← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يخافون من عدوّهم، فأسلموا. والوجه الثاني: أنَّ إبراهيم رآهم يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فقال لهم -على سبيل الاستفهام والتوبيخ، مُنكِرًا لفعلهم-: هذا ربي؟! أي أهذا ربي أم لا؟. والثالث: أنَّ معناه: ليس هذا ربّا لي، ومثله قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. والرّابع: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا وإضمارًا، وتقديره: ويقولون هذا ربي، حكاية عنهم (١). قلت: وقد بسط أبو إسحاق الثعلبي الكلام في هذا الوجه وبالغ، والعجب منه -وقد اتفق العلماء- أنه إنما قال ذلك عند خروجه من السَّرَب، وهو ابن ثلاث سنين، فيا ليت شعري: أين كان قومه في ذلك الوقت؟ وهل كانت أمه وأبوه يخبران بحاله مخافة عليه؟ فقوله في الوجه الأول إنه أراد أن يستدرجهم باطل، وأما عن الوجه الثاني وما بعده فإنَّ حروف الاستفهام لا تضمر إذا كان الاستفهام فارقًا بين الإخبار والاستخبار، فلا يقال هذا زيد في الإخبار، ومعناه: أهذا زيد، وكذا قولهم معناه: هذا ربًّا لي، لا يجوز أن يحمل الاستفهام على ليس ولا الإخبار، وكذا قولهم إنه حكاية عنهم؛ لأنه يكون حينئذ عدولًا عن الحقيقة إلى المجاز، وأنه قلب الموضوع. والصَّواب: حمل الكلام على ظاهره، وأن ذلك وقع من الخليل وهو في زمان الطفولية، والأنبياء غير معصومين في تلك الحالة، فَحَمْلُ الكلامِ على ظاهره مع إقامة عذر الخليل أولى من حَمله على هذه التأويلات الضعيفة. والدَّليل على صحَّة هذا قوله عقيب ذلك: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الآية. فصل في كسره الأصنام قال وهب بن منبه: يقال: إنَّه أقام في السَّرَب ثلاث سنين، وقيل: سبع سنين. فلمَّا

стр. 422

أظهر آزر أنه ابنه وأنه كان غائبًا عنه رقَّ عليه أبوه، وكان أبوه يعمل الأصنام فيعطيه الصنم ليبيعه، فيخرج به إلى السوق فيقول: من يشتري مني ما لا ينفعه ويضرُّه، كذا روى وهب (١). وذكر جدي في "التبصرة": أنه كان يقول: من يشتري من يضره ولا ينفعه (٢). ثم يأتي بها إلى النهر فيضرب رؤوسها ويقول: اشربي، استهزاء بها وبقومه، لما هم عليه من الضَّلال، حتى فشا عيبه إيَّاها في أهل البلد، وجعل يقول لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مقيمون على عبادتها، ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] فنحن نقتدي بهم ونقلِّدهم. قال ابن عباس: وكان لهم يوم عيد يجتمعون فيه، فخرج معهم ثم ألقى نفسه في الطريق، وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. فإن قيل: فكيف نظر نظرة في النجوم؟ قلنا: إنما قصد موافقتهم؛ لأنهم كانوا ينظرون في النجوم، ليتمكن من كسر الأصنام، فلا ينكرون عليه. ومعنى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: سأسقم؛ لأن الإنسان لا يخلو من السقم. وقيل معناه: إني سقيم عن عبادتها، فكان من المعاريض. فلمَّا مضوا وتركوه قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] والكيد احتيال الكائد في ضرِّ المكيد. وكان لهم اثنان وسبعون صنمًا من ذهب وفضة وغير ذلك من الرَّصاص والصُّفر والنُّحاس والخشب وغيرها، وكان كبيرهم من ذهب، وعيناه ياقوتتان. وكانوا في ذلك العيد يذبحون الذبائح ويقربون القرابين، ويضعون الطعام بين يدي الأصنام قبل خروجهم إلى عيدهم، يزعمون للتبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم دخلوا عليها فأكلوه. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ [الصافات: ٩٠] أي: إلى عيدهم. فدخل إبراهيم دار الأصنام، فكسر الجميع، وعلَّق الفأس في رأس الصنم الكبير، فلمَّا فرغوا من عيدهم دخلوا عليها فرأوها على تلك الحال.

стр. 423

قال مقاتل: فذلك قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ [الصافات: ٩١] يعني من الطعام الذي بين أيديهم، يستهزئ بهم. ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٢، ٩٣] لأنها أقوى عملًا من اليسار (١). وكان قد أقسم بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ففعل ما حلف عليه. واليمين: القوَّة. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ [الصافات: ٩٤] وهو حال بين الإسراع والرويد، ومنه زفيف النعام بين المشي والطيران ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] يا إبراهيم، فنمَّ عليه رجل كان قد سمعه يقول: والله لأكسرنَّها، فقال ذلك النمَّام: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: يعيبهم ويسبهم ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١] ومعنى: أعين الناس أي: بمرأىً منهم وفي ﴿يَشْهَدُونَ﴾ قولان، أحدهما: عذابه. والثاني: يشهدون عليه أنه فعل ذلك. قال ابن عباس: كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة. فلما حضر ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] غضب أن يعبد معه الضعفاء فكسرها. وكان الكسائي يقف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣، ٦٤] (٢) حيث عبدتم من لا يتكلم. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: أدركتهم حيرة وقالوا: قد ظلمناه وما نرى الأمر إلا كما قال ولكن أرادوا أن ينصروا آلهتهم. قال مقاتل لما جادلوه قال لهم: قَال ﴿قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] أي: وعملكم. قلت: وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى حيث قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ وعلى أنها مكتسبة للعباد حيث أثبتت لهم عملًا، فأبطل مذهب القدريَّة والجبريَّة.

стр. 424

فصل في مناظرته لنمرود قال علماء السير: لما ألزمهم إبراهيم الحجَّة حملوه إلى نمرود، وقالوا: هذا فعل بآلهتنا، وقال لنا كذا وكذا. وأصل حاجَّ من الحجة، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهل كانت هذه المناظرة بعد أن ألقي في النار أم عقيب كسر الأصنام؟ فيه قولان. وقال مقاتل: لما كسر الأصنام حبسه نمرود سبع سنين ثم أخرجه فناظره، فقال: من ربك؟ وقال أحمد بإسناده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان الناس يخرجون فيمتارون الطعام من نمرود، وكان كلُّ من مرَّ بنمرود يقول له: من ربك؛ فإن قال: أنتَ مَارَهُ، وإن لم يعترف لم يعطه شيئًا، فمر به إبراهيم فقال: من ربُّك؟ فقال: ﴿الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فردَّه، فرجع وأجماله فارغة، فمرَّ على كثيب رمل أعفر فقال: آخذ منه لئلا أرجع إلى أهلي بغير شيء، فأخذ منه، فلمَّا دخل البيت نام، وكان ليلًا، فقامت امرأته إلى جوالق ففتحته فإذا دقيق حُوَّارى، فخبزت منه، فلمَّا استيقظ رأى الطعام، فحمد الله وفطن، ثم ناظر نمرود بعد ذلك (١). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] هذا جواب نمرود لما قال له: مَن ربُّك؛ فكان جواب سؤال سابق غير مذكور، فقال نمرود: ﴿قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال ابن عباس: دعا برجلين قد استوجبا القتل، فقتل أحدهما واستبقى الآخر، فسمَّى تركَ القتل إحياءً، وهذا من جهله لأنَّ ترك القتل لا يسمّى إحياءً، بل الإحياء يكون بعد الموت. قال إبراهيم: ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: دهش وتحيَّر وانقطعت حجَّته ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] بترك الحجَّة.

стр. 425

فإن قيل: فانتقال الخليل من حجّة إلى أخرى مؤذن بالعجز، فالجواب: إنه ما انتقل عجزًا، وقد كان له أن يقول لنمرود: فأحيي من أَمتَّ إن كنت صادقًا، وهذا له نظير في العالم، أمَّا إتيان الشمس من المغرب فليس له نظير في العالم؛ لأنه لا يقدر عليه إلَّا الله تعالى، حتى لو قال نمرود: أنا أفعل ذلك لم يلتفت إليه، لعدم النظير، فأفحمه وبهته وقطعه وحيَّره، فعدل حينئذ نمرود إلى إحراقه بالنار. فإن قيل: فقد قال مقاتل: لو قال نمرود: فأنا آتي بها من المشرق فقل لإلهك يأتي بها من المغرب، لكان متوجِّهًا في عناده، قلنا: لم يكن متوجهًا لما ذكرنا من عدم النظير، ولو توجّه فقد نطقت الأخبار بأن الله تعالى يأتي بها في آخر الزمان من المغرب فيكون ردًّا على نمرود. فصل في إلقائه في النار قال أرباب السِّير: لما أُفحم نمرود استشار أصحابه فيه، فكل واحد أشار بشيء، فقال رجل منهم: حرّقه بالنار، فهو أشد لعذابه. قال ابن عباس: فخسف بذلك الرجل فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. فبنى له نمرود بنيانًا إلى سفح جبل طول جداره ستون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، ونادى مناديه: أيّها الناس احطبوا لنار إبراهيم الذي كسر أصنامكم وعابها، فلم يتخلَّف صغير ولا كبير، فأقاموا أربعين يومًا يحتطبون، حتّى إن المرأة كانت تقول: إن ظفرت بكذا وكذا لأحتطبنَّ لنار إبراهيم. وحكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أنه قال: كانت البغال تتناسل وكانت أسرعَ الدوابّ في نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها فقطع الله نسلها وأعقم أرحامها. قال: وكانت الضفادع تسكن النّار، فقال: فجعلت تطفئ النار عنه، فدعا لها فأنزلها الله الماء، وكانت الأوزاغ تنفخ على النار وهو فيها، وكانت أحسنَ الدوابّ، فلعنها وأمر بقتلها (١). وأسند أبو القاسم حديثًا عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لمّا ألقي إبراهيم في النّار جعلت الدواب كلّها تطفئ النار عنه إلَّا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه" قال: وكان عند

