← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

من كان يُريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه؛ فليَدْخُلْ. فخرجتُ، فآذَنْتُهم، فدخلُوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سالوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادَهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ فقل: مَنْ أراد أن يسألَ عن تفسير القرآن وتأويله؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيتَ والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخرجْ فقل: مَنْ أرادَ أن يسألَ عن الحلال والحرام والفقه؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانَكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ، فقُل: مَنْ أرادَ أن يسألَ عن الفرائض والوصايا ونحوها؛ فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيت والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. ثم قال: إخوانكم. فخرجوا، فقال: اخْرُجْ، فقل: مَنْ أراد أن يسألَ عن العربية والشِّعر وكلامِ العرب والغريب، فليدخُلْ. فدخلوا حتَّى ملؤوا البيتَ والحُجْرَة، فما سألوه عن شيء إلَّا أخبرهم به وزادهم. قال أبو صالح: فما رأيت لأحدٍ مثلَ هذا (١). وقال أبو صالح: دخل عليه رجل فقال: متى يُبعثُ هذا الرجل؟ فقال: أيُّ الرجال؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: حتَّى يبعثَ اللهُ خلقَه. فقال: أنتَ من هؤلاء الجُهَّال الذين ينكرون هذا. فقال: أخرِجوه (٢). وقرأ عنده قارئ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [ال عمران: ١٠٣] وكان عنده أعرابي فقال: واللهِ ما أنقذهم منها وهو يريد أن يُعيدهم فيها. فقال ابن عبَّاس: خذُوها من غير فقيه (٣).

стр. 3922

وقال ابنُ جُبير: سأله سائل، فقال: ما تقول فيمن طلَّق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: يكفيه من ذلك كواكب الجوزاء. يعني ثلاثة (١). [ذكر بعض واقعاته: قد ذكرنا طرفًا منها فيما تقدَّم. وقال المدائني: قام عَمرو بن العاص فِي موسم من مواسم العرب، فأَطْرَى معاويةَ وبني أمية، وذكر مشاهده بصفين، وكان ابنُ عبَّاس حاضرًا، فقال له: ويحك يا عَمرو! إنك بِعتَ دينك من معاوية، فأعطيتَه أكثر مما أعطاك، ولمَّا صارت مصرُ فِي يدك؛ كدَّرها عليك بالعزل، وأنا مشاهدك (٢) فِي صفّين، فكنتَ فيها - واللهِ - طويل اللسان، قصير السِّنان، كُشفَتْ فيها عورتُك، وما ثقلت وطأتُك، وكنتَ آخر الخيل إذا أقبلَتْ، وأوَّلها إذا أدبرت، لك يدان، إحداهما لا تبسطها إلى خير، والأخرى لا تقبضها عن شرّ، وأنت ذو وجهين، وَجْهٌ مؤنس، ووجه مُوحش، ولعمري إنَّ مَنْ باع دينه بدنيا غيره لَحَرِيٌّ أن يطولَ ندمُه، ويحك يا عَمرو!، فيك حقد، ولك رأي، وفيك مكر وحسد، فأصغر عيبٍ فيك أعظم عيب فِي غيرك. وقال ابن عساكر:] (٣) قدم ابنُ عبَّاس على معاوية بعد صلحه الحسن ﵁؛ فِي العام الَّذي استُشهد فيه عليٌّ ﵇، فقال له معاوية: أنشدك الله، هلَّا حدَّثتني عن خليل أبيك أبي سفيان. فقال: تَجَرَ فرَبح، وأسلم فأفلح، وولدَ فأنجح، وكان فِي الشرك رأسًا حتَّى انقضى. [وقال الحافظ:] وتكلَّم ابن عباس يومًا فأتبعه معاوية بصره، فقال: إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ … مُصيبٍ ولم يَطْو اللسانَ على هَجْرِ

стр. 3923

يُصرِّفُ بالقول اللسانَ إذا انتحى … وينظر فِي أعطافه نَظَرَ الصَّقْرِ (١) وقال معاوية يومًا -وعنده جماعة من بني هاشم؛ فيهم ابنُ عباس-: يا بني هاشم، بابي لكم مفتوح، وخيري لكم ممنوح، فلا يقطعُ خيري عنكم علَّة، ولا يمنعُ بابي دونكم مسألة، إنكم ترون أنكم أحق بما فِي يدي منّي، فإذا أعطيتُكم عطيَّة فيها قضاءُ حقوقكم؛ قلتُم: أعطانا دون حقِّنا، وقصَّر بنا عن قَدْرِنا، فصرتُ كالمسلوب، والمسلوبُ لا حَمْدَ له. فقال له ابنُ عبَّاس: واللهِ ما منَحْتَنَا شيئًا حتَّى سألناه، ولا فتحتَ لنا بابًا حتَّى قَرَعْناه، ولئن قطعتَ عنَّا الخير؛ فاللهُ أوسعُ خيرًا منك. ولئن أغلقتَ بابك دونَنا لنكفَنَّ أنفسنا عنك، ومالك فِي هذا المال إلَّا ما لرجل من المسلمين، ولنا فِي الفيء والغنيمة حقٌّ بكتاب الله تعالى، ولولا ذلك لما أتيناك (٢). [وقال الهيثم بن عدي: دخل ابن عبَّاس على معاوية وعنده الناس على طبقاتهم، فقال معاوية: رحم الله أبا سفيان والعبَّاس، فلقد كانا صديقين صَفِيَّينِ، فحفظتُ الميتَ فِي الحيّ، والحيَّ فِي الميّت. يا ابن عبَّاس، استعمَلَك عليٌّ على البصرة، واستعملَ أخاك عبيد الله على اليمن، وأخاك قثم على المدينة. فلما كان من الأمر ما كان هَنَأتُكم ما فِي أيديكم، ولم أكشف عمَّا وَعَتْ غرائزكم، وقلت: آخذ اليوم منهم وأعطيهم غدًا مثله، وعلمتُ أن يد اللوم تضرُّ بعاقبة الكرم، ولو شئتُ لأخذتُ بحلاقيمكم (٣)، فقيَّأُتُكُم ما أكلتُم، ثم لا يزال يبلغُني عنكم ما لا يترك له (٤)، وذنوبكم إلينا أعظم من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان، وقتلتُم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني يوم صفّين، ولعمري إنَّ بني تيم وعديّ أعظم ديونًا منّا إليكم إذْ صرفوا هذا الأمر عنكم، وسنُّوا فيكم هذه السيرة، فحتى متى أُغضي الجفونَ على القَذَى، وأسحبُ الذيول على الأذى؟

стр. 3924

قال: فتشزَّن (١) ابن عباس، وحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله، ثم قال: أما بعد، يا معاوية، فقد كان أبي وأبوك متعارضين، لكن أبي نصر أباك فِي الجاهلية، وحقن دمه فِي الإسلام. وأما استعمال أمير المؤمنين إيَّانا؛ فإنه استعملنا لنفسه دون هواه، وأنت استعملتَ رجالًا لهواك دون نفسك، منهم ابنُ الحضرمي، فأُحرقَ بالبصرة، وبُسْر بن أبي أرطاة على اليمن، فسبى المسلمات، وسفكَ الدمَ الحرام وخان، وولَّيتَ ابنَ عامر البصرة، فاقتطع أموال المسلمين، والمغيرةَ الكوفة، ففعل ما فعل، والضحاك بن قيس، فخان وحُصِبَ بالكوفة. وأما قولك: تطلب الَّذي عندنا، فما أنت وذاك؟ تلك حقوق أذن لنا أمير المؤمنين فِي قبضها، وأنت عن الحق بمعزل، ولو قادك الشَّره إليها لدفعناها إليك، ووقينا بها أعراضَنا. وأما [ما] يبلغُك عنَّا؛ فليس بأعظم مما بلَغَنَا عنك، ولو وُضع أصغر ذنوبكم إلينا على ألف حسنة لمحاها، ولو وُضع أدنى عذرنا إليكم على ألف سيئة لمحاها (٢). وأما عثمان؛ فأنت ألومُ به منّا، وقد تربَّصتَ عليه، وتأخّرتَ عن نُصرته؛ مع قدرتك وعجزنا. وأما يوم الجمل؛ فإنما قتلنا من نَصَركم عن الحقّ ليرجع إليه. وأما حربنا إيّاك فِي صفّين؛ فعلى تركك الحق، وتماديك فِي الباطل. وأما إغراؤك إيانا بِتَيْم وعديّ؛ فلو كنّا أردناها ما غلبونا عليها. ثم قام وخرج. فعجب الناس من جوابه. وقال هشام بن محمد:] (٣) قدم ابنُ عبَّاس على معاوية، فجاءه كتاب ملك الروم يقول له: أخبرني عمَّن لا قَبْلَ له (٤)، وعمَّن لا عشيرةَ له، وعمَّن لا أبَ له، وعمَّن سارَ

стр. 3925

بِه قبرُه، وعن ثلاثة لم يُخلقوا في رَحِم، وعن شيء، ونصف شيء، ولا شيء، وابْعَثْ لي فِي هذه القارورة ببزْرِ كلِّ شيء. فدعا معاويةُ علماءَ الشام، وعرضَ عليهم الكتابَ، فلم يعرفوا ما فيه، فدعا ابنَ عباس وقال له: يا أبا العبَّاس، ما لهذا سواك. فأخذ الكتاب، فقلَبَه، وكتبَ خلفَه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمَّا الَّذي لا قَبْلَ له فاللهُ تعالى (١)، وأمَّا الَّذي لا عشيرة له فآدم، وأمَّا الَّذي لا أبَ له فعيسى، وأمَّا من سارَ به قبرُه فيونُس. وأمَّا الثلاثةُ الذين لم يُخلقوا فِي رحم: فكبشُ إبراهيم، وناقةُ صالح، وحيَّةُ موسى. وأما عن شيء: فالشيء: الرجل العاقلُ يعملُ بعقله، وأمَّا نصفُ الشيء: فالذي له عقل ويعملُ برأي غيره، وأمَّا الَّذي لا شيء: فالذي لا عقلَ له ولا يعمل بعقل غيره. وملأ القارورة ماءً وبعث بها إليه وقال: هذا بِزْرُ كلِّ شيء. فلما وقف ملك الروم على كتابه قال: ما خرج هذا إلَّا من بيت النبوة (٢). قال المصنّف ﵀: كان ابنُ عبَّاس يُفتي بالمتعة -ولعلَّه ما بلغه التحريم- ثم رجع عنها. وسببُه: ما رواه الزُّهريُّ عن سعيدِ بن جُبير قال: قلتُ له: يا أبا العباس، قد أكثرتَ فِي المتعة حتَّى سارت الرُّكبان بقول القائل: أقولُ وقد طال الثَّواء بنا معًا … يا صاحِ هَلْ لك فِي فتوى ابنِ عبَّاسِ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الأطرافِ آنسةٍ … تكونُ مثواكَ حتَّى مرجعِ (٣) الناسِ فقال: أَوَقَدْ قالُوها؟! قلت: نعم. فخطب وقال: أيُّها الناس، إنَّ المتعةَ حرامٌ؛ كالميتة والدَّمِ ولحم الخنزير (٤).

