا له، وجعلَ على أهل الكوفة محمَّد بنَ الأشعث، وجاء محمَّد فنزلَ بين المختار ومصعب (٥). وجهَّز المختار إلى كلِّ قبيلة من القوم كُرْدُوسًا (٦)، فبعث إلى بكر بن وائل سعيدَ بنَ منقذ، وإلى عبد القيس مالك بن المنذر (٧)، وإلى أهل العالية عبدَ الله بنَ جَعْدة، وإلى الأزد مسافرَ بنَ سعيد بن نمران الناعطي، وإلى بني تميم سُليمَ بنَ يزيدَ الكِنْديّ، وبعث إلى محمَّد بن الأشعث السائبَ بنَ مالك الأشعريَّ، ووقفَ هو في بقية أصحابه.

стр. 3898

واقتتلُوا أشدَّ قتال إلى الليل، فقُتل عامةُ أصحاب المختار، وقُتل محمَّد بن الأشعث في تلك الليلة، وتفرَّق عن المختار أصحابُه، فقيل له: أيُّها الأمير، القصرَ القصرَ، فقال: واللهِ ما خرجتُ منه وأنا أريدُ أن أعودَ إليه، ولكن هذا حكم الله. وسار إلى القصر فدخله. وجاء مصعب، ففرَّقَ القبائل في الجَبَابِين (١)، ومنع المختارَ المادَّةَ والماء، فكان يشربُ هو وأصحابُه الماء من البئر. ثمَّ قال مصعب: اقْرَبُوا من القصر، فقَرُبُوا واقتسموا المحالّ، وكان المختار يخرجُ فيقاتلُهم. واشتدَّ عليهم الحِصار، وانقطعت عنهم المادَّة، فقال المختار لأصحابه: إنَّ الحِصارَ لا يَزِيدُنا إلا ضعفًا، فانْزِلُوا بنا فلنقاتل حتى نُقتلَ كرامًا إنْ متنا (٢)، وواللهِ ما أنا بآيس -إنْ أنتُم صدقتموهم- أن ينصرَكم الله. قال: فضعُفوا ووَهَنُوا، فقال [المختار]: أمَّا أنا، فواللهِ لا أُعطي بيدي. فأرسلَ إلى امرأته أمِّ ثابت بنت سَمُرة بن جندب الفزاري، فأرسلَتْ إليه بطيب كثير، فاغتسلَ وتطيَّبَ وتحنَّط، ثمَّ خرج في تسعةَ عشرَ رجلًا، فيهم السائب بن مالك الأشعري -وكان خليفتَه على الكوفة إذا خرج عنها- فقال المختار للسائب: إنما أنا رجلٌ من العرب، رأيتُ ابنَ الزبير قد انْتَزَى على الحجاز، ونجدةَ الحروريَّ على اليمامة، ومروانَ على الشام، فلم أكن دون أحد منهم، فأخذتُ هذه البلادَ، فكنتُ كأحدهم إلا أنَّني طلبتُ بثأر أهل بيتِ رسولِ الله ﷺ ، وقتلتُ قَتَلَتَهم، ومن شَرَكَ في دمائهم، وبالغتُ في ذلك إلى يومي هذا. ثمَّ حملَ على القوم فضاربهم بسيفه [حتى قُتل] (٣).

стр. 3899

وكان قد قال المختار لأصحابه في القصر: إن نزلتُم على حكمهم قتلوكم بما لَهم عندكم من الثأر، فاخرجوا معي فموتوا كرامًا. فتأخَّرُوا عنه ونزلوا على الحكم، فقُتلوا وذُبحوا كالغنم (١). وقال الهيثم: خرج المختار فنادى: يا ابن الزُّبير، يا عدوَّ الله وعدوَّ رسولِه وأهلِ بيته، تُعِينُ قَتَلَتَهُمْ وتقتلُ مَنْ أخذَ لهم بالثأر، يا أخا المُحِلّ، واللهِ لتُقتلَنَّ شَرَّ قِتْلَة. فحملُوا عليه بأجمعهم فقتلُوه. وقال أبو مِخْنَف: قتلَه رجلان من بني حنيفة أخوان، أحدهما يُدعى طَرَفة، والآخر طرَّافًا (٢) عند موضع الزيَّاتين اليوم. وقَتَلَ المصعبُ جميعَ من كان في القصر، ومن كان من أصحاب المختار، وجاؤوا. برأس المختار إلى مصعب وهو في القصر، فوضعوه بين يديه ورؤوسَ أصحابه، فقال بعض الحاضرين: كأني - واللهِ - برأس مصعب موضع هذا الرأس، ورؤوسِ أصحابه موضع رؤوسِ أصحابه، فكان كما قال. وقيل: قتلَ المختارَ مولّى لبني عُطارد اسمه محمَّد بن عبد الرحمن (٣). وقال أبو مِخْنَف: ثمَّ إن المصعب أمرَ بقطع كفّ المختار، فقُطعت، ثمَّ سُمرت بمسمار في حائط المسجد، فلم يزل كذلك حتى قدم الحجاج بنُ يوسف الكوفةَ، فقال: ما هذه؟ قالوا: كفُّ المختار [فأمر بنزعها ودفنها (٤). وقال الواقدي: قُتل المختار] وهو ابنُ تسع (٥) وستين سنة لأربع عشرة ليلةً خلت من رمضان (٦).

стр. 3900

وقال أبو مِخْنَف: قَتَلَ مصعبُ بنُ الزبير مع المختار سبعة آلاف أو ستة آلاف، فلما قدم مصعبٌ مكة التقاه عبد الله بن عمر (١)، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عبدُ الله، فقال: أنا ابنُ أخيك مصعب. فقال: أنتَ الذي قتلتَ سبعة آلاف من أهل القبلة -أو ستة آلاف- يعترفون لله بالوحدانية على دمِ واحد؟! فقال: كانوا سَحَرةً أو كَفَرة (٢). فقال له ابنُ عمر: واللهِ لو كانوا غَنَمًا من تراث أبيك الزُّبير لقد أتيتَ أمرًا عظيمًا، ولكان سَرَفًا. وقال أبو مِخْنَف: وبعث مصعب عماله على السَّواد والجبال، وكتب إلى ابن الأشتر وهو بالجزيرة يدعوه إلى طاعته ويقول: لك الجزيرة والشام والمغرب، وكتب إليه عبدُ الملك يقول له: لك العراق. فاختار طاعةَ المصعب، فسار إليه. وقد ذكرناه (٣). وكان ابنُ الأشتر قد انحرفَ عن المختار، وأقام بالجزيرة حتى قُتل [المختار كما ذكرنا]. وليس للمختار رواية حديث، ولا صحبة. وفيها قُتل ناتلُ بنُ قيس بن زيد الجُذامي وناتل: بنون، وتاء منقوطة بنقطتين من فوق، ولام. وفد أبوه قيس على رسول الله ﷺ . وكان ناتل سيِّد جُذام، وهو من أهل فلسطين، شهد صفّين مع معاوية، وكان فيها على لَخْم وجُذام. وهو الذي وثب على فلسطين، [وأخرج منها حسان بن مالك بن بَحْدَل. وقد ذكرناه. وكان مع ابن الزُّبير.