стр. 426

عائشة ﵂ رمح تقتل به الوزغ، وقالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل الوزغ، قال: وقد رواه ابن عبّاس وابن عمر (١). قلت: ولا يصحُّ هذا عن رسول الله ﷺ ، وإنما هو موقوف على علي كرم الله وجهه وعائشه ﵂. وقال مقاتل: ارتفع لهب النار حتى كان الطَّير يمرُّ بها فيحترق من لهبها، فلمَّا ساوى الحطب رأس الجدار لم يدروا كيف يلقونه، فتمثل لهم إبليس في سورة نجار، فصنع لهم المنجنيق، فهو أوَّل من صنعه، ولم يكن يُعْرَفُ قبل ذلك، فنصبوا المنجنيق على رأس الجبل ووضعوه فيه، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء وقال: اللهمَّ أنت الواحد في السّماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، وليس في السماء إله يُعبَد سِواك، أنت حسبي ونعم الوكيل (٢). وروى البخاري عن ابن عباس أنَّ هذه آخر كلمة قالها إبراهيم. فلمَّا ألقوه عارضه جبريل في الهواء وناداه: يا إبراهيم ألَك حاجة؟ قال: أمّا إليكَ فلا، فقال: سَل من إليه الحوائج، فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي (٣). وفي رواية: أحبُّ الأمرين إليه أحبهما إليَّ. وقال أهل المعاني: لسان حال الخليل يقول: حاجتي إلى الجليل لا إلى جبريل. وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما ألقي إبراهيم في النار جأرت الخليقة إلى ربها وقالت: يا ربّ خليلك يُلقى في النار، فأذَنْ لنا أن نطفئ عنه، فقال الله تعالى: هو خليلي ليس لي في الأرض خليل سواه، وأنا ربّه ليس في السّماء ربّ غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه، وإلَّا فدعوه. فجاء ملك القطر فقال: يا ربِّ، خليلك يلقى في النّار، فقال: إن استغاث بك فأغثْه، وإلَّا فدعه. وفي رواية: وإن لم يدعُ غيري فأنا وليُّهُ، [فلما ألقي في النار دعا ربه] قال الله تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فبردت محل نار يومئذ على أهل المشرق

стр. 427

والمغرب فلم ينضج بها كراع (١). وقال ابن عباس: لم يبق يومئذ في الأرض نارٌ إلَّا طفئت ظنّت أنها هي التي تعنى، قال: ولو لم يقل ﴿وَسَلَامًا﴾ لمات إبراهيم من البرد (٢). وقال مجاهد: لو لم يقل: سلامًا، لم ينتفع بها أحد إلى يوم القيامة. وحكى أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن سفيان الثوري أنه قال: أوحى الله إلى النّار لئن نلت من إبراهيم أكثر من حلّ وثاقه لأعذبنّك عذابًا لا أعذِّبه أحدًا من خلقي، وفي رواية: عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين (٣). وقال السُّدي: لما وصل إلى النّار تلقَّته الملائكة بأيديها وأخذت بضَبْعَيه، وجاءه جبريل بقمص من الجنَّة، وطنفسةٍ من الجنَّة، فأَلبسه القميص وأجلسه على الطنفسة، وصار المكان روضةً، وأنبع الله له عينًا من الماء العذب، وأنبت حوله الورد والرياحين والياسمين، وقعد جبريل يتحدَّث معه. وحكى المنهال بن عمرو قال: أقام إبراهيم في النار أربعين يومًا، وكان يقول بعد ما خرج منها: ما طاب لي عيش غير تلك الأيام، وددتُ أني كنت فيها أبدًا (٤). وحكى الحافظ في "تاريخ دمشق" عن عكرمة قال: قالت أم إبراهيم لما ألقي في النار: قد كان ابني يقول: إنّ له ربًّا يمنعه، ثم صعدت على سُلَّم فاطَّلعت عليه، فإذا هو جالس وسط النار فقالت: يا إبراهيم، ادعُ إلهك أن يجعل لي طريقًا إليك، فسأل الله تعالى، فنزلت إليه فضمَّته وقبَّلته (٥). وحكى الحافظ أيضًا عن عكرمة قال: لما أخرج الله إبراهيم من النَّار زاده في حسنه وجماله سبعين ضعفًا (٦).

стр. 428

وقال مقاتل: قال آزر لنمرود: ائذن لي في جمع عظام إبراهيم، فقال: أنا أجيء معك، فنادى في الناس فاجتمعوا وجاء ومعه الخلائق فنقب الحَيْر (١)، وإذا بإبراهيم جالس وجبريل إلى جانبه وهما يتحدثان، فتحيَّر نمرود وناداه: يا إبراهيم، إن إلهك لعظيم، إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير، فقام إبراهيم يمشي حتى خرج من الحَير، فقال له: مَن ذلك الشابُّ الذي كان معك؟ فقال: جبريل -وفي رواية: ملك القطر، وملك الظلِّ- جاؤوا يؤنسونني فقال: يا إبراهيم أريد أن أقرِّب لإلهك قربانًا لما رأيتُ من قدرته، قال: إنّه لا يقبل منك ما دمت على كفرك، فقال: لا أقدر أن أترك ملكي، ثم ذبح أربعة آلاف بقرة وكفَّ عن إبراهيم (٢). واختلفوا في عمره لما ألقي في النار على قولين: أحدهما: أنَّه كان له ستّ عشرة سنة، قاله مجاهد، والثاني: ثلاثون سنة، قاله ابن إسحاق، والأول أصح. فصل في ذكر إيمان لوط وسارة قال علماء السِّير: لما ظهرت الآية العظيمة في نار إبراهيم اتَّبعه رجال من قومه على وجل من نمرود، منهم لوط، وكان ابن أخيه. وقال ابن قتيبة: وجدت في "التَّوراة": أنه ولد لتارَخ -وهو آزر أبو إبراهيم- ولدان: ناحور وهاران، وولد لهاران لوط وسارة وملكا، فمات هاران في حياة أبيه تارخ في أرضه التي ولد بها، [فنكح إبراهيم سارة ابنة هاران] ونكح ناحور ملكا بنت هاران. وكانت سارة عاقرًا لم تلِد، فخرج تارخ بابنه إبراهيم وابن ابنه لوط إلى حرَّان وخرج معهم، فمات تارخ أبو إبراهيم بحرَّان (٣). قلت: وقول ابن قتيبة: أنَّ ناحور بن تارخ نكح ملكا غير صحيح؛ لأنها أخت ناحور

стр. 429

وكلاهما ابنا هاران، فكيف ينكح أخته؟ وحكى ابن قتيبة عن وهب: أنَّ أوَّل من بني حرَّان أخوان لإبراهيم يقال لأحدهما: هاران، وبه سمِّيت حرَّان، جعلوا الهاءَ حاء وبعضهما قال: يقال له "ناهر" وهو أبو رفقا امرأة إسحاق (١). قال ابن قتيبة: ويقال له هرن بغير ألف، وبعضهم يقول هارن. وقال ابن الجواليقي في "المعرب": وحرّان اسم البلدة معربة، وهي مسماة بهاران بن آزر أخي إبراهيم (٢). وذكرها الجوهري، وقد حكيناه في باب البلدان. وقال قتادة: كانت سارَة ابنة عمِّ إبراهيم، هذا هو المشهور، وقيل: إنها كانت ابنة ملك حرَّان، وكان قد بلغها خبر الخليل ﵇، فآمنت به وعابت على قومها عبادة الأوثان، فلمَّا قدم الخليل حرَّان تزوَّجته على أن لا يغيرها (٣). وقد نسبها هشام بن الكلبي عن أبيه فيما أخرجه عنه ابن سعد في "الطبقات" فقال: هي سارَة بنت بثويل بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالِغ -أو فالخ- بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ (٤). فصل في عرض إبراهيم على أبيه آزر الإِسلام قال علماء السِّير: قال لأبيه: قد شاهدت الآية العظمى والمعجزة الكبرى ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مريم: ٤٢] الآيات. فأجابه أبوه بجواب من غلب عليه الشقاء ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦] وليس هذا بجواب شافٍ، لأنه قد علم رغبته عن آلهته، وتيقَّن أنه يغير الملَّة، فقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ تحميل الحاصل، وأنه محال.

стр. 430

فإن قيل: فقد علم الخليل أنَّ أباه لا يسلم وقد قال لإبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي: لأشتمنَّك ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: حينًا، ومنه الملوان الليل والنهار. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ أباه كان قد وعد أن يؤمن، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] الآية. والثاني: أنه أراد تركيب الحجَّة عليه ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ثم قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] ومعنى "سلام": أي: أقول لك ما أسلم فيه، وسوف استغفر، أي: ما أيأس من إسلامك، وهذا من باب الشفقة والحنوِّ عليه. وقال البخاري بإسناده عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يَلْقَى إبراهيمُ أَبَاه آزرَ يومَ القيامةِ، وعلى وَجهِ آزَرَ قَتَرةٌ وغَبَرةٌ، فيقول له إبراهيمُ: أَلَم أقُل لكَ لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليومَ لا أعصيكَ، فيقول إبراهيم: يا ربّ، إنك وَعَدتَني أنْ لا تُخزيني يومَ يُبعَثون، وأيُّ خِزيٍ أَخزى مِن أبي الأبعدِ؟! فيقولُ الله: إنِّي حرَّمتُ الجنَّة على الكافِرينَ. ثم يقال: يا إبراهيمُ، ما تَحْتَ رجلَيكَ؟ فينظرُ فإذا هو بِذِيخٍ عظيمٍ، فيُؤخذُ بقَوائِمه فيُلقَى في النَّارِ" انفرد بإخراجه البخاري (١)، والذيخ: ذكر الضباع الكثير الشعر. فصل في هجرته إلى الشام قال هشام: لما اعتزل إبراهيم أباه وقومه قطع الفرات، ودخل إلى الشام، ووصل دمشق ومعه سارَة ولوطٌ ابن أخيه وجماعة ممَّن آمن به، وكان له على ما ذكر ابن الكلبي أربع مئة عبد يجاهدون بالعصيِّ (٢)، وكان بدمشق جبَّار فخرج إليه، فحاربه فقتله إبراهيم.