стр. 3926

[ذكر ذهاب بصره وخوفه وعبادته] (١): و [حكى ابن سعد (٢) أنَّه] لمَّا نزل الماء فِي عينيه؛ جاءه [هؤلاء] الذين يُنَقُّون الماءَ من العيون، فقالوا: أمْسِكْ عن الصلاة خمسةَ أيام ونحن نُبرئك. فقال: لا والله، ولا ركعةً واحدة، إني حُدِّثْث أنَّه من تركَ صلاةً واحدةً عامدًا؛ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان. و [قال ابن سعد (٣):] كان يؤمُّ الناسَ وهو أعمى ويقول: كيف أؤُمُّكم وأنتُم تعدلونني إلى القبلة؟! [وقال هشام:] وكان يقول [في بعض أوقاته التي يمرُّ فيها إلى الصلاة شعرًا] (٤): إنْ يأخذِ الله من عينيَّ نورَهما … ففي لساني وقلبي منهما نُورُ قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ مُدَّخَلٍ … وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ (٥) وقال عكرمة: كان فِي وجه ابن عباس خطان أسودان من البكاء. [وفي رواية: كالشِّراكَين البالِيَين] (٦). وكان يسرُدُ الصوم (٧)، ويقومُ الليل [ويبكي] ويكثر التسبيح. قال أبو نُعيم بإسناده عن ابن بُريدة قال (٨): شتمَ رجلٌ ابن عباس، فقال: إنك لَتشتمُني وفيَّ ثلاثُ خصال؛ إني لآتي على الآية من كتاب الله ، فَوَدِدْتُ أنَّ جميع الناس يعلمون منها ما أعلمُ، وإني لأسمعُ بالحاكم من حكَّام المسلمين يعدلُ فِي حكمه فأفرحُ، ولَعلّي لا أُقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمعُ الغيثَ قد أصابَ بلدًا من بلاد المسلمين فأفرحُ، وما لي به من سائمة.

стр. 3927

و [روى ابنُ أبي الدنيا عنه أنَّه] قال: لأَنْ أقرأَ البقرةَ فِي ليلةٍ أتفكَّرُ فيها أحبُّ إليَّ من أنْ أقرأَ القرآن هذرمةً (١). وحكى الضحَّاك عنه أنَّه قال: لما ضُرب الدينارُ والدرهم؛ أخذهما إبليس، فوضَعهما على عينيه وقال: أنتما قرَّة عيني، وثمرةُ فؤادي وقلبي، بكما أُطغي، وبكما أكفّر، وبكما أُدخلُ النار، رضيتُ من ابن آدم أن يعبدهما (٢). وقال [عكرمة: قال ابن عباس:] خذ الحكمة ممن سمعتَ، فإنَّ الرجل ليتكلَّمُ بالحكمة وليس بحكيم، فيكون كالرمية من غير رام (٣). وقال [ابنُ سعد: كان ابنُ عباس يقول]: إنّي لأرى ردَّ جواب الكتاب عليَّ حتمًا كردّ السلام (٤). [قال:] وقال: مَنْ أفتى الناسَ بكلِّ ما يسألون عنه فهو مجنون (٥). ذكر حِجحه وما جرى له منذ قتلِ عثمان ﵁[إلى وفاته]: [حكى ابن سعد عنه أنَّه] قال: حججتُ مع عمر ﵁ إحدى عشرةَ حِجَّة. و [قد ذكرنا أنَّه] حجَّ بالناس وعثمان ﵁ محصور بأمر عثمان، وعادَ من الحجّ وعثمان قد قُتل. [وقال الواقدي:] ولم يزل مع عليٌّ ﵁، فشهد معه الجمل وصفِّين والنَّهروان، وولَّاه على البصرة. [وقد ذكرنا أنَّه أخذ من بيت المال ما أخذ، وذهب إلى مكة] وقتل عليٌّ وهو بمكة (٦)، فأقام بالحجاز يتردَّد إلى الشام وافدًا على معاوية، فجاء نعي معاوية وهو بمكة، فخرج إلى الطائف، ثم عاد إلى مكة هو ومحمد بنُ الحنفية سنة أربع وستين.

стр. 3928

وجاء نعي يزيد بن معاوية، فدعاهه، ابنُ الزُّبير إلى بيعته فأبيا، فحَبَسهما فِي زمزم، فبعث المختار جيشًا، فأخرجهما [وقد ذكرناه]. وأقام ابن عباس ومحمد بن الحنفيَّة بالطائف إلى أن توفِّي ابنُ عباس ﵄ (١). ذكر وفاته: حكى ابنُ سعد عن الواقدي أن ابن عباس ﵄ مات بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابنُ إحدى وسبعين سنة فِي فتنة ابن الزبير. [وكذا قال جدّي ﵀ فِي "التلقيح" و"الصفوة"، والموفَّق ﵀ فِي "الأنساب". وقال الهيثم: مات فِي سنة أربع وستين. وقال المدائني: سنة أربع وسبعين، وحكاه عنه الحافظ ابن عساكر] (٢). والأول أصح [حكاه الإمام أحمد]. و [قال ابن سعد:] صلَّى عليه محمد بن الحنفية وكبَّر أربعًا، وأدحْله قبره ممَّا يلي القبلة، وضرب عليه فسطاطًا ثلاثة أيام. وقال: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة (٣). وقال [أبو نعيم (٤) بإسناده إلى] ميمون بن مهران: شهدتُ جنازةَ ابنِ عباس بالطائف، فلما وُضع ليصلَّى عليه جاء طائرٌ أبيضُ حتَّى دخل فِي أكفانه، فالتُمس فلم يوجد، فلما سُوِّي عليه؛ سمعنا صوتًا يُسمع ولا يُرى الشخص: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. [وقد روى ابن سعد طرفًا منه بإسناده عن شعيب بن يسار قال (٥): لما مات ابنُ عباس، وأُدرج فِي كفنه، دخلَ طائر أبيض فِي كفنه، فما رئي حتَّى الساعة.

стр. 3929

وقال ابن سعد: ويقال لهذا الطائر: الغرنوق، وهو طائر عظيم.، جاء من قبل وَجّ، حتَّى خالط أكفانه، فلم يُدر أين ذهب. وفي رواية ابن سعد (١): فجاء فخالط أكفانَه، فدفنوه معه. وقال الزُّهري: فأوَّلوه علمه دُفن معه. قلت:] (٢) وقد رُويَ أنَّ هذا الطائر خرج من كفنه. [فإنْ صَحَّتْ هذه الرواية فهي أحسنُ؛ لأنَّ تأويلَها خروجُ علمِه وانتشارُه، وذلك أحسنُ من طَيِّه. وقال ابن سعد (٣):] وسَطَّحَ ابنُ الحنفيَّة قبرَه، ورشَّ عليه الماء. ذكر أولاده: كان له من الولد: العبَّاس [وبه كان يُكنى، وكان أكبرَ ولده، وليس له عقب] وعليّ، وهو أصغر أولاده، وكان أجملَ قرشيّ على وجه الأرض، وأكثرَ صلاة، و [كان] يُدعى السَّجَّاد، أوله عقب، وفي ولده الخلافة. والفضل؛ لا بقية له [ومحمد؛ لا بقية له، وعُبيد الله، لا بقيَّة له] ولُبابة، كانت عند عليّ بن عبد الله بن جعفر، فولَدَتْ له، ولولدها أعقاب وبقيَّة. وأمُّهم زُرْعَة بنت مِشْرَح بن معد يكرب بن وليعة بن شُرَحْبِيل بن معاوية بن حُجْر [القَرِد] (٤) بن الحارث الولَّادة (٥) بن عَمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرْتع، وهو كِنْدة. وأسماء بنتُ عبد الله، كانت عند عَبْد الله بن عُبَيد الله بن العبَّاس بن عبد المطلب بن هاشم، فولدت له حسنًا وحسينًا الفقيه، وأمُّ أسماء أم ولد.

стр. 3930

[هذه صورة ما ذكره ابن سعد] (١). وكلُّ أولاد عبد الله بن عبَّاس من الطبقة الثالثة من أهل المدينة [فنذكر أعيانهم]. فأمَّا العباس (٢)؛ فكان يقال له: الأعنق؛ لطول محنقه. [قال ابن سعد (٣):] فولدَ العبَّاسُ بنُ عبد الله عبدَ الله، وأمُّه مريم بنت عبَّاد بن مسعود من بني نهشل بن دارم. وعونًا، وأمُّه حبيبة بنت الزبير بن العوَّام [بن خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي]. ومحمدًا وقريبة، وأمُهما جَعْدَة بنتُ الأشعث بن قيس، خلف عليها العبَّاس بن عبد الله بعد الحسن بن علي ﵄. وقد انقرضَ نسلُ العبَّاس بن عبد الله. وأمَّا عليّ [السجَّاد] فيذكر سنة سبع عشرة ومئة. وأمَّا الفضل فلا بقيَّة له. وأمَّا محمد بن عبد الله؛ فكان له ولد يقال له: العباس بن محمد، فيعرف بالمُذْهَب؛ لحسنه وجماله وسخائه، وفيه يقول الأخطل: لَبَّاسِ (٤) أرْدِيَة الملوكِ يروقُهُ … من كل مُرْتَقَبٍ عيونُ الرَّبْرَبِ (٥) لَذٍّ (٦) تَقَبَّلَهُ النعيمُ (٧) كأنَّما … مُسِحَتْ ترائبُه بماءٍ مُذْهَبِ

стр. 3931

فأعطاه العباس ألف دينار. وأمُّ العبَّاس بن محمد أمُّ إبراهيم بنت المِسْوَر بن مَخْرمة بن نوفل الزُّهري، ولا عقب له. وأمَّا لُبابة بنت عبد الله؛ فكانت عند إسماعيل بن طلحة بن عُبيد الله، ثم خلفَ عليها عليُّ بن عبد الله (١) بن جعفر بن أبي طالب (٢). وذكر ابنُ عساكر فِي أولاد عبد الله بن عباس عثمانَ بنَ عبد الله، وأمُّه أمُّ ولد، درج. ذكر مواليه ﵁: وهم: عكرمة [نذكره فِي سنة ستّ أو سبع ومئة]. وكُريب [نذكره فِي سنة ثمان وتسعين]. وأبو مَعْبَد [واسمُه] نافذ [نذكره فِي سنة أربع ومئة]. وشعبة [نذكره فِي خلافة هشام بن عبد الملك]. وذَفِيف؛ مات فِي سنة تسع ومئة، روى عنه الأعرج (٣) وغيره، وكان قليلَ الحديث. وأبو عُبيد، روى عن ابن عباس (٤). ومِقْسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإنما قيل له: مولى ابن عبَّاس؛ للزومه إيَّاه، وانقطاعه إليه، وروايته عنه. وكنيتُه أبو القاسم، وقد سمع من أمِّ سَلَمة ﵂ زوج النبيِّ ﷺ . وكلُّ هؤلاء من الطبقة الثانية من أهل المدينة (٥).