стр. 3901

ثمَّ إنه وثبَ مرَّة ثانية على فلسطين] فهمَّ عبد الملك بن مروان بالخروج إليه، فمنعه أصحابُه وقالوا: أنت سائر إلى العراق لقتال مصعب. فأرسلَ إليه عَمرو بنَ سعيد الأشدق، فقتلَه عَمرو (١). انتهت ترجمته، والله أعلم. السنة الثامنة والستون فيها رجعت الأزارقة من فارس إلى العراق ودخلوا المدائن. وكان السبب في ذلك ما رواه أبو مِخْنَف - وقد ذكره هشام بن محمَّد - قال: بعث مصعب بن الزُّبير عُمرَ بنَ عُبيد الله بن معمر عاملًا على فارس، وكانت الأزارقة قد لحقت بكِرْمان ونواحي أصبهان وفارس بعد ما أوقع بهم المهلَّب بالأهواز، وكان رئيسُهم الزُّبير بن الماحوز، فالتَقَوْا بعُمر بن عُبيد الله بن معمر، فاقتتلوا، ولم يكن بينهم كثير قتلى، وانصرفوا على حامية. وتبعهم عُمر بن عُبيد الله، فنزلوا إصطخر، فسار إليهم، فلقيَهم على قنطرة طَمَسْتَان (٢) [فقاتلهم قتالًا شديدًا، وقُتل ابنُه. ثمَّ إنه ظفر بهم، فقطعوا قنطرة طَمَسْتَان] وارتفعوا إلى نحو أصبهان وكِرْمان، وأقاموا [بها] حتى قَوُوا واستعدُّوا. ثمَّ ساروا على سابور، وخرجوا على أرَّجان (٣). فخاف ابنُ معمر على البصرة منهم، فسار في آثارهم وقد توجَّهوا نحو الأهواز. وبلغ مصعبًا إقبالُهم، وكانوا قد سلكُوا أرضَ فارس من غير الطريق (٤)، ولم يعلم بهم ابنُ معمر، ثمَّ علم، فتبعَهم. وظنَّ مصعب أنَّهم قد مرُّوا على ابن معمر، وقصَّرَ في لقائهم، فعتب عليه، وخرجَ من البصرة، فعسكر بالجسر.

стр. 3902

وبلغ الزبيرَ بنَ الماحوز (١)، فقال لأصحابه لا تقعوا بنا بين هذين الغارَيْن (٢)، انهضوا بنا إلى مكان آخر. فساروا حتى قطعوا أرض جُوخَى، وأتَوْا المدائن وفيها كَرْدَم بن مَرْثَد الفَزَاري، فشَنُّوا الغارةَ على أهل المدائن، فقتلوا الرجال والنساء والولدان، وبقروا بطون الحُبالى، وهربَ كَرْدَم، وأقبلوا إلى ساباط، فقتلُوا الرجال والنساء والولدان، وكان هناك بنانةُ بنت أبي يزيد بن عاصم الأزدي، وكانت قد قرأت القرآن، وكانت من أجمل النساء، فلما غَشُوها بالسيوف قالت: ويحكم! هل سمعتُم بأنَّ الرجال يقتلون النساء؟! فقال بعضهم: لا تقتلوها. فقالوا له: كفرتَ يا عدوَّ الله، أعجبك جمالها؟! ثمَّ قتلوها وغيرَها، وأتَوْا الكوفة وعليها القُباع (٣)، فلم يظفروا منها بشيء، ثمَّ عادوا إلى أرض أصبهان وكرمان (٤). ذكر من حجَّ بالناس في هذه السنة: قال علماء السير: وقف في هذه السنة -وهي سنة ثمان وستين- بعرفة أربعة ألوية: لواء لمحمد بن الحنفية عند جبل المشاة وتحتَه محمَّد في أصحابه، ولواء لابن الزبير قائم مقام الإمام اليوم، وتقدَّم ابنُ الحنفيَّة حتى صار بإزاء ابنِ الزُّبير، ولواء لنجدة الحروري خلفَهما، ولواء لبني أميَّة عن يسارهما، فكان أوَّلَ مَنْ دفع لواءُ ابنِ الحنفيَّة، ثمَّ تبعه لواء نَجْدة، ثمَّ لواء بني أمية، ثمَّ لواء ابنِ الزبير، وتبعه الناس (٥). وكان عبد الله بن عُمر واقفًا تلك العشيَّة ينتظر لواء ابنِ الزُّبير وقد تقدَّمت الألوية، فقال ابنُ عُمر: ما ينتظر ابنُ الزبير؟ أيعتمدُ أفعال الجاهلية؟! ثمَّ دفع، فدفعَ ابنُ الزُّبير بعده (٦). قال علماء السير: وما وقفَ على قوم تحت لواءٍ إلا خوفًا من الفتنة؛ فابنُ الحنفيَّة كان يخاف ابنَ الزُّبير، وابنُ الزُّبير يخافُ شيعةَ بني أمية، ونَجْدَةُ يخاف من الجميع،

стр. 3903

وكان كلُّ فريق يقول: نحن ما نُقاتل أحدًا، ولا نُفسد على الناس حجَّهم، ولا نمنع أحدًا من البيت، وإنَّما ندفع عن نفوسنا. وكان ابنُ الحنفيَّة أسكن من الجميع وأثبت (١). وكان العاملَ في هذه السنة على المدينة جابرُ بنُ الأسود الزُّهري من قِبَل ابن الزبير، وعلى البصرة والكوفة مصعب بن الزُّبير، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبدُ الله بن عُتْبة بن مسعود، وعلى خُراسان عبدُ الله بنُ خازم السُّلَميّ، وعلى الشام ومصر عبدُ الملك بنُ مروان (٢). وفيها توفّي البراء بنُ عازب ابن الحارث بن عديّ بن جُشَم الأنصاريّ، أبو عُمارة، من الطبقة الثالثة، من الخزرج. [قال ابن سعد: وأمُّه حَبيبة بنت أبي حَبيبة بن الحُباب (٣). قال: وكان عازب قد أسلم أيضًا، وأمُّه من بني سُليم بن منصور، وكان له أولاد: البراء، وعُبيد، وأمُّ عبد الله؛ بايَعَتْ، وأمُّهم جميعًا حبيبة بنت أبي حبيبة بن الحُباب (٤). وقيل: أمُّ خالد بنت ثابت بن سنان بن خُدْرة (٥). قال: ولم يُسمع لعازب بذكر في شيء من المغازي، وقد سمعنا بحديثه في الرَّحْل الذي اشتراه منه أبو بكر ﵁. وقد ذكرناه في الهجرة. قال:] (٦) لم يشهد [البراء] بدرًا لأنه كان صغيرًا (٧).