стр. 431

وقال مقاتل: لم يحارب (١) من الأنبياء إلا خمسة أولهم إبراهيم، وهو أوَّل من حارب بالعصيِّ، ثم موسى وداود وسليمان ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. فصل في ذكر قدومه مصر، والجبَّار وسارَة قال علماء السِّير: أقام إبراهيم ﵇ بالشَّام مدَّة، فقُحط الشام، فسار إلى مصر ومعه سارَة ولوط، وكان بها فرعون، وهو أوَّل الفراعنة -عاش دهرًا طويلًا-. واختلفوا فيه: قال قوم: هو سنان بن علوان، وقيل: سنان بن الأهبوب أخو الضحَّاك، وهو الذي بعثه إلى مصر، فأقاموا بها. وكانت سارة من أجمل النساء، فوصفت لفرعون فأرسل يطلبها. قال أحمد بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يَكْذِبْ إبراهيمُ قطُّ إلا ثلاث كذباتٍ: ثِنتَينِ في ذاتِ اللهِ، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وواحدةً في شأنِ سارَة، فإنَّه قدِم أرضَ جبَّار، فقيل له: دَخَل إبراهيمُ اللَّيلة بامرأةٍ من أحسن النساءِ، فأرسل إليه الجبَّار: من هذه معك؟ فقال: أختي، قال: فأرسِلْ بها إلي، فأرسلها إليه، وقال لها: لا تكذِّبيني، فإنِّي قد قُلتُ إنَّك أختي، فما على وجهِ الأرض مؤمن غيري وغيرُك. فلما دَخَلتْ إليه قامَ إليها فأقبلَت تصلِّي وتقولُ: اللهمَّ إن كنت تعلم أنِّي آمنتُ بكَ وبرسولِك وأحصَنتُ فرجِي، إلَّا على زَوجِي، فلا تُسلِّط عليَّ الكافر، قال فَغُطَّ حتى رَكَضَ برِجلَيه، فقالت: اللهمَّ إن يَمُت فيقولوا: هي قتَلتْه، قال: فأرْسِل، فقام إليها، فقالت مثلَ قولها، فَغُطَّ فدعَتْ فَأَفاقَ، فعلَ ذلك أربعًا، فلمَّا أفَاقَ في الرَّابعةِ قال: ما بَعثْتُم إليَّ إلَّا شَيطَانةً، رُدُّوها إلى إبراهيمَ وأَعطُوها خادِمًا، فأَخدَمُوها هاجرَ. فلمَّا جاءَت إلى إبراهيمَ قالت: أشعَرْتَ أَنَّ الله ردَّ كيدَ الفاجِر وأخدَمَ وليدة". أخرجاه في "الصحيحين" (٢)، وهو حديث طويل، وقد روي بروايات كثيرة.

стр. 432

وقد أخرجه الحميدي، وقال فيه: "وكانَت سارَةُ من أحسنِ الناسِ (١)، وقال إبراهيمُ: إن يَعلمْ هذا الجبَّارُ أنَّك امرأَتي يغلبْنِي عليكِ. وقامَ إبراهيم إلى الصَّلاةِ، فلمَّا دخَلَت عليهِ لم يَتَمالك أن بَسَطَ يَدَه إليها، فقُبِضَت يدُه قَبضًا شديدًا، فقال لها: ادْعِي الله أن يُطلِقَ يدِي ولا أضرُّكِ، ففعلت، فعادَ حتى فعلَتْ ذلك مِرارًا، فدَعَا الذي جاءَ بها وقَال: إنَّما جئتَني بشيطانٍ، فأخرجْها من أرْضِي … وفيه: فلمَّا عادَتْ قال لها إبراهيمُ: مَهْيَمْ؟ قالت: خير، كفَّ الله يَدَ الفاجِر وأخدَمَ خادِمًا" فقال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماءِ السَّماء (٢). الكلام على الحديث وقد أنكر جماعة من العلماء الكذب على إبراهيم وقالوا: الكذب قبيح على غير الأنبياء، فكيف على أصل الأنبياء؟ والجواب: إن هذا من المعاريض المندوب إلى مثلها، ولو بحث عمَّا قال إبراهيم لكان صدقًا. فإن قيل: فما معنى امتناع الجبار عنها بقوله: هي أختي، ولو قال: زوجتي كان أمنع لها؟ فالجواب: إن من شرع ذلك الجبار أن من كان له أخت هي زوجته، وهو أحق بها من غيره، ولا تؤخذ منه قهرًا، فقال ذلك إبراهيم خوفًا على نفسه وظنًّا منه أن ينجيه ذلك. وقوله: "مَهْيَمْ" قال الجوهري: مَهْيَم -بفتح الميم الأولى وإسكان الثانية- كلمة يستفهم بها، ومعناها: ما حالك وما شأنك (٣)؟ وقول أبي هريرة: هي أمُّكم يا بني ماء السماء، يشير إلى العرب؛ لأنَّ أمَّهم هاجر، وهم يسكنون البوادي، ويعيشون بماء المطر.

стр. 433

وقال ابن إسحاق: كانت هاجر وصيفة فوهبتها سارَة لإبراهيم وقالت: خذها، لعلَّ الله أن يرزقك منها ولدًا. وكانت سارَة عاقرًا. واختلفوا في هاجر: فقال مقاتل: كانت من ولد هود ﵇، وقال الضحاك: كانت بنت ملك مصر، وكان الملك ساكنًا بمَنْف فغلبه ملك آخر، وقيل: إنما غلبه فرعون فقتله وسبى ابنته فاسترقّها ووهبها لسارة. وقال مسلم بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سَتُفتَحُ أرضٌ يُذكَرُ فيها القِيرَاطُ فاستَوصُوا بأهلها خَيرًا، فإنَّ لهُم ذمَّةً ورحِمًا". انفرد بإخراجه مسلم (١). وفي رواية: "سَتُفتَحُ مِصْر (٢) ". وعامَّة العلماء على أنّه ﷺ أراد هاجر أمَّ إسماعيل لأنها أمّ العرب، وكانت من مصر (٣). وقال الشعبي: أراد مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وعامَّة الرواة على الأوَّل. قلت: ويمكن الجمع بين القولين لأنَّ الأصل في ذلك أمّ إسماعيل، ثم أكدت الرحم أم إبراهيم ﵇. فصل في عوده إلى الشام ونزوله، وذكر ما سنَّ من السّنن قال وهب: لما خرج الخليل من مصر نزل فلسطين بمكان يقال له السبع -بإسكان الباء- واتخذ به مسجدًا، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على يوم وليلة، فبعث الله لوطًا نبيًّا. وأقام إبراهيم بالسبع، واحتفر بئرًا فكانت غنمه ترِدها، ثم إنَّ أهلها آذوه فخرجَ منها، فنزل بناحية فلسطين، فغار ماءُ تلك البئر، فندم أهل ذلك المكان على ما فعلوا به وقالوا: أخرجنا الشيخ الصالح من بين أظهرنا. ثم مضوا إليه واستوضوه وسألوه

стр. 434

الرُّجوع فقال: ما أنا براجع إلى مكان أخرجت منه، فقالوا: قد نضب ماء البئر، فأَعطاهم سبعة أعنز من غنمه وقال: أوردوها البئر ولا تغرف منها حائض ولا جنب، فأوردوها فظهر الماء، فيقال: إنما سمِّي ذلك المكان سبع لهذا. وقال مقاتل: لما خرج إبراهيم من مصر نزل جبل لبنان وأقامَ به مدة، فاشتاق إلى الأرض المقدَّسَة، فأوحى الله إليه: اصعد على رأس لبنان وانظر أي مكان اخترتَ من الأرض فهو مقدَّس، فنظر فانتهى بصره إلى دمشق والشام والأردن وفلسطين، فقال الله تعالى: هذه الأماكن كلّها مقدَّسة. والأصحُّ أنَّ الأرض المقدَّسة أرض فلسطين من الأردن إلى البحر. وقال مجاهد: اختار فلسطين فنزل بها، وبسط الله له في الرزق، فكان يسمى الشيخ الصالح، وهو أوّل من أضاف الضيف وثَرَد الثريد وأطعم المساكين، وقصَّ شاربه واستحدَّ، واختتن، وقلَّم أظفاره، واستاك، وفرق شعوه، وتمضمض، واستنشق، واستنثر، واستنجى بالماء. وهو أوَّل من شاب وهو ابن خمسين ومئة سنة، وأوَّل من رأى الشيب في الدنيا. قال مجاهد: رأى في وجهه طاقة بيضاء فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: نذير ونور ووقار، فقال: يا ربِّ زدني وقارًا، فشاب رأسه في الحال. وهو أوَّل من خطب على المنبر، ولبس السَّراويل، واختتن. قال أحمد بإسناده عن الزهري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "اختَتَنَ إبراهيمُ بالقدُومِ". أخرجاه في "الصحيحين" (١). قال أبو الزناد: القدوم بالتخفيف اسم موضع بالشّام، وكذا قال الجوهري (٢). وقال ابن السكيت: ولا تقل قدّوم بالتشديد (٣)، والعامَّة تقوله.

стр. 435

وقال ابن عباس: اختتن وهو ابن عشرين ومئة سنة، وقيل: ابن ثمانين. فصل في حمل إبراهيم إسماعيل وأمَّه إلى مكة على البراق قال ابن إسحاق: إسماعيل أكبر ولد إبراهيم، ولما دفعت سارَة هاجر إلى الخليل أولدها إسماعيل، فغارت سارَة وحلفت أن لا تساكنها، ولتقطعنَ بَضْعة منها، فقال لها الخليل: اخفضيها، فخفضتها، أي: ختنتها. وقال السُّدي: لما حلفت سارَة أن لا تساكنها في بلد حملها إبراهيم وابنها إلى مكة على البراق (١)، وقد ذكر البخاري القصَّة فقال: حدثنا عبد الله بن محمَّد عن أيُّوب السَّختياني وكثير بن المطلب ابن أبي وَدَاعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوَّل ما اتخذ النساء المِنْطَقَ من قِبَلِ أمِّ إِسماعيل، اتخذته لتعفِّي أثرَها على سارَة، فجاء بها إبراهيم وبابنه إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وَضعَها عند البيتِ عند دوحةٍ فوقَ زمزمَ في أعلى المسجدِ، وليس بمكَّة يومئذٍ أحدٌ ولا ماء، وَوَضع عندهما جِرَابًا فيه تمرٌ، وسِقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقًا، فتبعته هاجر فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتدعنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيسٌ ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وهو لا يلتفتُ إليها، فقالت: آللهُ أمَرَك بهذا؟ قال: نَعَم، قالت: إذًا لا يُضَيِّعنا. ثم رجعت وانطَلَق إبراهيم نحو الشَّام، حتى إذا كانَ عند الثَّنية حيثُ لا تراه ولا يَراها استَقبَلَ البيتَ بوجهِهِ، ثم دعا بهؤلاءِ الدَّعواتِ، ورفع يده وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أمُّ إسماعيل تُرضع ابنها وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطِشَت وعطِشَ ابنُها، وجعلت تنظرُ إليه يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصَّفا أقربَ جبل في الأرض يَليها، فقامَت عليه ثم استقبلت الواديَ تنظرُ هل تَرى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا، فهبَطَت من الصَّفا، حتى إذا بَلَغت الوادي رَفَعت طَرَف دِرْعِها ثم سعتْ سعي الإنسان المجهود حتى جاوَزَت الواديَ، ثم أتَت المَرْوَة