стр. 3932

ذكر مسانيد ابن عباس ﵁: [واختلفوا فيها، فقال قوم:] روى الف حديث وستّ مئة حديث وستين حديثًا [وقال ابن البرقي: الَّذي حُفظ عنه من الحديث نحو أربع مئة حديث] أُخرج له فِي الصحيحين مئتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا؛ اتَّفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمئة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين (١). وأخرج له الإمام أحمد ﵁ أربع مئة وسبعين حديثًا، منها متفق عليه، ومنها أفراد (٢). [وقد فرَّقْنا معظم أحاديثه فِي الكتاب. وقال الإمام أحمد بإسناده عن هلال (عن عكرمة) (٣) قال: حدثني ابن عباس قال: أُسريَ بالنبيِّ ﷺ … وذكر حديث الإسراء … قال: ورأى الدَّجَّال رُؤيا عَين، وليس برؤيا منام. فسُئل رسول الله ﷺ عن الدَّجَّال فقال: فَيلَمانيًّا أَقْمَر هِجانًا، إحدى عينَيه قائمة كأنَّها كوكبٌ دُرِّيّ، كأنَّ شعرَ رأسِه أغصانُ شجرة … الحديث. الفَيْلمانيّ. العظيم الجُثَّة، والأَقْمر: الشديد البياض، والهِجان: الأبيض] (٤). ورَوَى [ابن عباس] عن جماعة من الصحابة، منهم: عُمر، وعليّ ﵄، ومعاذ وأبو ذرّ، وأبو طلحة، وأسامة بنُ زيد، وأبو سفيان [بن حرب]، وابنُه معاوية، وأُبيّ بن كعب، وأخوه الفضل بنُ العباس، وكثيرُ بن العبَّاس، وعائشة، وأمُّ سَلَمة، رتجين فِي آخرين. وروى عنه من الصحابة جماعة، منهم: عبد الله بنُ عمر، وأنس بن مالك، وأبو الطُّفيل (٥)، وأبو أُمامة [بن] (٦) سهل بن حُنَيف، وغيرهم.

стр. 3933

وروى عنه من التابعين: ابنُه علي بنُ عبد الله، ومواليه: عكرمة، وكُريب، ومِقْسم (١)، وعلماء الأمصار. [فمن أهل مكة: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعَمرو بن دينار، وعُبيد بن عمير، وابن أبي مُليكة، وأبو الزبير محمد بن مسلم، وعكرمة بن خالد فِي آخرين. ومن أهل المدينة: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، ونافع بن جبير بن مُطْعِم، وأبو سلمة وحُميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وسليمان وعطاء ابنا يسار، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو صالح ذكوان، ومحمد بن كعب القَرَظي فِي آخرين. ومن أهل اليمامة: أبو زُميل، واسمه سِماك بن الوليد الحنفي. ومن أهل الطائف: عُبيد الله بن يزيد. ومن أهل اليمن: طاوس، ووَهْب، وحُجْر بن قيس، وعبد الرحمن بن البيلماني فِي آخرين. ومن أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعَمرو بن ميمون الأودي، وسالم بن أبي الجعد، وأبو الضحى، واسمه مسلم بن صُبيح فِي آخرين. ومن أهل البصرة: الحسن البصري، وابن سيرين، وأبو العالية، وأبو الشعثاء، وأبو نَضرة، وأبو جَمْرة -بجيم- وأبو مِجْلَز، وأبو رجاء، وبكر بن عبد الله، ويحيى بن يعمر فِي آخرين. ومن أهل خُراسان: الضحاك بن مُزاحم، وعطاء بن أبي مسلم. ومن أهل الشام: أبو إدريس الخولاني، وشَهْر بن حَوْشَب، وخالد بن اللجلاج، الدمشقيون فِي آخرين. ومن أهل الجزيرة: ميمون بن مِهْران، ويزيد بن الأصمّ.

стр. 3934

وقال ابنُ البرقي: غزا عبدُ الله بن عبَّاس إفريقيَّة سنة سبع وعشرين مع عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فروى عنه من مصر خمسة عشر رجلًا فيما علمت، لم يذكر منهم أحدًا] (١). وقد روى عن ابن عباس الخلق الكثير والجمّ الغفير. ومن ذرّيته: عبدُ الله بن عباس بن عبد المطَّلب (٢) بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو هاشم العباسي (٣) كان شاعرًا فاضلًا، وله القصائد الحسنة، فمن شعره من أبيات. أواخِرُ وَجْدٍ ما تَقَضَّى أوائلُهْ … سَلَا عن سُلُوِّ القلبِ فيه عَواذِلُهْ لشمسٍ ولكنَّ القلوبَ محلُّها … وبدرٍ ولكنَّ الفؤادَ مَنازلُهْ تَبيَّنَ أنَّ البانَ فِي اللِّين عَطْفُهُ … إذا ما انثنى والزانُ قُدَّ شمائلُهْ ترفَّعَ لا جيدُ الغزالة جِيدُهُ … ولا أعينُ الغزلانِ حُسْنًا تُغازِلُهْ فَمَنْ لفؤادٍ باتَ مفتئدًا بهِ … ويا مَنْ لقلبٍ بَلْبَلَتْهُ بَلابِلُهْ عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بَلْتَعَة: اللَّخْمي أبو يحيى، وقيل: أبو محمد، من الطبقة الأولى من أهل المدينة (٤). وُلدَ على عهد رسول الله ﷺ ، وقيل: رأى رسول الله ﷺ ، وذُكر فِي الصحابة (٥). وقال أحمد العجلي: هو تابعي ثقة (٦). [وأبوه حاطب من أهل بدر].

стр. 3935

وقدم عبد الرحمن على معاوية مع النعمان بن بشير بقميص عثمان رضوان الله عليه، بعثت به نائلة بنت الفُرافصة. [وأبوه حاطب هو الَّذي بعثه رسول الله ﷺ بكتابه إلى المقوقس، وقد ذكرناه. وحاطب صاحب سارة التي بعثها بكتابه إلى أهل المدينة يُخبرهم بمسير رسول الله ﷺ ، وقد تقدَّم فِي غزاة الفتح. ومات حاطب بالمدينة سنة ثلاثين]. ومات عبد الرحمن سنة ثمان وستين. وقيل: قُتل يوم الحَرَّة. أسند عبد الرحمن عن عمر، وعلي، وعثمان، وابن عمر، وأبي عُبيدة، وصُهيب الرومي، وعن أبيه ﵃. وروى عنه ابنُه يحيى بن عبد الرحمن، وعُروة بن الزبير، وغيرُهما (١). عُبَيد الله (٢) بنُ الحُرّ أبوالأشرس، [قال ابن مجاهد:] (٣) كان رجلًا صالحًا عابدًا، فلما قُتل عثمان ﵁ ووقعت الفتنة؛ خرج إلى الشام، فكان مع معاوية، وشهد معه صفِّين. ولمَّا استُشهد أميرُ المؤمنين ﵁؛ قدم الكوفة، فأقام بها، وكان معه جماعة عثمانية، فلما هاجت فتنة ابن الزبير، ومات يزيد بن معاوية، وهرب عُبيد الله بن زياد؛ اجتمع إليه إخوانُه وقالوا: ما قعودنا؛ قد بانَ الصبحُ لذي عينين (٤)، قُمْ بنا. فاجتمع إليه سبعُ مئة فارس، فخرجوا من الكوفة إلى المدائن، فكان يأخذُ الأموال التي تختصُّ بالسلطان، فيفرِّقها فِي أصحابه (٥). وكان شاعرًا، فوضعه شعره عند الناس، واستولى على الكُوَر والسَّواد.