стр. 3904

قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ ثماني عشرة غزوة، وأجازني في الخندق وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنة. [وفي رواية: غزوت معه خمس عشرة غزوة، ولم يُجزني في غير الخندق] (١). ونزل الكوفةَ، وتوفي بها في هذه السنة (٢). وأسندَ عن رسول الله ﷺ ثلاث مئة حديث وخمسة أحاديث، [أُخرج له في "الصحيحين" ثلاثة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على اثنين وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة (٣). وأخرج له الإمام أحمد في "المسند" ثلاثة وستين حديثًا، منها متفق عليه، ومنها أفراد (٤). وليس في الصحابة من اسمه البراء بن عازب غيره. وأما غير ابن عازب؛ فخمسة: البراء بن أوس بن خالد، له صحبة ورواية، والبراء بن مالك بن النَّضْر، أخو أنس بن مالك، له صحبة ورواية. والبراء بن الجعد بن عوف (٥)، له رواية، والبراء بن عمرو بن عبيد (٦)، له رواية] (٧).

стр. 3905

وكان له من الولد: يزيد، وعُبيد، ويونس، وعازب، ويحيى، وأمُّ عبد الله (١). وأضرَّ البراء في آخر عُمُره. قال الإمام أحمد ﵁ (٢): حدَّثنا ابن نُمير، حدثنا أجلح، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن مسلمَينِ يلتقيان، فيتصافحان، إلا غُفر لهما قبل أن يتَفَرَّقا". وفيها توفي أبو واقد الليثي [واختلفوا في اسمه، فحكى ابنُ سعد عن الواقديّ: أنَّه الحارث بن مالك بن أسد، وقيل: الحارث بن عوف، ويقال: عوف بن الحارث، من بني ليث، وذكره ابن سعد] في الطبقة الثالثة من المهاجرين (٣). أسلم قديمًا، [وكان يحملُ لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكر يوم الفتح]. وقال البخاري: شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ (٤). [قلت: ولم يذكره فيمن شهدوا غير البخاري (٥)، والأصحّ أنَّه ما شهدها. وذكره جدِّي في "جامع المسانيد" بقاف في واقد. وقيل: بالفاء، والأول أصحّ. قال ابن إسحاق عنه: إني لأتبع رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، فوقعَ رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفتُ أنَّه قتله غيري. قال أبو القاسم بن عساكر (٦): هذه الرواية غير محفوظة، في إسنادها مجاهيل، وإنما كان ذلك يوم اليرموك.

стр. 3906

قال ابن عساكر: وقد قال الزُّهري: إنه أسلم يوم الفتح. وقيل: إنه وُلد في العام الذي وُلد فيه ابنُ عبَّاس]. وشهد اليرموك والجابية مع عمر؛ [قال: ورأيتُ الرجلَ يومَ اليرموك يسقطُ فيموت] (١). وهو الذي رُوي عنه أنَّه كان مع عمر ﵁ بالجابية، فجاء رجل فقال: إن عبدي زَنَى بامرأتي، وهي معترفة. قال: فقال لي: اذْهَبْ في نفر، فسَلْ امرأة هذا. قال: فجئتُ إلى باب خبائه، وإذا بجارية حديثة السِّنِّ، فأخبرتُها بما قال زوجُها، وقلت: إن كنتِ لم تفعلي فلا بأس عليكِ. فصمتت ساعة ثمَّ قالت: واللهِ لا أجمعُ بين الفاحشةِ والكذب. ثمَّ اعترفت، فرجمها عمر بالجابية. وقال أبو واقد: تابعنا الأعمال، فلم نجد شيئًا أبلغَ في طلب الآخرة من الزُّهد في الدنيا (٢). [ذكر وفاته: حكى ابن سعد عن الواقدي قال:] مات أبو واقد بفَخّ، بمكة (٣)، سنة ثمان وستين وهو ابنُ ثمانٍ وثمانين سنة، أو خمسٍ وثمانين. وقيل: ابن سبعين (٤). ودفن بمقبرة المهاجرين. [قال:] وإنَّما سمِّيت مقبرةَ المهاجرين؛ لأنَّ كلَّ من هاجر إلى المدينة ثمَّ جاء حاجًّا أو معتمرًا، فمات بمكة؛ دفن بها (٥).

стр. 3907

[وفيها دُفن عبد الله بن عُمر، وغيره] (١). وأسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، [أخرج له الإمام أحمد في "المسند" سبعة أحاديث، منها اثنان في الصحيح، أحدهما متفق عليه، والثاني لمسلم. وقال الإمام أحمد بإسناده عن عُبيد الله بن عَبْد الله] (٢) أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثيَّ: ما كان يقرأ رسولُ الله ﷺ في العيد؟ فقال: بـ"ق" و"اقتربت". انفرد بإخراجه مسلم. وروى أبو واقد عن أبي بكر وعمر ﵄، وروى عنه ابنُ المسيب، وعُروة بنُ الزبير، وعطاء بنُ يسار. وقيل: إن أبا سعيد الخُدري روى عنه. وروى عنه عمر ﵁ هذا الحديث. [وليس في الصحابة من كنيتُه أبو واقد غيره، وغير أبي واقد مولى رسول الله ﷺ ] (٣). أبو شُريح خُويلد بن عَمرو (٤) الخُزاعي الكعبي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. أسلم قبل الفتح، وكان حامل لواء بني كعب بن خُزاعة يوم الفتح (٥)، ومات بالمدينة في هذه السنة (٦).

стр. 3908

وأسند عن النبيِّ ﷺ [أحاديث. وأخرج له الإمام أحمد في "المسند" ستة أحاديث (١)، منها ثلاثة في "الصحيحين"؛ اتفقا على اثنين، وانفرد البخاري بحديث. وقال الإمام أحمد بإسناده عن سعيد المقبريّ، عن أبي شُريح الكعبيّ قال: قال رسول الله ﷺ ]: "واللهِ لا يؤمن بالله" (٢). قالها ثلاثًا. قالوا: ومَنْ ذاك يا رسول الله؟ قال: "الجارُ لا يأمنُ جارُه بوائقَه". قالوا: وما بوائقُه؟ قال: "شرُّه". انفرد بإخراجه البخاري (٣). [وليس في الصحابة من كنيتُه أبو شُريح سوى اثنين. أحدهما هذا، والثاني: أبو شُريح الحارثي، واسمه هانئ بن يزيد بن نَهِيك، له رؤية] (٤). زيد بن أرقم ابن زيد بن قيس بن النُّعمان الأنصاري، من الطبقة الثالثة من الخزرج (٥). [وقال ابن سعد:] (٦) واستصغره رسول الله ﷺ يوم أُحُد، فردَّه [فيمن ردَّهم: زيد بن أرقم، وعبد الله بن عُمر، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن حبنة -وحبنة أمه، وهو جدّ أبي يوسف القاضي، وسنذكره- وزيد (٧) بن جارية -بجيم- وجابر بن عبد الله، وليس بالذي يُروى عنه الحديث.