стр. 436

فقامت عليها، ونظرت فلم تَرَ أحدًا - فعلت ذلك سبع مرَّات. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "فلِذلِكَ سَعَى النَّاسُ بينَهما" فلمَّا أَشْرَفَت على المَرْوَةِ سمِعَت صَوْتًا فَقالت: صَهٍ -تُريدُ نَفْسَها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أَسْمَعْتَ لو كان عندك غُوَاثٌ، فإذا هي بالملك عند موضعِ زَمزَمَ، فبَحَث بجناحِنه -أو بعقِبِه- حتى ظهرَ الماءُ، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وجعلت تقول بيدها كذا، وجعلت تغرفُ من الماء في سِقائها وهو يَفُورُ بعدما تَغْرِفُ". قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "يَرحَمُ الله أم إسماعيلَ لو تَركَتْ زَمزَمَ لكانَتْ عَينًا مَعِينًا". وفي رواية: "لو لم تَغْرِفْ مِنَ الماءِ". قال: فشربَتْ وأرْضَعَت ولَدَها فقال لها المَلَك: لا تَخافُوا الضَّيعَةَ فإنَّ لله ها هُنا بيتًا يَبْنيه هذا الغُلامُ وأبُوه، وإنَّ الله لا يُضيِّع أهلَه. وكان البيتُ مُرتَفِعًا من الأرضِ كالرَّابيَة، وتأتيه السُّيول فتأخُذُ عنها يمينًا وشِمالًا، فكانت كذلك حتى مرَّت بهم رُفقة من جُرْهُم مُقبِلين من طريق كَدَاء، فنزلوا أسفَلَ مكَّة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إنَّ هذا طائرٌ ليَدُورُ على ماءٍ، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيهِ ماء. فأرسلوا جَرِيّا أو جَريَّين فإذا هم بالماءِ، فرَجَعوا وأخبَرُوهم، فأقبلُوا، وأمُّ إسماعيلَ عند الماءِ، فقالوا: أتَأذَنينَ لنا أن ننزِلَ عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكُم في الماءِ. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "فألْفَى ذلك أم إسماعيل وهي تحبُّ الأُنْسَ" فنزلُوا وأرسَلُوا إلى أهالِيهم فجَاؤوا، فنزلُوا معهم، حتى إذا كان بها أهلُ أبياتٍ منهم وشبَّ الغلامُ وتعلَّم منهم العربيَّة وأنْفَسَهم وأعجَبَهم حين شبَّ، فلمَّا أدرك زوَّجوه امرأة منهم. وماتت أمُّ إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوَّج إسماعيل يطالعُ تركَتَه، فلم يجد إسماعيلَ، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يَبتغي لنا -أو يصيد لنا- ثمَّ سألها عن عيشِهم وهيئَتهم فقالت: نحن بشرٍّ، في ضيقٍ وشدَّة، وشَكتَ إليه. فقال: إذا جاء زرجُك فاقْرَئي عليه¬ السَّلام وقولي له يُغيِّرْ عتبةَ بابه. فلمَّا رجع إسماعيلُ كأنَّه آنسَ شيئًا فقال: هل جاءكم من أَحَد؟ قالت: نَعَم شيخ من صفَتِه كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرتُه، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جَهْد وشدَّة، قال: فهل أوصاكِ بشيءٍ؟ قالت:

стр. 437

نعم، أمرني أنْ أقرأ عليك السَّلام ويقول لك: غيِّر عتبةَ بابكَ، فقال: ذالك أبي وقد أمرَني أن أُفارقَكِ، فالْحقِي بأهلِكِ، فطلَّقها، وتزوَّج منهم أخرى. فلبِثَ عنه إبراهيم ما شاء الله، ثمَّ أَتاهُم فلم يجدْه، فسأل عنه امرأتَه فقالت: خرج يَبتغي لنا، فسألَها عن عيشِهم وهيئَتِهم فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنَتْ على الله، فقال: ما طعامُكم؟ قالت: اللَّحمُ والماءُ -وفي رواية: ما طعامُكُم قالت: اللَّحم، قال: وما شَرَابُكم؟ قالت: الماءُ، فقال اللهمَّ باركْ لهم في اللَّحم والماءِ. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "ولم يَكُن لهم يومئِذٍ حَبٌّ، ولو كان لدَعا لهمْ فيهِ بالبَركَةِ". قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكَّة إلا لم يوافقاه -وفي رواية: فقال لها: إذا جَاء زوجُكِ فاقْرَئي عليه¬ السَّلام ومُريه أن يُثبِتَ عَتَبةَ بابهِ- فلمَّا جاء إسماعيل قال: هل جاءَكُم من أحدٍ؟ قالت: نَعَم، شيخٌ حسنُ الهيئةِ، وأَثْنَتْ عليه، وأخبرَتْه الخَبرَ، فقال: هل أوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نَعَم، يَقرَأ عليك السلام ويأمُرُك أن تُثبِتَ عتبةَ بابك، فقال: ذاك أبي، وأنتِ العتبةُ، أمرني أن أمسِكَكِ. ثم لبثَ عنهم ما شاءَ اللهُ، ثم أتاهم وإسماعيلُ يَبري نبلًا تحتَ دوحةٍ قريبًا من زَمزَم، فلما رآه قام إليه وصنَعا كما يَصنع الوالدُ بالولدِ والولدُ بالوالدِ. ثم قال: يا إسماعيلُ إن الله قد أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: أوتعينني؟ قال: نعم، قال: فإن الله أمرني أن أَبْنيَ ها هُنا بيتًا، وأشار إلى أَكَمَةٍ مرتفعةٍ على ما حَوْلها. فعندَ ذلكَ رفَعَا القواعِدَ من البيتِ، فجعل إسماعيلُ يأتي بالحجارَةِ وابراهيمُ يَبْني حتى إذا ارتفَعَ البناءُ جاء بهذا الحَجَرِ فوضعَه، وقام عليه يَبْني، وإسماعيلُ يُناوله الحجارةَ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية. وجَعَلا يَبنيَان حتى يَدُورا حولَ البيتِ. وهما يقولان الآية (١). وفي رواية: أن إبراهيم لمّا مضى إلى الشّام رجعت إلى الصبيِّ فإذا هو كأنَّه يَنْشَغُ للموتِ، فلم تُقِرَّها نفسُها، فإذا هي بصوت فقالت: أغثْ إن كان عندك غَوْث أو خير، وإذا جبريلُ، فقال بعقِبِه على الأرضِ كذا، فانبثَقَ الماءُ، فدَهَشَتْ فجَعَلَت تحفِنُ أو تَحفِزُ (٢).

стр. 438

وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ أمَّ إسماعيلَ لولا أنَّها عَجِلَت لكانَتْ زَمزَمُ عينًا معينًا" (١). وفي رواية أن زوجة إسماعيل الثانية قالت لإبراهيم: أنزل حتى أغسل رأسك فقد شعث، فلم تزل به حتى جاءته بالمقام فوضعته عند شقِّه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر القدم فيه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثمَّ حوَّلت المقام إلى شقَه الأيسر فغسلته. وفي رواية: فقال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءته باللبن واللحم، فدعا فيهما بالبركة، وقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: قد استقامت عتبة بابك، وداعا لها. قال ابن عباس: ولو كان هناك برٌّ أو شعيرٌ لدعا لهم، فكانوا أكثر الناس خبزًا وتمرًا. وفي رواية: أن هاجر عملت عريشًا موضع البيت. انفرد بإخراج هذا الحديث البخاري، ورواه بروايات كثيرة مختلفة قد أتينا على معظمها، وعامَّة ألفاظه موقوفة على ابن عباس، والمرفوع منه ما حكيناه عن رسول الله ﷺ ، وقد أخرجه الحميدي برواياته (٢). تفسير غريبه: "الدَّوحة": الشجرة العظيمة أيُّ شجرة كانت. و"الدِّرع": القميص. و"المجهود": الذي نالته مشقة. و"صه": اسكت. وقال الجوهري: صه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سمّي به الفعل، ومعناه: اسكت (٣). و"الغواث" -بضم الغين- الغياث. و"جرهم": اسم قبيلة من العرب العاربة. وقال الجوهري: جرهم حي من اليمن، وهم أصهار إسماعيل ﵇ (٤). وفي مكة ثلاثة أماكن يقال لها: كداء، فالأولى كَدَاء -بالفتح والمدِّ- بأعلى مكة على طريق العمرة. وكدى -مقصور- مكان بأسفلها، وكُديّ مصغّر موضع على طريق اليمن. ولم يذكر الجوهري منها شيئًا، بل قال: الكدية الأرض الصلبة وجمعها كدى (٥). و"الأكمة": المكان المرتفع. انتهى تفسير غريب الحديث.

стр. 439

وذكر ابن إسحاق والسُّدي والكلبي وغيرهم: أنَّ الله تعالى لما أهلك قومَ عاد -وهم من العمالقة- خرج من بقي من العرب ومنهم من أرض اليمن، وفيهم جرهم وعليهم السميدع بن هوبر بن لاوي بن قنطور بن كركر بن حَيدان (١) بن عمليق، فنزلوا تهامة، وبعثوا روَّادهم يطلبون الماء، فأشرفوا على وادي مكة فنظروا إلى الطير ترتفع وتنخفض فاستبطنوا الوادي، فنظروا إلى عريش أمِّ إسماعيل على الربوة الحمراء، وفيه هاجر وإسماعيل، وقد زمَّت حول الماء بأحجار، ومنعته من الجريان. فسلَّم الرواد عليها، واستأذنوها في النزول عندها، ويشربون من الماء، فأذنت لهم ورحبت بهم، وحصل لها الإنس، فعادوا إلى من وراءهم فأخبروهم، فجاؤوا ونزلوا، فأضاء لهم نور النبوة من العريش. فلمَّا ترعرع إسماعيل ألهمه الله الكلامَ بالعربية على خلاف لغة أبيه، ووافق القومَ في لغتهم، وتزوَّج منهم امرأةً يقال لها: الجذاء ابنة سعد العملاقي، وهذه الجذاء هي التي سألها إبراهيم عن عيشهم. وقال وهب: ولما جاءها سلَّم عليها فلم تردَّ عليه¬ السَّلام، وسألها منزلًا فقالت: لاها الله ذا -وسنذكر هذه اللفظة فيما بعد- وهي التي أمره إبراهيم بطلاقها، وقال لها إسماعيل: الحقي بأهلك. قال وهب: وكانت هاجر باقيةً لما جاء الخليل يطلب ولده، وهذا قول من سمينا. وقال مقاتل وابن الكلبي: كان على جرهم الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن ظالم، فاستوطنوا مكة، وتزوج إسماعيل المرأة الثانية منهم، واسمها سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف. واستأذن إبراهيم سارَة في زيارة إسماعيل فأَذِنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فسار على البراق وقيل: على أتان، وكانت هاجر (٢) قد ماتت ولها تسعون سنة، فدفنها إسماعيل في الحجر. ولما أثرت قدما إبراهيم في المقام قال لها: احتفظي به فسيكون له شأن بعد حين فذلك المقام.