стр. 3936

وظهر المختارُ [بن أبي عبيد، فقال: واللهِ لأقتلنَّ امرأتَه. وهي أمُّ سَلَمة الجُعْفِيَّة، فحبسَها، وبلغَ عبيدَ الله بن الحرّ، فأقبلَ فِي فتيانه إلى الكوفة ليلًا، فكسر بابَ السجن، وأخرج امرأتَه وكلَّ من كان فيه، فبعثَ إليه المختار من يقاتلُه، فقاتلهم، وأخذَ امرأتَه، وخرج من الكوفة وهو يقول: ألم تعلمي يا أمَّ تَوْبَةَ أنَّني … أنا الفارسُ الحامي حقائقَ مَذْحِجِ وأنِّي أتيتُ السجنَ فِي سَوْرَة الدُّجَى … بكلِّ فتًى حامي الذِّمارِ مُدَجَّجِ من أبيات [طويلة]. وأصبح المختار، فهدمَ دارَه وأحرقَها ومعه هَفدان، وانتهبوا ضيعتَه، فأقبل [في] السواد، فلم يدع به مالًا لهَمْدَانيّ إلَّا أخذه. وقال: وما ترك الكذابُ من جُلِّ مالِنا … ولا الزُّرْقُ من هَمْدانَ غيرَ شريدِ ومنها: وهُمْ هَدَمُوا داري وساقُوا حَلِيلَتي … إلى سجنهم والمسلمون شُهودي وهُمْ أعجلُوها أنْ تَشُدَّ خمارها … فيا عجبًا هل الزمانُ مُقَيِّدي فما أنا بابن الحُرِّ إن لم أُرِعْهُمُ … بخيلِ تَعَادَى بالكُماة أسودِ وما جَبُنَتْ خيلي ولكنْ حَمَلْتُها … على جَحْفَلٍ ذي عُدَّةٍ وعَدِيدِ من أبيات. وكان يتردَّدُ من المدائن إلى جُوخَى والجبل، فلم يزل على ذلك حتَّى قُتل المختار، فقال الناس لمصعب: [إن] ابن الحُرِّ شاقَّ ابنَ زياد والمختارَ، ولا نأمنُه. فأرسلَ إليه مصعب بأمان، فلما جاءه، حَبَسَه، فقال: مَنْ مُبْلِغُ الفتيانِ أنَّ أخاهُمُ … أَتَى دونَه بابٌ شديدٌ وحاجبُهْ بمنزلةٍ ما كان يَرْضَى بمثلِها … إذا قامَ عَنَّتْهُ كُبولٌ تُجاوبُهْ وما كان ذا من عُظْمِ جُرْمٍ جَنَيتُهُ … ولكنْ سَعَى الساعي بما هو كاذبُهْ وقد كان فِي الأرضِ العريضةِ مَسْلَكٌ … وأيُّ امرئٍ ضاقت عليه مذاهبُهْ

стр. 3937

وفي الدهر والأيامِ للمرء عِبْرَةٌ … وفيما مضى إنْ نابَ يومًا نوائبُهْ وبعثَ عُبيد الله إلى قوم من مَذْحِج يكلِّمون مصعبًا فيه ويقولون: ما خرج عليك، ولا فِي أيامك، بل على عدوِّك. وأرسل إلى فتيان من مَذْحِج، فأخْبرهم الخبرَ وقال: البسوا السلاح تحت ثيابكم، وقِفُوا على باب مصعب، فإنْ شَفَّعَهم فيَّ، فلا تَعْرِضُوا لأحد. فجاؤوا إلى مصعب، فكلَّموه فيه، وقالوا: حبستَه بغير جُرْم. فشفَّعهم فيه، وأمر بإطلاقه. فلمَّا خرج من السجن، رأى الفتيان الَّذي أمرهم أن يحملوا السلاح بباب الحبس قيامًا، فقال: أَشْهِرُوا السلاح. فأشهروه، ومضى بهم إلى منزله، وبلغَ المصعبَ، فندمَ على إخراجه. واجتمع إلى ابن الحُرّ أصحابُه يهنِّئونه، فأظهر الخلاف وقال: هؤلاء المُحِلُّون يقسمون فيئنا. واجتمع إليه قومه، وبعث إليه مصعب جماعة وهو يهزمُهم، وخرج عن الكوفة وهو يقول: فلا (١) تَحْسَبَنِّي (٢) ابنَ الزُّبيرِ كناعسٍ … إذا حَلَّ أغْفَى أو يُقال له ارْتَحِلْ فإنْ لم أُزِرْكَ الخيلَ تَرْدِي عوابسًا … بفرسانها لا أُدع بالفارس البَطَلْ وإن لم تَرَ الغاراتِ من كلِّ جانبٍ … عليك فتندمْ عاجلًا أيُّها الرجُلْ فلا وَضَعَتْ عندي حَصَانٌ قِناعَها … ولا عِشْتُ إلَّا بالأمانيِّ والعِلَلْ فأرسلَ إليه مصعب يدعوه إلى الأمان والولاية أيَّ مصر شاء، ويصله، فأبى، ونزل السَّوَاد وعين التَّمر وتكريت، ومصعب يجهِّزُ إليه الجيوش وهو فِي ثلاث مئة وهو يهزمُهم، فجهَّز إليه مصعبٌ ألفًا وخمس مئة مع الأَبْرَد بن قُرَّة الرِّياحي والجَوْنِ بنِ كعب الهَمْدَاني، فقيل له: قد أتاك العددُ الكثير، فقال: يُخوِّفُني بالقتل قومي وإنَّما … أموتُ إذا جاء الكتابُ المؤجَّلُ لعلَّ القَنا تُدني بأطرافها المني (٣) … فنحيا كرامًا أو نَكُرُّ فنُقتلُ

стр. 3938

والتَقَوْا فاقتتلُوا، فقُتل منهم جماعة، وحجز بينهم الليلُ، ثم هجم الكوفة مرَّةً ثانية، وقاتل جيوشَ المصعب، ثم خرج إلى المدائن، فبعثَ مصععب إلى ابن رُوَيم عامل المدائن يأمرُه بقتاله. فخرج إليه ابنُ رُويم، فهزمه، وقال: سَلُوا ابنَ رُوَيمٍ عن جِلادي وموقفي … بإيوانِ كسرى لا أُوَلِّيهمُ ظهري يلُوذون منِّي رَهْبةً ومخافةً … لِواذًا كما لاذ الحمائم من صَقْرِ من أبيات. ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فقال له: سِرْ إلى الكوفة حتَّى تلحقك الجيوش، فلما وصل إلى الأنبار؛ أرسل إلى الكوفة (١) يخبرُ قومه بقدومه، وكان فِي عشرة أنفس، والمصعب بالبصرة. وبلغ القيسيَّةَ، فقالوا لعامل مصعب وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: ابعث معنا جيشًا لقتاله. فبعثَ معهم، فأتَوْا بغتةً فقاتلهم ساعةً، ثم غرقت فرسُه، فأُخِذَ وقُتل، وقُطع رأسُه، وبُعثَ به إلى الكوفة، ثم إلى البصرة. وقيل: إنه هزم لمصعب فِي عام واحد أربعين جيشًا، وكان فِي ثلاث مئة، وكان جيعش مصعب يزيدُ على ألف. ولما التقى هذا الجيش كان معه عَشَرَةُ نفر. وقيل: كان سبب قتله أنَّه هجا القبائل القيسية وغيرها، وبلغ زُفَر بن الحارث، فعتب على مصعب بسببه، فقتله رجل من القيسية يقال له: عباس (٢). ولعُبيد الله فيهم قصائد، منها: ألم تَرَ قَيسًا قيسَ عَيلان بَرْقَعَتْ … لِحاها وباعت نَبْلَها بالمغازلِ وما زِلْتُ أرجو الأزْدَ حتَّى رأيتُها … تُقَصِّرُ عن بُنيانها المتطاولِ وبلغ زُفَر بنَ الحارث، فكتب إلى مصعب: أنا قد كفيتُك قتال ابنِ الزَّرْقاء، وابنُ الحُرِّ يهجو قيسًا.

стр. 3939

فأجابه زُفر (١)، فقال: لمَّا رأيتُ النَّاس أولادَ عَلَّةٍ … وأغرقَ فينا نزغة كلُّ نائلِ (٢) فلو يسألُ ابنُ الحُرِّ أُخْبِرَ أنَّها … يمانيَّةٌ لا تُشْتَرَى بالمغازلِ من أبيات. [وكانت وفاته فِي هذه السنة] (٣). عَدِيّ بنُ حاتم الجواد (٤) الطائيّ، أبو طريف، وأمُّه النُّوار بنت ثُرْملة بن ثُرعل من بني ثُعَل. [وكان أبوه حاتم من أجود العرب، ويكنى أبا سفَّانة بابنته]. وعديّ من الطبقة الخامسة من الصحابة، وكان له إخوة من أمِّه كلُّهم أشراف، وهم: لام، وحُلَيس، ومِلْحان، وفسقس [هلك فِي الجاهلية] وأبوهم زبان (٥) بن غُطَيف من بني أخزم الطائي. [وقيل: أدرك زبان رسول الله ﷺ ، وسمع منه]. شهد مِلْحان بن زبان صفّين مع معاوية، واستخلف عليٌّ لام بن زبان على المدائن حين سار إلى صفّين (٦). وسار عديّ مع خالد بن الوليد إلى أهل الرِّدَّة ومعه ألفٌ من قومه (٧).

стр. 3940

[وحكى ابن سعد عن محمد بن عمر، بإسناده عن الحُصين بن عبد الرحمن بن عَمرو (١) بن سعد بن معاذ قال: لما صدر رسول الله ﷺ من الحجّ سنة عشر؛ قدم المدينة، فأقام حتَّى رأى هلال المحرَّم سنة إحدى عشرة، فبعث المصدّقين فِي العرب، وبعث على أسد وطيّء عديَّ بن حاتم. قال الواقدي بإسناده إلى الشعبيّ: فلما كانت الرّدَّة قال القوم لعديّ بن حاتم: أمسِكْ ما فِي يدك من الصدقة، فإنك إن تفعل تسود الحليفين (٢). فقال: ما كنتُ لأفعل حتَّى أدفعَها إلى أبي بكر بن أبي قحافة. فجاء إلى أبي بكر، فدفع الصدقة إليه. وقد ذكرناه فِي الرِّدَّة. وقال الواقدي: كان عديّ بن حاتم أحزمَ رأيًا وأثبت فِي الإسلام رغبة ممَّن كان فرَّق الصدقة فِي قومه. وإن بني جَدِيلة كانوا (٣) عصاةً على خالد، فردَّهم عديّ إلى الإسلام، وقاتلوا أهل الرِّدَّة. وروى ابن سعد عن الشعبي قال: قدم عديّ بن حاتم على عُمر ﵁، فرأى منه جفاءً، فقال: يا أمير المؤمنين، أما تعرفُني؛ فقال: بلى والله، أعرفك بأحسن المعرفة، أعرفُك واللهِ، أسلصتَ إذ كفروا، وعرفتَ إذ أنكروا، ووفيتَ إذ غدروا، وأقبلتَ إذْ أدبروا. فقال: حسبي يا أمير المؤمنين] (٤). قال الإمام أحمد ﵁ (٥): حدَّثنا بكر بنُ عيسى، حدثنا أبو عَوانة، عن المغيرة، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم قال: أتيتُ عمر بنَ الخطاب فِي أناس من قومي، فجعل يفرضُ للرجل من طيِّىَء فِي ألفين ويعرضُ عني، فاستقبلتُه، فأعرضَ عني، ثم أتيتُه من