стр. 3909

وقال ابن سعد:] وغزا زيد مع النبي ﷺ سبع عشرة غزاة، أوّلها المريسيع. [وقيل: تسع عشرة] (١). وهو الذي سمع عبد الله بن أُبيّ المنافق يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلّ. [وقد ذكرنا القصة] في غزاة المُرَيسِيع. [وقال الواقدي:] نزل زيد الكوفة، وبنى بها دارًا في كِنْدة، وتوفي بها في هذه السنة (٢). وكان له من الولد: قيس، وسُويد؛ أمُّهما هند بنت يزيد من كِنْدة، وقد انقرض نسلُه. أسند زيد الحديث عن رسول الله ﷺ [قال ابن البرقي: أسندَ سبعين حديثًا، أُخرج له في "الصحيحين" اثنا عشر، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة (٣). وأخرج له الإمام أحمد سبعة وعشرين حديثًا (٤)، منها حديث: "من كنتُ مولاه، فعليّ مولاه" (٥)، وحديث: "سُدُّوا الأبواب كلَّها إلا بابَ عليّ" (٦). وقد ذكرناه، ومنها حديث العيد والجمعة] (٧). ومن مسانيده: قال الإمام أحمد ﵁: حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن إياس بن أبي رَمْلَة الشاميّ قال: سأل معاويةُ زيدَ بنَ أرقم: هَلْ شهدتَ مع رسول الله ﷺ عِيدَينِ اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، صلى العيد أوَّلَ النهار، ثمَّ رخَّصَ في الجمعة وقال: "من شاء أن يُجَمِّعَ فليُجَمِّع" (٨).

стр. 3910

[قلت: وقال محمَّد ﵀ في "الجامع الصغير" في أول باب صلاة العيدين (١): عيدان اجتمعا في يوم واحد؛ فالأول سُنَّة، والثاني فريضة، ولا يُترك واحدٌ منهما. وقال الإمام أحمد (٢): إذا حضر العيد؛ سقط عنه فرض الجمعة. وحكاه عن عمر، وعثمان، وجماعة من الصحابة. واحتجَّ بحديث ابن أرقم. وقال العلماء: لا تُغني صلاة العيد عن صلاة الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ولأنَّهما صلاتان مختلفتان في وقتين مختلفين، لا يدخل أحدُهما في الآخر. وأمَّا حديث زيد فخبرُ واحدٍ وردَ على مخالفة الكتاب. ويحتمل أنَّه كان في الابتداء، ثمَّ نُسخ. وقال ابن عساكر (٣): رَوَى عن زيد: عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وطاوس اليماني، وأبو عَمرو الشيباني، والنَّضْر بن أنس بن مالك. وليس في الصحابة من اسمه زيد بن أرقم غيره] (٤). عامر بن عبد الله بن عبد القيس العنبري التميمي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، وكنيتُه أبو عبد الله، وقيل: أبو عَمرو (٥)، وكان زاهدًا عابدًا. [وهو الذي نفاه عثمان بن عفان من البصرة إلى الشام لمَّا أنكر عليه، وإن معاوية أحسن إليه لما رأى من عبادته وورعه. وقال البلاذري: عزله عثمان بن عفان من البصرة إلى المدينة (٦)، فأعظم الناس إزعاجه لما كان عليه من العبادة والزهد، فردَّه إلى البصرة. وقد ذكرنا القصة في سنة ثلاث وثلاثين.

стр. 3911

وقال ابن سعد:] (١) أدرك [عامرٌ] عمرَ بن الخطّاب. وهو من الصدر الأول، ولكنه اشتغل بالعبادة عن الرواية. وقال ابنُ سعد عن محمَّد بن واسع: كان عامرُ بنُ عبد الله يأخذ عطاءه من عمر ألفين، فلا يمرُّ به سائل إلا أعطاه، ثمَّ يأتي أهله، فيُلقيه إليهم، فيعدُّونه، فيجدونه ألفين، لم ينقص منه شيء (٢). وكان كعب الأحبار إذا رآه يقول: هذا راهب هذه الأمة (٣). وعامر من الثمانية الذين انتهى إليهم الزُّهد في الدنيا. قال علقمة [بن مرثد]: كان عامر يصلي، فيتمثَّل له إبليس في صورة حيَّة، فيدخل من تحت قميصه فيخرج من جيبه، فما يمسُّه. فقيل له: أما تُنَحِّي عنك هذه الحيَّة؟ فيقول: إني لأستحي من الله أن أخاف شيئًا غيرَه. قيل له: فإن الجنَّة تُدركُ بدون هذا الذي تصنع، وإنَّ النار لتندفع بدون ذلك. فقال: واللهِ لأجتهدنَّ، فإن نجوتُ فبرحمة الله، وإن دخلتُ النار فبعد جهدي (٤). [قال:] فلما احتُضر بكى، فقيل له: أجزعت من الموت؟! فقال: لا واللهِ [ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على دنياكم الفانية] ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليالي في الشتاء (٥). وكان يقول: إلهي، في الدنيا الهموم والأحزان، وفي الآخرة الحساب والعذاب، فأين الرَّوْحُ والفَرَح؟ (٦)