стр. 440

فصل في بناء البيت واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أن الله تعالى بناه قبل خلق الدنيا لا ببناء أحد. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كان العرش على الماء قبل خلق الأرض بألفي عام، فأرسل الله ريحًا فصفقت الماء فأبررْت عن خشفة كالقبَّة، وهي موضع البيت، فدحيت الأرض من تحتها. وقال مجاهد: خلق الله موضع هذا البيت قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام، وإنَّ قواعده لفي الأرض السابعة، وكان فيه قناديل من الياقوت، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسُّدي وغيرهم. قال مقاتل: ولما حجَّ آدم تلقته الملائكة فقالت: يا آدم بَرَّ حجُّك، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، فقال: اللهم اجعل له عمارًا من ذرِّيتي، فقال الله: إني سآمُر نبيًّا من ذريّتك اسمه إبراهيم يعمره. والثاني: أن الملائكة بنته لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فقال لهم الله تعالى: ابنوا لي في الأرض بيت وطوفوا حوله كما تطوفون حول عرشي، وقد ذكرناه، ثم بقي على حاله. وقيل: إنه تشعّث فجدَّده آدم، وزاده شيث، وبقي إلى أيام الطوفان، فنسفه الغوق وبقي مكانه ربوة حمراء تأتيه السيول من كل مكان، ويأتيه المظلوم فيدعو عنده، حتى جدَّده إبراهيم. وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: كان لإبراهيم يوم بناه مئة سنة ولإسماعيل ثلاثون سنة (١). وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت لم يدر كيف يصنع، وضاق به ذرعًا، فأرسل الله الريه الخَجُوج، وهي السكينة، ولها رأسان

стр. 441

فتطوَّقت موضع البيت كطي الجحفة، وهي على مثال الحية. وعن علي أيضًا قال: جاءت غمامة وناداه منها مثل رأس الإنسان: يا إبراهيم، علّم على ظلّي ولا تزد ولا تنقص. وقال مقاتل: أيدهما الله بسبعة أملاك حنفاء يعينونهما علي بنائه. وقال ابن عباس: فبناه من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زِيتا -جبل بيت المقدس- وحِراء وأبي قُبيس والجوديِّ، وقيل: ولبنان. وجعل طولَه ثلاثين ذراعًا، وأدخل الحِجر فيه سبعة أذرع. ولما كمل ولم يبق إلا موضع الحجَر قال لإسماعيل: اذهب فأتني بحجر، فذهب ليأتيه فناداه أبو قُبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة. يعني الحَجَر الأسود كان قد نزل مع آدم من الجنة، فلمَّا كان الطوفان أودعه جبريل فيه، فلمَّا ذهب إسماعيل ليأتيه بحَجَر جاءه جبريل بالحَجَر من أبي قُبيس فوضعه مكانه، وجاء إسماعيل فقال: يا أبةِ، مَن جاءك بهذا الحَجَر؟ فقال: من لم يَكِلْني (١) علي بنائك، أتاني به جبريل من أبي قبيس. وقال الترمذي: بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "نَزَل الحَجَرُ الأسودُ من الجنَّةِ وهو أشدُّ بياضًا من اللَّبنِ، فسَوَّدتْهُ خَطايا بَني آدَمَ" (٢). فإن قيل: فما الفائدة في بناء البيت من هذه الأجبل البعيدة، وجبال مكة أقرب، مثل أبي قُبيس وحِراء وغيرهما كعرفاتٍ وجبال مِنى؟ فالجواب من وجوه: أحدها: لتشرف هذه الجبال على غيرها. والثاني: ليظهر فضلها. والثالث: أنَّ معناه أن من حجَّ هذا البيت وطاف به وصلى عنده كُتبَ له من الثواب ما لو وزنت معه هذه الجبال لرجح عليها. والرابع: لتشهد لمن حَجَّه كما يشهد الحجر الأسود لمن استلمه. وقال وهب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] الآيات.

стр. 442

فإن قيل: فقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ولم يكن هناك بيت. فالجواب من وجهين، أحدهما: أن معناه عند بيتك الذي كان ها هنا وهذه آثاره. والثاني: عند بيتك الذي قضي في سابق علمك أنني أجدِّده ها هنا. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. فالجواب: إنَّ معناه أوَّل بيت وضع للعبادة، ولم يكن قبله بيت يُعبد الله فيه. قال أحمد بإسناده عن أنس وأبي ذرٍّ. قال أبو ذرٍّ: سألت النبي ﷺ عن أوَّل مسجدٍ وُضع في الأرض فقال: "المسجِدُ الحَرَامُ" قلت: ثمَّ أيُّ؟ قال: "المسجِدُ الأقْصَى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربَعُون عَامًا"، انفرد بإخراجه مسلم (١). * * * واشتقاق مكَّة من مكَّ الفصيل ضرع أمِّه، إذا امتصَّ كلَّ ما فيه، وأشاروا إلى شدَّة الحرّ بها وقلَّة مائها. وأمَّا بكَّة فقد اختلفوا فيها، فقال ابن عباس: لأنها تبكُّ رقاب الجبابرة، وقال مجاهد: لازدحام الناس بها. وقال الضحَّاك: لأن الناس يتباكون فيها. وروي عنه أيضًا أنه قال: اسم البلد مكة، وبكة موضع البيت (٢). وقيل: مكة وبكة واحد؛ لأن الباء تبادل من الميم، كقوله: ضربة لازب ولازم، ونحوه. والآيات البينات: مقام إبراهيم والحَجَر الأسود والركن وزمزم ونحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال ابن خالويه: معناه أي: من دخله فأمِّنوه. وقال ابن عباس: أوَّل من عاذ بالحرم الحيتان الصغار من الكبار في أيام الطوفان.

стр. 443

واتفق العلماء على أن من جنى في الحرم أنه يقتصُّ منه لأنه هَتك حرمته، فيقام الحدُّ عليه عقوبة على الجناية. واختلفوا فيمن جنى خارجًا منه ثم التجأ إليه: قال ابن عمر وابن عباس والعبادلة: لا يقام عليه الحدُّ فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه فيقام الحدُّ عليه، وبه أخذ أبو حنيفة. وقال الشافعي ومالك: يقام عليه الحدُّ فيه قياسًا على موارد الإجماع. وقد قتل النبيُّ ﷺ ابن خطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة (١). ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقياسه على موارد الإجماع لا يصحّ، لأنه هناك هتك حرمة الحرم بخلاف ما نحن فيه. وأمَّا ابن خطل فإنه قتل لكفره، وكان النبيّ ﷺ قد أهدر دمه. فصل في فضائل مكة قال أحمد بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ هذا البَلَد حرامٌ حرَّمَه الله يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمةِ الله إلى يوم القيامةِ، وأنَّه لا يَحِلُّ القِتَالُ فيه لأحدٍ قَبلِي، ولم يَحِلَّ لي إلَّا ساعةً مِن نَهارٍ، لا يُعضَدُ شوكهُ، ولا يُنفَّر صيدُهُ، ولا تُلتَقَطُ لُقَطَتُه إلَّا من عرَّفها، ولا يُختَلَى خَلاه". فقال العباس: يا رسول الله، إلَّا الإذْخِرَ، فإنَّه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلَّا الإذْخِر". وفي رواية: "لا يُعْضَدُ عِضَاهُها، ولا تَحلُّ لُقَطَتُها إلَّا لمنشِدٍ" فقال العباس: إلَّا الإذْخِرَ، فإنَّه لصَاغتِنا وسُقُوفِ بيوتِنا. أخرجاه في "الصحيحين (٢) ". وعضد (٣) الشجرة أي: قطعها، ذكره الجوهري، والعِضاه شجر له شوك كالطَّلح

стр. 444

وغيره. وقال العباس: قال ذلك في يوم الفتح، وقيل: في حجَّة الوداع. وقال أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحمل السّلاح بمكّة. انفرد بإخراجه مسلم (١). وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيُحَجَّنَّ هذا البيتُ وليُعتَمَرنَّ بعد خُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ" (٢). حدَّثنا أبو طاهر الحَرِيمي بإسناده عن الزهري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الرُّكنُ والمقامُ ياقوتتانِ من يواقيتِ الجنَّةِ طُمِس نُورُهما، ولولا ذلكَ لأضاءَتا ما بينَ المشرقِ والمغربِ" (٣). وحدَّثنا غير واحد عن يحيى بن علي المدير بإسناده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للهِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ عشرينَ ومئةَ رحمة تَنزل على هذا البيتِ، فستُّونَ للطائفينَ، وأربعونَ للمصلِّينَ، وعشرونَ للنَّاظرينَ" (٤). وروى ثابت عن أنس قال: رأيت في المقام أثر أصابع إبراهيم وعقبيه وأخمص قدميه، غير أنَّ مسح الناس بأيديهم أذهب ذلك (٥). فصل في حدود الحرم ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنَّ أوَّل من وضع أنصاب الحرم الملائكة، لما نذكر، ودثرت بالطوفان فجدَّدها إبراهيم ﵇، ثم قصيّ بن كلاب، وبقيت على حالها إلى زمان المبعث، فقلعتها قريش. قال أنس: فشقَّ ذلك على رسول الله ﷺ حيث هي آثار آبائه، فجاءه جبريل فقال:

стр. 445

لا يشقَّ عليك فإنهم سيعيدونها. فرأى رجالٌ منهم في المنام قائلًا يقول: حرم الله أعزَّكم الله به، عمدتم إلى أنصابه فقلعتموها، الآن يتخطفكم الناس أو العوب، فأَعادوها، فجاءه جبريل فقال له رسول الله ﷺ : "هل أصابوا في وضعِها؟ " قال: نعم، ما وضعوا منها نصبًا إلَّا بيد ملك. قال أنس: فلمّا كان عام الفتح بعث رسول الله ﷺ تميم بن أسد فجدَّدها. قال علماء السِّير: ثم جدَّدها عمر وعثمان، وبنو أميَّة: معاوية وعبد الملك بن مروان، وأوَّل من جدَّدها من بني العباس هارون، ثم ابنه المأمون. ثم الخلفاء (١). وذكر الأزرقي في "كتاب مكة" عن جماعة من العلماء عن ابن عبّاس قال: هذا الحرم سابع سبعة إلى السّماء، وفيِ كل سماء حرم وبيت، وله طائفون يطوفون به، وسكّان من الملائكة، وكذا إلى الأرض السّابعة (٢). وقال الأزرقي: حدّ الحرم من طَرَفُ المدينة دون التنعيم عند بيوت تعار على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طَرَفُ أضاة على دممبعة أميال من مكة، ومن طريق الطَّائف إلى بطن نَمِرة على أحد عشر ميلًا، ومن طَرَفِ العِوَاق إلى ثنيَّة خَل عشرة أميال، ومن طريق الجِعوَّانة في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد على خمسة أميال، ومن طريق جُدَّة منقطع الأعشاش على عشرة أميال؛ فصارت الجملة ستة وأربعين ميلًا (٣). وحكى صاحب "المحيط" عن الهندُواني (٤) أنه قال: حدُّه من قبل المشرق ستة أميال، ومن الجانب الثاني اثنا عشر ميلًا، ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلًا، ومن الجانب الرَّابع أربعة وعشرون ميلًا. فصارت الجملة ستين ميلًا. وهو وهمٌ من الهندُواني؛ وما ذكر الأزرقي أصحُّ، لأنه ذكر الحدود على ما شاهد

стр. 446

وعاين، وما ذكره الهندُواني يدلُّ على أن الحرم يكون مربَّعًا، وليس كما ذكر، بل هو مختلف الحدود كما ذكرنا. فإن قيل: فلمَ لم تكن حدود الحرم متساوية إلى مكة؟ فالجواب من وجوه: أحدها: رواه عطاء عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض أقام باكيًا مستوحشًا فأهبط الله إليه البيت المعمور، وكان ياقوتة من يواقيت الجنَّة، فأضاءت منه الدُّنيا، فقال إبليس: حدث أمر، فأرسل الشياطين ليكشفوا له الخبر، فجاؤوا فوقفوا موضع الأعلام لم يتجاسروا أن يتعدَّونها، لأن نور البيت انتهى إلى موضع الأعلام، فلم يقدر أحد منهم أن يدنو منها، فنصبت الملائكة الأعلام، فلمَّا احتضر آدم أوصى شيئًا بتجديد الأعلام ونصبها. والثاني: لأنَّ الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء منه نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثالث: لأنَّ الملائكة لما بنت البيت في أوَّل الأمر نزل من السماء ملائكة ملؤوا مكان الحرم اليوم، فأمرهم الله أن ينصبوا الحدود حيث انتهوا إليه تعظيمًا للحرم، قاله مقاتل (١). فصل في قبلة كلِّ بلد القبلة: الوجهة التي يتوجَّه إليها، يقال: من أين قِبلَتك؟ أي: من أين جهتك ووجهتك؟. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الحرم قبلة أهل الأرض، والمسجد قبلة أهل مكة، والبيت قبلة أهل المسجد، وباب الكعبة قبلة البيت (٢). وقال أرباب الهيئة: قِبلة أهل العِرَاق وخُراسَان والصِّين يسار الركن العراقي، الذي

стр. 447

فيه الحجر إلى قريب من باب البيت. وقبلة أهل البَصرَة والأهوَاز وكَرمَان وسِجستَان وما والاها باب الكعبة والملتزم. وقبلة أهل اليمن وإلى تخوم عدن ما بين الحجر الأسود إلى الركن اليماني. وقبلة أهل مصر والمغرب من الركن اليماني إلى قريب من نصف البيت. وقبلة أهل الشَّام والأردن وفلسطين وأهل الثُّغور من نصف البيت إلى الركن الشامي، وهو مسقط سهيل. وقبلة أهل إِرمِينيَة وأَذرَبِيجَان والجزيرة والرّوم من الركن الشامي إلى الميزاب. وقبلة أهل المدينة الميزاب إلى آخر البيت. قلت: وهذا على وجه التقريب لا على وجه التحقيق. فصل في دلائل القبلة التي يتوصَّل بها المجتهد إلى جهتها فمنها: الشمس، فإنها تطلع من المشرق عن يسار المصلي، وتارة عن يمينه، وتارة أمامه، وتارة خلفه، بحسب اختلاف الأقاليم والمطالع والمغارب والمنازل. ومنها: القمر فإنَّه يبدو أوَّل ليلة من الشهر هلالًا عن يمين المصلي في المغرب، ثم يتأخَّر كل ليلة نحو المشرق منزلًا منزلًا، حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في القبلة مائلًا قليلًا إلى المغرب، وفي ليلة أربعة عشر يطلع من المشرق قبل غروب الشمس بدرًا تامًّا، ويكون ليلة إحدى وعشرين في قبلة المصلي أو قريبًا منها وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر من المشرق كالهلال، وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله، وقد ذكرناها في صدر الكتاب (١). ومنها: الجدْي، وهو من أوثق الأدلَّة على القبلة، وقد ذكرناه (٢)، وكذا سهيل. ومنها: الرياح وهي كثيرة يستدل منها بأربع، تهمث من زوايا الدماء: الجَنوب وتهبُّ من الزاوية التي بين المشرق والقبلة إلى مطلع سهيل، والشَّمال: وهي مقابلة

стр. 448

الجنوب، وتهبُّ من بنات نعش إلى مشرق الشمس، والدَّبُور: وتهبُّ ما بين المغرب وسهيل (١). وبين كلّ ريحين ريح تسمَّى النَّكْباء لتنكبها عن طريق الرياح المعروفة. وقال الجوهري: والنُّكْبُ في الرياح أربع: فَنكْباء الضَبا والجنوب يسمَّى: الأرنب، ونكباء الصَّبا والشمال وتسمَّى: الصَّابية والنُّكَيباء، وإنما صغَّروها وهم يريدون تكبيرها لأنهم يستدبرونها جدًّا، ونَكْباء الشمال والدَّبُور وتسمَّى: الجربياء؛ ونكباء الجنوب والدَّبُور وتسمَّى: الهَيف (٢). وأصل النكب: العدول والميل. ومنها: المياه والأنهار العظام كدجلة والفرات وجيحون وسيحون والأردن ونحو ذلك، وكل هذا يجري إلى القبلة. وكذا الجبال والبحار يستدلُّ بها على القبلة. إذا ثبت هذا قلنا: متى عرف الإنسان هذه الأدلَّة كان مجتهدًا في أمر القبلة إذا خفيت عليه ولم يجد مخبرًا فيصلي إلى جهة يؤديه اجتهاده إليها، وإن خفيت عليه الأدلة لغيم أو ظلمة ونحوها، فإنَّه يتحرَّى ويصلي إلى أيِّ جهة يغلب على ظنّه أنَّها جهة القبلة، وصلاته تامّة عندنا، وعند الشافعي لا تجزئه إلَّا إصابة العين لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ولنا أنه أتى بما في وسعه، وهو التوجُّه إلى جهة القبلة، وتكليف ما ليس في الوسع حرفي عظيم، وقد اجتهد فصار كالحاكم إذا خفي عليه نصٌّ. وأمَّا الآية فالمراد بها إذا كان حاضرًا بمكَّة، أمَّا إذا كان غائبًا فقبلته جهة الاجتهاد والتحري، وقد ذكرنا مسائل استقبال القبلة في كتب الفقه. فصل في حجّ إبراهيم وتعليم جبريل إيَّاه المناسك روى مجاهد عن ابن عباس قال: لما تكامل بناء البيت أوحى الله إلى إبراهيم: أن أذّن في الناس بالحجّ، فقال: يا ربِّ، ومن يبلّغ صوتي؟ فقال الله: منك الأذان وعليَّ البلاغ. فقام على أبي قبيس فاستقبل اليمن ثمَّ المشرق ثم الشام ثم المغرب، ونادى: أيها النَّاس، إنَّ ربّكم قد بنى بيتًا فحجُّوه (٣).

стр. 449

قال المفسرون: فأسمع مَنْ بين السماء والأرض ومَنْ في أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء؛ قال الضحَّاك: فأجابوه جميعًا: لبيك اللهمَّ لبيك، فمنهم من لبَّى مرَّة ومنهم من لبَّى مرتين وثلاثًا وأقل وأكثر، فحجُّوا على قدر ذلك، ومن لم يلبِّ لم يحج. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحجّ: ٢٧] أي: ركبانًا قد ضمرهن السَّفر، والفجُّ العميق: البعيد (١). وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن الزهري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "جَاءَ جبريلُ ﵇ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵉ فأراهم الطَّواف، ثم خرج بهما إلى منى، فقال: صلِّيا ها هنا، وأقامَ بهما إلى اليومِ الثاني، فغدا بهما إلى عرفاتٍ فأنزَلَهُما حيثُ ينزلُ الناسُ اليومَ، وجمَعَ بهما بين الظهرِ والعصرِ، ثم وَقَف بهما وعلَّمهما المناسِكَ، فجعلَ إبراهيمُ يقول: عَرفتُ عَرفتُ فلذلك سُميت عرفاتٍ". وقال مجاهد: قال إبراهيم: يا ربِّ، كيف أقول؟ فقيل له: اصعد على الجبل وناد: أيها النَّاس، أجيبوا ربّكم لبيك اللهم لبيك، فقال ذلك في جميع الجهات، فهذا أصل التلبية (٢). فإن قيل: فالنفس أبدًا تتوق إلى مكة مع علمها بتحمُّل المشاق فما سببه؟ فالجواب من وجوه: أحدها: قول الخليل: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أي: تشتاق وتحنُّ، ولو لم يقل ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ لحجَّه اليهود والنصارى. والثاني: لأنَّ الله تعالى أخرج ذرِّيَّة آدم بأرض نَعمان، وهي أرض عرفة، وقد ذكرناه (٣)، فصار ذلك المكان وطنًا، والنفس أبدًا تنازع إلى حبِّ الوطن. والثالث: لأنَّ الله سبحانه ينظر في ليلة النصف من شعبان إلى الكعبة فتحنُّ إليها

стр. 450

قلوب الحاجَّ. وقال مقاتل: حجَّ إبراهيم واسماعيل ماشيين (١). وقال ابن مسعود في تأويل قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] قال: هو طريق مكة، أمنعهم من الحج (٢). حدَّثنا غير واحد عن أبي منصور القزَّاز بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد عن زاذان قال: مرض ابن عباس مرضًا شديدًا فدعا ولده فجمعهم وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن حجَّ من مكة ماشيًا حتى يَرجِعَ إلى مَكةَ كَتبَ اللهُ لهُ بكُلّ خُطوَةٍ سبع مئة حسنةٍ مِن حسناتِ الحَرَمِ. قيل لهُ: وما حسناتُ الحَرمِ؟ قال: بِكُلِّ حَسَنةٍ مئةُ ألفِ حسنةٍ" (٣). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحَجُّ المبرُورُ ليسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجنَّةُ، والعُمرَةُ إِلى العُمرَةِ تكفِّرُ مَا بَينَهما" (٤). وقال أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن حَجَّ هَذا البيتَ فلَم يَرفُثْ ولَم يَفسُق رَجَعَ كما وَلَدَته أمّه" (٥). الحديثان في الصحيحين. فصل في صحف إبراهيم ﵇ - حدثنا غير واحد عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزاز بإسناده عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزل الله؟ فقال: "مئة كتاب وأربعة كتب، أنزلَ الله على آدم عشرين أو عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين، وعلى إبرإهيم عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن".