стр. 3941

حِيال وجهه، فأعرض عنّي. قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أتعرفُني؟ قال: فضحك حتَّى استلقَى على قفاه، ثم قال: نعم واللهِ إنِّي لأعرفُك، آمنتَ إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفَيتَ إذْ غدروا، إنَّ أوَّلَ صَدَقةٍ بيَّضْتَ بها وجهَ رسولِ الله ﷺ ووجوهَ أصحابِه صدقةُ طَيِّئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ . ثم أخذ يعتذرُ إليه. ثم قال: إنما فرضتُ لقومٍ أجحفت بهم الفاقة، وهم سادةُ عشائرهم لِما ينوبُهم من الحقوق. متفق عليه. قال الحُميدي: فقال عديّ: فإذًا لا أبالي (١). وجاء عديّ إلى باب عثمان رضوان الله عليه وهو خليفة، فَحجبَه [نابل] مولى عثمان ﵁، فلما خرج [عثمان] إلى صلاة الظهر؛ عرضَ له عديّ، فأدناه [عثمان] ورحَّبَ به وانبسط إليه، فقال: أتيتُ بابَك فحَجَبني هذا عنك. فقال له عثمان بعد أن انتهره: لا تحجبْه، واجعله أوَّلَ داخل، فلعمري إنَا لنعرفُ فضلَه وحقَّه، ورأيَ الخليفتين فيه وفي قومه، وقد جاءنا بالصدقة يسوقُها والبلادُ تضطرم كأنها شُعَل النار من أهل الرِّدَّة، فحمده المسلمون على ما رأَوْا منه (٢). قال الواقدي: حضرَ عديُّ بن حاتم يوم الدار يوم قتل عثمان، فخرج الناس يقولون: قُتل عثمان، قُتل عثمان. فقال عديّ: لا تَحْبِقُ فِي قَتْلِهِ عَناقٌ حَوْليَّة (٣) [وفي رواية: لا تحبق فيها عنز]. فلما كان يومُ الجمل؛ فُقئتْ عينُه، وقُتل ابنُه محمد مع أمير المؤمنين علي ﵁، وقُتل ابنه الآخر طريف مع الخوارج، فقيل له: يا أبا طريف، هل حَبَقَت العنز؟ قال: نعم، والتَّيسُ الأعظم (٤). و [حكى ابن سعد عن الواقدي وهشام بن محمد الكلبي قالا:] شهد عديّ القادسية ويوم مِهْران وقسّ الناطف والنُّخيلة ومعه اللواء، وشهد الجمل وصفِّين والنهروان مع أمير المؤمنين عليّ رضوان الله عليه، وكان معه يوم الجمل لواء علي ﵇ (٥).

стр. 3942

و [قال هشام:] كان طُوالًا حسنَ الوجه، جوادًا على منهاج أبيه. دخل ابنُ دارة الشاعر عليه فقال. جئتُك لأمْتَدحَك. فقال: أمْسِكْ حتَّى أبيِّنَ لك مالي، ثم امتدحْني على حسبه، فإني أكره أن لا أعطيك ثمن ما تقول، لي ألفُ شاة، وألفُ درهم، وثلاثةُ أعْبُد، وثلاثُ إماء، وفرسي هذا حَبِيسٌ فِي سبيل الله تعالى. فقال ابن دارة: تَحِنُّ قَلُوصي فِي مَعَدٍّ وإنَّما … تلاقي الربيعَ فِي ديار بني ثُعَلْ أبوك جوادٌ لا يُشَقُّ غبارُه … وأنتَ جوادٌ ليس تُعذرُ بالعِلَلْ فقال له عديّ: أمْسِكْ، فإنَّ مالي لا يبلغُ أكثرَ من هذا. فأعطاه الكلّ (١). وقيل لعديّ: ألا تشرب الشراب؟ فقال: معاذ الله أُصبحُ حكيمَ قومي وأمسي سفيهَهُم (٢). [وقد ذكرنا وفادته على معاوية وما جرى له معه]. ذكر وفاته: مات فِي زمن المختار بالكوفة سنة ثمان وستين -أو تسع وستين- وهو ابنُ مئةٍ وعشرين سنة (٣)، وقال: أشهدُ أنَّ المختار كذَّاب، ومات بعد ذلك بالكوفة بثلاثة أيام، وأوصى أن لا يُصلِّيَ عليه المختار. وقال علي بن المديني: مات عديُّ بن حاتم وجرير بن عبد الله البَجَلي وحَنْظَلة الكاتب بقرقيسيا؛ خرجوا من الكوفة أيام الفتنة. قال محمد بن [علي] الصُّوريّ: فأنا رأيتُ قبورهم الثلاثة بقرقيسيا (٤). قال ابن قتيبة: لم يبق لعديّ عقب إلَّا من قبل ابنتيه: أَسَدَة، وعَمْرة. وإنما عقبُ حاتم من ولده عبد الله بن حاتم وهم ينزلون بكربلاء (٥).

стр. 3943

وقال ابنُ عساكر: كان عديُّ بنُ حاتم فِي جيش خالد لما قصدَ الشام من العراق، وبعثه خالد بالأخماس إلى أبي بكر، ثم سكن الكوفة (١). أسند عديّ الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، [أخرج له الإمام أحمد بن حنبل سبعة أحاديث، منها فِي "الصحيحين" خمسة أحاديث، اتفقا على ثلاثة، والحديثان الباقيان لمسلم] (٢). وروى عنه الشعبيّ، وأبو إسحاق السَّبِيعي، ومصعب بن سَعْد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن جبير، وقيس بن أبي حازم، وتميم بن طَرَفة فِي آخرين (٣). [ومن مسانيده: قال البخاري بإسناده عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم قال: سألتُ النبيّ ﷺ عن الصيد، فقال: "إذا أرسلتَ كلبَك المعلَّم، فقتلَ، فكُلْ، وإذا أكل؛ فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه". قال: فقلتُ: إني أُرسل كلبي، فأجد معه كلبًا آخر؟ فقال: "لا تأكل، فإنَّما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على كلب آخر" أخرجاه فِي "الصحيحين". وفي "الصحيحين" أيضًا: فقلت: يا رسول الله، إنَا نُرسل الكلاب المعلَّمة (٤). وذكره. وفي "الصحيحين" (٥) أيضًا عن عديّ قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَمَدْتُ إلى عِقالين؛ أحدهما أبيض، والآخر أسود، فجعلتُهما تحت وسادتي، ثم جعلتُ أنظر إليهما، فلا يتبيَّن لي الأبيض من الأسود، فلمَّا أصبحتُ غدوتُ على رسول الله ﷺ ، فأخبرتُه بالذي صنعتُ، فقال: "إنْ كان وسادُك لَعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل". وفي رواية: "إنما هما خيطا الفجر". فنزل: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾.

стр. 3944

وليس فِي الصحابة من اسمُه عديُّ بنُ حاتم غيره] (١). قيس بن ذَرِيح ابن الحُباب، أبو يزيد الليثي، صاحب لُبْنى بنت الحُباب الكعبية الخُزاعية. وكان قيس بن ذَرِيح رضيعَ الحسين بن علي ﵄ (٢). [وكان أبو قيس ينزل بظاهر المدينة وقيس عنده، ويُعدُّ من حاضرة المدينة]. خرج [قيس] يومًا لحاجة، فمرَّ بحيِّ بني كعب، فوقف على خِباء لُبْنَى، فاستسقى ماءً، فسقته، وكانت امرأة مديدةَ القامة، شهلاء، حلوةَ المنظر والمنطق، فلما رآها وقعت فِي نفسه، فقالت: انزلْ عندنا. فنزل، وجاء أبوها فأكرمَه، ونَحَرَ له، وانصرف وفي قلبه منها مثلُ شُعَل النار. ثم عاد إليها وفي قلبها منه مثلُ ذلك، فتشاكيا. ثم انصرف إلى أبيه فسأله (٣) أن يزوِّجَه إيَّاها، فأبى؛ لأنه كان غنيًّا، وكانت فقيرة، وقال: عليك بإحدى بنات عمِّك [وأراد أبوه إلا يخرج مالُه إلى غير بني عمِّه]. فجاء إلى أمه، فكلّمَها، فلم يجد عندها فَرَجًا، فجاء إلى رضيعهِ الحسين بن عليّ، وإلى ابن أبي عتيق، فاستعانَ بهما [على أبيه] فقاما معه إلى أبيه، فرحَّب بهما [وأعظم مَشْيَ الحسين إليه، فكلَّماه فيه، فأجابَهما، وقال: لو أرسلتُما إليَّ لمشَيتُ إليكما] وزوَّجه إيَّاها. [وهذه رواه ابن الكلبي]. وقال أبو الفرج الأصفهاني (٤): إنما خطب الحسين ﵁ وابنُ أبي عتيق لُبْنى [على قيس، من أبيها، فقال: ما بنا عن الفتى رغبة، وما كُنْتُ لأعصيَ لك يا ابن رسول الله

стр. 3945

أمرًا، ولكن أحبُّ الأمرينِ (١) إلينا أن يخطبَها أبوه، ويكون ذلك عن أمره. فأتى الحسينُ ﵁ ذَرِيحًا وقومُه مجتمعون عنده، فقاموا إليه وعظّموه، فقال: يا ذَرِيح، أقسمتُ عليك إلَّا خطبتَ لُبنى على ابنك قيس. فقال: سمعًا وطاعة يا ابنَ رسول الله. وقامَ، وقام معه أشرافُ قومه إلى الخُزاعي، فخطَبَها، فزوَّجَه إيَّاها، وأقامَتْ معه مدَّة، فشغلَتْه عن خدمة أبيه وأمِّه، وكان من أبرِّ الناس بأمِّه [وأبيه، فلها عنهما]، فوجدت [أمُّه] فِي نفسها، وعرض عليه أبوه وأمُّه أن يتزوَّج غيرَها، أو يتسرَّى، أو يطلِّقَها، فامتنع من ذلك وقال: الموتُ أهونُ من ذلك. فحلف أبوه (٢) لا يَكُنُّه سقفُ بيت حتَّى يُطلِّقَها، فكان يلقى الحرَّ والبرد، فأقام على ذلك مدَّةً (٣). و [كان] قيس يدخل على لُبْنى فيبكيان وتقول له: [يا قيس] لا تُطع أباك فتُهلكَ نفسَك وتهلكَني، فيقول: ما كُنْتُ لأطيع فيكِ أحدًا. وألحَّ أبوه وأمُّه وقومُه عليه وقالوا: هلك أبوك. فلم يجد بدًّا من طلاقها، فطلَّقَها، فلقيَ الحسين ﵁ وعبدُ الله بنُ صفوان أباه، فقال له ابنُ صفوان: فرَّقتَ بينهما فرَّقَ اللهُ عظامك. وقال له الحسين ﵁: ويحك! أما بلغك قول عمر بن الخطاب: ما أُبالي فرَّقتُ بينهما، أو مشيتُ إليهما بالسيف. وأرسلتْ إلى أبيها تُخبرُه بطلاقها، فأرسلَ إليها هَوْدجًا هابلًا، فحملها إليه. فحينئذ اشتدَّ غرامه بها، وقال فيها الأشعار، فلما استقلَّ هودَجُها [تأسَّفَ وتنفَّس صُعَداء] وقال: وإني لَمُفْنٍ دَمْعَ عينيَ بالبُكا … حِذارَ الذي قد كان أو هو كائنُ