стр. 3912

قال المعلَّى بن زياد: كان عامر بنُ عبد قيس قد فرض على نفسه في كل يوم ألف ركعة، فكان إذا صلَّى العصر؛ جلس وقد انتفخت قدماه [أو ساقاه] من طول القيام، فيقول: يا نفس، لهذا خلقتِ، وبه أُمرتِ، يوشكُ أن يذهبَ هذا العَناء (١). [ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كلِّ سوء، فوعزَّة ربي لأزحفنَّ بك زحوف البعير، ولئن استطعت أن لا يمسَّ الأرض من زُهمك لأفعلنَّ] (٢). وكان يتلوَّى على الفراش كما تتلوَّى الحبَّةُ على المِقْلَى (٣) ويقولُ: اللهمَّ إنَّ النارَ قد منعتني من النوم، فاغفر لي (٤). [وروى ابنُ أبي الدنيا أنَّه هبط واديًا يقال له: وادي السباع، وفي الوادي سباع كثيرة، وفيه عابد يقال له: حُمَمَة، حبشي. فقاما أربعين يومًا يعبدان الله، لا يكلِّمُ واحد منهما الآخر؛ إذا جاء وقت الفريضة صلَّيا، ثمَّ أقبلا يتطوَّعان. فقال عامر بن عبد الله بعد الأربعين: من أنت؟ فقال: حُمَمَة. فقال: لئن كنتَ حُممة الذي وُصف لي؛ لأنت أعبدُ أهل الأرض. فأخْبِرْني عن أفضل خصلة فيك. فقال: (إني لمقصِّر، و) لولا مواقيت الصلاة (تقطعُ عليَّ القيامَ والسجودَ) لأحببتُ أن أكون عمري ساجدًا مفترشًا وجهي لربّي حتى ألقاه، فمن أنت؟ فقال: عامر بن عبد قيس. فقال: لئن كنتَ الذي ذُكر لي، فأنت أعبدُ الناس، فأخبرني بأفضل خصلة فيك؟ قال: إني لمقصِّر، ولكن واحدة عظمت؛ هيبةُ الله في صدري، حتى ما أخاف شيئًا غيره. قال: واكتنفته السِّباع، ووثبَ سَبُع، فوضع يده على كتفه، وعامر يقرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. فلما رآه السَّبُع لا يكترث له؛ ذهب وتركه. قلت: وحُمَمَة هذا من الصحابة، من الطبقة الخامسة، وقد ذكرناه في السنة الحادية والعشرين في أيام عمر ﵁] (٥).

стр. 3913

وكان عامر أولَ داخل إلى المسجد، وآخرَ خارج، وما رؤيَ متطوِّعًا فيه قطّ. و [قال ابن أبي الدنيا:] قال له رجل: يا عامر، قفْ أُكلِّمْك. فقال: أَمْسِكِ الشمس. قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: الف فرس المجاهدة الركض فما يصلح لركوبه إلا فارس ميدان السباق لا يحتمل الحديث (١). قيل: إن عامر ﵁ مات في سنة تسع وستين، وقيل قبل ذلك، وقيل بعده، والله أعلم. عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطلب [ابن هاشم]﵁، ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ ، وأمُّه أمُّ الفضل، وهي لُبابة الكبرى بنت الحارث بن حَزْن الهلاليَّة، وهو من الطبقة الخامسة ممَّن قُبضَ رسولُ الله ﷺ وهم أحداثُ الأسنان. [وقد ذكرنا أنَّه] وُلد في الشِّعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم [منه] بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بسنتين. و [قال مجاهد:] حنَّكه رسولُ الله ﷺ بريقه، ولم يحنِّك بريقه أحدًا سواه (٢). و [قال الواقدي:] قُبضَ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ ثلاثَ عشرةَ سنة (٣). [وقال هُشيم: كان ابنَ عشر سنين. قال الواقدي: والأوَّل أصح، ألا ترى أنَّه قال: راهقتُ الاحتلام في حجَّة الوداع. فكيف يكونُ ابنَ عشر سنين؟! (٤). وقرأتُ المُحْكَمَ على عهد رسول الله ﷺ . يعني المُفَصَّل (٥).

стр. 3914

وأخرج البخاري عن ابن عباس؛ قال (١): قيل له: ابنَ كم كنتَ يومَ قُبضَ رسول الله ﷺ ؟ قال: مات وأنا خَتِين. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. وقال الإمام أحمد بن حنبل: كان له ثلاث عشرة سنة] (٢). وكنيتُه أبو العبَّاس، وقيل: أبو الفضل، وقيل: أبو هاشم (٣). ذكر صفته: [قال ابن منده:] كان أبيضَ طُوالًا مُشربًا صُفرة، جسيمًا وسيمًا، صَبِيح الوجه، له وَفْرَةٌ يخضبها بالحِنَّاء وكان يصفِّر لحيته، وقيل: كان لا يغيِّر شيبه، وكان يلبس الحِبَرَة (٤)، ويتختَّم في يساره، وكان يلبس الخَزّ، وكان له مِرْفَقَة (٥) من حرير، وكان يدخل الحمَّام (٦). ذكر طرف من أخباره [ومناقبه]: [قال علماء السِّيَر:] كان [عبد الله] يسمَّى حَبْرَ الأمَّة، والبحر؛ لغزارة علمه، وترجمان القرآن. [كذا قال ابنُ مسعود ومجاهد] (٧). ودعا له رسولُ الله ﷺ ؛ [قال أحمد: حدثنا هاشم بإسناده قال: سمعتُ عُبيد الله بن أبي يزيد يقول: قال ابن عباس: أتى النبيُّ ﷺ الخلاء، فوضعتُ له وَضوءًا، فلما

стр. 3915

خرج قال: "من وضعَ هذا؟ ". قلت: أنا. أو: فقلت: ابن عباس]، فقال: "اللهمَّ فَقِّهْهُ في الدِّين". [أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي رواية لأحمد:] "وعَلِّمْهُ التأويل" (٢). [وقال أبو مسعود الدمشقي: ما رأينا ذكر "التأويل" في الكتابين. يعني في البخاري ومسلم. وأخرجه البخاري، وفيه: قال: فضمَّني إلى صدره وقال: "اللهمَّ علِّمْهُ الحكمة - أو: الكتاب" (٣). قال: وتوفّي رسول الله ﷺ وقد جمعتُ المُحْكَم. قال ابنُ المسيِّب: فقلتُ له: وما المُحْكَمُ؟ قال: المُفَضَّل. وفي "الصحيحين" عن ابن عبَّاس] قال: بتُّ عند خالتي ميمونة وعندها رسولُ الله ﷺ ، فقام في الليل، فتوضَّأ، وصلَّى، فجئتُ من عن يساره، فأقامني عن يمينه [وهو حديث طويل] (٤). وأردفَه رسول الله ﷺ خلفَه وقال: "يا غلام [-أو: يا غُليم-] ألا أعلِّمُك كلماتٍ ينفعك اللهُ بهنّ؟ احفظ اللهَ يحفظك (٥)، احفظ اللهَ تَجِدْه أمامَك، تعرَّف إليه (٦) في الرَّخاء؛ يتعرَّفْ إليك (٧) في الشِّدَّة. الحديث (٨). وقدَّمه ليلةَ المزدلفة مع ضَعَفَةِ أهلِه (٩).