стр. 451

وقد رواه ابن قتيبة فقال: أنزل الله على آدم عشر صحائف، وعلى إبراهيم عشرين (١). قال أبو ذر: فقلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالًا كلها: أيها الملك المسلَّط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكنِّي بعثتك لتردَّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات يناجي ربَّه، ساعةٌ يفكّر فيها وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال. وعلى العاقل أن لا يكون طاغيًا إلَّا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمَّة لمعاش، ولذَّة في غير مُحرَّم. وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه. ومن حسب كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه. وسلام على من أكرم الضيف، ومن أهانه فهو في الدرك الأسفل من النار". قال أبو ذر: فلهذا كان إبراهيم لا يأكل إلَّا مع الضيف (٢). وقال مقاتل: أنزل الله على إبراهيم الصحف وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: ابن ثمانين. فصل في اتخاذ الله إياه خليلًا قال أهل اللغة: الخليل الصديق، والخُلَّة الصداقة. قال الجوهري: الخُلَّةُ: الخليل، يستوعب فيه المذكر والمؤنث، لأنه في الأصل مصدر (٣). فإن قيل: فإذا كانت الخُلَّة عبارة عن الصداقة فهذا المعنى معدوم في حقِّ الله تعالى، قلنا: معنى الخُلَّة من إبراهيم المودَّة والطَّاعة لله والتقرُّب إليه بما يكون سببًا للزلفى، ومن الله تعالى بمعنى الإقبال عليه والإحسان إليه. واختلفوا في سبب اتخاذ الله إيَّاهُ على أقوال:

стр. 452

أحدها: لإطعامه الطعام ولم يكن يأكل إلَّا مع الضيف، رواه عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ . حدَّثنا جدَّي حدَّثنا أبو القاسم الحريري بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "سألت جِبرِيلَ لمَ اتخَذَ الله إِبراهيمَ خَلِيلًا؟ فَقال: لإطعامِهِ الطَّعَامَ (١) ". الثاني: لأنه أصاب أهل ناحيته جدب (٢)، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: أصابت الناسَ سنةٌ جهدوا فيها، فجاؤوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكان له صديق بمصر، وكان يبعث إليه غلمانه بالإبل فيمتارون (٣)، فذهبوا إلى صديقه فلم يعطهم شيئًا، وقال: لو كان إبراهيم إنما يمتار لنفسه احتملنا ذلك، فقد دخل علينا من الشدَّة ما دخل على الناس، فرجعوا من عنده، فمرُّوا على كثيب رمل، فقال بعضهم: خذوا منه لئلا يقول الناس لم يأتوا بشيء، فمرُّوا تلك الغرائر وجاؤوا فأخبروا إبراهيم بأن صديقه لم يعطهم شيئًا، وأنَّهم ملؤوا الغرائر رملًا، فنام مهمومًا. وجاءت سارَة -وكانت غائبة- ففتحت بعض الغرائر تظنُّ أنَّ في الغرائر دقيقًا، فإذا دقيق حوَّارى (٤)، فعجنت وخبزت، فانتبه إبراهيم فرأى الخبز فقال: من أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري. فقال: بل من عند خليلي الله، ففرَّقه على الناس فاتخذه الله خليلًا (٥). والثالث: لأنه لما كسر الأصنام غَيرةً لله اتخذه الله خليلًا، قاله مقاتل (٦). والرَّابع: لأنه لم يخير بين شيئين إلَّا اختار ما لله فيه رضىً. قاله الربيع بن أنس. وقال ابن سعد بإسناده عن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا كان له يومئذ ثلاث مئة عبد فأعتقهم، فكانوا يجاهدون بين يديه (٧). وإبراهيم أوَّل من عمل القسيَّ العربية، وأما القسيُّ الأعجميَّة فأوَّل من عملها نمرود (٨).

стр. 453

فصل في سؤال الخليل ربَّه أن يريه كيف يحيى الموتى فإن قيل: فهل كان شاكًّا حتى قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٥]؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه أراد أن يجمع بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، كما أنَّ الإنسان يعلم الشيء ويتيقَّنه ولكن يحبُّ أن يراه عيانأ، كما أنَّ المؤمنين يحبُّون الله ويختارون رؤيته في الجنان مع الإيمان وزوال الشك، قاله ابن عباس. والثاني: أنه رأى دابَّة ميِّتة على جانب البحر تاكلها دوابُّ البحر وتمزِّقها دواب البرِّ، فجاءه الخبيث فقال له: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذه من بطون السِّباع والحيتان؟ فقال: ﴿أَرِنِي كَيفَ تُحْييِ الْمَوْتَى﴾ لتذهب عني وسوسة الشيطان، قاله ابن زيد ومقاتل. والثالث: أنه لما بُشِّر بالخلَّة سأل ذلك ليتيقَّن بالإجابة صحَّة ما بشّر به، قاله ابن مسعود والسُّدي. والرَّابع: لأنه لما ناظر نمرود وقال له: أنا أحي وأميت قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال له نمرود: أنت عاينت ذلك؟ فلم يقل: نعم لأنه ما شاهده، فلمَّا قال: أرني كيف تحيي الموتى قال له الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فلعل نمرود يناظرني مرَّة ثانية فأقول: نعم، فلا أحتاج إلى الانتقال إلى حجَّة أخرى (١). فإن قيل: فكل هذه الأجوبة مجاز لا حقيقة، وقد ثبت أنه كان شاكًّا مثل قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨] والدليل عليه ما رواه الأئمة، فقال أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحنُ أحقُّ بالشَّكِ من أَبينَا إِبراهيمَ حيثُ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ثم قرأ الآية حتى أنجزها، أخرجاه في الصحيحين (٢)، وفيه: "يَرحمُ اللهُ لوطًا لقد كانَ

стр. 454

يَأوي إلى رُكنٍ شَديدٍ ولو لَبِثتُ ما لَبِثَ يُوسفُ في السِّجنِ لأَجَبتُ الدَّاعِي" (١). والجواب: قالوا: ما شهد له الرَّسول بالشكِّ، وإنما مدحه لأنَّ معناه نم ن أحق بالشكِّ منه وما شككنا، وكيف يشكُّ هو، وإنما شك هل يجيبه إلى سؤاله أم لا؟ وكذا باقي الحديث مدح للوط ويوسف. وقال ابن إسحاق: هذه الواقعة جرت لإبراهيم قبل النبوَّة، وقبل إنزال الصحف، وقبل أن يولد له، وقبل بناء البيت، لأنه مرَّ على بحيرة طبريَّة لما دخل الشَّام فرأى الميتة على جانبها فيكون هذا من جنس قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. وقال محمد بن مقاتل الرَّازي: ما كان شاكًّا في القدرة بدليل قوله: ﴿أَرِنِي﴾ ولو كان شاكًّا لقال: هل تحيي الموتى؟ فكان معنى قوله: ﴿أَرِنِي﴾ أي ما أنا موقن به، ولكن ليطمئنَّ قلبي بزيادة اليقين والحجَّة وحقيقة الخُلَّة وإجابة الدعوة. فقال له الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ﴾. واختلفوا في الذي أخذ، والمشهور أنَّه أخذ طاووسًا ونسرًا وغرابًا وحمامًا، رواه مجاهد عن ابن عباس (٢)، وفيه إلثمارة إلى أحوال الدنيا فالطَّاووس من الزينة، والنسر من امتداد الأمل، والغُراب من الغربة، والحمام من النِّياحة، وقيل: وديكًا عوض النسر. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ ومعناه: اجمعهُن وضمَّهنَّ، ومعناه أيضًا: قطّعهنَّ ومزِّقهنَّ، وأنشدوا في اللغز: [من الخفيف] وغلام رأيتُه صَارَ كَلبًا … ثُمَّ في ساعتينِ صارَ غَزالا (٣) ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ أي بعضًا. فإن قيل: فلم قال: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] ولم يقل: طيرانًا، قلنا: لو طارت لتوهم متوهِّم أنها غيرُ تلك، وأدتَّ أرجلَها غيرُ سليمة، فكان أبلغ في الحُجَّة وأبعد من الشُّبهة.

стр. 455

وقال مقاتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله فكأنَّه يقول: كما قدرتُ أن أبعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، فكذا أبعت الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها، وهي الجنوب والشمال والدَّبُور والصَّبا. فإن قيل: فلمَ خصَّ أربعة أطيار؟ قلنا: لأجل الاستقصَّات الأربع التي بها قوامُ العالم. والجبال من جبال الشام، وقيل: على جبل لُبنَان، وسَيير، وجبل القُدس، وطُور سَيناء. وقال أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا القاسم ابن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع وكان حكيمًا يقول: صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لكل آيةٍ ظهرٌ وبطنٌ، ولكلِ حرفي حدٌّ ومَطلعٌ". وظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وباطنها أنَّ إبراهيم أُمِرَ بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين الإياس، كما ذبح الأَطيارَ الأَربعةَ بسكين الحديد، فالنسر مَثلٌ لطول العمر والأمل، والطَّاووس زينةُ الدنيا وبهجتُها، والغراب الحرص، والدِّيك الشهوة. قلت: الخليل ﵇ منزَّهٌ عن مثل هذا، لأنَّ الله تعالى عصمه من كل ما ذُكِرَ من الأمثال، فتحصيل الحاصل محال. فصل في ابتلائه بالكلمات قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] الآية. والابتلاء: هو الامتحان والاختبار. واختلفوا في الكلمات: قال ابن عباس: هي خمسٌ في الرَّأس: قصُّ الشارب، والمضمضة والاستنشاق، والسِّواك، وفرق الرَّأس، وخمس في الجسد: وهي تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط والختان، وغسل موضع الاستنجاء والبول بالماء (١).