стр. 3946

وقالوا غدًا أو بعد ذاك بليلةٍ … فراقُ حبيبٍ لم يَبِنْ وهو بائنُ وما كُنْتُ أخشى أن تكون مَنِيَّتي … بكفَّيّ (١) إلَّا أنَّ ما حانَ حائنُ [ثم جعل يلثُم تراب المَطِيّ ويقول: وما أحببتُ أرضكُمُ ولكن … أُقَبِّلُ إثْرَ مَنْ وَطِئ الترابا لقد لاقَيتُ من كَلَفي بلُبْنَى … بلاءً ما أُسِيغُ به الشَّرابا إذا نادى المنادي باسم لُبْنى … عَييتُ فما أُطِيقُ له جوابا] (٢) ثم كان يخرج إلى الأحياء ويُنشد الأشعار ويبكي، فقيل له: منذ كم أنت بهذا الوَجْد؟ فقال: تَعلَّقَ روحي رُوحَها قبلَ خَلْقِنا … ومن بعدِ ما كنَّا نِطافًا وفي المَهْدِ فزادَكما زِدْنا فأصبحَ ناميًا … وليس وإنْ مِتْنا بمنفصمِ (٣) العهدِ ولكنّه باقٍ على كلِّ حالةٍ (٤) … وزائرُنا دي ظُلْمةِ القبرِ واللَّحْدِ يكاد فَضِيضُ الماء (٥) يَخْدِشُ جِلْدَها … إذا اغتَسَلَتْ بالماء من رِقَّةِ الجِلْدِ قال الزُّبير بن بكَّار: أنشد أبو السائب المخزومي هذه الأبيات، فحلف لا يزالُ يقومُ ويقعدُ حتى يحفظها (٦). [قال هشام: ومرضَ مرضًا شديدًا فجيء بطبيب، فقال له: ما الَّذي تجدُ ممَّا تشتكي؟ فتَنَهَّدَ وتأسف وأنشد: هل الحبُّ إلَّا زَفْرَةٌ بعد زَفْرَةٍ … وحَرٌّ على الأحشاء ليس له بَرْدُ وفَيضُ دموعٍ تستهلُّ إذا بدا … لنا عَلَمٌ من أرضكم لم يكن يَبْدُو] (٧)

стр. 3947

ولما اشتهر حديثُه [ووَجْدُه بها] شكاه أبوها إلى معاوية، وقال: زوَّجتُه إيَّاها، فطلَّقَها وفضحني، فكتب له إلى مروان [بن الحكم]-وكان عاملَه على المدينة- بإهدار دمه، فرحلَ قيس إلى يزيد بن معاوية، فمدحه وشكا إليه حاله وما يلْقَى، فرَّق له، وأجازه، ووصلَه، وأخذ له كتاب أبيه إلى مروان بالأمان، وأن يُقيم حيث أحبُّ، فأتى محلَّةَ أهلها، فنزل عن راحلته، وتتبع مواطئ [أقدام] بعيرها، وجعل يمرِّغ خدَّيه ويبكي ويقول: إلى الله أشكو فَقْدَ (١) لُبْنَى كما شكا … إلى الله فَقْدَ الوالدَينِ يتيمُ يتيمٌ جفاه الأقربون فعهدُه … جديد وعهدٌ بالديار قديمُ (٢) بَكَتْ دارُهُمْ من بُعْدِهمْ (٣) فتهَلَّلَتْ … دموعي فأيَّ الجازِعَينِ ألُومُ أفي العَدْلِ هذا أنَّ قلبكِ فارغٌ … صحيحٌ وقلبي فِي هواكِ سقيمُ وبلغ زوجَها، فحَجَبَها عن الخروج، وكان أبوها قد زوَّجها، فقال (٤): فإنْ يَحْجُبُوها أو يَحُلْ دون وصلِها … مقالةُ واشٍ عند كلِّ أميرِ فلن تمنعوا عينيَّ أن تذرفَ الدِّما … ولن يُذْهِبوا ما قد أَجَنَّ ضميري إلى الله أشكو ما أُلاقي من الهوى … ومن حُرقٍ تعتادني بزفيري (٥) وكُنَّا جميعًا قبل أن يظهر الهَوَى … بأنعم حالِ غِبْطةٍ وسرورِ فما بَرحَ الواشون حتَّى بدت لنا … بطونُ الهوى مقلوبةً لظهور (٦) [وقال هشام:] فرمى بنفسه على الحسين وعبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق بأن يكلِّمُوا زوجَها، فدفع عبد الله بنُ جعفر لابن أبي عتيق عشرة آلاف درهم وكسوة وقال: اخرجْ إلى زوجها فكلِّمه. فخرج إليه فما زال حتَّى فارقها وأخذ المال، فقال قيس [يمدح ابن أبي عتيق]: جزى الرحمنُ أفضلَ ما يجازي … على الإحسانِ خيرًا من صديقِ

стр. 3948

فقد جَرَّبْتُ إخواني جميعًا … فما لاقيت كابن أبي عتيقِ سَعَى فِي جمع شَمْلي بعد صَدْعٍ … وأمرٍ جُرْتُ فيه عن طريقِ وأطفأَ لوعةً كانَت بقلبي … أَغَصَّتْني حرارتُها بريقي فقال له ابنُ أبي عتيق: يا حبيبي، أمْسِكْ عن هذا الشعر، فما سمعه أحد إلَّا وظنَّني قوَّادًا. فماتت لُبنى فِي العِدَّة، ولم يجتمعا، ومات فِي هذه السنة عقيب موتها. وقيل: إنهما اجتمعا، ثم ماتا بعد ذلك (١). ولقيس فِي الحماسة (٢): وكلُّ مصيباتِ الزمانِ وجَدْتُها … سوى فُرْقةِ الأحباب هيِّنةَ الخَطْبِ (٣) وقلتُ لقلبي حين لجَّ بيَ الهوى … وكلَّفني ما لا أُطيقُ من الحُبِّ إلا أيُّها القلبُ الَّذي قادَه الهوى … أفِقْ لا أقرَّ اللهُ عينَكَ من قلبِ السنة التاسعة والستون (٤) فيها شرع عبد الملك بن مروان فِي عِمارة القبَّة على صخرة بيت المقدس، وعِمارة الجامع الأقصى (٥)، وقيل: إنما شرع فِي ذلك سنةَ سبعين، وفرغ منها سنة اثنتين وسبعين (٦).

стр. 3949

وفيها قَتَلَ عبدُ الملك بنُ مروان عَمرو بنَ سعيد بن العاص [وكان قد عصى (١) بدمشق لما نذكر]. وفيها كانت حروب كثيرة بالجزيرة، منها حرب عبد الملك لزُفَر بن الحارث الكلابي، وكنيتُه أبو الهُذَيْل. وكان مروان قد بعث (٢) عُبيد الله بنَ زياد إلى الجزيرة والعراق فِي ستين ألفًا، فلم يبلغ الجزيرة حتَّى مات مروان، فأقرَّه عبد الملك على ما كان ولَّاه أبوه عليه. فسار إلى قرقيسيا، فحاصر زُفَرَ بنَ الحارث مدَّة، فلم يقدر منه على شيء، ووصلَ جيشُ التوَّابين مع سليمان بن صُرد [وقُتل ابن صُرد]. وجاء بعده ابنُ الأشتر، وسار إلى (٣) ابن زياد والتقيا على الزَّاب (٤)، فقتلَه إبراهيم [بنُ الأشتر] واشتدّت شوكة زُفر [بن الحارث] والقيسيَّة معه، فاستخلفَ عبدُ الملك [بن مروان] على دمشق عبد الله بنَ يزيد بن أسد أبا خالد بن عبد الله القَسْري (٥). وسار عبد الملك، فلما شارف الفرات انخزلَ عمرُو بنُ سعيد عنه، وعاد إلى دمشق، فأغلقَ أبوابَها، وبايعه (٦) عبدُ الله بنُ يزيد القَسْري وغيرُه. ثم عاد إليه عبدُ الملك، فخدعَه حتَّى فتح أبواب دمشق، وقتلَه، ثم استخلفَ على دمشق عبدَ الرحمن بن أمّ الحَكَم الثقفي (٧). ولمَّا وصل عبد الملك إلى قرقيسيا حصر زُفَر، فصالحه بعد أن نصبَ عليه المجانيق (٨).