стр. 3916

حديث نَظَرِهِ إلى جبريل ﵇: قال [أحمد بإسناده عن عمَّار بن أبي عمَّار] عن عبد الله بنِ العبَّاس ﵄[قال]: كُنْتُ مع أبي العبَّاس عند رسول الله ﷺ ورجل يناجيه، فكان كالمُعْرِض عن أبي. فلمَّا خرجنا قال: يا بُنيّ، الم تَرَ إلى ابن عمِّك كالمُعرض عني؟ [قال:] فقلت: يا أبة: إنه كان عنده رجلٌ يناجيه. [قال:] ورجعنا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال له أبي: يا رسول الله، قلتُ لعبد الله كذا وكذا، فأخبرني أنَّه كان عندك رجل يناجيك، فهل كان عندك أحد؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهل رأيتَه يا عبد الله؟ " قلت: نعم. قال: "ذاك جبريل، وهو الَّذي شغلني عنك" (١). وقال ابن عباس (٢): رأيتُ جبريل مرَّتين، ودعا لي رسولُ الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال: "اللهمَّ بارِكْ فيه، وانْشُرْ منه" (٣). قال: وقال [لي] رسول الله ﷺ : "رأيتَ جبريل؟ " قلتا: نعم. فقال: "أما إنك ستفقدُ بصرَك". فذهب بصرُه فِي آخر عمره ﵁ (٤). ذكر احترام عُمر [بن الخطاب]﵁، ونحو ذلك. [قال الزبير بن بكَّار:] كان عمر وعثمان ﵄ يدعوانِه فيستشيرانِه، فيُشير عليهما، ويُجلسانِه مع أهل بدر لفضله. وقال [ابن سعد بإسناده عن سعيد بن جُبير، عن] ابن عباس [قال]: كان عمر يأذنُ لأهل بدر، ويأذنُ لي معهم، فقال له: تأذنُ لهذا الفتى معنا، وفي أبنائنا مَنْ هو مثلُه! فقال عمر: إنه مَنْ قد علمتُم. [قال:] فأَذِنَ لهم ذاتَ يوم، وأَذِنَ لي معهم، وسألهم عن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة. فقالوا: أمرَ الله تعالى رسولَه ﷺ أن يستغفر ربَّه ويتوبَ إليه إذا رأى هذه العلامة فِي أمَّته.

стр. 3917

[قال:] فقال لي: ما تقولُ أنتَ يا ابنَ عباس فيها؟ [قال:] فقلت: ليس كما قالوا، ولكنَّ الله أخبر رسوله بحضور أجله. فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة ﴿وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فذلك علامةٌ على دُنُوّ أَجَلِك. فقال عمر: ما أعلمُ منها إلا ما قلتَ. ثم التفتَ إليهم فقال: أتلُومونني عليه بعد ما ترون؟! (١) وقال ابنُ سعد (٢): وسألهم عن ليلة القَدْر، فقال بعضهم: هي فِي العشر الأواخر؟ فِي حادية وعشرين، وثالثة وعشرين. فقال: يا ابن عباس، ما تقول أنت؟ فقال: الله أعلم. فقال عُمر: قد علمنا أنَّ الله يعلم، وإنما نسالُك عن علمك. فقال ابن عباس: إن الله وتْرٌ يحبُّ الوتْر، خلق السموات سبعًا [والأرضين سبعًا] والأيام سبعًا، وجعلَ الطواف بالبيت سبعًا، وبين الصفا والمروة سبعًا، ورَمْيَ الجمار سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقَه فِي سبع. فقال عمر ﵁: وكيف؟ فقال: [لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فذكر السبعة أشياء، ثم قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَفَاكِهَةً﴾ فهذه سبعة ﴿وَأَبًّا﴾ وهو علف البهائم، فكذا ليلةُ القَدْر؛ فِي السابعة والعشرين من رمضان (٣). فقال له عمر رضوان الله عليه: أحسنتَ وأصبتَ. [هذه رواية ابن سعد]. وقال ابن عباس (٤): سورة القدر تسعة أحرف، فإذا كرّرت [ثلاثًا] كانت سبعةً وعشرين حرفًا.

стр. 3918

وفي رواية ابن جبير عنه أنَّ الكلمة السابعة والعشرين (١) هي قوله تعالى: ﴿هِيَ﴾. [وحكى ابن سعد عن الشعبي أن العبَّاس قال لابنه عبد الله (٢): يا بُنيّ، إني أرى هذا الرجل -يعني عمر- قد أدناك وأكرمك، والحقك بقوم لمست مثلهم، فاحفظ عني ثلاثًا: لا يُجرِّبنَّ عليك كذبًا، ولا تفشينَّ له سرًّا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا. قال هشام:] (٣) وكان عمر رضوان الله عليه يقول: ابنُ عباس فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول (٤). وكان إذا أشكل عليه أمر يقول له: غُصْ يا غوَّاص (٥). وقال له عمر رضموان الله عليه: واللهِ إنَّك لأَصْبحُ فتيانِنا (٦) وجهًا، وأحسنهم عقلًا، وأفقهُهُم فِي كتاب الله تعالى. وكان يقول للصحابة: أَعَجَزْتُم أنْ تأتوا بمثل ما يأتي به هذا الغلام الَّذي لم تجتمع شؤونُ رأسه (٧)؟! [وقال أبو عمرو بن العلاء:] نظو الحطيئة الشاعر يومًا إلى ابنِ عباس فِي مجلس عمر بن الخطاب رضوان الله عليه عاليًا على الناس، فقال: مَنْ هذا الَّذي فَرَعَ (٨) الناسَ بعلمه، ونزلَ عنهم بسِنَه؟! فتالوا. عبدُ الله بنُ عبَّاس (٩) الَّذي يقول فيه حسان بن ثابت:

стр. 3919

إذا ما ابنُ عبَّاسٍ بدا لك وَجْهُهُ … رأيتَ له فِي كلِّ أحواله فَضْلا إذا قال لم يترُكْ مقالًا لقائلٍ … بمنتظماتٍ لا تَرَى بينها فَصْلا كَفَى وشَفَى ما فِي النفوس فلم يَدَعْ … لِذي إرْبَةٍ فِي القول جِدًّا ولا هَزْلا سَمَوْتَ إلى العَلْيَا بغير مَشقةٍ … فنِلْتَ عُلاها (١) لا دَنِيًّا ولا وَغْلا خُلقتَ حليفًا للمروءة والنَّدى … مليحًا ولم تخلق كَهَامًا ولا خَتْلا (٢) ومنها: ظريفُ السَّجايا حلوةٌ حركاتُهُ … كأنَّ له فِي كلِّ جارحةٍ عقلًا وهذا البيتُ من أبدع بيتٍ قالته العرب، وقد انتحله بعضُ المتأخّرين، وليس له (٣). قال الزُّبير بن بكَّار: رأى النبيُّ ﷺ يومًا ابنَ عباس مقبلًا، فقال: "اللهمَّ إني أحبُّه فأحبَّه" (٤). وكان يُجلسه فِي حِجْره، فيقول: "هذا شيخ قريش" (٥). [ذكر نبذة من كلامه]: قال [أبو نُعيم بإسناده عن] عبد الله بن دينار: إنَّ رجلًا سال ابنَ عمر عن قوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] قال له: اذهب إلى ذلك الشيخ، فسله. يعني ابنَ عباس. ثم عُدْ وأخبرني ما قال ابنُ عباس. فذهب إلى ابن عبَّاس، فسأله، فقال: كانت السماوات رَتْقًا لا تُمطر، وكانت الأرضُ رَتْقًا لا تُنبت، ففتقَ هذه بالمطر، وفَتَقَ هذه بالنبات. فرجع الرجل، فأخبر ابنَ عمر، فقال: إنَّ ابنَ عبَّاس قد أوتيَ علمًا، صدق (٦).