стр. 456

وقال الحسن البصري: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر (١). وقال مجاهد: بالنَّار. وقال الرَّبيع: بالجبَّار الذي أخذ سارَة. وقال مقاتل: بنمرود. وقال مقاتل بن حيَّان: بذبح الولد. وروي عن ابن عباس أنَّها المناسك: الطَّواف بالبيت والسَّعي ورمي الجمار والإفاضة، والغسل من الجنابة والغسل يوم الجمعة. وقال مقاتل بن سليمان: هي كل مسألة في القرآن مثل قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ونحو ذلك. (٢) قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] الذرية: من ذرأ الله، أي: أخرج، وقال الزجاج: هي فعلية من الذرّ الذي أخرج من ظهر آدم. قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: لا ينال ميثاقي العصاة (٣). فصل في ابتلائه بذبح ولده (٤) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية. قال علماء السِّير: كان السبب في الأمر بذبح ولده أنه لما فارق قومه مهاجرًا إلى الشام فارًّا بدينه كما قال الله تعالى: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩] دعا أن يرزقه ولدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فلمَّا أقام بفِلَسطِين ونزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكات -وهي قرى قوم لوط- وبشَّروه بغلام حليم، قال: هو لله ذبيح، فلمَّا ولد له الغلام من سارَة وصلح أن يسعى معه أتاه آتٍ في منامه فقال له: أوفِ بنذرك. وقال ابن عباس: وكان عمره يومئذٍ ثلاث عشرة سنة،

стр. 457

وهذا الزَّمان أحبُّ ما يكون الولد إلى والده، لأنَّه قد استغنى عن الحضانة وكلفة التربية، ولم يبلغ إلى حالة العقوق، فكانت البلوى به أشدَّ. فقال له: يا بنيَّ، انطلق بنا نقرِّب قربانًا، فأخذ سكينًا وحبلًا وانطلق معه، حتى إذا كان بين الجبال قال له الغلام: يا أبتِ، أين قربانك؟ فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية. فإن قيل: فهل يجوز ذبح مثل ذاك الغلام بمنام، وقد كان جبريل يأتيه بالوحي شفاهًا لا في الأحلام؟ فالجواب: إنَّ الإنسان يكره أن يواجه بذبح ولده، فترك مخاطبة جبريل بذلك من باب الاحترام والإجلال والإعظام، وأمَّا منامات الأنبياء ﵈ فحقّ لأنها وحي على لسان ملك الرؤيا، وتارة يخاطبهم الله تعالى بما فيه مصالح الأنام. وقال علماء السِّير ممن سمَّينا: لمّا رأى إبليس ذلك قال: لئن لم أفتنْ إبراهيم اليوم وولده وسارَة، وإلا لم أظفر منهم بشيء أبدًا، فأتى أتمَ الغلام فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب يحتطب لنا من هذا الشعب، قال: والله ما ذهب به إلا ليذبحه، فقالت: كلَّا هو أرحم به وأشدّ حبًّا له، قال: يزعم أنَّ الله أمره بذلك، فقالت: إن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربَّه، سلَّمنا لأمر الله وقضائه. فلمَّا يئس منها أتى الغلام وهو يمشي وراء أبيه فقال له: يا غلام، هل تدري أين يَذْهَبُ بك أبوك؟ قال: نعم يحتطب لأهلنا من هذا الشعب، فقال: لا والله، ما يريد إلّا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره ربّه به، سمعًا وطاعةً. فلمَّا يئس من الغلام أتى إبراهيم فقال: أيها الشيخ، أين تريد بهذا الغلام؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لنا فيه، فقال: والله إني لأرى أن الشيطان جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك، فعرفه إبراهيم فقال له: إليك يا خبيث عني، فو الله لأُمضينَّ أمر ربي. فرجع عدوّ الله خاسئًا خاسرًا لم يبلغ من سارَة والغلام وإبراهيم ما أراد (١). وقال ابن عباس: فلمَّا علم الغلام أنه ذابحه قال له: يا أبة، اشدد رباطي لئلا أضطرب، واكفف ثيابك عن دمي لئلا يصيب ثوبك فتراه أمي فتحزن، وأسرعْ مرَّ

стр. 458

السكين على حلقي ليكونَ أهونَ للموت عليَّ، وإذا أتيت أمِّي فأقرئها السَّلام عني، واذكرْ لها ثواب الصابرين. فأقبل إبراهيم يقبِّله ويبكي ويقول: نعم العونُ أنت يا بُنيَّ على أمري، والغلام يبكي، وضجَّتْ ملائكة السماء بالبكاء، فقال الله: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي استحقَّ الخُلَّة أم لا؟ فقالوا: إلهنا، لو كنَّا مكانه لم نصبر. وإنما قال له: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] ليختبر ما عنده من الرَّأي في أمر الله فإن أجاب حزن عليه، وإن امتنع لم يحزن عليه. فلمَّا قال له: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ازداد بلوى بفراقه. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه على جنبه فصار أحد جَبينَيهِ على الأرض -وهما جبينان والجبهة بينهما، والعوام تسفي الجبهة جبينًا- فأمرَّ السِّكين على حلقه فلم تعمل شيئًا، وضرب الله على حلقه صفيحة نحاس فانقلبت السكين، فناداه الغلام: يا أبت، اقلبني على وجهي فلعلك تستحي أو تدرك رقة فتحول بينك وبين أمر الله وضجَّت السَّماوات والأرض ومن فيهما لما رأوا من صبر الغلام. فبينما هو كذلك قلب الله الشفرة ونودي الخليل ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] فالتفت فإذا بكبش أملح من الجنَّة قد رعى فيها أربعين خريفًا. وقال مقاتل: هو الكبش الذي قرَّبه هابيل، جاء به جبريل. وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أنَّ إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين حكاه جدِّي ﵀ في "التبصرة" (١). فخلى عن الغلام وجعل يقبِّله ويبكي ويقول: اليومَ وُهبت لي يا بنيَّ، واشتغل بذبح الكبش عنه، فحلَّ جبريل كتافه فالتفت إبراهيم فرآه فقال: من حلَّ كِتافك؟ فقال: الذي جاءك بالكبش. وقال أهل المعاني: هذا جواب إبراهيم لما ذهب إسماعيل ليأتيه بالحجر الأسود وجاءه جبريل به، وجاء إسماعيل فقال: يا أبت، من أين لك هذا؟ قال: جاءني، به من لم يكلني علي بنائك (٢).

стр. 459

فإن قيل: فكيف لم تقطع السكين حَلْقَ الغلام، وقطعت حلق الحسين ﵇؟ فالجواب من وجوه: أحدها: لأنَّ النبي ﷺ كان في ظهر الذبيح على قول من يقول إنه إسماعيل، فلم تعمل السكين فيه احترامًا لرسول الله ﷺ . والثاني: لأنها لو قطعت عنق الذبيح لاحتاج النَّاس في كل سنة إلى ذبح أولادهم أسوةً به، ففداه الله بالكبش لطفًا منه ورحمة، فكان الكبش فداء للنَّاس كلهم إلى يوم القيامة. والثالث: لأنَّ الذابح للغلام كان شفيقًا، والذابح للحسين كان عدوًّا، العدوُّ ما في قلبه رحمة بخلاف الوالد. والرَّابع: أنَّ الحسين وافق أولاد الأنبياء كيحيى بن زكريا، ولهذا عدد حروف اسم الحسين على عدد حروف يحيى، فجعلت الموافقة في الاسم والرَّسم والشَّهادة، وحظي قاتل الحسين باللعنة إلى يوم القيامة من عالم الغيب والشهادة. قال علماء السِّير: فلمَّا رجع الغلام إلى أمّه رأته ممتقعَ اللون، فسألته فأخبرها فقالت: أردتَ يا إبراهيم أن تذبح ولدي ولا تخبرني؟! فيقال: إنَّها انفطرت مرارتها فماتت بعد ثلاثة أيَّام (١). وقال مقاتل: إنما رأى مقدِّمات الذَّبح من المعالجة ولم ير الإراقة، فلمَّا فعل في اليقظة ما رآه في المنام قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] أي الاختبار الخالص. وقال الزهري: وفي ذلك يقول أميَّة بن أبي الصَّلت (٢): [من الخفيف] ولإبراهيمَ المُوَفِّي بالنَّذ … رِ احتسابًا وحاملِ الأثقالِ

стр. 460

يا بُنيَّ إني نَذرتُكَ لِلـ … ـهِ ذبيحَّا فاصبرْ على الأهوالِ بينما يَنزعُ السرابيلَ عنهُ … فكَّهُ ربُّهُ بكبش جُلالِ رُبَّما تَجزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمـ … ـر لهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقَالِ من أبيات. ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أراد الاسم، وهو ما هُيِّئَ للذبحِ من الحيوانات، وهو ما يذبح إلى يوم القيامة، وهذا أبلغ. وقيل: إنما وصفه بالعِظَم، لأنه رعَى في الجنَّة مدَّة، وقيل: لأنَّه متقبَّل (١). ذكر اختلاف العلماء في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ ذهب عامَّة الصحابة والتَّابعين ومن بعدهم إلى أنه: إسحاق، وهو قول العباس بن عبد المطلب، وعلي، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، وكعب الأحبار، والحسنِ البصري، ومسروق، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والقاسم بن أبي بَزة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن ساباط، والزهري، والسُّدي، وعبيد بن عمير، ووهب، وأبي ميسرة، وقول أهل الكتابين التوراة والإنجيل، ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وعن ابن المسيِّب روايتان (٢). وقالت طائفة: هو إسماعيل، وبه قال عبد الله بن عمر، وأبو الطفيل واثلة بن الأسقع، ومعاوية، وعبد الله بن سلَام، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والشعبي، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وابن المسيّب ومالك والشافعي، والحسن البصري في رواية (٣). وجه قول القائلين إنه إسماعيل قال أبو إسحاق الثعلبي: روى عمر بن عبد الرحمن الخطَّابي [بإسناده عن الصُّنابحي] قال: كنَّا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟
следующие страницы →