стр. 3950

وكان خالد بن يزيد بن معاوية مع عبد الملك يقاتل أهل قرقيسيا مع أخواله كلب، ومعه موالي معاوية، فألحَّ خالد عليهم بالقتال حتَّى كاد يظفر، فقال رجل من أهل قرقيسيا: لأُسمعنَّه كلامًا يردعُه. فلما غدا على القتال؛ ناداه: يا خالد، ما تبتغي؟ ثم أنشد: ماذا ابتغاءُ خالدٍ وهمُّهُ … إذ سُلبَ الملكَ ونيكت أمُّهُ؟ فانكسر خالد واستحيا، ولم يعد إلى القتال حتَّى صالح زفر عبد الملك (١). ولما اشتدَّ الحصار بزفر؛ قال لابنه الهُذَيل: واللهِ لئن لم تشدَّ عليهم غدًا شَدّةً لا تنثني حتَّى تضربَ فسطاط عبد الملك؛ لأقتلنَّك. فلما أصبحَ خرج الهُذيل فِي القيسيَّة، وأقبلَ عبد الملك فِي جيوشه، فحمل الهُذيل، فخرق الصفوف، وضرب فسطاط عبد الملك بالسيف حتَّى قطعَ أطنابه، ثم كرَّ راجعًا إلى قرقيسيا، فقام أبوه، فقبَّلَ ما بين عينيه وقال: واللهِ يا بُنيَّ، لا يزالُ عبد الملك يحبُّك بعدها. ثم قال زُفَر: ألا لا أُبالي مَنْ أتاهُ حِمامُهُ … إذا ما المنايا عن هُذيلٍ تخلَّتِ تراه أمامَ الخيل أوَّلَ فارسٍ … ويضربُ فِي أعجازها إنْ تَوَلَّتِ (٢) و [قال المدائني:] قاتل عبدُ الملك زُفَرَ أربعين يومًا، فلما يئس منه كتب إليه مع رجاء بن حَيْوة والحجَّاج بن يوسف يدعوه إلى الصلح، فوافياه بالكتاب وقد حضرت الصلاة، فصلَّى رجاء مع زُفَر، وصلَّى الحجَّاج وحدَه وقال: لا أُصلِّي مع منافق (٣). وبلغ عبدَ الملك، فلما رجعا قال لرجاء. هلَّا فعلتَ كما فعل الحجَّاج؟ فقال: ما كُنْتُ لأدع الصلاة فِي جماعة وأصلِّي منفردًا. ثم اصطلحا على أن لا يقاتل زُفَر مع عبد الملك حتَّى يموت ابنُ الزبير؛ لأنه كانت [له] فِي عنقه بيعة (٤). ولما خرج زُفَر إلى عبد

стр. 3951

الملك رأى فِي أصحاب زُفر قلَّة (١)، فقال: لو علمتُ أنَّ الحال كذا؛ ما صالحتُه. وبلغَ زُفَرَ، فقال: يا عبد الملك، إنْ شئتَ رَدَدْناها وعُدْنا إلى الأول؟ فقال: لا يا أبا الهُذَيل. و [قال أبو اليقظان:] لما خرج زُفر إلى عبد الملك؛ أجلَسه معه على سريره، فقال له ابن عضاه الأشعري: أنا كُنْتُ أحقَّ منه بهذا المجلس. فقال زُفَر: كذبتَ، لستَ هناك، إني عادَيتُ فأضرَرْتُ، وواليتُ فنفعتُ. وقال الأخطل الشاعر لعبد الملك: أتُدْني هذا منك وقد حاولَ سَلْبَ نعمتِك؟! وهو القائل: وإنِّي زُبيريُّ الحياةِ فإنْ أمُتْ … فإنِّي لَمُوصٍ هامتي بالتزبُّرِ فغضب عبد الملك واحمرَّتْ عيناه، فقال له زُفَر: يا عبدَ الملك، لا تسمعنَّ قول ابنِ النصرانيَّة، فإنَّما رُبِّيَ لحمُه على لحم الخنزير والخمر والكفر بالله، عدوّ الله وعدوّ رسولِه، فإنا قاتلناك بالأمس، وواليناك اليوم، فنحن اليومَ على طاعتك أشدُّ ممَّا كنَّا عليه فِي معصيتك (٢). ولما كثَّر الناس على زُفَر عند عبد الملك؛ انقبضَ عنه، فدخل عليه يومًا، فمدَّ عبدُ الملك رِجْلَه مكانًا يقعدُ فيه زُفَر، فقال له زُفر: كُفَّ رِجْلَكَ يا عبدَ الملك عن مجلس خالِك، وفِ لي بصفقة يمينك كما وفيتُ لك بصفقة يميني. فكفَّ عبدُ الملك رِجلَه، وجلسَ زُفر (٣). ويعني قول زُفَر: عن مجلس خالك: أنَّ أمَّ أميَّة (٤) بنت أبان بن كُليب بن ربيعة بن عامر. وزُفَر (٥) بن الحارث بن عَبْد عَمرو بن مُعاز [بعين مهملة وزايُ معجمة] الكلابي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة.

стр. 3952

وبعثَه معاوية إلى عائشة ﵁ بوقعة صفِّين، وكان قد نزل البصرة، وتحوَّل إلى الشام بعد وقعة الجمل، وكان أميرًا مع معاوية فِي صفِّين على أهل قِنَّسْرِين. و [قال ابن ماكولا:] (١) كان سيَّدَ قومِه فِي؛ مانه، وله أخبار وأشعار. وأسندَ الحديث عن عائشة ﵂، ومعاوية. وكان له أولاد: الهُذَيْل، وكوثر، والرَّباب، وكانت الرَّباب عند مَسْلَمة بن عبد الملك، فكان يؤذَن عليه (٢) لأخويها الهُذَيل وكوثر أوَّلَ الناس. وقُتل له يومَ مَرْج راهط ثلاثةُ بنين. وقيل: إن أباه الحارث بن كِنْدة (٣)، وقيل: إنه مات فِي أيام عبد الملك بن مروان. [قلت:] وزُفر من شعراء الحماسة، فمن شعره فيها قولُه: وكُنَّا حَسِبْنا كلَّ بيضاءَ شحمةً (٤) … لياليَ لاقَينا (٥) جُذامَ (٦) وحِمْيَرَا فنلمَّا قَرَعْنا النَّبْعَ بالنَّبْعِ بعضَهُ … ببعضٍ أبَتْ عِيدانُهُ أنْ تَكَسَّرا (٧) ولمَّا لَقِينا عُصْبَةً تَغْلِبيَّةً … يقودون جُرْدًا (٨) للمنيَّةِ ضُمَّرَا سَقَيناهُمُ كأسًا سَقَوْنا بمثلها … ولكنَّهم كانوا على الموتِ أَصْبَرَا

стр. 3953

ومن حروب الجزيرة يومُ الثَّرْثَار الأوّل وهو نهر (١) ينزع من ماء (٢) نَصِيبِين، ويفرغ فِي دجلة بين الكُحيل ورأس الإيَّل، وهو جبل (٣). حَشَدَتْ تغلب النَّمِر بن قاسط وبني شيبان وغيرهم، وكان عليها زياد (٤) بن هَوْبَر التغلبي، وعلى قيس عميرُ بن مالك بن الحُباب السُّلَمي (٥)، فالتَقَوْا بالثَّرْثَار، فاقتتلُوا، فكانت الدَّبَرَة (٦) على قيس، فَقَتَلتْ تَغْلب منهم مقتلةً عظيمة. وفي ذلك يقول الأخطل: لَعَمْري لقد لاقَتْ سُليمٌ وعامرٌ … إلى جانب الثَّرْثارِ راغيةَ البَكْرِ (٧) يوم الثرثار الثاني تجمَّعت قيس وعليها عُمير بنُ مالك بن الحُباب السُّلَمي، وأتاهم زُفَر بنُ الحارث من قرقيسيا، وكان عبد الملك مشغولًا عنه بعمرو بن سعيد، وكان على تَغْلب زيادُ بنُ هَوْبَر، وكان زُفَر نجدةً لقيس، فكانت الدَّبَرة (٨) على تَغْلب، فقُتل منهم خلقٌ عظيم، وانهزم الباقون.

стр. 3954

يوم السُّكَيْر ويقال له: سُكَيْر العبَّاس، قريةٌ بين الخابور والفرات، وعلى قيس عُمير بنُ الحُباب، وعلى تغلب ابنُ هَوْبَر، فكانت الدَّبَرة على تَغْلب. يوم الحَشَّاك [بتشديد الشين المعجمة؛ قال الجوهري: هو اسم نهر. ولم يُعَيِّنْه. وقال الهيثم:] (١) هو نهرٌ يأخذُ من الهِرْماس، قريب من الشرعَبيَّة، وإلى جنبه بَراق، وكان عُمير بن عبد الله بن الحباب (٢) السُّلَمي قد ألحَّ على تَغْلب بالغارات والقتل، فاستصرخوا عليه القبائل، فاجتمعوا. وجاء زُفَر بنُ الحارث من قرقيسيا ومعه ابنُه الهُذيل، وعلى تَغْلب بنُ هَوْبَر، فاقتتلُوا ثلاثةَ أيام، وتعاقدت [تَغْلب] على أنَّها لا تفرّ، وأن تموتَ على دم واحد. فقال عُمير بن الحُباب (٣) لقيس: هؤلاء قد استقتلُوا، والرأيُ أن ننصرفَ عنهم، فإذا اطمأنُّوا رجعنا عليهم. فقال [له] عبد العزيز بن أبي حاتم (٤) الباهليّ: يا ابن الصَّمْعاء، قُتِلَتْ بالأمس فرسانُ قيس، ثم مُلِئ اليوم سَحْرُك فجَبُنْتَ (٥)؟! فغضب عُمير وقال: كأني بك أوَّلَ دارّ. ثم ترحَّل عُمير، وقاتَل قتالًا لم يُرَ مثلُه. وجاء الخبر إلى زُفر أنَّ عبد الملك قاصدُه، فهربَ إلى قرقيسيا، وطمعت فيهم بنو تَغْلب، وقُتل ابنُ هَوْبَر، وعُمير بنُ مالك (٦) قتلَه جميل بنُ قيس، وانهزمت قيس، وقُتلت فرسانُها حول عمير، وبعثَتْ تَغْلب برأس عُمير إلى عبد الملك وهو بغوطة دمشق، وكانت تَغلب مروانيَّة، وقيس زُبَيْريَّة. وقد ذكر الأخطل هذه الوقعة فِي شعره (٧).