стр. 3920

[قلت: وهذا أحدُ الأقوال.] وقال شقيق (١): خطب ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرأ ويُفسِّر، فجعلتُ أقول: ما رأيتُ ولا سمعتُ كلام رجلٍ مثلَه، لو سمعَتْهُ فارسٌ والروم لأسلَمَت (٢). [قال: وكان طاوس يقول. كان ابنُ عباس قد بَسَقَ (٣) فِي العلم كما تبسق النخلة السَّحُوق على الوديّ الصغار (٤). وحكى الموفَّق ﵀ (٥) أن امرأةً ولَدَتْ لستة أشهر، فهمَّ عمر برجمها، فقال له ابنُ عبَّاس: ليس عليها ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا أسقطنا العامين من ثلاثين شهرًا، بقي ستة أشهر مدةُ الحمل. فصار عمر إلى قوله. قال الموفَّق: وقيل: إنَّ القائل لذلك عليُّ بن أبي طالب. قلت: وهو الأصحّ. وقد ذكرنا أنَّ عليًّا قال ذلك لعثمان] (٦). وقال عكرمة: كان عمر ﵁ يُعِدُّ ابنَ عبَّاس للمعضلات، مع اجتهاد عمر ونظره. وقال أبو صالح: لقد رأيتُ من ابن عبَّاسٍ مجلسًا، لو أنَّ [جميع] قريش فخرت به لكان فخرًا، رأيتُ الناسَ قد اجتمعوا إليه حتَّى ضاقَ بهم الطريق، فدخلتُ عليه، فأخبرتُه، فقال: ضَعْ لي وَضوءًا. فوضعتُ له، فتوضأ، ثم جلس وقال: اخْرُجْ فقل:

стр. 3921

من كان يُريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه؛ فليَدْخُلْ. فخرجتُ، فآذَنْتُهم، فدخلُوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سالوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادَهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ فقل: مَنْ أراد أن يسألَ عن تفسير القرآن وتأويله؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيتَ والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخرجْ فقل: مَنْ أرادَ أن يسألَ عن الحلال والحرام والفقه؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ، فقُل: مَنْ أرادَ أن يسألَ عن الفرائض والوصايا ونحوها؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ، فقل: مَنْ أراد أن يسألَ عن العربية والشِّعر وكلامِ العرب والغريب، فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيتَ والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. قال أبو صالح: فما رأيت لأحدٍ مثلَ هذا (١). وقال أبو صالح: دخل عليه رجل فقال: متى يُبعثُ هذا الرجل؟ فقال: أيُّ الرجال؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: حتَّى يبعثَ اللهُ خلقَه. فقال: أنتَ من هؤلاء الجُهَّال الذين ينكرون هذا. فقال: أخرِجوه (٢). وقرأ عنده قارئ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [ال عمران: ١٠٣] وكان عنده أعرابي فقال: واللهِ ما أنقذهم منها وهو يريد أن يُعيدهم فيها. فقال ابن عبَّاس: خذُوها من غير فقيه (٣).

стр. 3922

وقال ابنُ جُبير: سأله سائل، فقال: ما تقول فيمن طلَّق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: يكفيه من ذلك كواكب الجوزاء. يعني ثلاثة (١). [ذكر بعض واقعاته: قد ذكرنا طرفًا منها فيما تقدَّم. وقال المدائني: قام عَمرو بن العاص فِي موسم من مواسم العرب، فأَطْرَى معاويةَ وبني أمية، وذكر مشاهده بصفين، وكان ابنُ عبَّاس حاضرًا، فقال له: ويحك يا عَمرو! إنك بِعتَ دينك من معاوية، فأعطيتَه أكثر مما أعطاك، ولمَّا صارت مصرُ فِي يدك؛ كدَّرها عليك بالعزل، وأنا مشاهدك (٢) فِي صفّين، فكنتَ فيها - واللهِ - طويل اللسان، قصير السِّنان، كُشفَتْ فيها عورتُك، وما ثقلت وطأتُك، وكنتَ آخر الخيل إذا أقبلَتْ، وأوَّلها إذا أدبرت، لك يدان، إحداهما لا تبسطها إلى خير، والأخرى لا تقبضها عن شرّ، وأنت ذو وجهين، وَجْهٌ مؤنس، ووجه مُوحش، ولعمري إنَّ مَنْ باع دينه بدنيا غيره لَحَرِيٌّ أن يطولَ ندمُه، ويحك يا عَمرو!، فيك حقد، ولك رأي، وفيك مكر وحسد، فأصغر عيبٍ فيك أعظم عيب فِي غيرك. وقال ابن عساكر:] (٣) قدم ابنُ عبَّاس على معاوية بعد صلحه الحسن ﵁؛ فِي العام الَّذي استُشهد فيه عليٌّ ﵇، فقال له معاوية: أنشدك الله، هلَّا حدَّثتني عن خليل أبيك أبي سفيان. فقال: تَجَرَ فرَبح، وأسلم فأفلح، وولدَ فأنجح، وكان فِي الشرك رأسًا حتَّى انقضى. [وقال الحافظ:] وتكلَّم ابن عباس يومًا فأتبعه معاوية بصره، فقال: إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ … مُصيبٍ ولم يَطْو اللسانَ على هَجْرِ