стр. 3955

وعُمير بن الحُباب (١) فارس بني سُليم؛ [قال ابنُ عُبيد:] وكانت الروم قد أَسَرَتْه، فسأله ملك الروم أن يتنصَّر ويزوِّجَه ابنتَه ويُقاسمَه ملكه، فأبى (٢). وأمّه الصَّمعاء، وقيل: هي جدَّتُه. والصَّمعاء: الصغيرة الأذن: وكانت منازلُه على البَلِيخ. [وهو الَّذي قال لابنِ الأشتر يوم الخازِر: إذا التقينا؛ صِرْتُ إليكم. وغَدَرَ] (٣)، وكان زُبيريًّا يُبغض آل مروان، وكانت بينه وبين [آل] تَغْلب حروب كثيرة يُطالبُهم بقتلى مرج راهط من القيسية. يوم الشَّرْعَبِيَّة مكانٌ بالجزيرة، وكان لتَغْلب على قيس (٤). يوم الفُدَين قرية على شاطئ الخابور (٥)، وكانت الدَّبَرة على تَغْلب. يوم الكُحَيل وكان يومًا عظيمًا على تَغْلب. والكُحَيل مكانٌ بأرض الموصل غربيّ دِجْلة. وسببُ هذه الوقعة أنَّه لمَّا قُتل عُمير بن الحُباب (٦)؛ قام أخوه تميم فِي القبائل، فاجتمعوا إليه، وأتى زفرَ بنَ الحارث يستصرخُه، فامتنع من نصره، فقال له ابنُه الهُذَيل: واللهِ لئن ظُفر بهم إنَّ ذلك لعارٌ عليك، وإن ظفروا به وقد خذلْتَهم إنَّ ذلك لأشدّ.

стр. 3956

فاستخلف [زُفر] على قرقيسيا أخاه أوسَ بن الحارث، وسار يُنجد قيسًا، وبنو تَغْلب نازلون بالكُحَيل، وقيل: بالعَقِيق. فلمَّا أحَسُّوا بهم ارتحلوا ليعبروا دِجْلة، فلحقَهم زُفر فِي قيس، والتَقَوْا، فترجَّلت القيسيَّة، و [بقي] زُفر على بغلة له، فقتلوهم يومًا وليلة، وبقروا بطونَ نسائهم، وغرق فِي دجلةَ أكثرُ ممَّن قُتل، وأَسَرَ زُفر من فرسانهم مئتين، فقتلَهم صبرًا بعُمير بن الحُباب السُّلَمي، وكان نسيب زُفر (١). يوم ماكسين التقَوْا على قنطرة ماكسين بالخابور، وكان على تَغْلب شُعيث بن مُلَيل (٢)، فقُتل، وانهزمت تَغْلب، وقُتل مع شُعيث خمسُ مئة من فرسان تَغْلب. وقد ذكرها جرير فقال: تركوا شُعيثَ بني مُلَيلٍ مسنَدًا (٣) يوم المعارك وهو مكان بين الحَضْر والعَقِيق بأرض الموصل، كانت الدَّبَرةُ (٤) على تَغْلب، وفيه يقول ابن صفَّار: ولقد تركنا بالمعاركِ منكمُ … والحَضْرِ والثَّرثارِ أجسادًا جُثَا (٥) وحجَّ بالناس عبدُ الله بنُ الزُّبير، وكان الأمير على الكوفة والبصرة مصعب بنُ الزُّبير، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البصرة هشامُ بن هُبيرة، وعلى خراسان عبد الله بنُ خازم السُّلَمي (٦).

стр. 3957

وفيها توفّي الأحنف بن قيس التميمي البصري، أبو بحر، و [اختلف فِي اسمه، فقال ابن سعد:] اسمُه الضَّحاك بنُ قيس بن معاوية بن حُصين بن عُبادة (١) بن النَّزال. [وقال أبو اليقظان؛ وتقدم الإسناد إليه: هو صخر بن قيس بن معاوية بن حُصين. وقيل: الحارث. وما ذكره ابن سعد أشهر. والأَحْنَفُ لقبٌ له، وكانت أمُّه من بني قراض من باهلة، ولدَتهُ وهو أحنفُ. والحَنَف: المَيل]. وكان أحنفَ الرجلين، فكانت أمُّه ترقِّصُه، وتقول: والله لولا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ … ودقَّةٌ فِي ساقه من هزلِهِ ما كان فِي فتيانِكم من مِثْلِهِ [وذكره الجوهري فقال: الحَنَف: الاعوجاج فِي الرِّجْل، وهو أن تُقبل إحدى إبهامي رجليه على الأخرى، ومنه سمِّي أحنف بن قيس. قال: واسمه صخر. قال: وقال ابن الأعرابي؛ هو الَّذي يمشي على ظهر قدمه من شِقِّها الَّذي يلي خنصرها]. وهو من الطبقة الأولى (٢) من التابعين من أهل البصرة، أدرك عهد رسول الله ﷺ ، ولم يره. وكان أبوه يُكنى أبا مالك، قتلته بنو مازن فِي الجاهلية. وأمُّ الأحنف حُبَّى بنت عمرو بن ثعلبة الباهلي (٣). وقيل: بنت قُرط بن عمرو (٤). [وقال هشام: حَبَّة بنت عمرو بن قُرط بن ثعلبة.

стр. 3958

وقد حكاه ابن عساكر قال:] وأخوها الأخطل بن قُرط، كان من الشجعان، وكان الأحنف يفتخر به ويقول: من له خالٌ كخالي (١)؟ ذكر صفته: [قال ابن عساكر:] كان أعور، قصيرًا، دميمًا، أعوجَ الساقين (٢). [وقال هشام: ولدته أمه] ملتصق الأليتين، فشقُّوا ما بينهما (٣)، وكانت له بيضةٌ واحدة [وهذا من العجائب]. ذكر طرف من أخباره: [قال ابن سعد بإسناده عن الحسن:] (٤) قال الأحنف: بينا أنا أطوف بالبيت فِي زمن عثمان بن عفَّان؛ إذْ لقيني رجل من بني ليث، فأخذ بيدي، فقال: ألا أُبشِّرك؟ قلت: بلى. قال. تذكرُ إذْ بعثَني رسولُ الله ﷺ إلى قومك بني سعد، فجعلتُ أعرضُ عليهم الإسلام، وأدعوهم إليه؟ فقلت أنتَ: إنه ليدعو إلى خير، وما أسمع إلَّا حسنًا. قال: فإنِّي ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اللهمَّ اغفِرْ للأحنف". قال الأحنف: فما شيءٌ أَرْجَى عندي من ذلك. [وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٥). قال:] وكان عمر ﵁ يقول: الأحنف سيِّد بني تميم (٦). [وقال ابنُ سعد بإسناده عن الحسن: إنَّ الأحنف قدمَ على عمر بن الخطاب، فاحتبَسَهُ حَوْلًا. ثم قال: هل تدري لم حبستُك؟ إن رسول الله ﷺ خوَّفَنا (٧) كلَّ منافقٍ عليم اللسان. ولستَ منهم إن شاء الله].

стр. 3959

وقال الأحنف (١): قدمتُ على عمر، فاحْتَبَسَني عنده حَوْلًا، فقال: يا أحنف، قد بَلَوْتُك وخَبَرْتُك، فلم أرَ إلَّا خيرًا، ورأيتُ علانيتَك حسنةً، وأرجو أن تكونَ سريرتُك مثلَ علانيتك، فإنَّا كنَّا نتحدَّثُ أنَّما يُهلِكُ هذه الأمةَ كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان. [قال:] (٢) وكتبَ عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعريّ: أمَّا بعد، فأُذَنْ للأحنف بن قيس وشاورْه، واسْمَعْ منه. [قال:] (٣) وقال الحَسَن: ما رأيتُ شريف قوم كان أفضل من الأحنف. [قال:] وقال الأحنف: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافةُ الجواب. [قال:] وتكلَّم الناسُ عند معاوية والأحنف ساكت، فقال معاوية: تكلَّم يا أبا بحر، فقال: أخافُ اللهَ إن كذبتُ، وأخافُكم إن صدقتُ (٤). [قال هشام:] وأغلظ رجل للأحنف، فلمَّا وصلَ إلى نادي قومه؛ وقفَ وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل، لئلا يسمعَك قومي، فيؤذوك. [قال: وقال الأحنف: لست بحليم، ولكني أتحالم. قال:] وكانت عامَّة صلاة الأحنف بالليل، وكان يضع المصباح قريبًا منه، ويضع أصبعه فيه، ثم يقول: حَسِّ، ثم يقول: يا أحنف، ما حملك على أن صنعتَ كذا فِي يوم كذا (٥)؟ وقيل له: إنك شيخ كبير، وإنَّ الصيام يُضعفُك، فقال: إني أُعِدُّه لشرّ طويل. وكتب إليه عبد الملك بن مروان كتابًا يدعوه فيه إلى نفسه، فقال: يدعوني ابنُ الزرقاء إلى ولاية أهل الشام، واللهِ لوَدِدْتُ أنَّ بيني وبينهم جبلًا من نار، من أتانا منهم احترقَ فيه، ومن أتاهم منَّا احترق فيه (٦).

стр. 3960

وقال الأحنف: قد عرفتُ من نفسي العجلة فِي ثلاث؛ صلاتي إذا حَضَرَتْ حتَّى أُصلِّيَها، وجنازتي إذا حَضَرَتْ حتَّى أُغَيِّبَها فِي حفرتها، وابنتي إذا خطبها كُفْؤها حتَّى أزوِّجَه إيَاها (١). وكانت فيه أناةٌ شديدة إلَّا فِي هذه الثلاث. [وقال الهيثم بن عديّ: لما دعا رسول الله ﷺ بني تميم إلى الإسلام ولم يجيبوا؛ بلغ الأحنف فقال: إنه ليدعو إلى مكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. وأسلم الأحنف ولم يلق رسول الله ﷺ ، ولما بلغ رسولَ الله ﷺ دعا له، واستغفر له] (٢). وبعثه عمر بن الخطاب رضوان الله عليه إلى خُراسان فِي جيش فيهم الحسن وابنُ سِيرِين، فَبَيَّتَ العدوَّ ليلًا وهو يقول: إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقّا … أن يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا (٣) ثم فتح مَرْوَرُوذ. ذكر طرف من سؤدده وكلامه: كان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من الشرف والسؤدُد ما لا ينفعُه معه ولاية، ولا يضرُّه معه عزل، وإنه ليفرُّ من الشرف والشرف يتبعُه (٤). وقيلَ للأحنف: ما السؤدُد؟ قال: أن يخرج الإنسان من بيته وحده، ويرجع ومعه جماعة. وقال الواقدي: وإلى الأحنف انتهى الحلم والسؤدُد. وقيل للأحنف: بأيّ شيء سوَّدَك قومُك؟ فقال: لو عاب الناسُ ماءً ما شربتُه (٥).
следующие страницы →