стр. 3923

يُصرِّفُ بالقول اللسانَ إذا انتحى … وينظر فِي أعطافه نَظَرَ الصَّقْرِ (١) وقال معاوية يومًا -وعنده جماعة من بني هاشم؛ فيهم ابنُ عباس-: يا بني هاشم، بابي لكم مفتوح، وخيري لكم ممنوح، فلا يقطعُ خيري عنكم علَّة، ولا يمنعُ بابي دونكم مسألة، إنكم ترون أنكم أحق بما فِي يدي منّي، فإذا أعطيتُكم عطيَّة فيها قضاءُ حقوقكم؛ قلتُم: أعطانا دون حقِّنا، وقصَّر بنا عن قَدْرِنا، فصرتُ كالمسلوب، والمسلوبُ لا حَمْدَ له. فقال له ابنُ عبَّاس: واللهِ ما منَحْتَنَا شيئًا حتَّى سألناه، ولا فتحتَ لنا بابًا حتَّى قَرَعْناه، ولئن قطعتَ عنَّا الخير؛ فاللهُ أوسعُ خيرًا منك. ولئن أغلقتَ بابك دونَنا لنكفَنَّ أنفسنا عنك، ومالك فِي هذا المال إلَّا ما لرجل من المسلمين، ولنا فِي الفيء والغنيمة حقٌّ بكتاب الله تعالى، ولولا ذلك لما أتيناك (٢). [وقال الهيثم بن عدي: دخل ابن عبَّاس على معاوية وعنده الناس على طبقاتهم، فقال معاوية: رحم الله أبا سفيان والعبَّاس، فلقد كانا صديقين صَفِيَّينِ، فحفظتُ الميتَ فِي الحيّ، والحيَّ فِي الميّت. يا ابن عبَّاس، استعمَلَك عليٌّ على البصرة، واستعملَ أخاك عبيد الله على اليمن، وأخاك قثم على المدينة. فلما كان من الأمر ما كان هَنَأتُكم ما فِي أيديكم، ولم أكشف عمَّا وَعَتْ غرائزكم، وقلت: آخذ اليوم منهم وأعطيهم غدًا مثله، وعلمتُ أن يد اللوم تضرُّ بعاقبة الكرم، ولو شئتُ لأخذتُ بحلاقيمكم (٣)، فقيَّأُتُكُم ما أكلتُم، ثم لا يزال يبلغُني عنكم ما لا يترك له (٤)، وذنوبكم إلينا أعظم من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان، وقتلتُم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني يوم صفّين، ولعمري إنَّ بني تيم وعديّ أعظم ديونًا منّا إليكم إذْ صرفوا هذا الأمر عنكم، وسنُّوا فيكم هذه السيرة، فحتى متى أُغضي الجفونَ على القَذَى، وأسحبُ الذيول على الأذى؟

стр. 3924

قال: فتشزَّن (١) ابن عباس، وحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله، ثم قال: أما بعد، يا معاوية، فقد كان أبي وأبوك متعارضين، لكن أبي نصر أباك فِي الجاهلية، وحقن دمه فِي الإسلام. وأما استعمال أمير المؤمنين إيَّانا؛ فإنه استعملنا لنفسه دون هواه، وأنت استعملتَ رجالًا لهواك دون نفسك، منهم ابنُ الحضرمي، فأُحرقَ بالبصرة، وبُسْر بن أبي أرطاة على اليمن، فسبى المسلمات، وسفكَ الدمَ الحرام وخان، وولَّيتَ ابنَ عامر البصرة، فاقتطع أموال المسلمين، والمغيرةَ الكوفة، ففعل ما فعل، والضحاك بن قيس، فخان وحُصِبَ بالكوفة. وأما قولك: تطلب الَّذي عندنا، فما أنت وذاك؟ تلك حقوق أذن لنا أمير المؤمنين فِي قبضها، وأنت عن الحق بمعزل، ولو قادك الشَّره إليها لدفعناها إليك، ووقينا بها أعراضَنا. وأما [ما] يبلغُك عنَّا؛ فليس بأعظم مما بلَغَنَا عنك، ولو وُضع أصغر ذنوبكم إلينا على ألف حسنة لمحاها، ولو وُضع أدنى عذرنا إليكم على ألف سيئة لمحاها (٢). وأما عثمان؛ فأنت ألومُ به منّا، وقد تربَّصتَ عليه، وتأخّرتَ عن نُصرته؛ مع قدرتك وعجزنا. وأما يوم الجمل؛ فإنما قتلنا من نَصَركم عن الحقّ ليرجع إليه. وأما حربنا إيّاك فِي صفّين؛ فعلى تركك الحق، وتماديك فِي الباطل. وأما إغراؤك إيانا بِتَيْم وعديّ؛ فلو كنّا أردناها ما غلبونا عليها. ثم قام وخرج. فعجب الناس من جوابه. وقال هشام بن محمد:] (٣) قدم ابنُ عبَّاس على معاوية، فجاءه كتاب ملك الروم يقول له: أخبرني عمَّن لا قَبْلَ له (٤)، وعمَّن لا عشيرةَ له، وعمَّن لا أبَ له، وعمَّن سارَ

стр. 3925

بِه قبرُه، وعن ثلاثة لم يُخلقوا في رَحِم، وعن شيء، ونصف شيء، ولا شيء، وابْعَثْ لي فِي هذه القارورة ببزْرِ كلِّ شيء. فدعا معاويةُ علماءَ الشام، وعرضَ عليهم الكتابَ، فلم يعرفوا ما فيه، فدعا ابنَ عباس وقال له: يا أبا العبَّاس، ما لهذا سواك. فأخذ الكتاب، فقلَبَه، وكتبَ خلفَه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمَّا الَّذي لا قَبْلَ له فاللهُ تعالى (١)، وأمَّا الَّذي لا عشيرة له فآدم، وأمَّا الَّذي لا أبَ له فعيسى، وأمَّا من سارَ به قبرُه فيونُس. وأمَّا الثلاثةُ الذين لم يُخلقوا فِي رحم: فكبشُ إبراهيم، وناقةُ صالح، وحيَّةُ موسى. وأما عن شيء: فالشيء: الرجل العاقلُ يعملُ بعقله، وأمَّا نصفُ الشيء: فالذي له عقل ويعملُ برأي غيره، وأمَّا الَّذي لا شيء: فالذي لا عقلَ له ولا يعمل بعقل غيره. وملأ القارورة ماءً وبعث بها إليه وقال: هذا بِزْرُ كلِّ شيء. فلما وقف ملك الروم على كتابه قال: ما خرج هذا إلَّا من بيت النبوة (٢). قال المصنّف ﵀: كان ابنُ عبَّاس يُفتي بالمتعة -ولعلَّه ما بلغه التحريم- ثم رجع عنها. وسببُه: ما رواه الزُّهريُّ عن سعيدِ بن جُبير قال: قلتُ له: يا أبا العباس، قد أكثرتَ فِي المتعة حتَّى سارت الرُّكبان بقول القائل: أقولُ وقد طال الثَّواء بنا معًا … يا صاحِ هَلْ لك فِي فتوى ابنِ عبَّاسِ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الأطرافِ آنسةٍ … تكونُ مثواكَ حتَّى مرجعِ (٣) الناسِ فقال: أَوَقَدْ قالُوها؟! قلت: نعم. فخطب وقال: أيُّها الناس، إنَّ المتعةَ حرامٌ؛ كالميتة والدَّمِ ولحم الخنزير (٤).
следующие страницы →